← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

وقال أبو عبد الله بن حمدان في "رعايته": ومن تطوع بقربة من صدقة وصلاة وصيام وحج وعمرة وقراءة وعتق وغير ذلك من عبادة بدنية تدخلها النيابة وعبادة مالية وجعل جميع ثوابها أو بعضه لميت مسلم حتى النبي ﷺ ودعا له أو استغفر له أو قضى ما عليه من حق شرعي أو واجب تدخله النيابة نفعه ذلك ووصل إليه أجره، وقيل إن نواه حال فعله أو قبله وصل إليه وإلَّا فلا. وسر المسالة أنَّ أوان شرط حصول الثواب أن يقع لمن أهدى له أولاً، " (١) "ويجوز أن يقع للعامل ثم ينتقل عنه إلى غيره فمن شرط أن ينوى قبل الفعل أو الفراغ منه وصوله، قال: لو لم ينوه وقع الثواب للعامل فلا يقبل انتقاله عنه إلى غيره فإنَّ الثواب يترتب على العمل ترتب الأثر على مؤثره ولهذا لو أعتق عبداً عن نفسه كان ولاؤه له فلو نقل ولاؤه إلى غيره بعد العتق لم ينتقل بخلاف ما لو أعتقه عن الغير فإنَّ ولاءه يكون للمعتق عنه، وكذلك لو أدى ديناً عن نفسه ثم أراد بعد الأداء أن يجعله عن غيره لم يكن له ذلك، وكذلك لو حج أو صام أو صلى لنفسه

стр. 7247

ثم بعد ذلك أراد أن يجعل ذلك عن غيره لم يملك ذلك، ويؤيد هذا أنَّ الذين سألوا النبي ﷺ عن ذلك لم يسألوه عن إهداء ثواب العمل بعده وإنَّما سألوه عمَّا يفعلونه عن الميت كما قال سعد: أينفعها أن أتصدق عنها، ولم يقل أن أهدى لها ثواب ما تصدقت به عن نفسي، وكذلك قول المرأة الأخرى أفأحج عنها، وقول الرجل الآخر أفأحج عن أبي فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت لا بإهداء ثواب ما عملوه لأنفسهم إلى موتاهم فهذا لا يعرف أنَّه صلى سئل عنه قط ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنَّه فعله وقال: اللهم اجعل لفلان ثواب عملي المتقدم أو ثواب ما عملته لنفسي. فهذا سر الاشتراط وهو أفقه ومن لم يشترط ذلك يقول: الثواب للعامل فإذا تبرع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يهديه إليه من ماله» اهـ. * * *

стр. 7248

٣٦٢ - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١١/ ٤٦): «قَالَ فِي الْوَاضِحِ: وَالْمَالُ: مَا تَنَاوَلَهُ النَّاسُ عَادَةً بِعَقْدٍ شَرْعِيٍّ لِطَلَبِ الرِّبْحِ، مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَيْلِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ، وَجَانِبٍ إلَى جَانِبٍ. قَالَ: وَالْمِلْكُ يَخْتَصُّ الْأَعْيَانَ مِنْ الأموال، ولا يعمَّ الدَّين» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - أنَّ إمساك الشخص لبعض ماله خير له من الصدقة بجميع ماله. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٨٥): «وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنَّه مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه، قال القاضي: جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يرد جميعها، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁،

стр. 7249

وقيل: ينفذ في الثلث هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف ردت الزيادة، وهو محكي عن مكحول. قال أبو جعفر الطبري: ومع جوازه فالمستحب ألَّا يفعله وأن يقتصر على الثلث» اهـ. قُلْتُ: وحجة من كره ذلك هذا الحديث، ونحوه ما رواه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا» فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لَا» ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». وقد مرَّ في كتاب "الوصايا". ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٥٧٩ - ٥٨٠): «وقال الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال: ما يفضل عن أهلك. وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن

стр. 7250

جبير، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والقاسم، وسالم، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وغير واحد: أنَّهم قالوا في قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ يعني: الفضل. وعن طاووس: اليسير من كل شيء، وعن الربيع أيضًا: أفضل مالك، وأطيبه. والكل يرجع إلى الفضل» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٣٦٧): «أي: الفضل. وذلك لأنَّ نفقة الرجل على نفسه وأهله فرض عين» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ١٥٨): «وهو ما سهل عليهم إنفاقه ولا يضرهم إخراجه» اهـ. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٧٠): «أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا. وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد إن بخلت ملومًا، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير بن أبي سُلمى في المعلقة: ومن كان ذا مال ويبخل بماله … على قومه يستغن عنه ويذمم.

стр. 7251

ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا فإنَّها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: كليل عن أن يرى عيبًا. هكذا فسر هذه الآية - بأنَّ المراد هنا البخل والسرف - ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم» اهـ. وروى البخاري (١٤٢٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». وروى البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤) عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ». وروى أبو داود (١٦٧٣) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ بِمِثْلِ

стр. 7252

بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ، فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ، أَوْ لَعَقَرَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لولا عنعنة ابن إسحاق، لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [النُّكَتِ عَلَى كِتَابِ ابْنِ الصَّلَاحِ] (١/ ٣٦٠): «ورواة إسناده ثقات محمد بن إسحاق مشهور ولم أره من حديثه إلَّا معنعناً ثم رأيته في مسند أبي يعلى مصرحاً فيه بالتحديث» اهـ. قُلْتُ: والذي رأيته في المسند لأبي يعلى بالعنعنة، فلعل التصريح وجد في بعض النسخ. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ] (ص: ١٤٨): «قوله: "ما كان عن ظهر غنى" أي: زائداً كأنَّه يطرح خلف الظهر» اهـ.

стр. 7253

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٨٥): «معناه: أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنياً بما بقي معه، وتقديره: أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه وحوائجه» اهـ. وروى مسلم (٩٩٧) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟» فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ. ورواه البخاري (٢١٤١) مختصراً، ولفظه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَاحْتَاجَ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِكَذَا وَكَذَا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ.

стр. 7254

قُلْتُ: وأمَّا من أجاز ذلك فاحتج بما أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥) من طريق الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟»، قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وقال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. قُلْتُ: وقد فصَّل بعض العلماء في ذلك تفصيلاً حسناً تجتمع به الأدلة. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٩٥): «قال الجمهور: من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه وكان صبوراً على

стр. 7255

الإضاقة ولا عيال له أو له عيال يصبرون أيضاً فهو جائز فإن فقد شيء من هذه الشروط كره» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٥٨٩): «وقد يقال وهو أرجح إن شاء الله تعالى: إنَّ النبي ﷺ عامل كل واحد ممن أراد الصدقة بماله بما يعلم من حاله، فمكن أبا بكر الصديق من إخراج ماله كله، وقال: "ما أبقيت لأهلك"؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. فلم ينكر عليه، وأقر عمر على الصدقة بشطر ماله، ومنع صاحب من التصدق بها، وقال لكعب: "أمسك عليك بعض مالك"، وهذا ليس فيه تعيين المخرج بأنَّه الثلث، ويبعد جداً بأن يكون الممسك ضعفي المخرج في هذا اللفظ، وقال لأبي لبابة: "يجزئك الثلث"، ولا تناقض بين هذه الأخبار» اهـ. وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١١٣): «ولهذا يستحب لمن وثق بإيمانه وصبره من فعل المستحبات البدنية والمالية كالخروج عن جميع ماله مثل أبي بكر الصديق ما لا يستحب لمن لم يكن حاله كذلك كالرجل الذي جاءه ببيضة من ذهب فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته. ثم قال: "يذهب أحدكم فيخرج ماله ثم يجلس كلاً على الناس"» اهـ.

стр. 7256

قُلْتُ: الحديث في ذلك رواه أبو داود (١٦٧٣) من حديث جابر بن عبد الله، وهو حديث حسن كما سبق. قُلْتُ: وظاهر الحديث أنَّ الصديق تصدق بماله النقدي ولم يتصدق بجميع ما يملك من الدواب والرقيق وعروض التجارة والدور، والتمر والحب ومثل هذه الصدقة لا تحوج الشخص إلى تكفف الناس. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ١٠٢): «فَهَذَا كَانَ فَضِيلَةً فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ لِقُوَّةِ يَقِينِهِ، وَكَمَالِ إيمَانِهِ، وَكَانَ أَيْضًا تَاجِرًا ذَا مَكْسَبٍ» اهـ. ٢ - واحتج به من قال: إنَّ من نذر الصدقة بجميع ماله فإنَّه يجزؤه أن يبقي مقدار كفايته وكفاية من يعول. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٥٨٦ - ٥٩٠): «وقول رسول الله ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك"، دليل على أنَّ من نذر الصدقة بكل ماله، لم يلزمه إخراج جميعه، بل يجوز له أن يبقى له منه بقية، وقد اختلفت الرواية في ذلك، ففي "الصحيحين" أنَّ النَّبي ﷺ قال له: "أمسك عليك بعض مالك" ولم يعين له قدراً، بل أطلق

стр. 7257

ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، وهذا هو الصحيح، فإنَّ ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به، فنذره لا يكون طاعة، فلا يجب الوفاء به، وما زاد على قدر كفايته وحاجته، فإخراجه والصدقة به أفضل، فيجب إخراجه إذا نذره، هذا قياس المذهب، ومقتضى قواعد الشريعة، ولهذا تقدم كفاية الرجل، وكفاية أهله على أداء الواجبات المالية، سواء أكانت حقاً لله كالكفارات والحج، أو حقاً للآدميين كأداء الديون فإنَّا نترك للمفلس ما لا بد منه من مسكن، وخادم، وكسوة، وآلة حرفة، أو ما يتجر به لمؤنته إن فقدت الحرفة، ويكون حق الغرماء فيما بقى. وقد نص الإمام أحمد على أنَّ من نذر الصدقة بماله كله، أجزأه ثلثه، واحتج له أصحابه بما روي في قصة كعب هذه، أنَّه قال: "يا رسول الله؛ إنَّ من توبتي إلى الله ورسوله أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: "لا"، قُلْتُ: فنصفه؟. قال: "لا"، قُلْتُ: فثلثه قال: "نعم"، قُلْتُ: فإنِّي أمسك سهمي الذي بخيبر". رواه أبو داود. وفي ثبوت هذا ما فيه، فإنَّ الصحيح في قصة كعب هذه ما رواه أصحاب الصحيح من حديث الزهري، عن ولد كعب بن مالك عنه أنَّه قال: "أمسك عليك بعض مالك"، من غير تعيين لقدره، وهم أعلم بالقصة من غيرهم، فإنَّهم ولده، وعنه نقلوها.

стр. 7258

فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الإمام أحمد في "مسنده" أنَّ أبا لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه، قال: يا رسول الله؛ إنَّ من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال رسول الله ﷺ : "يجزئ عنك الثلث". قيل: هذا هو الذي احتج به أحمد، لا بحديث كعب، فإنَّه قال في رواية ابنه عبد الله: إذا نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه، وعليه دين أكثر مما يملكه، فالذي أذهب إليه أنَّه يجزئه من ذلك الثلث، لأنَّ النبي ﷺ أمر أبا لبابة بالثلث، وأحمد أعلم بالحديث أن يحتج بحديث كعب هذا الذى فيه ذكر الثلث، إذ المحفوظ في هذا الحديث: "أمسك عليك بعض مالك" وكأنَّ أحمد رأى تقييد إطلاق حديث كعب هذا بحديث أبي لبابة. وقوله فيمن نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه وعليه دين يستغرقه: إنَّه يجزئه من ذلك الثلث، دليل على انعقاد نذره، وعليه دين يستغرق ماله، ثم إذا قضى الدين، أخرج مقدار ثلث ماله يوم النذر، وهكذا قال في رواية ابنه عبد الله: إذا وهب ماله، وقضى دينه، واستفاد غيره، فإنَّما يجب عليه إخراج ثلث ماله يوم حنثه، يريد بيوم حنثه يوم نذره، فينظر قدر الثلث ذلك اليوم، فيخرجه بعد قضاء دينه.

стр. 7259

وقوله: أو ببعضه. يريد أنَّه إذا نذر الصدقة بمعين من ماله، أو بمقدار كألف ونحوها، فيجزئه ثلثه كنذر الصدقة بجميع ماله، والصحيح من مذهبه لزوم الصدقة بجميع المعين، وفيه رواية أخرى، أنَّ المعين إن كان ثلث ماله فما دونه، لزمه الصدقة بجميعه، وإن زاد على الثلث، لزمه منه بقدر الثلث، وهي أصح عند أبي البركات. وبعد فإنَّ الحديث ليس فيه دليل على أنَّ كعباً وأبا لبابة نذرا نذراً منجزاً، وإنَّما قالا: إنَّ من توبتنا أن ننخلع من أموالنا، وهذا ليس بصريح في النذر، وإنَّما فيه العزم على الصدقة بأموالهما شكراً لله على قبول توبتهما، فأخبر النبي ﷺ أنَّ بعض المال يجزئ من ذلك، ولا يحتاجان إلى إخراجه كله، وهذا كما قال لسعد وقد استأذنه أن يوصى بماله كله، فأذن له في قدر الثلث. فإن قيل: هذا يدفعه أمران: أحدهما: قوله: "يجزئك"، والإجزاء إنَّما يستعمل في الواجب. والثاني: أنَّ منعه من الصدقة بما زاد على الثلث دليل على أنَّه ليس بقربة، إذ الشارع لا يمنع من القرب، ونذر ما ليس بقربة لا يلزم الوفاء به.

стр. 7260

قيل: أمَّا قوله: "يجزئك"، فهو بمعنى يكفيك، فهو من الرباعي، وليس من "جزى عنه" إذا قضى عنه، يقال: أجزأني: إذا كفاني، وجزى عني: إذا قضى عني، وهذا هو الذى يستعمل في الواجب، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة في الأضحية: "تجزي عنك ولن تجزى عن أحد بعدك" والكفاية تستعمل في الواجب والمستحب. وأمَّا منعه من الصدقة بما زاد على الثلث، فهو إشارة منه عليه بالأرفق به، وما يحصل له به منفعة دينه ودنياه، فإنَّه لو مكنه من إخراج ماله كله لم يصبر على الفقر والعدم، كما فعل بالذي جاءه بالصرة ليتصدق بها، فضربه بها، ولم يقبلها منه خوفاً عليه من الفقر، وعدم الصبر. وقد يقال وهو أرجح إن شاء الله تعالى: إنَّ النبي ﷺ عامل كل واحد ممن أراد الصدقة بماله بما يعلم من حاله، فمكن أبا بكر الصديق من إخراج ماله كله، وقال: "ما أبقيت لأهلك"؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فلم ينكر عليه، وأقر عمر على الصدقة بشطر ماله، ومنع صاحب الصرة من التصدق بها، وقال لكعب: "أمسك عليك بعض مالك"، وهذا ليس فيه تعيين المخرج بأنَّه الثلث، ويبعد جداً بأن يكون الممسك ضعفي المخرج في هذا اللفظ، وقال لأبي لبابة: "يجزئك الثلث"، ولا تناقض بين هذه

стр. 7261

الأخبار، وعلى هذا، فمن نذر الصدقة بماله كله، أمسك منه ما يحتاج إليه هو وأهله، ولا يحتاجون معه إلى سؤال الناس مدة حياتهم من رأس مال أو عقار، أو أرض يقوم مَغَلِّهَا بكفايتهم، وتصدق بالباقي. والله أعلم. وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: يتصدق منه بقدر الزكاة، ويمسك الباقي. وقال جابر بن زيد: إن كان ألفين فأكثر، أخرج عشره، وإن كان ألفاً، فما دون فسبعه، وإن كان خمسمائة فما دون فخمسه. وقال أبو حنيفة ﵀: يتصدق بكل ماله الذى تجب فيه الزكاة، وما لا تجب فيه الزكاة، ففيه روايتان: أحدهما: يخرجه، والثانية: لا يلزمه منه شيء. وقال الشافعي: تلزمه الصدقة بماله كله، وقال مالك، والزهري، وأحمد: يتصدق بثلثه، وقالت طائفة: يلزمه كفارة يمين فقط» اهـ. قُلْتُ: حديث أبي لبابة رواه أحمد (١٥٧٨٨) حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، أَخْبَرَ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي وَأُسَاكِنَكَ، وَإِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ».

стр. 7262

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لجهالة الحسين بن السائب بن أبي لبابة، وهو مع ذلك مرسل. وحديث كعب بن مالك رواه أبو داود (٣٣١٩، ٣٣٢٠) حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْ أَبُو لُبَابَةَ، أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً؟ قَالَ: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ». حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُولُبَابَةَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ وَالْقِصَّةُ لِأَبِي لُبَابَةَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي السَّائِبِ ابْنِ أَبِي لُبَابَةَ، وَرَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ مِثْلَهُ اهـ. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ رد ذلك إلى الثلث لا يثبت في حديث أبي لبابة ولا كعب بن مالك. والله أعلم. ٣ - وفيه شكر الله عند تجدد النعم. * * *

стр. 7263

بَابُ: الْقَضَاءِ. ٣٦٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». القضاء في اللغة: في اللغة إحكام الشيء والفراغ منه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٤/ ١٢٥): «وأصلُه: القَطْع والفَصْل. يقال: قَضَى يَقْضِي قَضاءً فهو قاضٍ: إذا حكَم وفَصَل. وقضاءُ الشيء: إحْكامه وإمْضاؤه والفَراغ منهن فيكون بمعنى الخَلْق. وقال الزُّهري: القَضاء في اللُّغة على وجوه مَرْجعها إلى انقطاع الشيء وتَمامه. وكلُّ ما أُحكِم عَملُه أو أتمّ أو خُتِم أو أُدِّي أو أُوجِبَ أو أُعْلِم أو أُنفِذَ أو أُمْضيَ. فقد قُضِي. وقد جاءت هذه الوجُوه كلُّها في الحديث» اهـ. وهو في الشرع: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الحكومات أو الخصومات. وهو من فروض الكفايات.

стр. 7264

قَوْلُهُ: «رَدٌّ». أي: مردود، وهو من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول. وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الإسلام. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٩): «وعن الإمام أحمد قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر: "الأعمال بالنيات"، وحديث عائشة: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد"، وحديث النعمان بن بشير: "الحلال بين، والحرام بين"» اهـ. وهو أيضاً ميزان الأعمال الظاهرة. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٥٩): «وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها كما أنَّ حديث: "الأعمال بالنيات" ميزان للأعمال في باطنها، فكما أنَّ كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء في التخويف من القضاء ما رواه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجة (٢٣١٥) من طريق ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ

стр. 7265

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ. وروى أحمد (٧١٤٥، ٨٧٦٢)، وأبو داود (٣٥٧١)، والترمذي (١٣٢٥)، وابن ماجة (٢٣٠٨) من طريق سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قُلْتُ: ومن أجل هذا فرَّ كثير من السلف عن القضاء. قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (٩/ ٢٣٣): «قال يونس الصدفي: عرض على ابن وهب القضاء، فجنن نفسه، ولزم بيته» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (٥/ ٤٠٦) - في ترجمة منصور بن المعتمر-: «وقال زائدة: امتنع منصور من القضاء، فدخلت عليه وقد جيء بالقيد ليقيد، فجاءه خصمان، فقعدا، فلم يسألهما، ولم يكلمهما. فقيل ليوسف بن عمر: لو نثرت لحمه لم يل القضاء. فتركه» اهـ.

стр. 7266

وَقَالَ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (٦/ ١٢٢): «أحمد بن إبراهيم الدورقي: حدثني محمد بن عيسى، حدثني مخلد بن الحسين، عن هشام، قال: دعا مالك بن المنذر الوالي محمد بن واسع، فقال: اجلس على القضاء. فأبى، فعاوده، وقال: لتجلسن أو لأجلدنَّك ثلاث مائة» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْكَاشِفِ] (٢/ ٣١٩): «نصر بن علي بن نصر بن علي الكبير الجهضمي أبو عمرو الحافظ عن معتمر والداروردي، وعنه الجماعة والنسائي بواسطة أيضاً، وابن خزيمة قال أبو حاتم هو أوثق من الفلاس وأحفظ طلبه المستعين للقضاء فقال أستخير الله فصلى ركعتين ودعا ونام فقبض لليلته» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [تَارِيْخِ الإِسْلَامِ] (٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧): «قَالَ أيُّوب السِّختياني: لم يكن هاهنا أعلم بالقضاء من أبي قِلابَةَ، لا أَدْرِي مَا مُحَمَّدٌ. وَقَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ الْقَاضِي ذُكِرَ أبو قلابة للقضاء، فهرب حتى يأتي الْيَمَامَةَ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ! فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ مِثْلَ الْقَاضِي الْعَالِمِ إِلَّا مِثْلَ رَجُلٍ وقع فِي بَحْرٍ فَمَا عَسَى أَنْ يَسْبَحَ حَتَّى يَغْرَقَ.

стр. 7267

قَالَ أَيُّوبُ: كَانَ يُرَادُ عَلَى الْقَضَاءِ، فَيَفِرُّ، مَرَّةً إِلَى الشَّامِ، وَمَرَّةً إِلَى الْيَمَامَةِ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ الْبَصْرَةَ كَانَ يَخْتَفِي» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - النهي عن الإحداث في الدين، وذلك أنَّ الحديث خرج مخرج الذم، وأصرح منه في الدلالة على تحريم الإحداث في دين الله تعالى ما رواه مسلم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». وزاد النسائي (١٥٧٨) زيادة صحيحة: «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». قُلْتُ: "خير" في الجملة الثانية تقرأ بالرفع عطفاً على محل إنَّ واسمها فإنَّ محلهما الابتداء، وتقرأ بالنصب عطفاً على اسم إنَّ، ومثل ذلك "شر"، و"كل". وَقَوْلُهُ: «وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ» بضم الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وسكون الدال أيضاً.

стр. 7268

والهُدَى بضم الهاء ضد الضلال، والهَدْي بفتح الهاء الطريقة والسيرة. وأصل الهدى العلم النافع، وأصل الرشاد العمل الصالح. وضد الهدى الضلال، وضد الرشاد الغي، وقد قال الله تعالى في شأن نبيه ﵊: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، وذلك لكماله في العلم والعمل. ووصف النبي ﷺ الخلفاء بعده بالمهديين الراشدين كما سيأتي، وذلك لاستقامتهم في العلم والعمل. وروى أحمد (١٧١٨٤، ١٧١٨٥)، ومن طريقه أبو داود (٤٦٠٧)، ورواه الترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجة (٤٢) عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».

стр. 7269

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ. وكذلك مما يدل على حرمة الابتداع في الدين أنَّ الابتداع مشاركة لله فيما اختص به قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١]. واعلم أنَّ حقيقة البدعة تكذيب لما أخبر به الله من إكمال الدين: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وهكذا مقتضى البدعة اتهام النبي ﷺ أنَّه ما بلغ البلاغ المبين بل كتم شيئاً من الدين. والله يقول: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] وقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]

стр. 7270

وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. قُلْتُ: والبدعة التي جاء النهي عنها هي: التعبد لله بغير ما شرع. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الاسْتِقَامَةُ] (١/ ٥): «وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة أنَّ البدعة هي: الدين الذي لم يأمر الله به ورسوله فمن دان ديناً لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي [الاعْتِصَامِ] (١/ ٣٧): «فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» اهـ. ٢ - الذي يظهر لي أنَّ المؤلف ذكر هذا الحديث في القضاء من أجل أمرين: الأول: أنَّه لا يجوز للقاضي أن يحكم بين الناس بالبدع. الآخر: أنَّ القاضي لو حكم بين الناس بالبدعة فحكمه مردود. والله أعلم.

стр. 7271

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ البُّخَارِيُّ ﵀ فِي "صَحِيْحِهِ": «باب إذا اجتهد العامل، أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود. لقول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"» اهـ. وبوَّب عليه أيضاً: «باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود» اهـ. ٣ - وفيه أنَّ النهي يقتضي الفساد، ووجه ذلك أنَّ النبي ﷺ حكم على المحدثات بالإبطال، وجميع المحدثات منهي عنها فيؤخذ من ذلك أنَّ المنهي عنه فاسد. والله أعلم. ٤ - الرواية الأخرى علقها البخاري ووصلها مسلم، وهي تدل على أنَّ من تابع غيره في بدعة فعمله مردود، وإن لم يحدث هو البدعة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٥٠): «وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنَّه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنَّه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها، فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئاً فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو سُبق بإحداثها» اهـ.

стр. 7272

٥ - وفيه إبطال لقول من قسم البدعة إلى بدعة واجبة، ومستحبة، ومكروهة، ومحرمة، ومباحة. وأصرح من ذلك قول النبي ﷺ في حديثي جابر، والعرباض الماضيين: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». وهذا التقسيم جاء به العز بن عبد السلام، وتبعه في ذلك تلميذه الْقَرَافِيُّ رحمهما الله تعالى. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي [الاعْتِصَامِ] (١/ ١٩١ - ١٩٢): «والجواب: أنَّ هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأنَّ من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها» اهـ. ٦ - وفيه أنَّ البدعة التي تحرم ما كان في الدين دون الدنيا لقوله: «فِي أَمْرِنَا هَذَا». والمراد به الدين. * * *

стр. 7273

٣٦٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ». قَوْلُهَا: «إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ». الشح شدة الحرص على الشيء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الوَّابِلِ الصَّيِّبِ] (ص: ٤٩): «والفرق بين الشح والبخل أنَّ الشح هو شدة الحرص على الشيء والاحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله وجشع النفس عليه والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وإمساكه فهو شحيح قبل حصوله بخيل بعد حصوله فالبخل ثمرة الشح والشح يدعو إلى البخل» اهـ. وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٤٨٠):

стр. 7274

«والشُّحُّ هُوَ: شِدَّةُ الْحِرْصِ الَّتِي تُوجِبُ الْبُخْلَ وَالظُّلْمَ وَهُوَ مَنْعُ الْخَيْرِ وَكَرَاهَتُهُ» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٥٨٩ - ٥٩٢): «فَالشُّحُّ يَأْمُرُ بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْهَى عَنْ الظُّلْمِ وَيَأْمُرُ بِالْإِحْسَانِ، وَالشُّحُّ يَأْمُرُ بِالظُّلْمِ وَيَنْهَى عَنْ الْإِحْسَانِ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُكْثِرُ فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَبِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إذَا وُقِيت شُحَّ نَفْسِي وُقِيت الظُّلْمَ وَالْبُخْلَ وَالْقَطِيعَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْت قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وَأَنَا رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْ يَدِي شَيْءٌ فَقَالَ لَيْسَ ذَاكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إنَّمَا الشُّحُّ أَنْ تَأْكُلَ مَالَ أَخِيك ظُلْمًا وَإِنَّمَا يَكُنْ بِالْبُخْلِ وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْبُخْلَ. وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى الشُّحَّ فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الْحَسَدِ وَالْإِيثَارِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ - ثُمَّ

стр. 7275

قَالَ -: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فَمَنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ حَسُودًا بَاغِيًا عَلَى الْمَحْسُودِ. وَالْحَسَدُ أَصْلُهُ بُغْضُ الْمَحْسُودِ. وَالشُّحُّ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ مَعَ الْحِرْصِ وَقُوَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْمَالِ وَبُغْضٍ لِلْغَيْرِ وَظُلْمٍ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَاتِ - إلَى قَوْلِهِ -: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ فَشُحُّهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَى الْخَيْرِ يَتَضَمَّنُ كَرَاهِيَتَهُ وَبُغْضَهُ، وَبُغْضُ الْخَيْرِ يَأْمُرُ بِالشَّرِّ، وَبُغْضُ الْإِنْسَانِ يَأْمُرُ بِظُلْمِهِ وَقَطِيعَتِهِ كَالْحَسَدِ؛ فَإِنَّ الْحَاسِدَ يَأْمُرُ حَاسِدَهُ بِظُلْمِ الْمَحْسُودِ وَقَطِيعَتِهِ كَابْنَيْ آدَمَ وَإِخْوَةِ يُوسُفَ. فَالْحَسَدُ وَالشُّحُّ يَتَضَمَّنَانِ بُغْضًا وَكَرَاهِيَةً فَيَأْمُرَانِ بِمَنْعِ الْوَاجِبِ وَبِظُلْمِ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَإِنَّ الْفِعْلَ صَدَرَ فِيهِ عَنْ بُغْضٍ بِخِلَافِ الْهَوَى فَإِنَّ الْفِعْلَ صَدَرَ فِيهِ عَنْ حُبّ أَحَبّ شَيْئًا فَأَتْبَعُهُ فَفَعَلَهُ وَذَلِكَ مَقْصُودُهُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ وَالْعَدَمُ لَا يَنْفَعُ. وَلَكِنَّ ذَاكَ الْقَصْدَ أَمْرٌ بِأَمْرِ وُجُودِيٍّ فَأُطِيعُ أَمْرُهُ. وَابْنُ مَسْعُودٍ جَعَلَ الْبُخْلَ خَارِجًا عَنْ الشُّحِّ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ الشُّحَّ يَأْمُرُ بِالْبُخْلِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ

стр. 7276

يَقُولُ: الشُّحُّ وَالْبُخْلُ سَوَاءٌ. كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الْبُخْلُ وَمَنْعُ الْفَضْلِ مِنْ الْمَالِ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَحَقّ أَنْ يُتَّبَعَ فَإِنَّ الْبَخِيلَ قَدْ يَبْخَلُ بِالْمَالِ مَحَبَّةً لِمَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنْ اللَّذَّةِ وَالتَّنَعُّمِ وَقَدْ لَا يَكُونُ مُتَلَذِّذًا بِهِ وَلَا مُتَنَعِّمًا بَلْ نَفْسُهُ تَضِيقُ عَنْ إنْفَاقِهِ وَتَكْرَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ مَعَ كَثْرَةِ مَالِهِ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ مَعَ الْتِذَاذِهِ بِجَمْعِ الْمَالِ وَمَحَبَّتِهِ لِرُؤْيَتِهِ وَقَدْ لَا يَكُونُ هُنَاكَ لَذَّةٌ أَصْلًا؛ بَلْ يَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ إحْسَانًا إلَى أَحَدٍ حَتَّى لَوْ أَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يُعْطِيَ كُرْهَ ذَلِكَ مِنْهُ بُغْضًا لِلْخَيْرِ لَا لِلْمُعْطِي وَلَا لِلْمُعْطَى بَلْ بُغْضًا مِنْهُ لِلْخَيْرِ وَقَدْ يَكُونُ بُغْضًا وَحَسَدًا لِلْمُعْطَى أَوْ لِلْمُعْطِي وَهَذَا هُوَ الشُّحُّ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْبُخْلِ قَطْعًا وَلَكِنْ كُلُّ بُخْلٍ يَكُونُ عَنْ شُحٍّ. فَكُلُّ شَحِيحٍ بَخِيلٌ وَلَيْسَ كُلُّ بَخِيلٍ شَحِيحًا. قَالَ الخطابي: الشُّحُّ أَبْلَغُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبُخْلِ وَالْبُخْلُ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمُورِ وَخَوَاصِّ الْأَشْيَاءِ وَالشُّحُّ عَامٌّ فَهُوَ كَالْوَصْفِ اللَّازِمِ لِلْإِنْسَانِ مِنْ قِبَلِ الطَّبْعِ وَالْجِبِلَّةِ. وَحَكَى الخطابي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: الْبُخْلُ أَنْ يَضِنَّ الْإِنْسَانُ بِمَالِهِ وَالشُّحُّ أَنْ يَضِنَّ بِمَالِهِ وَمَعْرُوفِهِ.

стр. 7277

وَقِيلَ: الشُّحُّ أَنْ يَشِحَّ بِمَعْرُوفِ غَيْرِهِ. عَلَى غَيْرِهِ وَالْبُخْلُ أَنْ يَبْخَلَ بِمَعْرُوفِهِ عَلَى غَيْرِهِ» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - شكوى المرأة لزوجها عند السلطان. ٢ - واحتج به من قال: إنَّ ذكر الرجل بما يكره على وجه الاستفتاء لا يدخل في الغيبة المحرمة. قُلْتُ: وفي إطلاق ذلك نظر، وإنَّما الحديث وارد في ذكر المظلوم لظالمه بما فيه عند الاستفتاء، فإنَّ هذا مما يحل كما قال الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٢٢٩): «وأمَّا الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع: منها: المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه إمَّا على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه كما قالت هند: يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل شحيح وأنَّه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. فقال لها النبي ﷺ "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"» اهـ.

стр. 7278

قُلْتُ: أمَّا ذكر الشخص عيباً لأخيه في مقام الاستفتاء من غير أن يكون ظالماً له فتجويزه يحتاج إلى دليل. ٣ - واحتج به على جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر. قُلْتُ: لم يظهر لي صحة ذلك، فإنَّ الظاهر من حال النبي ﷺ أنَّه كان في مقام الاستفتاء لا في مقام القضاء، ولهذا لم يستدع النبي ﷺ الزوج، ولم يطلب منها شاهدين يشهدان لها بذلك. ٤ - وفيه استفتاء المرأة الأجنبية للعالم. ٥ - وفيه أنَّ النفقة على الأهل والأولاد واجبة على الزوج. قُلْتُ: وهي مقيدة في الأولاد بالحاجة وهذا يكون غالباً حال الصغر، أو الزمانة، أمَّا إذا كبروا واستغنوا فلا تجب عليه النفقة عليهم. ٦ - وفيه أنَّ النفقة على الأهل والأولاد لا تقدر بشيء معين، وإنَّما ما يحصل بها الكفاية عرفاً، وهو مذهب أكثر العلماء، ونازع في ذلك الإمام الشافعي ﵀ فإنَّه قدرها بالأمداد، فعلى الموسر كل يوم مدان، والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد. وتقديرها بالأمداد رواية عن الإمام مالك ﵀. ٧ - واحتج به من أجاز الظَّفْرَ.

стр. 7279

وصورة ذلك أن يكون لشخص حق على غيره لا يستطيع استيفاءه منه، فيأخذ مقدار حقه من ماله بغير إذنه، وهذا مذهب الشافعي، ومالك في إحدى الروايتين، وذهب أحمد إلى المنع من ذلك لأنَّه من الخيانة، وهي الرواية الأخرى لمالك. وأمَّا أبو حنيفة فيجوز الأخذ من الجنس، ويمنع من غيره. والصحيح جواز ذلك في الحقوق الظاهرة دون الخفية كما يدل عليه الحديث. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠٣ - ٥٠٤): «وقد احتج به على مسألة الظَّفْرِ، وأنَّ للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظفر به بقدر حقه الذي جحده إياه، ولا يدل لثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ سبب الحق هاهنا ظاهر، وهو الزوجية، فلا يكون الأخذ خيانة في الظاهر، فلا يتناوله قول النبي ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". ولهذا نص أحمد على المسألتين مفرقاً بينهما، فمنع من الأخذ في مسألة الظفر، وجوز للزوجة الأخذ، وعمل بكلا الحديثين. الثاني: أنَّه يشق على الزوجة أن ترفعه إلى الحاكم، فيلزمه بالإنفاق أو الفراق، وفي ذلك مضرة عليها مع تمكنها من أخذ حقها.

стр. 7280

الثالث: أنَّ حقها يتجدد كل يوم فليس هو حقاً واحداً مستقراً يمكن أن تستدين عليه، أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين» اهـ. قُلْتُ: وهذا مذهب شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٩٠) حيث قال: «مسألة الظَّفْرِ والحق ظاهر فيجوز له قدر ما ظلم به» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٣٧١ - ٣٧٥): «وأمَّا إذا كان لرجل عند غيره حق من عين أو دين. فهل يأخذه أو نظيره بغير إذنه؟ فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهراً لا يحتاج إلى إثبات مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها، واستحقاق الولد أن ينفق عليه والده، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ريب؛ كما ثبت في الصحيحين أنَّ هند بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا رسول الله: إنَّ أبا سفيان رجل شحيح وإنَّه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وبني. فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". فأذن لها أن تأخذ نفقتها بالمعروف بدون إذن وليه، وهكذا من علم أنَّه غصب منه ماله غصباً ظاهراً يعرفه الناس فأخذ المغصوب أو

стр. 7281

نظيره من مال الغاصب. وكذلك لو كان له دين عند الحاكم وهو يمطله فأخذ من ماله بقدره ونحو ذلك. والثاني: ألَّا يكون سبب الاستحقاق ظاهراً. مثل أن يكون قد جحد دينه أو جحد الغصب ولا بينة للمدعي. فهذا فيه قولان: أحدهما: ليس له أن يأخذ وهو مذهب مالك وأحمد. والثاني: له أن يأخذ وهو مذهب الشافعي. وأمَّا أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيسوغ الأخذ من جنس الحق؛ لأنَّه استيفاء ولا يسوغ الأخذ من غير الجنس لأنَّه معاوضة فلا يجوز إلَّا برضا الغريم. والمجوزون يقولون: إذا امتنع من أداء الواجب عليه ثبتت المعاوضة بدون إذنه للحاجة؛ لكن من منع الأخذ مع عدم ظهور الحق استدل بما في السنن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"، وفي المسند عن بشير بن الخصاصية أنَّه قال: يا رسول الله إنَّ لنا جيراناً لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلَّا أخذوها فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ قال: "لا أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك".

стр. 7282

وفي السنن عن النبي ﷺ أنَّه قيل له: إنَّ أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ قال: "لا" رواه أبو داود وغيره. فهذه الأحاديث تبين أنَّ حق المظلوم في نفس الأمر إذا كان سببه ليس ظاهراً، وأخذه خيانة لم يكن له ذلك وإن كان هو يقصد أخذ نظير حقه؛ لكنه خان الذي ائتمنه فإنَّه لما سلم إليه ماله فأخذ بعضه بغير إذنه والاستحقاق ليس ظاهراً كان خائناً. وإذا قال: أنا مستحق لما أخذته في نفس الأمر لم يكن ما ادعاه ظاهراً معلوماً. وصار كما لو تزوج امرأة فأنكرت نكاحه ولا بينة له فإذا قهرها على الوطء من غير حجة ظاهرة فإنَّه ليس له ذلك. ولو قدر أنَّ الحاكم حكم على رجل بطلاق امرأته ببينة اعتقد صدقها وكانت كاذبة في الباطن لم يكن له أن يطأها لما هو الأمر عليه في الباطن. فإن قيل: لا ريب أنَّ هذا يمنع منه ظاهراً وليس له أن يظهر ذلك قدام الناس؛ لأنَّهم مأمورون بإنكار ذلك؛ لأنَّه حرام في الظاهر؛ لكن الشأن إذا كان يعلم سراً فيما بينه وبين الله؟.

стр. 7283

قيل: فعل ذلك سراً يقتضي مفاسد كثيرة منهي عنها فإنَّ فعل ذلك في مظنة الظهور والشهرة، وفيه ألَّا يتشبه به من ليس حاله كحاله في الباطن فقد يظن الإنسان خفاء ذلك فيظهر مفاسد كثيرة ويفتح أيضاً باب التأويل. وصار هذا كالمظلوم الذي لا يمكنه الانتصار إلَّا بالظلم كالمقتص الذي لا يمكنه الاقتصاص إلَّا بعدوان فإنَّه لا يجوز له الاقتصاص. وذلك أنَّ نفس الخيانة محرمة الجنس فلا يجوز استيفاء الحق بها؛ كما لو جرعه خمراً أو تلوط به أو شهد عليه بالزور: لم يكن له أن يفعل ذلك؛ فإنَّ هذا محرم الجنس. والخيانة من جنس الكذب. فإن قيل: هذا ليس بخيانة؛ بل هو استيفاء حق. والنبي ﷺ نهى عن خيانة من خان وهو أن يأخذ من ماله ما لا يستحق نظيره. قيل: هذا ضعيف لوجوه: أحدها: أنَّ الحديث فيه أنَّ قوماً لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلَّا أخذوها. أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون؟ فقال: "لا، أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك".

стр. 7284

وكذلك قوله في حديث الزكاة: أفنكتم من أموالنا بقدر ما يأخذون منَّا؟ فقال: "لا". الثاني: أنَّه قال: "ولا تخن من خانك". ولو أراد بالخيانة الأخذ على طريق المقابلة لم يكن فرق بين من خانه ومن لم يخنه وتحريم مثل هذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان وسؤال. وقد قال: "ولا تخن من خانك" فعلم أنَّه أراد أنَّك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك. فإذا أودع الرجل مالاً فخانه في بعضه ثم أودع الأول نظيره ففعل به مثل ما فعل فهذا هو المراد بقوله: "ولا تخن من خانك". الثالث: أنَّ كون هذا خيانة لا ريب فيه وإنَّما الشأن في جوازه على وجه القصاص؛ فإنَّ الأمور منها ما يباح فيه القصاص كالقتل وقطع الطريق وأخذ المال. ومنها ما لا يباح فيه القصاص: كالفواحش والكذب ونحو ذلك. قال تعالى في الأول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. فأباح العقوبة والاعتداء بالمثل. فلما قال هاهنا: "ولا تخن من خانك" علم أنَّ هذا مما لا يباح فيه العقوبة بالمثل» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٧٥ - ٧٩):

стр. 7285

«فإن قيل: فما تقولون في مسألة الظَّفَرِ؟ هل هي من هذا الباب، أو من القصاص المباح؟. قيل: قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال: أحدها: أنَّها من هذا الباب، وأنَّه ليس له أن يخون من خانه، ولا يجحد من جحده. ولا يغصب من غصبه، وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك. والثاني: يجوز له أن يَسْتَوْفي قدر حقه، إذا ظفر بجنسه أو غير جنسه. وفي غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه ويستوفى ثمنه منه. وهذا قول أصحاب الشافعي. والثالث: يجوز له أن يستوفى قدر حقه، إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة. والرابع: أنَّه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دين فله الأخذ. وهذا إحدى الروايتين عن مالك. والخامس: أنَّه إن كان سبب الحق ظاهراً، كالنكاح، والقرابة، وحق الضيف، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه، كما أذن فيه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لهند. أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَبي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِى بَنِيهَا.
следующие страницы →