← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٧٥): «والحاصل أنَّ هنا مقامين: أحدهما: طريق الحكم وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه وبه يتعلق الخطأ والصواب، وفيه البحث. والآخر: ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه إلَّا الله ومن شاء من رسله فلم يقع التكليف به» اهـ. وهذا الآخر هو الذي قد يحصل للنبي ﷺ ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٤٠): «فإن قيل: هذا الحديث ظاهر أنَّه قد يقع منه ﷺ في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنَّه ﷺ لا يقر على خطإ في الأحكام، فالجواب: أنَّه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين؛ لأنَّ مراد الأصوليين فيما حكم فيه باجتهاده، فهل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ فيه خلاف، الأكثرون على جوازه، ومنهم من منعه، فالذين جوزوه قالوا: لا يقر على إمضائه، بل يعلمه الله تعالى به ويتداركه، وأمَّا الذي في الحديث فمعناه: إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة

стр. 7317

واليمين فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلاً، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأمَّا الحكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإنَّ هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع. والله أعلم» اهـ. ٤ - وفيه أنَّ حكم الحاكم إن كان خطأ فلا يحل ما حرم الله تعالى، فلا يحل للمبطل ما كان حراماً عليه قبل ذلك. ويستوي في ذلك الأموال والدماء والفروج خلافاً لأبي حنيفة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٧٥): «وسواء كان ذلك في الدِّماء، والأموال، والفروج. وهو قول الكافة، إلَّا ما حكي عن أبي حنيفة من أنَّ حكم الحاكم يغير حكم الباطن في الفروج خاصة. وزعم أنَّه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته، وحكم الحاكم بشهادتهما، فإنَّ فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أنَّ القضيِّة باطل، وقد شنع عليه بإعراضه عن الحديث الصحيح الصريح، وبأنَّه صان الأموال، ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن، ولم يصن الفروج عن ذلك. والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان» اهـ.

стр. 7318

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٤٠): «وفي هذا الحديث: دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنَّ حكم الحاكم لا يحيل الباطن، ولا يحل حراماً، فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم به الحاكم؛ لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهدا عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما، وإن شهدا بالزور أنَّه طلق امرأته لم يحل لمن علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق، وقال أبو حنيفة ﵁: يحل حكم الحاكم الفروج دون الأموال، فقال: يحل نكاح المذكورة، وهذا مخالف لهذا الحديث الصحيح ولإجماع من قبله، ومخالف لقاعدة وافق هو وغيره عليها، وهي أنَّ الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. والله أعلم» اهـ. ٥ - وفيه وعيد من خاصم بالباطل، وقوله في آخر الحديث: «فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا». من باب التهديد والوعيد، لا من باب التخيير كقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ

стр. 7319

يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. ٦ - وفي الحديث رد على من قال: كل مجتهد مصيب. وهذا إذا قصد أنَّه مصيب للحق في نفس الأمر، وأمَّا إن قصد أنَّه مصيب في اجتهاده وإن لم يصب الواقع فهو كلام صحيح، والأحسن أن يقال: لكل مجتهد نصيب، أي من الأجر كما روى البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». ٧ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٧٤): «وفيه أنَّه ﷺ كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء وخالف في ذلك قوم وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم» اهـ. قُلْتُ: وفي تسمية هذا حكم بالاجتهاد نظر، وذلك أنَّ الحكم بالشهادة أو اليمين مما أمر الله به، فالحكم بناءً على ذلك ليس من قبيل الحكم بالاجتهاد ولكن من العمل بنصوص الشرع، ومن باب الحكم بالوحي، وقد سبق قريباً قول العلامة النووي ﵀: «وأمَّا الذي في الحديث فمعناه: إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة

стр. 7320

واليمين فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلاً، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأمَّا الحكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإنَّ هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على اجتهاد النبي ﷺ في بعض الأحكام التي لم ينزل عليه فيها وحي فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]. قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١١/ ٤٧٧ - ٤٧٨): «وهذا عتاب من الله تعالى ذكره عاتب به نبيه ﷺ في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين. يقول جل ثناؤه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذي استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك من قبل أن تعلم صدقه من كذبه. ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ لأي شيء أذنت لهم. ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك؛ إذ قالوا

стр. 7321

لك: لو استطعنا لخرجنا معك، حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه ومن لا عذر له منهم، فيكون إذنك لمن أذنت له منهم على علم منك بعذره، وتعلم من الكاذب منهم المتخلف نفاقاً وشكاً في دين الله» اهـ. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨]. قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١١/ ٢٧١): «وإنَّما قال الله جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ يعرفه أنَّ قتل المشركين الذين أسرهم ﷺ يوم بدر ثم فادى بهم كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم» اهـ. وقد روى مسلم (١٧٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِيمَا حَدَّثَهُ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: «مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا تَرَى يَا ابْنَ

стр. 7322

الْخَطَّابِ؟» قُلْتُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ نَسِيبًا لِعُمَرَ، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمِ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» - شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ﷺ وَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فَأَحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ١١١): «وقد تكلم الناس، في أي الرأيين كان أصوب، فرجحت طائفة، قول عمر لهذا الحديث، ورجحت طائفة قول أبي بكر، لاستقرار الأمر عليه، وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب، ولتشبيه النبي صلى الله

стр. 7323

عليه وسلم له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح وموسى ولحصول الخير العظيم الذى حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء، ولموافقة رسول الله ﷺ لأبي بكر أولاً، ولموافقة الله له آخراً حيث استقر الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق، فإنَّه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخراً، وغلب جانب الرحمة على جانب العقوبة. قالوا: وأمَّا بكاء النبي ﷺ ، فإنَّما كان رحمة لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعم ولا تصيب من أراد ذلك خاصة، كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: "لن نغلب اليوم من قلة" وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم، فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة، ثم استقر الأمر على النصر والظفر. والله أعلم» اهـ. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى

стр. 7324

(٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠]. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ٣١٩): «ذكر غيرُ واحد من المفسرين أنَّ رسول الله ﷺ كان يوماً يخاطبُ بعض عظماء قريش، وقد طَمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابنُ أم مكتوم-وكان ممن أسلم قديماً- فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلح عليه، وودَّ النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعاً ورغبة في هدايته. وعَبَس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾؟ أي: يحصل له زكاة وطهارة في نفسه. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: أمَّا الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي، ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾؟ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول

стр. 7325

له، ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتشاغل. ومن هاهنا أمر الله رسوله ﷺ ألَّا يخص بالإنذار أحدًا، بل يساوى فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة» اهـ. ومن ذلك ما رواه مسلم (١٤٤٢) عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ». قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٤/ ٣٢٣): «وفيه أنَّه ﵇ كان يجتهد في الأحكام برأيه» اهـ. والقول بوقوع الاجتهاد من النبي ﷺ في الأمور الشرعية هو مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ الْفُحُولِ] (٢/ ٢١٨): «المذهب الثاني: أنَّه يجوز لنبينا ﷺ ، ولغيره من الأنبياء، وإليه ذهب الجمهور» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٢/ ٢٢٠): «ولم يأتِ المانعون بحجة تستحق المنع، أو التوقف لأجلها» اهـ.

стр. 7326

قُلْتُ: وقد احتج من منع الاجتهاد للنبي ﷺ بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَصَّاصُ ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٣/ ٢٦٥): «وليس في الآيتين دليل على أنَّ النبي ﷺ لم يكن يقول شيئاً من طريق الاجتهاد وذلك لأنَّا نقول ما صدر عن اجتهاد فهو مما أراه اللّه وعرفه إياه ومما أوحى به إليه أن يفعله فليس في الآية دلالة على نفى الاجتهاد من النبي ﷺ في الأحكام» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ الْفُحُولِ] (٢/ ٢١٩): «وأمَّا قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فالمراد به القرآن؛ لأنَّهم قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده؛ لأنَّه ﷺ إذا كان متعبداً بالاجتهاد بالوحي، لم يكن نطقاً عن الهوى، بل عن الوحي، وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع، مع كونه معرضاً للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى» اهـ.

стр. 7327

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٧/ ٤٦٥): «ولا منافاة بين الآيات، لأنَّ قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ معناه أنَّ النبي ﷺ لا يبلغ عن الله إلَّا شيئاً أوحى الله إليه أن يبلغه، فمن يقول: إنَّه شعر أو سحر أو كهانة أو أساطير الأولين - هو أكذب خلق الله وأكفرهم، ولا ينافي ذلك أنَّه أذن للمتخلفين عن غزوة تبوك، وأسر الأسارى يوم بدر، واستغفر لعمه أبي طالب من غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك، وقد أوضحنا هذا في غير هذا الموضع» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [دَفْعِ إِيْهَامِ الاضْطِرَابِ] (ص: ٧٦ - ٧٧): «قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾. هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أنَّ النبي ﷺ لا يجتهد في شيء، وقد جاءت آيات أخر تدل على أنَّه ﷺ ربما اجتهد في بعض الأمور كما دل عليه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ الآية. والجواب عن هذا من وجهين:

стр. 7328

الأول: وهو الذي اقتصر عليه ابن جرير وصدر به ابن الحاجب في مختصره الأصولي أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي في كل ما يبلغه عن الله ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي كل ما يبلغه عن الله ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ من الله لأنَّه لا يقول على الله شيئاً إلَّا بوحي منه فالآية رد على الكفار حيث قالوا: إنَّ النبي ﷺ افترى هذا القرآن كما قال ابن الحاجب. الوجه الثاني: أنَّه إن اجتهد فإنَّه إنَّما يجتهد بوحي من الله يأذن له به في ذلك الاجتهاد وعليه فاجتهاده بوحي فلا منافاة. ويدل لهذا الوجه أنَّ اجتهاده في الإذن للمتخلفين عن غزوة تبوك أذن الله له فيه حيث قال له: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. فلما أذن للمنافقين عاتبه بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾. فالاجتهاد في الحقيقة إنَّما هو في الإذن قبل التبين لا في مطلق الإذن للنص عليه. ومسألة اجتهاد النبي ﷺ وعدمه من مسائل الخلاف المشهورة عند علماء الأصول وسبب اختلافهم هو تعارض هذه الآيات في ظاهر الأمر. قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر أنَّ التحقيق في هذه المسألة أنَّه ﷺ ربما فعل بعض المسائل من غير وحي في خصوص كإذنه للمتخلفين عن

стр. 7329

غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم، وكأسرة لأسارى بدر، وكأمره بترك تأبير النخل وكقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" الحديث. إلى غير ذلك. وإنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ لا إشكال فيه لأنَّ النبي ﷺ لا ينطق بشيء من أجل الهوى ولا يتكلم بالهوى، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ يعني أن كل ما يبلغه عن الله فهو وحي من الله لا بهوى ولا بكذب ولا افتراء. والعلم عند الله تعالى» اهـ. ومن حججهم في ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، و [يونس: ١٥]، و [الأحقاف: ٩]. والجواب على ذلك: أنَّ غاية ما تدل عليه الآية أنَّ النبي ﷺ لا يتبع هواه، وإنَّما يتبع ما يوحى إليه، وهذا محمول فيما نزل عليه فيه الوحى فلا يتبع غيره، وأمَّا ما لم ينزل عليه فيه وحي فليس هناك ما يمنع من أن يجتهد فيه، وقد دلت الأدلة الكثيرة على اجتهاده كما سبق. والله أعلم. ٨ - وفيه أنَّ البلاغة في القول قد تظهر الباطل بمظهر الحق. ٩ - وفيه أنَّ الحاكم يحكم بين الخصوم على حسب الظاهر ولا يكلف بما في باطن الأمور.

стр. 7330

١٠ - وفيه استحباب موعظة الإمام للخصوم. * * *

стр. 7331

٣٦٦ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى ابْنِهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ، أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ». قُلْتُ: الرواية الأولى قريبة من رواية مسلم فقد رواها (١٧١٧) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبِي، وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ، أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ». وأمَّا الرواية الأخرى فرواها البخاري (٧١٥٨) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ، وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ، بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».

стр. 7332

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٣٧): «ووقع في "العمدة": كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبيد الله وقد سمي إلخ وهو موافق لسياق مسلم إلَّا أنَّه زاد لفظ ابنه، قيل معناه: كتب أبو بكرة بنفسه مرة وأمر ولده عبد الرحمن أن يكتب لأخيه فكتب له مرة أخرى. قُلْتُ: ولا يتعين ذلك بل الذي يظهر أنَّ قوله: "كتب أبي" أي: أمر بالكتابة، وقوله: "وكتبت له". أي: باشرت الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التعدد، ويؤيده قوله في المتن المكتوب: "إنِّي سمعت". فإنَّ هذه العبارة لأبي بكرة لا لابنه عبد الرحمن فإنَّه لا صحبة له» اهـ. وَقَوْلُهُ: «بِسِجِسْتَانَ» وسجستان بكسر المهملة والجيم وهي اليوم تشمل القسم الغربي من أفغانستان وبعض إيران. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - النهي عن الحكم حال الغضب، لما يحصل في الغضب من تغير الفكر، فيؤدي ذلك إلى عدم استيفاء النظر في القضية. ولربما دعاه الغضب إلى تجاوز الحق، والحكم بالباطل. وبناءً على ذلك إذا طرأ عليه الغضب بعد استبانة الحكم فلا يؤثر ذلك في الحكم. والله أعلم.

стр. 7333

قُلْتُ: ومع هذا فجمهور العلماء يرون صحة الحكم حال الغضب إن وافق الحق. وذهب بعض الحنابلة إلى فساد الحكم حال الغضب لنهي النبي ﷺ عن ذلك والنهي يقتضي الفساد. والذي يظهر لي صحة مذهب الجمهور، وذلك أنَّ الحاكم إذا حكم بالحق في حال غضبه فقد حصل المقصود من الحكم فلا معنى لإلغائه، ولأنَّه إذا ألغاه مع موافقته للحق ثم استأنف عينه من جديد كان ذلك من قبيل العبث الذي لا تأتي به الشريعة. والله أعلم. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٢٧٠٨)، ومسلم (٢٣٥٧) عَنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الزُّبَيْرَ، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجٍ مِنَ الحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ»، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ»، فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلْزُّبَيْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ سَعَةٍ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ

стр. 7334

الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، اسْتَوْعَى لِلْزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: «وَاللَّهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ»: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآيَةَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ] (ص: ٥٢٨): «وقول ذلك الأنصاري: أن كان ابن عمتك فإنَّ هذا كفر محض حيث زعم أنَّ النبي ﷺ إنَّما حكم للزبير لأنَّه ابن عمته ولذلك أنزل الله تعالى هذه الآية وأقسم أنَّهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجا من حكمه وإنما عفا عنه النبي ﷺ كما عفا عن الذي قال: إنَّ هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وعن الذي قال: اعدل فإنَّك لم تعدل». إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ٥٢٨ - ٣٠): «وقد ذكر طائفة من الفقهاء منهم ابن عقيل وبعض أصحاب الشافعي أنَّ هذا كان عقوبته التعزير ثم منهم من قال: لم يعزره النبي ﷺ لأنَّ التعزير غير واجب، ومنهم من قال: عفا عنه لأنَّ الحق له، ومنهم من قال: عاقبه بأن أمر الزبير أن يسقي ثم يحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، وهذه أقوال ردية لا

стр. 7335

يستريب من تأمل في أنَّ هذا كان يستحق القتل بعد نص القرآن أنَّ من هو بمثل حاله ليس بمؤمن. فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر وفي الصحيحين عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ولو كان هذا القول كفراً للزم أن يغفر الكفر والكفر لا يغفر ولا يقال عن بدري: إنَّه كفر. فقيل: هذه الزيادة ذكرها أبو اليمان عن شعيب ولم يذكرها أكثر الرواة فيمكن أنَّها وهم كما وقع في حديث كعب وهلال بن أمية أنَّهما لم يشهدا بدرا وكذلك لم يذكره ابن إسحاق في روايته عن الزهري لكن الظاهر صحتها. فنقول: ليس في الحديث أنَّ هذه القصة كانت بعد بدر فلعلها كانت قبل بدر وسمي الرجل بدرياً لأنَّ عبد الله بن الزبير حدث بالقصة بعد أنَّ صار الرجل بدرياً فعن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنَّ رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء

стр. 7336

إلى جارك" فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه النبي ﷺ ثم قال للزبير: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" فقال الزبير: والله لأني أحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ متفق عليه وفي رواية للبخاري من حديث عروة قال: فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ للزبير حقه وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم وهذا يقوي أنَّ القصة متقدمة قبل بدر لأنَّ النبي ﷺ قضى في سيل مهزور أنَّ الأعلى يسقى ثم يحبس حتى يبلغ الماء إلى الكعبين فلو كانت قصة الزبير بعد هذا القضاء لكان قد علم وجه الحكم فيه وهذا القضاء الظاهر أنَّه متقدم من حين قدم النبي ﷺ لأنَّ الحاجة إلى الحكم فيه من حين قدم ولعل قصة الزبير أوجبت هذا القضاء. وأيضًا: فإنَّ هؤلاء الآيات قد ذكر غير واحد أنَّ أولها نزل لما أراد بعض المنافقين أن يحاكم يهودياً إلى ابن الأشرف وهذا إنَّما كان قبل بدر لأنَّ ابن الأشرف ذهب

стр. 7337

عقب بدر إلى مكة فلما رجع قتل فلم يستقر بعد بدر بالمدينة استقراراً يتحاكم إليه وإن كانت القصة بعد بدر فإنَّ القائل لهذه الكلمة يكون قد تاب واستغفر وقد عفا له النبي ﷺ عن حقه فغفر له والمضمون لأهل بدر إنَّما هو المغفرة: إمَّا بأن يستغفروا إن كان الذنب مما لا يغفر إلَّا بالاستغفار، أو لم يكن كذلك وإمَّا بدون أن يستغفروا ألا ترى أنَّ قدامة بن مظعون وكان بدرياً تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو أصحابه فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا ثم إنَّه تاب وكاد ييأس لعظم ذنبه في نفسه حتى أرسل إليه عمر ﵁ بأول سورة غافر فعلم أنَّ المضمون للبدريين أنَّ خاتمتهم حسنة وأنَّهم مغفور لهم وإن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر فإنَّ التوبة تجب ما قبلها» اهـ. قُلْتُ: وظاهر النهي التحريم، وحمله الجمهور على الكراهة، وصرفوا النهي عن التحريم بحديث الزبير هذا حيث قضى النبي ﷺ في شراج الحرة حال غضبه.

стр. 7338

ويجاب عن ذلك بأنَّ النبي ﷺ مخصوص بذلك من أجل أنَّه معصوم في حكمه في حال الغضب والرضا. ٢ - ألحق العلماء بذلك كل ما يشوش الذهن كالجوع الشديد، والعطش الشديد، والحزن الشديد، والألم الشديد، والنعاس الشديد، والتعب الشديد، والخوف الشديد، والفرح الشديد، والحر الشديد المزعج، ومثله أيضاً البرد الشديد المزعج، ومدافعة البول أو الغائط ونحو ذلك مما يشغل القلب عن استيفاء النظر. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٨٥): «إنَّما كان الغضب مانعًا من الحكم؛ لأنَّه يشوِّش على الحاكم فكره، ويخلُّ بفهمه، فيجب أن يُلحق به ما في معناه، كالجوع، والألم، والخوف، وما أشبه ذلك. وذلك بطريق الأولى، كالخوف، والمرض، فإنَّهما أولى بذلك من الغضب. وإمَّا بطريق توسيع المناط، وذلك أن تَحذِف خصوصية ذكر الغضب، وتُعدِّيه إلى ما في معناه. وهذا النوع من القياس من أجلَى أنواعه، ولذلك قال به جماعة الفقهاء، وكثير من نفاة القياس. وقد استوفينا ذلك في الأصول، ولا يعارض هذا الحديث بحكم النبي ﷺ للزبير بإمساك الماء إلى أن يبلغ الجدُر. وقد غضب من قول الأنصاري: أن

стр. 7339

كان ابن عمتك؟! لأنَّ النبي ﷺ معصوم من الهوى، والباطل، والخطأ في غضبه، ورضاه، وصحته، ومرضه. ولذلك قال: "اكتبوا عني في الغضب والرضا". ولذلك نفذت أحكامه، وعمل بحديثه الصادر منه في حال شدَّة مرضه ونزعه، كما نفذ ذلك في حال صحته ونشاطه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٢١٧): «وهل يستريب عاقل في أنَّ النبي صلى الله عليه وسلمك لما قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان". إنَّما كان ذلك لأنَّ الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه ويمنعه من كمال الفهم ويحول بينه وبين استيفاء النظر ويعمى عليه طريق العلم والقصد فمن قصر النهى على الغضب وحده دون الهم المزعج والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديد وشغل القلب المانع من الفهم فقد قل فقهه وفهمه» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٣٧): «وكأنَّ الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره» اهـ.

стр. 7340

قُلْتُ: الذي يظهر لي في الاقتصار على الغضب دون غيره أنَّ ورود الغضب في مجالس الحكم أغلب من غيره، وذلك أنَّ الخصومات في مجلس القضاء تستدعي الغضب. والله أعلم. ٣ - وفيه العمل بالمكتابة. ٤ - وفيه ما كان عليه السلف من تعليم أولادهم ما ينفعهم وتحذيرهم مما يضرهم. ٥ - وفيه أنَّ الولد وإن كان كبيراً لا يستغني عن نصح والده له. ٦ - وفيه من الفوائد ذكر الحكم بدليله، وذلك أدعى لقبول الحكم والإذعان له. * * *

стр. 7341

٣٦٧ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، وَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - أنَّ الكبائر على مراتب متفاوتة. ٢ - أنَّ الشرك بالله تعالى داخل في الكبائر، وأمَّا جعل الكبائر مرتبة دون الكفر والشرك فهو اصطلاح جرى عليه بعض العلماء. ٣ - حرمة عقوق الوالدين وأنَّه من الكبائر، وقد قرنه النبي ﷺ بالشرك، ونظير ذلك قرن بر الوالدين بتوحيد الله تعالى كقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٥].

стр. 7342

وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ١٨٩): «وأمَّا عقوق الوالدين فهو مأخوذ من "العق" وهو القطع. وذكر الأزهري أنَّه يقال: "عق" والده يعقه بضم العين عقاً وعقوقاً إذا قطعه، ولم يصل رحمه. وجمع "العاق" عققة بفتح الحروف كلها، و"عقق" بضم العين والقاف. وقال صاحب المحكم: رجل عقق وعقق وعق وعاق بمعنى واحد، وهو الذي شق عصا الطاعة لوالده. هذا قول أهل اللغة. وأمَّا حقيقة العقوق المحرم شرعاً فقل من ضبطه. وقد قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام ﵀: لم أقف في عقوق الوالدين وفيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمده؛ فإنَّه لا يجب طاعتهما في كل ما يأمران به، وينهيان عنه، باتفاق

стр. 7343

العلماء. وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما شق عليهما من توقع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك. وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه هذا كلام الشيخ أبي محمد. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في فتاويه: العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذياً ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة. قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية. ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق. وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات. قال: وليس قول من قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما مخالفاً لما ذكرته، فإنَّ هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق. والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٠٦) - في ضبطه للعقوق المحرم -: «والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلَّا في شرك أو معصية» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٠/ ٢٣٨): «عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أنَّ برهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الأمر معصية،

стр. 7344

وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباح في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوب» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ فِي [الْشَّرْحِ الْمُمْتِعِ] (٨/ ١٣ - ١٤): «ولهذا نقول: ما فيه منفعة للإنسان ولا ضرر على الأبوين فيه فإنَّه لا طاعة للوالدين فيه منعاً أو إذناً؛ لأنَّه ليس فيه ضرر وفيه مصلحة، وأي والد يمنع ولده من شيء فيه مصلحة له، وليس على الوالد فيه ضرر فإنَّه مخطئ فيه وقاطع للرحم؛ لأنَّ الذي ينبغي للأب أن يشجع أولاده من بنين أو بنات على فعل كل خير، ونظير هذا أن بعض النساء يمنعن بناتهن من صوم أيام البيض، أو من صوم يومي الاثنين والخميس بحجة أنَّ في ذلك مشقة، وكلفة عليهنَّ، مع أنَّ الذي يحس بالكلفة والمشقة هنَّ البنات الصائمات، فلا يحل للوالد أن يمنع ولده من فعل طاعة، سواء أكان ذكراً أم أنثى، إلَّا إذا كان على أحد الأبوين في ذلك ضرر، كما لو كان الأب أو الأم يحتاج أحدهما إلى تمريض مثلاً، وإذا اشتغل الابن أو البنت بهذه الطاعة ضَرَّ الأب أو الأم فحينئذ لهما أن يمنعاه، ويجب عليه هو أن يمتنع؛ لأنَّ بر الوالدين واجب والتطوع ليس بواجب» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي فيما يتعلق بحرمة عقوق الوالدين ووجوب برهما:

стр. 7345

أنَّ الوالدين إذا أمرا الولد بما ليس بمعصية لله تعالى، ولا يعارض مصلحة الولد فالواجب طاعتهما في ذلك. وإن أمراه أو نهياه بما لا مصلحة لهما به، وهو معارض لمصلحة الولد فلا يجب برهما في ذلك، كأمرهما للولد بترك التفقه في دين الله، أو نهيهما له عن بعض نوافل العبادات. وهكذا إن أمراه بتجارة معينة، ومصلحته في غيرها فلا طاعة لهما في ذلك، وهكذا إن أمراه بالزواج من امرأة معينة لا يرغب فيها، ومصلحته في الزواج بغيرها فلا طاعة لهما في ذلك، وهكذا إن أمراه بطلاق امرأته من غير عذر شرعي فلا طاعة لهما في ذلك أيضاً. وإن أمراه بما هو مصلحة لهما، وهو معارض لمصلحة الولد، فينظر في ذلك، فإن أمراه بترك واجب أو فعل محرم فلا طاعة لهما، وإن أمراه بترك نافلة، كأن يأمراه بترك صيام النافلة لينشط في خدمتهما إذا كان الصيام يمنعه من ذلك فالواجب طاعتهما. وإن أمراه بالنفقة عليهما بما يضر بالنفقة على نفسه وأهله وأولاده، فلا يجب طاعتهما في ذلك.

стр. 7346

مسألة: وهل يدخل في العقوق سفر الولد لطلب العلم بغير إذن والديه. أَقُوْلُ: إذا كان سفره لطلب العلم الواجب عليه بحيث لا يمكنه ذلك في بلده فله أن يرحل في طلبه بغير إذنهما. ولا أعلم في ذلك نزاعاً، وتنازع العلماء فيما سوى ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٨/ ٣٥١ - ٣٥٢): «إذا أراد الولد السفر لطلب العلم فقد جزم المصنف في أول كتاب السير بأنَّه يجوز بغير إذن الأبوين، قال: وكذلك سفر التجارة لأنَّ الغالب فيها السلامة. وبسط البغوي المسألة هنا فقال: إن أراد الولد الخروج لطلب العلم بغير إذن الأبوين نظر إن كان هناك من يتعلم منه لم يجز ولهما منعه، وإن لم يكن نظر فإن أراد تعلم ما هو فرض عين لم يكن لهما منعه، وفي فرض الكفاية وجهان: أصحهما: لا يجوز لهما منعه لأنَّه فرض عليه ما لم يبلغ واحد هناك درجة الفتوى حتى لو كبر المفتي وشاخ جاز لشاب أن يخرج لطلب العلم إن لم يمكنه التعلم من الشيخ. قال: ولو خرج واحد للتعلم هل لآخر أن يخرج بغير إذن الأبوين فيه وجهان: أحدهما: لا، لأنَّه قام به غيره كالجهاد.

стр. 7347

والثاني: نعم، لأنَّ قصد إقامة الدين لا خوف فيه هذا كلام البغوي» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢١١): «وأمَّا سفره لطلب العلم فإن كان لطلب ما هو متعين فله الخروج بغير إذنهما وليس لهما المنع، وإن كان لطلب ما هو فرض كفاية بأن خرج لطلب درجة الفتوى في الناحية مستقل بالفتوى فليس لهما المنع على الأصح، فإن لم يكن هناك مستقل ولكن خرج جماعة فليس لهما على المذهب لأنَّه لم يوجد في الحال من يقوم بالمقصود والخارجون فلا يظفرون بالمقصود، وإن لم يخرج معه أحد لم يحتج إلى إذن ولا منع لهما قطعاً لأنَّه يدفع الإثم عن نفسه كالفرض المتعين عليه، وقيد بعضهم هذه الصورة بما إذا لم يمكنه التعلم في بلده ويجوز أن لا يشترط ذلك بل يكفي أن يتوقع في السفر زيادة فراغ أو إرشاد أستاذ أو غيرهما كما لم يقيد الحكم في سفر التجارة بمن لم يتمكن منها ببلده بل اكتفي بتوقع زيادة ربح أو رواج. وأمَّا سفر التجارة وغيره فإن كان قصيراً فلا منع منه بحال، وإن كان طويلاً نظر إن كان فيه خوف ظاهر كركوب بحر أو بادية مخطرة وجب الاستئذان على الصحيح ولهما المنع، وإن كان الأمن غالباً فالأصح أنَّه لا منع ولا يلزمه

стр. 7348

الاستئذان، والولد الكافر في هذه الأسفار كالمسلم بخلاف سفر الجهاد فإنَّه متهم فيه والرقيق كالحر على الصحيح لشمول معنى البر والشفقة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ١١٦): «ولا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى كالسفر لطلب العلم الواجب الذي لا يقدر على تحصيله في بلده ونحو ذلك وإن أراد سفراً غير واجب فمنعاه منه لم يجز له» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَّةِ] (ص: ٥٨٩ - ٥٩٠): «وطلب العلم الواجب لكونه معيناً على كل أحد إمَّا لكونه محتاجاً إلى جواب مسائل في أصول دينه أو فروعه ولا يجد في بلده من يجيبه، وإمَّا لكونه فرضاً على الكفاية ولم يقم به يسقط الفرض فيجوز السفر لطلب ذلك بدون رضا الوالدين فلا طاعة لهما في ترك فريضة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ عَرَفَةَ الدُّسُوْقِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى الْشَّرْحِ الْكَبِيْرِ] (٧/ ١٤٨ - ١٤٩): «ويستثنى أيضاً طلب العلم الكفائي إذا خلا محلهما عمن يفيده فليس لهما منعه من السفر له مطلقاً كان في بحر أو بر خطر أو آمن، وأمَّا إذا كان في البلد من يفيده فلهما المنع من السفر له مطلقاً، وما ذكره الشارح من أنَّ للأبوين أو أحدهما المنع

стр. 7349

من السفر لطلب العلم الكفائي إن كان في بلدهما من يفيده، وإلَّا فليس لهما منعه من السفر طريقة للطرطوشي ونصه: ولو منعه أبواه من الخروج للفقه والكتاب والسنة ومعرفة الإجماع والخلاف ومراتبه ومراتب القياس فإن كان من يفيد ذلك موجوداً ببلده لم يخرج إلَّا بإذنهما، وإلَّا خرج، ولا طاعة لهما في منعه؛ لأنَّ تحصيل درجة المجتهدين فرض كفاية. واعترض هذا القرافي بأنَّ طاعة الأبوين فرض عين فلا يسقط لأجل فرض الكفاية فلذا قال في "التوضيح": إنَّ للأبوين أن يمنعا من فرض الكفاية مطلقاً جهاداً أو علماً كفائياً أو غير ذلك كان السفر لذلك في البحر أو في البر الخطر أو المأمون وتبعه على ذلك ابن غازي، وقال: صواب قوله: ببحر كتجارة بحر أو بر خطر ليصير تشبيهاً في المنع، وليس له تعلق بالجهاد، وأورد عليه بأنَّه أي فرق بين فرض الكفاية لهما منعه منه مطلقاً وبين التجارة لمعاشه لهما منعه منها إذا كان السفر لهما ببحر أو بر خطر لا ببر آمن. وأجيب بأنَّ فرض الكفاية لما كان يقوم به الغير كان لهما منعه منه مطلقاً بخلاف التجارة، ولكن الحق أنَّ فرض الكفاية الذي لهما منعه منه مطلقاً حتى في البر المأمون خصوص الجهاد، وإنَّ غيره من فروض الكفاية كالعلم الزائد على الحاجة

стр. 7350

فهو كالتجارة فلهما منعه من السفر لتحصيله إذا كان ليس في بلدهما من يفيده حيث كان السفر في البحر أو البر الخطر وإلَّا فلا منع» اهـ. وَقَالَ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ] (١/ ٢٠٤): «والسفر على قصد التعلم إذا كان الطريق آمناً والأمن في الموضع الذي قصده ظاهراً لا يكون دون السفر للتجارة، بل هذا فوقه لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. فلا بأس بأن يخرج إليه وإن كره الوالدان، إذا كان لا يخاف الضيعة عليهما» اهـ. قُلْتُ: إذا كان السفر لتحصيل العلم المتعين بحيث لا يوجد في البلد من يأخذ منه ذلك فيجب عليه الرحلة لتحصيله ولو لم يأذن له أبواه بذلك، وإن وجد في البلد من يأخذ عنه ما يحتاج إليه من العلم الواجب فلا يسافر إلَّا بإذنهما، وذلك أنَّ الرحلة في حقة لا تجب، وبر الوالدين عليه واجب فيقدم الواجب على غيره، وأمَّا إذا كانت الرحلة من أجل تحصيل الفرض الكفائي من العلم، فينظر في ذلك فإن وجد في البلد من قام بذلك فلا يحل له السفر إلَّا بإذن الوالدين، وذلك لأنَّ فرض الكفاية قد سقط بقيام غيره بذلك، وطاعة الوالدين واجبة عليه والواجب مقدم على غيره، فإن لم يوجد في البلد من قام بذلك فله أن يرحل لتحصيل ذلك لرفع

стр. 7351

الإثم عن نفسه، وذلك أنَّ فرض الكفاية إذا لم يقم به أحد عمَّ الإثم الجميع، ويقدم ذلك على بر الوالدين لما في ذلك من مصلحة حفظ الدين التي هي أرجح من مجرد بر الوالدين. والله أعلم. وفيما سوى ذلك فلا يكون السفر بغير إذن الوالدين. لكن إذا كان الوالدان لا حاجة لهما بالولد ولا يتألمان لفراقه، ولو استأذنهما للسفر من أجل الدنيا لفرحا بذلك، لكنهما لا يريدان من ولدهما طلب العلم، فيمنعانه من أجل ذلك كما هو حال كثير من جهال الناس في هذه الأزمان فلا أرى وجوب استئذانهما لطلب العلم مطلقاً، وللولد أن يرحل لطلب العلم بغير إذنهما، ويحرص على ما ينفعه. والله أعلم. فائدة: ذكر العلماء صوراً للعقوق: منها: أن يأخذ الأجرة على خدمة والديه. ومنها: أن يمشي بين يديه. ومنها: أن يجلس قبله. ومنها: أن يدعوه باسمه. ومنها: عدم إجابة دعائهما.

стр. 7352

٤ - عظيم حرمة شهادة الزور. قُلْتُ: وقد قرن الله شهادة الزور بالشرك به فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٦٣): «وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعاً على الناس والتهاون بها أكثر، فإنَّ الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع، وأمَّا الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعاً بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف الشرك فإنَّ مفسدته قاصرة غالباً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٤٥): «وشهادة الزور: هي الشهادة بالكذب والباطل، وإنَّما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنَّها يتوصل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرم الله تعالى، وتحريم ما أحل، فلا شيء من الكبائر أعظم ضرراً، ولا أكثر فساداً منها بعد الشرك، والله تعالى أعلم» اهـ. قُلْتُ: وأصل الزور الباطل الذي تحول عن الاستقامة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ١٦٩):

стр. 7353

«الزور هو: الباطل الذي قد ازور عن الحق والاستقامة أي تحول» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ شِهَابُ الدِّيْنِ الْقَسْطَلَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِي] (٩/ ٨): «فهوَّل ﷺ أمره ونفر عنه حين كرره فحصل في مبالغة النهي عنه ثلاثة أشياء: الجلوس وكان متكئًا، واستفتاحه بألَّا التي تفيد تنبيه المخاطب، وإقباله على سماعه وتكرير ذكره مرتين، بل في رواية ثلاثًا ثم أكد تأكيدًا رابعًا بقوله: قول الزور وشهادة الزور وهما في المعنى واحد» اهـ. ٥ - وفيه ما كان عليه الصحابة من الشفقة على نبيهم، وهو مأخوذ من قوله: «حَتَى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتْ» اهـ. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٦٣): «أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﷺ والمحبة له والشفقة عليه» اهـ. ٦ - وذكر الكبائر في الحديث يدل على وجود ذنوب ليست كذلك وهي الصغائر. وهذا الذي عليه أكثر العلماء، ونازع في ذلك الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني، وأبو بكر بن الطيب وأصحابه من الأشاعرة.

стр. 7354

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٣١٥): «وأمَّا ما يحكى عن أبي إسحاق الاسفرايني أنَّه قال: الذنوب كلها كبائر وليس فيها صغائر فليس مراده: أنَّها مستوية في الإثم بحيث يكون إثم النظر المحرم كإثم الوطء في الحرام وإنَّما المراد: أنَّها بالنسبة إلى عظمة من عصي بها كلها كبائر ومع هذا فبعضها أكبر من بعض ومع هذا فالأمر في ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٣١٦): «ولكن النصوص وإجماع السلف على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٣٢٨): «فصل: وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أنَّ الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رتبها وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب وهو قدر زائد على مجرد الفعل والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره» اهـ. ٧ - وفيه مشروعية اتكاء العالم في أوساط الناس للراحة، والاتكاء وهو الميل إلى أحد الشقين، أو الاعتماد الظهر على شيء.

стр. 7355

ويأتي الاتكاء على معنى الاضطجاع، ومن ذلك ما رواه أحمد (٢٥٣٤٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإِذَا فَجَرَ الْفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ لِلصَّلَاةِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وأصله في الصحيحين. وكل من اعتمد على شيء فقد اتكأ عليه فيدخل في ذلك جميع المعاني السابقة، ويدخل الاعتماد على العصي أو على شخص. فروى البخاري (٥٩٠٢)، ومسلم (١٦٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ، أَعْوَرِ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: المَسِيحُ الدَّجَّالُ».
следующие страницы →