← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

نظيره من مال الغاصب. وكذلك لو كان له دين عند الحاكم وهو يمطله فأخذ من ماله بقدره ونحو ذلك. والثاني: ألَّا يكون سبب الاستحقاق ظاهراً. مثل أن يكون قد جحد دينه أو جحد الغصب ولا بينة للمدعي. فهذا فيه قولان: أحدهما: ليس له أن يأخذ وهو مذهب مالك وأحمد. والثاني: له أن يأخذ وهو مذهب الشافعي. وأمَّا أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيسوغ الأخذ من جنس الحق؛ لأنَّه استيفاء ولا يسوغ الأخذ من غير الجنس لأنَّه معاوضة فلا يجوز إلَّا برضا الغريم. والمجوزون يقولون: إذا امتنع من أداء الواجب عليه ثبتت المعاوضة بدون إذنه للحاجة؛ لكن من منع الأخذ مع عدم ظهور الحق استدل بما في السنن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"، وفي المسند عن بشير بن الخصاصية أنَّه قال: يا رسول الله إنَّ لنا جيراناً لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلَّا أخذوها فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ قال: "لا أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك".

стр. 7282

وفي السنن عن النبي ﷺ أنَّه قيل له: إنَّ أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ قال: "لا" رواه أبو داود وغيره. فهذه الأحاديث تبين أنَّ حق المظلوم في نفس الأمر إذا كان سببه ليس ظاهراً، وأخذه خيانة لم يكن له ذلك وإن كان هو يقصد أخذ نظير حقه؛ لكنه خان الذي ائتمنه فإنَّه لما سلم إليه ماله فأخذ بعضه بغير إذنه والاستحقاق ليس ظاهراً كان خائناً. وإذا قال: أنا مستحق لما أخذته في نفس الأمر لم يكن ما ادعاه ظاهراً معلوماً. وصار كما لو تزوج امرأة فأنكرت نكاحه ولا بينة له فإذا قهرها على الوطء من غير حجة ظاهرة فإنَّه ليس له ذلك. ولو قدر أنَّ الحاكم حكم على رجل بطلاق امرأته ببينة اعتقد صدقها وكانت كاذبة في الباطن لم يكن له أن يطأها لما هو الأمر عليه في الباطن. فإن قيل: لا ريب أنَّ هذا يمنع منه ظاهراً وليس له أن يظهر ذلك قدام الناس؛ لأنَّهم مأمورون بإنكار ذلك؛ لأنَّه حرام في الظاهر؛ لكن الشأن إذا كان يعلم سراً فيما بينه وبين الله؟.

стр. 7283

قيل: فعل ذلك سراً يقتضي مفاسد كثيرة منهي عنها فإنَّ فعل ذلك في مظنة الظهور والشهرة، وفيه ألَّا يتشبه به من ليس حاله كحاله في الباطن فقد يظن الإنسان خفاء ذلك فيظهر مفاسد كثيرة ويفتح أيضاً باب التأويل. وصار هذا كالمظلوم الذي لا يمكنه الانتصار إلَّا بالظلم كالمقتص الذي لا يمكنه الاقتصاص إلَّا بعدوان فإنَّه لا يجوز له الاقتصاص. وذلك أنَّ نفس الخيانة محرمة الجنس فلا يجوز استيفاء الحق بها؛ كما لو جرعه خمراً أو تلوط به أو شهد عليه بالزور: لم يكن له أن يفعل ذلك؛ فإنَّ هذا محرم الجنس. والخيانة من جنس الكذب. فإن قيل: هذا ليس بخيانة؛ بل هو استيفاء حق. والنبي ﷺ نهى عن خيانة من خان وهو أن يأخذ من ماله ما لا يستحق نظيره. قيل: هذا ضعيف لوجوه: أحدها: أنَّ الحديث فيه أنَّ قوماً لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلَّا أخذوها. أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون؟ فقال: "لا، أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك".

стр. 7284

وكذلك قوله في حديث الزكاة: أفنكتم من أموالنا بقدر ما يأخذون منَّا؟ فقال: "لا". الثاني: أنَّه قال: "ولا تخن من خانك". ولو أراد بالخيانة الأخذ على طريق المقابلة لم يكن فرق بين من خانه ومن لم يخنه وتحريم مثل هذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان وسؤال. وقد قال: "ولا تخن من خانك" فعلم أنَّه أراد أنَّك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك. فإذا أودع الرجل مالاً فخانه في بعضه ثم أودع الأول نظيره ففعل به مثل ما فعل فهذا هو المراد بقوله: "ولا تخن من خانك". الثالث: أنَّ كون هذا خيانة لا ريب فيه وإنَّما الشأن في جوازه على وجه القصاص؛ فإنَّ الأمور منها ما يباح فيه القصاص كالقتل وقطع الطريق وأخذ المال. ومنها ما لا يباح فيه القصاص: كالفواحش والكذب ونحو ذلك. قال تعالى في الأول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. فأباح العقوبة والاعتداء بالمثل. فلما قال هاهنا: "ولا تخن من خانك" علم أنَّ هذا مما لا يباح فيه العقوبة بالمثل» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٧٥ - ٧٩):

стр. 7285

«فإن قيل: فما تقولون في مسألة الظَّفَرِ؟ هل هي من هذا الباب، أو من القصاص المباح؟. قيل: قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال: أحدها: أنَّها من هذا الباب، وأنَّه ليس له أن يخون من خانه، ولا يجحد من جحده. ولا يغصب من غصبه، وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك. والثاني: يجوز له أن يَسْتَوْفي قدر حقه، إذا ظفر بجنسه أو غير جنسه. وفي غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه ويستوفى ثمنه منه. وهذا قول أصحاب الشافعي. والثالث: يجوز له أن يستوفى قدر حقه، إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة. والرابع: أنَّه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دين فله الأخذ. وهذا إحدى الروايتين عن مالك. والخامس: أنَّه إن كان سبب الحق ظاهراً، كالنكاح، والقرابة، وحق الضيف، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه، كما أذن فيه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لهند. أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَبي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِى بَنِيهَا.

стр. 7286

وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يُضيَفِّوه أن يُعْقِبَهم في مالهم بمثل قِراه كما في الصحيحين عن عُقْبة بن عامر قال: قُلْتُ لِلنَّبِّي صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم: إنَّكَ تَبْعَثَنُا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لا يُقْرُونَا فمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا: "إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمِرُوا لَكُمْ بَما يَنْبَغِي للِضيَّفِ فَاقْبَلْوا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيُفِ الَّذِى يَنْبَغِي لَهُمْ". وفي المسند من حديث المقْدام أبي كريمة أنَّه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ فله أَنْ يُعْقِبَهُمْ بمِثْلِ قِرَاهُ". وفي المسند لأحمد أيضاً من حديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أَيُّمَا ضَيْفٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فأَصْبَحَ الضّيْفُ مَحْرُوماً، فَلهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ، وَلا حَرَجَ عَلَيْهِ". وإن كان سبب الحق خفياً، بحيث يتهم بالأخذ وينسب إلى الخيانة ظاهراً، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة وإن كان في الباطن آخذاً حقه. كما أنَّه ليس له أن يتعرض للتهمة التي تُسلط الناس على عرضه، وإن ادَّعى أنَّه محق غير متهم.

стр. 7287

وهذا القول أصح الأقوال وأسدُّها، وأوفقها لقواعد الشريعة وأصولها، وبه تجتمع الأحاديث. فإنَّه قد روى أبو داود في سننه من حديث يوسف بن ماهك قال: كنت أكتب لفلان نفقه أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت له من أموالهم مثلها، فقُلْتُ: اقبض الألف الذى ذهبوا به منك، قال: لا حَدَّثَني أَبي أَنّهُ سَمِعَ رَسُول اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسلمَ يَقُولُ: "أَدِّ الأَمَانَةَ إلى مَنِ اُئْتَمَنَكَ، وَلا تخُنْ مَنْ خَانَكَ". وهذا، وإن كان في حكم المنقطع، فإنَّ له شاهداً من وجه آخر، وهو حديث طلْق بن غنام: أخبرنا شريك وقيس عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" وقيس هو ابن الربيع، وشريك ثقة، وقد قوى حديثه بمتابعة قيس له، وإن كان فيه ضعف. وله شاهد آخر من حديث أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبي التياح عن أنس ﵁ عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نحوه، وأيوب بن سويد - وإن كان فيه ضعف - فحديثه يصلح للاستشهاد به. وله شاهد آخر، وإن كان

стр. 7288

فيه ضعف، فهو يقوى بانضمام هذه الأحاديث إليه. رواه يحيى بن أيوب عن إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عن مكحول: أنَّ رجلاً قال لأبي أمامة الباهلي: الرَّجُلُ أَسْتَوْدِعُهُ الوَدِيعَةَ، أَوْ يَكُونُ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَيَجْحَدُني، ثُمَّ يَسْتَوْدِعُنِي أو يَكُونَ لَهُ عِنْدِي الشيء، أَفأَجْحَدُهُ؟ فَقَالَ: لا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ يقُولُ: "أَدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تخُنْ مَنْ خَانَكَ". وله شاهد آخر مرسل. قال يحيى بن أيوب: عن ابن جريج عن الحسن عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أَدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تخُنْ مَنْ خَانَكَ". وله شاهد. آخر. وهو ما رواه الترمذي من حديث مالك بن نضله قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ أَمُرُّ بهِ فَلا يُقْرِينِي، وَلا يُضَيِّفُنِي. فَيَمُرُّ بي، أفأَجْزيهِ؟ قَالَ: "لا، أَقْرِهِ". قال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح. وله شاهد آخر. وهو ما رواه أبو داود من حديث بِشر بن الخصاصية، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أهْلَ الصّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا، أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يعْتَدُونَ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ: "لا".

стр. 7289

وله شاهد آخر من حديث بشر هذا أيضاً: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَنَا جِيرَاناً لا يَدَعُونَ لَنَا شَاذّةً، وَلا فَاذّةً إلا أَخَذُوهَا فإِذَا قَدَرْنَا لَهُمْ عَلَى شَئ أَنأْخُذُهُ؟ فَقَالَ: "أَدِّ الأمَانَة إلى مَنِ ائْتَمَنكَ وَلا تخُنْ مَنْ خَانَك". ذكره شيخنا في كتاب إبطال التحليل. فهذه الآثار، مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها، يشد بعضها بعضاً، ولا يشبه الأخذ فيها الأخذ في الموضعين اللذين أباح رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيهما الأخذ لظهور سبب الحق، فلا يُنسب الآخذ إلى الخيانة، ولا يتطرق إليه تهمة، ولتعسر الشكوى في ذلك إلى الحاكم، وإثبات الحق والمطالبة به. والذين جوزوه يقولون: إذا أخذ قدر حقه من غير زيادة، لم يكن ذلك خيانة، فإنَّ الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه، وهذا ضعيف جداً، فإنَّه يبطل فائدة الحديث. فإنَّه قال: "ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ" فجعل مقابلته له خيانة، ونهاه عنها، فالحديث نص، بعد صحته. فإن قيل: فهلا جعلتموه مستوفياً لحقه بنفسه، إذ عجز عن استيفائه بالحاكم، كالمغصوب ماله. إذا رآه في يد الغاصب، وقدر على أخذه منه قهراً؟ فهل تقولون:

стр. 7290

إنَّه لا يحل له أخذ عين ماله، وهو يشاهده في يد الظالم المعتدي؟ ولا يحل له إخراجه من داره وأرضه؟. وكذلك إذا غصب زوجته وحال بينه وبينها، وعقد عليها ظاهراً، بحيث لا يتهم فهل يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه، خشية التهمة؟ وهذا لا تقولونه أنتم، ولا أحد من أهل العلم. ولهذا قال الشافعي، وقد ذكر حديث هِنْدٍ: وإذ قد دلت السنة وإجماع كثير من أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سراً، فقد دل أنَّ ذلك ليس بخيانة. إذ الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه. فالجواب: أنَّا نقول، يجوز له أن يستوفى قدر حقه، لكن بطريق مباح، فأمَّا بخيانة وطريق محرمة فلا. وقولكم: ليس ذلك بخيانة قلنا: بل هو خيانة حقيقة، ولغة، وشرعاً، وقد سماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خيانة، وغايتها أنَّها خيانة مقابلة ومقاصة، لا خيانة ابتداء، فيكون كل واحد منهما مسيئاً إلى الآخر ظالماً له، فإن تساوت الخيانتان قدراً وصفة فقد يتساقط إثمهما، والمطالبة في الآخرة، أو يكون

стр. 7291

لكل منهما على الآخر مثل ما للآخر عليه وإن بقى لأحدهما فضل رجع به، فهذا في أحكام الثواب والعقاب. وأمَّا في أحكام الدنيا فليس كذلك، لأنَّ الأحكام فيها مرتبة على الظواهر، وأمَّا السرائر فإلى الله، ولهذا قال النبي صلى الله تعالى عليه وأله وسلم: "إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَّى، وَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَقْضِى بِنَحْوِ مِا أَسْمَعُ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِه مِنْ بَعْضٍ، فَمنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيء مِنْ حَقَّ أَخِيهِ فَلا يأّخُذْهُ، فَإِنَما أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". فأخبر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنَّه يحكم بينهم بالظاهر، وأعلم المبطل في نفس الأمر أنَّ حكمه لا يحل له أخذ ما يحكم له به، وأنَّه مع حكمه له به فإنَّما يقطع له قطعة من النار، فإذا كان الحق مع هذا الخصم في الظاهر وجب على الحاكم أن يحكم له به، ويقره بيده وإن كانت يداً عادية ظالمة عند الله تعالى، فكيف يسوغ لخصمه أن يحكم لنفسه، ويستوفى لنفسه بطريق محرمة باطلة، لا يحكم بمثلها الحاكم وإن كان محقاً في نفس الأمر؟. وليس هذا بمنزلة من رأى عين ماله أو أمته أو زوجته بيد غاصب ظالم، فخلصها منه قهراً، فإنَّه قد تعين حقه في هذا العين، بخلاف صاحب الدين، فإنَّ حقه لم

стр. 7292

يتعين في تلك العين التي يريد أن يستوفى منها، ولأنَّه لا يتكتم بذلك، ولا يستخفى به، كما يفعل الخائن، بل يكابر صاحب اليد العادية ويغالبه، ويستعين عليه بالناس، فلا ينسب إلى خيانة، والأول متكتم مستخف، متصور بصورة خائن وسارق. فإلحاق أحدهما بالآخر باطل، والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: حديث: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». رواه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤) من طريق طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ، عَنْ شَرِيكٍ - قَالَ: ابْنُ الْعَلَاءِ، وَقَيْسٌ - عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، وشريك هو النخعي سيء الحفظ لكن تابعه قيس وهو ابن الربيع، وهو مختلف فيه والذي يظهر أنَّ حديثه لا ينزل عن مرتبة الاستشهاد. ورواه أحمد (١٥٤٦٢)، وأبو داود (٣٥٣٤) من طريق حُمَيْدٍ يَعْنِي الطَّوِيلَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ الْمَكِّيِّ، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ لِفُلَانٍ نَفَقَةَ أَيْتَامٍ كَانَ وَلِيَّهُمْ فَغَالَطُوهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَدَّاهَا إِلَيْهِمْ فَأَدْرَكْتُ لَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ مِثْلَيْهَا، قَالَ: قُلْتُ: أَقْبِضُ الْأَلْفَ

стр. 7293

الَّذِي ذَهَبُوا بِهِ مِنْكَ؟، قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». قُلْتُ: وفيه ابهام ابن الصحابي، ويشهد له ما سبق. وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ عدة شواهد له كما سبق. ٨ - وفيه أنَّ الأمور التي لا يستقيم تحديدها بالشرع فإنَّها ترجع إلى العرف. ٩ - واحتج به على القضاء على الغائب. قُلْتُ: لا حجة في ذلك فإنَّ ما قاله النبي ﷺ هو من قبيل الفتوى لا القضاء. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٤١): «واستدل به جماعات من أصحابنا وغيرهم على جواز القضاء على الغائب، وفي المسألة خلاف للعلماء؛ قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين: لا يقضى عليه بشيء، وقال الشافعي والجمهور: يقضى عليه في حقوق الآدميين، ولا يقضى في حدود الله تعالى، ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث للمسألة لأنَّ هذه القضية كانت بمكة، وكان أبو سفيان حاضراً بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البلد أو مستتراً لا

стр. 7294

يقدر عليه أو متعذراً، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجوداً، فلا يكون قضاء على الغائب، بل هو إفتاء كما سبق. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: والقول بعدم الحكم على الغائب رواية عن أحمد أيضاً. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠٣): «وقد احتج بهذا على جواز الحكم على الغائب، ولا دليل فيه، لأنَّ أبا سفيان كان حاضراً في البلد لم يكن مسافراً، والنبي ﷺ لم يسألها البينة، ولا يعطى المدعي بمجرد دعواه، وإنَّما كان هذا فتوى منه ﷺ » اهـ. قُلْتُ: والصحيح ما عليه الجمهور، لكن إذا خيف أنَّ الغائب إذا قدم أبطل بينة المدعي وقد يكون المدعي قد تصرف بما ادعاه فيذهب الحق عن أهله، فإنَّه يمكن أن يستوثق للحق بكفيل يقيمه المدعي. ١٠ - واحتج به على جواز أن يحكم الحاكم بعلمه، وذلك أنَّ النبي ﷺ لحكم لهند لعلمه بصدقها، وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنهما، وأجاز أبو حنيفة ذلك فيما إذا علم أمراً في زمن ولايته للقضاء وفي محل القضاء، ومنع من ذلك في غير زمن الولاية وفي غير محل القضاء، والأكثر على

стр. 7295

المنع، وهو الصحيح لما في ذلك من المفاسد الكثيرة، والحديث وارد في الافتاء لا في القضاء كما مر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٦٨): «واحتج من قال: "يحكم بعلمه" بما في "الصحيحين" من قصة هند بنت عتبة لما اشتكت أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ فحكم لها عليه بأن تأخذ كفايتها وكفاية بنيها، ولم يسألها البينة، ولا أحضر الزوج. وهذا الاستدلال ضعيف جداً، فإنَّ هذا إنَّما هو فتيا من رسول الله ﷺ لا حكم، ولهذا لم يحضر الزوج، ولم يكن غائباً عن البلد، والحكم على الغائب عن مجلس الحكم الحاضر في البلد، غير ممتنع، وهو يقدر على الحضور ولم يوكل وكيلاً لا يجوز اتفاقاً. وأيضاً: فإنَّها لم تسأله الحكم، وإنَّما سألته: هل يجوز لها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها؟ وهذا استفتاء محض، فالاستدلال به على الحكم سهو» اهـ. واختار العلامة ابن القيم ﵀ المنع من حكم الحاكم بعلمه فَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٧١):

стр. 7296

«ولو فتح هذا الباب - ولا سيما لقضاة الزمان - لوجد كل قاض له عدو السبيل إلى قتل عدوه، ورجمه، وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا كانت العداوة خفية، لا يمكن لعدوه إثباتها، وحتى لو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه لوجب منع قضاة الزمان من ذلك». إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ٢٧٢): «ولقد كان سيد الحكام صلوات الله وسلامه عليه يعلم من المنافقين ما يبيح دماءهم وأموالهم، ويتحقق ذلك، ولا يحكم فيهم بعلمه، مع براءته عند الله وملائكته وعباده المؤمنين من كل تهمة، لئلا يقول الناس: إنَّ محمداً يقتل أصحابه، ولما رآه بعض أصحابه مع زوجته صفية بنت حيي قال: "رويدكما، إنَّها صفية بنت حيي". لئلا تقع في نفوسهما تهمة له. ومن تدبر الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح وسد الذرائع تبين له الصواب في هذه المسألة، وبالله التوفيق» اهـ. قُلْتُ: ومما يدل أنَّ الحاكم لا يقضي بين الناس إلَّا بالبينة ما رواه البخاري (٥٣١٠)، ومسلم (١٤٩٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا

стр. 7297

لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا، قَلِيلَ اللَّحْمِ، سَبِطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا، آدَمَ، كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ بَيِّنْ»، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ»؟، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ». وروى البخاري (٤٧٤٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ، قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ». فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 7298

وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ»، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ». ويدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ لم يقض بعلمه في شراءه للفرس من الأعرابي، كما روى ذلك أبو داود (٣٦٠٧)، والنسائي (٤٦٤٧) من طريق عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّ عَمَّهُ، حَدَّثَهُ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ، فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَهُ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسِ وَإِلَّا بِعْتُهُ؟ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ

стр. 7299

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: «أَوْ لَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟» فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا، وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَلَى، قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ». فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ، يَقُولُ هَلُمَّ شَهِيدًا، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: «بِمَ تَشْهَدُ؟»، فَقَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وهكذا ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٣٢) ومن طريقه أحمد (٢٦٠٠٠)، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي (٤٧٧٨)، وابن ماجة (٢٦٣٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ، فَشَجَّهُ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» فَرَضُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي خَاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ» فَقَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ ﷺ : «إِنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا، أَرَضِيتُمْ؟» قَالُوا: لَا، فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ، فَكَفُّوا، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ، فَقَالَ: «أَرَضِيتُمْ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ» قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ

стр. 7300

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَرَضِيتُمْ؟» قَالُوا: نَعَمْ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٧٥): «وموضع الحجَّة: أنَّه لم يحكم عليهما بعلمه لما جحدا. وهو المطلوب. ذكره أبو داود من حديث عائشة. وهو صحيح. وذكر: أنَّ المشجوج إنَّما كان رجلاً واحدًا، وقد ذكر غيره: أنَّهما كانا اثنين. وحاصل هذا: أنَّ النبي ﷺ لم يحكم بعلمه تعليمًا لأمته، وسعيًا في سدِّ باب التُّهم، والظنون. والله تعالى أعلم» اهـ. ١١ - احتج بقوله: «مَا يَكْفِيكِ» من قال من أهل العلم: إنَّ الاعتبار في النفقة بحال الزوجة لا الزوج، وهو محكي عن الحنفية والمالكية، وذهب الشافعي إلى أنَّ الاعتبار بحال الزوج لقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ

стр. 7301

رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]. وذهب الحنابلة إلى اعتبار حالهما معاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ١٢١): «قال أصحابنا: ونفقتها معتبرة بحال الزوجين جميعاً؛ فإن كانا موسرين، فعليه لها نفقة الموسرين، وإن كانا معسرين، فعليه نفقة المعسرين، وإن كانا متوسطين، فلها عليه نفقة المتوسطين، وإن كان أحدهما موسراً، والآخر معسراً، فعليه نفقة المتوسطين، أيهما كان الموسر. وقال أبو حنيفة ومالك: يعتبر حال المرأة على قدر كفايتها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. والمعروف الكفاية، ولأنَّه سوى بين النفقة والكسوة، والكسوة على قدر حالها، فكذلك النفقة، وقال النبي ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". فاعتبر كفايتها دون حال زوجها، ولأنَّ نفقتها واجبة لدفع حاجتها، فكان الاعتبار بما تندفع به حاجتها، دون حال من وجبت عليه، كنفقة المماليك، ولأنَّه

стр. 7302

واجب للمرأة على زوجها بحكم الزوجية لم يقدر، فكان معتبراً بها، كمهرها وكسوتها. وقال الشافعي: الاعتبار بحال الزوج وحده؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. ولنا، أنَّ فيما ذكرناه جمعاً بين الدليلين، وعملاً بكلا النصين، ورعاية لكلا الجانبين، فيكون أولى» اهـ. قُلْتُ: مذهب الشافعي أرجح في نظري، وذلك أنَّ ما احتج به من الآية أدل على المقصود، وأمَّا حديث هند فالاحتمال وارد أن يكون النبي ﷺ علم أنَّ زوجها من الموسرين، فأخذها من ماله حينئذ ما يكفيها ويكفي ولدها لا إشكال فيه، وإنَّما يرد الإشكال لو كانت من الموسرين وزوجها من المعسرين، وليس في الحديث ما يدل على أحد هذين الاحتمالين، ومع تساوي الاحتمال يسقط الاستدلال، ويبقى العمل بالآية، فإن قيل: إنَّ النبي ﷺ لم يستفصل هنداً عن حال زوجها وأفتاها أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

стр. 7303

فالجواب: أنَّه يبعد أن يجهل النبي ﷺ حال أبي سفيان من حيث الايسار والإعسار، وذلك أنَّ أبا سفيان كان من أشراف قومه ومثله لا يجهل حاله، والذي يظهر من مثل حاله أن يكون من الموسرين. والله أعلم. وإلزام الحنابلة لمن كان معسراً وزوجته موسرة أن ينفق نفقة المتوسطين فيه ما فيه من مخالفة الآية، ثم يقال أيضاً: لو كان قادراً على نفقة المتوسطين لم يكن من المعسرين. والله أعلم. ١٢ - وفيه أنَّ للمفتي أن يطلق الفتوى، ولا يلزمه أن يعلق ذلك بصحة قول السائل، وهي معلقة بذلك معنىً وإن لم تعلق به لفظاً. وجاء في تعليق الفتوى ما رواه مسلم (٢٥٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ». ١٣ - واحتج به من قال إنَّ نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠٤ - ٥٠٩): «وقد احتج بقصة هند هذه على أنَّ نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان، لأنَّه لم يمكنها من أخذ

стр. 7304

ما مضى لها من قدر الكفاية مع قولها: إنَّه لا يعطيها ما يكفيها، ولا دليل فيها، لأنَّها لم تدع به ولا طلبته، وإنَّما استفتته: هل تأخذ في المستقبل ما يكفيها؟ فأفتاها بذلك. وبعد، فقد اختلف الناس في نفقة الزوجات والأقارب، هل يسقطان بمضي الزمان كلاهما، أو لا يسقطان، أو تسقط نفقة الأقارب دون الزوجات؟ على ثلاثة أقوال. أحدها: أنَّهما يسقطان بمضي الزمان، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد. والثاني: أنَّهما لا يسقطان إذا كان القريب طفلاً، وهذا وجه للشافعية. والثالث: تسقط نفقة القريب دون نفقة الزوجة، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد ومالك. ثم الذين أسقطوه بمضي الزمان، منهم من قال: إذا كان الحاكم قد فرضها لم تسقط، وهذا قول بعض الشافعية والحنابلة. ومنهم من قال: لا يؤثر فرض الحاكم في وجوبها شيئاً إذا سقطت بمضي الزمان، والذي ذكره أبو البركات في "محرره"، الفرق بين نفقة الزوجة ونفقة القريب في ذلك، فقال: وإذا

стр. 7305

غاب مدة ولم ينفق، لزمه نفقة الماضي، وعنه: لا يلزمه إلَّا أن يكون الحاكم قد فرضها. وأمَّا نفقة أقاربه، فلا تلزمه لما مضى وإن فرضت إلَّا أن يستدان عليه بإذن الحاكم وهذا هو الصواب، وأنَّه لا تأثير لفرض الحاكم في وجوب نفقة القريب لما مضى من الزمان نقلاً وتوجيهاً، أمَّا النقل، فإنَّه لا يعرف عن أحمد، ولا عن قدماء أصحابه استقرار نفقة القريب بمضي الزمان إذا فرضها الحاكم، ولا عن الشافعي، وقدماء أصحابه والمحققين لمذهبه منهم، كصاحب "المهذب"، و"الحاوي"، و"الشامل"، و"النهاية"، و"التهذيب"، و"البيان"، و"الذخائر" وليس في هذه الكتب إلَّا السقوط بدون استثناء فرض، وإنَّما يوجد استقرارها إذا فرضها الحاكم في "الوسيط" و"الوجيز"، وشرح الرافعي وفروعه، وقد صرح نصر المقدسي في "تهذيبه"، والمحاملي في "العدة"، ومحمد بن عثمان في "التمهيد"، والبندنيجي في "المعتمد" بأنَّها لا تستقر ولو فرضها الحاكم، وعللوا السقوط بأنَّها تجب على وجه المواساة لإحياء النفس، ولهذا لا تجب مع يسار المنفق عليه، وهذا التعليل يوجب سقوطها فرضت أو لم تفرض. وقال أبو المعالي: ومما يدل على ذلك أنَّ نفقة القريب إمتاع لا تمليك، وما لا يجب فيه التمليك، وانتهى إلى الكفاية، استحال

стр. 7306

مصيره ديناً في الذمة، واستبعد لهذا التعليل قول من يقول: إنَّ نفقة الصغير تستقر بمضي الزمان، وبالغ في تضعيفه من جهة أنَّ إيجاب الكفاية مع إيجاب عوض ما مضى متناقض، ثم اعتذر عن تقديرها في صورة الحمل على الأصح. إذا قلنا: إنَّ النفقة له بأنَّ الحامل مستحقة لها أو منتفعة بها فهي كنفقة الزوجة. قال: ولهذا قلنا: تتقدر، ثم قال: هذا في الحمل والولد الصغير، أمَّا نفقة غيرهما، فلا تصير ديناً أصلاً. انتهى. وهذا الذي قاله هؤلاء هو الصواب، فإنَّ في تصور فرض الحاكم نظراً، لأنَّه إمَّا أن يعتقد سقوطها بمضي الزمان أو لا، فإن كان يعتقده، لم يسغ له الحكم بخلافه، وإلزام ما يعتقد أنَّه غير لازم، وإن كان لا يعتقد سقوطها مع أنَّه لا يعرف به قائل إلَّا في الطفل الصغير على وجه لأصحاب الشافعي. فإمَّا أن يعني بالفرض الإيجاب، أو إثبات الواجب، أو تقديره أو أمراً رابعاً، فإن أريد به الإيجاب، فهو تحصيل الحاصل ولا أثر لفرضه، وكذلك إن أريد به إثبات الواجب، ففرضه وعدمه سيان، وإن أريد به تقدير الواجب، فالتقدير إنَّما يؤثر في صفة الواجب من الزيادة والنقصان، لا في سقوطه ولا ثبوته، فلا أثر لفرضه في الواجب البتة، هذا مع ما في التقدير من مصادمة الأدلة التي تقدمت، على أنَّ الواجب النفقة

стр. 7307

بالمعروف، فيطعمهم مما يأكل، ويكسوهم مما يلبس، وإن أريد به أمر رابع، فلا بد من بيانه لينظر فيه. فإن قيل: الأمر الرابع المراد هو عدم السقوط بمضي الزمان، فهذا هو محل الحكم، وهو الذي أثر فيه حكم الحاكم، وتعلق به. قيل: فكيف يمكن أن يعتقد السقوط، ثم يلزم ويقضي بخلافه؟ وإن اعتقد عدم السقوط، فخلاف الإجماع، ومعلوم أنَّ حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته، فإذا كانت صفة هذا الواجب سقوطه بمضي الزمان شرعاً لم يزله حكم الحاكم عن صفته. فإن قيل: بقي قسم آخر، وهو أن يعتقد الحاكم السقوط بمضي الزمان ما لم يفرض، فإن فرضت، استقرت فهو يحكم باستقرارها لأجل الفرض لا بنفس مضي الزمان. قيل: هذا لا يجدي شيئاً، فإنَّه إذا اعتقد سقوطها بمضي الزمان، وإنَّ هذا هو الحق والشرع، لم يجز له أن يلزم بما يعتقد سقوطه وعدم ثبوته، وما هذا إلَّا بمثابة ما لو ترافع إليه مضطر، وصاحب طعام غير مضطر، فقضي به للمضطر بعوضه، فلم يتفق أخذه حتى زال الاضطرار، ولم يعط صاحبه العوض أنَّه يلزمه بالعوض، ويلزم صاحب الطعام ببذله له، والقريب يستحق النفقة لإحياء مهجته، فإذا مضى

стр. 7308

زمن الوجوب، حصل مقصود الشارع من إحيائه، فلا فائدة في الرجوع بما فات من سبب الإحياء، ووسيلته مع حصول المقصود والاستغناء عن السبب بسبب آخر. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بنفقة الزوجة، فإنَّها تستقر بمضي الزمان، ولو لم تفرض مع حصول هذا المعنى الذي ذكرتموه بعينه. قيل: النقض لا بد أن يكون بمعلوم الحكم بالنص أو الإجماع، وسقوط نفقة الزوجة بمضي الزمان مسألة نزاع، فأبو حنيفة وأحمد في رواية يسقطانها، والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى لا يسقطانها، والذين لا يسقطونها فرقوا بينها وبين نفقة القريب بفروق. أحدها: أنَّ نفقة القريب صلة. الثاني: أنَّ نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار بخلاف نفقة القريب. الثالث: أنَّ نفقة الزوجة تجب مع استغنائها بمالها، ونفقة القريب لا تجب إلَّا مع إعساره وحاجته. الرابع: أنَّ الصحابة ﵃ أوجبوا للزوجة نفقة ما مضى، ولا يعرف عن أحد منهم قط أنَّه أوجب للقريب نفقة ما مضى، فصح عن عمر ﵁ أنَّه

стр. 7309

كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا، بعثوا بنفقة ما مضى، ولم يخالف عمر ﵁ في ذلك منهم مخالف. قال ابن المنذر ﵀: هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلَّا بمثلها. قال المسقطون: قد شكت هند إلى النبي ﷺ أنَّ أبا سفيان لا يعطيها كفايتها، فأباح لها أن تأخذ في المستقبل قدر الكفاية، ولم يجوز لها أخذ ما مضى، وقولكم: إنَّها نفقة معاوضة، فالمعاوضة إنَّما هي بالصداق، وإنَّما النفقة لكونها في حبسه، فهي عانية عنده كالأسير، فهي من جملة عياله، ونفقتها مواساة، وإلَّا فكل من الزوجين يحصل له من الاستمتاع مثل ما يحصل للآخر، وقد عاوضها على المهر، فإذا استغنت عن نفقة ما مضى فلا وجه لإلزام الزوج به، والنبي ﷺ جعل نفقة الزوجة كنفقة القريب بالمعروف، وكنفقة الرقيق فالأنواع الثلاثة إنَّما وجبت بالمعروف مواساة لإحياء نفس من هو في ملكه وحبسه، ومن بينه وبينه رحم وقرابة، فإذا استغنى عنها بمضي الزمان، فلا وجه لإلزام الزوج بها، وأي معروف في إلزامه نفقة ما مضى وحبسه على ذلك، والتضييق عليه، وتعذيبه بطول الحبس، وتعريض الزوجة لقضاء أوطارها من

стр. 7310

الدخول والخروج وعشرة الأخدان بانقطاع زوجها عنها، وغيبة نظره عليها، كما هو الواقع، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلَّا الله، حتى إنَّ الفروج لتعج إلى الله من حبس حماتها ومن يصونها عنها، وتسييبها في أوطارها، ومعاذ الله أن يأتي شرع الله لهذا الفساد الذي قد استطار شراره، واستعرت ناره، وإنَّما أمر عمر بن الخطاب الأزواج إذا طلقوا أن يبعثوا بنفقة ما مضى، ولم يأمرهم إذا قدموا أن يفرضوا نفقة ما مضى، ولا يعرف ذلك عن صحابي البتة، ولا يلزم من الإلزام بالنفقة الماضية بعد الطلاق وانقطاعها بالكلية الإلزام بها إذا عاد الزوج إلى النفقة والإقامة، واستقبل الزوجة بكل ما تحتاج إليه، فاعتبار أحدهما بالآخر غير صحيح، ونفقة الزوجة تجب يوماً بيوم، فهي كنفقة القريب، وما مضى فقد استغنت عنه بمضي وقته، فلا وجه لإلزام الزوج به، وذلك منشأ العداوة والبغضاء بين الزوجين، وهو ضد ما جعله الله بينهما من المودة والرحمة، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي لا تقتضي الشريعة غيره، وقد صرح أصحاب الشافعي، بأنَّ كسوة الزوجة وسكنها يسقطان بمضي الزمان إذا قيل: إنَّهما إمتاع لا تمليك، فإنَّ لهم في ذلك وجهين» اهـ.

стр. 7311

قُلْتُ: أثر عمر رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٣٤٦) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: «أَنِ ادْعُ فَلَانًا وَفُلَانًا نَاسًا قَدِ انْقَطَعُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَخَلَوْا مِنْهَا، فَإِمَّا أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَيْهِنَّ بِنَفَقَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقُوا وَيَبْعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قُلْتُ: أثر عمر صريح في وجوب نفقة ما مضى عند الطلاق، وأمَّا إذا لم يعزم على الطلاق فظاهر أثر عمر أنَّه لا يلزم بذلك. فإن وجد ما يخالف عمر في ذلك، وإلَّا فالقول ما قاله ﵁. وهنا تنبيه حسن حول سقوط النفقة عن القريب بمرور الزمن. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٨٥): «فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْغَيْرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ نَاوِيًا لِلرُّجُوعِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ وَاجِبًا بِغَيْرِ إذْنِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَى الْمَنْصُوصِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي رِوَايَةِ الْجُوزَجَانِيِّ عَلَى رُجُوعِ مَنْ عَمَرَ قَنَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَلَوْ أَنَّ الْقَرِيبَ اسْتَدَانَ وَأَنْفَقَ

стр. 7312

عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ أَحَالَ بِالدَّيْنِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَقُومَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَالَ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَا يُقَالُ: قَدْ سَقَطَتْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَمْ تُصَادِفْ الْحَوَالَةُ مَحَلًّا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ قَدْ اسْتَدَانَ عَلَى الْمُنْفِقِ، بَلْ تَبَرَّعَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ تَكَلَّفَ أَوْ صَبَرَ، فَأَمَّا إذَا اسْتَدَانَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فَهُنَا لَا وَجْهَ لِسُقُوطِهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ قَدْ أَطْلَقُوا السُّقُوطَ فَتَعْلِيلُهُمْ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، فَتَأَمَّلْهُ» اهـ. * * *

стр. 7313

٣٦٥ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا». قَوْلُهَا: «جَلَبَةَ خَصْمٍ» الجلبة اختلاط الأصوات، والخصم يطلق على الواحد والجماعة، والذكر والأنثى. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - أنَّ النبي ﷺ بشر في أصل الخلقة يحتاج ما يحتاجه البشر، ويعتريه ما يعتريهم، غير أنَّه فضل عليهم بالرسالة كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، و [فصلت: ٦]. قُلْتُ: ومع كون النبي ﷺ مشارك للبشر في أصل الخلقة لكنه مع ذلك امتاز على كثير منهم بأمور في أصل الخلقة:

стр. 7314

منها: القوة على إتيان النساء، فقد روى البخاري (٢٦٨) عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ، مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ». قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ «أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ». وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، إِنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُمْ: «تِسْعُ نِسْوَةٍ». ومنها: رؤية المصلين من وراء ظهره، كما روى ذلك البخاري (٤١٨)، ومسلم (٤٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا، فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». وفي رواية لمسلم (٤٢٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، إِنِّي وَاللهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ». وروى البخاري (٧٢٥)، ومسلم (٤٢٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي».

стр. 7315

قُلْتُ: وهذا أحد المعاني التي فسر بها قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]. أي: يرى تقلب بصرك في المصلين، فإِنَّهُ كان يبصر من خلفه كما يبصر من أمامه. ٢ - وفيه أنَّ الرسول ﷺ بشر لا يعلم كل ما غاب عنه، وإنَّما يعلم من ذلك ما علمه الله. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢٢/ ٢١٦): «فإذا كان الأنبياء لا يعلمون ذلك فغير جائز أن يصح دعوى ذلك لأحد غيرهم من كاهن أو منجم وإنَّما يعلم الأنبياء من الغيب ما أعلموا به بوجه من وجوه الوحي» اهـ. ٣ - وفيه أنَّ النبي ﷺ يحكم بين الخصوم على حسب الظاهر، وقد يصيب الحق في ذلك في الباطن وقد يخطئه، والحقيقة أنَّ الخطأ في ذلك لم يحصل من اجتهاد النبي ﷺ وإنَّما من صاحب الحق الذي لم يقم البينة على حقه، ومن جهة الظالم الذي أقام الحجة الباطلة على دعواه كاليمين الفاجرة وغير ذلك، وحكم النبي ﷺ قائم على ما أمره الله به من الأخذ بأقوال الشهود العدول، والأخذ بيمين المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة.

стр. 7316

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٧٥): «والحاصل أنَّ هنا مقامين: أحدهما: طريق الحكم وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه وبه يتعلق الخطأ والصواب، وفيه البحث. والآخر: ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه إلَّا الله ومن شاء من رسله فلم يقع التكليف به» اهـ. وهذا الآخر هو الذي قد يحصل للنبي ﷺ ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٤٠): «فإن قيل: هذا الحديث ظاهر أنَّه قد يقع منه ﷺ في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنَّه ﷺ لا يقر على خطإ في الأحكام، فالجواب: أنَّه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين؛ لأنَّ مراد الأصوليين فيما حكم فيه باجتهاده، فهل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ فيه خلاف، الأكثرون على جوازه، ومنهم من منعه، فالذين جوزوه قالوا: لا يقر على إمضائه، بل يعلمه الله تعالى به ويتداركه، وأمَّا الذي في الحديث فمعناه: إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة

стр. 7317

واليمين فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلاً، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأمَّا الحكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإنَّ هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع. والله أعلم» اهـ. ٤ - وفيه أنَّ حكم الحاكم إن كان خطأ فلا يحل ما حرم الله تعالى، فلا يحل للمبطل ما كان حراماً عليه قبل ذلك. ويستوي في ذلك الأموال والدماء والفروج خلافاً لأبي حنيفة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٧٥): «وسواء كان ذلك في الدِّماء، والأموال، والفروج. وهو قول الكافة، إلَّا ما حكي عن أبي حنيفة من أنَّ حكم الحاكم يغير حكم الباطن في الفروج خاصة. وزعم أنَّه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته، وحكم الحاكم بشهادتهما، فإنَّ فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أنَّ القضيِّة باطل، وقد شنع عليه بإعراضه عن الحديث الصحيح الصريح، وبأنَّه صان الأموال، ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن، ولم يصن الفروج عن ذلك. والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان» اهـ.

стр. 7318

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٤٠): «وفي هذا الحديث: دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنَّ حكم الحاكم لا يحيل الباطن، ولا يحل حراماً، فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم به الحاكم؛ لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهدا عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما، وإن شهدا بالزور أنَّه طلق امرأته لم يحل لمن علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق، وقال أبو حنيفة ﵁: يحل حكم الحاكم الفروج دون الأموال، فقال: يحل نكاح المذكورة، وهذا مخالف لهذا الحديث الصحيح ولإجماع من قبله، ومخالف لقاعدة وافق هو وغيره عليها، وهي أنَّ الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. والله أعلم» اهـ. ٥ - وفيه وعيد من خاصم بالباطل، وقوله في آخر الحديث: «فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا». من باب التهديد والوعيد، لا من باب التخيير كقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ

стр. 7319

يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. ٦ - وفي الحديث رد على من قال: كل مجتهد مصيب. وهذا إذا قصد أنَّه مصيب للحق في نفس الأمر، وأمَّا إن قصد أنَّه مصيب في اجتهاده وإن لم يصب الواقع فهو كلام صحيح، والأحسن أن يقال: لكل مجتهد نصيب، أي من الأجر كما روى البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». ٧ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٧٤): «وفيه أنَّه ﷺ كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء وخالف في ذلك قوم وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم» اهـ. قُلْتُ: وفي تسمية هذا حكم بالاجتهاد نظر، وذلك أنَّ الحكم بالشهادة أو اليمين مما أمر الله به، فالحكم بناءً على ذلك ليس من قبيل الحكم بالاجتهاد ولكن من العمل بنصوص الشرع، ومن باب الحكم بالوحي، وقد سبق قريباً قول العلامة النووي ﵀: «وأمَّا الذي في الحديث فمعناه: إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة

стр. 7320

واليمين فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلاً، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأمَّا الحكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإنَّ هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على اجتهاد النبي ﷺ في بعض الأحكام التي لم ينزل عليه فيها وحي فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]. قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١١/ ٤٧٧ - ٤٧٨): «وهذا عتاب من الله تعالى ذكره عاتب به نبيه ﷺ في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين. يقول جل ثناؤه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذي استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك من قبل أن تعلم صدقه من كذبه. ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ لأي شيء أذنت لهم. ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك؛ إذ قالوا
следующие страницы →