← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

القاعدة الثامنة: كل ما أمر بقتله فأكله حرام. وذلك أنَّ الأمر بالقتل على وجه الاتلاف لا الانتفاع دليل على أنَّه من الخبائث، إذ لو كان من الطيبات لما أمر بإتلافه. ومن ذلك الفواسق، فقد روى البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». وزاد مسلم (١١٩٨) في رواية: «الْحَيَّةُ» بدل العقرب. وفي لفظ له: «وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٥٢): «وأمَّا "الغراب الأبقع" فهو الذي في ظهره وبطنه بياض» اهـ. قُلْتُ: سائر أحاديث الباب عامة فيدخل فيها سائر الغربان، ويستثنى منها ما اتفق العلماء على حله وهو غراب الزرع. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨): «وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقاً بالأبقع» اهـ.

стр. 7492

قُلْتُ: وليس في غراب الزرع معنىً يقتضي تحريمه فلا يأكل الخبائث ولا يعتدي على أمتعة الناس كغيره من الغربان، وقد سمى النبي ﷺ هذه الحيوانات فواسقاً لخروجها بطبعها عن سائر الحيوان بالبغي والعدوان، وهذا المعنى لا يوجد في غراب الزرع. والله أعلم. وفي الباب ما رواه البخاري (١٨٢٨)، ومسلم (١٢٠٠) عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٩١): «فهذه الخمس محرمة؛ لأنَّ النبي ﷺ أباح قتلها في الحرم، ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم، ولأنَّ ما يؤكل لا يحل قتله إذا قدر عليه، وإنَّما يذبح ويؤكل» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ٦٠٩ - ٦١٠): «فأمر النبي ﷺ بقتل ذلك في الحل والحرم وسماهن فواسق؛ لأنَّهن يفسقن: أي يخرجن على الناس ويعتدين عليهم فلا يمكن الاحتراز منهن كما لا يحترز من السباع العادية فيكون عدوان هذا أعظم من عدوان كل ذي ناب من السباع وهنَّ أخبث وأحرم» اهـ.

стр. 7493

ومن ذلك الأوزاغ، وقد جاء في قتلها ما رواه البخاري (٣٣٠٧)، ومسلم (٢٢٣٧) عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ». وفي لفظ للبخاري (٣٣٥٩) عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ، وَقَالَ: «كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇». وروى أحمد (٢٥٨٦٩) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَإِذَا رُمْحٌ مَنْصُوبٌ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا الرُّمْحُ؟ فَقَالَتْ: نَقْتُلُ بِهِ الْأَوْزَاغَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، جَعَلَتِ الدَّوَابُّ كُلُّهَا تُطْفِئُ عَنْهُ، إِلَّا الْوَزَغَ فَإِنَّهُ جَعَلَ يَنْفُخُهَا عَلَيْهِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وروى مسلم (٢٢٣٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا». وروى البخاري (٣٣٠٦)، ومسلم (٢٢٣٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «لِلْوَزَغِ الفُوَيْسِقُ» وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.

стр. 7494

قُلْتُ: وقد أخذت ﵂ بحديث سعد كما يدل عليه الحديث الماضي في المسند. وروى مسلم (٢٢٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ». وفي رواية عنده أنَّه قَالَ: «فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً». القاعدة التاسعة: كل ما نهي عن قتله فإنَّه يحرم أكله. وذلك أنَّه لو أبيح أكله لأبيح قتله من أجل أكله. ومن ذلك النملة والنحلة والهدهد والصرد، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٤١٥)، ومن طريقه أحمد (٣٠٦٧)، وأبو داود (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٣٢٢٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ من حيث الأصل، وإن كانت رواية عبد الرزاق معلولة.

стр. 7495

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ٣٠٢): «قلت لأبي زرعة: فما وجه هذا الحديث عندك؟ قال: أخطأ فيه عبد الرازق، والصحيح من حديث معمر، عن الزهري، أنَّ النبي ﷺ ، مرسلاً. وأمَّا نفس الحديث فالصحيح عندنا على ما روي في كتاب ابن جريج: عن عبد الله بن أبي لبيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . قُلْتُ: أليس هشام وأبان العطار رويا عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري: أنَّ النبي ﷺ ؟ قال: بلى، ولكن زيادة الحافظ على الحافظ تقبل» اهـ. ومن ذلك الضفدع فروى أحمد (١٥٧٩٥، ١٦١١٣)، وأبو داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنسائي (٤٣٥٥) من طريق ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ: «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وسعيد بن خالد الذي يظهر لي أنَّه ثقة. والله علم.

стр. 7496

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٢١): «في هذا دليل على أنَّ الضفدع محرم الأكل وأنَّه غير داخل في ما أبيح من دواب الماء فكل منهي عن قتله من الحيوان فإنَّما هو لأحد أمرين إمَّا لحرمته في نفسه كالآدمي، وإمَّا لتحريم لحمه كالصرد والهدهد ونحوهما، وإذا كان الضفدع ليس بمحترم كالآدمي كان النهي فيه منصرفاً إلى الوجه الآخر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذبح الحيوان إلَّا لمأكله» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢٧): «فصل: وكل صيد البحر مباح، إلَّا الضفدع. وهذا قول الشافعي. وقال الشعبي: لو أكل أهلي الضفادع لأطعمتهم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٣٣): «قد ذكرنا أنَّ الصحيح من مذهبنا حل جميع ميتات البحر إلَّا الضفدع وحكاه العبدري عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس ﵃. قال: وقال مالك: يحل الجميع سواء الضفدع وغيره. وقال أبو حنيفة: لا يحل غير السمك» اهـ.

стр. 7497

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٣٨٠): «فالحرام: ذو المخلب، كالصقر والبازي والشاهين، وما يأكل الجيف كالنسر، والرخم، واللقلق، والعقعق، والغراب الأبقع، والأسود الكبير، وما نهى عن قتله كالهدهد، والصرد، وما أمر بقتله كالحدأة والغراب» اهـ. القاعدة العاشرة: كل ما يتغذى على الميتات والنجاسات فيحرم أكله. وقد سبق أنَّ ذكرنا ما رواه أحمد (٧٠٣٩)، وأبو داود (٣٨١١)، والنسائي (٤٤٤٧) من طريق وُهَيْبٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الجَلَّالَةِ، عَنْ رُكُوبِهَا وَأَكْلِ لَحْمِهَا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وروى أبو داود (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا». قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق، وابن نجيح وهما مدلسان، ويشهد له ما سبق، وما سيأتي.

стр. 7498

وروى أبو داود (٣٧٨٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتَيَانِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وروى أحمد (١٩٨٩، ٢٦٧١، ٢٩٥٢، ٣١٤٢، ٣١٤٣)، والترمذي (١٨٢٥)، والنسائي (٤٤٤٨) من طرق عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَبَنِ شَاةِ الْجَلالَةِ، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ويحيى هو القطان، وهشام هو الدستوائي. قُلْتُ: وإذا كان هذا في الجلالة الذي أكل النجاسة طارئ عليها فما كان أصل غذائه من الخبائث أولى بحرمة أكله كالنسور، والرخم، وغراب البين، وهو الأبقع، والْغُدَافُ، وهو الأسود الكبير أو الجبلي لأنَّه يسكن الجبال، والكلب، والسنور، وسائر السباع، وغير ذلك من الحيوان.

стр. 7499

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٩١): «فصل: ويحرم منها ما يأكل الجيف، كالنسور والرخم، وغراب البين، وهو أكبر الغربان، والأبقع. قال عروة: ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله ﷺ فاسقاً، والله ما هو من الطيبات» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٢): «ولا يحل السنور لما روي أنَّ النبي ﷺ قال: "الهرة سبع" ولأنَّه يصطاد بالناب ويأكل الجيف فهو كالأسد» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٩/ ١٨): «ويحرم الغراب الأسود الكبير لأنَّه مستخبث يأكل الجيف فهو كالأبقع» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٣٨٠): «فالحرام: ذو المخلب، كالصقر والبازي والشاهين، وما يأكل الجيف كالنسر، والرخم، واللقلق، والعقعق، والغراب الأبقع، والأسود الكبير» اهـ. تنبيه: حديث: «الْهِرُّ سَبُعٌ». رواه أحمد (٨٣٢٤، ٩٧٠٦) من طريق عِيسَى بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْهِرُّ سَبُعٌ».

стр. 7500

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف عيسى بن يونس فقد ضعفه ابن معين والنسائي وأبو داود وغيرهم. وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٤): «فقال أبو زرعة: لم يرفعه أبو نعيم، وهو أصح، وعيسى ليس بالقوي» اهـ. القاعدة الحادية عشرة: كل متولد من الحيوان بين ما يحل أكله وما يحرم أكله فإنَّه حرام. قُلْتُ: وذلك تغليباً لجانب الحرمة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨٣): «فصل: والبغال حرام عند كل من حرم الحمر الأهلية؛ لأنَّها متولدة منها، والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم. وهكذا إن تولد من بين الإنسي والوحشي ولد، فهو محرم، تغليباً للتحريم، وَالسِّمْعُ المتولد من بين الذئب والضبع، محرم. قال قتادة: ما البغل إلَّا شيء من الحمار. وعن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٠٨):

стр. 7501

«إذا تولد البغل بين فرس وحمار وحش، أو بين أتان وحصان جاز أكله وهكذا كل متولد بين أصلين مباحين؛ وإنَّما حرم ما تولد من بين حلال وحرام "كالبغل" الذي أحد أبويه حمار أهلي و"كالسِّمْع" المتولد بين الضبع والذئب "والإسبار" المتولد من بين الذئب والضبعان والله أعلم» اهـ. وقد جاء في البغال ما رواه أحمد (١٤٨٨٣، ١٤٩٤٥)، وأبو داود (٣٧٨٩) من طريق أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ، «فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ». قُلْتُ: وفيه عنعنة أبي الزبير، وهو من المدلسين. وروى ابن ماجه (٣١٩٧) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «كُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ». قُلْتُ: فَالْبِغَالُ، قَالَ: «لَا». ورواه النسائي (٤٣٣٣) من طريق سفيان به. قُلْتُ: رواية عبد الكريم عن عكرمة ضعيفة.

стр. 7502

وروى الترمذي (١٤٧٨) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ - الحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ، وَلُحُومَ البِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ». قُلْتُ: عكرمة ضعيف في روايته عن ابن أبي كثير. قُلْتُ: حديث جابر ثابت في الصحيحين من دون ذكر البغال، فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذه اللفظة في حديث جابر. والله أعلم. وروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٤٨٤٤)، و [الْمُجْتَبَى] (٤٣٣١)، وابن ماجه (٣١٩٨) من طريق بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب قال فيه البخاري: «فيه نظر». وأبوه مجهول.

стр. 7503

وأمَّا ما رواه البزار (٤٢٦٩) حَدَّثنا أَبُو كَامِلٍ، قَال: حَدَّثنا أَبُو عَوَانة، عَنْ سِمَاك عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرة، ﵁، «أَنَّ قَوْمًا مَاتَ لَهُمْ بَغْلٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ يَأْكُلُونَهُ فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَرَخَّصَ لَهُمْ فِيهِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. ورواه أحمد (٢٠٨٢٤) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: مَاتَ بَغْلٌ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: نَاقَةٌ، عِنْدَ رَجُلٍ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِيهِ، فَزَعَمَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِصَاحِبِهَا: «أَمَا لَكَ مَا يُغْنِيكَ عَنْهَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «اذْهَبْ فَكُلْهَا»، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «الصَّوَابُ نَاقَةٌ» اهـ. قُلْتُ: تابع عفان على ذكر البغل أبو كامل الجحدري فضيل بن حسين كما سبق، وأبو الوليد الطيالسي عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٩٧٧)، ومسدد عنده وعند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٦٣٤)، و [الصُّغْرَى] (٣١١١). وحديث حماد رواه أيضاً أبو داود (٣٨١٦) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا، نَزَلَ الْحَرَّةَ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ نَاقَةً لِي ضَلَّتْ فَإِنْ وَجَدْتَهَا فَأَمْسِكْهَا فَوَجَدَهَا، فَلَمْ يَجِدْ

стр. 7504

صَاحِبَهَا فَمَرِضَتْ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: انْحَرْهَا فَأَبَى فَنَفَقَتْ فَقَالَتْ: اسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا، وَلَحْمَهَا، وَنَأْكُلَهُ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟»، قَالَ: لَا قَالَ: «فَكُلُوهَا» قَالَ: فَجَاءَ صَاحِبُهَا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: هَلَّا كُنْتَ نَحَرْتَهَا قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْكَ. فهذا الحديث محمول على أنَّهم بلغوا إلى حال الاضطرار. القاعدة الثانية عشرة: كل ما لا يقدر على ذكاته لا يحل أكله. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (٧/ ٤٠٥): «مسألة: ولا يحل أكل الحلزون البري، ولا شيء من الحشرات كلها كالوزغ والخنافس، والنمل، والنحل، والذباب، والدبر، والدود كله طيارة وغير طيارة والقمل، والبراغيث، والبق، والبعوض وكل ما كان من أنواعها لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. وقد صح البرهان على أنَّ الذكاة في المقدور عليه لا تكون إلَّا في الحلق أو الصدر، فما لم يقدر فيه على ذكاة فلا سبيل إلى أكله: فهو حرام، لامتناع أكله إلَّا ميتة غير مذكى. وبرهان آخر: في كل ما ذكرنا أنَّهما قسمان: قسم مباح قتله: كالوزغ، والخنافس، والبراغيث، والبق، والدبر; وقسم محرم قتله: كالنمل، والنحل، فالمباح قتله لا

стр. 7505

ذكاة فيه، لأنَّ قتل ما تجوز فيه الذكاة إضاعة للمال، وما لا يحل قتله لا تجوز فيه الذكاة» اهـ. قلت: وهذا قول قوي فما لا يذكى لا يحل أكله إلَّا حيوان البحر والجراد، وبناء على هذا فما يسميه الناس في هذه البلاد بـ"الشظو" وهي حشرات طائرة تخرج بعد المطر فالأظهر حرمتها، وهو ظاهر مذهب الجمهور، وظاهر مذهب الإمام مالك حلها. وقد أجاز أكلها بعض المعاصرين ومنهم الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيَن ﵀ فَقَدَ قَالَ فِي [الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ] (١٥/ ٥٧): «ولو وجدنا غير الجراد مما أباح الله وليس فيه دم، فحكمه حكم الجراد. ويوجد الآن أشياء تطير في المزارع شبيهة بالجراد، فهذه - أيضاً - إذا أخذ منها شيء وجمع، وأُكل بعد أن يشوى بالنار، أو يُغلى بالماء صار حلالاً» اهـ. * * *

стр. 7506

٣٧٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا»، أَوْ «يُلْعِقَهَا». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - في استحباب لعق اليد قبل مسحها أو غسلها، والعلة في ذلك التماس البركة، فقد روى مسلم (٢٠٣٣) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ». وروى مسلم (٢٠٣٢) عَنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا». وفي لفظ له: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا». وفي حديث الباب ذكر لعق اليد، فقد يكون المراد باليد الأصابع، أو يحمل في حق من أكل بجميع كفه.

стр. 7507

ولعق الأصابع قبل الانتهاء من الطعام خلاف الأدب. قَالَ مُحَمَدُ الْعِزِّيُّ ﵀ فِي [آدَابِ الْمُوَاكَلةِ] (ص: ٢٣): «اللطاع. واللطاع: ويسمى اللحاس، وهو الذي يلحس أصابعه ليميط عنها ودك الطعام قبل أن يفرغ من الأكل، ثم يعيدها للطعام، أمَّا بعد الفراغ فلا بأس به، على أن لا يعاود، وأفضل الحالين تعهد الأصابع بما تمسح به كل وقت كمئزر المائدة» اهـ. وهكذا مما لا يستحسن لحس الشفتين عند الأكل. قَالَ مُحَمَدُ الْعِزِّيُّ ﵀ فِي [آدَابِ الْمُوَاكَلةِ] (ص: ٥٠): «البقار. والبقار: هو الذي يخرج لسانه كالبقرة وقتاً بعد وقت للحس شفتيه، خارج فمه» اهـ. ويلحق باليد الإناء، وقد جاء فيه ما رواه مسلم (٢٠٣٤) عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، قَالَ: وَقَالَ: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ»، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ».

стр. 7508

وجاء بنحوه في مسلم (٢٠٣٥) من حديث أبي هريرة. والسلت: تتبع ما بقي فيها من الطعام، يقال سلت الدم أي مسحه. وروى البخاري (٥٤٥٧) عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ فَقَالَ: «لَا، قَدْ كُنَّا زَمَانَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا قَلِيلًا، فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلَّا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلَا نَتَوَضَّأُ». ٢ - وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذاراً لذلك. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٥٧٨): «نعم يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل لأنَّه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٦٠): «وقد عابه قوم أفسدت عقولهم الترفه وغير طباعهم الشبع والتخمة وزعموا أنَّ لعق الأصابع مستقبح أو مستقذر كأنَّهم لم يعلموا أنَّ الذي علق بالإصبع أو الصحفة جزء من أجزاء الطعام الذي أكلوه وازدردوه فإذا لم يكن سائر أجزائه المأكولة مستقذرة لم يكن هذا الجزء اليسير منه الباقي في الصحفة واللاصق بالأصابع مستقذراً كذلك. وإذا ثبت هذا فليس بعده شيء أكثر من مسه أصابعه بباطن شفتيه وهو ما

стр. 7509

لا يعلم عاقل به بأساً إذا كان المساس والممسوس جميعاً طاهرين نظيفين. وقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه فلم ير أحد ممن يعقل أنَّه قذارة أو سوء أدب فكذلك هذا لا فرق بينهما في منظر حسٍّ ولا مخبر عقل» اهـ. ٣ - وفيه استحباب مسح اليد بعد الطعام، وهذا محمول على ما إذا كان المسح يغني عن الغسل، وإلَّا فالأحسن الغسل، وقد روى أحمد (٧٥٥٩)، وأبو داود (٣٨٥٢) من طريق زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. والغمر هو: الدسم والزهومة من اللحم. وغسل اليد قبل الطعام ليس فيه سنة ثابتة وقد تنازع العلماء في ذلك، فقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ٢٧): «وقد ذهب قوم إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده لما رواه الترمذي من حديث سلمان: أنَّه ﷺ قال: "بركة الطعام الوضوء قبله وبعده". وروي عنه ﷺ

стр. 7510

أنَّه قال: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم". ولا يصح شيء منهما. وكرهه قبله كثير من أهل العلم. منهم: سفيان، ومالك، والليث. وقال مالك: هو من فعل الأعاجم. واستحثوه بعده» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣١): «قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروزي قال: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء. فقال: بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده، وكان سفيان يكره الوضوء قبل الطعام» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ قبل ذلك (٢/ ٢٣٠): «في هذه المسألة قولان لأهل العلم أحدهما: يستحب غسل اليدين قبل الطعام، والثاني: لا يستحب. وهما في مذهب أحمد وغيره، والصحيح. أنَّه لا يستحب» اهـ. قُلْتُ: حديث سلمان رواه أحمد (٢٣٧٨٣)، وأبو داود (٣٧٦١)، والترمذي (١٨٤٦) من طريق قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف قيس بن الربيع.

стр. 7511

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ١٠): «قال أبي: هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيحاً كان حديثاً، وأبو هاشم الرماني ليس هو. قال: ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي، عمرو بن خالد عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة، عن أبي هاشم، وعن حبيب بن أبي ثابت» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٧/ ٢٧٥): «قيس بن الربيع غير قوي ولم يثبت في غسل اليد قبل الطعام حديث» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣١): «وقال الخلال في "الجامع": عن مهنا قال سألت أحمد عن حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان عن النبي ﷺ "بركة الطعام الوضوء قبله وبعده"؟ فقال لي أبو عبد الله: هو منكر» اهـ. قُلْتُ: وروى مسلم (٣٧٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ، وَأُتِيَ بِطَعَامٍ» فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: «لِمَ؟ أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ؟». وفي لفظ له: «أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فَأَتَوَضَّأَ؟». وفي لفظ له: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً».

стр. 7512

قُلْتُ: بوَّب النسائي على هذه الرواية الأخيرة في [الْكُبْرَى] (٤/ ١٧٠): «ترك غسل اليدين قبل الطعام» اهـ. وروى مسلم (٦٩٨) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ». روى أبو داود (٢٢٣)، وابن ماجه (٥٩٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٦٧٣٧) من طريق عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ يَدَيْهِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وقد بَّوب عليه النسائي: «غسل الجنب يديه إذا طعم» اهـ. قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ النسائي يرى التفصيل في هذه المسألة فيذهب إلى استحباب غسل اليدين لمن أراد الأكل وهو جنب، وترك الغسل فيما سوى ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣٠): «وهذا التبويب والتفصيل في المسألة هو الصواب» اهـ.

стр. 7513

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْآدَابِ] (ص: ١٦٤): «قال الشافعي ﵀: أولى الآداب أن يؤخذ به ما فعل رسول الله ﷺ ، فأكل المرء قبل أن يغسل يديه أحب إلي ما لم يكن مس يده قذراً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٤/ ٩١): «وقوله: "أأصلي فأتوضأ"، إنكار على من عرض عليه غسل اليدين قبل الطعام، وبه استدل مالك على كراهة ذلك، وقال: إنَّه من فعل الأعاجم، وقال مثله الثوري، وقال: لم يكن من فعل السلف. وحمله غيرهما على إنكار كونه واجباً، محتجاً بحديث رواه أبو داود وغيره عنه ﵊: "الوضوء قبل الطعام وبعده بركة"» اهـ. قُلْتُ: الحمل على الوضوء الشرعي أصح من حمله على الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين، ويدل عليه قوله: «أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ». فإنَّ وضوء الصلاة هو الوضوء الشرعي، ولو كان المراد به غسل اليدين لما حسن أن يجيب بذلك. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٢/ ٩٢): «ومعناه الوضوء يكون لمن أراد الصلاة، وأنا لا أريد أن أصلي الآن والمراد بالوضوء الوضوء الشرعي، وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغوي، وجعل المراد غسل الكفين، وحكى اختلاف العلماء في كراهته غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه،

стр. 7514

وحكى الكراهة عن مالك والثوري رحمهما الله تعالى. والظاهر ما قدمناه أنَّ المراد الوضوء الشرعي. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي في هذه المسألة ما دلت عليه السنة من ترك غسل اليد قبل الأكل إلَّا إذا كان جنباً، وإن كان في اليد شيء من القذر فالذي يظهر لي هو القول بمشروعية غسلها لإزالة ذلك، ولا أظن حصول نزاع في ذلك، وقد صرح الشافعي بغسل اليد إذا كان فيها قذراً كما سبق. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [الضَّعِيْفَةِ] تحت رقم (١٩٨): «قُلْتُ: وينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على اليدين من الأوساخ ما يستدعي غسلهما، وإلَّا فالغسل والحالة هذه لا مسوغ للتوقف عن القول بمشروعيته، وعليه يحمل ما رواه الخلال عن أبي بكر المروذي قال: رأيت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وإن كان على وضوء. والخلاصة أنَّ الغسل المذكور ليس من الأمور التعبدية، لعدم صحة الحديث به، بل هو معقول المعنى، فحيث وجد المعنى شرع وإلَّا فلا» اهـ.

стр. 7515

٤ - وفيه أنَّ الآكل إذا انتهى من أكله له أن يُلعق - بضم الياء - أصابعه، واختلف في معنى إلعاقه، فقال بعض العلماء يلعقها من لا يستقذر ذلك منه كالشاة والصغير والزوجة والجارية إن كنَّ لا يستقذرن ذلك، وغيرهم. وهناك احتمال آخر لمعنى ذلك ذكره الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فَقَالَ فِي [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨/ ٤١): «فإن لم يكن هذا شكاً منه، وكانا جميعاً محفوظين، فإنَّما أراد بلعقها صبياً أو صبية أو من يعلم أنَّه لا يتقذرها ممن يحل له مس فمه، ويحتمل أن يكون أراد بلعق أصبعه فمه، فيكون بمعنى قوله: "يلعقها" والأخبار كلها تدل على أنَّ هذا اللعق، إنَّما هو عند الفراغ من الطعام والله أعلم» اهـ. * * *

стр. 7516

بَابُ: الصَّيْدِ. ٣٧٩ - عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَفِي أَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ. فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ - يَعْنِي مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ -: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا. وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ». الصيد هو: اقتناص حيوان حلال الأكل متوحش طبعاً غير مقدور عليه. ويطلق الصيد ويراد به الحيوان المصيد. فَقَوْلُنَا: «اقتناص حيوان» خرج به ما لا يقتنص كبهيمة الأنعام إلَّا ما ندَّ من الإبل والبقر فإنَّه يعامل معاملة الصيد، والاقتناص هو الاصطياد سواء كان بآلة رمي أو بحيوان أو بطير أو بشباك وغير ذلك. وَقَوْلُنَا: «حلال الأكل». خرج به ما حرم من الحيوان فلا يعتبر صيداً.

стр. 7517

وَقَوْلُنَا: «متوحش طبعاً» خرج به ما كان أهلياً ثم توحش فلا يدخل في مسمى الصيد. وَقَوْلُنَا: «غير مقدور عليه» خرج به الحيوان الأهلي، وما تأهل من الوحش. وحكمه: أنَّه يباح للحاجة، ويكره لهواً لما فيه من تضييع الوقت، ويحرم إذا كان فيه ضرر على زروع الناس وأموالهم وغير ذلك من أنواع الضرر. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - اجتناب آنية أهل الكتاب إذا وجد غيرها. وهذا من باب المبالغة في التنفير عنها وإلَّا فإنَّ النبي ﷺ قد أجاب بعض اليهود إلى طعامهم وهو إنَّما يأكل في آنيتهم. والله أعلم. ٢ - أنَّه إذا احتاج المسلم إلى آنية أهل الكتاب فله استعمالها بعد غسلها، والسبب في ذلك مبين فيما رواه أبو داود (٣٨٣٩) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ مُسْلِمِ بْنِ مِشْكَمٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ، فَقَالَ رَسُولُ

стр. 7518

اللَّهِ ﷺ : «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وبناءً على هذا فإذا كانت الآنية جديدة معروضة للبيع فلا تدخل في هذا النهي لانتفاء العلة. والله أعلم. وقد توضأ النبي ﷺ من مزادة امرأة مشركة كما في الصحيحين من حديث عمران بن حصين، وكان يجيب دعوة اليهود، وروى أحمد (١٥٠٥٣)، وأبو داود (٣٨٣٨) من طريق عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا، فَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وهذا يدل على أنَّ النهي وارد فيمن علم عنه أنَّه يكثر من أن يطبخ في أوانيه لحم الخنزير ويشرب فيها الخمر ويتظاهر بذلك دون غيرهم. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ عُمْدَةِ الْفِقْهِ] (١/ ١٢٠):

стр. 7519

«وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ مَنْ لَا تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ كَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ أَوْ مَنْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ كَالنَّصَارَى الْمُتَظَاهِرِينَ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا تُبَاحُ أَوَانِيهِمْ وَتُبَاحُ آنِيَةُ مَنْ سِوَاهُمْ، لَكِنْ فِي كَرَاهَتِهَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُ هَذَا التَّفْصِيلَ هُوَ الْمَذْهَبَ قَوْلًا وَاحِدًا لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمُتَقَدِّمِ حَمْلًا لَهُ عَلَى مَنْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ وَحَمْلًا لِغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا. فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضُ أَهْلِ كِتَابٍ وَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ، قَالَ: "إِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَاطْبُخُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا"» اهـ. ٣ - وفيه أنَّ الظن المستفاد من الغالب راجح على الظن المستفاد من الأصل، وذلك أنَّ الأصل في الآنية الطهارة من الخبث والنجس، لكن لما كان الغالب من أحوال أهل الكتاب استعمال الخبائث في آنيتهم قدم النبي ﷺ الظن الغالب على الأصل. ٤ - وفيه جواز الاصطياد بالقوس ويلحق فيه كل محدد.

стр. 7520

قُلْتُ: وأمَّا غير المحدد مما يقتل بثقله فهو داخل في الموقوذة، أو النطيحة التي حرمها الله تعالى. وأمَّا الصيد بالرصاص فالذي يظهر لي حله، وهو وإن لم يكن محدداً لكن لقوة انطلاقه فإنَّه يفوق المحدد في خرق الصيد، فهو أولى بالحل من السهم. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀ فِي [سُبُلِ السَّلَامِ] (٤/ ٨٥): «وأمَّا البنادق المعروفة الآن فإنَّها ترمي بالرصاص فيخرج وقد صيرته نار البارود كالميل فيقتل بحده لا بصدمه فالظاهر حل ما قتلته» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [الدَّرَارِي الْمَضِّيَّةِ] (٢/ ٣٢٢): «وإن كان القتل بمثقل فيحل ما صاد من يرمي بهذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص لأنَّ الرصاص تخزق خزقاً زائداً على خزق السلاح فلها حكمه وإن لم يدرك الصائد بها ذكاة الصيد إذا ذكر اسم الله على ذلك» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْقَدِيْرِ] (٢/ ٢٦٥): «وأمَّا البنادق المعروفة الآن: وهي بنادق الحديد التي تجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها، فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، فإنَّها لم تصل إلى الديار اليمنية إلَّا في المائة العاشرة من

стр. 7521

الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حياً؟ والذي يظهر لي أنَّه حلال؛ لأنَّها تخرق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح السابق: "إذا رميت بالمعراض فخرق فكله"، فاعتبر الخرق في تحليل الصيد» اهـ. قُلْتُ: هذا الحديث رواه مسلم (١٩٢٩) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ ولفظه: «إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ». وَقَالَ ﵀ فِي [السَّيْلِ الْجَرَّارِ] (ص: ٧٠٩): «ومن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البندقة الحديد التي نرمي بها بالبارود والرصاص فإنَّ الرصاصة يحصل بها خرق زائد على خرق السهم والرمح والسيف ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ صِدِّيْق خَانٍ ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ] (٢/ ٣٩٨): «أقول: ومن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص، فإنَّ الرصاصة يحصل بها خزق زائد على خزق السهم والرمح والسيف، ولها من ذلك عمل يفوق كل آلة.

стр. 7522

ويظهر لك ذلك بأنَّك لو وضعت ريشاً، أو نحوه فوق رماد دقيق، أو تراب دقيق، وغرزت فيه شيئاً يسيراً من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد ونحو ذلك من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة. ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها، فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ ﵀ كَمَا فِي [حَاشِيَةِ الرَّوْضِ] (٧/ ٤٥٧): «وأمَّا بندق الرصاص فقال بعض المالكية: هو أقوى من كل محدد فيحل به الصيد» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (١٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧): «قوله: وما ليس بمحدد كالبندق … لا يحل. البندق شيء كان يستعمل من طين يكون مكوراً يستعمل في شيء من آلالات تدفعه دفعاً قوياً فيصيب الحيوان، تارة يثبته فقط، وتارة يقتله على حسب احتمال الحيوان لذلك وبحسب قوة الآلة وتسمي (الجلاهق) ولا توجد الآن، اللهم إلَّا إن كانت في المتاحف ودور الآثار وليس بندقنا المعروفة. أمَّا بندق الرصاص هذه فهي أنفذ من السهم، فالرصاص يمرق ولا يحس به ليس بثقله بل من سرعه

стр. 7523

مرورها فهي أنفذ من المحدد؛ فأول مدخلها بأدق من المخيط يخرق العظم خرقاً، أين الثقل؟ السهم جاء في بعض الأحاديث أنَّه نفذ ثلاثاً من بقر الوحش وهذا نادر، أمَّا الرصاص فليس نادراً. وقد اختلف هل يحل ما قتل؟ لأنَّه غير محدد، أو لا يحل؛ ثم استقرت الفتوى على الحاقه بالمحدد بجامع أنَّ كلاً منهما يمضي ويشق مثل المحددات بل هي أبلغ، قال العمروي المالكي: أمَّا صيد الرصاص فهذا أقوى من كل محدد، يحل به الصيد. وقال الفاسي: وما ببندق الرصاص صيدا … جواز أكله قد استفيدا أفتي به والدنا الأواه … وانعقد الإجماع من فتواه وهذا الكلام والبيان مذكوران في حاشية الشيخ العنقري» اهـ. قُلْتُ: الأبيات لعبد القادر الفاسي المالكي ﵀. وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢٢/ ٥١٠ - ٥١١): «إذا رمي الصيد بالبندقية وذكر اسم الله فأصابت الرمية الصيد، فإن أدركه حياً، فإنَّه يذكيه، وإن مات من الرمية فهو حلال يباح أكله.

стр. 7524

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْفَوْزَانُ فِي [الْمُلَخَصِ الْفِقْهِي] (٢/ ٥٩٤): «فإذا كانت الآلة التي قتل بها الصيد غير محددة؛ كالحصاة والعصا والفخ والشبكة وقطع الحديد، فإنَّه لا يحل ما قتل به من الصيد؛ إلَّا الرصاص الذي يطلق من البنادق اليوم، فيحل ما قتل به من الصيد؛ لأنَّ فيه قوة الدفع التي تخرق وتنهر الدم كالمحدد وأشد» اهـ. قُلْتُ: وما جاء عن بعض العلماء من عدم مشروعة الصيد بالبندقة فليس المراد بها بنادق الرصاص النارية وإنَّما شيء يتخذ من الطين. قَالَ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (٣٠/ ٤٨٣): «والبندقة بضم الباء الموحدة وسكون النون طينة مدورة مجففة يرمى بها عن الجلاهق وهو بضم الجيم وتخفيف اللام وكسر الهاء وبالقاف اسم لقوس البندقة» اهـ.

стр. 7525

وَقَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٧/ ١١١): «باب صيد المعراض. وقال ابن عمر في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة. وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن. وكره الحسن رمي البندقة في القرى والأمصار، ولا يرى بأساً فيما سواه» اهـ. قُلْتُ: أثر ابن عمر وصله البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٧٢٥). وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٠٠٨٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ مَا أَصَابَتِ الْبُنْدُقَةُ، وَالْحَجَرُ، وَالْمِعْرَاضُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ٥ - وفيه جواز الاصطياد بالكلاب المعلمة. قُلْتُ: كون الكلب معلماً شرط من شروط حل الصيد، لهذا الحديث ولقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]. وهذا مما لا نزاع فيه.

стр. 7526

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٢٩٠): «ويعتبر في تعليمه ثلاثة شروط؛ إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل. ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلماً في حكم العرف، وأقل ذلك ثلاث. قاله القاضي. وهو قول أبي يوسف، ومحمد. ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات؛ لأنَّ التقدير بالتوقيف، ولا توقيف في هذا، بل قدره بما يصير به في العرف معلماً. وحكي عن أبي حنيفة، أنَّه إذا تكرر مرتين، صار معلماً؛ لأنَّ التكرار يحصل بمرتين. وقال الشريف أبو جعفر، وأبو الخطاب: يحصل ذلك بمرة، ولا يعتبر التكرار؛ لأنَّه تعلم صنعة، فلا يعتبر فيه التكرار، كسائر الصنائع. ولنا أنَّ تركه للأكل يحتمل أن يكون لشبع، ويحتمل أنَّه لتعلم، فلا يتميز ذلك إلَّا بالتكرار، وما اعتبر فيه التكرار اعتبر ثلاثاً، كالمسح في الاستجمار، وعدد الإقرار والشهود في العدة، والغسلات في الوضوء.

стр. 7527

ويفارق الصنائع، فإنَّها لا يتمكن من فعلها إلَّا من تعلمها، فإذا فعلها علم أنَّه قد تعلمها وعرفها، وترك الأكل ممكن الوجود من المتعلم وغيره، ويوجد من الصنفين جميعاً، فلا يتميز به أحدهما من الآخر حتى يتكرر» اهـ. قُلْتُ: اعتبار عدد معين للتكرار مما لا دليل عليه والصواب أنَّ مرجع ذلك إلى عرف أهل الخبرة في ذلك. والله أعلم. ويلحق بالكلاب المعلمة كل معلم للصيد من سباع الحيوان وجوارح الطير. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٢٩٦): «فصل: وكل ما يقبل التعليم، ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم، كالفهد، أو جوارح الطير، فحكمه حكم الكلب في إباحة صيده. قال ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾: هي الكلاب المعلمة، وكل طير تعلم الصيد، والفهود والصقور وأشباهها. وبمعنى هذا قال طاووس، ويحيى بن أبي كثير، والحسن، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأبو ثور. وحكي عن ابن عمر، ومجاهد، أنَّه لا يجوز الصيد إلَّا بالكلب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. يعني كلبتم من الكلاب.

стр. 7528

ولنا، ما روي عن عدي، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: "إذا أمسك عليك، فكل". ولأنَّه جارح يصاد به عادة، ويقبل التعليم فأشبه الكلب. فأمَّا الآية، فإنَّ الجوارح الكواسب. ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. أي كسبتم. وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من التكليب وهو: الإغراء» اهـ. قُلْتُ: حديث عدي في صيد البازي رواه الترمذي (١٤٦٧) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهَنَّادٌ، وَأَبُو عَمَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ البَازِي، فَقَالَ: «مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ». لَا يَصِّحُ لضعف مجالد وهو بن سعيد. قُلْتُ: وكثير من أهل العلم يرى أنَّ معنى ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ مختص بالكلاب فالمكلب هو مغري الكلاب وليس هو المغري مطلقاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٢٠٦): «وأدخل صيد الجوارح كلها في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾، وقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ وإن كان من لفظ الكلب فمعناه مغرين لها على الصيد قاله مجاهد والحسن وهو رواية

стр. 7529

عن ابن عباس، وقال أبو سليمان الدمشقي مكلبين معناه معلمين، وإنَّما قيل لهم مكلبين لأنَّ الغالب من صيدهم إنَّما يكون بالكلاب» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٣٢): «قُلْتُ: والمحكي عن الجمهور أنَّ صيد الطيور كصيد الكلاب؛ لأنَّها تَكْلَبُ الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب، فلا فرق. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٣/ ٣٤): «أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلَّبات للصيد، وذلك أن تقتنصه الجوارح بمخالبها أو أظفارها فيستدل بذلك - والحالة هذه - على أنَّ الجارحة إذا قتل الصيد بصدمته أو بمخلابه وظفره أنَّه لا يحل، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ١٦): «والمكلِّب الذي يغري الكلاب على الصيد، ويقال للذي يعلمها أيضاً: مكلِّب، والكلاب: صاحب الكلاب، ويقال للصائد بها أيضاً كلاب، ونصب مكلبين على الحال، أي: في حال تكليبكم هذه الجوارح أي إغرائكم إياها على الصيد، وذكر الكلاب لأنَّها أكثر وأعم، والمراد جميع جوارح الصيد» اهـ.

стр. 7530

قُلْتُ: ونظير ذلك تسمية التشاؤم طيرة مع أنَّه غير مقتصر على الطير لكن لما كان أكثر تشاؤم العرب في الجاهلية من الطير قيل له طيرة، وهكذا هاهنا لما كان أكثر صيد الناس بالكلاب ذكرت الكلاب دون غيرها، والمراد بذلك اغراء سائر الجوارح على الصيد. والله أعلم. ٦ - وظاهره حل الاصطياد بجميع الكلاب المعلمة ولو كان كلباً أسود. قُلْتُ: وفي الاصطياد بالكلب الأسود نزاع بين العلماء، فالأئمة الثلاثة على حله تمسكاً بعموم الحديث، وذهب الحسن وقتادة والنخعي وأحمد وإسحاق إلى المنع من ذلك لأنَّ الكلب الأسود شيطان. قاَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ كَمَا فِي [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوْيَه] (٨/ ٣٩٨٥) رقم (٢٨٣٦) لإسحاق بن منصور الكوسج: «ما أعرف أحداً رخّص فيه، إذا كان بهيماً. قال إسحاق: كما قال» اهـ. قُلْتُ: وهذا القول أصح للأمر بقتل الأسود البهيم، وما أمر بقتله لا يجوز اقتناؤه من أجل الصيد ولا غيره.
следующие страницы →