Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.
стр. 7596
٢ - وفيه أنَّ الأضحية بالضأن أفضل من المعز، لأنَّ ذلك هو أضحية النبي ﷺ ، ولما رواه البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
٣ - واحتج به من قال: إنَّ الأضحية بالضأن أفضل من الأضحية بالإبل أو البقر.
وهو مذهب الإمام مالك، فعنده: أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل. والضأن أفضل من المعز، وإناثها أفضل من فحول المعز، وفحول الضأن خير من إناث المعز، وإناث المعز خير من الإبل والبقر، وحجته في ذلك هذا الحديث مع قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وما رواه أبو داود (٣١٥٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
стр. 7597
الصَّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ، وَخَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة حاتم بن أبي نصر، ونسي الكندي. وروى ابن ماجه (١٤٧٣) من طريق ابن وهب به الشطر الأول منه.
ورواه ابن ماجه (٣١٣٠) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَائِذٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ، وَخَيْرُ الضَّحَايَا، الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ، فيه أبو عائذ عفير بن معدان الحضرمي شديد الضعف.
والجمهور على استحباب الأضحية بالإبل ثم البقر ثم الغنم، وحديث أبي هريرة الماضي يؤيد مذهب الجمهور. والله أعلم.
ومما يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والإبل أعظم جسماً وأكثر لحماً وأغلى ثمناً من الغنم والبقر.
стр. 7598
ومما يدل على ذلك أيضاً وروى البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ ضَايِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ». قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ».
والإبل أغلى ثمناً من البقر والغنم، والبقر أغلى ثمناً من الغنم.
وأيضاً فإنَّ البدنة والبقرة تجزئان عن سبعة في الهدي، فكل واحدة منهما تعدل سبع شياه، وهذا يدل على فضلهما على الشاة الواحدة.
وقد جاء ما يدل على أنَّ النبي ﷺ قد ضحى بغير الغنم، وهو ما رواه البخاري (٥٥٥٢) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، ﵄ أَخْبَرَهُ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى».
قُلْتُ: والنحر معهود في الإبل دون البقر والغنم.
٤ - استحباب الأملح في الأضحية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٥٩): «وأمَّا قوله: "أملحين" ففيه: استحباب استحسان لون الأضحية، وقد أجمعوا عليه، قال
стр. 7599
أصحابنا: أفضلها البيضاء ثم الصفراء ثم الغبراء، وهي التي لا يصفو بياضها، ثم البلقاء وهي التي بعضها أبيض وبعضها أسود، ثم السوداء» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١): «وقال أكثر الشافعية: أفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء، ثم البلقاء، ثم السوداء» اهـ.
وقد روى أحمد (٩٣٩٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي ثِفَالٍ الْمُرِّيِّ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَمُ عَفْرَاءَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه أبو ثفال واسمه ثمامة بن وائل قال فيه البخاري:
«في حديثه نظر».
ورباح لم يوثقه معتبر واستظهر الحافظ ابن حجر عدم سماعه من أبي هريرة.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (٤/ ١٩٨): «ويرفع بعضهم ولا يصح» اهـ.
وقد جاء موقوفاً وهو ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨١٦٥) قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ سَلْمَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «دَمُ بَيْضَاءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ».
стр. 7600
قُلْتُ: وفيه سلمى وهو ابن عتاب لم يوثقه معتبر.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٢٠٥٣٢)، وابو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (١٤٦٦، ٧٨٢٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مَسْمُولٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي وَرَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَتْنِي مَوْلَاتِي كَبِيرَةُ بِنْتُ سُفْيَانَ: وَكَانَتْ قَدْ أَدْرَكْتِ الْجَاهِلِيَّةَ وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي وَأَدْتُ أَرْبَعَ بَنِينَ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ: «اعْتِقِي أَرْبَعَ رِقَابٍ»، قَالَتْ: فَأَعْتَقْتُ أَبَاكَ سَعِيدَ وَابْنَاهُ مَيْسَرَةَ وَجُبَيْرًا وَأُمَّ مَيْسَرَةَ، قَالَتْ وَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَمُ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاءَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، محمد بن سليمان بن مسمول قال فيه أبو حاتم ﵀ كما في [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٧/ ٢٦٧) لابنه: «ليس بالقوى ضعيف الحديث كان الحميدي يتكلم فيه» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ النَّسَائِيُّ ﵀ فِي [الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِيْنَ] (ص: ٢١٢): «محمد بن سليمان بن مسمول ضعيف مكي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِيْنَ] (٣/ ٦٩):
стр. 7601
«محمد بن سليمان بن مسمول سكن مكة وروى عن نافع كان الحميدي يتكلم فيه وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه لا في إسناده ولا في متنه» اهـ.
قُلْتُ: ويحيى بن أبي ورقة بن سعيد لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، ومثله أبوه، وكبيرة بنت سفيان لم يثبت صحبتها من وجه صحيح.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١١٠٣٨)، وابن خيثمة في [تَارِيْخِهِ] (٤٦٦٧) من طريق أَبِي شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ النَّصِيبِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اسْتَوْصُوا بِالْمِعْزَى خَيْرًا، فَإِنَّهَا مَالٌ رَقِيقٌ، وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَأَحَبُّ الْمَالِ إِلَى اللهِ الضأَنُ، وَعَلَيْكُمْ بِالْبَيَاضِ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ بَيْضَاءَ فَلْيَلْبَسْهُ أَحْيَاؤُكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ، وَإِنَّ دَمَ الشَّاةِ الْبَيْضَاءِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ دَمِ السَّوْداوَيْنِ».
قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٩/ ٣٠٧): «وفيه حمزة النصيبي قال ابن عدي: كان يضع الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٤/ ٣٥١): «وفيه حمزة النصيبي، قيل: كان يضع الحديث» اهـ.
стр. 7602
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [السِّلْسِةِ الضَّعِيْفَةِ] برقم (٤٣١): «قُلْتُ: وهذا إسناد موضوع» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين عدم صحة الحديث الوارد في فضل الأضحية بالعفراء. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيْمُ الْحَرْبِيُّ ﵀ فِي [غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ] (١/ ١٩٤): «قوله: "دم عفراء" يقول: البيضاء التي تشبه لون التراب» اهـ.
٥ - استحباب أن يكون الكبش أقرن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٥٩): «وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم الذي لم يخلق له قرنان، واختلفوا في مكسور القرن فجوزه الشافعي وأبو حنيفة والجمهور، سواء كان يدمي أم لا، وكرهه مالك إذا كان يدمي، وجعله عيباً» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح حل ذلك لأنَّه ليس من العيوب المنصوص عليها ولا في معنى المنصوص عليه. والله أعلم.
٦ - استحباب الأضحية بأكثر من حيوان.
стр. 7603
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ٦٤): «وفيه من الفقه: استحباب العدد في الأضاحي، ما لم يقصد المباهاة» اهـ.
٧ - فيه التسمية على الأضحية وهو شرط من شروط حلها على الصحيح.
٨ - استحباب التكبير على الأضحية.
٩ - استحباب أن يتولى المرء ذبح أضحيته بنفسه.
١٠ - استحباب إضجاع البهيمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ٦٤): «وفيه: استحباب إضجاع الذبيحة، ولا تذبح قائمة، ولا باركة. وكذلك مضى العمل بإضجاعها على الشق الأيسر؛ لأنَّه أمكن من ذبحها» اهـ.
١١ - استحباب وضع القدم على صفحة عن الأضحية عند ذبحها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ٦٤): «وفيه: استحباب وضع الرجل على جانب عنق الذبيحة. وهو المعبر عنه بالصفاح. وصفحة كل شيء: جانبه وصفحه أيضاً، وإنَّما يستحب ذلك لئلا تضطرب الذبيحة فتزل يد الذابح عند الذبح» اهـ.
١٢ - وفيه أنَّ ذكور الضأن أفضل من إناثه.
стр. 7604
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ٢٢١): «أجمع العلماء على إجزاء الذكر والأنثى. واختلفوا أيهما أفضل، وظاهر النصوص الصحيحة أنَّ ذكور الضأن خير من إناثها; لتضحيته بالكبش دون النعجة، وبعضهم قال: بأفضلية الذكور مطلقاً، وبعضهم قال: بأفضلية الإناث مطلقاً ولم يقم دليل صحيح في غير ذكر الضأن فلا ينبغي أن يختلف في ذكر الضأن أنَّه أفضل من أنثاه» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ الذكر في كل جنس أفضل من إناثه مطلقاً، فَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٣/ ١٠٦): «وأمَّا المسألة الثالثة وهي أنَّ ذكر كل جنس أفضل من إناثه فهو مذهب مالك وأصحابه والأصل في ذلك الحديث المتقدم أنَّ النبي ﷺ كان يضحي بكبشين، ومن جهة المعنى أنَّ المقصود من الأضحية طيب اللحم ولا خلاف أنَّ لحم الكبش أفضل من لحم النعجة فكان إخراجه أفضل وإنَّما ذلك في ذكور الجنس وإناثه وأمَّا الذكور والإناث فإنَّ إناث الضأن أفضل من ذكور المعز وإناث المعز أفضل من ذكور ما سوى ذلك من أجناس الأضاحي» اهـ.
стр. 7605
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٨/ ٣٩٧): «يصح التضحية بالذكر وبالأنثى بالإجماع وفي الأفضل منهما خلاف، الصحيح الذي نص عليه الشافعي في البويطي وبه قطع كثيرون أنَّ الذكر أفضل من الأنثى، وللشافعي نص آخر أنَّ الأنثى أفضل، فمن الأصحاب من قال: ليس مراده تفضيل الأنثى في التضحية وإنَّما أراد تفضيلها في جزاء الصيد إذا أراد تقويمها لإخراج الطعام قال: الأنثى أكثر، ومنهم من قال: المراد الأنثى التي لم تلد أفضل من الذكر الذي كثر نزوانه فإن كان هناك ذكر لم ينز وأنثى لم تلد فهو أفضل منها والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١): «وفيه أنَّ الذكر في الأضحية أفضل من الأنثى وهو قول أحمد وعنه رواية أن الأنثى أولى وحكى الرافعي فيه قولين عن الشافعي أحدهما عن نصه في البويطي الذكر لأنَّ لحمه أطيب وهذا هو الأصح والثاني أنَّ الأنثى أولى قال الرافعي وإنَّما يذكر ذلك في جزاء الصيد عند التقويم والأنثى أكثر قيمة فلا تفدي بالذكر أو أراد الأنثى التي لم تلد وقال ابن العربي: الأصح أفضلية الذكور على الإناث في الضحايا وقيل هما سواء» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٧٥):
стр. 7606
«وفي الضحايا والهدايا لما كان المقصود الأكل كان الذكر أفضل من الأنثى» اهـ.
١٣ - وفيه استحباب ذبح الشياه دون نحرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٦١): «لا خلاف بين أهل العلم، في أنَّ المستحب نحر الإبل، وذبح ما سواها» اهـ.
* * *
стр. 7607
كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ.
٣٨٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ عُمَرَ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ.
ثَلاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إلَيْنَا فِيهَا عَهْداً نَنْتَهِي إلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ الرِّبَا».
قَوْلُهُ: «وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ». أي غطاه، ومنه سمى الخمار خماراً لتغطيته للرأس والوجه، ومنه تخمير الآنية أي تغطيتها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٨ - ٤٩): «لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمراً فقال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمراً لأنَّها تخامر العقل أي تخالطه، قال: ومنه قولهم خامره الداء أي خالطه. وقيل: لأنَّها تخمر العقل أي تستره ومنه الحديث الآتي قريباً "خمروا آنيتكم". ومنه خمار المرأة لأنَّه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول لأنَّه لا يلزم من المخالطة التغطية.
стр. 7608
وقيل: سميت خمراً لأنَّها تخمر حتى تدرك كما يقال خمرت العجين فتخمر أي تركته حتى أدرك، ومنه خمرت الرأي أي تركته حتى ظهر وتحرر.
وقيل: سميت خمراً لأنَّها تغطى حتى تغلي، ومنه حديث المختار بن فلفل قلت لأنس الخمر من العنب أو من غيرها قال: ما خمرت من ذلك فهو الخمر. أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح. ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان.
قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة لأنَّها تركت حتى أدركت وسكنت فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «الْجَدُّ». أي ميراث الجد مع الإخوة هل يرثون معه أو لا.
وَقَوْلُهُ: «وَالْكَلالَةُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٥٠٠): «واختلفوا في اشتقاق الكلالة، فقال الأكثرون: مشتقة من التكلل، وهو التطرف، فابن العم مثلاً يقال له: كلالة؛ لأنَّه ليس على عمود النسب بل على طرفه، وقيل: من الإحاطة، ومنه الإكليل وهو شبه عصابة تزين بالجوهر، فسموا كلالة لإحاطتهم بالميت من جوانبه، وقيل: مشتقة من كل الشيء إذا بعد وانقطع، ومنه قولهم:
стр. 7609
كلت الرحم إذا بعدت، وطال انتسابها، ومنه كل في مشيه إذا انقطع لبعد مسافته» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٧٤): «وقد اختلف الناس في الكلالة والكتاب يدل على قول الصديق أنَّها ما عدا الوالد والولد» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٣٠): «الكلالة: مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢/ ٤٨٢): «وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنَّها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه؛ ولهذا فسرها أكثر العلماء: بمن يموت وليس له ولد ولا والد، ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي مات ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾» اهـ.
قُلْتُ: شرط انتفاء الوالد مأخوذ من إجماع العلماء على اعتباره في آية الكلالة الأولى وهي الواردة في ميراث أولاد الأم، وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
стр. 7610
فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٧٤): «وقد اختلف الناس في الكلالة والكتاب يدل على قول الصديق أنَّها ما عدا الوالد والولد فإنَّه سبحانه قال في ميراث ولد الأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ فسوى بين ميراث الإخوة في الكلالة وإن فرق بينهم في جهة الإرث ومقداره فإذا كان وجود الجد مع الإخوة للأم لا يدخلهم في الكلالة بل يمنعهم من صدق اسم الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة فكيف أدخل ولد الأب في الكلالة ولم يمنعهم وجوده صدق اسمها وهل هذا إلَّا تفريق محض بين ما جمع الله بينه» اهـ.
وقد سأل عنها عمر ﵁ كما روى ذلك مسلم (٥٦٧، ١٦١٧) عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ
стр. 7611
النِّسَاءِ؟» وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ، يَقْضِي بِهَا مِنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٥٠٠): «وإنَّما أخر القضاء فيها؛ لأنَّه لم يظهر له في ذلك الوقت ظهوراً يحكم به، فأخره حتى يتم اجتهاده فيه، ويستوفي نظره، ويتقرر عنده حكمه، ثم يقضي به، ويشيعه بين الناس، ولعل النبي ﷺ إنَّما أغلظ له لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نص عليه صريحاً، وتركهم الاستنباط من النصوص، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، بأنَّ النصوص الصريحة لا تفي إلَّا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط، فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها. والله أعلم» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَأَبْوَابٌ مِنْ الرِّبَا». أي بعض ما أشكل من مسائله.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٧١٠): «وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁: "ثلاث وددت أنَّ رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهدًا
стр. 7612
ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا"، يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة الخمر، وهذا مما علم من دين المسلمين بالضرورة.
٢ - فيه رد على أهل الكوفة كالنخعي والشعبي وأبي حنيفة وشريك وغيرهم في قولهم: إنَّ اسم الخمر مختص بما كان من عصير العنب.
وقد روى مسلم (٢٠٠٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٣٤ - ٣٣٥): «والكوفيون لا خمر عندهم إلَّا ما اشتد من عصير العنب فإن طبخ قبل الاشتداد حتى ذهب ثلثاه حلَّ، ونبيذ التمر والزبيب محرم إذا كان مسكراً نيئاً فإن طبخ أدنى طبخ حلَّ وإن أسكر، وسائر الأنبذة تحل وإن أسكرت لكن يحرمون المسكر منها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٦): «وأهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس ليست الخمر عندهم إلَّا من العنب
стр. 7613
ولا يحرمون القليل من المسكر إلَّا أن يكون خمراً من العنب، أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب النيء، أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ١٨٦ - ١٨٧): «أمَّا "الأشربة المسكرة" فمذهب جمهور علماء المسلمين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر العلماء أنَّ كل مسكر خمر وكل خمر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام. وهذا مذهب مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة واختيار طائفة من المشايخ: مثل أبي الليث السمرقندي وغيره. وهذا قول الأوزاعي وأصحابه والليث ابن سعد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن علي وأصحابه وأبي ثور وأصحابه وابن جرير الطبري وأصحابه وغير هؤلاء من علماء المسلمين وأئمة الدين.
وذهب طائفة من العلماء من أهل الكوفة كالنخعي والشعبي وأبي حنيفة وشريك وغيرهم إلى أنَّ ما أسكر من غير الشجرتين - النخل والعنب - كنبيذ الحنطة والشعير والذرة والعسل ولبن الخيل وغير ذلك فإنَّما يحرم منه القدر الذي يسكر.
стр. 7614
وأمَّا القليل الذي لا يسكر فلا يحرم. وأمَّا عصير العنب الذي إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فهو خمر يحرم قليله وكثيره بإجماع المسلمين.
وأصحاب القول الثاني قالوا: لا يسمى خمراً إلَّا ما كان من العنب. وقالوا: إنَّ نبيذ التمر والزبيب إذا كان نيئاً مسكراً حرم قليله وكثيره ولا يسمى خمراً فإن طبخ أدنى طبخ حل. وأمَّا عصير العنب إذا طبخ وهو مسكر لم يحل إلَّا أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. فأمَّا بعد أن يصير خمراً فلا يحل وإن طبخ إذا كان مسكراً بلا نزاع» اهـ.
وأمَّا ما رواه مسلم (١٩٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ». فإنَّه محمول على الغالب أي أكثر ما يتخذ الخمر من العنب والتمر، وهذا محمول على غالب الخمر في البلدان وليس في المدينة فقط، وذلك أنَّ الخمر من العنب كان قليلًا في المدينة، أو على معنى أنفس الخمر وأعلاه عند أهلها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ٣): «وإنَّما خص في هذا الحديث هاتين الشجرتين بالذكر لأنَّ أكثر الخمر منهما، أو أعلى الخمر عند أهلها. والله أعلم. وهذا نحو قولهم: المال الإبل؛ أي: أكثرها وأعمها» اهـ.
стр. 7615
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٦٣): «هذا غير مخالف لما تقدم ذكره من حديث النعمان بن بشير وإنَّما وجهه ومعناه أنَّ معظم ما يتخذ من الخمر إنَّما هو من النخلة والعنبة وإن كانت الخمر قتد تتخذ أيضاً من غيرهما وإنَّما هو من باب التأكيد لتحريم ما يتخذ من هاتين الشجرتين لضراوته وشدة سورته وهذا كما يقال: الشبع في اللحم والدفء في الوَبَر ونحو ذلك من الكلام. وليس فيه نفي الشبع عن غير اللحم ولا نفي الدفء عن غير الوبر ولكن فيه التوكيد لأمرهما والتقديم لهما على غيرهما في نفس ذلك المعنى والله أعلم» اهـ.
وأمَّا ما رواه البخاري (٥٥٧٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «لَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ». يعني: العنب. ورواه البخاري (٤٦١٦) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَإِنَّ فِي المَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ العِنَبِ». فهو محمول على إرادة المبالغة من أجل قلتها حينئذ بالمدينة، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٥٥٨٠) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، وَمَا نَجِدُ - يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ - خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا البُسْرُ وَالتَّمْرُ».
٣ - استحباب قول الخطيب في خطبته: أمَّا بعد.
стр. 7616
٤ - صعود المنبر لتعليم الناس أحكام دينهم.
٥ - وفيه تمني الخير.
٦ - وفيه حرص الإسلام على المحافظة على العقل.
٧ - وفيه أنَّ العالم قد يفوته بعض العلم.
* * *
стр. 7617
٣٨٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ، فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ».
الْبِتْعُ: نَبِيذُ الْعَسَلِ.
قَوْلُهُ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ». أي فيه صلاحية الإسكار، وليس المراد تخصيص التحريم بحالة الإسكار، فإنَّ مقتضى ذلك حل القليل الذي لا يسكر وإن كان الكثير منه مسكراً، وهذا خلاف ما رواه أحمد (١٤٧٤٤)، وأبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجه (٣٣٩٣) من طريق إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَالْحَدِيْثُ صَحِيْحٌ لِغَيْرِهِ.
ورواه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥٣٨٢) أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَرَّكِينَ الْحَافِظُ بِدِمَشْقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رزق الله بن أبي مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ به.
стр. 7618
وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، لكن رواه ابن ماجه (٣٣٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».
فرواه عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الثقة الحافظ المتقن عن أنس بن عياض عن داود بن بكر، وليس عن موسى بن عقبة، وحديثه أصح من حديث رزق الله.
وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أحمد (٦٦٧٤)، والنسائي (٥٦٠٧)، وابن ماجه (٣٣٩٤) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
ومن حديث سعد بن أبي وقاص عند النسائي (٥٦٠٨، ٥٦٠٩) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وروى أحمد (٢٤٤٦٨، ٢٤٤٧٦، ٢٥٠٣٦)، وأبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦) من طريق مَهْدِيٍّ يَعْنِي ابْنَ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: مُوسَى وَهُوَ عَمْرُو بْنُ سَلْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
стр. 7619
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٨٣٧): «الفَرَق بالتحريك: مِكْيَال يسع سِتَّةَ عشر رِطْلاً وهي اثنا عشر مُدّاً أو ثلاثة آصُع عند أهْل الحجاز. وقيل: الفَرَق خمسة أقْسَاط والقِسْط: نصف صاع فأمّا الفَرْق بالسكون فمائةٌ وعشرون رِطْلاً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٨٣):
«والكوفيون يحملونه على القدر المسكر، وعلى قول الأولين: يكون المراد بقوله: "أسكر" أنَّه مسكر بالقوة أي فيه صلاحية ذلك» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٢): «ويؤخذ من لفظ السؤال أنَّه وقع عن حكم جنس البتع لا عن القدر المسكر منه لأنَّه لو أراد السائل ذلك لقال: أخبرني عمَّا يحل منه وما يحرم وهذا هو المعهود من لسان العرب إذا سألوا عن الجنس قالوا: هل هذا نافع أو ضار مثلاً، وإذا سألوا عن القدر قالوا: كم يؤخذ منه» اهـ.
وجاء الحديث الباب عند إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (٨٠٧)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥٣٤٥) «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
стр. 7620
١ - تحريم شرب المسكر.
٢ - وفيه إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه إذا كان مما يحتاج السائل إلى معرفته.
٣ - وفيه ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم.
* * *
стр. 7621
٣٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ: أَنَّ فُلاناً بَاعَ خَمْراً فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلاناً، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا».
قَوْلُهُ: «أَنَّ فُلاناً بَاعَ خَمْراً». هو سمرة، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٥٨٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤١٤ - ٤١٥): «قال ابن الجوزي والقرطبي وغيرهما: اختلف في كيفية بيع سمرة للخمر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقداً جواز ذلك، وهذا حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر ورجحه، وقال: كان ينبغي له أن يوليهم بيعها فلا يدخل في محظور وإن أخذ أثمانها منهم بعد ذلك لأنَّه لم يتعاط محرماً ويكون شبيهاً بقصة بريرة حيث قال: "هو عليها صدقة ولنا هدية".
стр. 7622
والثاني: قال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمراً والعصير يسمى خمراً كما قد يسمى العنب به لأنَّه يؤول إليه قاله الخطابي. قال: ولا يظن بسمرة أنَّه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها وإنَّما باع العصير.
والثالث: أن يكون خلل الخمر وباعها وكان عمر يعتقد أنَّ ذلك لا يحلها كما هو قول أكثر العلماء واعتقد سمرة الجواز كما تأوله غيره أنَّه يحل التخليل ولا ينحصر الحل في تخليلها بنفسها. قال القرطبي تبعاً لابن الجوزي: والأشبه الأول.
قُلْتُ: ولا يتعين على الوجه الأول أخذها عن الجزية بل يحتمل أن تكون حصلت له عن غنيمة أو غيرها.
وقد أبدى الإسماعيلي في "المدخل" فيه احتمالاً آخر وهو: أنَّ سمرة علم تحريم الخمر ولم يعلم تحريم بيعها ولذلك اقتصر عمر على ذمه دون عقوبته وهذا هو الظن به» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «فَجَمَلُوهَا». أي باعوها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة بيع الخمر.
стр. 7623
قُلْتُ: ويحرم بيع الخمر ولو كان لأهل الذمة، وقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٨٨٦، ١٠٠٤٤، ١٤٨٥٣، ١٩٣٩٦)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٨، ١٢٩)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٩٨)، والخطيب في [الْفَقِيْهِ وَالْمُتَفَقِهِ] (٧٢٣) من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَّالَهَ، يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْخَمْرِ، فَنَاشَدَهُمْ ثَلَاثًا، فَقَالَ بِلَالٌ: إِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، فَإِنَّ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٦٥):
«وهذا ثابت عن عمر وهو مذهب الأئمة» اهـ.
٢ - واحتج به على لعن المعين.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤١٥): «ولكن يحتمل أن يقال: إنَّ قول عمر قاتل الله سمرة لم يرد به ظاهره بل هي كلمة تقولها العرب عند إرادة الزجر فقالها في حقه تغليظاً عليه» اهـ.
стр. 7624
قُلْتُ: وهي في حق اليهود بمعنى اللعن كقول الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠]، وقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، وقوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]، والقتل في هذه الآيات بمعنى اللعن.
قُلْتُ: وقد تستعمل على معنى التعجب نحو: قاتله الله ما أحسنَه، أو ما أحسنَ قوله، أو ما أشعره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقْرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٨/ ١٢٦):
«وَقَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ: قَاتَلَهُ الله ما أشعره! فيضعونه مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ» اهـ.
٣ - وفيه تحريم الحيل الموصلة إلى انتهاك المحرمات.
٤ - وفيه أنَّ ما حرم شربه أو أكله حرم بيعه وأكل ثمنه.
وقد روى أحمد (٢٩٦٤)، وأبو داود (٣٤٨٨) من طريق بَرَكَةَ أَبِي الْوَلِيدِ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ، قَالَ: فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، ثَلَاثًا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ».
стр. 7625
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٦٢): «وفي قوله: "إنَّ الله إذا حرم شيئاً أو حرم أكل شيء حرم ثمنه"، يراد به أمران:
أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملة، كالخمر، والميتة، والدم، والخنزير، وآلات الشرك، فهذه ثمنها حرام كيفما اتفقت.
والثاني: ما يباح الانتفاع به في غير الأكل، وإنَّما يحرم أكله، كجلد الميتة بعد الدباغ، وكالحمر الأهلية، والبغال ونحوها مما يحرم أكله دون الانتفاع به، فهذا قد يقال: إنَّه لا يدخل في الحديث، وإنَّما يدخل فيه ما هو حرام على الإطلاق. وقد يقال: إنَّه داخل فيه، ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه، فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما، حرم ثمنهما بخلاف ما إذا بيعا للركوب وغيره، وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به، حل ثمنه. وإذا بيع لأكله، حرم ثمنه، وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء، كأحمد، ومالك وأتباعهما: إنَّه إذا بيع العنب لمن يعصره خمراً، حرم أكل ثمنه. بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله، وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلماً، حرم أكل ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل الله، فثمنه من الطيبات،
стр. 7626
وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه، حرم أكل ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها» اهـ.
٥ - وفيه استعمال القياس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٢٠٩): «وهذا محض القياس من عمر ﵁ فإنَّ تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين وكما ثمن الشحوم المحرمة فكذلك يحرم ثمن الخمر الحرام» اهـ.
قُلْتُ: وقد مرت بعض مسائل هذا الحديث عند شرحنا لحديث جابر في كتاب البيوع.
* * *
стр. 7627
كِتَابُ اللِّبَاسِ.
٣٨٧ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٨٥): «والحرير معروف وهو عربي سمي بذلك لخلوصه يقال لكل خالص محرر، وحررت الشيء خلصته من الاختلاط بغيره، وقيل هو فارسي معرب» اهـ.
قُلْتُ: ومن ذلك قولهم: طين حر إذا لم يخالطه رمل، ويقال لمن ليس برقيق حراً لأنَّه خالص لنفسه، والحرير هو خالص الْإِبْرَيْسَمِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة لبس الحرير على الرجال.
وقد حمله ابن الزبير ﵁ حتى على النساء، فروى مسلم (٢٠٦٩) من طريق خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ أَبِي ذِبْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، يَخْطُبُ، يَقُولُ: أَلَا لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمُ الْحَرِيرَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
стр. 7628
ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٤٦): «هذا مذهب ابن الزبير، وأجمعوا بعده على إباحة الحرير للنساء كما سبق، وهذا الحديث الذي احتج به إنَّما ورد في لبس الرجال لوجهين:
أحدهما: أنَّه خطاب للذكور، ومذهبنا ومذهب محققي الأصوليين أنَّ النساء لا يدخلن في خطاب الرجال عند الإطلاق.
والثاني: أنَّ الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم قبل هذا وبعده صريحة في إباحته للنساء، وأمره ﷺ عليا وأسامة بأن يكسواه نساءهما مع الحديث المشهور أنَّه ﷺ قال في الحرير والذهب: "إنَّ هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها". والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولم ينفرد ابن الزبير بذلك فقد قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٨٥): «فقال قوم يحرم لبسه في كل الأحوال حتى على النساء نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين» اهـ.
стр. 7629
وقد اختلف العلماء عن العلة في تحريم الحرير على الرجال على أقوال:
الأول: من جهة الفخر والخيلاء.
الثاني: من جهة التشبه بالنساء.
الثالث: من جهة التشبه بالمشركين. ويدل على هذا ما رواه البخاري (٣٠٥٤)، ومسلم (٢٠٦٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ، فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ» فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ حَتَّى أَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ، فَقَالَ: «تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ».
الرابع: من جهة السرف، وفيها نظر، إذ لو كانت هذه هي العلة لحرمت على الإناث أيضاً.
стр. 7630
الخامس: لكونه ثوب رفاهية وزينة فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال، وهو يرث للرجال التخنث والتكسر.
قُلْتُ: ويستثنى من ذلك لبسه للحاجة، فقد روى البخاري (٢٩٢٠)، ومسلم (٢٠٧٦) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْقَمْلَ، «فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا».
ورواه البخاري (٢٩١٩)، ومسلم (٢٠٧٦) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٠١):
«ورجح بن التين الرواية التي فيها الحكة، وقال: لعل أحد الرواة تأولها فأخطأ. وجمع الداودي باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد الرجلين. وقال ابن العربي: قد ورد أنَّه أرخص لكل منهما فالإفراد يقتضي أنَّ لكل حكمه.
قُلْتُ: ويمكن الجمع بأنَّ الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب، وتارة إلى سبب السبب» اهـ.
стр. 7631
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٧٧ - ٨١): «هذا الحديث يتعلق به أمران؛ أحدهما: فقهي، والآخر: طبي.
فأمَّا الفقهي: فالذي استقرت عليه سنته ﷺ إباحة الحرير للنساء مطلقاً، وتحريمه على الرجال إلَّا لحاجة ومصلحة راجحة، فالحاجة إمَّا من شدة البرد، ولا يجد غيره، أو لا يجد سترة سواه. ومنها: لباسه للجرب، والمرض، والحكة، وكثرة القمل كما دل عليه حديث أنس هذا الصحيح.
والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وأصح قولي الشافعي، إذ الأصل عدم التخصيص، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى تعدت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه.
ومن منع منه، قال: أحاديث التحريم عامة، وأحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف والزبير، ويحتمل تعديها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران، كان الأخذ بالعموم أولى، ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدرى أبلغت الرخصة من بعدهما، أم لا؟
والصحيح: عموم الرخصة، فإنَّه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرح بالتخصيص، وعدم إلحاق غير من رخص له أولاً به، كقوله لأبي بردة في تضحيته
стр. 7632
بالجذعة من المعز: "تجزيك ولن تجزى عن أحد بعدك"، وكقوله تعالى لنبيه ﷺ في نكاح من وهبت نفسها له: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وتحريم الحرير: إنَّما كان سداً للذريعة، ولهذا أبيح للنساء، وللحاجة، والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع، فإنَّه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حرم النظر سداً لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهى سداً لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حرم ربا الفضل سداً لذريعة ربا النسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا، وقد أشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير في كتاب: "التحبير لما يحل ويحرم من لباس الحرير".
فصل: وأمَّا الأمر الطبي: فهو أنَّ الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان، ولذلك يعد في الأدوية الحيوانية، لأنَّ مخرجه من الحيوان، وهو كثير المنافع، جليل الموقع، ومن خاصيته تقوية القلب، وتفريحه، والنفع من كثير من أمراضه، ومن غلبة المرة السوداء، والأدواء الحادثة عنها، وهو مقو للبصر إذا اكتحل به، والخام منه وهو المستعمل في صناعة الطب حار يابس في الدرجة الأولى. وقيل: حار رطب فيها.
стр. 7633
وقيل: معتدل. وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخناً للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه.
قال الرازي: الإبريسم أسخن من الكَتَّان، وأبرد من القطن، يربى اللحم، وكل لباس خشن، فإنَّه يهزل، ويصلب البشرة وبالعكس.
قُلْتُ: والملابس ثلاثة أقسام: قسم يسخن البدن ويدفئه، وقسم يدفئه ولا يسخنه، وقسم لا يسخنه ولا يدفئه، وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه، إذ ما يسخنه فهو أولى بتدفئته، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ، وملابس الكَتَّان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن. فثياب الكَتَّان باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من القطن وأقل حرارة منه.
قال صاحب "المنهاج": "ولبسه لا يسخن كالقطن، بل هو معتدل، وكل لباس أملس صقيل، فإنَّه أقل إسخاناً للبدن، وأقل عوناً في تحلل ما يتحلل منه، وأحرى أن يلبس في الصيف، وفي البلاد الحارة".
ولما كانت ثياب الحرير كذلك، وليس فيها شيء من اليبس والخشونة الكائنين في غيرها، صارت نافعة من الحكة، إذ الحكة لا تكون إلَّا عن حرارة ويبس
стр. 7634
وخشونة، فلذلك رخص رسول الله ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواة الحكة، وثياب الحرير أبعد عن تولد القمل فيها، إذ كان مزاجها مخالفاً لمزاج ما يتولد منه القمل.
وأمَّا القسم الذي لا يدفئ ولا يسخن، فالمتخذ من الحديد، والرصاص، والخشب، والتراب … ونحوها.
فإن قيل: فإذا كان لباس الحرير أعدل اللباس وأوفقه للبدن، فلماذا حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيبات، وحرمت الخبائث؟.
قيل: هذا السؤال يجيب عنه كل طائفة من طوائف المسلمين بجواب، فمنكرو الحكم والتعليل لما رفعت قاعدة التعليل من أصلها لم يحتاجوا إلى جواب عن هذا السؤال.
ومثبتو التعليل والحكم وهم الأكثرون منهم من يجيب عن هذا بأنَّ الشريعة حرمته لتصبر النفوس عنه، وتتركه لله، فتثاب على ذلك لا سيما ولها عوض عنه بغيره.
ومنهم من يجيب عنه بأنَّه خلق في الأصل للنساء، كالحلية بالذهب، فحرم على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء.
стр. 7635
ومنهم من قال: حرم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب.
ومنهم من قال: حرم لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة، فإنَّ لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث، ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلَّا وعلى شمائله من التخنث والتأنث، والرخاوة ما لا يخفى، حتى لو كان من أشهم الناس وأكثرهم فحولية ورجولية، فلا بد أن ينقصه لبس الحرير منها، وإن لم يذهبها، ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا، فليسلم للشارع الحكيم، ولهذا كان أصح القولين: أنَّه يحرم على الولي أن يلبسه الصبى لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث.
وقد روى النسائي من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله أحل لإناث أمتي الحرير والذهب، وحرمه على ذكورها".
وفى لفظ: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتى، وأحل لإناثهم".
وفى "صحيح البخاري" عن حذيفة، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه"، وقال: "هو لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة"» اهـ.
قُلْتُ: ومنع الإمام مالك من لبس الحرير للحاجة، والصحيح حل ذلك.
следующие страницы →