Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.
стр. 7386
وقال أبو داود السختياني: يدور على أربعة أحاديث: هذه الثلاثة، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وقيل: حديث "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس".
قال العلاء: وسبب عظم موقعه أنَّه ﷺ نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنَّه ينبغي ترك المشتبهات، فإنَّه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذراً من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب فقال ﷺ : "ألا وإنَّ في الجسد مضغة … إلى آخره" فبين ﷺ أنَّ بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه» اهـ.
وقد قال بعضهم:
عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البرية
أتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنيه.
وَقَولُهُ: «مُشْتَبِهَاتٌ». أي: اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِسُنَنِ النَّسَائِيِّ] (٦/ ١٣٦): «اعلم أنَّ الاشتباه هو الالتباس وإنَّما يطلق في مقتضى هذه التسمية هاهنا على أمر أشبه
стр. 7387
أصلاً ما وهو مع هذا يشبه أصلاً آخر يناقض الأصل الأول فكأنَّه كثر اشتباهه فقيل اشتبه بمعنى اختلط حتى كأنَّه شيء واحد من شيئين مختلفين» اهـ.
وَقَولُهُ: «يُوشِكُ». أي: يقرب.
وَقَولُهُ: «أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ». أصل الارتعاء أكل الماشية من الرِعْي بكسر العين وسكون العين وهو الكلأ.
والحمى: ما يحميه الملوك من الأرض لمواشيهم، أو لمواشي الصدقة.
والمضغة: القطعة من اللحم سميت بذلك لأنَّها تمضغ في الفم لصغرها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الحلال المحض بيِّن لا اشتباه فيه.
٢ - أنَّ الحرام المحض بيِّن لا اشتباه فيه.
٣ - أنَّ بين الحلال البيِّن والحرام البيِّن أموراً مشتبهة على كثير من الناس هل هي من الحرام أم من الحلال، وهذا الاشتباه لا يكون على الراسخين في العلم على سبيل العموم، وقد يقع لبعضهم، ولهذا قال: «لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ».
ويدخل في الأمور المشتبهة:
стр. 7388
- ما اختلف في حله وحرمته، وذلك يكون بتعارض الأدلة على حسب نظر الناظر لا في حقيقة الأمر.
- اختلاط الحلال بالحرام.
ويدخل في هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، والراجح حل معاملة من كان الحلال في ماله هو الغالب، واجتناب معاملة من غلب الحرام على ماله، وذلك أنَّ الحلال المحض نادر في أموال الناس، وإنَّما قيدنا ذلك بالغالب، لأنَّ الاعتبار بالغالب معمول به في كثير من الأصول، وذكر ذلك مما يطول.
وقد أجاز بعض العلماء الأكل ممن علم في ماله الحرام من غير تقييد ذلك بنسبة معينة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٧١): «ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنَّه من الحرام بعينه، كما تقدم عن مكحول والزهري. وروي مثله عن الفضيل بن عياض.
وروي في ذلك آثار عن السلف، فصح عن ابن مسعود أنَّه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه يدعوه إلى طعامه، قال:
стр. 7389
أجيبوه، فإنَّما المهنأ لكم والوزر عليه. وفي رواية أنَّه قال: لا أعلم له شيئاً إلَّا خبيثاً أو حراماً، فقال: أجيبوه.
وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود، ولكنه عارضه بما روي عنه أنَّه قال: الإثم حواز القلوب.
وروي عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومورق العجلي، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في كتاب "الأدب" لحميد بن زنجويه، وبعضها في كتاب "الجامع" للخلال، وفي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم.
ومتى علم أنَّ عين الشيء حرام، أخذ بوجه محرم، فإنَّه يحرم تناوله، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره، وقد روي عن ابن سيرين في الرجل يقضى من الربا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يقضى من القمار قال: لا بأس به، خرجه الخلال بإسناد صحيح، وروي عن الحسن خلاف هذا، وأنَّه قال: إنَّ هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها شبه المضطر.
وعارض المروي عن ابن مسعود وسلمان، ما روي عن أبي بكر الصديق أنَّه أكل طعاماً ثم أخبر أنَّه من حرام، فاستقاءه» اهـ.
стр. 7390
قُلْتُ: أثر ابن مسعود رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٦٧٥) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارًا يَأْكُلُ الرِّبَا، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَدْعُونِي، فَقَالَ: «مَهْنَؤُهُ لَكَ وَإِثْمُهُ عَلَيْهِ»، قَالَ سُفْيَانُ: «فَإِنْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ فَلَا تُصِبْهُ».
ورواه أيضاً (١٤٦٧٦) فَقَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وَقَولُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ ﵀: «وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا إِلَّا خَبِيثًا أَوْ حَرَامًا، فَقَالَ: أَجِيبُوهُ». لم أقف على هذا اللفظ.
قُلْتُ: المتعامل بالربا الغالب في ماله الحل، وذلك أنَّ نسبة الربا إلى رأس المال قليلة غالباً، وسيأتي ما يدل على ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٤/ ٤٠٤) - بعد ذكره لكلام سفيان -: «ومراد ابن مسعود وكلامه لا يخالف هذا» اهـ.
وأثر سلمان رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٦٧٧) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: «إِذَا كَانَ لَكَ صَدِيقٌ
стр. 7391
عَامِلٌ، أَوْ جَارٌ عَامِلٌ، أَوْ ذُو قَرَابَةٍ عَامِلٌ، فَأَهْدَى لَكَ هَدِيَّةَ أَوْ دَعَاكَ إِلَى طَعَامٍ، فَاقْبَلْهُ، فَإِنَّ مَهْنَأَهُ لَكَ وَإِثْمُهُ عَلَيْهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين الزبير وسلمان.
وأثر الحسن وابن سيرين رواهما أيضاً ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٣٦٢٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فِي الرَّجُلِ يَقْضِي مِنَ الْقِمَارِ، قَالَ: «لَا بَأْسَ». وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الرَّجُلِ يَقْضِي مِنَ الرِّبَا: «لَا بَأْسَ بِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وقد جعل ابن رجب الأثرين لابن سيرين، فلعل ذلك من قبيل الوهم، وربما يكون الخلال روى ذلك على ما ذكره ابن رجب فينظر.
وأثر الصديق رواه البخاري (٣٨٤٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلَامُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ».
стр. 7392
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ نزاعاً في مذهب الحنابلة في هذه المسألة في [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (٢/ ٤٨ - ٥٢) فقال:
«فصل: في الحلال والحرام والمشتبه فيه وحكم الكثير والقليل من الحرام.
هل تجب طاعة الوالدين في تناول المشتبه وهو ما بعضه حلال وبعضه حرام؟ ينبني على مسألة تحريم تناوله وفيها أقوال في المذهب:
أحدهما: التحريم مطلقاً قطع به شرف الإسلام عبد الوهاب في كتابه "المنتخب" ذكره قبيل باب الصيد.
وعلل القاضي وجوب الهجرة من دار الحرب بتحريم الكسب عليه هناك لاختلاط الأموال لأخذه من غير جهته ووضعه في غير حقه قال الأزجي في "نهايته": هو قياس المذهب كما قلنا في اشتباه الأواني الطاهرة بالنجسة، وقدمه أبو الخطاب في "الانتصار" في مسألة اشتباه الأواني.
وقد قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه. وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الذي يتعامل بالربا يؤكل عنده قال: لا، قد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وقد أمر رسول الله ﷺ بالوقوف عند الشبهة.
стр. 7393
وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام".
وفي البخاري عن أنس بن مالك قال: إذا دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه.
وعن الحسن بن علي مرفوعاً: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
والثاني: إن زاد الحرام على الثلث حرم الأكل وإلَّا فلا، قدمه في "الرعاية" لأنَّ الثلث ضابط في مواضع.
والثالث: إن كان الأكثر الحرام حرم وإلَّا فلا إقامة للأكثر مقام الكل؛ لأنَّ القليل تابع، قطع به ابن الجوزي في "المنهاج" وذكر الشيخ تقي الدين أنَّه أحد الوجهين.
وقد نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد فيمن ورث مالاً ينبغي إن عرف شيئاً بعينه أن يرده وإذا كان الغالب في ماله الفساد تنزه عنه أو نحو هذا، ونقل عنه حرب في الرجل يخلف مالاً إن كان غالبه نهباً أو رباً ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه إلَّا
стр. 7394
أن يكون يسيراً لا يعرف، ونقل عنه أيضاً هل للرجل أن يطلب من ورثة إنسان مالاً مضاربة ينفعهم وينتفع؟ قال: إن كان غالبه الحرام فلا.
والرابع: عدم التحريم مطلقاً قل الحرام أو كثر وهو ظاهر ما قطع به وقدمه غير واحد لكن يكره، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته.
قدمه الأزجي وغيره وجزم به في "المغني" وعن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاماً فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه وإن سقاه شراباً من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه". رواه أحمد.
وروى جماعة من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود أنَّ رجلاً سأله فقال: لي جار يأكل الربا ولا يزال يدعوني. قال الثوري: إن عرفته بعينه فلا تأكله: ومراد ابن مسعود وكلامه لا يخالف هذا.
وروى جماعة من حديث معمر أيضاً عن أبي إسحاق عن الزبير بن الحارث عن سلمان قال: إذا كان لك صديق عامل فدعاك إلى طعام فاقبله فإنَّ مهنأه لك وإثمه عليه.
قال معمر: وكان عدي بن أرطاة عامل البصرة يبعث إلى الحسن كل يوم بجفان ثريد فيأكل منها ويطعم أصحابه.
стр. 7395
وبعث عدي إلى الشعبي وابن سيرين والحسن فقبل الحسن والشعبي ورد ابن سيرين قال: وسئل الحسن عن طعام الصيارفة فقال: قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنَّهم كانوا يأكلون الربا وأحل لكم طعامهم.
وقال منصور: قلت لإبراهيم النخعي: عريف لنا يصيب من الظلم ويدعوني فلا أجيبه، فقال إبراهيم: للشيطان غرض بهذا ليوقع عداوة، قد كان العمال يهمطون ويصيبون، ثم يدعون فيجابون. قُلْتُ: نزلت بعامل فنزلني وأجازني قال: اقبل. قُلْتُ: فصاحب ربا قال: اقبل ما لم تره بعينه.
قال الجوهري: الهمط الظلم، والخبط يقال: همط الناس فلان يهمطهم حقهم، والهمط أيضاً الأخذ بغير تقدير، ولأنَّ الأصل الإباحة وكما لو لم يتيقن محرماً فإنَّه لا يحرم بالاحتمال وإن كان تركه أولى، وقد احتج لهذا بحديث أنس أنَّ النبي ﷺ رأى تمرة في الطريق فقال: "لولا أنِّي أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها" متفق عليه، وفي هذا الاحتجاج بهذا نظر، لكن إن قوي سبب التحريم فظنه فينبغي أن يكون حكم المسألة كآنية أهل الكتاب وثيابهم، وينبني على هذا الخلاف حكم معاملته وقبول ضيافته وهديته ونحو ذلك.
стр. 7396
قال ابن الجوزي بناء على ما ذكره: إنَّه يحرم الأكثر ويجب السؤال وإن لم يكن أكثر فالورع التفتيش ولا يجب، فإن كان هو المسئول وعلمت أنَّ له غرضاً في حضورك وقبول هديته فلا تثق بقوله وينبغي أن تسأل غيره.
انتهى كلامه.
وقد يكون ذلك عذراً في ترك الإجابة إلى الدعوة ولو قلنا بالكراهة كما صرح الشيخ موفق الدين أنَّ ستر الحيطان بستور لا صور فيها أو فيها غير صور الحيوان أن تكون عذراً في ترك الإجابة على رواية الكراهة، وسبق هذا المعنى بعد فصول الأمر بالمعروف فيما للمسلم على المسلم، وقد كره معاملة الجندي وإجابة دعوته، وقد قال المروذي قلت لأبي عبد الله: هل للوالدين طاعة في الشبهة؟ فقال: في مثل الأكل. قُلْتُ: نعم. قال ما أحب أن يقيم معهما عليها وما أحب أن يعصيهما، يداريهما، ولا ينبغي للرجل أن يقيم على الشبهة مع والديه.
وذكر المروذي له قول الفضيل: كل ما لم يعلم أنَّه حرام بعينه، فقال أبو عبد الله: وما يدريه أيهما الحرام؟ وذكر له المروذي قول بشر بن الحارث وسئل هل للوالدين طاعة في الشبهة؟ فقال: لا. قال أبو عبد الله: هذا شديد. قلت لأبي عبد الله: فللوالدين طاعة في الشبهة؟ فقال: إنَّ للوالدين حقاً. قُلْتُ: فلهما طاعة فيها.
стр. 7397
قال: أحب أن تعفيني، أخاف أن يكون الذي يدخل عليه أشد مما يأتي. قلت لأبي عبد الله: إنِّي سألت محمد بن مقاتل العباداني عنها فقال لي: بر والديك.
فقال أبو عبد الله: هذا محمد بن مقاتل قد رأيت ما قال، وهذا بشر بن الحارث قد قال ما قال، ثم قال أبو عبد الله: ما أحسن أن يداريهم.
وروى المروذي عن علي بن عاصم أنَّه سئل عن الشبهة فقال: أطع والديك، وسئل عنها بشر بن الحارث فقال: لا تدخلني بينك وبين والديك.
وذكر الشيخ تقي الدين رواية المروذي ثم قال: وقال في رواية ابن إبراهيم فيما هو شبهة فتعرض عليه أن يأكل فقال: إذا علم أنَّه حرام بعينه فلا يأكل. قال الشيخ تقي الدين: مفهوم هذه الرواية أنَّهما قد يطاعان إذا لم يعلم أنَّه حرام، ورواية المروذي فيها أنَّهما لا يطاعان في الشبهة، وكلامه يدل على أنَّه لولا الشبهة لوجب الأكل لأنَّه لا ضرر عليه فيه وهو يطيب نفسهما. انتهى كلامه» اهـ.
قُلْتُ: أثر أنس رواه البخاري معلقاً في "باب الرجل يدعى إلى طعام فيقول وهذا معي". ووصله ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٩١٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُمَرَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: «إِذَا دَخَلْتُ عَلَى رَجُلٍ لَا تَتَّهِمُهُ فِي بَطْنِهِ، فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ».
стр. 7398
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إن كان الأنصاري هو عمر بن الحكم بن رافع.
وأثر أنس هذا يدل على أنَّ الرجل إذا كان متهماً في كسبه فلا يأكل من طعامه، ولا يشرب من شرابه.
وحديث أبي هريرة رواه أحمد (٩١٧٣) بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ لضعف مسلم بن خالد الزنجي.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٩١٨)، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «إِذَا دَخَلْتُ عَلَى أَخِيكَ الْمُسْلِمِ فَأَطْعَمَكَ طَعَامًا فَكُلْ وَلَا تَسْأَلْ، فَإِنْ سَقَاكَ شَرَابًا فَاشْرَبْ وَلَا تَسْأَلْ، فَإِنْ رَابَكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَشُجَّهُ بِالْمَاءِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧١٦١) مرفوعاً فقال: حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أنبأ بِشْرُ بْنُ مُوسَى ثنا الْحُمَيْدِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ رِوَايَةً قَالَ: «إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَخِيكَ الْمُسْلِمِ فَأَطْعَمَكَ طَعَامًا فَكُلْ وَلَا تَسْأَلْهُ وَإِذَا سَقَاكَ شَرَابًا فَاشْرَبْهُ وَلَا تَسْأَلْهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. لكن الموقوف أرجح. والله أعلم.
стр. 7399
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣): «عن الذين غالب أموالهم حرام مثل المكاسين وأكلة الربا وأشباههم. ومثل أصحاب الحرف المحرمة كمصوري الصور والمنجمين ومثل أعوان الولاة. فهل يحل أخذ طعامهم بالمعاملة؟ أم لا؟.
فأجاب: الحمد لله، إذا كان في أموالهم حلال وحرام ففي معاملتهم شبهة؛ لا يحكم بالتحريم إلَّا إذا عرف أنَّه يعطيه ما يحرم إعطاؤه. ولا يحكم بالتحليل إلَّا إذا عرف أنَّه أعطاه من الحلال. فإن كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب. قيل بحل المعاملة. وقيل: بل هي محرمة. فأمَّا المعامل بالربا فالغالب على ماله الحلال؛ إلَّا أن يعرف الكره من وجه آخر. وذلك أنَّه إذا باع ألفاً بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال؛ بل له أن يأخذ قدر الحلال كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر فإنَّه يقسم بين الشريكين. وكذلك من اختلط بماله: الحلال والحرام أخرج قدر الحرام والباقي حلال له والله أعلم» اهـ.
стр. 7400
قُلْتُ: وقد أفتى كثير من العلماء بكراهة معاملة من أكثر ماله حرام، وقد بوَّب الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي [الْكُبْرَى] (٥/ ٣٣٤) فقال: «باب كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم».
ومنهم الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فَقَدْ قَالَ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٦٣٥): «فصل: وإذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال، كالسلطان الظالم، والمرابي؛ فإن علم أنَّ المبيع من حلال ماله، فهو حلال، وإن علم أنَّه حرام، فهو حرام، ولا يقبل قول المشتري عليه في الحكم؛ لأنَّ الظاهر أنَّ ما في يد الإنسان ملكه، فإن لم يعلم من أيهما هو، كرهناه لاحتمال التحريم فيه، ولم يبطل البيع؛ لإمكان الحلال، قل الحرام أو كثر.
وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة الحرام وكثرته، تكون كثرة الشبهة وقلتها.
قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه؛ لما روى النعمان بن بشير» اهـ. وذكر الحديث.
ومنهم الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فَقَدْ قَالَ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (٧/ ٣٣٧):
«فصل: دعاه من أكثر ماله حرام كرهت إجابته كما تكره معاملته» اهـ.
وهناك من ذهب إلى بطلان معاملة من أكثر ماله حرام، ويذكر ذلك عن الإمام مالك ﵀.
стр. 7401
قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْشَّرْحُ الْكَبِيْرِ] (٨/ ٢٣١): «وعن مالك: أنَّ مبايعة من أكثر ماله حرام باطل» اهـ.
- ويدخل في المشتبهات ما وجد فيه أسباب حله وحرمته، كما يشك الإنسان فيه هل هو ملكه أم لا؟ وما يشك في زوال ملكه عنه.
٤ - وفيه أنَّ تارك المشتبهات مستبرئ لدينه وعرضه.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٧٢): «ومعنى استبرأ: طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين، والعرض: هو موضع المدح والذم من الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدح، وبذكره بالقبيح قدح، وقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان، وتارة في سلفه، أو في أهله، فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حصن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أنَّ من ارتكب الشبهات، فقد عرض نفسه للقدح فيه والطعن، كما قال بعض السلف: من عرض نفسه للتهم، فلا يلومن من أساء به الظن» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في حكم الأمور المشتبهات:
فقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١٢٧):
стр. 7402
«واختلف في حكم الشبهات فقيل التحريم وهو مردود، وقيل الكراهة، وقيل الوقف» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «فقيل التحريم وهو مردود». وذلك لأنَّ النبي ﷺ جعلها مرتبة بين الحلال البين والحرام البين، ولأنَّ النبي ﷺ بين أنَّها قد توقع من لم يتقها في الحرام، وهذا دليل على أنَّها ليست من الحرام البين، وذلك لأنَّ المشتبهات لو كانت من الحرام لكان الواقع فيها واقع في الحرام ولا بد، والحديث باعتبار المثال المضروب فيه ما يدل على أنَّ المشتبهات قد توقع في الحرام، لا أنَّها من الحرام.
والأقرب والله أعلم أن يكون الولوج في المشتبهات من المكروهات.
٥ - وفيه أنَّ من الأمور المطلوبة السعي في براءة العرض والدين.
٦ - وفيه أنَّ الواقع في المشتبهات يتدرج به الأمر حتى يقع في الحرام.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٢٠٧): «ومعنى هذا: أنَّ من وقع في الشبهات كان جديراً بأن يقع في الحرام بالتدريج؛ فإنَّه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده؛ ولهذا جاء في
стр. 7403
رواية: "ومن خالط الريبة يوشك أن يجسر". يعني: يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه.
ومن هنا كان السلف يحبون أن يجعلوا بينهم وبين الحرام حاجزاً من الحلال يكون وقاية بينهم وبين الحرام، فإن اضطروا واقعوا ذلك الحلال ولم يتعدوه، وأمَّا من وقع في المشتبه فإنَّه لا يبقى له إلَّا الوقوع في الحرام المحض فيوشك أن يتجرأ عليه ويجسر.
وقوله: "ألا وإنَّ لكل ملك حمى، وإنَّ حمى الله في الأرض محارمه"، وفي رواية: "ألا وإنَّ حمى الله محارمه": ضرب مثل لمحارم الله بالحمى الذي يحميه الملك من الأرض ويمنع الناس من الدخول إليه، فمن تباعد عنه فقد توقى سخط الملك وعقوبته، ومن رعى بقرب الحمى فقد تعرض لمساخط الملك وعقوبته؛ لأنَّه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى» اهـ.
قُلْتُ: ويمكن أن يحمل الحديث على معنىً آخر وهو أنَّ من أكثر من تعاطي الشبهات فإنَّه يصادف الحرام وإن كان لا يشعر بذلك ولا يتعمده.
٧ - وفي الحديث سد الذرائع والوسائل إلى المحرمات.
٨ - وفيه ضرب الأمثال لإيضاح المسائل.
стр. 7404
٩ - واحتج به على أنَّ المصيب من المجتهدين واحد.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٢٠٨): «وفيه دليل على أنَّ المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد؛ لأنَّه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين فدل على أنَّ من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير إلى ما أداه إليه اجتهاده وطلبه» اهـ.
١٠ - وفيه أنَّ صلاح الجوارح بصلاح القلب، وفسادها بفساده.
١١ - واحتج بالحديث على أنَّ العقل في القلب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٦٩): «واحتج بهذا الحديث على أنَّ العقل في القلب لا في الرأس وفيه خلاف مشهور. ومذهب أصحابنا وجماهير المتكلمين أنَّه في القلب، وقال أبو حنيفة: هو في الدماغ، وقد يقال في الرأس، وحكوا الأول أيضاً عن الفلاسفة، والثاني عن الأطباء: قال المازري: واحتج القائلون؛ بأنَّه في القلب بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَتَكُون لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب﴾ وبهذا الحديث، فإنَّه ﷺ جعل صلاح الجسد وفساده
стр. 7405
تابعاً للقلب، مع أنَّ الدماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحه وفساده تابعاً للقلب، فعلم أنَّه ليس محلاً للعقل. واحتج القائلون بأنَّه في الدماغ بأنَّه إذا فسد الدماغ فسد العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأنَّ الله أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ مع أنَّ العقل ليس فيه، ولا امتناع من ذلك. قال المازري: لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين الرأس والمعدة والدماغ اشتراكاً. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد حرر ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤): «وأمَّا قوله: أين مسكن العقل فيه؟ فالعقل قائم بنفس الإنسان التي تعقل وأمَّا من البدن فهو متعلق بقلبه كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَتَكُون لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، وقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم: قال: "بلسان سؤول وقلب عقول". لكن لفظ "القلب" قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن التي جوفها علقة سوداء كما في الصحيحين عن النبي ﷺ : "إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد". وقد يراد بالقلب باطن
стр. 7406
الإنسان مطلقاً فإنَّ قلب الشيء باطنه كقلب الحنطة واللوزة والجوزة ونحو ذلك ومنه سمي القليب قليباً لأنَّه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضاً، ولهذا قيل: إنَّ العقل في الدماغ. كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: إنَّ أصل العقل في القلب فإذا كمل انتهى إلى الدماغ. والتحقيق أنَّ الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. والعقل يراد به العلم ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة وأصل الإرادة في القلب والمريد لا يكون مريداً إلَّا بعد تصور المراد فلا بد أن يكون القلب متصوراً فيكون منه هذا وهذا ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء وكلا القولين له وجه صحيح. وهذا مقدار ما وسعته هذه الأوراق والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ تِلْمِيْذُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [التِّبْيَانِ] (ص: ٢٥١): «والتحقيق أنَّ منشأ ذلك ومبدأه من القلب ونهايته ومستقره في الرأس، وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ على قولين: حكي روايتين عن الإمام أحمد، والتحقيق أنَّ أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ قال
стр. 7407
تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، فجعل العقل في القلب كما جعل السمع بالأذن والبصر بالعين وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب﴾، قال غير واحد من السلف: لمن كان له عقل.
واحتج آخرون: بأنَّ الرجل يضرب في رأسه فيزول عقله ولولا أنَّ العقل في الرأس لما زال فإنَّ السمع والبصر لا يزولان بضرب اليد أو الرجل ولا غيرهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بهما.
وأجاب أرباب القلب عن هذا بأنَّه لا يمتنع زواله بفساد الدماغ وإن كان في القلب لما بين القلب والرأس من الارتباط وهذا كما لا يمتنع نبات شعر اللحية بقطع الأنثيين وفساد القوة بفساد العضو قد يكون لأنَّه محلها وارتباطه بها والله أعلم» اهـ.
١٢ - والحديث أصل في الورع.
١٣ - وفيه أنَّه ليس من الورع ترك المباح البين.
стр. 7408
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (٢/ ١٠): «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.
وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها» اهـ.
* * *
стр. 7409
٣٧٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ، فَلَغَبُوا، فَأَدْرَكْتُهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ».
لغبوا: أعيوا اهـ.
قَوْلُهُ: «أَنْفَجْنَا». أي: أثرناه عن موضعه.
قَوْلُهُ: «أَرْنَباً». قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٣٦ - ٣٧):
«الأرنب: واحدة الأرانب، وهو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض على مؤخر قوائمه. وهو اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى.
وقال الجاحظ: فإذا قلت أرنب، فليس إلَّا الأنثى كما أنَّ العقاب لا يكون إلَّا للأنثى؛ فتقول: هذه العقاب وهذه الأرنب. وقال المبرد في الكامل: إنَّ العقاب يقع على الذكر والأنثى وإنَّما يميز باسم الإشارة كالأرنب، وذكر الأرنب يقال له
стр. 7410
الخُزَز بالخاء المعجمة المضمومة وبعدها زايان وجمعه خزان كصرد وصردان. ويقال للأنثى عِكْرِشةٌ، والخرنق ولد الأرنب، فهو أولاً خرنق ثم سخلة ثم أرنب.
وقضيب الذكر من هذا النوع كذكر الثعلب: أحد شطريه عظم والآخر عصب، وربما ركبت الأنثى الذكر عند السفاد، لما فيها من الشبق، وتسافد وهي حبلى، وتكون عاماً ذكراً، وعاماً أنثى فسبحان القادر على كل شيء.
غريبة: ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة، أنَّ صديقاً له اصطاد أرنباً، له أنثيان وذكر وفرج أنثى. فلما شقُّوا بطنه، رأوا فيه ما يدل على ذلك.
قال: وأعجب من ذلك، أنَّه كان لنا جار له بنت اسمها صفية، بقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، ثم طلع لها ذكر، ونبت لها لحية، وصار لها فرج رجل وفرج امرأة. وسيأتي إن شاء الله في الضبع نظير ذلك.
والأرنب تنام مفتوحة العين، فربما جاءها القناص، فوجدها كذلك، فيظنها مستيقظة.
стр. 7411
ويقال إنَّها إذا رأت البحر ماتت، ولذا لا توجد في السواحل. وهذا لا يصح عندي. وتزعم العرب، في أكاذيبها، أنَّ الجن تهرب منها لموضع حيضها: قال الشاعر:
وضحك الأرانب فوق الصفا … كمثل دم الحرب يوم اللقا
فائدة: الذي يحيض من الحيوان أربعة: المرأة والضبع والخفاش والأرنب. ويقال: إنَّ الكلبة أيضًا كذلك» اهـ.
قُلْتُ: وما ذكره من أنَّ الأرنب تكون عاماً ذكراً، وعاماً أنثى مما لا أصل له.
وَقَوْلُهُ: «بِمَرِّ الظَّهْرَانِ». مكان على مرحلة من مكة، والمرحلة مقدار يوم أو ليلة.
وَقَوْلُهُ: «فَلَغَبُوا». أي: تعبوا وزناً ومعنىً.
والورك: ما فوق الفخذ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حل أكل الأرنب.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٢): «وهو قول العلماء كافة إلَّا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمرو من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء» اهـ.
стр. 7412
وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٧٩٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي خَالِدَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ، يَقُولُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ بِالصِّفَاحِ قَالَ: مُحَمَّدٌ مَكَانٌ بِمَكَّةَ وَإِنَّ رَجُلًا جَاءَ بِأَرْنَبٍ قَدْ صَادَهَا فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَا تَقُولُ: قَالَ: «قَدْ جِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ فَلَمْ يَأْكُلْهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ أَكْلِهَا، وَزَعَمَ أَنَّهَا تَحِيضُ».
فَحَدِيْثٌ لَا يَثْبُتُ لجهالة حال محمد بن خالد بن الحويرث، وجهالة حال أبيه.
٢ - وفيه مشروعية العدو وراء الصيد.
وأمَّا ما رواه أحمد (٣٣٦٢)، وأبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦)، والنسائي (٤٣٠٩) من طريق سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ». فيه أبو موسى وهو اليماني مجهول.
ويقويه ما رواه أحمد (٨٨٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَكَمِ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَا جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ،
стр. 7413
وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطَانِ قُرْبًا، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ، ومحمد هو ابن الصباح؛ لكن اختلف في إسناد الحديث على الحسن بن الحكم، فرواه أحمد (٩٦٨١) حَدَّثَنَا يَعْلَى، وَمُحَمَّدٌ، ابْنَا عُبَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَا جَفَا، وَمَنْ تَبِعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطَانِ قُرْبًا، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا».
وفيه إبهام الراوي عن أبي هريرة.
ورواه أحمد (١٨٦٤٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَا جَفَا».
قُلْتُ: الْمَحْفُوظُ حديث يعلى ومحمد ابنا عبيد بن أبي أمية، وقد تابعهما جماعة منهم سليمان بن داود العتكي، أبو الربيع الزهراني، وحديثه في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ]
стр. 7414
(٨٩٥٦) للبيهقي، وعيسى بن يونس عند إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (٤٢٩).
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ٢٤٦): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه إسماعيل بن زكريا، عن الحسن بن الحكم النخعي، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل".
قال أبي: كذا رواه، ورواه غيره، عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وهو أشبه» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عباس حَسَنٌ بهذا الشاهد. والله أعلم.
قُلْتُ: وهذا محمول على الإكثار من ذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٢): «فهو محمول على من واظب على ذلك حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها» اهـ.
قُلْتُ: وقد أقرَّ النبي ﷺ أصحابه على الصيد، وأكل منه.
وكان نبي الله إسماعيل ﵊ يصاد، وكان قوتهم منه.
стр. 7415
فروى البخاري (٣٣٦٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
«وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ، قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ». قَالَ: «فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (١٥/ ٢٥٨):
«قَوْله: "فهما لَا يخلوان عَلَيْهِمَا" أَي: فاللحم وَالْمَاء لَا يعْتَمد عَلَيْهِمَا أحد بِغَيْر مَكَّة إلاَّ لم يوافقاه، وَالْغَرَض: أَنْ المداومة على اللَّحْم وَالْمَاء لَا يُوَافق الأمزجة وينحرف المزاج عَنْهُمَا إلَّا فِي مَكَّة فَإِنَّهُمَا يوافقانه، وَهَذَا من جملَة بركاتها وَأثر دُعَاء إِبْرَاهِيم، ﵊» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ الصيد يملك بأخذه، ولا يشارك الآخذ في ملكه من أثاره معه.
٤ - وفيه الهدية بالشيء اليسير.
* * *
стр. 7416
٣٧١ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂، قَالَتْ: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَنَحْنُ بِالْمَدِيْنَةِ».
قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (٢/ ٢٨٥): «الفرس: واحد الخيل، والجمع أفراس الذكر والأنثى في ذلك سواء، وأصله التأنيث، وحكى ابن جني والفراء فرسة. وقال الجوهري: هو اسم يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى فرسة، وتصغير الفرس فريس، وإن أردت الأنثى خاصة لم تقل إلَّا فريسه بالهاء، ولفظها مشتق من الافتراس، لأنَّها تفترس الأرض بسرعة مشيها.
وراكب الفرس فارس، وهو مثل لابن وتامر أي: صاحب لبن وصاحب تمر، وفارس أي صاحب فرس، ويجمع على فوارس، وهو شاذ لا يقاس عليه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٦٧): «واسم الخيل يقع على البرذون والهجين».
إِلِى أَنْ قَالَ: «والمراد بالهجين ما يكون أحد أبويه عربياً والآخر غير عربي، وقيل الهجين الذي أبوه فقط عربي، وأمَّا الذي أمه فقط عربية فيسمى المُقْرِفُ» اهـ.
стр. 7417
قُلْتُ: والبرذون هو الخيل التركي.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حل أكل الفرس.
وهذا مأخوذ من إقرار النبي ﷺ لهم، واحتمال عدم علم النبي ﷺ بذلك فيه بعد، ولو سلم فالزمن زمن وحي، ولو كان ذلك مما لا يحل لجاء الوحي بإنكار ذلك، كما جاء عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ». رواه مسلم (١٤٤٠).
وفي الباب ما رواه البخاري (٥٥٢٠)، ومسلم (١٩٤١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٩٥): «فصل: وتباح لحوم الخيل كلها عرابها وبراذينها.
نص عليه أحمد، وبه قال ابن سيرين.
وروي ذلك عن ابن الزبير، والحسن، وعطاء، والأسود بن يزيد. وبه قال حماد بن زيد، والليث، وابن المبارك، والشافعي، وأبو ثور.
стр. 7418
قال سعيد بن جبير: ما أكلت شيئاً أطيب من معرفة برذون.
وحرمها أبو حنيفة.
وكرهه مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٢٦): «اختلف العلماء في إباحة لحوم الخيل؛ فمذهب الشافعي، والجمهور من السلف والخلف أنَّه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن سليمان، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وجماهير المحدثين وغيرهم، وكرهها طائفة منهم ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة، قال أبو حنيفة: يأثم بأكله ولا يسمى حراماً، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة﴾ ولم يذكر الأكل، وذكر الأكل من الأنعام في الآية التي قبلها، وبحديث صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع"، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية بقية بن الوليد عن صالح بن يحيى.
стр. 7419
واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم على أنَّه حديث ضعيف، وقال بعضهم: هو منسوخ، روى الدارقطني والبيهقي بإسنادهما عن موسى بن هارون الحمال "بالحاء" الحافظ قال: هذا حديث ضعيف، قال: ولا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه، وقال البخاري: هذا الحديث فيه نظر، وقال البيهقي: هذا إسناد مضطرب، وقال الخطابي: في إسناده نظر، قال: وصالح بن يحيى عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ، وقال النسائي: حديث الإباحة أصح، قال: ويشبه إن كان هذا صحيحاً أن يكون منسوخاً. واحتج الجمهور بأحاديث الإباحة التي ذكرها مسلم وغيره، وهي صحيحة صريحة، وبأحاديث أخر صحيحة جاءت بالإباحة، ولم يثبت في النهي حديث. وأمَّا الآية فأجابوا عنها بأنَّ ذكر الركوب والزينة لا يدل على أنَّ منفعتهما مختصة بذلك، فإنَّما خص هذان بالذكر لأنَّهما معظم المقصود من الخيل كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير﴾ فذكر اللحم لأنَّه أعظم المقصود، وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه، قالوا: ولهذا سكت عن ذكر حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ﴾ ولم يلزم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. والله أعلم» اهـ.
стр. 7420
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٥٠): «وأمَّا ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين» اهـ.
قُلْتُ: رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٠٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَعَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَكْلِ الْفَرَسِ، - وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ أَكْلِ الْخَيْلِ -، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] الْآيَةَ قَالَ: فَكَرِهَهَا.
قُلْتُ: وفيه ابن أبي ليلى واسمه محمد سيء الحفظ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٠٥) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مَوْلَى نَافِعِ بْنِ عَلْقَمَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَكْرَهُ لُحُومَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَكَانَ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، فَهَذِهِ لِلْأَكْلِ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا، فَهَذِهِ لِلرُّكُوبِ».
قُلْتُ: وهو منقطع بين مولى نافع، واسمه قيس بن سعد وبين ابن عباس.
ولم أقف على الأثر في مصنف عبد الرزاق.
стр. 7421
ومما يقوي ضعف هذا الأثر ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٢٦٤٩)، و [الْأَوْسَطِ] (٥٧٦٠)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٤٧٨٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَأَمَرَ بِلُحُومِ الْخَيْلِ أَنْ تُؤْكَلَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وما رواه البخاري (٥٥٢٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؟» فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفَارِيُّ، عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى ذَاكَ البَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٥٠): «فإنَّ هذا إن صلح مستمسكاً لحل الحمر صلح للخيل ولا فرق» اهـ.
قُلْتُ: وَلِلْعَلَّامَةِ الشِّنْقِيْطِي ﵀ كلام نفيس في ذلك حيث قال في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٥٢٦ - ٥٢٩): «اعلم أنَّ من منع أكل لحم الخيل احتج بآية وحديث:
стр. 7422
أمَّا الآية: فقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة﴾، فقال: قد قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، فهذه للأكل، وقال: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا﴾، فهذه للركوب لا للأكل، وهذا تفصيل من خلقها وامتن بها، وأكد ذلك بأمور:
أحدها: أنَّ اللام للتعليل، أي خلقها لكم لعلة الركوب والزينة، لأنَّ العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية.
ثانيها: عطف البغال والحمير عليها، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم.
ثالثها: أنَّ الآية الكريمة سيقت للامتنان، وسورة النحل تسمى سورة الامتنان. والحكيم لا يمتن بأدنى النعم، ويترك أعلاها، لا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها.
رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة.
وأمَّا الحديث: فهو ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير".
стр. 7423
ورد الجمهور الاستدلال بالآية الكريمة، بأنَّ آية النحل نزلت في مكة اتفاقاً، والإذن في أكل الخيل يوم خيبر كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي ﷺ المنع من الآية لما أذن في الأكل، وأيضاً آية النحل ليست صريحة في منع أكل الخيل، بل فهم من التعليل، وحديث جابر، وحديث أسماء بنت أبي بكر المتفق عليهما، كلاهما صريح في جواز أكل الخيل، والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول.
وأيضاً: فالآية على تسليم صحة دلالتها المذكورة، فهي إنَّما تدل على ترك الأكل، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه، أو خلاف الأولى، وإذا لم يتعين واحد منها بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز.
وأيضاً: فلو سلمنا أنَّ اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة. فإنَّه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقاً، وإنَّما ذكر الركوب والزينة; لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل.
ونظيره حديث البقرة المذكور في "الصحيحين" حين خاطبت راكبها فقالت: "إنَّا لم نخلق لهذا، إنَّا خلقنا للحرث"، فإنَّه مع كونه أصرح في الحصر، لم يقصد به إلَّا الأغلب، وإلَّا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقاً.
стр. 7424
وأيضاً: فلو سلم الاستدلال المذكور للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير للحصر المزعوم في الركوب والزينة، ولا قائل بذلك.
وأمَّا الاستدلال بعطف الحمير والبغال عليها، فهو استدلال بدلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر العلماء من أهل الأصول، كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله:
أمَّا قران اللفظ في المشهور … فلا يساوي في سوى المذكور.
وأمَّا الاستدلال بأنَّ الآية الكريمة سيقت للامتنان: فيجاب عنه بأنَّه قصد به ما كان الانتفاع به أغلب عند العرب، فخوطبوا بما عرفوا وألفوا، ولم يكونوا يألفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، وشدة الحاجة إليها في القتال، بخلاف الأنعام: فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال، وللأكل; فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به فيه.
فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر كما قدمنا.
وأمَّا الاستدلال بأنَّ الإذن في أكلها، سبب لفنائها وانقراضها:
فيجاب عنه: بأنَّه أذن في أكل الأنعام ولم تنقرض، ولو كان الخوف عن ذلك علة لمنع في الأنعام لئلا تنقرض، فيتعطل الانتفاع بها في غير الأكل، قاله ابن حجر.
стр. 7425
وأمَّا الاستدلال بحديث خالد بن الوليد ﵁: فهو مردود من وجهين:
الأول: أنَّه ضعفه علماء الحديث، فقد قال ابن حجر في "فتح الباري" في باب "لحوم الخيل" ما نصه: "وقد ضعف حديث خالد أحمد، والبخاري، وموسى بن هارون، والدارقطني، والخطابي، وابن عبد البر، وعبد الحق، وآخرون".
وقال النووي في "شرح المهذب": "واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم، على أنَّ حديث خالد المذكور حديث ضعيف"، وذكر أسانيد بعضهم بذلك، وحديث خالد المذكور مع أنَّه مضطرب، في إسناده صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، ضعفه غير واحد، وقال فيه ابن حجر في "التقريب": لين، وفيه أيضاً: والده يحيى المذكور، الذي هو شيخه في هذا الحديث، قال فيه في "التقريب": مستور.
الوجه الثاني: أنَّا لو سلمنا عدم ضعف حديث خالد، فإنَّه معارض بما هو أقوى منه، كحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل"، وفي لفظ في "الصحيح": "وأذن في لحوم الخيل"، وكحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق
следующие страницы →