Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.
стр. 7631
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٧٧ - ٨١): «هذا الحديث يتعلق به أمران؛ أحدهما: فقهي، والآخر: طبي.
فأمَّا الفقهي: فالذي استقرت عليه سنته ﷺ إباحة الحرير للنساء مطلقاً، وتحريمه على الرجال إلَّا لحاجة ومصلحة راجحة، فالحاجة إمَّا من شدة البرد، ولا يجد غيره، أو لا يجد سترة سواه. ومنها: لباسه للجرب، والمرض، والحكة، وكثرة القمل كما دل عليه حديث أنس هذا الصحيح.
والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وأصح قولي الشافعي، إذ الأصل عدم التخصيص، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى تعدت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه.
ومن منع منه، قال: أحاديث التحريم عامة، وأحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف والزبير، ويحتمل تعديها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران، كان الأخذ بالعموم أولى، ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدرى أبلغت الرخصة من بعدهما، أم لا؟
والصحيح: عموم الرخصة، فإنَّه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرح بالتخصيص، وعدم إلحاق غير من رخص له أولاً به، كقوله لأبي بردة في تضحيته
стр. 7632
بالجذعة من المعز: "تجزيك ولن تجزى عن أحد بعدك"، وكقوله تعالى لنبيه ﷺ في نكاح من وهبت نفسها له: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وتحريم الحرير: إنَّما كان سداً للذريعة، ولهذا أبيح للنساء، وللحاجة، والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع، فإنَّه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حرم النظر سداً لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهى سداً لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حرم ربا الفضل سداً لذريعة ربا النسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا، وقد أشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير في كتاب: "التحبير لما يحل ويحرم من لباس الحرير".
فصل: وأمَّا الأمر الطبي: فهو أنَّ الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان، ولذلك يعد في الأدوية الحيوانية، لأنَّ مخرجه من الحيوان، وهو كثير المنافع، جليل الموقع، ومن خاصيته تقوية القلب، وتفريحه، والنفع من كثير من أمراضه، ومن غلبة المرة السوداء، والأدواء الحادثة عنها، وهو مقو للبصر إذا اكتحل به، والخام منه وهو المستعمل في صناعة الطب حار يابس في الدرجة الأولى. وقيل: حار رطب فيها.
стр. 7633
وقيل: معتدل. وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخناً للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه.
قال الرازي: الإبريسم أسخن من الكَتَّان، وأبرد من القطن، يربى اللحم، وكل لباس خشن، فإنَّه يهزل، ويصلب البشرة وبالعكس.
قُلْتُ: والملابس ثلاثة أقسام: قسم يسخن البدن ويدفئه، وقسم يدفئه ولا يسخنه، وقسم لا يسخنه ولا يدفئه، وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه، إذ ما يسخنه فهو أولى بتدفئته، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ، وملابس الكَتَّان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن. فثياب الكَتَّان باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من القطن وأقل حرارة منه.
قال صاحب "المنهاج": "ولبسه لا يسخن كالقطن، بل هو معتدل، وكل لباس أملس صقيل، فإنَّه أقل إسخاناً للبدن، وأقل عوناً في تحلل ما يتحلل منه، وأحرى أن يلبس في الصيف، وفي البلاد الحارة".
ولما كانت ثياب الحرير كذلك، وليس فيها شيء من اليبس والخشونة الكائنين في غيرها، صارت نافعة من الحكة، إذ الحكة لا تكون إلَّا عن حرارة ويبس
стр. 7634
وخشونة، فلذلك رخص رسول الله ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواة الحكة، وثياب الحرير أبعد عن تولد القمل فيها، إذ كان مزاجها مخالفاً لمزاج ما يتولد منه القمل.
وأمَّا القسم الذي لا يدفئ ولا يسخن، فالمتخذ من الحديد، والرصاص، والخشب، والتراب … ونحوها.
فإن قيل: فإذا كان لباس الحرير أعدل اللباس وأوفقه للبدن، فلماذا حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيبات، وحرمت الخبائث؟.
قيل: هذا السؤال يجيب عنه كل طائفة من طوائف المسلمين بجواب، فمنكرو الحكم والتعليل لما رفعت قاعدة التعليل من أصلها لم يحتاجوا إلى جواب عن هذا السؤال.
ومثبتو التعليل والحكم وهم الأكثرون منهم من يجيب عن هذا بأنَّ الشريعة حرمته لتصبر النفوس عنه، وتتركه لله، فتثاب على ذلك لا سيما ولها عوض عنه بغيره.
ومنهم من يجيب عنه بأنَّه خلق في الأصل للنساء، كالحلية بالذهب، فحرم على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء.
стр. 7635
ومنهم من قال: حرم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب.
ومنهم من قال: حرم لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة، فإنَّ لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث، ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلَّا وعلى شمائله من التخنث والتأنث، والرخاوة ما لا يخفى، حتى لو كان من أشهم الناس وأكثرهم فحولية ورجولية، فلا بد أن ينقصه لبس الحرير منها، وإن لم يذهبها، ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا، فليسلم للشارع الحكيم، ولهذا كان أصح القولين: أنَّه يحرم على الولي أن يلبسه الصبى لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث.
وقد روى النسائي من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله أحل لإناث أمتي الحرير والذهب، وحرمه على ذكورها".
وفى لفظ: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتى، وأحل لإناثهم".
وفى "صحيح البخاري" عن حذيفة، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه"، وقال: "هو لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة"» اهـ.
قُلْتُ: ومنع الإمام مالك من لبس الحرير للحاجة، والصحيح حل ذلك.
стр. 7636
٢ - يدخل في تحريم لبس الحرير افتراشه.
وذلك لأنَّ الافتراش داخل في مسمى اللبس لغة، ويدل عليه ما رواه البخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ» قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَفْتُ وَاليَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
وهذا مذهب الجمهور خلافاً لأبي حنيفة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي الْمَالِكِي ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٧/ ١١٣): «وأمَّا من قال: إنَّما حرم لبسه لا فرشه، وهو أبو حنيفة فهي نزغة أعجمية لم يعلم ما هو اللباس في لغة العرب ولا في الشريعة، والفرش والبسط ليس لغة، وهو كذلك حرام على الرجال في الشريعة؛ ففي الصحيح عن أنس أنَّ النبي ﷺ جاء وذكر الحديث قال فيه: "فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس". وهذا نص» اهـ.
стр. 7637
قُلْتُ: وأصرح من ذلك ما رواه البخاري (٥٨٣٧) عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ».
٣ - واحتج بعموم الحديث من ذهب إلى حرمة كثير الحرير، وقليله كالعلم الذي في الثوب، وهو مذهب عبد الله بن عمر ﵄.
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على حل يسير الحرير، وهو ما رواه مسلم (٢٠٦٩) من طريق عَبْدِ اللهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ خَالَ وَلَدِ عَطَاءٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً: الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ، وَمِيثَرَةَ الْأُرْجُوَانِ، وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الْأَبَدَ؟ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الْأُرْجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبْدِ اللهِ، فَإِذَا هِيَ أُرْجُوَانٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَسْمَاءَ فَخَبَّرْتُهَا، فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ،
стр. 7638
فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا.
قُلْتُ: كسروانية: نسبة إلى كسرى ملك الفرس، واللبنة: رقعة في جيب القميص، وفرجاها: الشق في أسفلها، والكف: عطف أطراف الثوب.
وروى البخاري (٥٨٢٨)، ومسلم (٢٠٦٩) من طريق أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ، وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ بِأَذْرَبِيجَانَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الإِبْهَامَ»، قَالَ: فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الأَعْلَامَ.
قُلْتُ: الأعلام ما يكون في الثياب من تطريف وتطريز ونحوهما.
وروى مسلم (٢٠٦٩) عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: «نَهَى نَبِيُّ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ».
وسيأتي في آخر أحاديث كتاب اللباس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٥٠): «وفي هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع، وهذا مذهبنا ومذهب
стр. 7639
الجمهور. وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز، إن عظم، وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصريح. والله أعلم» اهـ.
٤ - ويخرج من الحديث الحرير المنسوج بغيره إذا كانت الغلبة والظهور لغير الحرير، وهكذا ما كان محشواً بحرير كالجبة والفرش.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٢٨٥٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ حَرِيرًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أحمد (١٨٧٩، ٢٨٥٩)، وأبو داود (٤٠٥٥) من طريق خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ، فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنَ الْحَرِيرِ، وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ».
قُلْتُ: وخصيف هو ابن عبد الرحمن في حديثه ضعف.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٠٠ - ٣٠٢):
стр. 7640
«وقد صح عن خلق من الصحابة أنَّهم لبسوا الخز وارخصوا فيه منهم عبد الرحمن بن عوف وأبو قتادة وعمران بن حصين وعائشة والحسن بن علي وأبو هريرة وابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن أبي أوفى وأنس بن مالك وأبو أيوب الأنصاري ابن أم حرام ووابصة ومروان في أوقات متفرقة ولم ينكر ذلك أحد فصار إجماعاً فثبت إباحة الخز وهو الذي يكون سداه حريراً ولحمته وبراً أو صوفاً ونحوه وكذلك في حديث ابن عباس: "فأمَّا العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس" وقد احتج به أحمد.
وإنَّما كرهنا الْمُلْحَمَ لعموم أحاديث التحريم وإنَّما استثني منها ما استثني وليس في الملحم معناه كما سيأتي ولأنَّ النبي ﷺ نهى عن لبس القسي والقسي ثياب مخلوطة بحرير قال البخاري في "صحيحه": قال عاصم عن أبي بردة قلنا لعلي ما القسي قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير أمثال الأترج.
وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة والحديث: ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير. قال بعضهم: هو ضرب من ثياب كتان مخلوط بحرير يؤتى بها مصر نسبة إلى قرية على ساحل البحر يقال لها القس ويقال القسي القزي أبدلت الزاء سيناً كما
стр. 7641
يقال: ألسمته الحجة أي ألزمته الحجة، وقيل هو منسوب إلى القسي وهو الصقيع لبياضه ونسبتها إلى المكان هو قول الخليل بن أحمد وغيره فقد اتفقوا كلهم على أنَّها ثياب فيها حرير وليست حريراً مصمتاً وهذا ليس هو الملحم وأيضاً فإنَّ الخز أخف من وجهين:
أحدهما: أنَّ سداه حرير والسدى أيسر من اللحمة وهو الذي بيَّن ابن عباس جوازه بقوله: "فأمَّا العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به".
والثاني: أنَّ الخز الثخين والحرير مستور فيه بين الوبر فيصير الحرير بمنزلة الحشوة ويصير الذي يلي الجلد ويظهر هو الوبر ومعلوم أنَّ الحرير الباطن ليس بمنزلة الحرير الظاهر إذ ليس في الباطن سرف ولا فخر ولا خيلاء ولهذا كان الصحيح جواز حشو الجباب والفرش به، وقد ذكر أحمد ﵁ هذين الفرقين فإذا كان الحديث عاماً في التحريم بل خاصاً في الملحم وإنَّما أبيح الخز لم يجز إن يلحق به إلَّا ما في معناه فعلى هذا كل ما سوى الخز من الملحم يكره لذلك والخز ما كان لحمته من الوبر ونحوه مما له ثخانة تغطي الحرير فتكون الرخصة معلقة بكون السدى حريراً وكون اللحمة من الوبر ونحوه.
стр. 7642
وقال القاضي: الملحم هو الذي سداه حرير ولحمته غزل أو لحمته حرير وسداه غزل، والخز ما كانت لحمته أو سداه خزاً. فجعل الاعتبار بنفس ما ينسج مع الحرير من غير فرق بين السدى واللحمة لأنَّ أحمد علل بثخانة الخز وأنَّه يلي الجلد والحرير لا يكاد يستبين من تحته.
وعنه إن كان السدى حريراً حل مطلقاً على ما رواه صالح لحديث ابن عباس.
ثم كراهة الملحم كراهة تحريم ذكره القاضي وغيره وقال غيره من أصحابنا هي كراهة تنزيه إلَّا أن يكون المنسوج مع الإبريسم أكثر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (ص: ١١٣ - ١١٤): «ولو كان الظهور للحرير وهو أقل من غيره ففيه ثلاثة أوجه: التحريم والكراهة والإباحة، وحديث السّيَراء والقسي يستدل به على تحريم ما ظهر فيه خيوط حرير أو سيور لا بد أن يُنسج مع غيرها من الكتان أو القطن فالنبي ﷺ حرمها لظهور الحرير فيها ولم يسأل هل وزن ذلك الموضع من القطن والكتان أكثر أم لا مع أنَّ العادة أنَّه أقل فإن استويا فالأشبه بكلام أحمد التحريم والثياب القسية: ثياب مخطوطة بحرير.
стр. 7643
قال البخاري في "صحيحه": قال عاصم: عن أبي بردة: قلنا لعلي: ما القسية قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير كأمثال الأترج. وقال أبو عبيد: هي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير. فقد اتفقوا كلهم على أنَّها ثياب فيها حرير وليست حريراً مصمتاً، وهذا هو الملحم، والخز أخف من وجهين:
أحدهما: أنَّ سداه من حرير والسدي أيسر من اللحمة وهو الذي بيَّن ابن عباس جوازه بقوله: فأمَّا العلم والحرير والسدي لثوب فلا بأس به.
والثاني: أنَّ الخز ثخين والحرير مستور بالوبر فيه فيصير بمنزلة الحشو.
والخز اسم لثلاثة أشياء: للوَبَر الذي يُنسج مع الحرير وهو وبر الأرنب، واسم لمجموع الحرير والوبر، واسم لرديء الحرير فالأول والثاني: حلال، والثالث: حرام. وجعل بعض أصحابنا المتأخرين الملحم والقسي والخز على الوجهيْن، وجعل التحريم قول أبي بكر لأنَّه حرَّم الملحم والقسي، والإباحة قول ابن البناء لأنَّه أباح الخز وهذا لا يصلح لأنَّ أبا بكر قال: ويلبس الخز ولا يلبس الملحم ولا الديباج، وأمَّا المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب فإباحة الخز دون الملحم وغيره فمَن زعم أنَّ في الخز خلافاً فقد غلط» اهـ.
قُلْتُ: السَدَى على وزن الحصى: ما نسج طولاً، واللُحْمَة: ما نسج عرضاً.
стр. 7644
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٣١): «فصل: فأمَّا المنسوج من الحرير وغيره، كثوب منسوج من قطن وإبريسم، أو قطن وكتان فالحكم للأغلب منهما.
لأنَّ الأول مستهلك فيه، فهو كالبيضة من الفضة، والعلم من الحرير.
وقد روي عن ابن عباس قال: "إنَّما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير، وأمَّا العلم، وسدى الثوب، فليس به بأس".
رواه الأثرم بإسناده، وأبو داود. قال ابن عبد البر: مذهب ابن عباس وجماعة من أهل العلم أنَّ المحرم الحرير الصافي، الذي لا يخالطه غيره، فإن كان الأقل الحرير فهو مباح، وإن كان القطن فهو محرم.
فإن استويا ففي تحريمه وإباحته وجهان وهذا مذهب الشافعي.
قال ابن عقيل الأشبه التحريم، لأنَّ النصف كثير، فأمَّا الجباب المحشوة من إبريسم، فقال القاضي: لا يحرم.
وهو مذهب الشافعي، لعدم الخيلاء فيه.
ويحتمل التحريم؛ لعموم الخبر.
وهكذا الفرش المحشوة بالحرير» اهـ.
стр. 7645
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الحرير إذا نسج مع غيره وكان الظهور لغير الحرير فيحل لبسه، لأنَّه لا يصدق على ذلك الثوب أنَّه ثوب حرير، ويدل على حله أيضاً حديث ابن عباس الماضي.
وإن كان للحرير ظهور فإن كان الظاهر منه مقدار الأربع الأصابع فأقل فإنَّه يحل لبسه، وإن كان الظاهر منه أكثر من ذلك فيحرم لبسه.
ويدل عليه ما رواه البخاري (٨٨٦)، ومسلم (٢٠٦٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ». الحديث.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٩٧): «قوله: "حلة سيراء". قال أبو عبيد: الحلل برود اليمن والحلة إزار ورداء. ونقله ابن الأثير وزاد: إذا كان من جنس واحد. وقال ابن سيده في "المحكم": الحلة برد أو غيره. وحكى عياض أنَّ أصل تسمية الثوبين حلة أنَّهما يكونان جديدين كما حل طيهما. وقيل: لا يكون الثوبان حلة حتى يلبس أحدهما فوق الآخر فإذا كان فوقه فقد حل عليه. والأول أشهر.
стр. 7646
و"السيراء" بكسر المهملة وفتح التحتانية والراء مع المد قال الخليل: ليس في الكلام فعلاء بكسر أوله مع المد سوى سيراء وحولاء وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد وعنباء لغة في العنب. قال مالك: هو الوشي من الحرير كذا قال والوشي بفتح الواو وسكون المعجمة بعدها تحتانية. وقال الأصمعي: ثياب فيها خطوط من حرير أو قز وإنَّما قيل لها سيراء لتسيير الخطوط فيها، وقال الخليل: ثوب مضلع بالحرير، وقيل: مختلف الألوان فيه خطوط ممتدة كأنَّها السيور» اهـ.
قُلْتُ: وهو محمول على ظهور الحرير فيها، ونحوه حديث البراء الآتي في نهي النبي ﷺ عن لبس القسي.
وهكذا إذا كان الثوب محشواً بحرير كالجبة والفرش الذي يحشى به فلا بأس بذلك لعدم ظهور الحرير فهو أولى بجواز لبسه من الحرير المنسوج بغيره، ولأنَّه إذا كان كذلك فلا مفسدة في لبسه. والله أعلم.
٥ - وفيه أنَّ من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [حَادِي الْأَرْوَاحِ] (ص: ١٣٥): «وقد أختلف في المراد بهذا الحديث فقالت طائفة من السلف والخلف أنَّه لا يلبس الحرير في
стр. 7647
الجنة ويلبس غيره من الملابس، قالوا: وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ فمن العام المخصوص.
وقال الجمهور: وهذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أنَّ الفعل مقتض لهذا الحكم وقد يتخلف عنه لمانع وقد دل النص والإجماع على أنَّ التوبة مانعة من لحوق الوعيد ويمنع من لحوقه أيضاً الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة فيه وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه فهذا الحديث نظير الحديث الآخر من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة» اهـ.
* * *
стр. 7648
٣٨٨ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ».
قَوْلُهُ: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ». الديباج نوع من الحرير، ولعله سمي بذلك لنقش فيه فإنَّ الدبج بمعنى النقش والتزيين، وعطفه على الحرير من باب عطف الخاص على العام، ويقال: إنَّ الديباج ما غلظ من الحرير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُرْتَضَى الزَّبِيْدِيُّ ﵀ فِي [التَّاج] (٥/ ٥٤٤):
«وَقَالَ اللَّبْلِيّ: هُوَ ضَرْبٌ من المَنْسوج مُلَوَّنٌ أَلواناً» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «صِحَافِهِمَا». الصحاف جمع صحفة وهي إناء يشبع الخمسة من الناس، وهي دون القصعة فالقصعة تَسَعُ ما يشبع العشرة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن لبس الحرير والديباج.
٢ - النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.
стр. 7649
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٢٣): «ولا خلاف بين أصحابنا في أنَّ استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً» اهـ.
قُلْتُ: وفي ذلك رد على داود الظاهري حيث حرَّم الشرب في آنية الذهب والفضة دون الأكل فيهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (١/ ٢٤٩): «وهذا الذي قاله غلط فاحش ففي حديث حذيفة وأم سلمة من رواية مسلم التصريح بالنهي عن الأكل والشرب كما سبق وهذان نصان في تحريم الأكل وإجماع من قبل داود حجة عليه» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في علة تحريم ذلك فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٣٥١): «وصح عنه ﷺ أنَّه قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنَّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
فقيل: علة التحريم تضييق النقود، فإنَّها إذا اتخذت أواني فاتت الحكمة التي وضعت لأجلها من قيام مصالح بنى آدم.
стр. 7650
وقيل: العلة الفخر والخيلاء.
وقيل: العلة كسر قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها.
وهذه العلل فيها ما فيها، فإنَّ التعليل بتضييق النقود يمنع من التحلي بها وجعلها سبائك ونحوها مما ليس بآنية ولا نقد، والفخر والخيلاء حرام بأي شيء كان، وكسر قلوب المساكين لا ضابط له، فإنَّ قلوبهم تنكسر بالدور الواسعة، والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللذيذة، وغير ذلك من المباحات، وكل هذه علل منتقضة، إذ توجد العلة، ويتخلف معلولها.
فالصواب أنَّ العلة والله أعلم ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة، والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة، ولهذا علل النبي ﷺ بأنَّها للكفار في الدنيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا، وإنَّما يستعملها من خرج عن عبوديته، ورضى بالدنيا وعاجلها من الآخرة» اهـ.
٣ - النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة يعم الرجال والنساء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (١/ ٢٥٠): «قال أصحابنا وغيرهم من العلماء يستوى في تحريم استعمال إناء الذهب والفضة الرجال والنساء وهذا لا
стр. 7651
خلاف فيه لعموم الحديث وشمول المعني الذى حرم بسببه وإنَّما فرق بين الرجال والنساء في التحلي لما يقصد فيهنَّ من غرض الزينة للأزواج والتجمل لهم» اهـ.
٤ - يلحق بالأكل والشرب سائر الاستعمالات كالوضوء والغسل والتجمر والأكل بملاعق الذهب أو الفضة والاكتحال بمكاحل الذهب أو الفضة وغير ذلك، وإنَّما ذكر في الحديث الأكل والشرب لأنَّهما الغالب في الاستعمال. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٢٣): «والعلة في تحريم الشرب فيها ما يتضمنه ذلك من الفخر والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، وهو موجود في الطهارة منها واستعمالها كيفما كان، بل إذا حرم في غير العبادة ففيها أولى» اهـ.
٥ - ويستثنى من ذلك المضبب من الآنية بالفضة إذا كان ذلك يسيراً للحاجة.
لما رواه البخاري (٣١٠٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ».
стр. 7652
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١٠٠): «والشعب بفتح المعجمة وسكون العين المهملة هو الصدع وكأنَّه سد الشقوق بخيوط من فضة فصارت مثل السلسلة» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٢٧): «فصل: فأمَّا المضبب بالذهب أو الفضة، فإن كان كثيراً فهو محرم بكل حال؛ ذهباً كان أو فضة، لحاجة أو لغيرها. وبهذا قال الشافعي.
وأباح أبو حنيفة المضبب، وإن كان كثيراً؛ لأنَّه صار تابعاً للمباح، فأشبه المضبب باليسير، ولنا أنَّ هذا فيه سرف وخيلاء، فأشبه الخالص، ويبطل ما قاله بما إذا اتخذ أبواباً من فضة أو ذهب، أو رفوفاً، فإنَّه يحرم، وإن كان تابعاً، وفارق اليسير، فإنَّه لا يوجد فيه المعنى المحرم.
إذا ثبت هذا، فاختلف أصحابنا؛ فقال أبو بكر يباح اليسير من الذهب والفضة؛ لما ذكرنا، وأكثر أصحابنا على أنَّه لا يباح اليسير من الذهب، ولا يباح منه إلَّا ما دعت الضرورة إليه، كأنف الذهب، وما ربط به أسنانه.
стр. 7653
وأمَّا الفضة فيباح منها اليسير؛ لما روى أنس، أنَّ قدح رسول الله ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. رواه البخاري؛ ولأنَّ الحاجة تدعو إليه، وليس فيه سرف ولا خيلاء، فأشبه الضبة من الصفر.
قال القاضي: ويباح ذلك مع الحاجة وعدمها؛ لما ذكرنا، إلاَّ أن ما يستعمل من ذلك لا يباح كالحلقة، وما لا يستعمل كالضبة يباح.
وقال أبو الخطاب لا يباح اليسير إلَّا لحاجة؛ لأنَّ الخبر إنَّما ورد في تشعيب القدح في موضع الكسر، وهو لحاجة، ومعنى الحاجة أن تدعو الحاجة إلى ما فعله به، وإن كان غيره يقوم مقامه، وتكره مباشرة موضع الفضة بالاستعمال؛ كي لا يكون مستعملاً لها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٠/ ٣٦٢): «مسألة: قال: "وإن كان قدح عليه ضبة، فشرب من غير موضع الضبة، فلا بأس". وجملة ذلك أنَّ الضبة من الفضة تباح بثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون يسيرة.
الثاني: أن تكون من الفضة، فأمَّا الذهب: فلا يباح، وقليله وكثيره حرام.
وروي عن أبي بكر، أنَّه رخص في يسير الذهب.
стр. 7654
الثالث: أن يكون للحاجة، أعني أنَّه جعلها لمصلحة وانتفاع، مثل أن تجعل على شق أو صدع، وإن قام غيرها مقامها» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو بقاء الذهب على المنع لأنَّه لم يأت ما يدل على تخصيصه، ولا يصح إلحاق الذهب بالفضة وذلك لأنَّ الذهب أشد من الفضة في باب الزينة والخيلاء، ولهذا أذن للرجال التحلي بالفضة دون الذهب. والله أعلم.
٦ - وفيه النهي عن التشبه بالكافرين.
* * *
стр. 7655
٣٨٩ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَهُ شَعَرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ».
قَوْلُهُ: «ذِي لِمَّةٍ». اللمة هي الشعر الذي يلم بالمنكبين، أي المتدلي الذي جاوز شحمة الأذنين ولم يبلغ المنكبين.
وأقل ما ورد في شعر النبي ﷺ ما رواه مسلم (٢٣٣٨) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ».
وما رواه مسلم (٢٣٣٧) عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ ».
وهو في البخاري (٥٩٠١) مختصراً.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٧٢): «قال ابن التين تبعاً للداودي قوله: "يبلغ شحمة أذنيه". مغاير لقوله: "إلى منكبيه". وأجيب بأنَّ المراد أنَّ معظم شعره كان عند شحمة أذنه وما استرسل منه متصل إلى المنكب أو يحمل
стр. 7656
على حالتين، وقد وقع نظير ذلك في حديث أنس عند مسلم من رواية قتادة عنه أنَّ شعره كان بين أذنيه وعاتقه، وفي حديث حميد عنه إلى أنصاف أذنيه ومثله عند الترمذي من رواية ثابت عنه وعند بن سعد من رواية حماد عن ثابت عنه لا يجاوز شعره أذنيه وهو محمول على ما قدمته أو على أحوال متغايرة» اهـ.
قُلْتُ: حديث أنس رواه البخاري (٥٩٠٥)، ومسلم (٢٣٣٨) عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنْ شَعَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجِلًا، لَيْسَ بِالسَّبِطِ وَلَا الجَعْدِ، بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ».
وروى أحمد (٢٤٨٧١)، وأبو داود (٤١٨٧)، وابن ماجه (٣٦٣٥)، والترمذي (١٧٥٥) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ الْجَمَّةِ، وَفَوْقَ الْوَفْرَةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ولفظ الترمذي: «وَكَانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الجُمَّةِ وَدُونَ الوَفْرَةِ». وهي عكس ما سبق، والصحيح ما سبق.
стр. 7657
وهناك من جمع بين اللفظين بحمل الرواية الأولى على كثافة الشعر، والثانية على محل وصوله.
قَالَ أَبُو مُحَمَدٍ عَبْدُ اللهِ الْبَطْلَيُوسِيُّ ﵀ فِي [مُشْكِلَاتِ مُوَطَّأِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ] (ص: ١٧٦):
«والوفرة: الشعرة إِلَى شحمة الْأذن، فَإِذا زَادَت شَيْئا فَهِيَ جمة، فَإِذا لمت بالمنكب فَهِيَ لمة، وَقد قيل: اللمة والجمة سَوَاء، فَإِذا بلغ الْكَتف فَهُوَ وَارِد» اهـ.
قُلْتُ: في حديث البراء الماضي «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ ». ففيه أنَّ الجمة قد تطلق على معنى الوفرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الأَزْهُرِيُّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ اللُّغَةِ] (١٥/ ١٨٠)
«والوَفْرة: الجُمّة من الشَّعر إِذا بلغت الأُذنين. وَقد وَفّرها صاحبُها. وفلانٌ مُوَفَّر الشّعْر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَنْظُورٍ ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (٥/ ٢٨٨):
стр. 7658
«وَقِيلَ: الوَفْرَةُ أَعظم مِنَ الجُمَّةِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا غَلَطٌ إِنما هِيَ وَفْرَةٌ ثُمَّ جُمَّة ثُمَّ لِمَّة. والوَفْرَةُ: مَا جَاوَزَ شَحْمَةَ الأُذنين، واللِّمَّةُ: مَا أَلمَّ بالمَنْكِبَينِ» اهـ. وذكر بعد ذلك كلام الأزهري.
وَقَوْلُهُ: «فِي حُلَّةٍ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (١/ ١٠٣٥):
«الحلة: واحدة الحُلَل وهي برود اليمن ولا تُسَمَّى حُلَّة إلَّا أن تكون ثوبَين من جنس واحد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِيُّ ﵀ فِي [غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ] (١/ ٤٩٨): «ولا تكون حلة إلَّا وهي جديدة تحل عن طيها فتلبس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٩١): «وأمَّا الحلة فهي ثوبان إزار ورداء. قال أهل اللغة: لا تكون إلَّا ثوبين، سميت بذلك لأنَّ أحدهما يحل على الآخر، وقيل: لا تكون إلَّا الثوب الجديد الذي يحل من طيه» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج به من قال باستحباب تربية الشعر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٤٧): «فصل: واتخاذ الشعر أفضل من إزالته.
стр. 7659
قال أبو إسحاق: سئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر؟ فقال: سنة حسنة، لو أمكننا اتخذناه» اهـ.
وذهب بعض العلماء إلى عدم استحباب إطالة الشرع إذا كان خلاف عادة أهل البلد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ٨٠ - ٨١): «قد حلق الناس رؤوسهم وتقصصوا وعرفوا كيف ذلك قرناً بعد قرن من غير نكير والحمد لله.
قال أبو عمر: صار أهل عصرنا لا يحبس الشعر منهم إلَّا الجند عندنا لهم الجمم والوفرات وأضرب عنها أهل الصلاح والستر والعلم حتى صار ذلك علامة من علاماتهم وصارت الجمم اليوم عندنا تكاد تكون علامة السفهاء، وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من تشبه بقوم فهو منهم" أو حشر معهم، فقيل: من تشبه بهم في أفعالهم، وقيل من تشبه بهم في هيئاتهم، وحسبك بهذا فهو مجمل في الاقتداء بهدى من الصالحين على أي حال كانوا والشعر والحلق لا يغنيان يوم القيامة شيئاً وإنَّما المجازاة على النيات والأعمال فرب محلوق خير من ذي شعر ورب ذي شعر رجلاً صالحاً وقد كان التختم في اليمين مباحاً حسناً لأنَّه قد تختم به جماعة من السلف في اليمين كما تختم منهم جماعة في الشمال وقد روي عن النبي
стр. 7660
ﷺ الوجهان جميعاً. فلما غلبت الروافض على التختم في اليمين ولم يخلطوا به غيره كرهه العلماء منابذة لهم وكراهية للتشبه بهم لا أنَّه حرام ولا أنَّه مكروه وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا أعرض في أزماننا أهل العلم والصلاح عن إطالة شعر الرأس، واشتهر إطالة شعر الرأس عن الكفار وفساق المسلمين، وفعل ذلك بعض أهل الصلاح تأسياً بالنبي ﷺ فأسأل الله أن يأجرهم على هذه النية الصالحة، لكن الذي يظهر لي في ذلك أنَّ إطالة شعر الرأس ليس من سنن العبادات، وإنَّما من أمور العادات، ويدل على ذلك أنَّ العرب كانوا يربون شعورهم فبقى النبي ﷺ على ما كان عليه العرب في ذلك سواء ما كان من توفير شعر الرأس، أو ما يتعلق باللباس فقد كان الغالب في لباس العرب لبس الرداء والإزار كلبس الحجاج والمعتمرين ولا يصح أن يقال: إنَّ هذا اللباس على هذه الهيئة من السنن التي يقتدى بها، وقد صار الصالحون في هذه الأزمان يلبسون القمص الطويلة التي لا تتجاوز الكعبين، ويلبسون الأزر مع القمص القصيرة التي تصل إلى أوائل الفخذين، ولا يقال: إنَّهم بذلك قد خالفوا سنة النبي ﷺ .
стр. 7661
وهكذا ما يتعلق بالمركوب فقد كان النبي ﷺ يركب الحمار والفرس والإبل، وصار الناس في هذه الأزمان يركبون السيارات والدراجات والطائرات، ولا يقال: إنَّهم بذلك قد خالفوا سنة النبي ﷺ فإنَّ جميع ذلك من سنن العادات التي تختلف باختلاف الأزمان، فالذي ينبغي للمسلم أن يقتدي بأهل العلم والفضل والصلاح في بلده سواء فيما تعلق بالشعور، أو اللباس، أو الركوب أو غير ذلك.
ومما يدل على أنَّ توفير شعر الرأس ليس من سنن العبادات وإنَّما من سنن العادات أنَّه لم يثبت عن النبي ﷺ في حديث واحد الترغيب في توفير شعر الرأس. فهذا ما يظهر لي في هذه المسألة. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ كَمَا فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (١١/ ٧٦): «فهؤلاء الذين يطولون شعورهم نقول لهم: هذا خلاف العادة المتبعة في زمننا هذا، واتخاذ شعر الرأس مختلف فيه هل هو من السنن المطلوب فعلها؟ أو هو من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما اعتاده الناس في وقته؟
стр. 7662
والراجح عندي: أنَّ هذا من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما جرى عليه الناس في وقته، فإذا كان من عادة الناس اتخاذ الشعر وتطويله فإنَّه يفعل، وإذا كان من عادة الناس حلق الشعر أو تقصيره فإنَّه يفعل.
ولكن البلية كل البلية أنَّ هؤلاء الذين يعفون شعور رؤوسهم لا يعفون شعور لحاهم ثم هم يزعمون أنَّهم يقتدون بالرسول ﷺ ، وهم في ذلك غير صادقين فهم يتبعون أهواءهم ويدل على عدم صدقهم في اتباع الرسول ﷺ ، إنَّك تجدهم قد أضاعوا شيئاً من دينهم هو من الواجبات كإعفاء اللحية مثلاً، فهم لا يعفون لحاهم وقد أمروا بإعفائها وكتهاونهم في الصلاة وغيرها من الواجبات الأخرى مما يدلك على أنَّ صنيعهم في إعفاء شعورهم ليس المقصود به التقرب إلى الله ولا اتباع رسول الله ﷺ ، وإنَّما هي عادة استحسنوها فأرادوها ففعلوها» اهـ.
قُلْتُ: اتخاذ الوفرات والجمم اختيالًا لا يشرع، وقد جاء في ذلك ما رواه البخاري (٥٧٨٩)، ومسلم (٢٠٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
стр. 7663
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ، إِذْ خُسِفَ بِهِ الْأَرْضُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».
قُلْتُ: واختلف العلماء في حلق الشعر، فكرهه أحمد في رواية لما رواه البخاري (٧٥٦٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ»، قِيلَ مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: «سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ - أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ».
قُلْتُ: "التسبيد" استئصال الشعر بالحلق أو غيره.
وفي [الْوَرَعِ] للمروذي (ص: ١٩٢ - ١٩٣): «سألت أبا عبد الله عن حلق الرأس فكرهه. قُلْتُ: تكرهه، قال: أشد الكراهية، ثم قال: كان معمر يكره الحلق وأنا أكرهه، واحتج أبو عبد الله بحديث عمر بن الخطاب أنَّه قال لرجل لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك» اهـ.
وَذَكَرَ الْخَلَالِ ﵀ فِي [الْوُقُوْفِ وَالتَّرَجُلِ مِنَ الْجَامِعِ لِمَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ] ص (١١٩ - ١٢٣) عدة آثار عن الإمام أحمد وغيره في كراهة الحلق.
стр. 7664
وأثر عمر مع صبيغ رواه الآجري في [الشَّرِيْعَةِ] (١٥٢، ٢٠٦٤)، واللالكائي في [شَرْحِ أُصُوْلِ السُّنَّةِ] (١١٣٦)، وابن بطة في [الْإِبَانَةِ] (٣٣٠) من طريق مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا لَقِينَا رَجُلًا يَسْأَلُ عَنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَمْكِنِّي مِنْهُ قَالَ: فَبَيْنَا عُمَرُ ذَاتَ يَوْمٍ يُغَدِّي النَّاسَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَعِمَامَةٌ يَتَغَدَّى حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ هُوَ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَجْلِدُهُ حَتَّى سَقَطَتْ عِمَامَتُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لَضَرَبْتُ رَأْسَكَ، أَلْبِسُوهُ ثِيَابَهُ، وَاحْمِلُوهُ عَلَى قَتَبٍ، ثُمَّ أَخْرِجُوهُ حَتَّى تَقْدِمُوا بِهِ بِلَادَهُ، ثُمَّ لِيَقُمْ خَطِيبًا، ثُمَّ لِيَقُلْ: إِنَّ صَبِيغًا طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَخْطَأَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَضِيعًا فِي قَوْمِهِ حَتَّى هَلَكَ وَكَانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ، بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ،
стр. 7665
وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «أَلَا تَأْمَنُونِي؟ وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً» قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ» قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي». قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ، فَقَالَ: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ».
وفي [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوْيَه] (٥/ ٢٢٢٧): «قال إسحاق: كما قال، لا يحلقن أحد بغير مكة إلَّا من علة، لما يكون شبيهاً بالخوارج» اهـ.
стр. 7666
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنَّه لا يكره وهي الرواية الأخرى عن أحمد، وهذا إذا لم يكن ذلك على وجه العبادة لما رواه أبو داود (٤١٩٥)، والنسائي (٥٠٤٨) من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ شَعْرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وما رواه أحمد (٥٢٢٧)، وأبو داود (٤١٩٢)، والنسائي (٥٢٢٧) من طريق وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي يَعْقُوبَ، يُحَدِّثُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي»، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ»، فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى أبو داود (٤١٩٠)، والنسائي (٥٠٦٦)، وابن ماجه (٣٦٣٦) من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: أَتَيْتُ
стр. 7667
النَّبِيَّ ﷺ وَلِي شَعْرٌ طَوِيلٌ، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ذُبَابٌ ذُبَابٌ» قَالَ: فَرَجَعْتُ فَجَزَزْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ، وَهَذَا أَحْسَنُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢١٠): «أخبرني أبو عمر، عَنْ أبي العباس أحمد بن يحيى قال: الذباب الشؤم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٢/ ٣٨١): «الذُّبابُ: الشُّؤْمُ: أي هذا شؤمٌ. وقيل: الذُّبابُ الشَّرُّ الدائمُ. يقال: أَصَابك ذُّبابٌ من هذَا الأمْر» اهـ.
قُلْتُ: وقد احتج بهذا الحديث العلامة الطحاوي على استحباب جز الشعر فقال ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٨/ ٤٣٦ - ٤٣٧): «فقال قائل: ففيما قد رويتموه عن رسول الله ﷺ اتخاذه الشعر كما رويتموه فيه عنه، وفيه أمره الناس بإكرام الشعر، فمن أين جاز لكم ترك استعمال ذلك، والعدول إلى غيره من إحفاء الشعر؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّا تركنا ذلك إلى ما يخالفه مما أخبرنا رسول الله ﷺ أنَّه أحسن منه».
стр. 7668
ثم أورد حديث وائل بن حجر الماضي وقال: «فكان في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ما قد دل على أنَّ جز الشعر أحسن من تربيته، وما جعله رسول الله ﷺ الأحسن كان لا شيء أحسن منه، ووجب لزوم ذلك الأحسن، وترك ما يخالفه، ومقبول منه ﷺ إذ كان هذا عنه، وإذ كان أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس سواه أنَّه قد كان صار بعد هذا القول إلى هذا الأحسن، وترك ما كان عليه قبل ذلك مما يخالفه، والله نسأله التوفيق» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٣١): «وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْكَرَاهَةِ فَهُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَنْ يَعْتَقِدُهُ قُرْبَةً وَشِعَارَ الصَّالِحِينَ، وَهَكَذَا كَانَتِ الْخَوَارِجُ، فَأَمَّا إِنْ حَلَقَهُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ وَإِنْ تَرَكَهُ أَفْضَلُ فَلَا، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُكْرَهُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَيُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَمَنْ تَشَبَّهُ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، فَأَمَّا عِنْدَ الْحِجَامَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا بَأْسَ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا أحسن ما يجمع فيه بين الأدلة. والله أعلم.
وقد صار الخوارج في أيامنا هذه يربون شعورهم حتى صار ذلك شعاراً لهم.
٢ - جواز لبس الأحمر.
стр. 7669
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٢٠): «وقد اختلف العلماء في لبس الأحمر:
فرخص فيه ابن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن، وعلي بن حسين، وابنه أبو جعفر.
وروي عن علي بن أبي طالب، أنَّه كان يلبس برداً أحمر.
وفي "صحيح مسلم"، أنَّ أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له: بلغني أنَّك تحرم مياثر الأرجوان، فقال: هذه مثيرتي أرجوان.
والأرجوان: الشديد الحمرة.
وكرهت طائفة الثياب الحمر، منهم: طاووس، ومجاهد، وعطاء.
وروي عن الحسن وابن سيرين، قالا: هو زينة آل قارون.
وهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته.
وروى عن عطاء وطاووس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة.
وروي عن عائشة، أنَّها كانت تلبس درعاً أحمر.
стр. 7670
وفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة، خرجها أبو داود وغيره، يطول ذكرها هاهنا، وربما تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣١٨ - ٣١٩) سبعة مذاهب لأهل العلم في لبس الأحمر، وقد نقل الجواز عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر من الصحابة، وذكر أنَّ غيرهم من الصحابة ذهبوا إلى ذلك ولم يسمهم.
ومذهب الأئمة الثلاثة حل لبس الأحمر.
وقد جاء في النهي عن لبس الأحمر أحاديث منها:
ما رواه البخاري (٥٨٣٨)، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَيَاثِرِ الحُمْرِ وَالقَسِّيِّ».
وهو في مسلم (٢٠٦٦) لكن ليس فيه وصف المياثر بكونها حمراء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٥/ ٣٢٥): «المِيثَرة بالكسرِ: مِفْعَلة من الوَثَارة. يقال: وَثرُ وَثارةً فهو وَثِير: أي وَطِيءٌ لَيِّن وأصلُها: مِوْثَرة فقُلبت الواو ياء لكسرة الميم وهي من مَراكِب العَجَم تُعْمل من حرير أو دِيباج» اهـ.
следующие страницы →