Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.
стр. 7351
الإثم عن نفسه، وذلك أنَّ فرض الكفاية إذا لم يقم به أحد عمَّ الإثم الجميع، ويقدم ذلك على بر الوالدين لما في ذلك من مصلحة حفظ الدين التي هي أرجح من مجرد بر الوالدين. والله أعلم.
وفيما سوى ذلك فلا يكون السفر بغير إذن الوالدين.
لكن إذا كان الوالدان لا حاجة لهما بالولد ولا يتألمان لفراقه، ولو استأذنهما للسفر من أجل الدنيا لفرحا بذلك، لكنهما لا يريدان من ولدهما طلب العلم، فيمنعانه من أجل ذلك كما هو حال كثير من جهال الناس في هذه الأزمان فلا أرى وجوب استئذانهما لطلب العلم مطلقاً، وللولد أن يرحل لطلب العلم بغير إذنهما، ويحرص على ما ينفعه. والله أعلم.
فائدة: ذكر العلماء صوراً للعقوق:
منها: أن يأخذ الأجرة على خدمة والديه.
ومنها: أن يمشي بين يديه.
ومنها: أن يجلس قبله.
ومنها: أن يدعوه باسمه.
ومنها: عدم إجابة دعائهما.
стр. 7352
٤ - عظيم حرمة شهادة الزور.
قُلْتُ: وقد قرن الله شهادة الزور بالشرك به فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٦٣): «وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعاً على الناس والتهاون بها أكثر، فإنَّ الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع، وأمَّا الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعاً بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف الشرك فإنَّ مفسدته قاصرة غالباً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٤٥): «وشهادة الزور: هي الشهادة بالكذب والباطل، وإنَّما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنَّها يتوصل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرم الله تعالى، وتحريم ما أحل، فلا شيء من الكبائر أعظم ضرراً، ولا أكثر فساداً منها بعد الشرك، والله تعالى أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأصل الزور الباطل الذي تحول عن الاستقامة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ١٦٩):
стр. 7353
«الزور هو: الباطل الذي قد ازور عن الحق والاستقامة أي تحول» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ شِهَابُ الدِّيْنِ الْقَسْطَلَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِي] (٩/ ٨):
«فهوَّل ﷺ أمره ونفر عنه حين كرره فحصل في مبالغة النهي عنه ثلاثة أشياء: الجلوس وكان متكئًا، واستفتاحه بألَّا التي تفيد تنبيه المخاطب، وإقباله على سماعه وتكرير ذكره مرتين، بل في رواية ثلاثًا ثم أكد تأكيدًا رابعًا بقوله: قول الزور وشهادة الزور وهما في المعنى واحد» اهـ.
٥ - وفيه ما كان عليه الصحابة من الشفقة على نبيهم، وهو مأخوذ من قوله: «حَتَى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتْ» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٦٣): «أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﷺ والمحبة له والشفقة عليه» اهـ.
٦ - وذكر الكبائر في الحديث يدل على وجود ذنوب ليست كذلك وهي الصغائر.
وهذا الذي عليه أكثر العلماء، ونازع في ذلك الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني، وأبو بكر بن الطيب وأصحابه من الأشاعرة.
стр. 7354
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٣١٥): «وأمَّا ما يحكى عن أبي إسحاق الاسفرايني أنَّه قال: الذنوب كلها كبائر وليس فيها صغائر فليس مراده: أنَّها مستوية في الإثم بحيث يكون إثم النظر المحرم كإثم الوطء في الحرام وإنَّما المراد: أنَّها بالنسبة إلى عظمة من عصي بها كلها كبائر ومع هذا فبعضها أكبر من بعض ومع هذا فالأمر في ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٣١٦): «ولكن النصوص وإجماع السلف على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٣٢٨):
«فصل: وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أنَّ الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رتبها وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب وهو قدر زائد على مجرد الفعل والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره» اهـ.
٧ - وفيه مشروعية اتكاء العالم في أوساط الناس للراحة، والاتكاء وهو الميل إلى أحد الشقين، أو الاعتماد الظهر على شيء.
стр. 7355
ويأتي الاتكاء على معنى الاضطجاع، ومن ذلك ما رواه أحمد (٢٥٣٤٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإِذَا فَجَرَ الْفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ لِلصَّلَاةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وأصله في الصحيحين.
وكل من اعتمد على شيء فقد اتكأ عليه فيدخل في ذلك جميع المعاني السابقة، ويدخل الاعتماد على العصي أو على شخص.
فروى البخاري (٥٩٠٢)، ومسلم (١٦٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ، أَعْوَرِ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: المَسِيحُ الدَّجَّالُ».
стр. 7356
وأمَّا ما رواه البخاري (٥٣٩٨) عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا».
فتأوله الخطابي على القعود على الأوطئة كالوسائد ونحوها.
فَقَالَ ﵀ فِي [الْمَعَالِمِ] (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣):
«يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه لا يعرفون غيره، وكان بعضهم يتأول هذا الكلام على مذهب الطب ودفع الضرر عن البدن إذ كان معلوماً أن الآكل مائلاً على أحد شقيه لا يكاد يسلم من ضغط يناله في مجاري طعامه فلا يسيغه ولا يسهل نزوله إلى معدته.
وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه وإنَّما المتكئ ههنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته وكل من استوى قاعداً على وطاء فهو متكئ.
والاتكاء مأخوذ من الوكاء ووزنه الافتعال منه فالمتكئ هو الذي أوكى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته والمعنى: أنِّي إذا أكلت لم أقعد متمكناً على الأوطية والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة ويتوسع في الألوان ولكني آكل علقة وآخذ من الطعام بلغة فيكون قعودي مستوفزاً له، وروي أنَّه كان ﷺ يأكل مقعياً ويقول أنا عبد آكل كما يأكل العبد» اهـ.
стр. 7357
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (١/ ١٩٣):
«المُتَّكئ فِي الْعَرَبِيَّةِ كُلُّ مَنِ اسْتوى قَاعِدًا عَلَى وطاء متمكناً، والعامة لا تعرف المتكئ إلَّا مَنْ مَالَ فِي قُعُودِهِ معتمِدًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيه، وَالتَّاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الوِكاء وَهُوَ مَا يُشَد بِهِ الْكِيسُ وَغَيْرُهُ، كَأَنَّهُ أَوْكَأَ مَقْعَدَته وَشَدَّهَا بِالْقُعُودِ عَلَى الوِطَاء الَّذِي تَحْتَهُ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: إِنِّي إِذَا أَكَلْتُ لَمْ أَقْعُدْ مُتَمكّنا فعلَ مَنْ يُرِيدُ الِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ، وَلَكِنْ آكُلُ بُلْغَة، فَيَكُونُ قُعُودِي لَهُ مُسْتَوْفِزاً. وَمَنْ حَمَلَ الِاتِّكَاءَ عَلَى المّيْل إِلَى أَحَدِ الشِّقَّين تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ، فَإِنَّهُ لَا يَنْحَدر فِي مجارِي الطَّعَامِ سَهْلا، وَلَا يُسِيغُه هَنِيئًا، وربَّما تأذَّى بِهِ» اهـ.
وتعقبه الْعِرَاقِيُّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٥١) فَقَالَ:
«فَلَمْ أَجِدْ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي اللُّغَةِ تَفْسِيرَ الِاتِّكَاءِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْلًا وَإِنَّمَا فَسَّرُوا الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ إلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٧/ ٢٥٠):
«وَمِنْ سُنَّةِ الْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ عَلَى هَيْئَةٍ يَطْمَئِنُّ عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُ مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ وَلَا مُتَّكِئًا عَلَى جَنْبِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ التَّوَاضُعِ
стр. 7358
وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَوَقْتُ الْأَكْلِ وَقْتُ تَوَاضُعٍ وَشُكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ ابْنُ الْحَصْكَفِيِّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَلَى تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ مَعَ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِيْنَ] (٦/ ٧٥٦)
«وَفَسَّرَ الْأَكْثَرُونَ الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣):
«وَقَدْ فُسِّرَ الِاتِّكَاءُ بِالتَّرَبُّعِ، وَفُسِّرَ بِالِاتِّكَاءِ عَلَى الشَّيْءِ، وَهُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَفُسِّرَ بِالِاتِّكَاءِ عَلَى الْجَنْبِ.
وَالْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ مِنَ الِاتِّكَاءِ، فَنَوْعٌ مِنْهَا يَضُرُّ بِالْآكِلِ، وَهُوَ الِاتِّكَاءُ عَلَى الْجَنْبِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مَجْرَى الطَّعَامِ الطَّبِيعِيِّ عَنْ هَيْئَتِهِ، وَيَعُوقُهُ عَنْ سُرْعَةِ نُفُوذِهِ إِلَى الْمَعِدَةِ، وَيَضْغَطُ الْمَعِدَةَ فَلَا يُسْتَحْكَمُ فَتْحُهَا لِلْغِذَاءِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تَمِيلُ وَلَا تَبْقَى مُنْتَصِبَةً، فَلَا يَصِلُ الْغِذَاءُ إِلَيْهَا بِسُهُولَةٍ.
وَأَمَّا النَّوْعَانِ الْآخَرَانِ: فَمِنْ جُلُوسِ الْجَبَابِرَةِ الْمُنَافِي لِلْعُبُودِيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ: "آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ"، "وَكَانَ يَأْكُلُ وَهُوَ مُقْعٍ"، وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلْأَكْلِ مُتَوَرِّكًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَضَعُ بَطْنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ عَزَّ
стр. 7359
وَجَلَّ، وَأَدَبًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاحْتِرَامًا لِلطَّعَامِ وَلِلْمُؤَاكِلِ، فَهَذِهِ الْهَيْئَةُ أَنْفَعُ هَيْئَاتِ الْأَكْلِ وَأَفْضَلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَكُونُ عَلَى وَضْعِهَا الطَّبِيعِيِّ الَّذِي خَلَقَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْهَيْئَةِ الْأَدَبِيَّةِ، وَأَجْوَدُ مَا اغْتَذَى الْإِنْسَانُ إِذَا كَانَتْ أَعْضَاؤُهُ عَلَى وَضْعِهَا الطَّبِيعِيِّ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُنْتَصِبًا الِانْتِصَابَ الطَّبِيعِيِّ، وَأَرْدَأُ الْجِلْسَاتِ لِلْأَكْلِ الِاتِّكَاءُ عَلَى الْجَنْبِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَرِيءَ وَأَعْضَاءَ الِازْدِرَادِ تَضِيقُ عِنْدَ هَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَالْمَعِدَةُ لَا تَبْقَى عَلَى وَضْعِهَا الطَّبِيعِيِّ، لِأَنَّهَا تَنْعَصِرُ مِمَّا يَلِي الْبَطْنَ بِالْأَرْضِ، وَمِمَّا يَلِي الظَّهْرَ بِالْحِجَابِ الْفَاصِلِ بَيْنَ آلَاتِ الْغِذَاءِ، وَآلَاتِ التَّنَفُّسِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْوَسَائِدِ وَالْوَطَاءِ الَّذِي تَحْتَ الْجَالِسِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنِّي إِذَا أَكَلْتُ لَمْ أَقْعُدْ مُتِّكِئًا عَلَى الْأَوْطِيَةِ وَالْوَسَائِدِ، كَفِعْلِ الْجَبَابِرَةِ، وَمَنْ يُرِيدُ الْإِكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ، لَكِنِّي آكُلُ بُلْغَةً كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (٣/ ١٨٢):
«وَفُسِّرَ الِاتِّكَاءُ بِالْمَيْلِ عَلَى الْجَنْبِ، وَالِاسْتِنَادِ إلَى شَيْءٍ وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عُرْفًا وَهُوَ يَضُرُّ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ لِتَغَيُّرِ الْأَعْضَاءِ، وَالْمَعِدَةِ عَنْ الْوَضْعِ الطَّبِيعِيِّ وَلَا يَصِلُ الْغِذَاءُ بِسُهُولَةٍ.
стр. 7360
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَكْلُ الرَّجُلِ مُتَّكِئًا يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فِيمَا قَدَّمَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رِزْقِهِ وَفِيمَا يَرَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى تَنَاوُلِهِ، وَيُخَالِفُ عَوَائِدَ النَّاسِ عِنْدَ أَكْلِهِمْ الطَّعَامَ مِنْ الْجُلُوسِ إلَى أَنْ يَتَّكِئَ فَإِنَّ هَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ سُوءِ الْأَدَبِ، وَالْجَهْلِ وَاحْتِقَارِ النِّعْمَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَّكِئًا لَا يَصِلُ الْغِذَاءُ إلَى قَعْرِ الْمَعِدَةِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْهَضْمِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَنَبَّهَ عَلَى كَرَاهَتِهِ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر في تفسير الاتكاء هو الميل إلى أحد الجانبين كما فسره بذلك أكثر العلماء، ولما رواه البزار في [فَوَائِدِهِ] (٩٨١)، وابن شاهين في [نَاسِخِ الْحَدِيْثِ] (٦٣٦)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (١/ ٢٨٨) من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ، ثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَكْلُ الْمُلُوكِ يَا مُحَمَّدُ؟ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُرْسَلٌ، وقوله: «فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » دليل على أنَّ اتكاءه لم يكن جلوساً إذ لو كان جلوساً فإنَّ المعنى يكون: "فكان جالساً فجلس" فصح أنَّ المراد بالاتكاء الميل إلى أحد الجانبين.
وبهذا يتبيَّن أنَّ الاتكاء في هذا الحديث كالاتكاء في حديث الباب.
стр. 7361
وجاء في صفة جلوس النبي ﷺ في الأكل ما رواه مسلم (٢٠٤٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا».
وفي لفظ له: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ، يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا». والمحتفز بمعنى المقعي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ] (٣/ ٣١٥):
«قَالَ النَّضر بن شُمَيْل: والإقعاء: أَنْ يجلس على وركيه، وَهُوَ الإحتفاز. وَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ أَنْ يلصق أليتيه بِالْأَرْضِ وَينصب سَاقيه وَيَضَع يَده بِالْأَرْضِ» اهـ.
وأمَّا قول العلامة ابن القيم ﵀ -فيما مضى-: «وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلْأَكْلِ مُتَوَرِّكًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَضَعُ بَطْنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ ، وَأَدَبًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاحْتِرَامًا لِلطَّعَامِ وَلِلْمُؤَاكِلِ، فَهَذِهِ الْهَيْئَةُ أَنْفَعُ هَيْئَاتِ الْأَكْلِ وَأَفْضَلُهَا» اهـ.
فيشير إلى ما رواه أبو داود (٣٧٧٣)، وابن ماجه (٣٢٦٣) واللفظ له عن عَمْرُو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِرْقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ، قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةً، فَجَثَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، يَأْكُلُ، فَقَالَ
стр. 7362
أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٨ - وفيه تكرار الكلام ثلاثاً ليوعى ويحفظ.
* * *
стр. 7363
٣٦٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الدعاوى المجردة عن الحجة لا تقبل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٣٦): «وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنَّه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك. وقد بين ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه، لأنَّه لو كان أعطي بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأمَّا المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ اليمين تكون في جانب المدعى عليه إذا لم يقم المدعي البينة على دعواه.
стр. 7364
ولا حجة فيه لأبي حنيفة في قوله: إنَّ اليمين تكون في جانب المدعى عليه مطلقاً، فإنَّ الحديث كما سبق وارد في الدعاوى المجردة التي ليس عليها شيء من البينة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٨٩):
«وهذا اللفظ إمَّا أن يقال: لا عموم فيه؛ بل اللام لتعريف المعهود وهو المدعى عليه إذ ليس مع المدعي إلَّا مجرد الدعوى كما قال: "لو يعطى الناس بدعواهم". ومن يحلف المدعي لا يحلفه مع مجرد الدعوى بل إنَّما يحلفه إذا قامت حجة يرجح بها جانبه كالشاهد في الحقوق، واللوث في القسامة، إن قيل: هو عام فالخاص يقضي على العام» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ١٠٢): «إنَّ هذا إذا لم يكن مع المدعي إلَّا مجرد الدعوى فإنَّه لا يقضى له بمجرد الدعوى فأمَّا إذا ترجح جانبه بشاهد أو لوث أو غيره لم يقض له بمجرد دعواه بل بالشاهد المجتمع من ترجيح جانبه ومن اليمين» اهـ.
٣ - وحمل الجمهور الحديث على عمومه في حق كل واحد سواء كان بين المدعي والمدعى عليه اختلاط أم لا، وعن مالك وفقهاء المدينة السبعة لا تتوجه اليمين
стр. 7365
إلَّا على من بينه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مراراً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٦٦ - ٦٧): «وظاهر عموم هذا اللفظ يقتضي: أنَّ اليمين تتوجه على كل من ادعي عليه؛ كانت هنالك مخالطة أو لم تكن. وهو قول أكثر الفقهاء، وابن نافع، وابن لبابة من أصحابنا. وذهب مالك وجل أصحابه: إلى أنَّ اليمين لا تتوجه على المدعى عليه حتى يثبت بينهما خلطة. وهو مذهب الفقهاء السبعة. وبه قضى علي ﵁. وإنَّما صار هؤلاء إلى هذا مراعاة للمصلحة، ودفعاً للمفسدة الناشئة من ذلك. وذلك: أنَّ السفهاء يتبذلون الأفاضل والعلماء بتكثير الأيمان عليهم مهما شاؤوا، حتى يحلف الرجل الجليل القدر في العلم والدين في اليوم الواحد مراراً، ويكون ذلك الوضيع يقصد ذلك به ليتخلص منه بما يبذله. ويهون على أهل الدين والفضل بذل الجزيل من المال في مقابلة دفع هذا الامتهان والابتذال، ثم اختلف مشايخنا في معنى الخلطة. فقيل: معرفة المعاملة والمداينة معه بشاهد أو شاهدين. وقيل: أن يكون المدعى عليه يشبه أن يعامل المدعي. وقيل: يجزئ من ذلك الشبهة» اهـ.
стр. 7366
قُلْتُ: وقد فسَّر الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ الشبهة فقال فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٣٦): «وقيل: تكفي الشبهة، وقيل: هي أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، وقيل: أن يليق به أن يعامله بمثلها، ودليل الجمهور حديث الباب، ولا أصل لاشتراط الخلطة في كتاب ولا سنة ولا إجماع» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الخلطة لا يصح اشتراطها مطلقاً لكن الدعوة التي يدل العرف على بطلانها لا يستمع لها، وهذا مذهب الإمام مالك ﵀، واختاره الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقد قال في [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٥٨ - ٥٩): «ومن ههنا قال أصحاب مالك: إذا كان رجل حائزاً لدار متصرفاً فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ولا يذكر أنَّ له فيها حقاً ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان أو نحو ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات وذوو الصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه بل كان عرياً عن ذلك كله ثم جاء
стр. 7367
بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويزعم أنَّها له ويريد أن يقيم بذلك بينة فدعواه غير مسموعة أصلاً فضلاً عن بينة وتقر الدار بيد حائزها.
قالوا: لأنَّ كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنَّها مرفوضة غير مسموعة قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وأوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوى وغيرها.
قُلْتُ: ومما يدل على ذلك: أنَّ الظن المستفاد من هذا الظاهر أقوى بكثير من الظن المستفاد من شاهدين أو شاهد ويمين أو مجرد النكول أو الرد.
وأيضاً: فإنَّ البينة على المدعي والبينة هي كل ما يبين الحق والعرف والعادة والظاهر القوي الذي إن لم يقطع به فهو أقرب إلى القطع» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٣٣ - ١٣٤): «قُلْتُ: ومما يشهد لذلك ويقويه قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه الإمام أحمد وغيره وهو ثابت عنه: إنَّ الله نظر في قلوب العباد فرأى قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاختارهم لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته، فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيح.
стр. 7368
ولا ريب أنَّ المؤمنين بل وغيرهم يرون من القبيح أن تسمع دعوى البقال على الخليفة والأمير أنَّه باعه بمائة ألف دينار ولم يوفه إياها، أو أنَّه اقترض منه ألف دينار أو نحوها، أو أنَّه تزوج ابنته الشوهاء ودخل بها ولم يعطها مهرها، أو تدعي امرأة مكثت مع الزوج ستين سنة أو نحوها أنَّه لم ينفق عليها يوماً واحداً ولا كساها خيطاً وهو يشاهد داخلاً وخارجاً إليها بأنواع الطعام والفواكه فتسمع دعواها ويحلف لها أو يحبس على ذلك كله، أو تسمع دعوى الذاعر الهارب وبيده عمامة لها ذؤابة وعلى راسه عمامة وخلفه عالم مكشوف الرأس فيدعي الذاعر أنَّ العمامة له فتسمع دعواه ويحكم له بها بحكم اليد.
أو يدعي رجل معروف بالفجور وأذى الناس على رجل مشهور بالديانة والصلاح أنَّه نقب بيته وسرق متاعه فتسمع دعواه ويستحلف له فإن نكل قضى عليه.
أو يدعي رجل معروف بالشحاذة وسؤال الناس أنَّه أقرض تاجراً من أكابر التجار مائة ألف دينار، أو أنَّه غصبها منه، أو أن ثياب التاجر التي عليه ملك الشحاذ شلحه إياها أو غصبها منه ونحو ذلك من الدعاوي التي شهد الناس بفطرهم وعقولهم أنَّها من أعظم الباطل فهذه لا تسمع ولا يحلف فيها المدعى
стр. 7369
عليه ويعزر المدعي تعزير أمثاله، وهذا الذي تقتضيه الشريعة التي مبناها على الصدق والعدل كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فالشريعة المنزلة من عند الله لا تصدق كاذباً ولا تنصر ظالماً» اهـ.
٤ - واحتج الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين بعمومه على لزوم اليمين على المدعى عليه في جميع الدعاوي التي ليس للمدعي فيها بينة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٣/ ٣١٠ - ٣١١): «فصل: والحقوق على ضربين:
أحدهما: ما هو حق لآدمي.
والثاني: ما هو حق لله تعالى.
فحق الآدمي ينقسم قسمين:
أحدهما: ما هو مال، أو المقصود منه المال، فهذا تشرع فيه اليمين، بلا خلاف بين أهل العلم، فإذا لم تكن للمدعي بينة، حلف المدعى عليه، وبرئ.
وقد ثبت هذا في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض، وعموم قول النبي ﷺ : "ولكن اليمين على المدعى عليه".
стр. 7370
القسم الثاني: ما ليس بمال، ولا المقصود منه المال، وهو كل ما لا يثبت إلَّا بشاهدين؛ كالقصاص، وحد القذف، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والعتق، والنسب، والاستيلاد، والولاء، والرق، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يستحلف المدعى عليه، ولا تعرض عليه اليمين.
قال أحمد: لم أسمع من مضى جوزوا الأيمان إلَّا في الأموال والعروض خاصة. وهذا قول مالك.
ونحوه قول أبي حنيفة، فإنَّه قال: لا يستحلف في النكاح، وما يتعلق به من دعوى الرجعة والفيئة في الإيلاء، ولا في الرق وما يتعلق به من الاستيلاد والولاء والنسب؛ لأنَّ هذه الأشياء لا يدخلها البدل، وإنَّما تعرض اليمين فيما يدخله البدل؛ فإنَّ المدعى عليه مخير بين أن يحلف أو يسلم، ولأنَّ هذه الأشياء لا تثبت إلَّا بشاهدين ذكرين، فلا تعرض فيها اليمين كالحدود.
والرواية الثانية: يستحلف في الطلاق، والقصاص، والقذف. وقال الخرقي: إذا قال: ارتجعتك. فقالت: انقضت عدتي قبل رجعتك. فالقول قولها مع يمينها.
وإذا اختلف في مضي الأربعة أشهر، فالقول قوله مع يمينه.
стр. 7371
فيخرج من هذا، أنَّه يستحلف في كل حق لآدمي. وهذا قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد؛ لقول النبي ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
أخرجه مسلم.
وهذا عام في كل مدعى عليه، وهو ظاهر في دعوى الدماء؛ لذكرها في الدعوى مع عموم الأحاديث، ولأنَّها دعوى صحيحة في حق لآدمي، فجاز أن يحلف فيها المدعى عليه، كدعوى المال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٦٧): «وأجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه في الأموال، واختلفوا في غير ذلك. فذهب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور إلى وجوبها على كل مدعى عليه في حد، أو طلاق، أو نكاح، أو عتق؛ أخذاً بظاهر عموم الحديث، فإن نكل؛ حلف المدعي، وثبتت دعواه.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يحلف على النكاح، والطلاق، والعتق، وإن نكل لزمه ذلك كله.
وقال الثوري، والشعبي، وأبو حنيفة: لا يستحلف في الحدود، والسرقة.
стр. 7372
وقال نحوه مالك. قال: ولا يستحلف في السرقة إلَّا إذا كان متهماً، ولا في الحدود، والنكاح، والطلاق، والعتق، إلَّا أن يقوم شاهد واحد، فيستحلف المدعى عليه لقوة شبهة الدعوى» اهـ.
قُلْتُ: ما ذكره القرطبي عن أبي حنيفة خلاف ما ذكره ابن قدامة، وما ذكره ابن قدامة هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الْمَبْسُوْطِ] (٥/ ٥):
«وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُسْتَحْلَفُ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ: فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَعِنْدَهُمَا يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَيُقْضَى بِالنُّكُولِ» اهـ.
والذي يظهر لي أنَّ اليمين تكون في حقوق الخلق، وأمَّا الحدود التي هي حق لله تعالى فلا يطالب المدعى عليه باليمين. والله أعلم.
وقد نفى الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ النزاع في ذلك فقال في [الْمُغْنِي] (٢٣/ ٣١١): «الضرب الثاني، حقوق الله تعالى، وهي نوعان؛ أحدهما، الحدود، فلا تشرع فيها يمين.
стр. 7373
لا نعلم في هذا خلافاً؛ لأنَّه لو أقر، ثم رجع عن إقراره، قبل منه، وخلي من غير يمين، فلأن لا يستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنَّه يستحب ستره، والتعريض للمقر به، بالرجوع عن إقراره، وللشهود بترك الشهادة والستر عليه».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢٣/ ٣١١ - ٣١٢): «النوع الثاني، الحقوق المالية، كدعوى الساعي الزكاة على رب المال، وأنَّ الحول قد تم وكمل النصاب، فقال أحمد: القول قول رب المال، من غير يمين، ولا يستحلف الناس على صدقاتهم.
وقال الشافعي، وأبو يوسف ومحمد: يستحلف؛ لأنَّها دعوى مسموعة، أشبه حق الآدمي.
ولنا، أنَّه حق لله تعالى، أشبه الحد، ولأنَّ ذلك عبادة، فلا يستحلف عليها كالصلاة.
ولو ادعى عليه، أنَّ عليه كفارة يمين أو ظهار، أو نذر صدقة أو غيرها، فالقول قوله في نفي ذلك من غير يمين، ولا تسمع الدعوى في هذا، ولا في حد لله تعالى؛ لأنَّه لا حق للمدعي فيه، ولا ولاية له عليه، فلا تسمع منه دعواه حقاً لغيره من غير إذنه، ولا ولاية له عليه.
стр. 7374
فإن تضمنت دعواه حقاً له، مثل أن يدعي سرقة ماله، ليضمن السارق، أو يأخذ منه ما سرقه، أو يدعي عليه الزنى بجاريته؛ ليأخذ مهرها منه، سمعت دعواه، ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي، دون حق الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّ اليمين تكون في حقوق الخلق، ولا تكون في الحدود ولا العبادات.
وقد يكتفى بالإنكار المجرد من غير يمين في بعض الصور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٩٦ - ٩٧):
«الطَّرِيقُ الثَّانِي الْإِنْكَارُ الْمُجَرَّدُ، وَلَهُ صُوَرٌ:
إحْدَاهَا: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ، أَوْ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ، وَلِلْمَيِّتِ وَصِيٌّ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَنْفِيذُ وَصَايَاهُ، فَأَنْكَرَ. فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ حَكَمَ بِهَا.، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْوَصِيِّ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّ مَقْصُودَ التَّحْلِيفِ: أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ.
وَالْوَصِيُّ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلَوْ نَكَلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ، فَلَا فَائِدَةَ مِنْ تَحْلِيفِهِ، وَلَوْ كَانَ وَارِثًا اسْتَحْلَفَ، وَقُضِيَ بِنُكُولِهِ.
стр. 7375
وَمِنْهَا: أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ ظَلَمَهُ فِي الْحُكْمِ، أَوْ عَلَى الشَّاهِدِ أَنَّهُ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ أَوْ الْغَلَطَ، أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا يَسْقُطُ شَهَادَتَهُ لَمْ يَحْلِفَا، لِارْتِفَاعِ مَنْصِبِهِمَا عَنْ التَّحْلِيفِ.
وَمِنْهَا: دَعْوَى الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ، وَدَعْوَاهَا عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، وَدَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا الرَّجْعَةَ، وَدَعْوَى الْأَمَةِ أَنَّ سَيِّدَهَا أَوْلَدَهَا، وَدَعْوَى الْمَرْأَةِ أَنَّ زَوْجَهَا آلَى مِنْهَا، وَدَعْوَى الرِّقِّ وَالْوَلَاءِ وَالْقَوَدِ وَحَدِّ الْقَذْفِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَالْقَوَدِ وَالْقَذْفِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ إلَّا فِيمَا لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا أَرَى الْيَمِينَ فِي النِّكَاحِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَكَلَ لَمْ أَقْتُلْهُ وَلَمْ أَحُدَّهُ، وَلَمْ أَدْفَعْ الْمَرْأَةَ إلَيْهِ.
وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْخِرَقِيُّ، أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ فِيمَا عَدَا الْقَوَدَ وَالنِّكَاحَ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ فِي الْكُلِّ. وَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ - حَيْثُ قُلْنَا يَسْتَحْلِفُ - قَضَيْنَا بِالنُّكُولِ فِي الْجَمِيعِ، إلَّا فِي الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ خَاصَّةً. وَعَنْهُ لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً.
стр. 7376
وَكُلُّ نَاكِلٍ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ فَهَلْ يُخَلَّى أَوْ يُحْبَسُ حَتَّى يَقِرَّ، أَوْ يَحْلِفَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي الْعِبَادَاتِ وَلَا فِي الْحُدُودِ.
فَإِذَا قُلْنَا: اسْتَحْلَفَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَقْضِ فِيهَا بِالنُّكُولِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَتَعْلِيلِهِ، وَإِذَا اسْتَحْلَفْنَاهُ، فَإِنْ قَضَيْنَا عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، لِتَكُونَ لِلْيَمِينِ فَائِدَةٌ، حَتَّى فِي قَوَدِ الْأَطْرَافِ. وَلَا يُقْضَى بِقَوَدِ النَّفْسِ، وَإِنْ اسْتَحْلَفْنَاهُ، لِأَنَّ النُّكُولَ وَإِنْ جَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ فَلَا يُرَاقُ بِهِ الدَّمُ بِمُجَرَّدِهِ، وَلَا مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي إلَّا فِي الْقَسَامَةِ لِلَّوْثِ.
وَإِذَا قُلْنَا: يُسْتَحْلَفُ وَلَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ: كَانَ فَائِدَةُ الِاسْتِحْلَافِ حَبْسَهُ إذَا أَبَى الْحَلِفُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِي الْآخَرِ: يُخَلَّى سَبِيلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ مَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ حَتَّى يَفْعَلَهُ. فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا، وَأَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا.
فَكَيْفَ يُعَاقَبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ وَطَلَبِ يَمِينِهِ؟ وَتَكُونُ فَائِدَةَ الْيَمِينِ عَلَى هَذَا: انْقِطَاعُ الْخُصُومَةِ وَالْمُطَالَبَةِ» اهـ.
стр. 7377
قُلْتُ: الأظهر أنَّنا إذا حلفنا المدعى عليه بالنكاح كأن يدعي رجل أنَّه تزوج بامرأة وأنكرت ذلك وأبت أن تحلف فإنَّنا لا ندفعها إليه بمجرد النكول ولا باليمين مع النكول.
وأمَّا إذا ادعت المرأة على زوجها أنَّه طلقها ونكل الزوج عن اليمين فإنَّنا لا نردها إليه ونقضي بنكوله مع يمين الزوجة احتياطاً للفروج.
وهكذا القود لا يقضى به بمجرد النكول من غير قسامة.
وقد روى ابن ماجه (٢٠٣٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَبُو حَفْصٍ التَّنِّيسِيُّ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ زَوْجِهَا، فَجَاءَتْ عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ، اسْتُحْلِفَ زَوْجُهَا، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ، وَإِنْ نَكَلَ، فَنُكُولُهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ آخَرَ، وَجَازَ طَلَاقُهُ».
وهذا الحديث فيه الأخذ بنكول الزوج مع الشاهد واليمين من جهة الزوجة، لكنَّه حديث لا يصح.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ ﵀ كَمَا فِي [الْعِلَلِ] (٤/ ١١٩) لابنه:
«هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ» اهـ.
стр. 7378
قُلْتُ: ابن جريج لم يسمع من عمرو، رواية أهل الشام عن زهير بن محمد غير مستقيمة، وهذه منها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٣٣ - ١٣٤):
«فَتَضَمَّنَ هَذَا الْحُكْمُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا مَعَ يَمِينِ الْمَرْأَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، لَا يَقَعُ فِي حَدٍّ، وَلَا فِي طَلَاقٍ، وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا عَتَاقَةٍ، وَلَا سَرِقَةٍ، وَلَا قَتْلٍ.
وَقَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا ادَّعَى أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ وَأَتَى بِشَاهِدٍ: حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَصَارَ حُرًّا، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَنَصَّ فِي شَرِيكَيْنِ فِي عَبْدٍ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ حَقَّهُ مِنْهُ، وَكَانَا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ: فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَصِيرَ حُرًّا، وَيَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَيَصِيرَ نِصْفُهُ حُرًّا. وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ عَنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ. وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَنُكُولِ الزَّوْجِ.
وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبَ قَدْ احْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَالْبُخَارِيِّ وَحَكَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَقَالَ: فَمَنْ
стр. 7379
النَّاسُ بَعْدَهُمْ؟ وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّاوِي عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ رِجَالِ " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا، فَمَنْ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَهَذَا مِنْ أَصَحِّ حَدِيثِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الزَّوْجَ يُسْتَحْلَفُ فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ إذَا لَمْ تَقُمْ الْمَرْأَةُ بَيِّنَةً، لَكِنْ إنَّمَا اسْتَحْلَفَهُ لِأَنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ أَوْرَثَتْ ظَنًّا مَا بِصِدْقِ الْمَرْأَةِ، فَعُورِضَ هَذَا بِاسْتِحْلَافِهِ، وَكَانَ جَانِبُ الزَّوْجِ أَقْوَى بِوُجُودِ النِّكَاحِ الثَّابِتِ، فَشُرِعَتْ الْيَمِينُ فِي جَانِبِهِ، لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ مُدَّعِيَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا حَلَفَتْ مَعَ شَاهِدِهَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ لَا تَقُومُ مَقَامَ شَاهِدٍ آخَرَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْيَمِينُ مُجَرَّدُ قَوْلِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الطَّلَاقِ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ، كَمَا أَنَّ ثُبُوتَ النِّكَاحِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى رِوَايَةٍ، فَكَانَ رَفْعُهُ كَإِثْبَاتِهِ، فَإِنَّ الرَّفْعَ أَقْوَى مِنْ الْإِثْبَاتِ، وَلِهَذَا لَا يُرْفَعُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، وَلَا مَسْتُورِي الْحَالِ، وَلَا رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْكَمُ فِي الطَّلَاقِ بِشَاهِدٍ وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَحْكُمُ بِوُقُوعِهِ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ مِنْ غَيْرِ شَاهِدٍ، فَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى
стр. 7380
زَوْجِهَا الطَّلَاقَ، وَأَحْلَفْنَاهُ لَهَا - عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - فَنَكَلَ: قَضَى عَلَيْهِ فَإِذَا أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَحْلِفْ الزَّوْجُ عَلَى عَدَمِ دَعْوَاهَا: فَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَوْلَى. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الزَّوْجِ بِالنُّكُولِ إلَّا إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا، كَمَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا مَعَ النُّكُولِ، لَكِنْ مَنْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ يَقُولُ: النُّكُولُ إمَّا إقْرَارٌ وَإِمَّا بَيِّنَةٌ، وَكِلَاهُمَا يُحْكَمُ بِهِ، وَلَكِنْ يُنْتَقَضُ هَذَا عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْقِصَاصِ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ اسْتَغْنَى بِهِ فِيمَا يُبَاحُ بِالْبَذْلِ، وَهُوَ الْأَمْوَالُ وَحُقُوقُهَا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمَّا أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا - وَهُوَ شَطْرُ الْبَيِّنَةِ - كَانَ النُّكُولُ قَائِمًا مَقَامَ تَمَامِهَا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَذَاهِبَ النَّاسِ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
فَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي تَفْرِيعِهِ: إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ عَلَى زَوْجِهَا لَمْ تَحْلِفْ بِدَعْوَاهَا، فَإِذَا أَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا وَاحِدًا لَمْ تَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ الطَّلَاقُ عَلَى زَوْجِهَا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يُعْلَمُ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، قَالَ: وَلَكِنْ يَحْلِفُ لَهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ حَلَفَ: بَرِئَ مِنْ دَعْوَاهَا.
قُلْتُ: هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ:
стр. 7381
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَحْلِفُ لِدَعْوَاهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْلِفُ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْلِفُ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ: فَهَلْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِالنُّكُولِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ، عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَشْهَبَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالنُّكُولَ سَبَبَانِ مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، يَقْوَى جَانِبُ الْمُدَّعَى بِهِمَا، فَحُكِمَ لَهُ، فَهَذَا مُقْتَضَى الْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ: أَنَّ الزَّوْجَ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حُبِسَ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ تُرِكَ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: هَلْ يَقْضِي بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَا أَثَرَ عِنْدَهُ لِإِقَامَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ، فَقَالَ مَرَّةً: يُحْبَسُ حَتَّى يَطُولَ أَمْرُهُ، وَحَدَّ ذَلِكَ بِسَنَةٍ، ثُمَّ يُطَلِّقُ، وَمَرَّةً قَالَ: يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ» اهـ.
قُلْتُ: سبق بيان ضعف الحديث، والأظهر أنَّ الزوج إذا نكل في دعوى الطلاق فلا يقضى عليه بالنكول كما عليه أكثر العلماء فإنَّ الفروج يحتاط لها فلا يقبل فيها إلَّا شاهدان. والله أعلم.
فإن قيل: فما فائدة تحليفه إذا كان لا يقضى عليه بالنكول؟
стр. 7382
فالجواب: أنَّ فائدة اليمين هي فصل الخصومة.
٥ - احتج بقوله: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». من قال: إنَّ اليمين لا ترد على المدعي عند نكول المدعى عليه، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، وذهب مالك والشافعي إلى ردها، وقد صوَّب الإمام أحمد هذا القول وقال: ما هو ببعيد.
وهذا الذي يظهر لي صحته، وذلك أنَّ القاعدة في الأيمان أنَّها في جانب أقوى المتداعين، وعند النكول من المدعى عليه يقوى جانب المدعي فتكون اليمين في جهته. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٠ - ١١١): «الثالث: أنَّ اليمين إنَّما كانت في جانب المدعى عليه حيث لم يترجح جانب المدعى بشيء غير الدعوى فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين لقوته بأصل براءة الذمة فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل فكانت اليمين من جهته، فإذا ترجح المدعى بلوث أو نكول أو شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك فاليمين مشروعة في جانب أقوى المتداعيين فأيهما قوى جانبه شرعت اليمين في حقه بقوته وتأكيده، ولهذا لما قوى جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم، ولما قوي جانب المدعى بنكول المدعى عليه ردت اليمين عليه
стр. 7383
كما حكم به الصحابة وصوبه الإمام أحمد، وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية كانت اليمين في حقه، وكذلك الأمناء كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي القول قولهم ويحلفون لقوة جانبهم بالأيمان، فهذه قاعدة الشريعة المستمرة، فإذا أقام المدعي شاهداً واحداً قوي جانبه فترجح على جانب المدعى عليه الذي ليس معه إلَّا مجرد استصحاب الأصل وهو دليل ضعيف يدفع بكل دليل يخالفه ولهذا يدفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة فدفع بقول الشاهد الواحد وقويت شهادته بيمين المدعي فأي قياس أحسن من هذا وأوضح مع موافقته للنصوص والآثار التي لا تدفع» اهـ.
٦ - واحتج بعمومه من أدخل في اليمين المؤتمن على حقوق الناس.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٣١٨): «وأمَّا المؤتمن في حقوق الآدميين حيث قبل قوله، فهل عليه يمين أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: لا يمين عليه؛ لأنَّه صدقه بائتمانه، ولا يمين مع التصديق، وبالقياس على الحاكم، وهذا قول الحارث العكلي.
стр. 7384
والثاني: عليه اليمين، لأنَّه منكر، فيدخل في عموم قوله: "واليمين على من أنكر"، وهو قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ومالك في رواية، وأكثر أصحابنا.
والثالث: لا يمين عليه إلَّا أن يتهم وهو نص أحمد، وقول مالك في رواية لما تقدم من ائتمانه، وأمَّا إذا قامت قرينة تنافي حال الائتمان، فقد اختل معنى الائتمان» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الأخير هو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
٧ - وعموم الحديث يشمل كل مدعى عليه، سواء كان مسلماً أو كافراً، عدلاً أو فاسقاً، امرأة أو رجلاً.
* * *
стр. 7385
كِتَابُ: الْأَطْعِمَةِ
٣٦٩ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ: اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٦٩): «أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنَّه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وأنَّ الإسلام يدور عليه، وعلى حديث: "الأعمال بالنية"، وحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
стр. 7386
وقال أبو داود السختياني: يدور على أربعة أحاديث: هذه الثلاثة، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وقيل: حديث "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس".
قال العلاء: وسبب عظم موقعه أنَّه ﷺ نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنَّه ينبغي ترك المشتبهات، فإنَّه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذراً من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب فقال ﷺ : "ألا وإنَّ في الجسد مضغة … إلى آخره" فبين ﷺ أنَّ بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه» اهـ.
وقد قال بعضهم:
عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البرية
أتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنيه.
وَقَولُهُ: «مُشْتَبِهَاتٌ». أي: اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِسُنَنِ النَّسَائِيِّ] (٦/ ١٣٦): «اعلم أنَّ الاشتباه هو الالتباس وإنَّما يطلق في مقتضى هذه التسمية هاهنا على أمر أشبه
стр. 7387
أصلاً ما وهو مع هذا يشبه أصلاً آخر يناقض الأصل الأول فكأنَّه كثر اشتباهه فقيل اشتبه بمعنى اختلط حتى كأنَّه شيء واحد من شيئين مختلفين» اهـ.
وَقَولُهُ: «يُوشِكُ». أي: يقرب.
وَقَولُهُ: «أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ». أصل الارتعاء أكل الماشية من الرِعْي بكسر العين وسكون العين وهو الكلأ.
والحمى: ما يحميه الملوك من الأرض لمواشيهم، أو لمواشي الصدقة.
والمضغة: القطعة من اللحم سميت بذلك لأنَّها تمضغ في الفم لصغرها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الحلال المحض بيِّن لا اشتباه فيه.
٢ - أنَّ الحرام المحض بيِّن لا اشتباه فيه.
٣ - أنَّ بين الحلال البيِّن والحرام البيِّن أموراً مشتبهة على كثير من الناس هل هي من الحرام أم من الحلال، وهذا الاشتباه لا يكون على الراسخين في العلم على سبيل العموم، وقد يقع لبعضهم، ولهذا قال: «لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ».
ويدخل في الأمور المشتبهة:
стр. 7388
- ما اختلف في حله وحرمته، وذلك يكون بتعارض الأدلة على حسب نظر الناظر لا في حقيقة الأمر.
- اختلاط الحلال بالحرام.
ويدخل في هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، والراجح حل معاملة من كان الحلال في ماله هو الغالب، واجتناب معاملة من غلب الحرام على ماله، وذلك أنَّ الحلال المحض نادر في أموال الناس، وإنَّما قيدنا ذلك بالغالب، لأنَّ الاعتبار بالغالب معمول به في كثير من الأصول، وذكر ذلك مما يطول.
وقد أجاز بعض العلماء الأكل ممن علم في ماله الحرام من غير تقييد ذلك بنسبة معينة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٧١): «ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنَّه من الحرام بعينه، كما تقدم عن مكحول والزهري. وروي مثله عن الفضيل بن عياض.
وروي في ذلك آثار عن السلف، فصح عن ابن مسعود أنَّه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه يدعوه إلى طعامه، قال:
стр. 7389
أجيبوه، فإنَّما المهنأ لكم والوزر عليه. وفي رواية أنَّه قال: لا أعلم له شيئاً إلَّا خبيثاً أو حراماً، فقال: أجيبوه.
وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود، ولكنه عارضه بما روي عنه أنَّه قال: الإثم حواز القلوب.
وروي عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومورق العجلي، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في كتاب "الأدب" لحميد بن زنجويه، وبعضها في كتاب "الجامع" للخلال، وفي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم.
ومتى علم أنَّ عين الشيء حرام، أخذ بوجه محرم، فإنَّه يحرم تناوله، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره، وقد روي عن ابن سيرين في الرجل يقضى من الربا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يقضى من القمار قال: لا بأس به، خرجه الخلال بإسناد صحيح، وروي عن الحسن خلاف هذا، وأنَّه قال: إنَّ هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها شبه المضطر.
وعارض المروي عن ابن مسعود وسلمان، ما روي عن أبي بكر الصديق أنَّه أكل طعاماً ثم أخبر أنَّه من حرام، فاستقاءه» اهـ.
стр. 7390
قُلْتُ: أثر ابن مسعود رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٦٧٥) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارًا يَأْكُلُ الرِّبَا، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَدْعُونِي، فَقَالَ: «مَهْنَؤُهُ لَكَ وَإِثْمُهُ عَلَيْهِ»، قَالَ سُفْيَانُ: «فَإِنْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ فَلَا تُصِبْهُ».
ورواه أيضاً (١٤٦٧٦) فَقَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وَقَولُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ ﵀: «وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا إِلَّا خَبِيثًا أَوْ حَرَامًا، فَقَالَ: أَجِيبُوهُ». لم أقف على هذا اللفظ.
قُلْتُ: المتعامل بالربا الغالب في ماله الحل، وذلك أنَّ نسبة الربا إلى رأس المال قليلة غالباً، وسيأتي ما يدل على ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٤/ ٤٠٤) - بعد ذكره لكلام سفيان -: «ومراد ابن مسعود وكلامه لا يخالف هذا» اهـ.
وأثر سلمان رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٦٧٧) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: «إِذَا كَانَ لَكَ صَدِيقٌ
следующие страницы →