Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنَّه لا يكره وهي الرواية الأخرى عن أحمد، وهذا إذا لم يكن ذلك على وجه العبادة لما رواه أبو داود (٤١٩٥)، والنسائي (٥٠٤٨) من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ شَعْرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وما رواه أحمد (٥٢٢٧)، وأبو داود (٤١٩٢)، والنسائي (٥٢٢٧) من طريق وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي يَعْقُوبَ، يُحَدِّثُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي»، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ»، فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى أبو داود (٤١٩٠)، والنسائي (٥٠٦٦)، وابن ماجه (٣٦٣٦) من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: أَتَيْتُ
стр. 7667
النَّبِيَّ ﷺ وَلِي شَعْرٌ طَوِيلٌ، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ذُبَابٌ ذُبَابٌ» قَالَ: فَرَجَعْتُ فَجَزَزْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ، وَهَذَا أَحْسَنُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢١٠): «أخبرني أبو عمر، عَنْ أبي العباس أحمد بن يحيى قال: الذباب الشؤم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٢/ ٣٨١): «الذُّبابُ: الشُّؤْمُ: أي هذا شؤمٌ. وقيل: الذُّبابُ الشَّرُّ الدائمُ. يقال: أَصَابك ذُّبابٌ من هذَا الأمْر» اهـ.
قُلْتُ: وقد احتج بهذا الحديث العلامة الطحاوي على استحباب جز الشعر فقال ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٨/ ٤٣٦ - ٤٣٧): «فقال قائل: ففيما قد رويتموه عن رسول الله ﷺ اتخاذه الشعر كما رويتموه فيه عنه، وفيه أمره الناس بإكرام الشعر، فمن أين جاز لكم ترك استعمال ذلك، والعدول إلى غيره من إحفاء الشعر؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّا تركنا ذلك إلى ما يخالفه مما أخبرنا رسول الله ﷺ أنَّه أحسن منه».
стр. 7668
ثم أورد حديث وائل بن حجر الماضي وقال: «فكان في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ما قد دل على أنَّ جز الشعر أحسن من تربيته، وما جعله رسول الله ﷺ الأحسن كان لا شيء أحسن منه، ووجب لزوم ذلك الأحسن، وترك ما يخالفه، ومقبول منه ﷺ إذ كان هذا عنه، وإذ كان أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس سواه أنَّه قد كان صار بعد هذا القول إلى هذا الأحسن، وترك ما كان عليه قبل ذلك مما يخالفه، والله نسأله التوفيق» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٣١): «وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْكَرَاهَةِ فَهُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَنْ يَعْتَقِدُهُ قُرْبَةً وَشِعَارَ الصَّالِحِينَ، وَهَكَذَا كَانَتِ الْخَوَارِجُ، فَأَمَّا إِنْ حَلَقَهُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ وَإِنْ تَرَكَهُ أَفْضَلُ فَلَا، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُكْرَهُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَيُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَمَنْ تَشَبَّهُ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، فَأَمَّا عِنْدَ الْحِجَامَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا بَأْسَ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا أحسن ما يجمع فيه بين الأدلة. والله أعلم.
وقد صار الخوارج في أيامنا هذه يربون شعورهم حتى صار ذلك شعاراً لهم.
٢ - جواز لبس الأحمر.
стр. 7669
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٢٠): «وقد اختلف العلماء في لبس الأحمر:
فرخص فيه ابن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن، وعلي بن حسين، وابنه أبو جعفر.
وروي عن علي بن أبي طالب، أنَّه كان يلبس برداً أحمر.
وفي "صحيح مسلم"، أنَّ أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له: بلغني أنَّك تحرم مياثر الأرجوان، فقال: هذه مثيرتي أرجوان.
والأرجوان: الشديد الحمرة.
وكرهت طائفة الثياب الحمر، منهم: طاووس، ومجاهد، وعطاء.
وروي عن الحسن وابن سيرين، قالا: هو زينة آل قارون.
وهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته.
وروى عن عطاء وطاووس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة.
وروي عن عائشة، أنَّها كانت تلبس درعاً أحمر.
стр. 7670
وفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة، خرجها أبو داود وغيره، يطول ذكرها هاهنا، وربما تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣١٨ - ٣١٩) سبعة مذاهب لأهل العلم في لبس الأحمر، وقد نقل الجواز عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر من الصحابة، وذكر أنَّ غيرهم من الصحابة ذهبوا إلى ذلك ولم يسمهم.
ومذهب الأئمة الثلاثة حل لبس الأحمر.
وقد جاء في النهي عن لبس الأحمر أحاديث منها:
ما رواه البخاري (٥٨٣٨)، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَيَاثِرِ الحُمْرِ وَالقَسِّيِّ».
وهو في مسلم (٢٠٦٦) لكن ليس فيه وصف المياثر بكونها حمراء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٥/ ٣٢٥): «المِيثَرة بالكسرِ: مِفْعَلة من الوَثَارة. يقال: وَثرُ وَثارةً فهو وَثِير: أي وَطِيءٌ لَيِّن وأصلُها: مِوْثَرة فقُلبت الواو ياء لكسرة الميم وهي من مَراكِب العَجَم تُعْمل من حرير أو دِيباج» اهـ.
стр. 7671
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢١٩): «"المياثر": مراكب، سميت مياثر لوثارتها - وهو لينها ووطأتها، وكانت من زي العجم.
وقد قيل: أنَّها كانت من ديباج أو حرير -: قاله أبو عبيد وغيره.
وفسر يزيد بن أبي زياد المثيرة بجلود السباع.
وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب، عن النبي ﷺ ، أنَّه نهى عن مياثر النمور» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٧٨): «فقد نهى ﷺ عن المياثر الحمر وذلك يقتضي أن تكون الحمرة مؤثرة في النهي والحديث عام في المياثر الحمر سواء كانت حريراً أو لم تكن ولو كان المراد بها الحرير فتخصيصه الحمر بها دليل على أنَّ الأحمر من الحرير أشد كراهة من غيره وذلك يقتضي أن يكون للحمرة تأثير في الكراهة» اهـ.
قُلْتُ: هذا النهي وارد في المياثر إمَّا لكونها حريراً، أو لأنَّها من مراكب العجم فلا يستفاد من ذلك النهي عن الأحمر مطلقاً، وكيف يستقيم ذلك وقد صح عن النبي ﷺ لبس الأحمر.
стр. 7672
وَقَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ﵀: «وذلك يقتضي أن يكون للحمرة تأثير في الكراهة». قول سديد، لكن تلك الكراهة مختصة بالمياثر، فلعل الأعاجم كانوا يراعون هذا اللون دون غيره فخصه النبي ﷺ بالذكر تحذيراً لأمته من التشبه بهم. والله أعلم.
ومن ذلك ما رواه أبو داود (٤٠٦٩)، والترمذي (٢٨٠٧) من طريق إِسْحَاقَ يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ التِّرْمِذِيُّ ﵀: «ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنَّهم كرهوا لبس المعصفر ورأوا أنَّ ما صبغ بالحمرة بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به إذا لم يكن معصفراً» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٤٨٥): «وهو واقعة عين فيحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، فيه أبو يحيى هو القتات ضعيف الحديث.
стр. 7673
ومن ذلك ما رواه أبو داود (٤٠٧١) حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي - قَالَ ابْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ: وَقَرَأْتُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ - قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ يَعْنِي ابْنَ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ الْأَبَحِّ السَّلِيحِيِّ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ، قَالَتْ: «كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ زَيْنَبَ امْرَأَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَصْبُغُ ثِيَابًا لَهَا بِمَغْرَةٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَةَ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ عَلِمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَرِهَ مَا فَعَلَتْ، فَأَخَذَتْ فَغَسَلَتْ ثِيَابَهَا، وَوَارَتْ كُلَّ حُمْرَةٍ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ فَاطَّلَعَ، فَلَمَّا لَمْ يَرَ شَيْئًا دَخَلَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة حريث بن الأبح السليحي.
قَالَ فِي [عَوْنِ الْمَعْبُودِ] (١١/ ٩٦): «"بمغرة": بسكون غين وقد يحرك. قال في القاموس: المغرة طين أحمر، وقال في المجمع: هو المدر الأحمر الذي يصبغ به الثياب» اهـ.
стр. 7674
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٢٢٥) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِي حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا أَحْمَرَ مَعْرُورًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف حجاج وهو ابن أرطأة ولتدليسه وقد عنعن.
ومن ذلك ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٤٧٣٢) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَتَوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ خَالِدِ بْنِ نَجِيحٍ الْبَكْرِيُّ الْعَبْدِيُّ، ثنا سَعِيدُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ، فَإِنَّهَا أَحَبُّ الزِّينَةِ إِلَى الشَّيْطَانِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه يعقوب بن خالد بن نجيح البكري العبدي لم أعرفه، وهكذا لم يعرفه الْهَيْثَمِيُّ ﵀ فِي [مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ] (٥/ ١٥٥) حيث قَالَ: «رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين في أحدهما يعقوب بن خالد بن نجيح البكري العبدي ولم أعرفه» اهـ.
قُلْتُ: سعيد وهو ابن بشير ضعيف الحديث، وقد اختلف عليه فرواه يعقوب البكري عنه كما مضى، وتابعه بكر بن محمد ولم يعرفه الحافظ الهيثمي أيضاً وحديثه
стр. 7675
عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٤٧٣٣)، رواه محمد بن بلال، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن يزيد بن راشد، فجعله من مسند عبد الرحمن بن يزيد لا من مسند عمران بن حصين، ومحمد بن بلال حسن الحديث وقد أخرج حديثه ابن أبي عاصم في [الْآحَادِ وَالْمَثَانِيِّ] (٥٢٧٨٩)، ومن طريقه أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٤١٥٢).
قُلْتُ: حديث محمد بن بلال هو الصحيح، وعبد الرحمن بن يزيد بن راشد مختلف في صحبته.
ومن ذلك ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٧٠٨)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٥٩١٥)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٢٣٧١) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ، فإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ، وَكُلَّ ذِي ثَوْبِ شُهْرَةٍ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ فأبو بكر الهذلي متروك الحديث.
стр. 7676
وجاء من مراسيل الْحَسَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْحُمْرَةُ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ». رواه ابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٣٢٠٢)، ومعمر في [جَامِعِةِ] (٥٧٩).
ومن مراسيل يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحَدَّ إِلَيْهِ النَّظَرَ حِينَ رَآهُمَا عَلَيْهِ، وَقَالَ: «إِنَّ الْحُمْرَةَ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ». رواه معمر في [جَامِعِةِ] (٥٦٨).
ومن ذلك ما رواه أحمد (١٥٨٤٥)، وأبو داود (٤٠٧٠) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَوَاحِلِنَا وَعَلَى إِبِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُيُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ»، فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلِنَا، فَأَخَذْنَا الْأَكْسِيَةَ فَنَزَعْنَاهَا عَنْهَا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لإبهام الرجل من بني حارثة.
стр. 7677
هذا غاية ما وقفت عليه من الحديث في النهي عن لبس الأحمر وليس منها كما ترى ما ينتهض للحجة ومعارضة حديث البراء المتفق عليه، فالصحيح جواز لبس الأحمر من الثياب من غير كراهة لذلك. والله أعلم.
وأمَّا إذا كانت الحمرة ناتجة من العصفر فيحرم ذلك لما رواه مسلم (٢٠٧٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ١٣٨): «ومعلوم أنَّ ذلك إنَّما يصبغ صبغاً أحمر» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣١٨): «فإنَّ غالب ما يصبغ بالعصفر يكون أحمر» اهـ.
٣ - وفي الحديث من صفة النبي ﷺ أنَّه كان بعيد ما بين المنكبين، وكان معتدل القامة ليس بالطويل ولا القصير.
وروى البخاري (٣٥٤٧)، ومسلم (٢٣٤٧) عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «كَانَ رَبْعَةً مِنَ القَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالقَصِيرِ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ، أَمْهَقَ وَلَا آدَمَ، لَيْسَ
стр. 7678
بِجَعْدٍ قَطَطٍ، وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَقُبِضَ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ» قَالَ رَبِيعَةُ: «فَرَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ، فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ فَسَأَلْتُ فَقِيلَ احْمَرَّ مِنَ الطِّيبِ».
أزهر اللون، هو: الأبيض المشرب بحمرة، والأمهق: خالص البياض، والآدم: شديد السمرة، والجعد: متكسر الشعر، والقطط شديد الجعودة، والسبط: مسترسل الشعر ضد الجعد.
* * *
стр. 7679
٣٩٠ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ - أَوْ عَنْ تَخَتُّمٍ - بِالذَّهَبِ، وَعَنْ الشُّرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَاثِرِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الأمر بعيادة المريض، وهي من فروض الكفاية وليست من فروض الأعيان ولو كانت من فروض الأعيان لشق ذلك لا سيما في مثل هذه الأزمان التي اتسعت فيه البلدان وكثر الناس فلا يخلوا في اليوم الواحد وفي البلد الواحد من مئات المرضى في المستشفيات وفي غيرها، فلو أراد الشخص أن يزور المرضى الذين في مستشفيات بلده لكان في ذلك الحرج العظيم فكيف بغيرهم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (ص: ٤٤٣): «واختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض وتشميت العاطس وابتداء السلام والذي يدل عليه النص وجوب ذلك فيقال: هو واجب على الكفاية» اهـ.
стр. 7680
قُلْتُ: وقد جاء التصريح بالوجوب فيما رواه مسلم (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ».
وأمَّا قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣٩): «أمَّا عيادة المريض فسنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي» اهـ. فليس بصحيح فقد أوجب ذلك الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فَقَالَ فِي [صَحِيْحِهِ] (٧/ ١٥٠ - مع فتح الباري): «باب وجوب عيادة المريض» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في فضل الزيارة ما رواه مسلم (٢٥٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ
стр. 7681
كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (٣/ ٤١١): «فتأمل قوله في الإطعام والإسقاء: "لوجدت ذلك عندي". وقوله في العيادة: "لوجدتني عنده". ولم يقل لوجدت ذلك عندي إيذاناً بقربه من المريض وأنَّه عنده لذله وخضوعه وانكسار قلبه وافتقاره إلى ربه فأوجب ذلك وجود الله عنده هذا وهو فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه وهو عند عبده فوجود العبد ربه ظفره بالوصول إليه» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [بَيَانِ تَلْبِيْسِ الْجَهْمِيَةِ] (٦/ ٢٦٥) - بعد كلام طويل حسن-:
«والمقصود هنا أنَّ قوله: "لو عدته لوجدتني عنده" وقوله: "أين أجدك" قال: "عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أقرب إليها كل يوم شبرًا ولولا ذلك لاحترقت" ليس ظاهره أنَّ ذات الله تكون موجودة في المكان الذي يكون ذلك فيه بل يكون الله موجودًا عنده أي في نفسه إذ هذه العندية أقرب إليه من تلك العندية فإن الظرف المتصل بالإنسان أقرب إليه من الظرف المنفصل عنه فحمل الكلام عليه
стр. 7682
أولى وإذا كان الظرف هو نفسه فقوله وجدتني عنده كقوله وجدتني في قلبه ووجدتني في نفسه ووجدتني حاضرًا في قلبه ووجدتني ثابتًا في قلبه ونحو ذلك من العبارات» اهـ.
وروى مسلم (٢٥٦٨) عَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ»، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا».
قُلْتُ: والمراد بـ"الخُرْفَةِ": الثمرة إذا نضجت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٣٧٠): «أي يؤول به ذلك إلى الجنة واجتناء ثمارها» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١٣): «شبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمر» اهـ.
وَقَالَ فِي [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٣/ ٢٦): «وقال ابن العربي: قوله: "لم يزل في خرفة الجنة". فإنَّ ممشاه إلى المريض لما كان من الثواب على كل خطوة كان الخطا سبباً إلى نيل الدرجات في النعيم المقيم، عبر بها عنها لأنَّه بسببها مجاز انتهى» اهـ.
стр. 7683
وروى أبو داود (٣٠٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا، إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا، خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ أنَّه حَسَنٌ، والحكم هو ابن عتيبة، وعبد الله بن نافع هو الكوفي صدوق، وقد اختلف في الحديث في رفعه ووقفه، والصحيح فيه الوقف، والموقوف له حكم الرفع، لكنِّي لم أقف على من أثبت سماع عبد الله بن نافع من علي ﵁.
قُلْتُ: وهناك آداب لعيادة المريض منها:
أ- الدعاء له، ويدل عليه ما رواه البخاري (٥٦٧٥)، ومسلم (٢١٩١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ، قَالَ: «أَذْهِبِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٨/ ٦٤):
«و"لا يغادر"؛ أي: لا يترك. و"السقم": المرض» اهـ.
стр. 7684
وروى البخاري (٥٦٥٩)، مسلم (١٦٢٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: تَشَكَّيْتُ بِمَكَّةَ شَكْوًا شَدِيدًا، فَجَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أَتْرُكُ مَالًا، وَإِنِّي لَمْ أَتْرُكْ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً، فَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي وَأَتْرُكُ الثُّلُثَ؟ فَقَالَ: «لَا» قُلْتُ: فَأُوصِي بِالنِّصْفِ وَأَتْرُكُ النِّصْفَ؟ قَالَ: «لَا» قُلْتُ: فَأُوصِي بِالثُّلُثِ وَأَتْرُكُ لَهَا الثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَبَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ» فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهُ عَلَى كَبِدِي - فِيمَا يُخَالُ إِلَيَّ - حَتَّى السَّاعَةِ.
وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: «باب وضع اليد على المريض» اهـ.
وروى أحمد (٢١٣٧، ٢١٣٨)، وأبو داود (٣١٠٦)، والترمذي (٢٠٨٣) من طريق الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 7685
و"يَشفيك" بفتح ياء المضارعة من شفى الثلاثي يشفى شفاءً، ولا يقال بضمها فإنَّه يكون من الرباعي أشفى يُشفي إشفاء بمعنى شارف أي: قارب الهلاك، ومنه أشفى المريض على الموت أي قاربه.
ب- إدخال البشرى إلى قلبه، ويدل عليه ما رواه البخاري (٣٦١٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: «لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَقَالَ لَهُ: «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَ: قُلْتُ: طَهُورٌ؟ كَلَّا، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ، أَوْ تَثُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ القُبُورَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَنَعَمْ إِذًا».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١٩): «قوله: "لا بأس". أي أنَّ المرض يكفر الخطايا فإن حصلت العافية فقد حصلت الفائدتان وإلَّا حصل ربح التكفير. وقوله: "طهور". هو خبر مبتدأ محذوف أي هو طهور لك من ذنوبك أي مطهرة» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «لَا بَأْسَ» أي لا خوف عليك من هذا المرض، فإنَّ البأس بمعنى الخوف.
стр. 7686
ج- تخفيف الزيارة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٩٧): «ولا خلاف بين العلماء والحكماء أنَّ السنة في العيادة التخفيف إلَّا أن يكون المريض يدعو الصديق إلى الأنس به» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٤/ ٢٧٧): «وقال الأثرم: حدثنا أبو الوليد قال حدثنا مندل بن علي عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: عيادة حمقى القرى أشد على أهل المريض من مرض صاحبهم يجيئون في غير حين عيادة ويطيلون الجلوس.
قال أبو عمر: لقد أحسن ابن حذار في نحو هذا حيث يقول:
إنَّ العيادة يوم بين يومين … واجلس قليلاً كلحظ العين بالعين
لا تبرمنَّ مريضاً في مساءلة … يكفيك من ذاك تسأل بحرفين
ذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا أبو سعيد الجعفي قال حدثنا ضمرة قال حدثني الأوزاعي قال: خرجت إلى البصرة أريد محمد بن سيرين فوجدته مريضاً به البطن فكنا ندخل عليه نعوده قياماً.
стр. 7687
حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا محمد بن إسحاق السجزي قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: أفضل العيادة أخفها.
وقال ابن وضاح في تفسير الحديث أفضل العيادة أخفها قال هو أن لا يطول الرجل في القعود إذا عاد المريض» اهـ.
د- اختيار الوقت المناسب للعيادة.
فيجتنب وقت النوم والراحة، وأوقات الطعام.
ومن ذلك الزيارة في الليل إلَّا في رمضان فقد اعتاد كثير من الناس السهر فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (٢/ ٢٩٦): «وقال المروذي: عدت مع أبي عبد الله مريضاً بالليل وكان في شهر رمضان ثم قال لي: في شهر رمضان يعاد بالليل» اهـ.
هـ- عدم تكرار الزيارة في أوقات متقاربة.
وقد روى ابن المقرئ في [مُعْجَمِهِ] (٩٧٦)، والخطيب ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَادٍ] (١٠/ ١٨٢) من طريق جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «زُرْ غِبًّا، تَزْدَدْ حُبًّا».
стр. 7688
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ وله شواهد متعددة.
فقد جاء من حديث أبي هريرة.
رواه ابن طاهر في [جُزْئِهِ] (١١٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَيْنَ كُنْتَ أَمْسِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: زُرْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِي، قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لا بأس به في الشواهد من أجل يحيى بن أبي سليمان فإنَّه ضعيف الحديث.
ورواه أبو محمد الجوهري في [حَدِيْثِ أَبِي الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ] (٣٠١) عن أَبِي الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْوَصَّابِيُّ، نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لكن لابأس به في الشواهد.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٤٣٩)، و [الْأَوْسَطِ] (١٧٥٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَيُّوبَ السُّكَّرِيُّ الْحِمْصِيُّ قَالَ: نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ
стр. 7689
الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «زُرْ غِبًّا، تَزْدَدْ حُبًّا».
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَّا الْوَلِيدُ اهـ.
قُلْتُ: الوليد بن مسلم مدلس تدليس التسوية وقد عنعن.
ورواه أبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَانٍ] (٤٠٤٩١) حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَارُودِ، ثنا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثنا مَعْمَرُ بْنُ مَخْلَدٍ السَّرُوجِيُّ، ثنا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: أبو الحسن وشيخه لم أقف لهما على جرح ولا تعديل.
ورواه أبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَانٍ] (١٧٥١)، والعقيلي في [الضُّعَفَاءِ] (٢/ ١٣٨) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ كَرَّازٍ، ثنا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لا بأس به في الشواهد. سليمان بن كراز ضعيف الحديث، ومبارك مدلس تدليس التسوية وقد عنعن، والحسن لم يسمع من أبي هريرة.
стр. 7690
وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
رواه أبو الشيخ الأصبهاني في [أَمْثَالِ الْحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ] (١٨)، والخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَادٍ] (٩/ ٣٠٠)، وعلي بن عمر الحربي في [الْفَوَائِدِ الْمُنْتَقَاةِ عَنْ الشِّيُوخِ الْعَوَالِي] (١٠٩)، وتمام في [الْفَوَائِدِ] (٢٢٨) من ثلاث طرق إلى ضِمَامٍ- يَعْنِي ابْنِ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلاءَ «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا» حَتَّى سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ بِطُرُقِهِ.
وجاء من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
رواه أبو الشيخ الأصبهاني في [أَمْثَالِ الْحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ] (١٤)، وعلي بن عمر الحربي في [الْفَوَائِدِ الْمُنْتَقَاةِ عَنْ الشِّيُوخِ الْعَوَالِي] (١١١) من طريق سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ غُصْنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: سويد، والقاسم، وعبد الرحمن ضعفاء، والنعمان مجهول.
وجاء من حديث معاوية بن حيدة.
стр. 7691
رواه تمام في [فَوَائِدِهِ] (١٠٩٣) حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْأَنْصَارِيُّ، ثنا أَبُو عُلَاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ بِمِصْرَ، ثنا أَبِي، ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «زُرْ غِبًّا، تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: أبو علاثة لم أقف له على جرح ولا تعديل ويقويه ما سبق من الشواهد.
وهذه أمثل طرق هذا الحديث وهناك طرق واهية أعرضت عن ذكرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٦٢٩): «الغِبُّ مِنْ أوْرَاد الإبِل: أنْ تَرِدَ الماء يَوماً وتَدَعَه يوماً ثم تَعُودَ فَنقَله إلى الزِّيارة وإنْ جاء بعد أيام. يقال: غَبَّ الرجُل إذا جاء زائراً بعد أيام. وقال الحسَن: في كلّ أسْبُوع.
ومنه الحديث: "أغِبُّوا في عِيَادة المَريض" أي: لا تَعُودُوه في كلّ يوم لِمَا يَجِدُ مِنْ ثِقَل العُوّاد» اهـ.
٢ - وليس في الحديث تقييد العيادة بالمسلم، لكن جاء ذلك فيما رواه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ».
стр. 7692
وفي لفظ له (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
وقد جاء في عيادة الكافر ما رواه البخاري (١٣٥٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ».
ومن ذلك ما رواه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤) عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ،
стр. 7693
وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ.
وقد أخذ الإمام أحمد من هذه الأحاديث جواز عيادة المريض الكافر لمصلحة الدعوة إلى الإسلام، وهذه إحدى الروايات الثلاث عن الإمام أحمد، والروايتان الأخريتان الجواز مطلقاً، والمنع مطلقاً.
قُلْتُ: والرواية الأولى أرجح لأنَّ النبي ﷺ جعل ذلك من حق المسلم على المسلم، ولما في العيادة من إكرام الكافر وليس هو بأهل لأن يكرم، فلا تنبغي العيادة له إلَّا لمصلحة راجحة كدعوته إلى الإسلام. والله أعلم.
٣ - وهل يدخل في عموم الحديث عيادة الرجل للمرأة والمرأة للرجل ولو من غير المحارم مع التستر، ومن غير خلوة ومع أمان الفتنة؟.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء وقد روى البخاري (٥٦٥٤) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 7694
عَنْهُمَا، قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا، قُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى، يَقُولُ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَتْ عَنْهُ يَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ … وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ».
وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: «عيادة النساء الرجال». وفي بعض النسخ: «عيادة النساء والرجال» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١٨): «وقد اعترض عليه بأنَّ ذلك قبل الحجاب قطعاً وقد تقدم أنَّ في بعض طرقه وذلك قبل الحجاب وأجيب بأنَّ ذلك لا يضره فيما ترجم له من عيادة المرأة الرجل فإنَّه يجوز
стр. 7695
بشرط التستر والذي يجمع بين الأمرين ما قبل الحجاب وما بعده الأمن من الفتنة» اهـ.
قُلْتُ: والفتنة في هذه الأزمان لا تكاد تؤمن فيجتنب ذلك، والحديث وارد قبل نزول الحجاب، والظاهر أنَّهما كانا في موضع واحد وكانت زيارة بلال تبعًا لزيارة والدها. والله أعلم.
٤ - ويدخل في الحديث عيادة الصبيان، وقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه": «باب عيادة الصبيان».
ثم أورد في الباب (٥٦٥٥) حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ ابْنَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَعْدٌ وَأُبَيٌّ، نَحْسِبُ: أَنَّ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَتْ فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا السَّلَامَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَحْتَسِبْ وَلْتَصْبِرْ» فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا، فَرُفِعَ الصَّبِيُّ فِي حَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَفْسُهُ جُئِّثُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الرُّحَمَاءَ».
стр. 7696
ورواه مسلم أيضاً (٩٢٣).
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٥٦): «وقد استشكل ذلك من حيث أنَّ أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أنَّ أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبي ﷺ عاشت بعد النبي ﷺ حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة ثم عاشت عند علي حتى قتل عنها. ويجاب بأنَّ المراد بقوله في حديث الباب أنَّ ابناً لي قبض أي: قارب أن يقبض، ويدل على ذلك أنَّ في رواية حماد: أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت وفي رواية شعبة: أنَّ ابنتي قد حضرت وهو عند أبي داود من طريقه أنَّ ابني أو ابنتي وقد قدمنا أنَّ الصواب قول من قال: ابنتي لا ابني ويؤيده ما رواه الطبراني في ترجمة عبد الرحمن بن عوف في "المعجم الكبير" من طريق الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال: استعز بأمامة بنت أبي العاص فبعثت زينب بنت رسول الله ﷺ إليه تقول له فذكر نحو حديث أسامة وفيه مراجعة سعد في البكاء وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية استعز بضم المثناة وكسر المهملة وتشديد الزاي أي أشتد بها المرض واشرفت على الموت. والذي يظهر أنَّ الله تعالى أكرم نبيه ﵊ لما سلم لأمر ربه وصبر ابنته ولم
стр. 7697
يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى الله ابنة ابنته في ذلك الوقت فخلصت من تلك الشدة وعاشت تلك المدة وهذا ينبغي أن يذكر في دلائل النبوة والله المستعان» اهـ.
قُلْتُ: وتستحب عيادة الصبي وإن كان لا يميز لما في ذلك من جبر قلب الوالدين، ولما يرجى من عيادته من الدعاء له ورقيته. والله أعلم.
٥ - ويدخل في ذلك المغمى عليه.
وقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه": «باب عيادة المغمى عليه». ثم أورد في الباب (٥٦٥١) حديث عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، يَقُولُ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي، وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي أُغْمِيَ عَلَيَّ، «فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ» فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ.
ورواه مسلم أيضاً (١٦١٦).
وهكذا بوَّب عليه بمثل ذلك العلامة النسائي ﵀ في [الْكُبْرَى] (٧٤٥٦).
стр. 7698
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١٤): «قال ابن المنير فائدة الترجمة أن لا يعتقد أنَّ عيادة المغمى عليه ساقطة الفائدة لكونه لا يعلم بعائده ولكن ليس في حديث جابر التصريح بأنَّهما علما أنَّه مغمى عليه قبل عيادته فلعله وافق حضورهما. قُلْتُ: بل الظاهر من السياق وقوع ذلك حال مجيئهما وقبل دخولهما عليه ومجرد علم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية العيادة عليه لأنَّ وراء ذلك جبر خاطر أهله وما يرجى من بركة دعاء العائد ووضع يده على المريض والمسح على جسده والنفث عليه عند التعويذ إلى غير ذلك» اهـ.
٦ - ويدخل فيه عيادة صاحب الرمد.
وقد بَّوب أبو داود ﵀ في "سننه" «باب في العيادة من الرمد». وقال (٣١٠٢): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 7699
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٧٩): «وفي هذا رد على من زعم أنَّه لا يعاد من الرمد. وزعموا أنَّ هذا لأنَّ العواد يرون في بيته ما لا يراه هو. وهذا باطل من وجوه:
أحدها: هذا الحديث.
الثاني: جواز عيادة الأعمى.
الثالث: عيادة المغمى عليه، وقد جلس النبي ﷺ في بيت جابر في حال إغمائه حتى أفاق، وهو ﷺ الحجة. وهذا القول في كراهة عيادة المريض بالرمد إنَّما هو مشهور بين العوام فتلقاه بعضهم عن بعض» اهـ.
٦ - ولا يدخل في ذلك عيادة المجذوم.
لما رواه البخاري (٥٧٠٧) عن أَبِي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ».
وما رواه مسلم (٢٢٣١) عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ».
٧ - ولا يدخل في ذلك عيادة أهل البدع لإجماع السلف على هجرهم.
стр. 7700
٨ - وفيه الأمر باتباع الجنازة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣٩): «وأمَّا اتباع الجنائز فسنة بالإجماع أيضاً، وسواء فيه من يعرفه وقريبه وغيرهما» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا حملها ودفنها فمن فروض الكفايات.
وقد سبق الكلام على اتباع الجنائز في كتاب الجنائز.
٩ - وفيه الأمر بتشميت العاطس.
وهو من فروض الأعيان على الصحيح لما رواه البخاري (٦٢٢٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ». الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢١/ ١٤٧):
«والأظهر من الأحاديث المتقدمة وجوب التشميت على كل من سمعه إذا حمد الله، وهو مذهب أهل الظاهر، ويروى رواية عن مالك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٣٧): «ظاهر الحديث المبدوء به: أنَّ التشميت فرض عين على كل من سمع العاطس يحمد الله، ولا
стр. 7701
يجزئ تشميت الواحد عنهم، وهذا أحد قولي العلماء، واختاره ابن أبي زيد، وأبو بكر بن العربي المالكيان، ولا دافع له» اهـ.
قُلْتُ: وهو مشروط في حق من حمد الله، ويدل عليه الحديث السابق، وما رواه البخاري (٦٢٢١)، ومسلم (٢٩٩١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ».
وما رواه مسلم (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
وروى مسلم (٢٩٩٢) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْتِ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَعَطَسْتُ فَلَمْ يُشَمِّتْنِي، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا، فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَتْ: عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ، فَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَمْ أُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ، فَحَمِدَتِ
стр. 7702
اللهَ فَشَمَّتُّهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ، فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦١٠): «قال النووي: مقتضى هذا الحديث أنَّ من لم يحمد الله لم يشمت. قُلْتُ: هو منطوقه لكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه الجمهور على الثاني. قال: وأقل الحمد والتشميت أن يسمع صاحبه، ويؤخذ منه أنَّه إذا أتى بلفظ آخر غير الحمد لا يشمت» اهـ.
قُلْتُ: ويعرف التحميد بسماعه، وإذا لم يسمع التحميد لبعد العاطس أو غير ذلك وسمع تشميت الناس له فلا يجب عليه التشميت، وإن شمته فحسن، وذلك لاحتمال أنَّ المشمت له شمته من غير تحميد، نعم إن علم أنَّ الذين عنده لا يشمتون من لم يحمد فعليه التشميت لعموم الحديث.
وفي ذلك نزاع بين العلماء، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٧٧): «هذا تصريح بالأمر بالتشميت إذا حمد العاطس، وتصريح بالنهي عن تشميته إذا لم يحمده فيكره تشميته إذا لم يحمد، فلو حمد ولم يسمعه الإنسان لم يشمته. وقال مالك: لا يشمته حتى يسمع حمده. قال: فإن رأيت من يليه شمته فشمته» اهـ.
стр. 7703
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦١٠): «واستدل به على أنَّه يشرع التشميت لمن حمد إذا عرف السامع أنَّه حمد الله وإن لم يسمعه كما لو سمع العطسة ولم يسمع الحمد بل سمع من شمت ذلك العاطس فإنَّه يشرع له التشميت لعموم الأمر به لمن عطس فحمد. وقال النووي: المختار أنَّه يشمته من سمعه دون غيره. وحكى ابن العربي اختلافاً فيه ورجح أنَّه يشمته.
قُلْتُ: وكذا نقله ابن بطال وغيره عن مالك، واستثنى بن دقيق العيد من علم أنَّ الذين عند العاطس جهلة لا يفرقون بين تشميت من حمد وبين من لم يحمد، والتشميت متوقف على من علم أنَّه حمد فيمتنع تشميت هذا ولو شمته من عنده لأنَّه لا يعلم هل حمد أو لا فإن عطس وحمد ولم يشمته أحد فسمعه من بعد عنه استحب له أن يشمته حين يسمعه، وقد أخرج ابن عبد البر بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن أنَّه كان في سفينة فسمع عاطساً على الشط حمد فاكترى قارباً بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع فسئل عن ذلك فقال: لعله يكون مجاب الدعوة فلما رقدوا سمعوا قائلاً يقول: يا أهل السفينة إنَّ أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم» اهـ.
стр. 7704
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٤٢): «وقد اختلف الناس في مسألتين:
إحداهما: أنَّ العاطس إذا حمد الله، فسمعه بعض الحاضرين دون بعض، هل يسن لمن لم يسمعه تشميته؟ فيه قولان، والأظهر: أنَّه يشمته إذا تحقق أنَّه حمد الله، وليس المقصود سماع المشمت للحمد، وإنَّما المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميت، كما لو كان المشمت أخرس، ورأى حركة شفتيه بالحمد. والنبي ﷺ قال: "فإن حمد الله، فشمتوه" هذا هو الصواب» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر حديث أنس بن مالك وأبي موسى أنَّه لا يلقن العاطس الحمد، وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٤٢): «الثانية: إذا ترك الحمد، فهل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد؟ قال ابن العربي: لا يذكره، قال: وهذا جهل من فاعله. وقال النووي: أخطأ من زعم ذلك، بل يذكره، وهو مروي عن إبراهيم النخعي. قال: وهو من باب النصيحة، والأمر بالمعروف، والتعاون على البر والتقوى.
стр. 7705
وظاهر السنة يقوي قول ابن العربي لأنَّ النبي ﷺ لم يشمت الذى عطس ولم يحمد الله، ولم يذكره، وهذا تعزير له، وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد، فنسى الله، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيره سنة، لكان النبي ﷺ أولى بفعلها وتعليمها، والإعانة عليها» اهـ.
قُلْتُ: وقد بيَّنت السنة كيفية التشميت ورد العاطس على من شمته فيما رواه البخاري (٦٢٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
وفي رواية أبي داود (٥٠٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَيَقُولُ هُوَ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ». وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وفي الباب ما يشهد له.
قُلْتُ: و"البال" يأتي بمعنى القلب، وسعة العيش، والحال، والحديث يحتمل الدعاء بجميع ذلك.
следующие страницы →