← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

ومما يقوي ضعف هذا الأثر ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٢٦٤٩)، و [الْأَوْسَطِ] (٥٧٦٠)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٤٧٨٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَأَمَرَ بِلُحُومِ الْخَيْلِ أَنْ تُؤْكَلَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وما رواه البخاري (٥٥٢٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؟» فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفَارِيُّ، عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى ذَاكَ البَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٥٠): «فإنَّ هذا إن صلح مستمسكاً لحل الحمر صلح للخيل ولا فرق» اهـ. قُلْتُ: وَلِلْعَلَّامَةِ الشِّنْقِيْطِي ﵀ كلام نفيس في ذلك حيث قال في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٥٢٦ - ٥٢٩): «اعلم أنَّ من منع أكل لحم الخيل احتج بآية وحديث:

стр. 7422

أمَّا الآية: فقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة﴾، فقال: قد قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، فهذه للأكل، وقال: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا﴾، فهذه للركوب لا للأكل، وهذا تفصيل من خلقها وامتن بها، وأكد ذلك بأمور: أحدها: أنَّ اللام للتعليل، أي خلقها لكم لعلة الركوب والزينة، لأنَّ العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية. ثانيها: عطف البغال والحمير عليها، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم. ثالثها: أنَّ الآية الكريمة سيقت للامتنان، وسورة النحل تسمى سورة الامتنان. والحكيم لا يمتن بأدنى النعم، ويترك أعلاها، لا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها. رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة. وأمَّا الحديث: فهو ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير".

стр. 7423

ورد الجمهور الاستدلال بالآية الكريمة، بأنَّ آية النحل نزلت في مكة اتفاقاً، والإذن في أكل الخيل يوم خيبر كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي ﷺ المنع من الآية لما أذن في الأكل، وأيضاً آية النحل ليست صريحة في منع أكل الخيل، بل فهم من التعليل، وحديث جابر، وحديث أسماء بنت أبي بكر المتفق عليهما، كلاهما صريح في جواز أكل الخيل، والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول. وأيضاً: فالآية على تسليم صحة دلالتها المذكورة، فهي إنَّما تدل على ترك الأكل، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه، أو خلاف الأولى، وإذا لم يتعين واحد منها بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز. وأيضاً: فلو سلمنا أنَّ اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة. فإنَّه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقاً، وإنَّما ذكر الركوب والزينة; لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل. ونظيره حديث البقرة المذكور في "الصحيحين" حين خاطبت راكبها فقالت: "إنَّا لم نخلق لهذا، إنَّا خلقنا للحرث"، فإنَّه مع كونه أصرح في الحصر، لم يقصد به إلَّا الأغلب، وإلَّا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقاً.

стр. 7424

وأيضاً: فلو سلم الاستدلال المذكور للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير للحصر المزعوم في الركوب والزينة، ولا قائل بذلك. وأمَّا الاستدلال بعطف الحمير والبغال عليها، فهو استدلال بدلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر العلماء من أهل الأصول، كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله: أمَّا قران اللفظ في المشهور … فلا يساوي في سوى المذكور. وأمَّا الاستدلال بأنَّ الآية الكريمة سيقت للامتنان: فيجاب عنه بأنَّه قصد به ما كان الانتفاع به أغلب عند العرب، فخوطبوا بما عرفوا وألفوا، ولم يكونوا يألفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، وشدة الحاجة إليها في القتال، بخلاف الأنعام: فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال، وللأكل; فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به فيه. فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر كما قدمنا. وأمَّا الاستدلال بأنَّ الإذن في أكلها، سبب لفنائها وانقراضها: فيجاب عنه: بأنَّه أذن في أكل الأنعام ولم تنقرض، ولو كان الخوف عن ذلك علة لمنع في الأنعام لئلا تنقرض، فيتعطل الانتفاع بها في غير الأكل، قاله ابن حجر.

стр. 7425

وأمَّا الاستدلال بحديث خالد بن الوليد ﵁: فهو مردود من وجهين: الأول: أنَّه ضعفه علماء الحديث، فقد قال ابن حجر في "فتح الباري" في باب "لحوم الخيل" ما نصه: "وقد ضعف حديث خالد أحمد، والبخاري، وموسى بن هارون، والدارقطني، والخطابي، وابن عبد البر، وعبد الحق، وآخرون". وقال النووي في "شرح المهذب": "واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم، على أنَّ حديث خالد المذكور حديث ضعيف"، وذكر أسانيد بعضهم بذلك، وحديث خالد المذكور مع أنَّه مضطرب، في إسناده صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، ضعفه غير واحد، وقال فيه ابن حجر في "التقريب": لين، وفيه أيضاً: والده يحيى المذكور، الذي هو شيخه في هذا الحديث، قال فيه في "التقريب": مستور. الوجه الثاني: أنَّا لو سلمنا عدم ضعف حديث خالد، فإنَّه معارض بما هو أقوى منه، كحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل"، وفي لفظ في "الصحيح": "وأذن في لحوم الخيل"، وكحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق

стр. 7426

﵂ قالت: "نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه" متفق عليهما. ولا شك في أنَّهما أقوى من حديث خالد، وبهذا كله تعلم أنَّ الذي يقتضي الدليل الصريح رجحانه إباحة أكل لحم الخيل، والعلم عند الله تعالى» اهـ. ٢ - واحتج به على حل نحر ما يذبح. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٦٣): «مسألة؛ قال: "فإن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح فجائز" هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عطاء، والزهري، وقتادة، ومالك، والليث، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وحكي عن داود، أنَّ الإبل لا تباح إلَّا بالنحر، ولا يباح غيرها إلَّا بالذبح؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. والأمر يقتضي الوجوب، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. ولأنَّ النبي ﷺ نحر البدن، وذبح الغنم، وإنَّما تؤخذ الأحكام من جهته.

стр. 7427

وحكي عن مالك، أنَّه لا يجزئ في الإبل إلَّا النحر؛ لأنَّ أعناقها طويلة، فإذا ذبح تعذب بخروج روحه. قال ابن المنذر: إنَّما كرهه، ولم يحرمه. ولنا، قول النبي ﷺ : "امرر الدم بما شئت". وقالت أسماء: نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه ونحن بالمدينة. وعن عائشة، قالت: نحر رسول الله ﷺ في حجة الوداع بقرة واحدة. ولأنَّه ذكاة في محل الذكاة، فجاز أكله، كالحيوان الآخر» اهـ. قُلْتُ: حديث: «أَمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ». رواه أحمد (١٨٢٧٦، ١٨٢٨٨، ١٩٣٩٣)، وأبو داود (٢٨٢٤)، والنسائي (٤٣٠٤، ٤٤٠١)، وابن ماجه (٣١٧٧) من طريق سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُرَيِّ بْنِ قَطَرِيٍّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أَحَدُنَا أَصَابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّةِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: «أَمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ».

стр. 7428

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، ومري بن قطري وثقه ابن معين كما في [تَارِيْخِ ابْنِ مَعِيْنٍ رِوَايَةِ الدَّارِمِي] برقم (٧٦٦)، وهذا مما فات كلاً من الحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى فلم يذكرا توثيق ابن معين في ترجمته. لكن الحديث وارد في آلة الذبح، ولم يرد في موضع الذبح. وحديث عائشة رواه أبو داود (١٧٥٠)، وابن ماجه (٣١٣٥) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ. ورواه مسلم (١٣١٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَنْ نِسَائِهِ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ. وجاء فيه أيضاً (١٣١٩) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ». وحديث أسماء جاء في رواية عند البخاري (٥٥١١) بلفظ: «ذَبَحْنَا». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٢): «وهذا الاختلاف كله عن هشام وفيه اشعار بأنَّه كان تارة يرويه بلفظ ذبحنا وتارة بلفظ نحرنا وهو مصير منه إلى استواء اللفظين في المعنى وأنَّ النحر يطلق عليه ذبح والذبح يطلق عليه نحر ولا يتعين مع هذا الاختلاف ما هو الحقيقة في ذلك من المجاز» اهـ. * * *

стр. 7429

٣٧٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ». وَلِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ قَالَ: «أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَحُمُرَ الْوَحْشِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ». قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩): «الحمار جمعه حمير وحمر وأحمرة. وربما قالوا للأتان: حمارة وتصغيره حُمَيِّر، ومنه توبة بن الحُمَيِّر صاحب ليلى الأخيلية الذي تقدم ذكره. وكنية الحمار أبو صابر وأبو زياد قال الشاعر: زياد لست أدري من أبوه … ولكنَّ الحمار أبو زياد ويقال للحمارة: أم محمود وأم تولب وأم جحش وأم نافع وأم وهب. وليس في الحيوان ما ينزو على غير جنسه ويلقح إلَّا الحمار والفرس. وهو ينزو إذا تم له ثلاثون شهراً ومنه نوع يصلح لحمل الأثقال ونوع لين الأعطاف سريع العدو، ويسبق براذين الخيل. ومن عجيب أمره أنَّه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه

стр. 7430

من شدة الخوف يريد بذلك الفرار منه. قال حبيب بن أوس الطائي، يخاطب عبد الصمد بن المعذل وقد هجاه: أقدمت ويحك من هجوي على خطر … والعير يقدم من خوف على الأسد. ويوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرة واحدة، وبحدة السمع، وللناس في مدحه وذمه أقوال متباينة، بحسب الأغراض» اهـ. والخيل: اسم جنس لا واحد من لفظه، وسميت بذلك لاختيالها في مشيها. والله أعلم. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - حل لحم الخيل، وقد سبق الكلام في ذلك في حديث أسماء الماضي قبل هذا. ٢ - حرمة لحوم الحمر الأهلية. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨١): «مسألة؛ قال: "وبسنة رسول الله ﷺ الحمر الأهلية". أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية. قال أحمد: خمسة عشر من أصحاب النبي ﷺ كرهوها.

стр. 7431

قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها وحكي عن ابن عباس، وعائشة ﵄، أنَّهما كانا يقولان بظاهر قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، وتلاها ابن عباس، وقال: ما خلا هذا، فهو حلال. وسئلت عائشة ﵂ عن الفأرة، فقالت: ما هي بحرام. وتلت هذه الآية» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٢١): «اختلف العلماء في المسألة؛ فقال الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بتحريم لحومها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقال ابن عباس: ليست بحرام، وعن مالك ثلاث روايات: أشهرها أنَّها مكروهة كراهية تنزيه شديدة، والثانية: حرام، والثالثة: مباحة، والصواب التحريم كما قاله الجماهير للأحاديث الصريحة. وأمَّا الحديث المذكور في سنن أبي داود عن غالب بن أبجر قال: "أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلَّا شيء من حمر، وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي ﷺ فقُلْتُ: يا رسول الله أصابتنا السنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلَّا سمان حمر، وإنَّك

стр. 7432

حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنَّما حرمتها من أجل جوال القرية" يعني بالجوال التي تأكل الجلة، وهي العذرة. فهذا الحديث مضطرب مختلف الإسناد شديد الاختلاف، ولو صح حمل على الأكل منها في حال الاضطرار والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: هذا الحديث رواه أبو داود (٣٨٠٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عُبَيْدٍ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ، قَالَ: أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْءٌ أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا شَيْءٌ مِنْ حُمُرٍ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنَا السَّنَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا سِمَانُ الْحُمُرِ، وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ «أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ». قُلْتُ: ظَاهِرُ إِسْنَادِهِ الصِّحَةِ، فعبد الله هو عبد الله بن الحكم بن أبي زياد ثقة، وعبيد الله هو ابن موسى بن أبي المختار ثقة، إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، ومنصور هو ابن المعتمر ثقة ثبت، وعبيد هو ابن الحسن

стр. 7433

المزني أبو الحسن الكوفي ثقة، وعبد الرحمن هو ابن معقل بن مقرن المزني ثقة، غالب بن أبجر صحابي. لكن قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدٍ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ نَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَنَّ سَيِّدَ مُزَيْنَةَ أَبْجَرَ أَوِ ابْنَ أَبْجَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ » اهـ. وهكذا رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٢٦)، والطيالسي في [مُسْنَدِهِ] (١٤٠٢)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٥٠٧٠) عن شعبة به. وفيه عبد الرحمن بن بشر مجهول، وفيه أيضاً إبهام الناس من مزينة، وإبهامهم لا يضر لأنَّهم من الصحابة، ويدل على ذلك ما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦٣٧١) دَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ رِجَالٍ، مِنْ مُزَيْنَةَ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الظَّاهِرَةِ، عَنْ أَبْجَرَ، أَوِ ابْنِ أَبْجَرَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِي شَيْءٌ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُطْعِمَهُ أَهْلِي إِلَّا حُمُرًا لِي. قَالَ لِي: «فَأَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ مَالِكِ فَإِنَّمَا كَرِهْتُ لَكُمْ جَوَّالَ الْقَرْيَةِ».

стр. 7434

وهكذا جاء في رواية محمد بن جعفر غندر في روايته عن شعبة عند أبي نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (١٠٣٠). وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ٦ - ٧): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن أبي العميس، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن معقل، عن غالب بن أبجر، قال: سألت النبي ﷺ ، فقُلْتُ: يا رسول الله، إنَّه لم يبق من مالي شيء أطعمه أهلي إلَّا أحمرة عندي، فقال رسول الله ﷺ : "أطعم أهلك من سمين مالك، فإنَّما قذرت لكم جوال القرية". ورواه شريك، عن منصور، عن عبيد بن حسن، عن غالب بن ذريح، قال: قيل للنبي ﷺ ، في أكل الحمر. ورواه شعبة، عن عبيد بن حسن، عن عبد الرحمن بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر، عن رجال من مزينة من أصحاب النبي ﷺ . ورواه مسعر، عن عبيد بن حسن، عن ابن معقل، عن رجلين من مزينة، أحدهما عن الآخر، عبد الله بن عمرو بن لؤي، والآخر غالب بن أبجر، قال مسعر: أرى غالباً الذي أتى النبي ﷺ .

стр. 7435

قال أبي: شعبة أحفظ من أبي العميس، لم يضبط أبو العميس. وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث؟. فقال: الصحيح: حديث شعبة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٦): «واتفق الحفاظ على تضعيفه» اهـ. قُلْتُ: في الحديث اختلاف كثير، وأصح الطرق طريق شعبة، وفيها عبد الرحمن بن بشر مجهول، وهو علة الحديث. والله أعلم. وقد تأول بعض العلماء نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، بأنَّه لأجل أنَّها لم تخمس بعد، كما روى ذلك البخاري (٣١٥٥)، ومسلم (١٩٣٧) من طريق الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄، يَقُولُ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتِ القُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَكْفِئُوا القُدُورَ، فَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الحُمُرِ شَيْئًا» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقُلْنَا: «إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ» قَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ: «حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ».

стр. 7436

وقال بعضهم حرمها لأنَّها كانت جلالة، أو منهوبة، أو لخشية قلة الظهر، ويحتج لهذا الأخير ما رواه مسلم (٥٦١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَانَ النَّاسُ احْتَاجُوا إِلَيْهَا». ويرد ذلك كله تعليل النبي ﷺ للتحريم بكونها رجس، وذلك فيما رواه البخاري (٤١٩٨)، ومسلم (١٩٤٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: صَبَّحْنَا خَيْبَرَ بُكْرَةً، فَخَرَجَ أَهْلُهَا بِالْمَسَاحِي، فَلَمَّا بَصُرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]» فَأَصَبْنَا مِنْ لُحُومِ الحُمُرِ، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣٩): «وهذا أصح العلل فإنَّها هي التي ذكرها رسول الله ﷺ بلفظه كما في الصحيحين عن أنس قال: "لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر أصبنا حمراً خارجة من القرية وطبخناها فنادى منادي رسول الله ﷺ :

стр. 7437

"ألا إنَّ الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنَّها رجس من عمل الشيطان" فهذا نص في سبب التحريم وما عدا هذه من العلل فإنَّما هي حدس وظن ممن قاله» اهـ. قُلْتُ: زيادة: «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ». انفرد بها مسلم (١٩٤٠) والتعليل بقلة الظهر يرده أيضاً إذن النبي ﷺ لهم بأكل الخيل، وهم أحوج إليه من الحمر. قُلْتُ: ولابن عباس في لحوم الحمر الأهلية ثلاثة أقوال: القول الأول: الحل، ويدل عليه ما رواه البخاري (٥٥٢٩) من طريق عَمْرو بْنِ دِيْنَارٍ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؟» فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفَارِيُّ، عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى ذَاكَ البَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. القول: الثاني: التوقف. ويدل عليه ما رواه البخاري (٤٢٢٧)، ومسلم (١٩٣٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ، أَوْ حَرَّمَهُ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ لَحْمَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ».

стр. 7438

القول: الثالث: الجزم بالتحريم، ويدل عليه ما رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٤٩١٥)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٦١٣)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٠٩٠٤) من طريق الأَعْمَشِ، عَنْ مُجاهد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وعَن السَّبَايَا الْحَبَالَى أَنْ يُوطَأْنَ حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ، وعَن كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣٧): «وهذا يدل على أنَّ ابن عباس أباحها أولاً حيث لم يبلغه النهي فسمع ذلك منه جماعة منهم أبو الشعثاء وغيره فرووا ما سمعوه، ثم بلغه النهي عنها فتوقف هل هو للتحريم أو لأجل كونها حمولة؟ فروى ذلك عنه الشعبي وغيره، ثم لما ناظره علي بن أبي طالب جزم بالتحريم كما رواه عنه مجاهد» اهـ. قُلْتُ: ومناظرة علي له رواها البخاري (٥١١٥)، ومسلم (١٤٠٧) عن عَلِيٍّ ﵁، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، زَمَنَ خَيْبَرَ».

стр. 7439

وراها مسلم (١٤٠٧) عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ: «مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ». ٣ - وفيه حل لحم حمر الوحش. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٩٣): «فصل: وما عدا ما ذكرناه، فهو مباح؛ لعموم النصوص الدالة على الإباحة، من ذلك بهيمة الأنعام، وهي الإبل، والبقر، والغنم. قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. ومن الصيود الظباء، وحمر الوحش. وقد أمر النبي ﷺ أبا قتادة وأصحابه بأكل الحمار الذي صاده. وكذلك بقر الوحش كلها مباحة، على اختلاف أنواعها، من الأيل، والتيتل، والوعل، والمها، وغيرها من الصيود، كلها مباحة، وتفدى في الإحرام. ويباح النعام، وقد قضى الصحابة، ﵃، في النعامة ببدنة. وهذا كله مجمع عليه، لا نعلم فيه خلافاً، إلَّا ما يروى عن طلحة بن مصرف قال: إنَّ الحمار الوحشي إذا أنس واعتلف، فهو بمنزلة الأهلي. قال أحمد: وما ظننت أنَّه روي في هذا شيء، وليس الأمر عندي كما قال.

стр. 7440

وأهل العلم على خلافه؛ لأنَّ الظباء إذا تأنست لم تحرم، والأهلي إذا توحش لم يحل، ولا يتغير منها شيء عن أصله وما كان عليه. قال عطاء، في حمار الوحش: إذا تناسل في البيوت، لا تزول عنه أسماء الوحش» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١٣٢): «ولا خلاف في جواز كلها فيما علمته؛ لأنَّها من جملة الصيد الذي أباحه الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله الله ﷺ » اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٩٥): «ولا خلاف في إباحتها» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [السَّيْلِ الْجَرَّارِ] (ص: ٧٢٦): «وأمَّا الحمر الوحشية فالإجماع على حلها ثابت وقد صادها الصحابة وأكلوها وأكلها رسول الله ﷺ والأمر أواضح من أن يحتاج إلى التنبيه عليه» اهـ. * * *

стр. 7441

٣٧٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: «أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتِ بِهَا الْقُدُورُ، نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ : "أَنْ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ، وَرُبَّمَا قَالَ: وَلا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئاً"». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - حرمة لحوم الحمر الأهلية. وقد سبق القول في ذلك. ٢ - جواز نحر ما يذبح. ٣ - إتلاف الشيء المحرم. ٤ - أنَّ المجاعة التي لم تصل إلى حد الاضطرار لا تبيح المحرمات. ٥ - إرسال الأمير من يبلغ عنه إنكار المنكر. والمنادي هو أبو طلحة كما روى ذلك مسلم (١٩٤٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُكِلَتِ الْحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ،

стр. 7442

فَنَادَى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ» أَوْ «نَجِسٌ»، قَالَ: فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا. ٦ - وفيه أنَّ لحم ما لا يؤكل لا يطهر بالذكاة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣٥): «وهو صريح في أنَّ ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة وأنَّها لا تعمل فيه شيئاً» اهـ. وَقَالَ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٣٠٧): «وَمِنْهَا: أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ، لَا جِلْدُهُ وَلَا لَحْمُهُ، وَأَنَّ ذَبِيحَتَهُ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ، وَأَنَّ الذَّكَاةَ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ» اهـ. * * *

стр. 7443

٣٧٤ - عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، ﵁ قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ». الحديث كسابقيه فيه حرمة لحوم الحمر الأهلية، وهو صريح بتحريم ذلك، وقاطع لمن أراد أن يتأول النهي في الأحاديث السابقة على الكراهة. وذكر اللحم باعتبار أنَّه غالب ما ينتفع به وإلَّا فإنَّ جميعه حرام ومن ذلك ألبانها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٤٠٨): «فَصْلٌ: وَأَلْبَانُ الْحُمُرِ مُحَرَّمَةٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. وَرَخَّصَ فِيهَا عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَلْبَانِ حُكْمُ اللُّحْمَانِ» اهـ. ومن العجائب أنَّ الحليب الوطني في تركيا هو "حليب العَير" وهو الحمار، وهو غالي الثمن عندهم وقد يبلغ سعر اللتر في بعض الأوقات إلى ثلاثين دولاراً. * * *

стр. 7444

٣٧٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ والنَّبيُّ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ. المَحْنوذُ: المَشْويُّ بالرَّصْفِ وهِيَ الحِجارةُ المُحْمَاة. هذا الحديث متفق عليه من مسند خالد بن الوليد من رواية ابن عباس عنه، وانفرد به الإمام مسلم من مسند ابن عباس ﵂. قَوْلُهُ: «فَأُتِيَ بِضَبٍّ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٣): «هو دويبة تشبه الجرذون لكنه أكبر من الجرذون ويكنى أبا حِسْل بمهملتين مكسورة ثم ساكنة ويقال للأنثى ضبة وبه سميت القبيلة، وبالخيف من مني جبل يقال له ضب، والضب داء في خف البعير، ويقال أنَّ لأصل ذكر الضب فرعين

стр. 7445

ولهذا يقال له ذكران، وذكر بن خالويه أنَّ الضب يعيش سبعمائة سنة وأنَّه لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يوماً قطره ولا يسقط له سن، ويقال بل أسنانه قطعة واحدة، وحكى غيره أنَّ أكل لحمه يذهب العطش، ومن الأمثال لا أفعل كذا حتى يرد الضب. يقوله من أراد أن لا يفعل الشيء لأنَّ الضب لا يرد بل يكتفى بالنسيم وبرد الهواء ولا يخرج من جحره في الشتاء» اهـ. وَقَالَ الدَّمِيْرِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٤٤٥): «قال عبد اللطيف البغدادي: الورل والضب والحرباء وشحمة الأرض والوزغ، كلها متناسبة في الخلق. وللضب ذكران وللأنثى فرجان، كالورل والحرذون. وقال عبد القاهر: الضب دويبة على حد فرخ التمساح الصغير وذنبه كذنبه وهو يتلون ألواناً بحر الشمس كما تتلون الحرباء انتهى» اهـ. قُلْتُ: الضب يأكل النباتات والأعشاب، والقول بأنَّ الضب يعيش سبعمائة سنة دعوى ليس عليها برهان، وهكذا القول بأنَّ أنثى الضب لها فرجان فغير صحيح، وأمَّا ذكر الضب فله عضوان لكن لا يستعملهما معاً في كل نزو، وإنَّما يستعمل واحداً منهما. وَقَوْلُهُ: «فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ». أي: أكره أكله.

стр. 7446

وَقَوْلُهُ: «فَاجْتَرَرْتُهُ». أي: قطعته. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - حل أكل الضب. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٥): «وفي هذا الحديث من الفوائد جواز أكل الضب وحكى عياض عن قوم تحريمه، وعن الحنفية كراهته، وأنكر ذلك النووي وقال: لا أظنه يصح عن أحد فإن صح فهو محجوج بالنصوص وبإجماع من قبله. قُلْتُ: قد نقله ابن المنذر عن علي فأي إجماع يكون مع مخالفته، ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم. وقال الطحاوي في "معاني الآثار" كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن» اهـ. قُلْتُ: أثر علي رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٤٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَّهُ كَرِهَ الضَّبَّ». قُلْتُ: الحارث وهو الأعور كذبه غير واحد.

стр. 7447

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢٠): «وقال أبو حنيفة: هو حرام. وبهذا قال الثوري؛ لما روي عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن أكل لحم الضب. وروي نحوه عن علي؛ ولأنَّه ينهش، فأشبه ابن عرس» اهـ. وقال فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٢٢): «قُلْتُ: الكراهة قول الحنفية بلا شك كما هو في كتبهم واختلفوا في المكروه والمروي عن محمد بن الحسن أنَّ كل مكروه حرام إلَّا أنَّه لما لم يجد فيه نصاً قاطعاً لم يطلق عليه لفظ الحرام، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنَّه إلى الحرام أقرب فظهر بذلك وجود الخلاف في تحريمه أيضاً عند الحنفية ولهذا نقل العمراني في "البيان" عن أبي حنيفة تحريمه، وهو ظاهر قول ابن حزم: ولم ير أبو حنيفة أكله، والخلاف عند المالكية أيضاً فحكى ابن شاس وابن الحاجب فيه وفي كل ما قيل إنَّه منسوخ ثلاثة أقوال التحريم، والكراهة، والجواز» اهـ. وقد جاء ما يدل على النهي عنه وهو ما رواه أبو داود (٣٧٩٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ، حَدَّثَهُمْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ».

стр. 7448

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه أبو راشد الحبراني لم يوثقه معتبر، وهو مع ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة في الباب. وروى أحمد (١٧٧٩٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ، قَالَ: فَأَصَبْنَا مِنْهَا وَذَبَحْنَا، قَالَ: فَبَيْنَا الْقُدُورُ تَغْلِي بِهَا، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فُقِدَتْ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ هِيَ فَأَكْفِئُوهَا» فَأَكْفَأْنَاهَا. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وهو محمول على أنَّ النبي ﷺ قال ذلك ورعاً قبل علمه بأنَّ الممسوخ لا نسل له كما سيأتي بيان ذلك. والله أعلم. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٤٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «ضَبٌّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دَجَاجَةٍ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وفي سماع سعيد بن المسيب من عمر كلام لكن قال الإمام أحمد ﵀: «وإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل» اهـ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٦٧٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ رَاعِيًا فَشَكَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْجُوعَ بِأَرْضِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَسْتَ

стр. 7449

بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ عُمَرُ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِالضِّبَابِ حُمْرَ النَّعَمِ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. ٢ - وفيه أنَّ معافاة الشيء لا يقتضي تحريمه. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ٢٥١): «فيه دليل على أنَّ التحليل والتحريم ليس مردوداً إلى الطباع ولا إلى ما يقع في النفس وإنَّما الحرام ما حرمه الكتاب والسنة أو يكون في معنى ما حرمه أحدهما ونص عليه» اهـ. ٣ - وفيه أنَّ ذكر الرجل معافاته من الطعام من أجل نوعه لا يدخل في عيب الطعام المكروه، وإنَّما تختص الكراهة بعيب الطعام من أجل طبخه حتى لا ينكسر خاطره وينسب بالتقصير في طبخه. والله أعلم. وقد ورد سبب آخر في كراهة النبي ﷺ لأكل الضب، وهو خشية أن يكون من المسخ، فروى مسلم (١٩٤٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: «لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ».

стр. 7450

وروى مسلم (١٩٥١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي؟ قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ، فَعَاوَدَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: «يَا أَعْرَابِيُّ، إِنَّ اللهَ لَعَنَ - أَوْ غَضِبَ - عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ، يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي، لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فَلَسْتُ آكُلُهَا، وَلَا أَنْهَى عَنْهَا». قُلْتُ: وهذا محمول على أنَّه كان قبل أن يعلم النبي ﷺ أنَّ المسخ لا نسل له، فقد روى مسلم (٢٦٦٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ، هِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا، فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ». وفي لفظ له: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَقَدْ كَانَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ». ٤ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٧): «ويؤخذ منه أنَّ من خشي أن يتقذر شيئاً لا ينبغي أن يدلس له لئلا يتضرر به وقد شوهد ذلك من بعض الناس» اهـ.

стр. 7451

٥ - وفيه أنَّ النبي ﷺ لا يعلم الغيب. ٦ - وفيه دخول الرجل على أقاربه من النساء والأكل عندهم إذا كان الزوج لا يكره ذلك. وأبعد الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فَقَالَ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ٢٥٢): «وأمَّا دخول خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس بيت رسول الله ﷺ وفيه ميمونة مع النسوة اللاتي قال بعضهن أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل منه فإنَّما كان ذلك قبل نزول الحجاب والله أعلم» اهـ. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٧) - متعقباً له -: «وغفل عمَّا ذكره هو أنَّ إسلام خالد كان بين عمرة القضية والفتح وكان الحجاب قبل ذلك اتفاقاً» اهـ. قُلْتُ: وميمونة هي بنت حارث خالة خالد بن الوليد وابن عباس ﵄، وقد جاء في رواية لمسلم (١٩٤٦) عن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَيْفُ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ، وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، قَدْ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ

стр. 7452

الحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيَّ. قُلْتُ: وأمَّا سائر النسوة فلم يسمين. * * *

стр. 7453

٣٧٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ». قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٢٦٨): «الجراد: معروف الواحدة جرادة الذكر والأنثى فيه سواء. يقال: هذا جرادة ذكر وهذه جرادة أنثى كنملة وحمامة. قال أهل اللغة: وهو مشتق من الجرد. قال: والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جداً. يقال ثوب جرد أي أملس. وثوب جرد إذا ذهب زئيره» اهـ. وَقَالَ: (١/ ٢٧٠): «وفي الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه وجه فرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا أيل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل، ورجلا نعامة، وذنب حية» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٢٠): «ويقال أنَّه مشتق من الجرد لأنَّه لا ينزل على شيء إلَّا جرده» اهـ. وفي الحديث حل أكل الجراد، وهذا مما لا نزاع فيه.

стр. 7454

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١٣٧): «ولم يختلف في جواز أكل الجراد على الجملة، لكن اختلف فيه؛ هل يحتاج إلى سبب يموت به أم لا يحتاج؟ فعامة الفقهاء: على أنَّه لا يحتاج إلى ذلك. فيجوز أكل الميت منه. وإليه ذهب ابن عبد الحكم، ومطرف من أصحابنا. وذهب مالك: إلى أنَّه لا بد من سبب يموت به، كقطع رؤوسه، أو أرجله، أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يشوى، أو يصلق. وقال الليث: يكره أكل ميت الجراد إلَّا ما أخذ حياً ثم مات، فإن أخذه ذكاته، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والجمهور تمسكاً بظاهر حديث ابن أبي أوفى المتقدم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٤١): «فيه إباحة الجراد، وأجمع المسلمون على إباحته، ثم قال الشافعي وأبو حنيفة، وأحمد والجماهير: يحل، سواء مات بذكاة أو باصطياد مسلم أو مجوسي، أو مات حتف أنفه، سواء قطع بعضه أو أحدث فيه سبب، وقال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية: لا يحل إلَّا إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يسلق أو يلقى في النار حياً أو يشوى، فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحل. والله أعلم» اهـ.

стр. 7455

وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٢١): «وقد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية إلَّا أنَّ المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته، واختلفوا في صفتها فقيل بقطع رأسه، وقيل إن وقع في قدر أو نار حل، وقال ابن وهب: أخذه ذكاته، ووافق مطرف منهم الجمهور في أنَّه لا يفتقر إلى ذكاته لحديث ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال". أخرجه أحمد والدارقطني مرفوعاً وقال: إنَّ الموقوف أصح ورجح البيهقي أيضاً الموقوف إلَّا أنَّه قال: إنَّ له حكم الرفع» اهـ. * * *

стр. 7456

٣٧٧ - عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّبٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَدَعَا بِمَائِدَةٍ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ، أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٥) - عند كلامه على الدجاج -: «هو اسم جنس مثلث الدال ذكره المنذري في الحاشية وابن مالك وغيرهما ولم يحك النووي الضم والواحدة دجاجة مثلث أيضاً، وقيل أنَّ الضم فيه ضعيف. قال الجوهري: دخلتها الهاء للوحدة مثل الحمامة، وأفاد إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" أنَّ الدجاج بالكسر اسم للذكران دون الإناث والواحد منها ديك، وبالفتح الإناث دون الذكران والواحدة دجاجة بالفتح أيضاً. قال: وسمي لإسراعه في الإقبال والادبار من دج يدج إذا أسرع. قُلْتُ: ودجاجة اسم امرأة وهي بالفتح فقط ويسمى بها الكبة من الغزل» اهـ. قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٤٥٨): «الدجاج: مثلث الدال حكاه ابن معن الدمشقي وابن مالك وغيرهما، الواحدة دجاجة الذكر والأنثى فيه سواء والهاء فيه كبطة وحمامة، وقال

стр. 7457

ابن سيده: سميت الدجاجة دجاجة لإقبالها وادبارها يقال: دج القوم يدجون دجيجاً إذا مشوا مشياً رويداً في تقارب خطو. وقيل: هو أن يقبلوا ويدبروا. وقال الأصمعي: الدجاجة بالفتح الواحدة من الدجاج، وبالكسر الكبة من الغزل. وقال غيره: الكبة من الغزل دجاجة بفتح الدال أيضاً. قاله الإمام ابن بيدار في شرح الفصيح. وكنية الدجاجة أم الوليد وأم حفصة وأم جعفر وأم عقبة وأم إحدى وعشرين وأم قوب وأم نافع. وإذا هرمت الدجاجة لم يكن لبيضها مخ، وإذا كانت كذلك لم يخلق منها فرخ، ومن عجيب أمرها أنَّه يمر بها سائر السباع فلا تخشاها فإذا مر بها ابن آوى وهي على سطح أو جدار أو شجرة رمت بنفسها إليه. وتوصف الدجاجة بقلة النوم، وسرعة الانتباه. يقال إنَّ نومها واستيقاظها إنَّما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه، ويقال إنَّها تفعل ذلك من شدة الجبن، وأكثر ما عندها من الحيلة أنَّها لا تنام على الأرض، بل ترتفع على رف أو على جذع، أو

стр. 7458

جدار أو ما قارب ذلك، وإذا غربت الشمس فزعت إلى تلك العادة وبادرت إليها. والفرخ يخرج من البيضة كاسياً، ظريفاً مقبولاً، سريع الحركة يدعى فيجيب، ثم هو كلما مرت عليه الأيام، حمق ونقص حسنه وكيسه وزاد قبحه، فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان فيه إلى أن يصير إلى حالة لا يصلح فيها إلَّا للذبح أو الصياح أو البيض. والدجاج مشترك الطبيعة يأكل اللحم والذباب، وذلك من طباع الجوارح، ويأكل الخبز ويلتقط الحب، وذلك من طباع البهائم والطير. ويعرف الديك من الدجاجة وهو في البيضة وذلك أنَّ البيضة إذا كانت مستطيلة محدودة الأطراف فهي مخرج الإناث، وإذا كانت مستديرة عريضة الأطراف، فهي مخرج الذكور. والفرخ يخرج من البيضة تارة بالحضن وتارة بأن يدفن في الزبل ونحوه» اهـ. قُلْتُ: كتاب الدَّميري هذا كتاب جيد في معرفة أحوال الحيوان وبعض الأحكام المتعلقة به، وهو يأخذ كثيراً من كتاب الحيوان للجاحظ، ويؤخذ عليه أنَّه يذكر في خواص الحيوان غالباً ما يدخل في الشرك من تعليق الحروز والتمائم، وغير ذلك من الأباطيل الممقوتة التي لا يقبلها شرع ولا عقل وهذا أعظم ما شان به كتابه،

стр. 7459

ومما يؤخذ عليه عدم تحريه للأحاديث الصحيحة، فإنَّه يذكر في كتابه الموضوع وما لا أصل له، وإنَّما نبهت على ذلك لأنَّي قد أكثرت من النقل عنه في هذا الباب فأخشى أن يغتر بكتابه من لم يعرف حقيقة أمره. والله المستعان. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - حل لحم الدجاج. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٨): «وفيه جواز أكل الدجاج إنسيه ووحشيه وهو بالاتفاق إلَّا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع إلَّا أن بعضهم استثنى الجلالة وهي ما تأكل الاقذار وظاهر صنيع أبي موسى أنَّه لم يبال بذلك. والجلالة عبارة عن الدابة التي تأكل الجلة بكسر الجيم والتشديد وهي البعر، وادعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع والمعروف التعميم، وقد اخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عمر أنَّه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثاً. وقال مالك والليث: لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج وغيره وإنَّما جاء النهي عنها للتقذر» اهـ.

стр. 7460

قُلْتُ: أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٠٩٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ الْجَلَّالَةَ ثَلَاثًا». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ كما ذكر الحافظ ﵀. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٧١٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ ثَلَاثَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ بَيْضَهَا». قُلْتُ: فيه عبد الله وهو ابن عمر العمري ضعيف الحديث، ويقويه ما سبق. قُلْتُ: وإنَّما امتنع زهدم من أكلها لأنَّه رآها تأكل نتناً، فقد جاء عند البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩): «فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ لَا آكُلُ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٧): «وكأنَّه ظنَّ أنَّها أكثرت من ذلك بحيث صارت جلالة فبين له أبو موسى أنَّها ليست كذلك، أو أنَّه لا يلزم من كون تلك الدجاجة التي رآها كذلك أن يكون كل الدجاج كذلك» اهـ.
следующие страницы →