Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.
стр. 7456
٣٧٧ - عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّبٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَدَعَا بِمَائِدَةٍ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ، أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٥) - عند كلامه على الدجاج -: «هو اسم جنس مثلث الدال ذكره المنذري في الحاشية وابن مالك وغيرهما ولم يحك النووي الضم والواحدة دجاجة مثلث أيضاً، وقيل أنَّ الضم فيه ضعيف. قال الجوهري: دخلتها الهاء للوحدة مثل الحمامة، وأفاد إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" أنَّ الدجاج بالكسر اسم للذكران دون الإناث والواحد منها ديك، وبالفتح الإناث دون الذكران والواحدة دجاجة بالفتح أيضاً. قال: وسمي لإسراعه في الإقبال والادبار من دج يدج إذا أسرع.
قُلْتُ: ودجاجة اسم امرأة وهي بالفتح فقط ويسمى بها الكبة من الغزل» اهـ.
قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٤٥٨): «الدجاج: مثلث الدال حكاه ابن معن الدمشقي وابن مالك وغيرهما، الواحدة دجاجة الذكر والأنثى فيه سواء والهاء فيه كبطة وحمامة، وقال
стр. 7457
ابن سيده: سميت الدجاجة دجاجة لإقبالها وادبارها يقال: دج القوم يدجون دجيجاً إذا مشوا مشياً رويداً في تقارب خطو.
وقيل: هو أن يقبلوا ويدبروا.
وقال الأصمعي: الدجاجة بالفتح الواحدة من الدجاج، وبالكسر الكبة من الغزل.
وقال غيره: الكبة من الغزل دجاجة بفتح الدال أيضاً. قاله الإمام ابن بيدار في شرح الفصيح.
وكنية الدجاجة أم الوليد وأم حفصة وأم جعفر وأم عقبة وأم إحدى وعشرين وأم قوب وأم نافع.
وإذا هرمت الدجاجة لم يكن لبيضها مخ، وإذا كانت كذلك لم يخلق منها فرخ، ومن عجيب أمرها أنَّه يمر بها سائر السباع فلا تخشاها فإذا مر بها ابن آوى وهي على سطح أو جدار أو شجرة رمت بنفسها إليه.
وتوصف الدجاجة بقلة النوم، وسرعة الانتباه. يقال إنَّ نومها واستيقاظها إنَّما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه، ويقال إنَّها تفعل ذلك من شدة الجبن، وأكثر ما عندها من الحيلة أنَّها لا تنام على الأرض، بل ترتفع على رف أو على جذع، أو
стр. 7458
جدار أو ما قارب ذلك، وإذا غربت الشمس فزعت إلى تلك العادة وبادرت إليها.
والفرخ يخرج من البيضة كاسياً، ظريفاً مقبولاً، سريع الحركة يدعى فيجيب، ثم هو كلما مرت عليه الأيام، حمق ونقص حسنه وكيسه وزاد قبحه، فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان فيه إلى أن يصير إلى حالة لا يصلح فيها إلَّا للذبح أو الصياح أو البيض. والدجاج مشترك الطبيعة يأكل اللحم والذباب، وذلك من طباع الجوارح، ويأكل الخبز ويلتقط الحب، وذلك من طباع البهائم والطير. ويعرف الديك من الدجاجة وهو في البيضة وذلك أنَّ البيضة إذا كانت مستطيلة محدودة الأطراف فهي مخرج الإناث، وإذا كانت مستديرة عريضة الأطراف، فهي مخرج الذكور. والفرخ يخرج من البيضة تارة بالحضن وتارة بأن يدفن في الزبل ونحوه» اهـ.
قُلْتُ: كتاب الدَّميري هذا كتاب جيد في معرفة أحوال الحيوان وبعض الأحكام المتعلقة به، وهو يأخذ كثيراً من كتاب الحيوان للجاحظ، ويؤخذ عليه أنَّه يذكر في خواص الحيوان غالباً ما يدخل في الشرك من تعليق الحروز والتمائم، وغير ذلك من الأباطيل الممقوتة التي لا يقبلها شرع ولا عقل وهذا أعظم ما شان به كتابه،
стр. 7459
ومما يؤخذ عليه عدم تحريه للأحاديث الصحيحة، فإنَّه يذكر في كتابه الموضوع وما لا أصل له، وإنَّما نبهت على ذلك لأنَّي قد أكثرت من النقل عنه في هذا الباب فأخشى أن يغتر بكتابه من لم يعرف حقيقة أمره. والله المستعان.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حل لحم الدجاج.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٨): «وفيه جواز أكل الدجاج إنسيه ووحشيه وهو بالاتفاق إلَّا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع إلَّا أن بعضهم استثنى الجلالة وهي ما تأكل الاقذار وظاهر صنيع أبي موسى أنَّه لم يبال بذلك. والجلالة عبارة عن الدابة التي تأكل الجلة بكسر الجيم والتشديد وهي البعر، وادعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع والمعروف التعميم، وقد اخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عمر أنَّه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثاً. وقال مالك والليث: لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج وغيره وإنَّما جاء النهي عنها للتقذر» اهـ.
стр. 7460
قُلْتُ: أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٠٩٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ الْجَلَّالَةَ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ كما ذكر الحافظ ﵀.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٧١٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ ثَلَاثَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ بَيْضَهَا».
قُلْتُ: فيه عبد الله وهو ابن عمر العمري ضعيف الحديث، ويقويه ما سبق.
قُلْتُ: وإنَّما امتنع زهدم من أكلها لأنَّه رآها تأكل نتناً، فقد جاء عند البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩): «فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ لَا آكُلُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٧): «وكأنَّه ظنَّ أنَّها أكثرت من ذلك بحيث صارت جلالة فبين له أبو موسى أنَّها ليست كذلك، أو أنَّه لا يلزم من كون تلك الدجاجة التي رآها كذلك أن يكون كل الدجاج كذلك» اهـ.
стр. 7461
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩/ ٣٣٣) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى ﵁ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ فَدَعَانِي فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ نَتِنًا، قَالَ: ادْنُهْ فَكُلْ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وفيه أنَّ الممتنع هو زهدم، وفي رواية الباب كنى عن نفسه.
ورواه أحمد (١٩٦٠٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ يُقَالُ لَهُ: زَهْدَمٌ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَأُتِيَ بِلَحْمِ دَجَاجٍ». فذكره. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٧): «ولا يعكر عليه إلَّا ما وقع في الصحيحين مما ظاهره المغايرة بين زهدم والممتنع من أكل الدجاج ففي رواية عن زهدم: كنا عند أبي موسى فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي فقال هلم فتلكأ. الحديث. فإنَّ ظاهره أنَّ الداخل دخل وزهدم جالس عند أبي موسى لكن يجوز أن يكون مراد زهدم بقوله: كنا قومه الذين دخلوا قبله على أبي موسى وهذا مجاز قد استعمل غيره مثله كقول ثابت البناني: خطبنا عمران
стр. 7462
بن حصين، أي خطب أهل البصرة ولم يدرك ثابت خطبة عمران المذكورة فيحتمل أن يكون زهدم دخل فجرى له ما ذكر وغاية ما فيه أنَّه أبهم نفسه ولا عجب فيه والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في النهي عن أكل الجلالة ما رواه أحمد (٧٠٣٩)، وأبو داود (٣٨١١)، والنسائي (٤٤٤٧) من طريق وُهَيْبٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الجَلَّالَةِ، عَنْ رُكُوبِهَا وَأَكْلِ لَحْمِهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى أبو داود (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا».
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق، وابن نجيح وهما مدلسان، ويشهد له ما سبق، وما سيأتي.
وروى أبو داود (٣٧٨٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتَيَانِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
стр. 7463
عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وروى أحمد (١٩٨٩، ٢٦٧١، ٢٩٥٢، ٣١٤٢، ٣١٤٣)، والترمذي (١٨٢٥)، والنسائي (٤٤٤٨) من طرق عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَبَنِ شَاةِ الْجَلالَةِ، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ويحيى هو القطان، وهشام هو الدستوائي.
قُلْتُ: والجلالة إذا حبست حتى طاب لحمها جاز أكلها اتفاقاً.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٦١٨):
«فإنَّ الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي ﷺ عن لبنها فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالاً باتفاق المسلمين؛ لأنَّها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة وخبثها فإذا زال ذلك عادت طاهرة فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها» اهـ.
وقد اختلف العلماء في مقدار حبسها:
стр. 7464
فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٠٠) «فصل: وتزول الكراهة بحبسها اتفاقاً.
واختلف في قدره، فروي عن أحمد؛ أنَّها تحبس ثلاثاً، سواء كانت طائراً أو بهيمة.
وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثاً.
وهذا قول أبي ثور، لأنَّ ما طهر حيواناً طهر الآخر، كالذي نجس ظاهره.
والأخرى، تحبس الدجاجة ثلاثاً، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين.
وهذا قول عطاء، في الناقة والبقرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو، لأنَّهما أعظم جسماً، وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولأبي حنيفة روايتان: الأولى أنَّ حبسها غير مؤقت، والأخرى تحبس ثلاثاً.
واستثنى الحنفية الدجاج قالوا: لأنَّها تختلط النجاسة بغيرها، ولأنَّه لا يظهر فيها النتن.
وعند الشافعية تحبس الإبل أربعين، والبقر ثلاثين، والشاة سبعة، والدجاج ثلاثاً، وإن زال الأثر بأقل من ذلك زالت الكراهة.
والأظهر أنَّها تحبس حتى يظهر زوال أثر النجاسة منها من غير تقييد.
стр. 7465
وظاهر الأحاديث تحريم أكل الجلالة وشرب لبنها، وهي رواية عن أحمد، وذهب ﵀ في الرواية الأخرى إلى كراهة ذلك، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
ولم يكره الإمام أكلها، ورأى النهي للتقذر.
٢ - وفيه استدعاء صاحب الطعام للداخل أن يأكل معه.
* * *
стр. 7466
فرع: في ذكر قواعد مهمة حول المحرمات من الحيوان.
القاعدة الأولى: كل ما نص على تحريمه من الحيوان فهو حرام.
كالميته ولحم الخنزير، والمقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وما ذبح لغير الله كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].
ومن ذلك أيضاً لحم الحمر الأهلية كما سبق.
القاعدة الثانية: حرمة كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٩٣٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ».
стр. 7467
وروى البخاري (٥٧٨٠)، ومسلم (١٩٣٢) عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ».
وروى مسلم (١٩٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤١٦): «المخلب: بكسر الميم وفتح اللام، قال أهل اللغة: المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان. في هذه الأحاديث دلالة لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور أنَّه يحرم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وقال مالك: يكره ولا يحرم، قال أصحابنا: المراد بذي الناب ما يتقوى به ويصطاد» اهـ.
قُلْتُ: ويشكل على هذا ما رواه أحمد (١٤١٩٨، ١٤٤٨٩)، وأبو داود (٣٨٠١)، والنسائي (٢٨٣٦، ٤٣٢٣)، وابن ماجه (٣٢٣٦) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : عَنِ الضَّبُعِ، فَقَالَ: «هُوَ صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ»، وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، ووجه الاشكال أنَّ النبي ﷺ جعل الضبع صيداً، وهذا يدل على حل أكله مع أنَّه ذو ناب.
стр. 7468
وقد جمع العلماء بين الحديثين بعدة أقوال:
الأول: أنَّ حديث جابر يخصص أحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٤٨): «قُلْتُ: وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة وخبر جابر خاص وخبر تحريم السباع عام» اهـ.
وقد رد ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٥): «والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصاً لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلَّا الضبع، وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلاً على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما، وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك أعنى شريعة التنزيل لا شريعة التأويل» اهـ.
الثاني: حمل حديث النهي على العادي من السباع غالباً دون من لا يعدوا غالباً كالضبع.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٥٢): «اختلف الفقهاء في معنى قول رسول الله ﷺ أكل كل ذي ناب من السباع حرام
стр. 7469
فقال منهم قائلون إنَّما أراد رسول الله ﷺ بقوله هذا ما كان يعدو على الناس مثل الأسد والذيب والنمر والكلب العادي وما أشبه ذلك مما الأغلب في طبعه أن يعدو وما كان الأغلب من طبعه أنَّه لا يعدو فليس مما عناه رسول الله ﷺ بقوله هذا وإذا لم يكن يعدو فلا بأس بأكله واحتجوا بحديث الضبع في إباحة أكله وهي سبع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١٢١): «تنبيه: هذا الخلاف إنَّما هو في السباع العادية المفترسة كالأسد، والنمر، والذئب، والكلب، وأمَّا ما ليس كذلك فجل أقوال الناس فيه: الكراهة. وحيث صار أحد من العلماء إلى تحريم شيء من هذا النوع؟ فإنَّما ذلك لأنَّه ظهر للقائل بالتحريم أنَّه عاد، وذلك كاختلافهم في الضبع، والثعلب، والهر وشبهها. فرآها قوم من السباع فحكموا بتحريمها، وأجاز أكلها: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول علي، وجماعة من الصحابة، وكرهها مالك. حكى ذلك القاضي عياض» اهـ.
الثالث: أنَّ الضبع خارج عن مسمى السباع فلا يدخل في أحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع.
стр. 7470
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٦): «ومن تأمل ألفاظه ﷺ الكريمة تبين له اندفاع هذا السؤال فإنَّه إنَّما حرم ما اشتمل على الوصفين أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد وأمَّا الضبع فإنَّما فيها أحد الوصفين وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية، ولا ريب أنَّ السباع أخص من ذوات الأنياب والسبع إنَّما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها فإنَّ الغاذي شبيه بالمغتذي، ولا ريب أنَّ القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفاً والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ] (١/ ٢٣٥): «ولم يحرم عليهم الضبع وإن كان ذا ناب فإنَّه ليس من السباع عند أحد من الأمم والتحريم إنَّما كان لما تضمن الوصفين أن يكون ذا ناب وأن يكون من السباع، ولا يقال هذا ينتقض بالسبع إذا لم يكن له ناب لأنَّ هذا لم يوجد أبداً فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم فأوضح الأحكام وبين الحلال والحرام» اهـ.
قُلْتُ: وهذا أحسن الأجوبة. والله أعلم.
стр. 7471
الرابع: أنَّ حديث جابر غاية ما فيه أنَّ الضبع صيد فيه الجزاء وليس فيه أنَّه يحل أكله، فالجمع بين الحديثين أن يقال: الضبع صيد لحديث جابر، ولا يجوز أكله لأحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٥) - متكلماً على لسان المحرمين لأكل الضبع -:
«قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه وهو مغرى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم ويأكل الجيف ويكسر بنابه قالوا: والله سبحانه قد حرم علينا الخبائث وحرم رسول الله ﷺ ذوات الأنياب والضبع لا يخرج عن هذا وهذا، وقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنَّها صيد يفدي في الإحرام ولا يلزم من ذلك أكلها، وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله يعني الإمام أحمد عن محرم قتل ثعلباً فقال: عليه الجزاء هي صيد، ولكن لا يؤكل، وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله سئل عن ثعلب فقال: الثعلب سبع، فقد نص على أنَّه سبع وأنَّه يفدي في الإحرام ولما جعل النبي ﷺ في الضبع كبشاً ظن جابر أنَّه يؤكل فأفتى به» اهـ.
стр. 7472
قُلْتُ: وسلك الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ مسلك الترجيح فقال في [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٥٥): «والحجة لمالك وأصحابه في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع عموم النهي عن ذلك ولم يخص رسول الله ﷺ سبعاً من سبع فكل ما وقع عليه اسم سبع فهو داخل تحت النهي على ما يوجبه الخطاب وتعرفه العرب من لسانها في مخاطباتها وليس حديث الضبع مما يعارض به حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع لأنَّه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار وليس بمشهور بنقل العلم ولا من يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه وقد روى النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة عن أبي هريرة وأبي ثعلبة وغيرهما عن النبي ﷺ روى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الذين تسكن النفس إلى ما نقلوه ومحال أن يعارضوا بحديث ابن أبي عمار» اهـ.
قُلْتُ: عبد الرحمن بن أبي عمار وثقه ابن المديني، وأبو زرعة، والنسائي، وابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات، ولا أعلم أحداً طعن فيه، غير أنَّ أبا حاتم قال فيه: صالح الحديث. ثم إنَّ الجمع مقدم على الترجيح عند أهل العلم، والجمع بين ذلك ممكن كما سبق بيان ذلك.
стр. 7473
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢١): «قال ابن عبد البر: هذا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع؛ لأنَّه أقوى منه.
قلنا: هذا تخصيص لا معارض، ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة المخصص؛ بدليل تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد» اهـ.
قُلْتُ: وقد نقل الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢١) - نزاع العلماء في أكل الضبع - فقال:
«فصل: فأمَّا الضبع: فرويت الرخصة فيها عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق.
وقال عروة: مازالت العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأساً.
وقال أبو حنيفة والثوري ومالك: هو حرام.
وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب؛ لأنَّها من السباع، وقد نهى النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وهي من السباع، فتدخل في عموم النهي» اهـ.
قُلْتُ: المشهور عند المالكية أنَّ الإمام مالك يكره ذلك ولا يحرمه.
стр. 7474
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٩): «الضبع والثعلب مباحان عندنا وعند أحمد وداود، وحرمهما أبو حنيفة، وقال مالك يكرهان، وممن قال بإباحة الضبع علي بن أبي طالب وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وخلائق من الصحابة والتابعين، وممن أباح الثعلب طاووس وقتادة وأبو ثور» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح حل الثعلب لأنَّه لا يعد من السباع. والله أعلم.
وتنازع العلماء في الفيل، فذهب بعض العلماء إلى حرمته لأنَّه ذو ناب، ولأنَّه مسخ، ولاستخباثه، ولأنَّه ليس من طعام المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨٩): «فصل: والفيل محرم. قال أحمد: ليس هو من أطعمة المسلمين.
وقال الحسن: هو مسخ. وكرهه أبو حنيفة، والشافعي. ورخص في أكله الشعبي.
ولنا، نهي النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع.
وهو من أعظمها ناباً، ولأنَّه مستخبث، فيدخل في عموم الآية المحرمة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ١٧): «ومنها الفيل وهو حرام عندنا وعند أبي حنيفة والكوفيين والحسن، وأباحه الشعبي وابن شهاب ومالك في رواية» اهـ.
стр. 7475
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو حل أكل الفيل لأنَّ الأصل الأشياء الحل، والقول بأنَّه ذو ناب لا يكفي في حرمته وذلك لأنَّ النبي ﷺ نهي عن كل ذي ناب من السباع، والفيل لا يعد من السباع، والقول بأنَّه مسخ مما لا دليل عليه، وتحريمه من أجل الاستخباث ليس بصحيح وهذا مما لا ينضبط فقد يستخبث الشخص ما لا يستخبثه غيره، وقد كره النبي ﷺ الضب ولم يحرمه، والخبيث الذي حرمه الله تعالى ما فيه ضرر مساوٍ أو راجح إمَّا على الدين أو البدن، وتحريمه باعتبار أنَّه ليس من طعام المسلمين فليست من الحجج المستقيمة في التحريم، ولا أعلم ما يدل على حرمة الطعام إذا لم يكن من طعام المسلمين. والله أعلم.
قُلْتُ: وفي سباع البحر نزاع بين العلماء، فذهب بعض العلماء إلى حرمة سباع البحر أخذاً بعموم الأدلة السابقة، وذهب بعض العلماء إلى حل ذلك، واحتجوا بعموم قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
وبما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٤١)، ومن طريقه أحمد (٧٢٣٢، ٨٧٢٠)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩، ٣٣٢، ٤٣٥٠)، وابن ماجه
стр. 7476
(٣٨٦، ٣٢٤٦) عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ - مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ - أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢٧ - ٤٢٨): «فأمَّا التمساح: فقد نقل عنه ما يدل على أنَّه لا يؤكل.
وقال الأوزاعي: لا بأس به لمن اشتهاه.
وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح ولا الكوسج؛ لأنَّهما يأكلان الناس.
وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره: أنَّه قال: كانوا يكرهون سباع البحر، كما يكرهون سباع البر. وذلك لنهي النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع.
وقال أبو علي النجاد: ما حرم نظيره في البر، فهو حرام في البحر، ككلب الماء وخنزيره وإنسانه.
وهو قول الليث، إلَّا في كلب الماء، فإنَّه يرى إباحة كلب البر والبحر.
стр. 7477
وقال أبو حنيفة: لا يباح إلَّا السمك.
قال مالك: كل ما في البحر مباح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٣٢): «وأمَّا التمساح فحرام على الصحيح المشهور وبه قطع المصنف في التنبيه والأكثرون وفيه وجه» اهـ.
وألحق الشافعية بالتمساح سمك القرش والدلفين وكل ما له ناب.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦١٩): «ومن المستثنى أيضاً التمساح لكونه يعدو بنابه، وعند أحمد فيه رواية، ومثله القرش في البحر الملح خلافاً لما أفتي به المحب الطبري» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٦/ ٣٢٠): «ولا يؤكل عنده - يعني الشافعي - التمساح ولا القرش والدلفين، وكل ما له ناب لنهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب» اهـ.
القاعدة الثالثة: ما دل الدليل على نجاسته فهو حرام.
ومن ذلك الحمر الأهلية. ويدل عليه ما رواه البخاري (٤١٩٨)، مسلم (١٩٤٠) واللفظ له عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
стр. 7478
اللهِ، أُكِلَتِ الْحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ» أَوْ «نَجِسٌ»، قَالَ: فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا.
ومن ذلك الكلاب، ويدل على نجاسته ما رواه البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا». وغيره من أحاديث الباب.
قُلْتُ: وقد حرَّم لحم الكلب عامة العلماء إلَّا قول ضعيف للإمام مالك ذهب فيه إلى الكراهة.
القاعدة الرابعة: أنَّ كل ما نهي عن بيعه فيحرم أكله.
وذلك أنَّه لو حل أكله لحل بيعه من أجل ذلك كسائر ما يحل أكله من الطعام.
ومن ذلك ما رواه البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ».
ورواه البخاري (٢٠٨٦) عن أبي جحيفة.
стр. 7479
ومن ذلك السنور، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٥٦٩) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا، عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟ قَالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ».
القاعدة الخامسة: كل ما حرم اقتناؤه حرم أكله.
وذلك أنَّه لو حل أكله لجاز اقتناؤه من أجل ذلك.
ومن أمثلة ذلك الكلاب، وقد جاء في حرمة اقتناؤها في غير ما استثناه الدليل ما رواه البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (١٥٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ».
وروى البخاري (٥٤٨١)، ومسلم (١٥٧٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».
القاعدة السادسة: يحرم المسخ، ويحرم من الحيوان ما مسخ بعض الخلق إليه، أو ما توعد بالمسخ على صورته.
وذلك أنَّ المسخ يكون إلى حيوان خبيث، ولا يكون إلى حيوان طيب.
стр. 7480
ومن ذلك القردة والخنازير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
وروى البخاري (٥٥٩٠) عَنْ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ - يَعْنِي الفَقِيرَ - لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
ومما توعد بالمسخ إليه ما رواه البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 7481
«أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ».
ومما يدل على حرمة المسخ ما رواه مسلم (١٩٤٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: «لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ».
وروى مسلم (١٩٥١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي؟ قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ، فَعَاوَدَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: «يَا أَعْرَابِيُّ، إِنَّ اللهَ لَعَنَ - أَوْ غَضِبَ - عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ، يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي، لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فَلَسْتُ آكُلُهَا، وَلَا أَنْهَى عَنْهَا».
قُلْتُ: وهذا وإن كان محمولاً على أنَّ النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم أنَّ الله لم يجعل لمسخ نسلاً، لكنه يدل أنَّ ما علم أنَّه من المسخ فلا يحل أكله.
стр. 7482
قُلْتُ: وأمَّا القرد فقد قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٥٧): «لا أعلم بين علماء المسلمين خلافاً أنَّ القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه لأنَّه مما لا منفعة فيه وما علمنا أحداً أرخص في أكله» اهـ.
وقد جاء في ذلك ما لا يثبت وهو ما رواه ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٥٧) معلقاً عَنِ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الْقِرْدِ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ وفي إسناده إبهام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨٦): «وهو مسخ أيضاً، فيكون من الخبائث المحرمة» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَّى] (٧/ ٤٢٩): «والقرد حرام أكله لأنَّ الله تعالى مسخ ناساً عصاة عقوبة لهم» اهـ.
القاعدة السابعة: يحرم كل ما فيه ضرر على الدين، أو البدن.
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٧/ ١٨٠):
стр. 7483
«فالطيبات التي أباحها هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق والخبائث هي الضارة للعقول والأخلاق» اهـ.
وَقَالَ (٧/ ٦٥٤): «وحرم عليهم الخبائث وهي ما يضرهم» اهـ.
وَقَال ﵀ (٢١/ ١٠): «ولما كان الله إنَّما حرم الخبائث لما فيها من الفساد: إمَّا في العقول؛ أو الأخلاق؛ أو غيرها: ظهر على الذين استحلوا بعض المحرمات من الأطعمة أو الأشربة من النقص بقدر ما فيها من المفسدة ولولا التأويل لاستحقوا العقوبة» اهـ.
وَقَال ﵀ (٢١/ ٥٣٦): «وخص من ذلك بعض الأشياء وهي الخبائث؛ لما فيها من الإفساد لهم في معاشهم أو معادهم» اهـ.
قُلْتُ: هذا هو الصحيح في تفسير الخبائث، وقد ذهب بعض العلماء إلى خلاف ذلك فعند الحنابلة أنَّ الخبائث هي ما استخبثه أهل الحجاز من أهل الأمصار، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٧٨): «والذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز، من أهل الأمصار؛ لأنَّهم الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به وبالسنة، فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون
стр. 7484
غيرهم، ولم يعتبر أهل البوادي؛ لأنَّهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون؟ فقال: ما دب ودرج، إلَّا أم حبين.
فقال: لتهن أم حبين العافية.
وما وجد في أمصار المسلمين، مما لا يعرفه أهل الحجاز، رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز، فإن لم يشبه شيئاً منها، فهو مباح؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. الآية، ولقول النبي ﷺ : "وما سكت الله عنه، فهو مما عفا عنه"» اهـ.
وذهب علماء الشافعية إلى ما هو أوسع من ذلك فَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٢٦ - ٢٧):
«قال أصحابنا وغيرهم: وليس المراد بالطيب هنا الحلال لأنَّه لو كان المراد الحلال لكان تقديره أحل لكم الحلال وليس فيه بيان وإنَّما المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب وبالخبائث ما تستخبثه. قال أصحابنا: ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس وينزل كل قوم على ما يستطيبونه أو يسخبثونه لأنَّه يؤدى إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها وذلك يخالف قواعد الشرع. قالوا: فيجب اعتبار العرب فهم أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم لأنَّهم
стр. 7485
المخاطبون أولاً وهم جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات ولا العفافة المتولدة من التنعم فيضيقوا المطاعم على الناس. قالوا: وإنَّما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف دون أجلاف البوادي الذين يأكلون ما دب ودرج من غير تمييز وتغيير عادة أهل اليسار والثروة دون المحتاجين وتغيير حالة الخصب والرفاهية دون الجدب والشدة.
قال الرافعي: وذكر جماعة أنَّ الاعتبار بعادة العرب الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ لأنَّ الخطاب لهم. قال: ويشبه أن يقال يرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه. قال أصحابنا: فإن استطابته العرب أو سمته باسم حيوان حلال فهو حلال وإن استخبثته أو سمته باسم محرم فمحرم فإن استطابته طائفة واستخبثته أخرى اتبعنا الأكثرين فإن استويا قال الماوردي وأبو الحسن العبادي: يتبع قريش لأنَّهم قطب العرب فإن اختلفت قريش ولا ترجيح أوشكوا ولم يحكموا بشيء أو لم نجدهم ولا غيرهم من العرب اعتبرناه بأقرب الحيوان به شبهاً والشبه تارة يكون في الصورة وتارة في طبع الحيوان من الصيالة والعدوان وتارة في طعم اللحم فإن استوى الشبهان أو لم نجد ما يشبهه فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما: الحل. قال إمام الحرمين: وإليه ميل الشافعي.
стр. 7486
والثاني: التحريم. قال أصحابنا: وإنَّما يراجع العرب في حيوان لم يرد فيه نص بتحليل ولا تحريم ولا أمر بقتله ولا نهي عن قتله فإن وجد شيء من هذه الأصول اعتمدناه ولم نراجعهم قطعاً فمن ذلك الحشرات وغيرها مما سبق والله تعالى أعلم» اهـ.
وقد رد ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ بكلام نفيس فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٧/ ١٧٨ - ١٧٩):
«فلو كان معنى الطيب هو ما أحل كان الكلام لا فائدة فيه. فعلم أنَّ الطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان. وليس المراد به مجرد التذاذ الأكل فإنَّ الإنسان قد يلتذ بما يضره من السموم وما يحميه الطبيب منه، ولا المراد به التذاذ طائفة من الأمم كالعرب ولا كون العرب تعودته؛ فإنَّ مجرد كون أمة من الأمم تعودت أكله وطاب لها أو كرهته لكونه ليس في بلادها لا يوجب أن يحرم الله على جميع المؤمنين ما لم تعتده طباع هؤلاء ولا أن يحل لجميع المؤمنين ما تعودوه. كيف وقد كانت العرب قد اعتادت أكل الدم والميتة وغير ذلك وقد حرمه الله تعالى. وقد قيل لبعض العرب: ما تأكلون؟ قال: ما دب ودرج إلَّا أم حبين. فقال: ليهن أم حبين العافية. ونفس قريش كانوا يأكلون خبائث حرمها الله وكانوا يعافون
стр. 7487
مطاعم لم يحرمها الله. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنَّه قدم له لحم ضب فرفع يده ولم يأكل فقيل: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه". فعلم أنَّ كراهة قريش وغيرها لطعام من الأطعمة لا يكون موجباً لتحريمه على المؤمنين من سائر العرب والعجم.
وأيضاً فإنَّ النبي ﷺ وأصحابه لم يحرم أحد منهم ما كرهته العرب ولم يبح كل ما أكلته العرب. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ إخبار عنه أنَّه سيفعل ذلك فأحل النبي ﷺ الطيبات وحرم الخبائث مثل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير فإنَّها عادية باغية فإذا أكلها الناس - والغاذي شبيه بالمغتذي - صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم وهو البغي والعدوان كما حرم الدم المسفوح لأنَّه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية وزيادته توجب طغيان هذه القوى» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل في هذه القاعدة السباع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٥٨٥):
«وأسباب التحريم: إمَّا القوة السبعية التي تكون في نفس البهيمة فأكلها يورث نبات أبداننا منها فتصير أخلاق الناس أخلاق السباع، أو لما الله أعلم به» اهـ.
стр. 7488
وَقَالَ ﵀ (١٧/ ١٧٩): «وحرم الخبائث مثل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير فإنَّها عادية باغية فإذا أكلها الناس - والغاذي شبيه بالمغتذي - صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم وهو البغي والعدوان كما حرم الدم المسفوح لأنَّه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية وزيادته توجب طغيان هذه القوى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٦): «والسبع إنَّما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها فإنَّ الغاذي شبيه بالمغتذي» اهـ.
قُلْتُ: ومن ذلك ما ثبت ضرره على البدن، كذوات السموم من حشرات الأرض كالحيات، والعقارب، وسام أبرص، والحرباء.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٧٩٨) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا غَالِبُ بْنُ حَجْرَةَ، حَدَّثَنِي مِلْقَامُ بْنُ التَّلِبِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَسْمَعْ لِحَشَرَةِ الْأَرْضِ تَحْرِيمًا». فَهُوَ حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة حال غالب، وملقام.
стр. 7489
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ١٦): «فرع في مذاهب العلماء في حشرات الأرض كالحيات والعقارب والجعلان وبنات وردان والفار ونحوها. مذهبنا أنَّها حرام وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود وقال مالك: حلال» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٧٩): «فمن المستخبثات الحشرات، كالديدان، والجعلان، وبنات وردان، والخنافس، والفأر، والأوزاغ، والحرباء، والعضاة، والجراذين، والعقارب، والحيات.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي.
ورخص مالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، في هذا كله، إلَّا الأوزاغ، فإنَّ ابن عبد البر قال: هو مجمع على تحريمه.
وقال مالك: الحية حلال إذا ذكيت.
واحتجوا بعموم الآية المبيحة» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّه لا يحرم من ذلك إلَّا ما دل الدليل على حرمته. والله أعلم.
وتنازع العلماء في القنفذ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨٠): «فصل: والقنفذ حرام.
стр. 7490
قال أبو هريرة: هو حرام. وكرهه مالك، وأبو حنيفة.
ورخص فيه الشافعي، والليث، وأبو ثور.
ولنا، أنَّ أبا هريرة قال: ذكر القنفذ لرسول الله ﷺ فقال: "هو خبيث من الخبائث". رواه أبو داود.
ولأنَّه يشبه المحرمات، ويأكل الحشرات، فأشبه الجرذ» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره ابن قدامة ﵀ رواه أحمد (٨٩٤١)، وأبو داود (٣٨٠١) من طريق سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَسُئِلَ عَنْ أَكْلِ الْقُنْفُذِ؟ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «خَبِيثٌ مِنَ الْخَبَائِثِ» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنْ كَانَ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَمَا قَالَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة عيسى بن نميلة الفزاري وجهالة أبيه، ولإبهام الراوي عن أبي هريرة.
وأثر أبي هريرة الذي ذكره المصنف لم أقف عليه، والأصل فيه الحل.
стр. 7491
القاعدة الثامنة: كل ما أمر بقتله فأكله حرام.
وذلك أنَّ الأمر بالقتل على وجه الاتلاف لا الانتفاع دليل على أنَّه من الخبائث، إذ لو كان من الطيبات لما أمر بإتلافه.
ومن ذلك الفواسق، فقد روى البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ».
وزاد مسلم (١١٩٨) في رواية: «الْحَيَّةُ» بدل العقرب. وفي لفظ له: «وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٥٢): «وأمَّا "الغراب الأبقع" فهو الذي في ظهره وبطنه بياض» اهـ.
قُلْتُ: سائر أحاديث الباب عامة فيدخل فيها سائر الغربان، ويستثنى منها ما اتفق العلماء على حله وهو غراب الزرع.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨): «وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقاً بالأبقع» اهـ.
стр. 7492
قُلْتُ: وليس في غراب الزرع معنىً يقتضي تحريمه فلا يأكل الخبائث ولا يعتدي على أمتعة الناس كغيره من الغربان، وقد سمى النبي ﷺ هذه الحيوانات فواسقاً لخروجها بطبعها عن سائر الحيوان بالبغي والعدوان، وهذا المعنى لا يوجد في غراب الزرع. والله أعلم.
وفي الباب ما رواه البخاري (١٨٢٨)، ومسلم (١٢٠٠) عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٩١): «فهذه الخمس محرمة؛ لأنَّ النبي ﷺ أباح قتلها في الحرم، ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم، ولأنَّ ما يؤكل لا يحل قتله إذا قدر عليه، وإنَّما يذبح ويؤكل» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ٦٠٩ - ٦١٠): «فأمر النبي ﷺ بقتل ذلك في الحل والحرم وسماهن فواسق؛ لأنَّهن يفسقن: أي يخرجن على الناس ويعتدين عليهم فلا يمكن الاحتراز منهن كما لا يحترز من السباع العادية فيكون عدوان هذا أعظم من عدوان كل ذي ناب من السباع وهنَّ أخبث وأحرم» اهـ.
стр. 7493
ومن ذلك الأوزاغ، وقد جاء في قتلها ما رواه البخاري (٣٣٠٧)، ومسلم (٢٢٣٧) عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ».
وفي لفظ للبخاري (٣٣٥٩) عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ، وَقَالَ: «كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇».
وروى أحمد (٢٥٨٦٩) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَإِذَا رُمْحٌ مَنْصُوبٌ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا الرُّمْحُ؟ فَقَالَتْ: نَقْتُلُ بِهِ الْأَوْزَاغَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، جَعَلَتِ الدَّوَابُّ كُلُّهَا تُطْفِئُ عَنْهُ، إِلَّا الْوَزَغَ فَإِنَّهُ جَعَلَ يَنْفُخُهَا عَلَيْهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى مسلم (٢٢٣٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا».
وروى البخاري (٣٣٠٦)، ومسلم (٢٢٣٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «لِلْوَزَغِ الفُوَيْسِقُ» وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
стр. 7494
قُلْتُ: وقد أخذت ﵂ بحديث سعد كما يدل عليه الحديث الماضي في المسند.
وروى مسلم (٢٢٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ».
وفي رواية عنده أنَّه قَالَ: «فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً».
القاعدة التاسعة: كل ما نهي عن قتله فإنَّه يحرم أكله.
وذلك أنَّه لو أبيح أكله لأبيح قتله من أجل أكله.
ومن ذلك النملة والنحلة والهدهد والصرد، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٤١٥)، ومن طريقه أحمد (٣٠٦٧)، وأبو داود (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٣٢٢٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ من حيث الأصل، وإن كانت رواية عبد الرزاق معلولة.
стр. 7495
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ٣٠٢): «قلت لأبي زرعة: فما وجه هذا الحديث عندك؟ قال: أخطأ فيه عبد الرازق، والصحيح من حديث معمر، عن الزهري، أنَّ النبي ﷺ ، مرسلاً. وأمَّا نفس الحديث فالصحيح عندنا على ما روي في كتاب ابن جريج: عن عبد الله بن أبي لبيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ .
قُلْتُ: أليس هشام وأبان العطار رويا عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري: أنَّ النبي ﷺ ؟ قال: بلى، ولكن زيادة الحافظ على الحافظ تقبل» اهـ.
ومن ذلك الضفدع فروى أحمد (١٥٧٩٥، ١٦١١٣)، وأبو داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنسائي (٤٣٥٥) من طريق ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ: «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وسعيد بن خالد الذي يظهر لي أنَّه ثقة. والله علم.
следующие страницы →