Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.
стр. 7176
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ١٥٩):
«معناه التحذير من طلب القضاء والحرص عليه يقول من تصدى للقضاء فقد تعرض للذبح فليحذره وليتوقه.
وقوله بغير سكين يحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّ الذبح إنَّما يكون في ظاهر العرف بالسكين فعدل به ﵇ عن غير ظاهر العرف وصرفه عن سنن العادة إلى غيرها ليعلم أنَّ الذي أراده بهذا القول إنَّما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه.
والوجه الآخر: أنَّ الذبح الوجيء الذي يقع به إزهاق الروح واراحة الذبيحة وخلاصها من طول الألم وشدته إنَّما يكون بالسكين لأنَّه يجهز عليه، وإذا ذبح بغير السكين كان ذبحه خنقاً وتعذيباً فضرب المثل في ذلك ليكون أبلغ في الحذر والوقوع فيه» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل في الباب سائر الأدلة الدالة على حصول الهلاك من بعض الذنوب وهي كثيرة، والهلاك هو الموت.
стр. 7177
١٢ - وفي الحديث الزجر عن التكثر بالدعاوى الكاذبة، والرواية في ذلك انفرد بها مسلم (١١٠) عن البخاري كما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٨): «وقوله: "ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلَّا قلة"، يعنى - والله أعلم -: أنَّ من تظاهر بشيء من الكمال، وتعاطاه، وادعاه لنفسه، وليس موصوفاً به، لم يحصل له من ذلك إلَّا نقيض مقصوده، وهو النقص: فإن كان المدعى مالاً، لم يبارك له فيه، أو علماً، أظهر الله تعالى جهله، فاحتقره الناس، وقلَّ مقداره عندهم.
وكذلك لو ادعى ديناً أو نسباً أو غير ذلك، فضحه الله، وأظهر باطله؛ فقل مقداره، وذل في نفسه؛ فحصل على نقيض قصده؛ وهذا نحو قوله ﷺ : "من أسر سريرة، ألبسه الله رداءها"، ونحو منه قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، وقوله ﷺ : "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".
وفائدة الحديث: الزجر عن الرياء وتعاطيه، ولو كان بأمور الدنيا» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا يدخل في معنى الحديث من ادعى مالاً ليس له ليتكثر في ماله، وهكذا الحلف الفاجر لإنفاق السلع لأنَّه يدعى وصفاً ليس في سلعته، وقد روى
стр. 7178
البخاري (٢٠٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ».
ورواه مسلم (١٦٠٦) بلفظ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ».
١٣ - وفيه عقوبة العاصي بنقيض ما أراد.
* * *
стр. 7179
بَابُ: النَّذْرِ.
٣٥٨ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا - فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ».
النذر: بفتح النون وإسكان الذال المعجمة، وهو في اللغة: الإيجاب.
وفي الشرع: هو ما يوجبه المكلف المختار على نفسه لله تعالى.
وسبق هذا الحديث في كتاب الاعتكاف وذكرنا هنالك ما في هذا الحديث من المسائل، وملخص ذلك كالآتي:
١ - انعقاد نذر الكافر حال كفره، ومثل ذلك أيضاً اليمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ١٨٦): «وتنعقد اليمين من الكافر وتلزمه الكفارة بالحنث سواء حنث في الكفر أو الإسلام لأنَّ عمر ﵁ قال: يا رسول الله إنِّي نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك" ولأنَّه من أهل القسم يصح استحلافه عند الحاكم فانعقدت يمينه كالمسلم» اهـ.
стр. 7180
٢ - جواز الاعتكاف في غير رمضان.
٣ - جواز الاعتكاف بغير صوم.
٤ - أنَّ المسجد الحرام يتعين بالنذر.
وقد كان المسجد الحرام في عهد النبي ﷺ عبارة عن فناء حول الكعبة وفضاء للطائفين، ثم في خلافة عمر اتخذ للمسجد الحرام جداراً دون القامة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٣/ ٨١ - ٨٢): «قُلْتُ: أول من وسع المسجد الحرام بعد رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ اشترى دوراً وزادها فيه واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام ثم وسعه عثمان بن عفان ﵁ كذلك واتخذ له الأروقة وكان أول من اتخذها، ثم وسعه عبد الله بن الزبير في خلافته، ثم وسعه الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي، وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا هذا. والله أعلم» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَزْهَرِيُّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ اللُّغَةِ] (٩/ ٢١٨):
стр. 7181
«وقال الليث: الرواق: بيت كالفساط يحمل على سطاع واحد في وسطه، والجميع الأروقة» اهـ.
٥ - وجوب الإيفاء بالنذر.
قُلْتُ: ويدخل في ذلك الكافر إذا نذر حال كفره فإنَّه يجب الوفاء بما نذر حال إسلامه كما هو ظاهر الحديث، وهو مذهب أبي ثور، وأحمد في رواية، وسائر الأئمة الثلاثة يذهبون إلى استحباب ذلك، ومنهم من ينقل عن الشافعي أيضاً القول بالوجوب.
٦ - واحتج به لمذهب الإمام مالك في بعض الروايات من أنَّ أقل الاعتكاف يوم وليلة.
٧ - وفيه رد على ما ذهب إليه الإمام مالك في رواية من أنَّ أقل الاعتكاف عشرة أيام.
٨ - وفي الحديث حجة لمن قال: إنَّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. وأزيد على ما ذكرته هنالك:
стр. 7182
٩ - أنَّ فيه الرد على أبي حنيفة في قوله: إنَّه لا يلزمه الوفاء بما لا أصل له يجب في الشرع، وذلك لأنَّ النذر فرع على المشروع فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع.
قُلْتُ: وجه الحجة عليه أنَّ النبي ﷺ أمر عمر بالوفاء بالاعتكاف مع أنَّه ليس له أصل يجب في الشرع.
١٠ - وفيه أنَّ أهل الجاهلية كانوا يصرفون بعض الأعمال لله .
١١ - وفيه أنَّ الاعتكاف في المسجد الحرام من العبادات التي كانت تفعل قبل الإسلام.
١٢ - أمر النبي ﷺ عمر بالإيفاء بنذره مع عدم استفصاله عن نذره هل كان من قبيل نذر المجازاة، أو التبرر المطلق دليل على استواء الحالين، فإنَّ ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٣٧٨): «النوع الثاني، التزام طاعة من غير شرط، كقوله ابتداء: لله علي صوم شهر. فيلزمه الوفاء به في قول أكثر أهل العلم، وهو قول أهل العراق، وظاهر مذهب الشافعي.
стр. 7183
وقال بعض أصحابه لا يلزم الوفاء به؛ لأنَّ أبا عمر غلام ثعلب قال: النذر عند العرب وعد بشرط.
ولأنَّ ما التزمه الآدمي بعوض، يلزمه بالعقد، كالمبيع والمستأجر، وما التزمه بغير عوض لا يلزمه بمجرد العقد كالهبة» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح ما عليه أكثر العلماء لهذا الحديث، ولعموم قول النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ». رواه البخاري (٦٦٩٦)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
* * *
стр. 7184
٣٥٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن النذر.
وفي الباب ما رواه مسلم (١٦٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْذِرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
وهذا النهي محمول عند أكثر العلماء على الكراهة، والقرينة الصارفة له عن التحريم إلى الكراهة الأمر بإيفائه، إذ لو كان محرماً لكان فاسداً، والفاسد لا يوفى به.
وهل من الصوارف لذلك ثناء الله تعالى على الموفين بالنذر فيه نظر، وذلك أنَّ الذي يظهر أنَّ النهي وارد في نذر المجازاة، والثناء وارد على نذر التبرر كما سيأتي بيان ذلك.
стр. 7185
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٣٧٦): «وهذا نهي كراهة، لا نهي تحريم؛ لأنَّه لو كان حراماً لما مدح الموفين به؛ لأنَّ ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه؛ ولأنَّ النذر لو كان مستحباً، لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه» اهـ.
وقد ذكر العلماء أسباباً للنهي عن النذر:
الأول: أنَّه يصير بالنذر ملزماً بالطاعة فيأتي بالنذر تكلفاً بغير نشاط.
الثاني: أنَّه يأتي بالقربة التي التزمها في نذره على صورة المعاوضة للأمر الذي طلبه فينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون متمحضة لله تعالى.
قُلْتُ: وهذا خاص بنذر المجازاة، ويخرج منه نذر التبرر.
الثالث: أنَّ النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أنَّ النذر يرد القدر، ويمنع من حصول المقدر فنهى عنه خوفاً من جاهل يعتقد ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٠): «وسياق الحديث يؤيد هذا. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: سياق الحديث يدل على هذا المعنى، وعلى المعنى الآخر، وهو أنَّ هذا من شأن البخلاء الذي لا يعطي إلَّا بمقابل.
стр. 7186
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٤٢٠ - ٤٢١): «وإنَّما نهى عنه ﷺ لأنَّه لا فائدة فيه إلَّا التزام ما التزمه وقد لا يرضى به فيبقى آثماً. وإذا فعل تلك العبادات بلا نذر كان خيراً له والناس يقصدون بالنذر تحصيل مطالبهم فبين النبي ﷺ أنَّ النذر لا يأتي بخير فليس النذر سبباً في حصول مطلوبهم وذلك أنَّ الناذر إذا قال: لله علي إن حفظني الله القرآن أن أصوم مثلاً ثلاثة أيام، أو إن عافاني الله من هذا المرض، أو إن دفع الله هذا العدو، أو إن قضى عني هذا الدين فعلت كذا فقد جعل العبادة التي التزمها عوضاً من ذلك المطلوب. والله سبحانه لا يقضي تلك الحاجة بمجرد تلك العبادة المنذورة بل ينعم على عبده بذلك المطلوب ليبتليه أيشكر أم يكفر؟ وشكره يكون بفعل ما أمره به وترك ما نهاه عنه. وأمَّا تلك العبادة المنذورة فلا تقوم بشكر تلك النعمة ولا ينعم الله تلك النعمة ليعبده العبد تلك العبادة المنذورة التي كانت مستحبة فصارت واجبة؛ لأنَّه سبحانه لم يوجب تلك العبادة ابتداء بل هو يرضى من العبد بأن يؤدي الفرائض ويجتنب المحارم، لكن هذا الناذر يكون قد ضيع كثيراً من حقوق الله ثم بذل ذلك النذر لأجل تلك النعمة وتلك النعمة أجل من أن ينعم الله بها لمجرد ذلك المبذول المحتقر. وإن كان
стр. 7187
المبذول كثيراً والعبد مطيع لله: فهو أكرم على الله من أن يحوجه إلى ذلك المبذول الكثير؛ فليس النذر سبباً لحصول مطلوبه كالدعاء فإنَّ الدعاء من أعظم الأسباب وكذلك الصدقة وغيرها من العبادات جعلها الله تعالى أسباباً لحصول الخير ودفع الشر إذا فعلها العبد ابتداء، وأمَّا ما يفعله على وجه النذر فإنَّه لا يجلب منفعة ولا يدفع عنه مضرة لكنه كان بخيلاً فلما نذر لزمه ذلك فالله تعالى يستخرج بالنذر من البخيل فيعطي على النذر ما لم يكن يعطيه بدونه والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأول الحديث يدل على النهي عن جميع أنواع النذر فيدخل فيه نذر المجازاة والتبرر، وذهب بعض العلماء إلى عدم النهي عن نذر التبرر، وحمل الحديث على نذر المجازاة، ويدل على ذلك قوله في الحديث: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ» أي: لا يأتي بخير لم يكن مقدوراً له، وهذا المعنى لا وجود له في نذر التبرر، وإنَّما يرد في نذر المجازاة، فإنَّ من قال مثلاً: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا، فإنَّ هذا النذر يشعر بأنَّ عاقده يظن أنَّ النذر يأتي بهذا الخير الذي هو المعافاة من المرض.
ويدل على ذلك أيضاً قوله في آخر الحديث: «وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ». وهذا إنَّما يكون في نذر المجازاة، فإنَّه في المثال السابق لم يأت بالطاعة إلَّا طالباً للعوض، وهذا شأن البخلاء الذين لا يعطون الشيء إلَّا عن عوض، وأمَّا نذر التبرر فليس
стр. 7188
فيه هذا المعنى، فإنَّه ينذر لله طاعة من غير أن يشترط العوض في نذره، وهذا من شأن الكرماء لا البخلاء.
وهذا هو الذي يظهر لي صحته في حمل النهي عن النذر. والله أعلم.
وحمل النهي الوارد في الحديث على نذر المجازاة هو الذي اختاره الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٥٥ - ٥٦):
«وقوله ﷺ : "لا تنذروا! فإنَّ النذر لا يرد من قدر الله شيئاً". هذا النذر محله أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي فعلي عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا. ووجه هذا النهي هو: أنَّه لما وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر: أنَّه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة. ألا ترى: أنَّه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟! وهذه حال البخيل؛ فإنَّه لا يخرج من ماله شيئاً إلَّا بعوض عاجل يربي على ما أخرج. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله ﷺ : "وإنَّما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه"، ثم ينضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظن: أنَّ النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو: أنَّ الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر. وإليهما الإشارة بقوله ﷺ :
стр. 7189
"فإنَّ النذر لا يرد من قدر الله شيئاً". وهاتان جهالتان. فالأولى تقارب الكفر. والثانية خطأ صراح. وإذا تقرر هذا، فهل هذا النهي محمول على التحريم، أو على الكراهة؛ المعروف من مذاهب العلماء الكراهة.
قُلْتُ: والذي يظهر لي: حمله على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد. فيكون إقدامه على ذلك محرماً. والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٧٩): «وهو تفصيل حسن» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٩١): «فيه إشارة إلى ذم النذر وأنَّه لا منفعة له، وأنَّه لا يصدر إلَّا من بخيل لا يعطي الشيء تبرعاً، وإنَّما يعطي شيئاً في مقابلة شيء، وفي صحيح مسلم وغيره من طريق العلاء بن عبد الرحمن التصريح بالنهي عنه لكن سياقه يقتضي أنَّ ذلك إنَّما هو في نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية فإنَّه هو الذي فيه الأوصاف المقتضية للذم المذكورة في الحديث أمَّا النذر الملتزم ابتداء
стр. 7190
من غير تعليق على شيء كقوله: لله علي أن أصلي أو أعتق فليس فيه هذا المعنى ولا يقتضي الحديث ذمه ولا النهي عنه» اهـ.
قُلْتُ: فإذا تبين أنَّ الحديث محمول على نذر المجازاة، فما هو حكم نذر التبرر الذي يريد صاحبه مجرد البر لله تعالى، ولم يعلقه بشيء؟.
فالجواب: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٩٩): «فأمَّا إن كان نذراً مطلقاً لله وإرادة الثواب، وشكراً لما أولاه الله وقضاه من حاجته - فلا يكره» اهـ.
قُلْتُ: ومع هذا فالأولى تركه لأمرين:
الأول: أنَّه لم يكن من هدي النبي ﷺ ولا من هدي الخلفاء الراشدين، ولا هدي كبار الصحابة.
الآخر: أنَّ الإنسان قد ينذر بطاعة معينة ثم يشق عليه فعلها فيقع في الإثم إن تركها، وقد كان قبل ذلك في عافية.
قُلْتُ: وقد أشكل النهي عن النذر مع قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، إذ فيها الثناء على الذين ينذرون، ولا يثنى على من فعل ما نهي عنه.
стр. 7191
فأجاب بعض العلماء: بأنَّ النهي محمول على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه جمعاً بين الأدلة.
ذكره الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٩٤).
وحمل بعض العلماء الآية على معنى الإيفاء بالنذر كقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٥/ ٢٠٨): «والمعنى أوفيتم نذراً نذرتموه» اهـ.
قُلْتُ: ويمكن أن تحمل الآية على نذر التبرر وهو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
٢ - وفيه أنَّ النذر لا يأتي بخير، وقد تنازع العلماء في معنى ذلك على أقوال:
القول الأول: أنَّه لا يكون سبباً لخير لم يُقَدَّر، وهذا هو الصحيح في معنى الحديث ويدل عليه ما رواه مسلم (١٦٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْذِرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
стр. 7192
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٣١٤):
«فمن ظن أنَّ حاجته إنَّما قضيت بالنذر فقد كذب على الله ورسوله» اهـ.
القول الثاني: أنَّ عقباه لا تحمد، وذلك لأنَّه قد يتعذر الوفاء به فيقع المرء في الإثم، وهذا هو الواقع من كثير من المنذرين.
القول الثالث: أنَّ الباء في قوله: «بِخَيْرٍ». للسببية كأنَّه يقول: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القرب والطاعة من غير عوض يحصل له، وإن كان يترتب عليه خير وهو فعل الطاعة التي نذرها، ولكن سبب ذلك الخير حصول غرضه.
قُلْتُ: وهنا إشكال وهو أنَّ كثيراً من الناس إذا ما نذروا قضيت حاجاتهم، والجواب على ذلك: أنَّ قضاء الحاجة لم تكن بسبب النذر بل بما قام به العبد من المبالغة في الدعاء وشدة الرجاء، وقد يكون ذلك من باب الابتلاء والامتحان من الله تعالى، وقد يكون رحمة من الله له، وقد يكون ذلك من موافقة القدر، وغير ذلك من الأسباب، على أنَّ قضاء الحاجة قد تحصل أيضاً لبعض من ينذر لغير الله تعالى لا من أجل النذر الشركي ولكن للسبب من الأسباب الماضية، وقد قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٧/ ١٧٦ - ١٧٧):
стр. 7193
«فإذا ثبت بهذا الحديث الصحيح: أنَّ النذر ليس سبباً في دفع ما علق به من جلب منفعة أو دفع مضرة مع أنَّ النذر جزاء تلك الحاجة ويعلق بها ومع كثرة من تقضى حوائجهم التي علقوا بها النذور؛ كانت القبور أبعد عن أن تكون سبباً في ذلك. ثم تلك الحاجة: إمَّا أن تكون قد قضيت بغير دعائه وإمَّا أن تكون قضيت بدعائه. فإن كان: الأول فلا كلام، وإن كان الثاني: فيكون قد اجتهد في الدعاء اجتهاداً لو اجتهده في غير تلك البقعة أو عند الصليب لقضيت حاجته؛ فالسبب هو اجتهاده في الدعاء؛ لا خصوص القبر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] (٢/ ١٦٧ - ١٦٨): «وأمَّا إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمراً قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة في حق الداعي، فإنَّا نعلم أنَّ الكفار قد يستجاب لهم فيسقون، وينصرون ويعانون، ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال الله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾» اهـ.
стр. 7194
وَقَالَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] (٢/ ٢٣١): «فقد أخبر النبي ﷺ : أنَّ النذر لا يأتي بخير، وأنَّه ليس من الأسباب الجالبة للخير، أو الدافعة لشر أصلًا، وإنَّما يوافق القدر موافقة كما توافقه سائر الأسباب فيخرج من البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه من قبل ذلك» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى مسلم (١٦٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ».
٣ - وإذا كان النذر لله لا يأتي بخير فمن باب أولى النذر للمخلوق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١/ ٨١): «فإذا كان النذر لا يأتي بخير فكيف بالنذر للمخلوق» اهـ.
٤ - واحتج به على أنَّ النذر مختص بالمعلق بشرط فإنَّه الذي لا يأتي بخير، ولا يرد القدر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٥٣): «وفي قوله: "إنَّه لا يرد شيئاً". دليل على أنَّ النذر إنَّما يصح إذا كان معلقاً بشيء كما تقول: إن شفا الله
стр. 7195
مريضي فللَّه عليَّ أن أتصدق بألف درهم أو أن يقدم غائبي أو يسلم مالي أو نحو ذلك من الأمور.
فأمَّا إذا قال: للَّه علي أن أتصدق بألف درهم فليس هذا بنذر، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه وهو غالب مذهبه.
وحكى أبو عمر، عَنْ أبي العباس أحمد بن يحيى قال النذر وعد بشرط.
وقال أبو حنيفة: النذر لازم وإن لم يعلق بشرط» اهـ.
قُلْتُ: الأدلة جاءت بالأمر بالإيفاء بنذر الطاعة على وجه العموم، فيدخل في ذلك المعلق وغيره.
٥ - وفيه أنَّ النذر يستخرج به من البخيل، وقد اختلف العلماء في معنى ذلك على قولين:
القول الأول: أنَّ الناذر لا يعطي الطاعة تطوعاً محضاً مبتدئاً، وإنَّما يأتي بها في مقابلة العوض، وهذه حال البخيل؛ فإنَّه لا يخرج من ماله شيئاً إلَّا بعوض عاجل يربي على ما أخرج.
قُلْتُ: وهذا المعنى يختص بنذر المجازاة.
стр. 7196
القول الآخر: ما قاله الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٦٣): «وقد يقال: إنَّ البخيل لا يأتي بالطاعة إلَّا إذا اتصفت بالوجوب فيكون النذر هو الذي أوجب له فعل الطاعة لتعلق الوجوب به ولو لم يتعلق به الوجوب لتركه البخيل فيكون النذر المطلق أيضاً مما يستخرج به من البخيل» اهـ.
قُلْتُ: القول الأول: أظهر، ولهذا قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٦٣):
«وقوله ﵇: "إنَّما يستخرج به من البخيل" الأظهر في معناه أنَّ البخيل لا يعطي طاعة إلَّا في عوض ومقابل يحصل له فيكون النذر هو السبب الذي استخرج منه تلك الطاعة» اهـ.
* * *
стр. 7197
٣٦٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ».
قُلْتُ: قَوْلُهُ: «حَافِيَةً». من أفراد مسلم (١٦٤٤).
وَقَوْلُهُ: «إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ». زيادة "الحرام" لا أصل لها في الصحيحين ولا في أحدهما ولا في غير ذلك من كتب الحديث فيما اطلعت عليه. والله أعلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فله أن يمشي وأن يركب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٣): «وأمَّا حديث أخت عقبة فمعناه تمشي في وقت قدرتها على المشي، وتركب إذا عجزت عن المشي أو لحقتها مشقة ظاهرة فتركب» اهـ.
وفي الباب ما رواه البخاري (١٨٦٥)، ومسلم (١٦٤٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، قَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟»، قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ»، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
стр. 7198
٢ - وليس في الحديث ذكر الكفارة، لكن جاء ذلك في بعض روايات الحديث.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٣٠٩ - ٣١٠): «وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشياً، فمنهم من قال: لا يلزمه المشي، وله الركوب بكل حال، وهو رواية عن أحمد والأوزاعي. وقال أحمد: يصوم ثلاثة أيام، وقال الأوزاعي: عليه كفارة يمين، والمشهور أنَّه يلزمه ذلك إن أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد قولي الشافعي.
وقيل: بل عليه - مع ذلك - كفارة يمين، وهو قول الثوري وأحمد في رواية.
وقيل: بل عليه دم، قاله طائفة من السلف، منهم عطاء ومجاهد والحسن والليث وأحمد في رواية.
وقيل: يتصدق بكراء ما ركب، وروي عن الأوزاعي، وحكاه عن عطاء، وروي عن عطاء: يتصدق بقدر نفقته عند البيت.
وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم: لا يجزئه الركوب، بل يحج من قابل، فيمشي ما ركب، ويركب ما مشى، وزاد بعضهم: وعليه هدي، وهو قول مالك إذا كان ما ركبه كثيراً» اهـ.
стр. 7199
قُلْتُ: جاء الأمر بالصوم فيما رواه أحمد (١٧٣٤٤، ١٧٣٨٦، ١٧٤١٣)، وأبو داود (٣٢٩٣)، والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (٣٨١٥)، وابن ماجة (٢١٣٤) من طريق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَقَالَ: «مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف عبيد الله بن زحر، وأبو سعيد الرعيني هو جعثل لم يوثقه معتبر، وقد سقط في رواية النسائي.
وقد تابع ابنَ زحر بكرُ بن سوادة، وحديثه رواه أحمد (١٧٣٦٨) حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ جُعْثُلٍ الْقِتْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ فِي ابْنٍ لَهَا، لَتَحُجَّنَّ حَافِيَةً بِغَيْرِ خِمَارٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَحُجُّ رَاكِبَةً مُخْتَمِرَةً، وَلْتَصُمْ».
قُلْتُ: ابن لهيعة سيء الحفظ، وجعثل لم يوثقه معتبر، ويشهد له ما سيأتي، وأبو تميم هو عبد الله بن مالك.
стр. 7200
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢١٤٨) حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ حَافِيَةً غَيْرَ مُتَخَمِّرَةٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُقْبَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَلْتَرْكَبْ، وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وحيي بن عبد الله المعافري مختلف فيه ولعلَّ حديثه لا ينزل عن الحسن. والله أعلم.
ويونس هو: ابن عبد الأعلى بن ميسرة بن حفص بن حيان الصدفي.
وروى الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢١٥٠) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً نَاشِرَةً شَعْرَهَا، فَسَأَلَ عُقْبَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «لِتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: عبيد بن رجال لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني.
стр. 7201
قُلْتُ: وهو عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٨٧٣) من غير ذكر الصيام، وقد رواه جماعة عن عبد الرزاق من غير ذكر هذه اللفظة، ومنهم أحمد بن حنبل في [الْمُسْنَدِ] (١٧٤٢٤)، ومخلد بن خالد بن يزيد الشعيري، وحديثه عند أبي داود (٣٢٩٩).
ورواه البخاري (١٨٦٦) من طريق هشام بن يوسف الصنعاني عن ابن جريج به، وليس فيه ذكر الصيام.
ورواه مسلم (١٦٤٤) من طريق عبد الله بن عياش عن يزيد بن أبي حبيب به، وليس فيه ذكر الصيام.
فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذه اللفظة من هذا الوجه.
وروى الحديث الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤٨٠٦)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٤٣٠٠) من طريق يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ دُخَيْنٍ الْحَجْرِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً حَاسِرَةً، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا شَأْنُ هَذِهِ؟» قَالُوا: إنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً حَاسِرَةً، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَحُجَّ».
стр. 7202
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وليس فيه ذكر للكفارة.
وروى أحمد (٢٨٢٩)، وأبو داود (٣٢٩٥) من طريق شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ يَعْنِي أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، فَلْتَحُجَّ رَاكِبَةً، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لسوء حفظ شريك النخعي، ويشهد له ما سبق.
وجاء ذكر الهدي فيما رواه أبو داود (٣٢٩٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ، إِلَى الْبَيْتِ «فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيًا».
ورواه أحمد (٢١٣٤، ٢١٣٩، ٢٢٧٨، ٢٨٣٥) من طريق همام به لكنه قال في حديثه: «وَلْتُهْدِ بَدَنَةً».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ، وأبو الوليد هو الطيالسي هشام بن عبد الملك. لكن رواه أبو داود (٣٢٩٧) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ،
стр. 7203
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ نَذْرِهَا مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ».
قُلْتُ: فلم يذكر هشام وهو الدستوائي في حديثه الهدي، وحديثه أصح. والله أعلم.
وجاء الحديث مرسلاً فيما رواه أبو داود (٣٢٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِمَعْنَى هِشَامٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْهَدْيَ وَقَالَ: فِيهِ «مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِمَعْنَى هِشَامٍ اهـ.
ورواه أبو داود (٣٣٠٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً».
قُلْتُ: مطر هو الوراق ضعيف الحديث.
стр. 7204
ورواه أحمد (١٧٨٢٧) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ، إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِهَا لِتَرْكَبْ، وَلْتُهْدِ بَدَنَةً».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ؛ لكن ذكر مطرف خطأ في النسخة، والصواب مطر بحذف الفاء كما جاء ذلك عند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢١٥٢)، ومطر ضعيف كما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٩٩٠٩) أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ فَارِسٍ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: «لَا يَصِحُّ فِيهِ الْهَدْيُ» يَعْنِي: فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ اهـ.
وروى أحمد (١٩٨٧٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّي، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: مَا قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا إِلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَنَهَانَا عَنِ
стр. 7205
الْمُثْلَةِ. قَالَ: وَقَالَ: «أَلَا وَإِنَّ مِنَ الْمُثْلَةِ أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْزِمَ أَنْفَهُ، أَلَا وَإِنَّ مِنَ الْمُثْلَةِ أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَلْيُهْدِ هَدْيًا وَلْيَرْكَبْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ الحسن لم يسمع من عمران.
وخلاصة القول: أنَّ الثابت في الحديث ذكر الصيام دون الهدي، ويؤيده ما رواه مسلم (١٦٤٥) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
وظاهر ما سبق تعين الصيام في الكفارة دون الإطعام أو الكسوة أو العتق، وفي تعيين ذلك شيء من الخفاء. ويمكن أن يكون علم النبي ﷺ من حالها أنَّها لا تقدر على غير الصيام فأمرها به دون غيره، وإلَّا فإنَّ في حديث عقبة الماضي أنَّ كفارة النذر كفارة يمين.
٣ - ليس في حديث الباب أمرها بالحج أو العمرة، لكن جمهور العلماء يلزمونها بذلك بناءً على النذر بالذهاب إلى بيت الله تعالى محمول شرعاً على الحج أو العمرة، وقد جاء في بعض الروايات السابقة خارج الصحيح أنَّها نذرت أن تحج ماشية. والله أعلم.
стр. 7206
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٣٩٧): «ولا يجزئه المشي إلَّا في حج أو عمرة. وبه يقول الشافعي. ولا أعلم فيه خلافاً؛ وذلك لأنَّ المشي المعهود في الشرع، هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر، حمل على المعهود الشرعي» اهـ.
٤ - وفيه مشروعية أن يستنيب الشخص غيره في الاستفتاء.
٥ - وفيه قبول خبر الواحد.
٦ - واحتج به على أنَّ من نذر نذراً لا يطيقه فلا يلزمه الوفاء بما لم يطق منه، وإنَّما يفعل منه ما أطاق.
قُلْتُ: وعليه كفارة يمين، وقد روى أبو داود (٣٣٢٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ».
قُلْتُ: وقد سبق هذا الحديث في شرح حديث ثابت بن الضحاك، وسبق هناك بيان أنَّ الصحيح وقفه على ابن عباس ﵄، ويدل على ذلك أيضاً ما سبق من أمر النبي ﷺ أخت عقبة بالكفارة.
стр. 7207
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨): «وأمَّا إذا عجز عن فعل المنذور أو كان عليه فيه مشقة فهنا يكفر ويأتي ببدل عن المنذور كما في حديث عقبة بن عامر أنَّ أخته لما نذرت أن تحج ماشية قال النبي ﷺ : "إنَّ الله لغني عن تعذيب أختك نفسها مرها فلتركب ولتهد - وروي ولتصم" فهذا الرجل الذي عقد مع الله تعالى صوم نصف الدهر وقد أضر ذلك بعقله وبدنه عليه أن يفطر ويتناول ما يصلح عقله وبدنه ويكفر كفارة يمين ويكون فطره قدر ما يصلح به عقله وبدنه على حسب ما يحتمله حاله إمَّا أن يفطر ثلثي الدهر أو ثلاثة أرباعه أو جميعه فإذا أصلح حاله فإن أمكنه العود إلى صوم يوم وفطر يوم بلا مضرة وإلَّا صام ما ينفعه من الصوم ولا يشغله عمَّا هو أحب إلى الله منه. فالله لا يحب أن يترك الأحب إليه بفعل ما هو دونه فكيف يوجب ذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠) فقال: «فصل: وإذا عجز عن الوفاء بالنذر، لم يخل من خمسة أحوال:
أحدها: أن يعجز عجزاً لا يرجى زواله، لكبر، أو مرض غير مرجو الزوال أو غيره، فعليه كفارة يمين لا غير، لما روى عقبة بن عامر قال: "نذرت أختي أن
стр. 7208
تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ ، فاستفتيته، فقال: لتمش ولتركب" متفق عليه؛ ولأنَّ النذر كاليمين إلَّا فيما لا يطيق. قال ابن عباس ﵄: من نذر نذراً لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً يطيقه، فليف لله بما نذر. وسواء كان عاجزاً وقت النذر، أو تجدد العجز؛ لأنَّهما سواء في فوات النذر.
وعن أحمد فيمن نذر صوماً، فعجز عنه لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه: أنَّه يطعم عن كل يوم مسكيناً. اختاره الخرقي؛ لأنَّه صوم وجد سبب إيجابه عيناً، فأشبه صوم رمضان، والأول أقيس.
الثاني: أن يعجز عجزاً مرجو الزوال نحو المرض. فإذا كان النذر غير موقت، أخره حتى يزول العارض ثم يأتي به، وإن كان موقتاً، كصوم شهر معين. فإذا زال العجز قضاه؛ لأنَّه صوم واجب يلزمه قضاؤه كرمضان، وعليه كفارة اليمين؛ لأنَّ النذر كاليمين. وعنه: لا كفارة عليه؛ لأنَّ المنذور محمول على المشروع، ولو أفطر في رمضان لعذر، لم يلزمه كفارة، كذا هاهنا.
الثالث: أن يمنعه الشرع من الوفاء بنذره، مثل أن يصادف عيداً، أو حيضاً ففيه وجهان. بناء على الروايتين فيما قبلها. وإن صادف أيام التشريق، فكذلك في
стр. 7209
إحدى الروايتين، وفي الأخرى، يصح صيامها للفرض، لما ذكرنا في صيامها عن دم المتعة، وإن صادف رمضان لم يجزئ صومه عن النذر، وكان حكمه كما لو صادف يوم العيد. وقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان، ونذره، وقد ذكر ذلك.
الرابع: أن يصادفه النذر مجنوناً، فلا شيء عليه؛ لأنَّه خرج عن أهلية التكليف قبل وقت النذر، أشبه ما لو فاته.
الخامس: أن يموت، فإن كان ذلك قبل وقت النذر، فلا شيء عليه؛ لأنَّه خرج عن أهلية التكليف. وإن كان بعده، أو كان النذر غير موقت، فعل ذلك وليه، لما روت عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه" متفق عليه.
وعن ابن عباس قال: "أتى رجل النبي ﷺ فقال: إنَّ أختي نذرت أن تحج، وإنَّها، ماتت، فقال له النبي ﷺ : لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء". رواه البخاري. فثبت القضاء للصوم والحج بالنص. وقسنا عليه غيره للمعنى المشترك بينهما.
وفي الصلاة روايتان:
стр. 7210
إحداهما: تقضى عنه لما ذكرناه.
والثانية: لا تقضى؛ لأنَّها لا تدخلها نيابة، ولا كفارة، فلم تقض عنه، كحالة الحياة وكل موضع قلنا: يقضي عنه الولي، فإنَّه على سبيل الندب، لا الوجوب؛ لأنَّ قضاء دينه لا يجب على وليه. فكذلك النذر المشبه به» اهـ.
٧ - واحتج به على مشروعية الوفاء بالنذر المباح، وذلك أنَّ المشي من المباحات، وقد أمر النبي ﷺ أخت عقبة بالمشي والركوب، وهو محمول بالمشي عند الطاقة كما سبق.
قُلْتُ: ويشكل على هذا ما رواه البخاري (٦٧٠٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». فإنَّ النبي ﷺ أمره أن يفي بما فيه طاعة، ولم يأمره أن يفي بنذر المباح.
والجواب عن ذلك: هو: أنَّ المشي إلى بيت الله الحرام من نذر الطاعة، وذلك أنَّ المشي وإن كان مباحاً لكنه هاهنا وسيلة لطاعة فكان طاعة من هذا الباب، ولهذا أمر النبي ﷺ المرأة أن تفي بما تقدر عليه منه. والله أعلم.
стр. 7211
لكن بقى إشكال آخر فيما رواه أحمد (٢٣٠٣٩، ٢٣٠٦١)، والترمذي (٣٦٩٠) من طريق حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَعْضِ مَغَازِيهِ فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ. فَقَالَ: «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلِي وَإِلَّا فَلَا». قَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَضَرَبَتْ بِالدُّفِّ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أبو داود (٣٣١٢) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَةً، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ، قَالَ: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ» قَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، مَكَانٌ كَانَ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: «لِصَنَمٍ»: قَالَتْ: لَا، قَالَ: «لِوَثَنٍ»، قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ».
قُلْتُ: الحارث بن عبيد أبو قدامة ضعيف الحديث، ويغني عنه ما سبق.
стр. 7212
ووجه الإشكال أنَّ النبي ﷺ أذن لها أن تفي بنذرها مع أنَّه لا طاعة فيه.
وقد أجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٢٠): «حديث صحيح وله وجهان:
أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح تطيباً لقلبها وجبراً وتأليفاً لها على زيادة الإيمان وقوته وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ .
والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله ﷺ سالماً مؤيداً منصوراً على أعدائه قد أظهره الله وأظهر دينه وهذا من أفضل القرب فامرت بالوفاء به» اهـ.
قُلْتُ: وهذا أعظم من ضرب الدف فرحاً وسروراً في يوم العيد، وهكذا ضربه فرحاً وسروراً بالنكاح.
وأمَّا ما يتعلق بالكفارة هل تجب أو لا؟ فقد ادعى ابن حزم في "مراتب الإجماع" الاتفاق أنَّه لا شيء على من نذر ذلك حيث قال: «واتفقوا أن مَنْ نَذَرَ ما لا طاعة فيه ولا معصية أنَّه لا شيء عليه» اهـ.
стр. 7213
فتعقبه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ فِي [نَقْدِ مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ] (ص: ٣٠١): «قُلْتُ: بل النزاع في نذر المباح هل يلزم فيه كفارة إذا تركه كالنزاع في نذر المعصية وأوكد. وظاهر مذهب أحمد لزوم الكفارة في الجميع، وكذلك مذهب أكثر السلف، وهو قول أبي حنيفة وغيره، لكن قيل عنه: إذا قصد بالنذر اليمين» اهـ.
قُلْتُ: مذهب مالك والشافعي أنَّ النذر لا ينعقد بذلك.
والذي يظهر لي أنَّ نذر المباح يأخذ حكم نذر المعصية، وذلك لأنَّه لا يجوز التقرب إلى الله تعالى بما ليس بقربة، وقصة أبي إسرائيل تدل على ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ٦٣٢):
«ولو سئل: عمن يقوم في الشمس. قال: هذا جائز. فإذا قيل: إنَّه يفعله على وجه العبادة. قال: هذا منكر كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ "أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس. فقال: من هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل يريد أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم وليجلس وليستظل وليتم صومه" فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه؛ لكن لما فعله على وجه العبادة نهي عنه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣): «وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال: "من هذا؟ ". فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال: "مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه".
стр. 7214
فأمره ﷺ مع نذره للصمت أن يتكلم كما أمره مع نذره للقيام أن يجلس ومع نذره ألَّا يستظل أن يستظل. وإنَّما أمره بأن يوفي بالصوم فقط. وهذا صريح في أنَّ هذه الأعمال ليست من القرب التي يؤمر بها الناذر. وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". كذلك لا يؤمر الناذر أن يفعلها فمن فعلها على وجه التعبد بها والتقرب واتخاذ ذلك ديناً وطريقاً إلى الله تعالى فهو ضال جاهل مخالف لأمر الله ورسوله» اهـ.
стр. 7215
قُلْتُ: فإذا تبين أنَّ نذر المباح يأخذ حكم نذر المعصية ففيه الكفارة كما سبق في نذر المعصية، وإذا كان هذا هو حكم نذر المباح فيلحق به نذر المكروه من باب أولى. والله أعلم.
٨ - عرفنا أنَّ نذر أخت عقبة هو أن تحج ماشية، فإن كان ذلك الحج هي حجة الإسلام ففيه حجة لمن ذهب إلى انعقاد النذر بالواجب، وإن لم يكن فلا حجة فيه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ١٥٥):
«وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: إنَّهُ إذَا نَذَرَ وَاجِبًا فَهُوَ بَعْدَ النَّذْرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ النَّذْرِ بِخِلَافِ نَذْرِ الْمُسْتَحَبِّ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ النَّذْرُ إذَا كَانَ يُوجِبُ فِعْلَ الْمُسْتَحَبِّ فَإِيجَابُهُ لِفِعْلِ الْوَاجِبِ أَوْلَى وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ بَلْ هُمَا وجوبان مِنْ نَوْعَيْنِ لِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْآخَرِ مِثْلَ الْجَدَّةِ إذَا كَانَتْ أُمَّ أُمِّ أُمٍّ وَأُمَّ أب أَبٍ فَإِنَّ فِيهَا شَيْئَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا تَسْتَحِقُّ بِهِ السُّدُسَ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ٨):
«الْقَسَم السَّادِس: نَذْرُ الْوَاجِبِ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ. لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَقِدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا كَفَّارَةَ يَمِينِ إنْ تَرَكَهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى
следующие страницы →