Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.
стр. 7561
والمسلم لو ذكي على غير الصفة المشروعة لم تبح ذبيحته فالكتابي من باب أولى وكيف يتشدد في ذبيحة المسلم ويتساهل في ذبيحة الكافر الكتابي والمسلم أعلى من الكافر.
الوجه الثالث: أنَّ طعام أهل الكتاب قد خص منه ما استباحوه كالخنزير فيخص منه ما ذبحوه على غير الصفة المشروعة في الذكاة.
الوجه الرابع: أنَّ ما ذبح بفتل عنقه يدخل في المنخنقة وما ذبح بضربة بالبلطة ونحوها موقوذ وقد حرم الله المنخنقة والموقوذة بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ الآية فيكون ذلك مخصصًا لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
الوجه الخامس: أنَّ ما ذكي على غير الصفة المشروعة يفتقد فوائد الذكاة من استخراج دمه وتطييب لحمه والذكاة لا ينظر فيها إلى وصف المذكى فقط بل ينظر فيها إلى وصف المذكي وصفة الذكاة معاً.
стр. 7562
فلو وجد أمامنا ذبيحتان كل منهما ذكي على غير الصفة المشروعة إحداهما ذكاها مسلم والأخرى ذكاها كتابي فكيف نحرم ذبيحة المسلم ونبيح ذبيحة الكافر في هذه الحالة إنَّ في هذا رفعًا لشأن الكافر على المسلم» اهـ.
قُلْتُ: ومما يؤيد كلام العلامة الفوزان في الوجه الثاني قول شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] (٢/ ٦٠): «فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، ولأنَّ غاية الكتابي: أن تكون ذكاته كالمسلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢٣/ ٨٣):
«وهم بذلك ليسوا أعلى من المسلمين بل هم في هذا الباب كالمسلمين، فإذا علم أنَّهم يذبحون ذبحاً يجعل البهيمة في حكم الميتة حرمت، كما لو فعل ذلك المسلم، لقول الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ الآية. فكل ذبح من مسلم أو كتابي يجعل الذبيحة في حكم المنخنقة أو الموقوذة أو المتردية أو النطيحة فهو ذبح يحرم البهيمة ويجعلها في عداد الميتات لهذه الآية الكريمة، وهذه الآية يخص بها عموم قوله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ كما يخص بها الأدلة
стр. 7563
الدالة على حل ذبيحة المسلم إذا وقع منه الذبح على وجه يجعل ذبيحته في حكم الميتة» اهـ.
١١ - وفيه أنَّه تشترط التسمية عند إرسال الكلب المعلم لحل صيده.
والتسمية تكون عند الإرسال لكن، إن انطلق من غير تسمية ولا إغراء من صاحبه ثم سمى عليه وأغراه فازداد في عدوه فيحل ما صاده لأنَّ الإغراء أثر عليه وزاد في تهييجه، وإن لم يحصل منه بسبب الإغراء والتهييج زيادة في العدو فلا يحل.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٠/ ٤١٨):
«وَكَذَا إنْ اسْتَرْسَلَ كَلْبٌ وَغَيْرُهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ زَجَرَهُ فَزَادَ فِي طَلَبِهِ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّ الْمُضَافِ إلَى فِعْلِ الْبَهِيمَةِ، كَمَا لَوْ عَدَا عَلَى آدَمِيٍّ فَأَغْرَاهُ عَلَيْهِ فَأَصَابَهُ ضَمِنَ، وعنه: أو أَرْسَلَهُ بِلَا تَسْمِيَةٍ ثُمَّ سَمَّى وَزَجَرَهُ فَزَادَ، قَطَعَ بِهِ فِي الْوَاضِحِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ، حَلَّ» اهـ.
* * *
стр. 7564
٣٨١ - عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».
قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ»، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة اقتناء الكلاب إلَّا ما استثناه الدليل.
قُلْتُ: وذكر الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ تعليلاً غريباً حيث قال في [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٢٢١ - ٢٢٢): «وفي قوله ﷺ في هذا الحديث "نقص من عمله أو من أجره - يريد من أجر عمله - كل يوم قيراطان" دليل على أنَّ اتخاذها ليس بمحرم لأنَّ ما كان محرماً اتخاذه لم يجز اتخاذه ولا اقتناؤه على حال نقص من الأجر أو لم ينقص؛ وليس هذا سبيل النهي عن المحرمات أن يقال فيها من فعل كذا ولكن هذا اللفظ يدل والله أعلم على كراهية لا على تحريم.
ووجه قوله ﵇ في هذا الحديث من نقصان الأجر محمول عندي والله أعلم على أنَّ المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعاً إذا ولغت فيه لا
стр. 7565
يكاد يقام بها ولا يكاد يتحفظ منها لأنَّ متخذها لا يسلم من ولوغها في إنائه ولا يكاد يؤدي حق الله في عبادة الغسلات من ذلك الولوغ فيدخل عليه الإثم والعصيان فيكون ذلك نقصاً في أجره بدخول السيئات عليه وقد يكون ذلك من أجل أنَّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ونحو ذلك، وقد يكون ذلك بذهاب أجره في إحسانه إلى الكلاب لأنَّ معلوماً أنَّ في الإحسان إلى كل ذي كبد رطبة أجراً لكن الإحسان إلى الكلب ينقص الأجر فيه أو يبلغه ما يلحق مقتنيه ومتخذه من السيئات بترك أدبه لتلك العبادات في التحفظ من ولوغه والتهاون بالغسلات منه ونحو ذلك مثل ترويع المسلم وشبهه والله أعلم بما أراد رسول الله ﷺ من قوله ذلك» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الحديث حرمة اقتناء الكلاب إلَّا ما استثني، فإنَّ نقصان مثل هذا الأجر العظيم من أجر العبد من أشد العقوبات وذلك أنَّ العقوبات بذهاب الحسنات أشد من العقوبات بذهاب شيء من المال أو الصحة أو نحو ذلك، وهكذا فإنَّ إبطال الحسنات إنَّما يكون بالسيئات.
وقد روى مسلم (٢٨٠) عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟» ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ
стр. 7566
وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ».
قُلْتُ: وهو يدل على أنَّ ما سوى ذلك لم يرخص فيه، وإذا لم يرخص فيه فهو باقٍ على التحريم. والله أعلم.
ثم رأيت الْحَافِظَ الْعِرَاقِيَّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٧٣) يقول - متعقباً على الحافظ ابن عبد البر -:
«وهو عجيب؛ لأنَّ استدلالنا على التحريم بالنقصان من الأجر؛ لأنَّ ذلك يدل على ارتكاب محرم أحبط ثواب بعض الأعمال كما كان عدم قبول صلاة شارب الخمر والعبد الآبق وآتي العراف والكاهن يدل على تحريم هذه الأعمال فإنَّ تحريمها هو الذي أحبط ثوابها بخلاف عدم قبول صلاة المحدث فإنَّه ليس لاقتران معصية؛ لأنَّ الحدث ليس بمعصية وإنَّما هو لفقد شرط وهو الطهارة، وقد تقدم هذا المعنى والله أعلم» اهـ.
٢ - جواز اقتناء الكلاب من أجل الصيد أو الماشية أو الحرث.
وليس المراد مجرد اقتناء كلب الصيد لمن لا يريد أن يصيد به فإنَّ ذلك لا يحل وكذلك القول في كلب الحرث والماشية.
стр. 7567
وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٧٠): «استدل به على جواز اقتناء كلب الصيد ونحوه وإن لم يرد الاصطياد به في الحال ولا فيما بعد؛ لأنَّه صدق أنَّه اقتنى كلب صيد، وقد حكى بعض أصحابنا فيه وجهين لكن الأصح تحريمه وظاهر كلام الجمهور القطع به؛ لأنَّه اقتناه لغير حاجة فأشبه غيره من الكلاب، ومعنى الحديث إلَّا كلباً يصطاد به» اهـ.
ويدخل في ذلك اقتناء الكلب الكبير الذي لا يحسن الصيد من أجل تعليمه، وهكذا اقتناء الجرو الصغير من أجل أن يربى ويعلم الاصطياد.
٣ - وقد توسع جماعة من العلماء في ذلك فأباحوا اقتناءها لكل ما فيه نفع أو دفع ضر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٢١٩): «وفي معنى هذا الحديث تدخل عندي إباحة اقتناء الكلاب للمنافع كلها ودفع المضار إذا احتاج الإنسان إلى ذلك إلَّا أنَّه مكروه اقتناؤها في غير الوجوه المذكورة في هذه الآثار لنقصان أجر مقتنيها والله أعلم» اهـ.
стр. 7568
قُلْتُ: إذا كان مثل هذا النقصان يشمل سائر الكلاب المستخدمة في جلب المنافع ودفع المضار إلَّا ما استثناه الدليل فهي داخلة في النهي عن اقتناء الكلاب ولا معنى حينئذ من استثنائها وقد شاركتها في المفسدة.
وَقَالَ ﵀ (١٤/ ٢٢٠): «وإنَّما كره من ذلك اقتناؤها لغير منفعة وحاجة وكيدة فيكون حينئذ فيه ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة في البيت والموضع الذي فيه الكلب فمن ههنا والله أعلم كره اتخاذها، وأمَّا اتخاذها للمنافع فما أظن شيئاً من ذلك مكروهاً لأنَّ الناس يستعملون اتخاذها للمنافع ودفع المضرة قرناً بعد قرن في كل مصر وبادية فيما بلغنا والله أعلم وبالأمصار علماء ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف ويسمع السلطان منهم فما بلغنا عنهم تغيير ذلك إلَّا عند أذى يحدث من عقر الكلب ونحوه وإن كنت ما أحب لأحد أن يتخذ كلباً ولا يقتنيه إلَّا لصيد أو ماشية في بادية أو ما يجري مجرى البادية من المواضع المخوف فيها الطرق والسرق فيجوز حينئذ اتخاذ الكلاب فيها للزرع وغيره لما يخشى من عادية الوحش وغيره والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٣٩٠): «ويدخل في معنى الزرع والكرم منافع البادية كلها من الطارق وغيره. وقد سئل هشام بن
стр. 7569
عروة عن اتخاذ الكلب للدار، فقال: لا بأس به إذا كانت الدار مخوفة. فأمَّا ما روى عنه ﷺ في حديث سفيان بن أبي زهير: "قيراط" وفى حديث ابن عمر: "قيراطان" فيحتمل والله أعلم أنَّه ﷺ غلظ عليهم في اتخاذ الكلاب، لأنَّها تروع الناس، فلم ينتهوا؛ فزاد في التغليظ فجعل مكان القيراط قيراطين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٢١): «وأمَّا اقتناء الكلاب فمذهبنا أنَّه يحرم اقتناء الكلب بغير حاجة، ويجوز اقتناؤه للصيد وللزرع وللماشية.
وهل يجوز لحفظ الدور والدروب ونحوها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لظواهر الأحاديث فإنَّها مصرحة بالنهي إلَّا لزرع أو صيد أو ماشية، وأصحها يجوز قياساً على الثلاثة عملاً بالعلة المفهومة من الأحاديث وهي الحاجة» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح الاقتصار على ما ورد به الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٧٠): «فصل: ولا يجوز اقتناء الكلب، إلَّا كلب الصيد، أو كلب ماشية، أو حرث؛ لما روي عن أبي هريرة، عن
стр. 7570
النبي ﷺ أنَّه قال: "من اتخذ كلباً إلَّا كلب صيد أو ماشية أو زرع، نقص من أجره كل يوم قيراط".
وعن ابن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من اقتنى كلباً إلَّا كلب صيد أو ماشية، فإنَّه ينقص من أجره كل يوم قيراطان".
قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: "أو كلب حرث". متفق عليه.
وإن اقتناه لحفظ البيوت، لم يجز؛ للخبر. ويحتمل الإباحة. وهو قول أصحاب الشافعي؛ لأنَّه في معنى الثلاثة، فيقاس عليها.
والأول أصح؛ لأنَّ قياس غير الثلاثة عليها، يبيح ما يتناول الخبر تحريمه» اهـ.
٤ - ويدخل في الحرث الزرع وسائر الثمار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٣٩٠): «ويدخل في معنى الزرع الكرم والثمار وغير ذلك، ولم يختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ أنَّه كان كرماً، وروى عبد الله بن مغفل أنَّ النبي ﷺ قال: "من اتخذ كلباً ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا حرث … "» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ المحتاج إلى الشيء أكثر اهتماماً بمعرفة حكمه من غيره.
стр. 7571
وهو مأخوذ من قول سالم: «وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ» يعني أبا هريرة.
وروى مسلم (١٥٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ».
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذُكِرَ لِابْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ».
قُلْتُ: أثر ابن عمر منقطع، وليس المراد به الطعن في رواية أبي هريرة لهذه الزيادة، وإنَّما المراد بذلك الإخبار بمزيد تثبته فإنَّ صاحب الشأن أولى بحفظ الحديث فيه من غيره. ويدل على ذلك أنَّ هذه الزيادة قد جاءت أيضاً في حديث ابن عمر فروى مسلم (١٥٧٤) عَنِ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ».
وجاءت أيضاً في حديث سفيان بن أبي زهير في البخاري (٢٣٢٣)، ومسلم (١٥٧٦). وجاء في حديث عبد الله بن مغفل في مسلم (٢٨٠، ١٥٧٣).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرٍ ﵀ فِي [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٧/ ٣٤٨): «قول ابن عمر هذا لم يرد به التهمة لأبي هريرة وإنَّما أراد أن أبا هريرة حفظ ذلك لأنَّه كان صاحب زرع وصاحب الحاجة أحفظ لها من غيره» اهـ.
стр. 7572
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ] (٢/ ٤٣٩ - ٤٠): «قد زعم بعض من لم يسدد في قوله ولم يوفق لحسن الظن بسلفه أنَّ ابن عمر إنَّما أخرج قوله هذا مخرج الطعن على أبي هريرة وأنَّه ظن به التزيد في الرواية لحاجته كانت إلى حراسة الزرع قال وكان ابن عمر يرويه ولا يذكر فيه كلب الزرع.
قال أبو سليمان: والأمر فيما زعمه بخلاف ما توهمه وإنَّما ذكر ابن عمر هذا تصديقاً لقول أبي هريرة وتحقيقاً له ودل به على صحة روايته وثبوتها إذ كان كل من صدقت حاجته إلى شيء كثرت عنايته به وكثر سؤاله عنه، يقول: إنَّ أبا هريرة جدير بأن يكون عنده هذا العلم وأن يكون قد سأل رسول الله ﷺ عنه لحاجته كانت إليه إذا كان صاحب زرع يدل على صحة ذلك فتيا ابن عمر بإباحة اقتناء كلب الزرع بعد ما بلغه خبر أبي هرير … » اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٨٠): «وقول ابن عمر: "كان لأبي هريرة زرع"؛ لا يفهم منه أحد من العقلاء تهمة في حق أبي هريرة. وإنَّما أراد ابن عمر: أنَّ أبا هريرة لما كان صاحب زرع وكان محتاجاً لما يحفظ به زرعه سأل النبي ﷺ عن ذلك، فأجابه بالاستثناء، فحصل له علم لم يكن عند ابن عمر، ولا عند غيره ممن لم يكن له اعتناء بذلك ولا تهمم» اهـ.
стр. 7573
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٢٢): «قال العلماء: ليس هذا توهينا لرواية أبي هريرة، ولا شكاً فيها، بل معناه أنَّه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة أنَّ المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٧٩):
«وقوله: "وكان صاحب حرث" محمول على أنَّه أراد ذكر سبب العناية بهذا الحكم حتى عرف منه ما جهل غيره والمحتاج إلى الشيء أكثر اهتماما بمعرفة حكمه من غيره» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ من اقتنى كلباً لغير ما ذكر في الحديث نقص من أجره كل يوم قيراطان.
والقيراط مثقال من المثاقيل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ٦٥٦ - ٦٥٧): «لم أزل حريصاً على معرفة المراد بالقيراط في هذا الحديث وإلى أي شيء نسبته حتى رأيت لابن عقيل فيه كلاماً قال: القيراط نصف سدس درهم مثلاً، أو نصف عشر دينار ولا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر لأنَّ ذلك يدخل فيه ثواب الإيمان
стр. 7574
وأعماله كالصلاة والحج وغيره وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ هذا فلم يبق إلَّا أن يرجع إلى المعهود وهو الأجر العائد إلى الميت ويتعلق بالميت أجر الصبر على المصاب فيه وأجر تجهيز وغسله ودفنه والتعزية به وحمل الطعام إلى أهله وتسليتهم وهذا مجموع الأجر الذي يتعلق بالميت فكان للمصلى والجالس إلى أن يقبر سدس ذلك أو نصف سدسه إن صلى وانصرف.
قُلْتُ: كان مجموع الأجر الحاصل على تجهيز الميت من حين الفراق إلى وضعه في لحده وقضاء حق أهله وأولاده وجبرهم دينار مثلاً فللمصلي عليه قيراط من هذا الدينار والذي يتعارفه الناس من القيراط أنَّه نصف سدس فإن صلى عليه وتبعه كان له قيراطان منه وهما سدسه وعلى هذا فيكون نسبه القيراط إلى الأجر الكامل بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه وكلما كان أعظم كان القيراط منه بحسبه فهذا بين ههنا.
وأمَّا قوله: "من اقتنى كلباً إلَّا كلب ماشية أو زرع نقص من أجره أو من عمله كل يوم قيراط". فيحتمل أن يراد به هذا المعنى أيضاً بعينه وهو نصف سدس أجر عمله ذلك اليوم ويكون صغر هذا القيراط وكبره بحسب قلة عمله وكثرته فإذا
стр. 7575
كانت له أربعة وعشرون ألف حسنة مثلاً نقص منها كل يوم ألفا حسنة وعلى هذا الحساب والله أعلم بمراد رسوله وهذا مبلغ الجهد في فهم هذا الحديث» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في بعض الروايات في حديث ابن عمر في مسلم (١٥٧٤) ذكر القيراط، وروى البخاري (٣٣٢٤)، ومسلم (١٥٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ».
وجاء أيضاً في حديث سفيان بن أبي زهير في البخاري (٢٣٢٣)، ومسلم (١٥٧٦).
وقد خاض العلماء في الجمع بين هذه الألفاظ.
فقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٨١): «وجاء في إحدى الروايتين: "قيراطان". وفي أخرى: "قيراط". وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب. أحدهما أشد أذى من الآخر، كالأسود المتقدم الذكر. ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلاً، أو بمكة ينقصه قيراطان، وبغيرهما قيراط، والله أعلم» اهـ.
стр. 7576
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٧): «واختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين والقيراط فقيل الحكم الزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو أنَّه ﷺ أخبر أولاً بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانياً بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التنفير من ذلك فسمعه الراوي الثاني، وقيل ينزل على حالين فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الاضرار باتخاذها ونقص القيراط باعتبار قلته، وقيل يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة والقيراط بما عداها، وقيل يلتحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى ويختص القيراط بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التأذي وقلته، وكذا من قال يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب ففيما لابسه آدمي قيراطان وفيما دونه قيراط» اهـ.
٧ - الحديث حجة لمن منع من أكل الكلاب إذ لو جاز أكلها لجاز اقتناؤها من أجل أكلها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٥٣٠): «وهذا أوضح دليل على أنَّ الكلب لا يجوز أكله، إذ لو جاز أكله لجاز اقتناؤه للأكل، وهو ظاهر» اهـ.
* * *
стр. 7577
٣٨٢ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَابُوا إبِلاً وَغَنَماً، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ. فَقَالَ: «إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا». قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إنَّا لاقُو الْعَدُوِّ غَداً، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدىً. أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ».
قَوْلُهُ: «بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٢٥): «وذو الحليفة هذا مكان غير ميقات المدينة لأنَّ الميقات في طريق الذاهب من المدينة ومن الشام إلى مكة وهذه بالقرب من ذات عرق بين الطائف
стр. 7578
ومكة كذا جزم به أبو بكر الحازمي وياقوت ووقع للقابسي أنَّها الميقات المشهور وكذا ذكر النووي قالوا: وكان ذلك عند رجوعهم من الطائف سنة ثمان وتهامة اسم لكل ما نزل من بلاد الحجاز سميت بذلك من التهم بفتح المثناة والهاء وهو شدة الحر وركود الريح وقيل تغير الهواء» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ». أي: شرد.
وَقَوْلُهُ: «إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ». أي توحشاً كتوحش الوحش.
وَقَوْلُهُ: «وَلَيْسَ مَعَنَا مُدىً». المدية هي السكين سميت بذلك لأنَّها تقطع مدى الحيوان أي عمره.
وَقَوْلُهُ: «أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟». القصب: كل نبات ذي أنابيب.
وَقَوْلُهُ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ أي: أسأله وصبه بكثرة، شبهه بجري الماء في النهر.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إقامة عذر المخطئ قبل ذكر ما أخطأ فيه، وهو مأخوذ من قوله: «فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ» فقد قال ذلك الصحابي تمهيداً لبيان عذرهم في نحرهم للإبل وذبحهم للغنم.
стр. 7579
٢ - وفيه أنَّه ينبغي أن يكون أمير الجيش في أخريات الجيش يتفقد ضعفاء الجيش، وحتى لا ينقطع ضعفاء الجيش عن اللحاق بسائر الجيش، فإنَّه لو كان في مقدمة الجيش ربما تقدم الجيش فانقطع الضعفاء عن اللحاق به.
٣ - وفيه حرمة أخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٤٠٦): «وقد مضى من سنن المسلمين في الغنائم وأكلهم منها ما لا خلاف فيه. وكانوا في هذه القسمة بذي الحليفة قريباً من المدينة، ولم يكونوا مضطرين إلى أكل الغنيمة فأراهم النبي ﷺ أنَّ هذا ليس لهم، فمنعهم مما فعلوه بغير إذنه ﷺ فكان في باب الخوف من الغلول» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٦١): «وإنَّما أمر بإراقتها لأنَّهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام، والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة، فإنَّ الأكل من الغنائم قبل القسمة إنَّما يباح في دار الحرب» اهـ.
٤ - وفيه مشروعية العقوبة بالمال.
وروى أبو داود (٢٧٠٥) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ عَاصِمٍ يَعْنِي ابْنَ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ
стр. 7580
اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ النَّاسَ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ، وَأَصَابُوا غَنَمًا فَانْتَهَبُوهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي عَلَى قَوْسِهِ، فَأَكْفَأَ قُدُورَنَا بِقَوْسِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّلُ اللَّحْمَ بِالتُّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ الْمَيْتَةِ» أَوْ «إِنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ النُّهْبَةِ» الشَّكُّ مِنْ هَنَّادٍ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وترميل اللحم هو تلطيخه بالتراب.
والذي يظهر لي أنَّ هذا الأخذ سمي نهبة ولم يسم غلولاً لأنَّه أخذ مجاهرة، والغلول ما أخذ سراً على وجه الخيانة، والله أعلم.
ورواه ابن ماجه (٣٩٣٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَصَبْنَا غَنَمًا لِلْعَدُوِّ فَانْتَهَبْنَاهَا، فَنَصَبْنَا قُدُورَنَا، فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ النُّهْبَةَ لَا تَحِلُّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وأبو الأحوص هو سلام بن سُليم، والظاهر أنَّ الحديث ثابت من الطريقين معاً.
وروى أحمد (٢٣١١٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَالَ: أَسَرَنِي نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
стр. 7581
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُنْتُ مَعَهُمْ، فَأَصَابُوا غَنَمًا، فَانْتَهَبُوهَا فَطَبَخُوهَا، قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ النُّهْبَى - أَوِ النُّهْبَةَ - لَا تَصْلُحُ، فَأَكْفِئُوا الْقُدُورَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. والرجل من بني ليث هو ثعلبة فإنَّه ليثي.
قُلْتٌ: وإفساد النبي ﷺ للحم من قبيل التعزير، وليس ما يدعيه أهل الظاهر وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين، وهو ظاهر مذهب البخاري من أنَّ الذبيحة لا تحل وتصير بذلك في حكم الميتة، ويدل على صحة قول الجمهور ما رواه أبو داود (٣٣٣٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ: «أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ»، فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَةٍ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ، فَأَكَلُوا، فَنَظَرَ آبَاؤُنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا»، فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَةُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً، فَلَمْ أَجِدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً، أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا
стр. 7582
بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَطْعِمِيهِ الْأُسَارَى».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. ولو كانت ميتة لما حلَّ أن تطعم الأسارى.
٥ - وفيه أنَّ العشر من الغنم تعدل ببعير، وهذا خلاف هدي النبي ﷺ في الهدي والأضاحي.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٢٧): «فلعل الإبل كانت قليلة أو نفيسة والغنم كانت كثيرة أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أنَّ البعير يجزئ عن سبع شياه لأنَّ ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين وأمَّا هذه القسمة فكانت واقعة عين فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإبل دون الغنم وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منَّا في بدنة. والبدنة تطلق على الناقة والبقرة».
إِلَى أَنْ قَالَ: «والذي يتحرر في هذا أنَّ الأصل أنَّ البعير بسبعة ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم بحسب ذلك وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك» اهـ.
стр. 7583
٦ - وفيه أنَّ الإبل إذا توحشت فعل بها كما يفعل بالصيد من رميها في أي موضع كان، فإن أدرك نحرها نحرت، وإن أدركها وقد ماتت حلت كما يحل الصيد. وإلى هذا ذهب الجمهور، وقال سعيد بن المسيب وربيعة والليث ومالك: لا تحل إلَّا بذكاة في حلقه أو لبدته كغيره، والحجة مع الجمهور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٤٢): «مسألة؛ قال: "وإذا ند بعير، فلم يقدر عليه، فرماه بسهم أو نحوه، مما يسيل به دمه، فقتله، أكل" وكذلك إن تردى في بئر، فلم يقدر على تذكيته، فجرحه في أي موضع قدر عليه، فقتله، أكل، إلَّا أن يكون رأسه في الماء، فلا يؤكل؛ لأنَّ الماء يعين على قتله. هذا قول أكثر الفقهاء.
روي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة ﵃ وبه قال مسروق، والأسود، والحسن، وعطاء، وطاووس، وإسحاق، والشعبي، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال مالك: لا يجوز أكله إلَّا أن يذكى. وهو قول ربيعة، والليث. قال أحمد: لعل مالكاً لم يسمع حديث رافع بن خديج» اهـ.
стр. 7584
٧ - وفيه اشتراط التسمية والإنهار لحل الذبيحة والصيد.
ويستثنى من إنهار الدم الجنين في بطن أمه فإنَّ ذكاته ذكاة أمه، وهكذا ما حلَّت ميتته وهما السمك والجراد.
٨ - وفيه جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلَّا ما ورد استثناؤه في الحديث. ولعلهم لم يذبحوا بسيوفهم حتى لا يذهب حدها، وهم محتاجون لبقاء حدها في جهادهم.
٩ - وفيه أنَّه يجزئ في الذبح ما أنهر الدم، ويكون ذلك بقطع الودجين من البهيمة وهما العرقان في جانبي الحلقوم فإنَّه بقطعهما يحصل إنهار الدم، وأمَّا اشتراط قطع الحلقوم أو المريء فمما لا أعلم دليلاً على اشتراطه، وقد تنازع العلماء في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٥٩ - ٣٦٠): «وأمَّا الفعل فيعتبر قطع الحلقوم والمريء. وبهذا قال الشافعي. وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّه يعتبر مع هذا قطع الودجين. وبه قال مالك، وأبو يوسف؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان. وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج، ثم تترك حتى تموت. رواه أبو داود.
وقال أبو حنيفة: يعتبر قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين.
стр. 7585
ولا خلاف في أنَّ الأكمل قطع الأربعة؛ الحلقوم، والمريء والودجين، فالحلقوم مجرى النفس، والمريء وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما عرقان محيطان بالحلقوم؛ لأنَّه أسرع لخروج روح الحيوان، فيخف عليه، ويخرج من الخلاف، فيكون أولى.
والأول يجزئ؛ لأنَّه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه، فأشبه ما لو قطع الأربعة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤١): «فقد قال أكثر الحنفية في كتبهم إذا قطع من الأوداج الأربعة ثلاثة حصلت التذكية وهما الحلقوم والمريء وعرقان من كل جانب، وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن إذا قطع الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج أجزأ فإن قطع أقل فلا خير فيها، وقال الشافعي: يكفي ولو لم يقطع من الودجين شيئاً لأنَّهما قد يسلان من الإنسان وغيره فيعيش، وعن الثوري إن قطع الودجين أجزأ ولو لم يقطع الحلقوم والمريء، وعن مالك والليث يشترط قطع الودجين والحلقوم فقط، واحتج له بما في حديث رافع: "ما انهر الدم". وانهاره اجراؤه وذلك يكون بقطع الأوداج لأنَّها
стр. 7586
مجرى الدم، وأمَّا المريء فهو مجرى الطعام وليس به من الدم ما يحصل به إنهار كذا قال» اهـ.
قُلْتُ: ومثل ذلك أيضاً في إنهار الدم الطعن في اللَّبة وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.
١٠ - وعموم الحديث يشمل حل المذبوحة من القفا إذا وصل الذبح إلى الودجين قبل موتها، وأمَّا إذا وصل إلى الودجين بعد موتها فلا تحل.
وهذا مما تنازع فيه العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٦٥ - ٣٦٦): «فصل: فإن ذبحها من قفاها اختياراً، فقد ذكرنا عن أحمد، أنَّها لا تؤكل. وهو مفهوم كلام الخرقي.
وحكي هذا عن علي، وسعيد بن المسيب، ومالك، وإسحاق.
قال إبراهيم النخعي: تسمى هذه الذبيحة الْقَفِينَةُ.
وقال القاضي: إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء حلت، وإلَّا فلا، ويعتبر ذلك بالحركة القوية.
وهذا مذهب الشافعي.
стр. 7587
وهذا أصح؛ لأنَّ الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة، أحله، كأكيلة السبع، والمتردية والنطيحة.
ولو ضرب عنقها بالسيف فأطار رأسها، حلت بذلك. نص عليه أحمد، فقال: لو أنَّ رجلاً ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف، يريد بذلك الذبيحة، كان له أن يأكله. وروي عن علي، ﵁، أنَّه قال: تلك ذكاة وَحْيَّة.
وأفتى بأكلها عمران بن حصين. وبه قال الشعبي، وأبو حنيفة، والثوري.
وقال أبو بكر لأبي عبد الله فيها قولان. والصحيح أنَّها مباحة؛ لأنَّه اجتمع قطع ما تبقى الحياة معه مع الذبح، فأبيح، كما ذكرنا مع قول من ذكرنا قوله من الصحابة من غير مخالف.
فصل: فإن ذبحها من قفاها، فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء أو لا؟ نظرت؛ فإن كان الغالب بقاء ذلك، لحدة الآلة، وسرعة القتل، فالأولى إباحته؛ لأنَّه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف، وإن كانت الآلة كالة، وأبطأ قطعه، وطال تعذيبه، لم يبح؛ لأنَّه مشكوك في وجود ما يحله، فيحرم، كما لو أرسل كلبه على الصيد، فوجد معه كلباً آخر لا يعرفه» اهـ.
قُلْتُ: ومعنى قول علي ﵁: «ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ» أي سريعة.
стр. 7588
وقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٤٧٩) عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ: ضَرَبَ رَجُلٌ عُنُقَ بَعِيرٍ بِالسَّيْفِ فَأَبَانَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: «ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ».
قُلْتُ: جَعْفَرُ هو ابْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، وعَوْفُ هو ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ لم يدرك علياً.
ومذهب الحنفية في الذبح من القفا ذكره الْعَلَّامَةُ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الْمَبْسُوطِ] (١١/ ٢٢٨):
«وَإِنْ بَدَأَ مِنْ قِبَلِ الْقَفَا، فَإِنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْأَوْدَاجَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ الشَّاةُ حَلَّتْ، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْأَوْدَاجَ لَمْ تُؤْكَلْ» اهـ.
قُلْتُ: ولم يفرق المالكية بين الذبح من القفا بالسكين، أو ضرب العنق بالسيف ورأوا كل أنَّ كل ذلك لا يحل به الذبيحة.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢٢/ ٤٧١): « … وإن كان الذبح من القفا، فإن كان قطع الحلقوم والمريء، وهي بها حياة مستقرة لحدة الآلة وسرعة القطع، فإنَّها تجزئ، ويحل أكلها …
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
стр. 7589
بكر أبو زيد … صالح بن فوزان الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
١١ - وفيه حرمة الذبح بالعظم أو الظفر، والنهي يقتضي التحريم والفساد فالذبيحة التي ذبحت بذلك ميتة في مذهب الجمهور.
وليس في الحديث ذكر السبب في نهيهم عن الذبح بالعظم، وقد قيل في ذلك من أجل أنَّه زاد إخواننا من الجن، وفي الذبح بها تنجيسها عليهم. وقد روى مسلم (٤٥٠) عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: فَقَالَ عَلْقَمَةُ، أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ. فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ. قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلَ حِرَاءٍ. قَالَ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ. فَقَالَ: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ» قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ
стр. 7590
لِدَوَابِّكُمْ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ».
لكن يشكل على ذلك أنَّ السن لا لحم فيه إلَّا إذا كان متصلاً بعظم أحد الفكين.
قُلْتُ: وبناء على هذا التعليل فلا يحل الذبح بسائر العظام وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية عنهما، وهو مذهب الشافعي، وذهب مالك في رواية وأبو حنيفة على حل ذلك. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩): «نهى النبي ﷺ عن الذبح بالظفر، معللاً بأنَّها مدى الحبشة، كما علل السن: بأنَّه عظم. وقد اختلف الفقهاء في هذا، فذهب أهل الرأي: إلى أنَّ علة النهي كون الذبح بالسن والظفر يشبه الخنق، أو هو مظنة الخنق، والمنخنقة محرمة، وسوغوا على هذا: الذبح بالسن والظفر المنزوعين؛ لأنَّ التذكية بالآلات المنفصلة المحددة لا خنق فيه. والجمهور منعوا من ذلك مطلقاً؛ لأنَّ النبي ﷺ استثنى السن والظفر مما أنهر الدم فعلم أنَّه من المحدد الذي لا يجوز التذكية به، ولو كان لكونه خنقاً، لم يستثنه، والمظنة إنَّما تقام
стр. 7591
مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية أو غير منضبطة، فأمَّا مع ظهورها وانضباطها فلا.
وأيضاً، فإنَّه مخالف لتعليل رسول الله ﷺ المنصوص في الحديث، ثم اختلف هؤلاء: هل يمنع من التذكية بسائر العظام، عملاً بعموم العلة؟ على قولين، في مذهب أحمد وغيره.
وعلى الأقوال الثلاثة فقوله ﷺ : "وأمَّا الظفر، فمدى الحبشة". بعد قوله: "سأحدثكم عن ذلك" يقتضي أنَّ هذا الوصف - وهو كونه مدى الحبشة - له تأثير في المنع: إمَّا أن يكون علة، أو دليلاً على العلة؛ أو وصفاً من أوصاف العلة، أو دليلها، والحبشة في أظفارهم طول، فيذكون بها دون سائر الأمم، فيجوز أن يكون نهى عن ذلك؛ لما فيه من مشابهتهم فيما يختصون به.
وأمَّا العظم: فيجوز أن يكون نهيه عن التذكية به كنهيه عن الاستنجاء به؛ لما فيه من تنجيسه على الجن، إذ الدم نجس، وليس الغرض هنا ذكر مسألة الذكاة بخصوصها فإنَّ فيها كلاماً ليس هذا موضعه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ١٦٢): «فنبه على علة المنع من التذكية بهما بكون أحدهما عظماً، وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام إمَّا
стр. 7592
لنجاسة بعضها وإمَّا لتنجيسه على مؤمني الجن ولكون الآخر مدى الحبشة ففي التذكية بها تشبه بالكفار» اهـ.
قُلْتُ: وعموم الحديث يشمل سائر الأظفار، ويشمل سائر السن المنفصل والمتصل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٦١): «أمَّا الظفر فيدخل فيه ظفر الآدمي وغيره من كل الحيوانات، وسواء المتصل والمنفصل، الطاهر والنجس. فكله لا تجوز الذكاة به للحديث. وأمَّا السن فيدخل فيه سن الآدمي وغيره الطاهر والنجس، والمتصل والمنفصل، ويلحق به سائر العظام من كل الحيوان المتصل منها والمنفصل. الطاهر والنجس، فكله لا تجوز الذكاة بشيء منه. قال أصحابنا: وفهمنا العظام من بيان النبي ﷺ العلة في قوله: "أمَّا السن فعظم" أي: نهيتكم عنه لكونه عظماً، فهذا تصريح بأنَّ العلة كونه عظماً، فكل ما صدق عليه اسم العظم لا تجوز الذكاة به. وقد قال الشافعي وأصحابه بهذا الحديث في كل ما تضمنه على ما شرحته، وبهذا قال النخعي والحسن بن صالح والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وفقهاء الحديث وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين، ويجوز بالمنفصلين.
стр. 7593
وعن مالك روايات أشهرها: جوازه بالعظم دون السن كيف كانا، والثانية: كمذهب الجمهور، والثالثة: كأبي حنيفة، والرابعة: حكاها عنه ابن المنذر يجوز بكل شيء حتى بالسن والظفر، وعن ابن جريج جواز الذكاة بعظم الحمار دون القرد، وهذا مع ما قبله باطلان منابذان للسنة» اهـ.
١٢ - وفيه اشتراط أن تكون آلة الذبح محددة، وذلك أنَّ إنهار الدم يكون بذلك.
١٣ - وفيه حرمة التشبه بالكافرين.
١٤ - وفيه تحريم التصرف بالأموال المشتركة قبل قسمتها من غير إذن.
١٥ - أنَّه يجوز في قسمة الغنيمة التعديل ولا يجب قسمة كل شيء على حدة.
* * *
стр. 7594
بَابُ: الْأَضَاحِي.
٣٨٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا».
الأَمْلَح: الأَغبَرُ وهو الذي فيهِ سوادٌ وبياضٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَضَاحِي). قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣): «الأضاحي وهو جمع أضحية بضم الهمزة ويجوز كسرها ويجوز حذف الهمزة فتفتح الضاد والجمع ضحايا، وهي أضحاة والجمع أضحى وبه سمي يوم الأضحى وهو يذكر ويؤنث وكأنَّ تسميتها اشتقت من اسم الوقت الذي تشرع فيه» اهـ.
قُلْتُ: وهي شرعاً ما يذبح أيام النحر من بهيمة الأنعام تقرباً إلى الله تعالى.
وَقَوْلُهُ: «بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ». الكبش ذكر الضأن، والأملح ما فيه سواد وبياض والغالب فيه البياض، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٩٦٧) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ،
стр. 7595
وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ»، ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ»، فَفَعَلَتْ: ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ»، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ.
ومعناه: أنَّ قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود، وهذا يدل على أنَّ الغالب فيه البياض. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١٠): «الأملح بالمهملة هو الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر، ويقال هو الأغبر وهو قول الأصمعي، وزاد الخطابي هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود، ويقال الأبيض الخالص قاله ابن الأعرابي» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية الأضاحي. وقد اختلف العلماء في حكمها فأكثر العلماء على استحبابها، ومنهم أبو بكر وعمر وبلال وأبو مسعود البدري.
وذهب ربيعة والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة إلى وجوبها.
قُلْتُ: وقد ذكرت حجج من أوجب الأضحية في باب صلاة العيدين عند ذكر المصنف لحديث البراء وجندب البجلي في الأضاحي.
стр. 7596
٢ - وفيه أنَّ الأضحية بالضأن أفضل من المعز، لأنَّ ذلك هو أضحية النبي ﷺ ، ولما رواه البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
٣ - واحتج به من قال: إنَّ الأضحية بالضأن أفضل من الأضحية بالإبل أو البقر.
وهو مذهب الإمام مالك، فعنده: أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل. والضأن أفضل من المعز، وإناثها أفضل من فحول المعز، وفحول الضأن خير من إناث المعز، وإناث المعز خير من الإبل والبقر، وحجته في ذلك هذا الحديث مع قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وما رواه أبو داود (٣١٥٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
стр. 7597
الصَّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ، وَخَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة حاتم بن أبي نصر، ونسي الكندي. وروى ابن ماجه (١٤٧٣) من طريق ابن وهب به الشطر الأول منه.
ورواه ابن ماجه (٣١٣٠) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَائِذٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ، وَخَيْرُ الضَّحَايَا، الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ، فيه أبو عائذ عفير بن معدان الحضرمي شديد الضعف.
والجمهور على استحباب الأضحية بالإبل ثم البقر ثم الغنم، وحديث أبي هريرة الماضي يؤيد مذهب الجمهور. والله أعلم.
ومما يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والإبل أعظم جسماً وأكثر لحماً وأغلى ثمناً من الغنم والبقر.
стр. 7598
ومما يدل على ذلك أيضاً وروى البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ ضَايِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ». قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ».
والإبل أغلى ثمناً من البقر والغنم، والبقر أغلى ثمناً من الغنم.
وأيضاً فإنَّ البدنة والبقرة تجزئان عن سبعة في الهدي، فكل واحدة منهما تعدل سبع شياه، وهذا يدل على فضلهما على الشاة الواحدة.
وقد جاء ما يدل على أنَّ النبي ﷺ قد ضحى بغير الغنم، وهو ما رواه البخاري (٥٥٥٢) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، ﵄ أَخْبَرَهُ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى».
قُلْتُ: والنحر معهود في الإبل دون البقر والغنم.
٤ - استحباب الأملح في الأضحية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٥٩): «وأمَّا قوله: "أملحين" ففيه: استحباب استحسان لون الأضحية، وقد أجمعوا عليه، قال
стр. 7599
أصحابنا: أفضلها البيضاء ثم الصفراء ثم الغبراء، وهي التي لا يصفو بياضها، ثم البلقاء وهي التي بعضها أبيض وبعضها أسود، ثم السوداء» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١): «وقال أكثر الشافعية: أفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء، ثم البلقاء، ثم السوداء» اهـ.
وقد روى أحمد (٩٣٩٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي ثِفَالٍ الْمُرِّيِّ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَمُ عَفْرَاءَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه أبو ثفال واسمه ثمامة بن وائل قال فيه البخاري:
«في حديثه نظر».
ورباح لم يوثقه معتبر واستظهر الحافظ ابن حجر عدم سماعه من أبي هريرة.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (٤/ ١٩٨): «ويرفع بعضهم ولا يصح» اهـ.
وقد جاء موقوفاً وهو ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨١٦٥) قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ سَلْمَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «دَمُ بَيْضَاءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ».
стр. 7600
قُلْتُ: وفيه سلمى وهو ابن عتاب لم يوثقه معتبر.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٢٠٥٣٢)، وابو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (١٤٦٦، ٧٨٢٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مَسْمُولٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي وَرَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَتْنِي مَوْلَاتِي كَبِيرَةُ بِنْتُ سُفْيَانَ: وَكَانَتْ قَدْ أَدْرَكْتِ الْجَاهِلِيَّةَ وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي وَأَدْتُ أَرْبَعَ بَنِينَ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ: «اعْتِقِي أَرْبَعَ رِقَابٍ»، قَالَتْ: فَأَعْتَقْتُ أَبَاكَ سَعِيدَ وَابْنَاهُ مَيْسَرَةَ وَجُبَيْرًا وَأُمَّ مَيْسَرَةَ، قَالَتْ وَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَمُ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاءَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، محمد بن سليمان بن مسمول قال فيه أبو حاتم ﵀ كما في [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٧/ ٢٦٧) لابنه: «ليس بالقوى ضعيف الحديث كان الحميدي يتكلم فيه» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ النَّسَائِيُّ ﵀ فِي [الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِيْنَ] (ص: ٢١٢): «محمد بن سليمان بن مسمول ضعيف مكي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِيْنَ] (٣/ ٦٩):
следующие страницы →