← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

لكن بقى إشكال آخر فيما رواه أحمد (٢٣٠٣٩، ٢٣٠٦١)، والترمذي (٣٦٩٠) من طريق حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَعْضِ مَغَازِيهِ فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ. فَقَالَ: «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلِي وَإِلَّا فَلَا». قَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَضَرَبَتْ بِالدُّفِّ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ورواه أبو داود (٣٣١٢) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَةً، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ، قَالَ: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ» قَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، مَكَانٌ كَانَ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: «لِصَنَمٍ»: قَالَتْ: لَا، قَالَ: «لِوَثَنٍ»، قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ». قُلْتُ: الحارث بن عبيد أبو قدامة ضعيف الحديث، ويغني عنه ما سبق.

стр. 7212

ووجه الإشكال أنَّ النبي ﷺ أذن لها أن تفي بنذرها مع أنَّه لا طاعة فيه. وقد أجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٢٠): «حديث صحيح وله وجهان: أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح تطيباً لقلبها وجبراً وتأليفاً لها على زيادة الإيمان وقوته وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ . والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله ﷺ سالماً مؤيداً منصوراً على أعدائه قد أظهره الله وأظهر دينه وهذا من أفضل القرب فامرت بالوفاء به» اهـ. قُلْتُ: وهذا أعظم من ضرب الدف فرحاً وسروراً في يوم العيد، وهكذا ضربه فرحاً وسروراً بالنكاح. وأمَّا ما يتعلق بالكفارة هل تجب أو لا؟ فقد ادعى ابن حزم في "مراتب الإجماع" الاتفاق أنَّه لا شيء على من نذر ذلك حيث قال: «واتفقوا أن مَنْ نَذَرَ ما لا طاعة فيه ولا معصية أنَّه لا شيء عليه» اهـ.

стр. 7213

فتعقبه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ فِي [نَقْدِ مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ] (ص: ٣٠١): «قُلْتُ: بل النزاع في نذر المباح هل يلزم فيه كفارة إذا تركه كالنزاع في نذر المعصية وأوكد. وظاهر مذهب أحمد لزوم الكفارة في الجميع، وكذلك مذهب أكثر السلف، وهو قول أبي حنيفة وغيره، لكن قيل عنه: إذا قصد بالنذر اليمين» اهـ. قُلْتُ: مذهب مالك والشافعي أنَّ النذر لا ينعقد بذلك. والذي يظهر لي أنَّ نذر المباح يأخذ حكم نذر المعصية، وذلك لأنَّه لا يجوز التقرب إلى الله تعالى بما ليس بقربة، وقصة أبي إسرائيل تدل على ذلك. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ٦٣٢): «ولو سئل: عمن يقوم في الشمس. قال: هذا جائز. فإذا قيل: إنَّه يفعله على وجه العبادة. قال: هذا منكر كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ "أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس. فقال: من هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل يريد أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم وليجلس وليستظل وليتم صومه" فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه؛ لكن لما فعله على وجه العبادة نهي عنه» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣): «وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال: "من هذا؟ ". فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال: "مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه".

стр. 7214

فأمره ﷺ مع نذره للصمت أن يتكلم كما أمره مع نذره للقيام أن يجلس ومع نذره ألَّا يستظل أن يستظل. وإنَّما أمره بأن يوفي بالصوم فقط. وهذا صريح في أنَّ هذه الأعمال ليست من القرب التي يؤمر بها الناذر. وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". كذلك لا يؤمر الناذر أن يفعلها فمن فعلها على وجه التعبد بها والتقرب واتخاذ ذلك ديناً وطريقاً إلى الله تعالى فهو ضال جاهل مخالف لأمر الله ورسوله» اهـ.

стр. 7215

قُلْتُ: فإذا تبين أنَّ نذر المباح يأخذ حكم نذر المعصية ففيه الكفارة كما سبق في نذر المعصية، وإذا كان هذا هو حكم نذر المباح فيلحق به نذر المكروه من باب أولى. والله أعلم. ٨ - عرفنا أنَّ نذر أخت عقبة هو أن تحج ماشية، فإن كان ذلك الحج هي حجة الإسلام ففيه حجة لمن ذهب إلى انعقاد النذر بالواجب، وإن لم يكن فلا حجة فيه. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ١٥٥): «وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: إنَّهُ إذَا نَذَرَ وَاجِبًا فَهُوَ بَعْدَ النَّذْرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ النَّذْرِ بِخِلَافِ نَذْرِ الْمُسْتَحَبِّ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ النَّذْرُ إذَا كَانَ يُوجِبُ فِعْلَ الْمُسْتَحَبِّ فَإِيجَابُهُ لِفِعْلِ الْوَاجِبِ أَوْلَى وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ بَلْ هُمَا وجوبان مِنْ نَوْعَيْنِ لِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْآخَرِ مِثْلَ الْجَدَّةِ إذَا كَانَتْ أُمَّ أُمِّ أُمٍّ وَأُمَّ أب أَبٍ فَإِنَّ فِيهَا شَيْئَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا تَسْتَحِقُّ بِهِ السُّدُسَ» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ٨): «الْقَسَم السَّادِس: نَذْرُ الْوَاجِبِ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ. لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَقِدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا كَفَّارَةَ يَمِينِ إنْ تَرَكَهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى

стр. 7216

فِعْلِهِ؛ فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَمِينًا. وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيُكَفِّرُ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ» اهـ. * * *

стр. 7217

٣٦١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْضِهِ عَنْهَا». قُلْتُ: ليس في الحديث بيان لنوع النذر الذي نذرته أم سعد، وجاء في بعض ألفاظ الحديث أنَّه العتق، وذلك فيما رواه أحمد (٢٣٨٩٧)، والنسائي (٣٦٥٦) من طريق عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ: «أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ». لكن سليمان بن كثير ضعيف في روايته عن الزهري، ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٧٣) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ أُمَّهُ أَرَادَتْ أَنْ تُوصِيَ، ثُمَّ أَخَّرَتْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ. فَهَلَكَتْ، وَقَدْ كَانَتْ هَمَّتْ بِأَنْ تُعْتِقَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا، فَقَالَ الْقَاسِمُ: إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ».

стр. 7218

قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ يَقْوَى بِالِّذِي قَبْلَهُ. والله أعلم. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - قضاء النذر عن الميت. قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في وجوبه. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٩): «واعلم أنَّ مذهبنا ومذهب الجمهور أنَّ الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير مالي، ولا إذا كان مالياً ولم يخلف تركة، لكن يستحب له ذلك، وقال أهل الظاهر: يلزمه ذلك لحديث سعد هذا. ودليلنا أنَّ الوارث لم يلتزمه فلا يلتزم، وحديث سعد يحتمل أنَّه قضاه من تركتها، أو تبرع به، وليس في الحديث تصريح بإلزامه ذلك. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: الأمر في الحديث لم يقع ابتداءً، وإنَّما وقع جواباً للفتيا، وما كان كذلك فلا يكون صريحاً في الوجوب، وذلك أنَّ جواب الفتيا غالباً يكون بصيغة الأمر، نعم إذا كان النذر مالياً وخلف الميت تركة تفي به وجب إيفاء نذره منها. والله أعلم.

стр. 7219

ويستثنى من هذا ما إذا كان النذر مؤقت، ومات الميت قبل حلول وقته فإنَّ النذر غير لازم للميت لخروجه عن التكليف قبل وجوبه، ولا يلزم حينئذ الأولياء الإيفاء به. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ٢٢٠): «الخامس: أن يموت، فإن كان ذلك قبل وقت النذر، فلا شيء عليه؛ لأنَّه خرج عن أهلية التكليف» اهـ. ٢ - ويلحق به قضاء سائر الحقوق عن الميت التي يشرع قضاؤها. ٣ - وفيه أنَّ ذلك يقضى عن الميت وإن لم يوص به. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٩): «وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجب قضاء شيء من ذلك إلَّا أن يوصي به، ولأصحاب مالك خلاف في الزكاة إذا لم يوص بها. والله أعلم» اهـ. ٤ - وفيه بر سعد ﵁ بأمه بعد موتها. ٥ - واحتج به من قال بانتفاع الميت بعمل الحي. قُلْتُ: عمل الحي الذي ينتفع به الميت ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما تسبب إليه الميت في حياته فهذا مما ينتفع به بالاتفاق، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ:

стр. 7220

«إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». وروى مسلم (١٠١٧) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». القسم الآخر: انتفاعه بغير ما تسبب فيه. وقد دلت الأدلة على انتفاعه بأربعة أنواع من العبادات: النوع الأول: عبادات قولية. ومن ذلك الدعاء كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وتدخل في ذلك صلاة الجنازة فإنَّها دعاء للميت، وهكذا الدعاء للميت بعد دفنه، والدعاء عند زيارة القبور. وهذا مما لا نزاع فيه. النوع الثاني: عبادات بدنية محضة.

стр. 7221

ومن ذلك صيام النذر عن الميت، ويدل عليه ما رواه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». وروى البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى». وفي لفظ لهما: «وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ». وروى مسلم (١١٤٩) عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا». النوع الثالث: عبادات مالية محضة.

стр. 7222

ومن ذلك الصدقة، ويدل عليه ما رواه البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». وروى البخاري (٢٧٥٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. وروى مسلم (١٦٣٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: ومن ذلك العتق، وقد مضى قول النبي ﷺ لسعد: «أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ». وهذا مما لا نزاع فيه بين العلماء. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٠٩): «والأئمة اتفقوا على أنَّ الصدقة تصل إلى الميت وكذلك العبادات المالية: كالعتق» اهـ.

стр. 7223

النوع الرابع: عبادات مالية وبدنية معاً. ومن ذلك الحج، ويدل عليه ما رواه البخاري (١٨٥٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ». ومضى قريباً ما رواه مسلم (١١٤٩) عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣١٠): «وأمَّا الحج فيجزي عند عامتهم ليس فيه إلَّا اختلاف شاذ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٢٢): «والعبادات قسمان مالية وبدنية وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة قال على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب سائر العبادات

стр. 7224

البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وبالله التوفيق» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١١٧): «المسألة السادسة عشرة: وهي هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعى الأحياء أم لا؟ فالجواب: أنَّها تنتفع من سعى الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من الفقهاء وأهل الحديث والتفسير: أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته. والثاني: دعاء المسلمين له واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع ما الذي يصل من ثوابه هل ثواب الإنفاق أو ثواب العمل فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه وعند بعض الحنفية إنَّما يصل ثواب الإنفاق. واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصولها وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة نص على هذا الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال قال قيل لأبي عبد الله: الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه. قال: أرجو، أو قال: الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها.

стр. 7225

وقال أيضاً: اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات وقل هو الله أحد وقل اللهم إنَّ فضله لأهل المقابر. والمشهور من مذهب الشافعي ومالك أنَّ ذلك لا يصل. وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنَّه لا يصل إلى الميت شيء البتة لا دعاء ولا غيره» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ] (ص: ٤٥٢): «واختلف في العبادات البدنية، كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر: فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها. وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء البتة، لا الدعاء ولا غيره، وقولهم مردود بالكتاب والسنة» اهـ. قُلْتُ: وأقوى ما احتج به المانعون من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، و [التحريم: ٧]، وقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢]،

стр. 7226

وقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩]. قالوا: فهذه الآيات تدل على أنَّ العبد لا يجزى إلَّا بعمله، ولو كان ثواب الغير يصل إليه لكان يجزى بعمل غيره، وهذا خلاف ما دلت عليه الآيات. والجواب على ذلك: أنَّ غاية ما تدل عليه الآية الأولى أنَّ العبد لا يملك إلَّا سعيه، ولا يملك سعي غيره، وليس فيها أنَّه لا ينتفع بسعي غيره إذا أهداه له. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٤٩٩): «الثاني: أنَّ الآية ليست في ظاهرها إلَّا أنَّه ليس له إلَّا سعيه وهذا حق فإنَّه لا يملك ولا يستحق إلَّا سعي نفسه وأمَّا سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه؛ لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به؛ كما أنَّه دائماً يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم. وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب يفعلها العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب فيرحم الجميع» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٨/ ١٤٣): «وكذلك ظن قوم أنَّ انتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحي ينافي قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فليس الأمر كذلك؛ فإنَّ انتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحي بالنسبة

стр. 7227

إلى الآية كانتفاعه بالعبادات المالية ومن ادعى أنَّ الآية تخالف أحدهما دون الآخر فقوله ظاهر الفساد بل ذلك بالنسبة إلى الآية كانتفاعه بالدعاء والاستغفار والشفاعة وقد بينا في غير هذا الموضع نحواً من ثلاثين دليلاً شرعياً يبين انتفاع الإنسان بسعي غيره؛ إذ الآية إنَّما نفت استحقاق السعي وملكه؛ وليس كل ما لا يستحقه الإنسان ولا يملكه لا يجوز أن يحسن إليه مالكه ومستحقه بما ينتفع به منه فهذا نوع وهذا نوع وكذلك ليس كل ما لا يملكه الإنسان لا يحصل له من جهته منفعة؛ فإنَّ هذا كذب في الأمور الدينية والدنيوية» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣١٢ - ٣١٣): «وأمَّا الآية فللناس عنها أجوبة متعددة. كما قيل: إنَّها تختص بشرع من قبلنا، وقيل: إنَّها مخصوصة، وقيل: إنَّها منسوخة، وقيل: إنَّها تنال السعي مباشرة وسبباً، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه، ولا يحتاج إلى شيء من ذلك بل ظاهر الآية حق لا يخالف بقية النصوص، فإنَّه قال: ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وهذا حق فإنَّه إنَّما يستحق سعيه فهو الذي يملكه ويستحقه. كما أنَّه إنَّما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو. وأمَّا سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير لا له لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره. فمن صلى على جنازة فله قيراط

стр. 7228

فيثاب المصلي على سعيه الذي هو صلاته والميت أيضاً يرحم بصلاة الحي عليه كما قال: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة" ويروى أربعين ويروى ثلاثة صفوف "ويشفعون فيه إلَّا شفعوا فيه - أو قال إلَّا غفر له -". فالله تعالى يثيب هذا الساعي على سعيه الذي هو له ويرحم ذلك الميت بسعي هذا الحي لدعائه له وصدقته عنه وصيامه عنه وحجه عنه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه دعوة إلَّا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله". فهذا من السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه يثيب الله هذا ويرحم هذا، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وليس كل ما ينتفع به الميت أو الحي أو يرحم به يكون من سعيه بل أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي فالذي لم يجز إلَّا به أخص من كل انتفاع؛ لئلا يطلب الإنسان الثواب على غير عمله وهو كالدين يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته لكن ليس له ما وفى به الدين وينبغي له أن يكون هو الموفي له والله أعلم» اهـ.

стр. 7229

قُلْتُ: وأمَّا سائر الآيات الأخرى فهي واردة في بيان أنَّ العبد لا يعاقب بذنب غيره، ولا ينقص من حسناته، وليس فيها تعرض لعدم انتفاع العبد بعمل غيره، وسياق الآيات تدل على ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٢٩) - عند كلامه على بعض تلك الآيات -: «فنفى أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته أو ينقص من حسناته أو يعاقب بعمل غيره ولم ينف أن ينتفع بعمل غيره لا على وجه الجزاء فإنَّ انتفاعه بما يهدى إليه ليس جزاء على عمله وإنَّما هو صدقة تصدق الله بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعى منه بل وهبه ذلك على يد بعض عباده لا على وجه الجزاء» اهـ. واحتج المانعون أيضاً بما رواه مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». قالوا: فأخبر النبي ﷺ أنَّه إنَّما ينتفع بما كان تسبب إليه في الحياة وما لم يكن قد تسبب إليه فهو منقطع عنه. وقد أجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٢٩):

стр. 7230

«فصل: وأمَّا استدلالكم بقوله: "إذا مات العبد انقطع عمله". فاستدلال ساقط فإنَّه لم يقل انقطع انتفاعه، وإنَّما أخبر عن انقطاع عمله، وأمَّا عمل غيره فهو لعامله فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر، وكذلك الحديث الآخر وهو قوله: "إنَّ مما يلحق الميت من حسناته وعمله". فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته» اهـ. قُلْتُ: ومن جملة ما أورده المنازعون في هذه المسألة قولهم: لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٣٠ - ١٣٢): «فصل: وأمَّا قولكم: لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم قال القاضي: وكلام أحمد لا يقتضي التخصيص بالميت فإنَّه قال: يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه وأمه، ولم يفرق، واعترض عليه أبو الوفاء بن عقيل وقال: هذا فيه بعد وهو تلاعب بالشرع وتصرف في أمانة الله واسجال على الله سبحانه بثواب على عمل يفعله إلى غيره وبعد الموت قد جعل لنا طريقاً إلى إيصال النفع كالاستغفار والصلاة على الميت، ثم أورد على نفسه سؤالاً وهو فإن قيل: أليس قضاء الدين

стр. 7231

وتحمل الكل حال الحياة كقضائه بعد الموت فقد استوى ضمان الحياة وضمان الموت في أنَّهما يزيلان المطالبة عنه فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة فاجعلوا ثواب الإهداء واصلاً حال الحياة وبعد الموت. وأجاب عنه بأنَّه لو صح هذا وجب أن تكون الذنوب تكفر عن الحي بتوبة غيره عنه ويندفع عنه مآثم الآخرة بعمل غيره واستغفاره. قُلْتُ: وهذا لا يلزم بل طرد ذلك انتفاع الحي بدعاء غيره له واستغفاره له وتصدقه عنه وقضاء ديونه وهذا حق وقد أذن النبي ﷺ في أداء فريضة الحج عن الحي المعضوب والعاجز وهما حيان. وقد أجاب غيره من الأصحاب بأنَّ حال الحياة لا نثق بسلامة العاقبة خوفاً أن يرتد المهدى له فلا ينتفع بما يهدى إليه. قال ابن عقيل: وهذا عذر باطل بإهداء الحي فإنَّه لا يؤمن أن يرتد ويموت فيحبط عمله ومن جملته ثواب ما أهدى إلى الميت. قُلْتُ: هذا لا يلزمهم وموارد النص والإجماع تبطله وترده فإنَّ النبي ﷺ أذن في الحج والصوم عن الميت وأجمع الناس على براءة ذمته من الدين إذا قضاه عنه الحي مع وجود ما ذكر من الاحتمال.

стр. 7232

والجواب أن يقال: ما أهداه من أعمال البر إلى الميت فقد صار ملكاً له فلا يبطل بردة فاعله بعد خروجه عن ملكه كتصرفاته التي تصرفها قبل الردة من عتق وكفارة بل لو حج عن معضوب ثم ارتد بعد ذلك لم يلزم المعضوب أن يقيم غيره يحج عنه فإنَّه لا يؤمن في الثاني والثالث ذلك. على أنَّ الفرق بين الحي والميت أنَّ الحي ليس بمحتاج كحاجة الميت إذ يمكنه أن يباشر ذلك العمل أو نظيره فعليه اكتساب الثواب بنفسه وسعيه بخلاف الميت. وأيضاً: فإنَّه يفضي إلى اتكال بعض الأحياء على بعض وهذه مفسدة كبيرة فإنَّ أرباب الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم فتصير الطاعات معاوضات وذلك يفضي إلى إسقاط العبادات والنوافل ويصير ما يتقرب به إلى الله يتقرب به إلى الآدميين فيخرج عن الإخلاص فلا يحصل الثواب لواحد منهما، ونحن نمنع من أخذ الأجرة على كل قربة ونحبط بأخذ الأجر عليها كالقضاء والفتيا وتعليم العلم والصلاة وقراءة القرآن وغيرها فلا يثيب الله عليها إلَّا لمخلص اخلص العمل لوجهه فإذا فعله للأجرة لم يثب عليه الفاعل ولا المستأجر فلا يليق بمحاسن الشرع أن يجعل العبادات الخالصة له معاملات تقصد

стр. 7233

بها المعاوضات والإكساب الدنيوية وفارق قضاء الديون وضمانها فإنَّها حقوق الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت» اهـ. قُلْتُ: أمَّا ما يتعلق بانتفاع الحي بدعاء الحي، وصدقته، وقضاء الدين، وسائر الحقوق المالية عنه فلا إشكال في جوازه على ما قرره العلامة ابن القيم ﵀، وأمَّا الحج أو الاعتمار عنه فلا إشكال في جوازه في حق العاجز عن ذلك ببدنه، لما رواه البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَشْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. قُلْتُ: ولا يجزئ أن يحج الحي عن حي آخر مستطيعاً للحج إذا كان ذلك فريضة الإسلام اتفاقاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٨٣): «فصل: ولا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب إجماعاً.

стр. 7234

قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ من عليه حجة الإسلام، وهو قادر على أن يحج، لا يجزئ عنه أن يحج غيره عنه، والحج المنذور كحجة الإسلام، في إباحة الاستنابة عند العجز، والمنع منها مع القدرة؛ لأنَّها حجة واجبة» اهـ. قُلْتُ: وإذا كان الحج من قبيل حج التطوع ففيه نزاع بين أهل العلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٨٣): «فأمَّا حج التطوع، فينقسم أقساماً ثلاثة: أحدها: أن يكون ممن لم يؤد حجة الإسلام، فلا يصح أن يستنيب في حجة التطوع، لأنَّه لا يصح أن يفعله بنفسه، فبنائبه أولى. الثاني: أن يكون ممن قد أدى حجة الإسلام، وهو عاجز عن الحج بنفسه، فيصح أن يستنيب في التطوع، فإن ما جازت الاستنابة في فرضه، جازت في نفله، كالصدقة. الثالث: أن يكون قد أدى حجة الإسلام، وهو قادر على الحج بنفسه، فهل له أن يستنيب في حج التطوع؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يجوز. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنَّها حجة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها، كالمعضوب.

стр. 7235

والثانية، لا يجوز. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه قادر على الحج بنفسه، فلم يجز أن يستنيب فيه، كالفرض» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم صحة الاستنابة في حق القادر على حج التطوع لعدم الدليل عليه. وأمَّا ما رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجة (٢٩٠٣) من طريق عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟». قَالَ: أَخٌ لِي - أَوْ قَرِيبٌ لِي - قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟». قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْحَافِظُ البيهقي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٣٦): «هذا إسناد صحيح ليس في هذا الباب أصح منه» اهـ. وقد جاء موقوفاً أيضاً: قَالَ الْحَافِظُ البيهقي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٣٦):

стр. 7236

«ورواه غندر عن سعيد بن أبي عروبة موقوفاً على ابن عباس ومن رواه مرفوعاً حافظ ثقة فلا يضره خلاف من خالفه» اهـ. وقد أعله الإمام أحمد بالوقف فَقَالَ الضِّيَاءُ ﵀ فِي [الْمُخْتَارَةِ] (٤/ ١٧١): «قال الأثرم قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: حديث قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "لبيك عن شبرمة" رفعه عبدة يعني ابن سليمان. فقال: ذاك خطأ رواه عدة موقوفاً يعني على ابن عباس ليس فيه عن النبي ﷺ وذكر مهنا عن أبي عبد الله نحو هذا» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَزَارُ ﵀ فِي [مُسْنَدِهِ] (١١/ ٢٢٩): «وهذا الحديث قد رواه غير عبدة، عن ابن أبي عروبة عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفاً، ولا نعلم أحداً أسنده، عن ابن أبي عروبة إلَّا عبدة» اهـ. أقول: رفعه كل من: ١ - عبدة بن سليمان كما سبق. قَالَ الْحَافِظُ البيهقي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٣٦): «وقال يحيى بن معين أثبت الناس سماعاً من سعيد عبدة بن سليمان» اهـ.

стр. 7237

٢ - أبو يوسف القاضي أخرج حديثه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٩٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٤٥٩). ٣ - محمد بن بشر بن الفرافصة وحديثه عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٤٠)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٩٤). ٤ - محمد بن عبد الله الأنصاري، حديثه عند الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٩٢)، وذكره البيهقي في [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٣٦). ورواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٩٦) من طريق حسن بن صالح -وهو ابن حي- حدثنا سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً. ورواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٦٤) حدثنا علي بن محمد بن عبيد، حدثنا ابن أبي خيثمة، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا غندر عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنَّه سمع رجلاً يلبي عن شبرمة موقوفاً. ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٦٣٥) من طريق عمرو بن الحارث عن قتادة بن دعامة أنَّ سعيد بن جبير حدثه أنَّ عبد الله بن عباس. وذكره موقوفاً. أقول: عمرو بن الحارث الأنصاري ثقة حافظ، وخالفه سعيد بن أبي عروبة وهو من أوثق الناس في قتادة، فالذي يظهر لي صحة الرفع. والله أعلم.

стр. 7238

وقوله ها هنا: (أنَّ سعيد بن جبير حدثه) من أوهام عمرو بن الحارث فإنَّ قتادة لم يسمع من سعيد بن جبير. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادي ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ التَّحْقِيْقِ] (٣/ ٣٩٧): «وذلك معدود في أوهامه، فإن قتادة لم يلق سعيد بن جبير، فيما قاله يحيى بن معين وغيره، والله أعلم» اهـ. ورواه الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (١٠٠١)، ومن طريق البيهقي [الْكُبْرَى] (٨٤٦٤)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٤١) من طريق عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ وَمَا شُبْرُمَةُ؟» فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَالَ: أَخِي، وَقَالَ الْآخَرُ: فَذَكَرَ قَرَابَةً بِهِ، قَالَ: «أَفَحَجَجَّتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ». قُلْتُ: عبد الوهاب الثقفي اختلط بأخرة، وأبو قلابة كثير الإرسال، واستظهر الحافظ العلائي أنَّ روايته عن ابن عباس مرسلة. ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٦/ ٣٨٠) من طريق الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ

стр. 7239

شُبْرُمَةَ، قَالَ: «وَمَا شُبْرُمَةُ؟». فَذَكَرَ قَرَابَةً، قَالَ: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَاجْعَلْهَا عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». وروى الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (١٠٠٠) من طريق سُفْيانُ، عن أيُّوبَ، عَنْ أبي قِلابَةَ، قال: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلاً يقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ: «ويْحَكَ، ومَا شُبْرُمَةَ؟». قال: فَذكَرَ قَرَابَةً لَهُ، فقال: «أحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟». قال: لا، قالَ: «فَاجْعَلْ هذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ احْجُجْ شُبْرُمَةَ». ورواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (١٤٤٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: نا عُثْمَانُ بْنُ حَفْصٍ التُّومَنِيُّ قَالَ: نا السَّكَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَصَمُّ قَالَ: نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟». فَقَالَ: أَبِي. فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ قَطُّ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «احْجُجْ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ أَبِيكَ». ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٦/ ٣٨٠): من طريق هشيم قال: أخبرنا خالد، عن أبي قلابة، عن ابن عباس به موقوفاً. ويشهد للمرفوع ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٤٤٩٥)، و [الصَّغِيْرِ] (٦٣٠)، وأبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَان] (٤٠٢٨٣) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْدَةَ بْنِ الْوَلِيدِ

стр. 7240

الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﵌ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «حَجَجْتَ؟»، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وعبد الله بن سندة بن الوليد قَالَ فِيْهِ الْحَافِظُ الْأَصْبَهَانِيُّ ﵀ فِي [طَبَقَاتِ الْمُحَدِثِيْنَ بِأَصْبَهَانَ] (٣/ ٤٦٢): «عبد الله بن سندة بن الوليد بن ماهان الضبي يكنى أبا محمد، وكان ثقة صدوقاً» اهـ. ويشهد له أيضاً ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٢٣٠٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٥٤٩)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٥١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٤٦٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: «وَمَنْ شُبْرُمَةُ؟». قَالَ: رَجُلٌ أَمَرَنِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حُجَّ عَنْ نَفْسِكِ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». قُلْتُ: يعقوب ضعيف الحديث.

стр. 7241

ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٣٩)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٥٣) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي عَنْ رَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ: «أَيُّهَا الْمُلَبِّي عَنْ فُلَانٍ إِنْ كُنْتَ حَجَجْتَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَلَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَإِلَّا فَلَبِّ عَنْ نَفْسِكَ». قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ، وفيه ابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن سيء الحفظ. ورواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٥٤) من طريق عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً. وفي حديث عطاء اختلاف غير هذا لكن رواية عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس هي الأصح كما ذهب إلى ذلك الحافظ الدارقطني. وخلاصة القول: أنَّ الحديث ثابت مرفوعاً. والله أعلم. لكن يبعد أن يقال بثبوت المرفوع والموقوف معاً، وذلك أنَّ اتفاق مثل هذا العمل مع النبي ﷺ ثم مع ابن عباس بعد ذلك من رجل يقال له شبرمة مما يبعد القول به. وقد أثبت المرفوع الحافظ البيهقي، وابن عبد الحق، وابن القطان وابن حجر والألباني والوادعي رحمهم الله تعالى.

стр. 7242

وهذا الحديث محمول على حج الفريضة فإنَّ الحجة التي حجها النبي ﷺ هي أول حجة فرض في الإسلام، وحجة الفريضة لا تصح اتفاقاً أن يستنيب فيها الشخص عن المستطيع للحج. قُلْتُ: ومن جملة ما ينتفع به الحي من عمل الحي، صلاة الحي مع الحي فإنَّ الصلاة تتضاعف بذلك، وهكذا ينتفع الطفل بإسلام أحد أبويه فيحكم له بالإسلام، فإذا مات كان من أولاد المسلمين، وهكذا ينتفع الحي بعمل الحي في فروض الكفايات، والانتفاع هاهنا من حيث سقوط الإثم، ومن هذا الباب انتفاع المؤتم بالإمام في تحمله لسجود السهو، وقراءة الفاتحة في حق المسبوق، وقراءتها في الجهرية على نزاع بين العلماء في ذلك. وما سوى ذلك مما لا دليل عليه فلا يشرع، ولا يصح قياس الحي على الميت لوجود الفارق بينهما، وهو أنَّ الحي يمكنه أن يعمل بنفسه، وأمَّا الميت فلا يمكنه ذلك. والله أعلم. وخلاصة القول في هذه المسألة: أنَّ من تأمل في أدلة الفريقين بإنصاف تبين له صحة مذهب من قال بانتفاع الميت بما أهدى له الحي من نوافل العبادات، لكني مع ذلك أقول: الذي رغب فيه الله تعالى ورسوله من ذلك هو الدعاء كما قال الله

стр. 7243

تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وروى مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». وسر ذلك أنَّ المرء إذا دعا للميت فلم يفوت على نفسه عملاً صالحاً، بل هو في عبادة يؤجر عليها، وينال بها مع ذلك دعاء الملك له كما روى مسلم (٢٧٣٢) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ». وأمَّا إذا تبرع لميت بغير ذلك من نوافل العبادات فإنَّه يفوِّت على نفسه بعض الأعمال الصالحات التي هو أحوج ما يكون إليها، والعبد في دار التكليف أحوج ما يكون إلى الإكثار من نوافل العبادات التي تكون زاداً له في أخراه، ولهذا لم يكن من هدي النبي ﷺ وسائر الخلفاء الراشدين إهداء شيء من الأعمال للموتى، وهدي النبي ﷺ هو خير الهدي. والله أعلم.

стр. 7244

٦ - ظاهر الحديث أنَّ من أراد أن ينفع الميت بعمل فعليه أن ينوي أنَّ ذلك للميت قبل الشروع في العمل، لقول النَّبِيِّ ﷺ لَهُ: «فَاقْضِهِ عَنْهَا». وهذا إذا أراد به إسقاط واجب عن الميت لا إشكال فيه، لكن إن أراد الإحسان إلى الميت فيما لم يجب عليه فهل يجزئه أن ينوي العمل لنفسه ثم يهدي الثواب أو بعضه للميت؟ هذا محل نزاع بين العلماء، والذي يظهر لي عدم جواز ذلك لأمرين: الأمر الأول: أنَّه خلاف الأحاديث الواردة في ذلك وقد سبق ما رواه البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». وروى البخاري (٢٧٥٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.

стр. 7245

وروى مسلم (١٦٣٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وظاهره هذه الأحاديث أنَّ العمل ابتداءً ينوى به للميت. الأمر الآخر: أنَّ الشخص إذا عمل العمل نفسه فإنَّ الثواب يكون له، فلا يصح نقله بعد ذلك، وشبيه بهذا لو قال شخص: قد أهديت بنصف ثواب نوافلي الماضية في عمري للميت الفلاني، فإنَّ هذا لا يقبل منه. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٣٢ - ١٣٣): «فصل: وأمَّا قولكم: لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد قلتم إنَّه لا بد أن ينوى حال الفعل إهداءه إلى الميت وإلَّا لم يصل. فالجواب: أنَّ هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد ولا هذا الشرط في كلام المتقدمين من أصحابه وإنَّما ذكره المتأخرون كالقاضي وأتباعه. قال ابن عقيل: إذا فعل طاعة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأهداها بأن جعل ثوابها للميت المسلم فإنَّه يصل إليه ذلك وينفعه بشرط أن يتقدم نية الهدية على الطاعة أو تقارنها.

стр. 7246

وقال أبو عبد الله بن حمدان في "رعايته": ومن تطوع بقربة من صدقة وصلاة وصيام وحج وعمرة وقراءة وعتق وغير ذلك من عبادة بدنية تدخلها النيابة وعبادة مالية وجعل جميع ثوابها أو بعضه لميت مسلم حتى النبي ﷺ ودعا له أو استغفر له أو قضى ما عليه من حق شرعي أو واجب تدخله النيابة نفعه ذلك ووصل إليه أجره، وقيل إن نواه حال فعله أو قبله وصل إليه وإلَّا فلا. وسر المسالة أنَّ أوان شرط حصول الثواب أن يقع لمن أهدى له أولاً، " (١) "ويجوز أن يقع للعامل ثم ينتقل عنه إلى غيره فمن شرط أن ينوى قبل الفعل أو الفراغ منه وصوله، قال: لو لم ينوه وقع الثواب للعامل فلا يقبل انتقاله عنه إلى غيره فإنَّ الثواب يترتب على العمل ترتب الأثر على مؤثره ولهذا لو أعتق عبداً عن نفسه كان ولاؤه له فلو نقل ولاؤه إلى غيره بعد العتق لم ينتقل بخلاف ما لو أعتقه عن الغير فإنَّ ولاءه يكون للمعتق عنه، وكذلك لو أدى ديناً عن نفسه ثم أراد بعد الأداء أن يجعله عن غيره لم يكن له ذلك، وكذلك لو حج أو صام أو صلى لنفسه

стр. 7247

ثم بعد ذلك أراد أن يجعل ذلك عن غيره لم يملك ذلك، ويؤيد هذا أنَّ الذين سألوا النبي ﷺ عن ذلك لم يسألوه عن إهداء ثواب العمل بعده وإنَّما سألوه عمَّا يفعلونه عن الميت كما قال سعد: أينفعها أن أتصدق عنها، ولم يقل أن أهدى لها ثواب ما تصدقت به عن نفسي، وكذلك قول المرأة الأخرى أفأحج عنها، وقول الرجل الآخر أفأحج عن أبي فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت لا بإهداء ثواب ما عملوه لأنفسهم إلى موتاهم فهذا لا يعرف أنَّه صلى سئل عنه قط ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنَّه فعله وقال: اللهم اجعل لفلان ثواب عملي المتقدم أو ثواب ما عملته لنفسي. فهذا سر الاشتراط وهو أفقه ومن لم يشترط ذلك يقول: الثواب للعامل فإذا تبرع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يهديه إليه من ماله» اهـ. * * *

стр. 7248

٣٦٢ - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١١/ ٤٦): «قَالَ فِي الْوَاضِحِ: وَالْمَالُ: مَا تَنَاوَلَهُ النَّاسُ عَادَةً بِعَقْدٍ شَرْعِيٍّ لِطَلَبِ الرِّبْحِ، مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَيْلِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ، وَجَانِبٍ إلَى جَانِبٍ. قَالَ: وَالْمِلْكُ يَخْتَصُّ الْأَعْيَانَ مِنْ الأموال، ولا يعمَّ الدَّين» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - أنَّ إمساك الشخص لبعض ماله خير له من الصدقة بجميع ماله. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٨٥): «وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنَّه مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه، قال القاضي: جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يرد جميعها، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁،

стр. 7249

وقيل: ينفذ في الثلث هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف ردت الزيادة، وهو محكي عن مكحول. قال أبو جعفر الطبري: ومع جوازه فالمستحب ألَّا يفعله وأن يقتصر على الثلث» اهـ. قُلْتُ: وحجة من كره ذلك هذا الحديث، ونحوه ما رواه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا» فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لَا» ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». وقد مرَّ في كتاب "الوصايا". ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٥٧٩ - ٥٨٠): «وقال الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال: ما يفضل عن أهلك. وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن

стр. 7250

جبير، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والقاسم، وسالم، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وغير واحد: أنَّهم قالوا في قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ يعني: الفضل. وعن طاووس: اليسير من كل شيء، وعن الربيع أيضًا: أفضل مالك، وأطيبه. والكل يرجع إلى الفضل» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٣٦٧): «أي: الفضل. وذلك لأنَّ نفقة الرجل على نفسه وأهله فرض عين» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ١٥٨): «وهو ما سهل عليهم إنفاقه ولا يضرهم إخراجه» اهـ. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٧٠): «أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا. وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد إن بخلت ملومًا، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير بن أبي سُلمى في المعلقة: ومن كان ذا مال ويبخل بماله … على قومه يستغن عنه ويذمم.
следующие страницы →