Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.
стр. 7141
قُلْتُ: وتقرير ذلك أنَّ قوله: «فَهُوَ كَمَا قَالَ». أي كاذب، فإنَّه قال كذباً، وذلك لأنَّه أخبر ببراءته من الإسلام، وهو لا يعتقد ذلك، وهذا هو حقيقة الكذب، أو المراد أنَّه لم يقل ما يعتقده من تعظيم تلك الملة فيكون كاذباً بذلك.
وقد يجاب بأنَّ هذا القول بعيد عن ظاهر الحديث، فإنَّ ظاهره، أنَّه كما قال: يعني: أنَّه يهودي أو نصراني، أو غير ذلك من ملل الكفر التي تلفظ بها.
وهذا التأويل مبني على أنَّ قوله: «كَاذِبًا». أي في اعتقاده، وليس في المحلوف عليه، وقد سبق أنَّ بيَّنا عدم استقامة هذا التأويل.
التأويل الثاني: أنَّه محمول على من قصد تعظيم الملة المغايرة لملة الإسلام فإنَّه بذلك يصير كافراً، وأمَّا من قصد مجرد الحلف لا التعظيم فلا يكفر بذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٥): «يحتمل أن يريد به النبي ﷺ : من كان معتقداً لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الإسلام؛ وحينئذ: يكون كافراً حقيقة، فيبقى اللفظ على ظاهره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٢): «ثم إن كان الحالف به معظماً لما حلف به مجلاً له كان كافراً، وإن لم يكن معظماً بل كان قلبه مطمئناً
стр. 7142
بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به، ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به، ولا يكون كافراً خارجاً عن ملة الإسلام» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٩): «والتحقيق التفصيل فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر فإن كان أراد أن يكون متصفاً بذلك كفر لأنَّ إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيها الثاني هو المشهور» اهـ.
قُلْتُ: وقد يجاب بأنَّ قيد التعظيم لا وجود له في الحديث، ولو كان من القيود المعتبرة لذكره النبي ﷺ ولم يكتف بقيد الكذب والعمد.
التأويل الثالث: أنَّ المراد به كفر النعمة والإحسان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٢): «ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر، ويراد به كفر الإحسان، وكفر نعمة الله تعالى فإنَّها تقتضي أن لا يحلف هذا الحلف القبيح» اهـ.
قُلْتُ: وقد يجاب عنه بأنَّ لفظ الحديث: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ». وظاهره، أنَّ من قال: هو يهودي إن فعل كذا، وهو كاذب في ذلك فهو يهودي، ومن قال: هو نصاري إن فعل كذا، وهو كاذب في ذلك فهو نصراني، ومن قال:
стр. 7143
هو مجوسي إن فعل كذا، وهو كاذب في ذلك فهو مجوسي، ومثل هذا لا يمكن حمله على كفر النعمة، وحمله على ذلك غير معهود في الألفاظ الشرعية، نعم لو كان لفظ الحديث: من حلف على ملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كافر لاستقام حمل ذلك على كفر النعمة والإحسان، فإنَّ الكفر قد ورد في الأدلة الشرعية على معنى ذلك، لكن هذا لم يرد في الحديث.
التأويل الرابع: أنَّ الحديث وارد على معنى التهديد والوعيد لا حقيقة الكفر.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٩): «ويحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم» اهـ.
قُلْتُ: وقد يجاب بأنَّ الأصل إجراء الحديث على ظاهره.
وقد يقوى ذلك بأنَّ الحالف بذلك ليس مقصوده الكفر، وإنَّما مقصوده تصديق خبره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٢/ ٧٤ - ٧٥): «لأنَّه إنَّما قصده في الماضي الخبر التصديق أو التكذيب، وأكده باليمين كما يقصد الحظ أو المنع في الأمر أو النهي، وأكده باليمين، فكما قالوا: يجب الفرق في المستقبل بين من قصده اليمين وقصده الإيقاع، وأنَّ الحالف لا يلتزم وقوعه عند المخالفة، والموقع يلتزم
стр. 7144
ما يريد وقوعه عند المخالفة، فهذا الفرق موجود في التعليق على الماضي، فإنَّه تارة يقصد اليمين، وتارة يقصد الإيقاع، فالحالف يكره لزوم الجزاء، وإن حنث صدق أو كذب لم يقصد إيقاع ما التزمه إذا كذب، كما لم يقصد في الحظ والمنع والشارع لم يجعل من التزم شيئاً يلزمه، سواء بر أو فجر، ولهذا لم يكفر باليمين الغموس إجماعاً لأنَّه لم يقصد نفي حرمة الإيمان بالله، لكن فعل كبيرة مع اعتقاده أنَّها كبيرة» اهـ.
التأويل الخامس: أنَّ المراد به الكفر الأصغر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٢/ ٧٥) - بعد كلامه السابق مباشرة -: «والقول في الخبر كنظائره كفر دون كفر، وقد يجتمع في الإنسان شعبة من شعب الكفر والنفاق» اهـ.
قُلْتُ: وقد يجاب بأنَّ قوله في الحديث: «فَهُوَ كَمَا قَالَ». أي من تلك الملة التي حلف عليها، وهو قد يحلف على اليهودية والنصرانية والمجوسية، ولم يعهد في الشرع تقسيم هذه الملل إلى أكبر وأصغر.
стр. 7145
قُلْتُ: إن كان الحلف بملة غير الإسلام على أمر مستقبل فلا إشكال في عدم كفره لأنَّه لم يرد بذلك الكفر، فإنَّه إنَّما حلف بذلك لشدة امتناعه من الكفر، ولبغضه له.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٥٦):
«أحدها: أنَّ الحالف بالكفر والإسلام كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني. وقول الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم: هو التزام للكفر والإسلام عند الشرط ولا يلزمه ذلك بالاتفاق؛ لأنَّه لم يقصد وقوعه عند الشرط؛ بل قصد الحلف به» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣٣/ ١٣٧): «وقد اتفق المسلمون على أنَّه من حلف بالكفر والإسلام أنَّه لا يلزمه كفر ولا إسلام. فلو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي وفعله لم يصر يهودياً بالاتفاق. وهل يلزمه كفارة يمين؟ على قولين:
أحدهما: يلزمه؛ وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه.
والثاني: لا يلزمه؛ وهو قول مالك والشافعي؛ ورواية عن أحمد؛ وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه إذا اعتقد أنَّه يصير كافراً إذا حنث وحلف به فإنَّه يكفر.
стр. 7146
قالوا: لأنَّه مختار للكفر. والجمهور قالوا: لا يكفر؛ لأنَّ قصده أن لا يلزمه الكفر؛ فلبغضه له حلف به» اهـ.
وأمَّا إن كان الحلف بملة غير الإسلام على أمر ماضٍ هو فيه كاذب ففي كفره نزاع بين العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٧٦):
«يوضح ذلك أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال" أخرجاه في الصحيحين فجعل اليمين الغموس في قوله: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا كالغموس في قوله: والله ما فعلت كذا؛ إذ هو في كلا الأمرين قد قطع عهده من الله حيث علق الإيمان بأمر معدوم والكفر بأمر موجود بخلاف اليمين على المستقبل. وطرد هذا المعنى أنَّ اليمين الغموس إذا كانت في النذر أو الطلاق أو العتاق وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة كما يقع الكفر بذلك في أحد قولي العلماء» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦): «فإن كان قد حلف بهذه الأيمان يميناً غموساً فمن أوجب الكفارة في اليمين الغموس وقال:
стр. 7147
إنَّ هذه الأيمان تكفر فإنَّه يوجب فيها كفارة. وأمَّا من قال: اليمين الغموس أعظم من أن تكفر فلهم قولان:
أحدهما: أنَّ هذه يلزمه فيها ما التزمه من نذر وطلاق وعتاق وكفر. وإن قيل إنَّ ذلك لا تلزمه اليمين المغفورة وهي الحلف على المستقبل وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة وأحمد. واحتجوا بقول النبي ﷺ : "من حلف بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال". قالوا: لأنَّ هذه اليمين غير منعقدة بل الحنث فيها مقارن للعفو فلا كفارة فيها وقد التزم فيها ما التزمه مع علمه بكذبه فيجب إلزامه بذلك عقوبة له على كذبه وزجراً لمن يحلف يميناً كاذبة بخلاف اليمين المنعقدة فإنَّ صاحبها مطيع لله ليس بعاص.
والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أن لا يلزمه ما التزمه من كفر وغيره كما لا يلزمه ذلك في اليمين على المستقبل وإنَّما قصد في كلا الموضعين اليمين. فهو لم يقصد إذا كان كاذباً أن يكون كافراً ولا أن يلزمه ما التزمه من نذر وطلاق وعتاق وغير ذلك كما لم يقصد إذا حنث في اليمين على المستقبل أن يلزمه ذلك؛ بل حقيقة كلامه ومقصوده هو اليمين في الموضعين: فما فرق فيه بين الكفر والنذر والطلاق والعتاق في أحد الموضعين وبين الحلف بذلك يفرق به في الموضع الآخر؛ لكن هو
стр. 7148
في الموضعين قد أتى كبيرة من الكبائر بيمينه الغموس فعليه أن يتوب إلى الله منها كما يتوب من غيرها من الكبائر وإذا تاب من الذنب كان كمن لا ذنب له؛ ولا يصدر كفر ولا نذر ولا طلاق ولا عتاق بل إنَّما صدر منه الحلف بذلك. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ويشبه هذا الحديث ما رواه أحمد (٢٣٠٥٦، ٢٣٠٦٠)، ومن طريقه أبو داود (٣٢٥٨)، ورواه النسائي (٣٧٧٢)، وابن ماجة (٢١٠٠) من طريق حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٤٠٧): «قوله: "فإن كان كاذباً". فهو كما قال: أي أخبر بأمر ماض، وعلق براءته من الإسلام على كذبه في ذلك الإخبار، وكان كاذباً فهو كما قال، أي من البراءة من الإسلام، وهو صريح في أنَّ هذا الكلام كفر، وهو ظاهر المعنى كما لو علق طلاق زوجته أو عتق عبده على دخول الدار في الماضي وكان قد دخل، نعم لو بنى إخباره بذلك على ظنه أنَّه كذلك فينبغي أن لا
стр. 7149
يكفر لأنَّه ربط الكفر بأمر يظن أنَّه غير حاصل فلا خلل في اعتقاده، ولا في لفظه باعتبار ظنه، ولم يتناول الحديث هذه الصورة عند من يشترط التعمد في حقيقة الكذب.
وأمَّا عند من لا يشترطه فهو عام مخصوص، ويدل لذلك قوله في حديث ثابت بن الضحاك: "من حلف بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال"، وهو في الصحيحين بهذا اللفظ، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ النَّجْمِيُّ ﵀ فِي [تَأْسِيْسِ الْأَحْكَامِ] (٥/ ٨٧): «والظاهر من الحديث أنَّه يخرج من الإسلام ويكون متصفاً بالملة التي حلف بها والعياذ بالله» اهـ.
٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٢): «وقوله ﷺ : "كاذباً" ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقاً لأنَّه لا ينفك الحالف بها عن كونه كاذباً، وذلك لأنَّه لا بد أن يكون معظماً لما حلف به، فإن كان معتقداً عظمته بقلبه فهو كاذب في ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه فهو كاذب في الصورة لكونه عظمه بالحلف به، وإذا علم أنَّه لا ينفك عن كونه كاذباً حمل التقييد بكاذباً على أنَّه بيان لصورة الحالف، ويكون التقييد
стр. 7150
خرج على سبب فلا يكون له مفهوم ويكون من باب قول الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ونظائره كثيرة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ قوله: «كَاذِبًا». قيد لإخراج الصادق، فإنَّ الصادق لا يتناوله هذا الوعيد، وإنَّما له وعيد دون ذلك كما هو مبين في حديث بريدة، وهو أنَّه لا يرجع إلى الإسلام سالماً.
٤ - واحتج به بعض العلماء على عدم وجوب الكفارة في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٤٦): «فيه دليل على أنَّ من حلف بالبراءة من الإسلام فإنَّه يأثم ولا يلزمه الكفارة؛ وذلك لأنَّه إنَّما جعل عقوبتها في دينه ولم يجعل في ماله شيئاً» اهـ.
قُلْتُ: الحلف بملة غير الإسلام إن كان على أمر ماضٍ فليس فيه كفارة في قول أكثر العلماء، وأمَّا إن كان في أمر مستقبل ففيه نزاع، وقد أثبت الكفارة في ذلك
стр. 7151
الثوري والحنفية وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق، وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة كما روى ذلك البخاري في [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (١٣٩٨)، وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٠٠٠، ١٦٠٠١)، والدارقطني (٤٣٣١)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٨٢٩) من طريق بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ مَوْلَاتَهُ أَرَادَتْ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ: هِيَ يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ وَيَوْمًا نَصْرَانِيَّةٌ وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ وَكُلُّ مَالٍ لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَيْهَا الْمَشْي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ إِنْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، فَسَأَلَتْ عَائِشَةَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَحَفْصَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، فَكُلُّهُمْ قَالَ لَهَا: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي مِثْلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَأَمَرُوهَا أَنْ تُكَفِّرَ يَمِينَهَا وَتُخَلِّي بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وهذا هو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٢٤ - ٣٢٦): «وأمَّا الحلف بالنذر والظهار والحرام والطلاق والعتاق والكفر كقوله: إن فعلت كذا وكذا فعلي الحج أو مالي صدقة أو علي الحرام أو الطلاق يلزمني لأفعلن
стр. 7152
كذا وإن كنت فعلت كذا فعبيدي أحرار أو إن كنت فعلت كذا فإنِّي يهودي أو نصراني. فهذه المسألة للعلماء فيها "ثلاثة أقوال":
فقيل: إذا حنث يلزمه التوبة. وقيل: لا شيء عليه. وقيل: بل عليه كفارة يمين وهو أظهر الأقوال كما بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. فإن كان قد حلف بهذه الأيمان يميناً غموساً فمن أوجب الكفارة في اليمين الغموس وقال: إنَّ هذه الأيمان تكفر فإنَّه يوجب فيها كفارة. وأمَّا من قال: اليمين الغموس أعظم من أن تكفر فلهم قولان: أحدهما: أنَّ هذه يلزمه فيها ما التزمه من نذر وطلاق وعتاق وكفر. وإن قيل إنَّ ذلك لا تلزمه اليمين المغفورة وهي الحلف على المستقبل وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة وأحمد. واحتجوا بقول النبي ﷺ : "من حلف بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال". قالوا: لأنَّ هذه اليمين غير منعقدة بل الحنث فيها مقارن للعفو فلا كفارة فيها وقد التزم فيها ما التزمه مع علمه بكذبه فيجب إلزامه بذلك عقوبة له على كذبه وزجراً لمن يحلف يميناً كاذبة بخلاف اليمين المنعقدة فإنَّ صاحبها مطيع لله ليس بعاص.
والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أن لا يلزمه ما التزمه من كفر وغيره كما لا يلزمه ذلك في اليمين على المستقبل وإنَّما قصد في كلا الموضعين اليمين. فهو لم
стр. 7153
يقصد إذا كان كاذباً أن يكون كافراً ولا أن يلزمه ما التزمه من نذر وطلاق وعتاق وغير ذلك كما لم يقصد إذا حنث في اليمين على المستقبل أن يلزمه ذلك؛ بل حقيقة كلامه ومقصوده هو اليمين في الموضعين: فما فرق فيه بين الكفر والنذر والطلاق والعتاق في أحد الموضعين وبين الحلف بذلك يفرق به في الموضع الآخر؛ لكن هو في الموضعين قد أتى كبيرة من الكبائر بيمينه الغموس فعليه أن يتوب إلى الله منها كما يتوب من غيرها من الكبائر وإذا تاب من الذنب كان كمن لا ذنب له؛ ولا يصدر كفر ولا نذر ولا طلاق ولا عتاق بل إنَّما صدر منه الحلف بذلك. والله أعلم» اهـ.
٥ - يخرج من قيد: «مُتَعَمِّدًا». من حلف بذلك مخطأ، كمن يحلف على شيء يغلب على ظنه فلا يكون كذلك.
٦ - وفيه حرمة جناية الإنسان على نفسه بالقتل، وبيان أنَّ ذلك من كبائر الذنوب.
قُلْتُ: ويدخل في ذلك ما يسمى بالعمليات الاستشهادية، وليس ذلك من الشهادة في شيء، وإنَّما هو من قتل النفس المحرم بالكتاب والسنة والإجماع.
٧ - وفيه أنَّ الإنسان مستأمن على نفسه فليس له أن يتصرف في بدنه بما يشاء.
٨ - وفيه مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية.
وفي الباب ما رواه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩) عَنْ
стр. 7154
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».
٩ - وفيه النهي عن النذر فيما لا يملك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٢): «فهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه، بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بثوبه أو بداره أو نحو ذلك.
فأمَّا إذا التزم في الذمة شيئاً لا يملكه فيصح نذره، مثاله: قال: إن شفى الله مريضي فلله علي عتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها، فيصح نذره، وإن شفي المريض ثبت العتق في ذمته» اهـ.
١٠ - واحتج به على عدم وجوب الكفارة في ذلك لعدم أمر النبي صلى الله عليها وسلم بها.
стр. 7155
قُلْتُ: هذه المسألة مما تنازع فيها العلماء، فمنهم من لم ير في ذلك كفارة، ومنهم من أوجبها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٨٧): «واختلف فيمن وقع منه النذر في ذلك هل تجب فيه كفارة فقال الجمهور: لا. وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية: نعم» اهـ.
قُلْتُ: النذر فيما لا يملك داخل في نذر المعصية لأنَّه تصرف في ملك الغير بغير إذن منه، وقد جاء الأمر بالكفارة في نذر المعصية في عدة أحاديث منها:
حديث عائشة: وقد رواه أحمد (٢٦١٤٠،)، وأبو داود (٣٢٩٠)، والترمذي (١٥٢٤)، والنسائي (٣٨٣٤، ٣٨٣٥، ٣٨٣٦، ٣٨٣٧، ٣٨٣٨)، وابن ماجة (٢١٢٥) من طريق يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قال أبو عيسى الترمذي ﵀: «هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ،
стр. 7156
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالحَدِيثُ هُوَ هَذَا» اهـ.
قُلْتُ: وهو ما رواه أبو داود (٣٢٩٢)، والترمذي (١٥٢٥)، والنسائي (٣٨٣٩) من طريق أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتيِقٍ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قال العلامة أبو داود ﵀: «قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، إِنَّمَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَرَادَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ وَهِمَ فِيهِ وَحَمَلَهُ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَأَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى بَقِيَّةُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، بِإِسْنَادِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، مِثْلَهُ» اهـ.
قُلْتُ: سليمان بن أرقم متروك.
стр. 7157
وروى الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢١٤٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِه».
قَالَ حَفْصٌ وَسَمِعْتُ ابْنَ مُجَبَّرٍ وَهُوَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللهِ فَذَكَرَهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَقَالَ فِيهِ: «يُكَفِّرُ يَمِينَهُ».
ثم قال العلامة الطحاوي ﵀: «فَتَأَمَّلْنَا إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَوَجَدْنَا حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ حَدَّثَ بِهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ ظَاهِرُهُ سَمَاعَ عُبَيْدِ اللهِ إِيَّاهُ مِنَ الْقَاسِمِ، فَكَشَفْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ". فَعَقَلْنَا
стр. 7158
بِذَلِكَ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ أَخَذَهُ عَنْ طَلْحَةَ كَمَا أَخَذَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْهُ، عَنِ الْقَاسِمِ» اهـ.
قُلْتُ: وليس في هذه الرواية الموصولة ذكر لكفارة اليمين، وأصل الحديث رواه البخاري (٦٦٩٦) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح في الحديث. والله أعلم.
وأمَّا حديث عمران بن حصين: فرواه النسائي (٣٨٤٠) أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَهُوَ عَلِيٌّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
ورواه النسائي (٣٨٤١) أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ﵄ به.
стр. 7159
ورواه النسائي (٣٨٤٢) أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٣) أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٤) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٥) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٦) أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ رَجُلًا، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ به.
стр. 7160
ورواه النسائي (٣٨٤٧) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٨) أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمٍ وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ به.
فرواه أحمد (١٩٩٦٩، ١٩٩٧٠) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ لَا يَشْهَدَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ؟ فَقَالَ عِمْرَانُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ وَاهٍ محمد بن الزبير هو الحنظلي متروك، وأبوه ضعيف، والراوي عن عمران رجل مبهم.
وقد جاء في بعض الطرق الماضية أنَّ محمد بن الزبير رواه عن الحسن، وفي بعضها أنَّه رواه عن أبيه عن عمران بغير واسطة، وكل هذا الاضطراب من جهة محمد بن الزبير. والله أعلم.
стр. 7161
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٨١٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا نَذَرَ فِي غَضِبٍ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قال الحاكم أبو عبد الله ﵀ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤/ ٣٣٨): «وقد أعضله معمر عن يحيى بن أبي كثير - ثم قال: الرجل الذي لم يسمه معمر عن يحيى هو محمد بن الزبير بلا شك فإنَّه أراد أن يقول من بني حنظلة فقال من بني حنيفة» اهـ.
وفي الباب حديث لابن عباس: وهو ما رواه أبو داود (٣٣٢٢) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ ﵀: «رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْهِنْدِ، أَوْقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ» اهـ.
стр. 7162
قُلْتُ: حديث وكيع رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٣١٣) عنه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «النُّذُورُ أَرْبَعَةٌ: مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِيمَا لَا يُطِيقُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِيمَا يُطِيقُ، فَلْيُوفِ بِنَذْرِهِ».
قُلْتُ: المحفوظ ما رواه وكيع. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٤١): «وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه يعقوب بن كاسب، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن كريب، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "من نذر نذراً لم يسمه، فكفارته كفارة يمين". وذكر الحديث.
فقالا: رواه وكيع، عن مغيرة، فأوقفه، والموقوف الصحيح.
قلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: ما ندري من مغيرة، أو من ابن كاسب» اهـ.
قُلْتُ: إِسْنَادُ الْمَوْقُوفِ صَحِيْحٌ.
стр. 7163
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٢٠٠٣)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٤٣١٨) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَعَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ فذكره.
قُلْتُ: إسماعيل بن أبي أويس، وأبوه ضعيفان.
وفي الباب ما رواه الدارقطني (٤٣٢٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَزَّالٍ أَبُو الْفَضْلِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ نَعْمِ بْنِ هَارُونَ، نا كَثِيرُ بْنُ مَرْوَانَ، نا غَالِبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُقَيْلِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا فِيمَا لَا يُطِيقُ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ هَدْيًا إِلَى الْكَعْبَةِ فِي أَمْرٍ لَا يُرِيدُ فِيهِ وَجْهَ اللَّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةً فِي أَمْرِ لَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي أَمْرٍ لَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي أَمْرِ يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلْيَرْكَبْ وَلَا يَمْشِ، فَإِذَا أَتَى
стр. 7164
مَكَّةَ قَضَى نَذَرَهُ وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا لِلَّهِ فِيمَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَفِ بِهِ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ».
قُلْتُ: وفيه غالب بن عبيد الله العقيلي متروك الحديث.
قُلْتُ: وأصح ما يحتج به على وجوب الكفارة في نذر المعصية عموم ما رواه مسلم (١٦٤٥) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣١٩): «وأمَّا الكفارة فهي على قولين: فمذهب أحمد وغيره عليه كفارة يمين لقول النبي ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين". رواه مسلم. وفي السنن عنه ﷺ أنَّه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". ومذهب مالك والشافعي وغيرهما لا شيء عليه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧): «فإذا كان المنذور الذي عاهد الله يتضمن ضرراً غير مباح يفضي إلى ترك واجب أو فعل محرم كان هذا معصية: لا يجب الوفاء به بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام الليل كله وصيام النهار كله لم يجب الوفاء بهذا النذر. ثم تنازع العلماء: هل عليه كفارة
стр. 7165
يمين؟ على قولين: أظهرهما: أنَّ عليه كفارة يمين لما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح أنَّه قال: "كفارة النذر كفارة اليمين"» الخ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١١٧ - ١١٩): «قالوا: وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنَّه قال: "كفارة النذر كفارة اليمين". وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين. أحدهما: أنَّه عام لم يخص منه نذر دون نذر.
الثاني: أنَّه شبهه باليمين، ومعلوم: أنَّه لو حلف على المعصية وحنث لزمه كفارة يمين، بل وجوب الكفارة في نذر المعصية أولى منها في يمين المعصية لما سنذكره. قالوا: ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، ولا يحفظ عن صحابي خلافهم. قالوا: وهب أنَّ هذه الآثار لم تثبت، فالقياس يقتضي وجوب الكفارة فيه، لأنَّ النذر يمين، ولو حلف ليشربن الخمر، أو ليقتلن فلاناً، وجبت عليه كفارة اليمين وإن كانت يمين معصية فهكذا إذا نذر المعصية».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «فدل على أنَّ النذر داخل في مسمى اليمين في لغة من نزل القرآن بلغتهم. وذلك أنَّ حقيقته هي حقيقة اليمين فإنَّه عقده لله ملتزماً له، كما أنَّ
стр. 7166
الحالف عقد يمينه بالله ملتزماً لما حلف عليه، بل ما عقد لله أبلغ وألزم مما عقد به فإنَّ ما عقد به من الأيمان لا يصير باليمين واجباً، فإذا حلف على قربة مستحبة ليفعلنها لم تصر واجبة عليه، وتجزئه الكفارة ولو نذرها وجبت عليه ولم تجزئه الكفارة. فدل على أنَّ الالتزام بالنذر آكد من الالتزام باليمين، فكيف يقال: إذا التزم معصية بيمينه وجبت عليه الكفارة، وإذا التزمها بنذره الذي هو أقوى من اليمين فلا كفارة فيها فلو لم يكن في المسألة إلَّا هذا وحده لكان كافياً. ومما يدل على أنَّ النذر آكد من اليمين. أنَّ الناذر إذا قال: لله علي أن أفعل كذا فقد عقد نذره بجزمه أيمانه بالله، والتزامه تعظيمه، كما عقدها الحالف بالله كذلك، فهما من هذه الوجوه سواء، والمعنى الذي يقصده الحالف ويقوم بقلبه هو بعينه مقصود للناذر قائم بقلبه ويزيد النذر عليه أنَّه التزمه لله، فهو ملتزم من وجهين: له، وبه. والحالف إنَّما التزم ما حلف عليه خاصة، فالمعنى الذي في اليمين داخل في حقيقة النذر فقد تضمن النذر اليمين وزيادة، فإذا وجبت الكفارة في يمين المعصية فهي أولى بأن تجب في نذرها. ولأجل هذه القوة والتأكيد: قال بعض الموجبين للكفارة فيه: إنَّه إذا نذر المعصية لم يبرأ بفعلها، بل تجب عليه الكفارة عيناً، ولو فعلها لقوة النذر، بخلاف ما إذا حلف عليها، فإنَّه إنَّما تلزمه الكفارة إذا حنث، لأنَّ اليمين
стр. 7167
أخف من النذر. وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وتوجيهه ظاهر جداً، فإنَّ النبي ﷺ نهاه عن الوفاء بالمعصية، وعين عليه الكفارة عيناً، فلا يخرج من عهدة الأمر إلَّا بأدائهما. وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول هو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
١١ - وفيه النهي عن لعن المؤمن، وأنَّه كقتله، وهذا دليل على أنَّه كبيرة من كبائر الذنوب.
وقد تنازع العلماء في وجه تشبيه اللعن بالقتل على عدة أقوال:
الأول: أنَّ التشبيه في الهلاك، فالقتل هلاك دنيوي، واللعن هلاك أخروي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٤١١): «لأنَّ القاتل يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة ورحمة الله تعالى» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٦٧): «أي لأنَّه إذا لعنه فكأنَّه دعا عليه بالهلاك» اهـ.
الثاني: أنَّ التشبيه في بلوغ الغاية في التأثير في العرض والنفس، فاللعن هو غاية القدح في العرض، والقتل هو غاية العدوان في النفس.
стр. 7168
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١١٣): «والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في التأثير هذا في العرض وهذا في النفس والله أعلم» اهـ.
الثالث: أنَّ التشبيه في فقدان المنافع، وذلك أنَّ لعن المسلم هو الدعاء عليه بالطرد من رحمة الله، وقد يستجاب للداعي في ذلك فيخرج من رحمة الله فيفقد المسلمون منافعه كفقدهم لمنافعه بالموت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ١٠٤): «وقوله: "ولعن المؤمن كقتله" فيه تأويلان.
قال المهلب: وهو معنى قول الطبري: اللعن في اللغة هو الإبعاد. فمن لعن مؤمناً فكأنه أخرجه من جماعة الإسلام، فأفقدهم منافعه وتكثير عددهم، فكان كمن أفقدهم منافعه بقتله، ويفسر هذا قوله للذي لعن ناقته: "انزل عنها فقد أجيبت دعوتك". فسرحها ولم ينتفع بها أحد بعد ذلك، فأفقد منافعها لما أجيبت دعوته، فكذلك يخشى أن تجاب دعوة اللاعن فيهلك الملعون» اهـ.
واعترض على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٦١): «وأمَّا ما حكاه عن الإمام من قوله: إنَّ اللعنة قطع عن الرحمة والموت
стр. 7169
قطع عن التصرف فالكلام عليه أن نقول: اللعنة قد تطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعل الله تعالى وهذا الذي يقع فيه التشبيه.
والثاني: أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن وهو طلبه لذلك الإبعاد بقوله لعنة الله مثلاً أو بوصفه للشخص بذلك الإبعاد بقوله فلان ملعون وهذا ليس بقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به الإجابة فيكون حينئذ تسبباً إلى قطع التصرف ويكون نظيره: التسبب إلى القتل غير أنَّهما يفترقان في أنَّ التسبب إلى القتل بمباشرة الحز وغيره من مقدمات القتل مفض إلى القتل بمطرد العادة فلو كان مباشرة اللعن مفضيا إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائماً: لاستوى اللعن مع مباشرة مقدمات القتل أو زاد عليه.
وبهذا يتبين لك الإيراد على ما حكاه القاضي من أنَّ لعنته تقتضي قصده إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله فإنَّ قصده إخراجه لا يستلزم إخراجه كما يستلزم مقدمات القتل وكذلك أيضاً ما حكاه من أنَّ لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه بإجابة دعوته إنَّما يحصل ذلك بإجابة الدعوة وقد لا تجاب في كثير من الأوقات فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بقتله ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إليه في مطرد العادة» اهـ.
стр. 7170
الرابع: أنَّ التشبيه في أصل الحرمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ١٠٤): «والتأويل الآخر: أنَّ الله حرم لعن المؤمن كما حرم قتله فهما سواء في التحريم، وهذا يقتضى تحذير لعن المؤمنين والزجر عنه؛ لأنَّ الله - تعالى - قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فأكد حرمة الإسلام، وشبهها بإخوة النسب، وكذلك معنى قوله: "من رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله". يعني في تحريم ذلك عليه - والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٣): «فالظاهر أنَّ المراد أنَّهما سواء في أصل التحريم وإن كان القتل أغلظ، وهذا هو الذي اختاره الإمام أبو عبد الله المازري، وقيل: غير هذا مما ليس بظاهر» اهـ.
الخامس: أنَّ التشبيه في أصل الإثم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٧ - ٧٨): «وقوله: "ولعن المؤمن كقتله"، أي: في الإثم.
ووجهه: أنَّ من قال لمؤمن: لعنه الله، فقد تضمن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي رحم بها المسلمين، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة،
стр. 7171
ومن كان كذلك، فقد صار بمنزلة المفقود عن المسلمين بعد أن كان موجوداً فيهم؛ إذ لم ينتفع بما انتفع به المسلمون، ولا انتفعوا به؛ فأشبه ذلك قتله.
وعلى هذا: فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل، غير أنَّ القاتل أدخل في الإثم؛ لأنَّه أفقد المقتول حساً ومعنى، واللاعن أفقده معنى، فإثمه أخف منه، لكنهما قد اشتركا في مطلق الإثم، فصدق عليه أنَّه مثله، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد اعترض الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ على التأويل الرابع والخامس فقال فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٦٠ - ٤٦١): «قال القاضي عياض: قال الإمام - يعني المازري - الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم وهو تشبيه واقع لأنَّ اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف قال القاضي وقيل: لعنته تقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين ومنعهم منافعه وتكثير عددهم به كما لو قتله وقيل: لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه وبعده منها بإباحة لعنته فهو كمن قتل في الدنيا وقطعت عنه منافعه فيها وقيل: الظاهر من الحديث: تشبيه في الإثم وكذلك ما حكاه من أن معناه استواؤهما في التحريم.
وأقول: هذا يحتاج إلى تلخيص ونظر أمَّا ما حكاه عن الإمام - من أنَّ معناه استواؤهما في التحريم - فهذا يحتمل أمرين:
стр. 7172
أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم.
والثاني: أن يقع في مقدار الإثم.
فأمَّا الأول: فلا ينبغي أن يحمل عليه لأنَّ كل معصية - قلت أو عظمت - فهي مشابهة أو مستوية مع القتل في أصل التحريم فلا يبقى في الحديث كبير فائدة مع أنَّ المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل.
وأمَّا الثاني: فقد بينا ما فيه من الإشكال وهو التفاوت في المفسدة بين إزهاق الروح وإتلافها وبين الأذى باللعنة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ٤٦١): «والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإثم أنَّا نقول: لا نسلم أنَّ مفسدة اللعن مجرد أذاه بل فيها - مع ذلك - تعريضه لإجابة الدعاء فيه بموافقة ساعة لا يسأل الله فيها شيئاً إلَّا أعطاه كما دل عليه الحديث من قوله ﷺ : "لا تدعوا على أنفسكم، و لا تدعوا على أموالكم، و لا تدعوا على أولادكم لا توافقوا ساعة" الحديث، وإذا عرضه باللعنة لذلك وقعت الإجابة وإبعاده من رحمة الله تعالى كان ذلك أعظم من قتله لأنَّ القتل تفويت الحياة الفانية قطعاً والإبعاد من رحمة الله تعالى أعظم ضرراً بما لا يحصى وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساوياً أو
стр. 7173
مقارباً لأخفهما على سبيل التحقيق ومقادير الفساد والمصالح وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر إلى الاطلاع على حقائقه» اهـ.
السادس: أنَّ التشبيه بينهما في الإبعاد، فإنَّ اللعن إبعاد من رحمة الله تعالى، والقتل إبعاد عن الحياة الدنيا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِيِّ] (٣٢/ ٣٠٠): «قوله: "ولعن المؤمن كقتله". أي: في التحريم أو في التأثم أو في الإبعاد فإنَّ اللعن تبعيد من رحمة الله تعالى والقتل تبعيد من الحياة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَسْطَلَانِيُّ ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِيِّ] (٩/ ٣٨): «"ومن لعن مؤمناً فهو كقتله". في التحريم أو في العقاب أو في الإبعاد لأنَّ اللعن تبعيد من رحمة الله، والقتل تبعيد من الحياة» اهـ.
السابع: أنَّ التشبيه في العقاب. وهو مأخوذ من كلام القسطلاني السابق.
قُلْتُ: وفي الباب ذنوب أخرى شبهت بالقتل.
منها: قذف المسلم بالكفر بغير حق.
وقد جاء ذلك في حديث في حديث الباب، وهو ما رواه البخاري (٦٠٤٧)، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ
стр. 7174
غَيْرِ الإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَسْطَلَانِيُّ ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِيِّ] (٩/ ٣٨): «لأنَّ النسبة إلى الكفر الموجب للقتل كالقتل في أنَّ المتسبب للشيء كفاعله» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ١٠٤): «يعنى في تحريم ذلك عليه - والله أعلم» اهـ.
ومنها: هجر المسلم سنة كاملة لغير حق من حقوق الله تعالى.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (١٧٩٦٤)، وأبو داود (٤٩١٥) من طريق حَيْوَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ومنها: مدح من يخشى عليه منه.
стр. 7175
فروى البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (٣٠٠٠) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ مِرَارًا ثُمَّ قَالَ - مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٥/ ٣٨): «أي: فعلت به فعلاً يخاف هلاكه فيه؛ كمن قطع عنقه» اهـ.
قُلْتُ: واللعن المنهي عنه في الحديث هو اللعن بغير حق، وما جاء من لعن بعض أصحاب المعاصي فهو من اللعن بحق، ثم هو وارد على العموم، وأمَّا الشخص المعين من أهل المعاصي فلا يلعن، والمسألة تحتاج لشيء من البسط فتراجع في مواضعها من كتب أهل العلم.
ومما يشبه قتل الإنسان لنفسه تولي القضاء.
فقد روى أحمد (٧١٤٥، ٨٧٦٢)، وأبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٥)، وابن ماجة (٢٣٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ».
стр. 7176
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ١٥٩):
«معناه التحذير من طلب القضاء والحرص عليه يقول من تصدى للقضاء فقد تعرض للذبح فليحذره وليتوقه.
وقوله بغير سكين يحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّ الذبح إنَّما يكون في ظاهر العرف بالسكين فعدل به ﵇ عن غير ظاهر العرف وصرفه عن سنن العادة إلى غيرها ليعلم أنَّ الذي أراده بهذا القول إنَّما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه.
والوجه الآخر: أنَّ الذبح الوجيء الذي يقع به إزهاق الروح واراحة الذبيحة وخلاصها من طول الألم وشدته إنَّما يكون بالسكين لأنَّه يجهز عليه، وإذا ذبح بغير السكين كان ذبحه خنقاً وتعذيباً فضرب المثل في ذلك ليكون أبلغ في الحذر والوقوع فيه» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل في الباب سائر الأدلة الدالة على حصول الهلاك من بعض الذنوب وهي كثيرة، والهلاك هو الموت.
стр. 7177
١٢ - وفي الحديث الزجر عن التكثر بالدعاوى الكاذبة، والرواية في ذلك انفرد بها مسلم (١١٠) عن البخاري كما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٨): «وقوله: "ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلَّا قلة"، يعنى - والله أعلم -: أنَّ من تظاهر بشيء من الكمال، وتعاطاه، وادعاه لنفسه، وليس موصوفاً به، لم يحصل له من ذلك إلَّا نقيض مقصوده، وهو النقص: فإن كان المدعى مالاً، لم يبارك له فيه، أو علماً، أظهر الله تعالى جهله، فاحتقره الناس، وقلَّ مقداره عندهم.
وكذلك لو ادعى ديناً أو نسباً أو غير ذلك، فضحه الله، وأظهر باطله؛ فقل مقداره، وذل في نفسه؛ فحصل على نقيض قصده؛ وهذا نحو قوله ﷺ : "من أسر سريرة، ألبسه الله رداءها"، ونحو منه قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، وقوله ﷺ : "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".
وفائدة الحديث: الزجر عن الرياء وتعاطيه، ولو كان بأمور الدنيا» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا يدخل في معنى الحديث من ادعى مالاً ليس له ليتكثر في ماله، وهكذا الحلف الفاجر لإنفاق السلع لأنَّه يدعى وصفاً ليس في سلعته، وقد روى
стр. 7178
البخاري (٢٠٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ».
ورواه مسلم (١٦٠٦) بلفظ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ».
١٣ - وفيه عقوبة العاصي بنقيض ما أراد.
* * *
стр. 7179
بَابُ: النَّذْرِ.
٣٥٨ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا - فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ».
النذر: بفتح النون وإسكان الذال المعجمة، وهو في اللغة: الإيجاب.
وفي الشرع: هو ما يوجبه المكلف المختار على نفسه لله تعالى.
وسبق هذا الحديث في كتاب الاعتكاف وذكرنا هنالك ما في هذا الحديث من المسائل، وملخص ذلك كالآتي:
١ - انعقاد نذر الكافر حال كفره، ومثل ذلك أيضاً اليمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ١٨٦): «وتنعقد اليمين من الكافر وتلزمه الكفارة بالحنث سواء حنث في الكفر أو الإسلام لأنَّ عمر ﵁ قال: يا رسول الله إنِّي نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك" ولأنَّه من أهل القسم يصح استحلافه عند الحاكم فانعقدت يمينه كالمسلم» اهـ.
стр. 7180
٢ - جواز الاعتكاف في غير رمضان.
٣ - جواز الاعتكاف بغير صوم.
٤ - أنَّ المسجد الحرام يتعين بالنذر.
وقد كان المسجد الحرام في عهد النبي ﷺ عبارة عن فناء حول الكعبة وفضاء للطائفين، ثم في خلافة عمر اتخذ للمسجد الحرام جداراً دون القامة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٣/ ٨١ - ٨٢): «قُلْتُ: أول من وسع المسجد الحرام بعد رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ اشترى دوراً وزادها فيه واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام ثم وسعه عثمان بن عفان ﵁ كذلك واتخذ له الأروقة وكان أول من اتخذها، ثم وسعه عبد الله بن الزبير في خلافته، ثم وسعه الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي، وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا هذا. والله أعلم» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَزْهَرِيُّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ اللُّغَةِ] (٩/ ٢١٨):
следующие страницы →