Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.
стр. 7701
يجزئ تشميت الواحد عنهم، وهذا أحد قولي العلماء، واختاره ابن أبي زيد، وأبو بكر بن العربي المالكيان، ولا دافع له» اهـ.
قُلْتُ: وهو مشروط في حق من حمد الله، ويدل عليه الحديث السابق، وما رواه البخاري (٦٢٢١)، ومسلم (٢٩٩١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ».
وما رواه مسلم (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
وروى مسلم (٢٩٩٢) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْتِ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَعَطَسْتُ فَلَمْ يُشَمِّتْنِي، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا، فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَتْ: عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ، فَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَمْ أُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ، فَحَمِدَتِ
стр. 7702
اللهَ فَشَمَّتُّهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ، فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦١٠): «قال النووي: مقتضى هذا الحديث أنَّ من لم يحمد الله لم يشمت. قُلْتُ: هو منطوقه لكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه الجمهور على الثاني. قال: وأقل الحمد والتشميت أن يسمع صاحبه، ويؤخذ منه أنَّه إذا أتى بلفظ آخر غير الحمد لا يشمت» اهـ.
قُلْتُ: ويعرف التحميد بسماعه، وإذا لم يسمع التحميد لبعد العاطس أو غير ذلك وسمع تشميت الناس له فلا يجب عليه التشميت، وإن شمته فحسن، وذلك لاحتمال أنَّ المشمت له شمته من غير تحميد، نعم إن علم أنَّ الذين عنده لا يشمتون من لم يحمد فعليه التشميت لعموم الحديث.
وفي ذلك نزاع بين العلماء، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٧٧): «هذا تصريح بالأمر بالتشميت إذا حمد العاطس، وتصريح بالنهي عن تشميته إذا لم يحمده فيكره تشميته إذا لم يحمد، فلو حمد ولم يسمعه الإنسان لم يشمته. وقال مالك: لا يشمته حتى يسمع حمده. قال: فإن رأيت من يليه شمته فشمته» اهـ.
стр. 7703
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦١٠): «واستدل به على أنَّه يشرع التشميت لمن حمد إذا عرف السامع أنَّه حمد الله وإن لم يسمعه كما لو سمع العطسة ولم يسمع الحمد بل سمع من شمت ذلك العاطس فإنَّه يشرع له التشميت لعموم الأمر به لمن عطس فحمد. وقال النووي: المختار أنَّه يشمته من سمعه دون غيره. وحكى ابن العربي اختلافاً فيه ورجح أنَّه يشمته.
قُلْتُ: وكذا نقله ابن بطال وغيره عن مالك، واستثنى بن دقيق العيد من علم أنَّ الذين عند العاطس جهلة لا يفرقون بين تشميت من حمد وبين من لم يحمد، والتشميت متوقف على من علم أنَّه حمد فيمتنع تشميت هذا ولو شمته من عنده لأنَّه لا يعلم هل حمد أو لا فإن عطس وحمد ولم يشمته أحد فسمعه من بعد عنه استحب له أن يشمته حين يسمعه، وقد أخرج ابن عبد البر بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن أنَّه كان في سفينة فسمع عاطساً على الشط حمد فاكترى قارباً بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع فسئل عن ذلك فقال: لعله يكون مجاب الدعوة فلما رقدوا سمعوا قائلاً يقول: يا أهل السفينة إنَّ أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم» اهـ.
стр. 7704
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٤٢): «وقد اختلف الناس في مسألتين:
إحداهما: أنَّ العاطس إذا حمد الله، فسمعه بعض الحاضرين دون بعض، هل يسن لمن لم يسمعه تشميته؟ فيه قولان، والأظهر: أنَّه يشمته إذا تحقق أنَّه حمد الله، وليس المقصود سماع المشمت للحمد، وإنَّما المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميت، كما لو كان المشمت أخرس، ورأى حركة شفتيه بالحمد. والنبي ﷺ قال: "فإن حمد الله، فشمتوه" هذا هو الصواب» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر حديث أنس بن مالك وأبي موسى أنَّه لا يلقن العاطس الحمد، وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٤٢): «الثانية: إذا ترك الحمد، فهل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد؟ قال ابن العربي: لا يذكره، قال: وهذا جهل من فاعله. وقال النووي: أخطأ من زعم ذلك، بل يذكره، وهو مروي عن إبراهيم النخعي. قال: وهو من باب النصيحة، والأمر بالمعروف، والتعاون على البر والتقوى.
стр. 7705
وظاهر السنة يقوي قول ابن العربي لأنَّ النبي ﷺ لم يشمت الذى عطس ولم يحمد الله، ولم يذكره، وهذا تعزير له، وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد، فنسى الله، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيره سنة، لكان النبي ﷺ أولى بفعلها وتعليمها، والإعانة عليها» اهـ.
قُلْتُ: وقد بيَّنت السنة كيفية التشميت ورد العاطس على من شمته فيما رواه البخاري (٦٢٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
وفي رواية أبي داود (٥٠٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَيَقُولُ هُوَ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ». وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وفي الباب ما يشهد له.
قُلْتُ: و"البال" يأتي بمعنى القلب، وسعة العيش، والحال، والحديث يحتمل الدعاء بجميع ذلك.
стр. 7706
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٧٣٣)، ومن طريقه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٣)، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا عَطَسَ، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: «يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ، وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ مَوْقُوفٌ.
وروى البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٤) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -وهو ابن مسعود- قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ مَنْ يَرُدُّ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ورواية سفيان عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط.
وروى البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٢٩) حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ إِذَا شُمِّتَ: «عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ النَّارِ، يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وفي الباب ما رواه الترمذي (٤٠٤)، والنسائي (٩٣١)، وأبو داود (٧٧٣) من طريق قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِفَاعَةُ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّ أَبِيهِ
стр. 7707
مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ فَقَالَ: «مَنَ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟» فَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: «مَنَ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟» فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ ابْنِ عَفْرَاءَ: أَنَا يَا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا».
قُلْتُ: رفاعة الزرقي ذكره ابن حبان في "الثقات"، وصحح حديثه الترمذي، ومعاذ بن رفاعة قال فيه الإمام أحمد: «لم يكن به بأس». كما في [سُؤَالَاتِ أَبِي دَاوُدَ] (٢٩٥)، واحتج به البخاري في "صحيحه"، فالحديث محتمل للتحسين إن شاء الله، لا سيما ويشهد له ما ذكره الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦٠٠): «فقد أخرج أبو جعفر الطبري في التهذيب بسند لا بأس به عن أم سلمة قالت: عطس رجل عند النبي ﷺ فقال الحمد لله فقال له النبي ﷺ : "يرحمك الله". وعطس آخر فقال: الحمد
стр. 7708
لله رب العالمين حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه فقال: "ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة"» اهـ.
قُلْتُ: وأصل حديث رفاعة في البخاري (٧٩٩) من غير ذكر العطاس، قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُجْمِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ».
قُلْتُ: ويحتمل أن يقال إنَّ المحفوظ في حديث رفاعة رواية البخاري هذه. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٧٦): «قال القاضي: واختلف العلماء في كيفية الحمد والرد، واختلفت فيه الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله. وقيل: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال، وقال ابن
стр. 7709
جرير: هو مخير بين هذا كله، وهذا هو الصحيح وأجمعوا على أنَّه مأمور بالحمد لله.
وأمَّا لفظ "التشميت" فقيل: يقول: يرحمك الله، وقيل، يقول: الحمد لله يرحمك الله، وقيل: يقول: يرحمنا الله وإياكم. قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيل: يقول: يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يخير بين هذين، وهذا هو الصواب، وقد صحت الأحاديث بهما» اهـ.
قُلْتُ: قول العاطس: «الحمد لله رب العالمين». جاء فيما رواه عبد الله بن أحمد في [زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ] (٩٧٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ مَنْ حَوْلَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
قُلْتُ: وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيء الحفظ.
وجاء فيما رواه الترمذي (٢٧٤٠)، واللفظ له، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٠٥٥) من طريق مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
стр. 7710
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ القَوْمِ فِي سَفَرٍ فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَقُلْ إِلاَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ».
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَنْصُورٍ، وَقَدْ أَدْخَلُوا بَيْنَ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَسَالِمٍ رَجُلاً اهـ.
ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٠٥٦، ١٠٠٥٧) من طريق الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ الجرمي، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ آخَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَطَسَ رَجُلٌ، نَحْوَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا الصَّوَابُ عِنْدَنَا، وَالْأَوَّلُ خَطَأٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ.
قُلْتُ: أبو أحمد الزبيري يخطئ في حديث سفيان الثوري وهذا من أخطائه. وبهذا يتبين ضعف هذا الحديث من أجل إبهام الراوي عن سالم بن عبيد.
стр. 7711
وجاء فيما رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٠٥٢) أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيُقَالُ لَهُ: يَرْحَمُكُمُ اللهُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ يَرْحَمُكُمُ اللهُ فَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَلَا أَرَى جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ إِلَّا سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ، وَدَخَلَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ الْبَصْرَةَ مَرَّتَيْنِ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَحَدِيثُهُ صَحِيحٌ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ آخِرَ مَرَّةٍ فَفِي حَدِيثِهِ شَيْءٌ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدِيثُهُ عَنْهُ صَحِيحٌ اهـ.
وروى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٦١٦٥) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَمَّا نَفَخَ فِي آدَمَ، فَبَلَغَ الرُّوحُ رَأْسَهُ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَقَالَ لَهُ ﵎: يَرْحَمُكَ اللَّهُ».
стр. 7712
ورواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٦٨٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذَ الْعَدْلُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الضَّبِّيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ السَّدُوسِيُّ، قَالَا: ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو سَلَمَةَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ قَالَ: «لَمَّا نُفِخَ فِي آدَمَ الرُّوحُ فَبَلَغَ الْخَيَاشِيمَ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ اللَّهُ ﵎: يَرْحَمُكَ اللَّهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَإِنَّ إِسْنَادَهُ صَحِيحٌ بِمَرَّةَ اهـ.
قُلْتُ: الموقوف أصح وله حكم الرفع، وإسناد الموقوف صَحِيْحٌ.
وقد سبق ما رواه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٤) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -وهو ابن مسعود- قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ مَنْ يَرُدُّ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ورواية سفيان عن عطاء قبل الاختلاط فالموقوف هو الصحيح.
стр. 7713
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٥/ ٣٣٤): «يرويه عطاء بن السائب واختلف عنه، فرفعه أبيض بن أبان، وجعفر بن سليمان، عن عطاء.
ووقفه جرير، وعلي بن عاصم، والموقوف أشهر» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ المرفوع يتقوى بمثل هذه الشواهد. والله أعلم.
وأمَّا قوله في التشميت: «الحمد لله يرحمك الله». فلم أقف عليه في شيء من الأحاديث ولا الآثار.
وأمَّا قول المشمت: «يرحمنا الله وإياكم». فقد جاء فيما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٥٢٢)، وفي [الْأَدَبِ] (٣٤٤) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا شَمَّتَ الْعَاطِسَ، قَالَ: يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ، فَإِذَا عَطَسَ هُوَ فَشُمِّتَ، قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، وَيَرْحَمُنَا، وَإِيَّاكُمْ».
قُلْتُ: وقد خالف فيه ابن عجلان الإمام مالك والمحفوظ رواية الإمام مالك السابقة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩): «ولما كان العاطس قد حصلت له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة في دماغه التي لو بقيت فيه أحدثت له أدواء عسرة، شرع له حمد الله على هذه النعمة مع
стр. 7714
بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها.
ولهذا يقال: سمته وشمته - بالسين والشين - فقيل: هما بمعنى واحد، قاله أبو عبيدة وغيره. قال: وكل داع بخير، فهو مشمت ومسمت.
وقيل: بالمهملة دعاء له بحسن السمت، وبعوده إلى حالته من السكون والدعة، فإنَّ العطاس يحدث في الأعضاء حركة وانزعاجاً. وبالمعجمة: دعاء له بأن يصرف الله عنه ما يشمت به أعداءه، فشمته: إذا أزال عنه الشماتة، كقرد البعير: إذا أزال قراده عنه.
وقيل: هو دعاء له بثباته على قوائمه في طاعة الله، مأخوذ من الشوامت، وهي القوائم.
وقيل: هو تشميت له بالشيطان، لإغاظته بحمد الله على نعمة العطاس، وما حصل له به من محاب الله، فإنَّ الله يحبه، فإذا ذكر العبد الله وحمده، ساء ذلك الشيطان من وجوه:
منها: نفس العطاس الذى يحبه الله، وحمد الله عليه، ودعاء المسلمين له بالرحمة، ودعاؤه لهم بالهداية، وإصلاح البال، وذلك كله غائظ للشيطان، محزن له،
стр. 7715
فتشميت المؤمن بغيظ عدوه وحزنه وكآبته، فسمى الدعاء له بالرحمة تشميتاً له، لما في ضمنه من شماتته بعدوه، وهذا معنى لطيف إذا تنبه له العاطس والمشمت، انتفعا به، وعظمت عندهما منفعة نعمة العطاس في البدن والقلب، وتبين السر في محبة الله له، فلله الحمد الذى هو أهله كما ينبغي لكريم وجهه وعز جلاله» اهـ.
قُلْتُ: ومن آداب العطاس وضع اليد أو الثوب على الفم وخفض الصوت لما رواه أحمد (٩٦٦٠)، وأبو داود (٥٠٢٩)، والترمذي (٢٧٤٥) من طريق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بِهَا صَوْتَهُ» - شَكَّ يَحْيَى -.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
١٠ - ويخرج من الحديث من لم يحمد الله كما سبق بيان ذلك.
١١ - ويخرج من هذا من كان عطاسه من زكام.
لما رواه مسلم (٢٩٩٣) من طريق وَكِيعٍ، وَأَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَا: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ
стр. 7716
سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: «يَرْحَمُكَ اللهُ» ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الرَّجُلُ مَزْكُومٌ».
وتابعهما يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عند أبي داود (٥٠٣٧)، وبهز بن أسد العمي عند أحمد (١٦٥٤٨)، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك وحديثه عند الدارمي (٢٦٦١)، والبخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٨)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦١٠٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٦٠٣)، وابن السني في [اليَّوْمِ وَاللَّيْلَةِ] (٢٤٨)، وعاصم بن علي الواسطي عند البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٥)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦١٠٩).
ورواه الترمذي (٢٧٤٣) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا شَاهِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَرْحَمُكَ اللَّهُ»، ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ».
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 7717
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: «أَنْتَ مَزْكُومٌ». هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ المُبَارَكِ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، هَذَا الحَدِيثَ نَحْوَ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ الحَكَمِ البَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهَذَا وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، نَحْوَ رِوَايَةِ ابْنِ المُبَارَكِ، وَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: «أَنْتَ مَزْكُومٌ» حَدَّثَنَا بِذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ اهـ.
قُلْتُ: ورواية يحيى بن سعيد رواها أيضاً أحمد في [مُسْنَدِهِ] (١٦٥٧٧)، ولفظه عنده: ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ أَوِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّهُ مَزْكُومٌ».
قُلْتُ: وفي حديثهم ترك التشميت في الثالثة وهذه زيادة من ثقات مقبولة.
ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٠٥١) من طريق سُلَيْمٍ وَهُوَ ابْنُ أَخْضَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَطَسَ رَجُلٌ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: «إِنَّهُ مَزْكُومٌ».
стр. 7718
وتابعه زيد بن الحباب عند ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَفِ] (٢٦٥٠٣)،. و [الْأَدَبِ] (٣٢٣).
قُلْتُ: الرواية الماضية عن عكرمة بن عمار أصح من هذه.
ورواه ابن ماجه (٣٧١٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ».
قُلْتُ: علي بن محمد هو ابن إسحاق الطنافسي أحد الثقات، لكن خالفه محمد بن عبد الله بن نمير فرواه عن وكيع كما سبق في رواية مسلم وهو أوثق من الطنافسي.
وروى أبو داود (٥٠٣٦)، والترمذي (٢٧٤٤) من طريق عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّهِ، حُمَيْدَةَ أَوْ عُبَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «تُشَمِّتُ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُشَمِّتَهُ فَشَمِّتْهُ وَإِنْ شِئْتَ فَكُفَّ».
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ اهـ.
стр. 7719
قُلْتُ: عمر بن إسحاق مجهول، وأمه هي حميدة بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية لم يوثقها معتبر، وأبوها هو عبيد بن رفاعة لم يوثقه معتبر، ويزيد بن عبد الرحمن أبي خالد مدلس وقد عنعن، وهو مع ذلك مرسل.
وروى معمر في [جَامِعِهِ] (٢٨١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَمِّتْهُ ثَلَاثًا فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ زُكَامٌ».
وقد رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٧٣٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ، ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ، ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ، ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَقُلْ: إِنَّكَ مَضْنُوكٌ».
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ، ويتقوى بما مضى من مرسل عبيد بن رفاعة الزرقي، وما سيأتي من معضل محمد بن جعفر بن الزبير، وحديث أبي هريرة وقد اختلف في رفعه ووقفه، وبأثر ابن عمر. والله أعلم.
ومعنى: مضنوك أي: مزكوم.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٥٠٦) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ
стр. 7720
فَشَمَّتَهُ ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَطَسَ الثَّالِثَةَ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَطَسَ فِي الرَّابِعَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «إِنَّكَ مَضْنُوكٌ فَامْتَخِطْهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُعْضَلٌ، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن.
وروى أبو داود (٥٠٣٤) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ «شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا فَمَا زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ».
ورواه أبو داود (٥٠٣٥) من طريق ابن عجلان به مرفوعاً، وابن عجلان اضطربت عليه أحاديث أبي هريرة من روايته عن سعيد بن أبي سعيد المقبري.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٥٠١)، وفي [الْأَدَبِ] (٣٢١) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَهُ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: «إِنَّكَ مَضْنُوكٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وبهذا يتبين أنَّ أكثر ما ورد في الحديث هو تشميت العاطس إلى ثلاث، وقد جاء في [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةِ ابْنِهِ أَبِي الْفَضْلِ صَالِحٍ] (١/ ٣٠٨): «وسألته عن الرجل يشمت العاطس في مجلسه ثلاثاً؟ قال: أكثر ما قيل فيه ثلاث» اهـ.
стр. 7721
قُلْتُ: ولو اقتصر على المرتين فلا بأس بذلك لحديث سلمة بن الأكوع الماضي. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٤١): «فإن قيل: إذا كان به زكام، فهو أولى أن يدعى له ممن لا علة به؟ قيل: يدعى له كما يدعى للمريض، ومن به داء ووجع.
وأمَّا سنة العطاس الذى يحبه الله، وهو نعمة، ويدل على خفة البدن، وخروج الأبخرة المحتقنة، فإنَّما يكون إلى تمام الثلاث، وما زاد عليها يدعى لصاحبه بالعافية.
وقوله في هذا الحديث: "الرجل مزكوم" تنبيه على الدعاء له بالعافية، لأنَّ الزكمة علة، وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيه له على هذه العلة ليتداركها ولا يهملها، فيصعب أمرها، فكلامه ﷺ كله حكمة ورحمة، وعلم وهدى» اهـ.
قُلْتُ: وترك التشميت بعد الثالثة محمول عند التوالي أو التقارب، وأمَّا إذا كان بينهنَّ تباعد فيشمته السامع وإن زاد عن الثلاث.
وهكذا إذا توالت عليه أكثر من ثلاث فحمد الله بعدها فعلى المستمع أن يشمته.
стр. 7722
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُصْطَفَى الرُّحَيْبَانِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [مَطَالِبِ أُوِلِي النُّهَى] (٥/ ٢٨):
«فلو عطس أكثر من ثلاث متواليات شمته بعدها إذا لم يتقدم تشميت، قال في "شرح المنظومة": قولاً واحداً» اهـ.
قُلْتُ: وإذا علم الشخص من حال العاطس ابتداءً أنَّه مزكوم هل يشمته أو يدعو له بالعافية، الذي يظهر لي هو الثاني. والله أعلم.
١٢ - وهل يخرج من التشميت من تسبب في العطاس بشيء من المعالجة كشم بعض الروائح التي تهيج العطاس ونحو ذلك.
جَاءَ فِي [حَاشِيَةِ سُلَيْمَانَ الْجَمَلِ عَلَى الْمَنْهَجِ] (٢١/ ٣٤٢): «لا يشمت العاطس بعلاج لأنَّ عطاسه ليس ناشئًا عن الطبيعة» اهـ.
لكن قد يقال بالتشميت لعموم الحديث، ولما سيأتي في حديث أَبِي مُوسَى، قَالَ: كَانَ اليَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: «يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
стр. 7723
فقد كان ﵊ يرد عليهم بما يناسب حالهم مع أنَّهم يتكلفون ذلك، فهكذا المسلم إذا تكلف ذلك بشيء من المعالجة فينبغي أن يشمت. والله أعلم.
١٣ - ويخرج من ذلك من كان في صلاة.
ويدل عليه ما رواه مسلم (٥٣٧) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
قُلْتُ: وأمَّا العاطس فله أن يحمد الله تعالى لحديث رفاعة الماضي.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦٠٨): «واستدل بأمر العاطس بحمد الله أنَّه يشرع حتى للمصلي وقد تقدمت الإشارة إلى حديث
стр. 7724
رفاعة بن رافع في باب الحمد للعاطس وبذلك قال الجمهور من الصحابة والأئمة بعدهم وبه قال مالك والشافعي وأحمد ونقل الترمذي عن بعض التابعين أنَّ ذلك يشرع في النافلة لا في الفريضة ويحمد مع ذلك في نفسه، وجوز شيخنا في شرح الترمذي أن يكون مراده أنَّه يسر به ولا يجهر به وهو متعقب مع ذلك بحديث رفاعة بن رافع فإنَّه جهر بذلك ولم ينكر النبي ﷺ عليه نعم يفرق بين أن يكون في قراءة الفاتحة أو غيرها من أجل اشتراط الموالاة في قراءتها، وجزم بن العربي من المالكية بأنَّ العاطس في الصلاة يحمد في نفسه ونقل عن سحنون أنَّه لا يحمد حتى يفرغ وتعقبه بأنَّه غلو» اهـ.
١٤ - ويخرج من هذا أيضاً تشميت المستمع للخطبة.
لما رواه البخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ». مع أنَّ هذا القول من إنكار المنكر، فدل ذلك على أنَّ من حضر الخطبة فيمنع من الكلام مطلقاً.
١٥ - ويخرج من ذلك من سمع عاطساً حمد الله وهو في حالة غير مناسبة للتشميت كمن كان في الخلاء أو في حال جماع.
стр. 7725
١٦ - وهل يدخل في ذلك تشميت الرجل للمرأة والعكس؟
الذي يظهر لي أنَّه يشرع ذلك في حق المحارم ومن لا إربة له من الرجال، ويشرع ذلك في حق المرأة العجوز، وأمَّا الشابة من غير المحارم فله أن يشمتها من غير أن يسمعها، ولا يشرع اسماعها خشية الفتنة ودرء المفاسد مقدمة على جلب المصالح.
وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ السُّنَّةِ] (١٢/ ٣١١): «وسئل معمر: هل يشمت المرأة الرجل إذا عطست؟ قال: نعم لا بأس بذلك. قُلْتُ: وكذلك تشميت المرأة، المرأة، والمرأة الرجل» اهـ.
قُلْتُ: وروى معمر في [جَامِعِهِ] (١٩٦٨١) عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ إِذَا تَتَابَعَ عَلَيْهِ الْعُطَاسُ ثَلَاثًا»، وَقَالَ رَجُلٌ لِمَعْمَرٍ: هَلْ يُشَمِّتُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إِذَا عَطَسَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (٨/ ١١):
«وَكَذَلِكَ: تشميت الْعَاطِس، وَلَو سلم على جمَاعَة وَفِيهِمْ صبي فَرد الصَّبِي إِنْ كَانَ لَا يعقل لَا يَصح، وَإِنْ كَانَ يعقل هَلْ يَصح؟ فِيهِ اخْتِلَاف، وَيجب على الْمَرْأَة رد
стр. 7726
سَلام الرجل وَلَا ترفع صَوتهَا لِأَنَّ صَوتهَا عَورَة، وَإِنْ سلمت عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ عجوزًا رد عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَابة رد فِي نَفسه، وعَلى هَذَا التَّفْصِيل تشميت الرجل الْمَرْأَة وَبِالْعَكْسِ» اهـ.
وَقَالَ حَرْبٌ ﵀ فِي [مَسَائِلِهِ] (٢/ ٨٧٥):
«قلت لأحمد: فالرجل يشمت المرأة إذا عطست. قال: إن أراد إن يستنطقها ليسمع كلامها فلا، لأنَّ الكلام فتنة، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمتهن» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (٢/ ٣٤١):
«قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ لَا يُشَمِّتُ الرَّجُلُ الشَّابَّةَ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى لِلرَّجُلِ أَنْ يُشَمِّتَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً وَقِيلَ: عَجُوزًا وَشَابَّةً بَرْزَةً وَلَا تُشَمِّتُهُ هِيَ وَقِيلَ: لَا يُشَمِّتُهَا.
وَقَالَ السَّامِرِيُّ: يُكْرَهُ أَنْ يُشَمِّتَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إذَا عَطَسَتْ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْعَجُوزِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ الْعُبَّادِ فَعَطَسَتْ امْرَأَةُ أَحْمَدَ فَقَالَ لَهَا الْعَابِدُ: يَرْحَمُكِ اللَّهُ فَقَالَ أَحْمَد ﵀: عَابِدٌ جَاهِلٌ انْتَهَى كَلَامُهُ.
стр. 7727
وَقَالَ حَرْبٌ قُلْتُ: لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يُشَمِّتُ الْمَرْأَةَ إذَا عَطَسَتْ؟ فَقَالَ إنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنْطِقَهَا وَيَسْمَعَ كَلَامَهَا فَلَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِتْنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشَمِّتَهُنَّ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيهِ عُمُومٌ فِي الشَّابَّةِ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُشَمِّتُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إذَا عَطَسَتْ قَالَ: نَعَمْ قَدْ شَمَّتَ أَبُو مُوسَى امْرَأَتَهُ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً تَمُرُّ أَوْ جَالِسَةً فَعَطَسَتْ أُشَمِّتُهَا قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَيُشَمِّتُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْبَرْزَةَ وَيُكْرَهُ لِلشَّابَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُشَمِّتُ الْمَرْأَةَ الْبَزْرَةَ وَتُشَمِّتُهُ وَلَا يُشَمِّتُ الشَّابَّةَ وَلَا تُشَمِّتُهُ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ تَشْمِيتُ الْمَرْأَةِ الْبَرْزَةِ وَالْعَجُوزِ وَيُكْرَهُ لِلشَّابَّةِ الْخَفِرَةِ فَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ هَلْ يُشَمِّتُ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهَا أَمْ لَا وَيُشَمِّتُهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَغَيْرِهَا وَسَبَقَتْ نُصُوصُهُ فِي التَّسْلِيمِ عَلَيْهَا مِثْلُ هَذَا، وَلَا فَرْقَ وَسَبَقَ أَنَّ صَاحِبَ النَّظْمِ سَوَّى بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّشْمِيتِ، وَقِيلَ: يُشَمِّتُ عَجُوزًا أَوْ شَابَّةً بَرْزَةً وَمَنْ قُلْنَا: يُشَمِّتُهَا فَإِنَّهَا تُشَمِّتُهُ وَعَلَى مَا فِي الرِّعَايَةِ لَا» اهـ.
١٧ - ويخرج من ذلك من شرع هجره كأهل البدع.
стр. 7728
١٨ - ويشرع تشميت الكافر بما رواه أحمد (١٩٦٠١)، وأبو داود (٥٠٣٨)، والترمذي (٢٧٣٩) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ دَيْلَمَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كَانَ اليَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: «يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
١٩ - ويدخل في الحديث من تتابع عليه العطاس من غير زكام ولم يحمد الله إلَّا في آخرها فإنَّه يشمت على قدر تحميده فإنَّ حمد واحدة للجميع شمت مرة واحدة وإن حمد لكل عطسة شمت على قدر ذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦٠٥): «فلو تتابع ولم يحمد لغلبة العطاس عليه ثم كرر الحمد بعدد العطاس فهل يشمت بعدد الحمد فيه نظر وظاهر الخبر نعم» اهـ.
٢٠ - وفي الحديث الأمر بإبرار القسم أو المقسم، وهو أن يفعل ما أراده الحالف ليصير بذلك باراً.
وهذا مشروط بعدم الإثم أو الحرج على المقسم عليه.
стр. 7729
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٣٨): «وإبرار القسم ندب وحض إذا أقسم الرجل على أخيه في شيء لا مكروه فيه ولا يشق عليه، فعليه أن يبر قسمه، وذلك من مكارم الأخلاق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣٩): «وأمَّا إبرار القسم فهو سنة أيضاً مستحبة متأكدة وإنَّما يندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة أو خوف ضرر أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لم يبر قسمه كما ثبت أنَّ أبا بكر ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرة النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : "أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً" فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني فقال: "لا تقسم" ولم يخبره» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث رواه البخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، ﵄، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
стр. 7730
يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اعْبُرْهَا» قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنَ العَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالقُرْآنُ، حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا» قَالَ: فَوَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ، قَالَ: «لَا تُقْسِمْ».
٢١ - وفيه الأمر بنصرة المظلوم، وهو من فروض الكفاية، ويتعين على ولي أمر المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٧٣): «نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فمن قام به سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على كل من له قدرة على نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه» اهـ.
стр. 7731
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣٩): «وأمَّا نصر المظلوم فمن فروض الكفاية، وهو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنَّما يتوجه الأمر به على من قدر عليه، ولم يخف ضرراً» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٩٩): «وشرط الناصر أن يكون عالماً بكون الفعل ظلماً» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاءت السنة أيضاً بنصر الظالم، وذلك يكون بحجزه عن ظلمه، وذلك فيما رواه البخاري (٦٩٥٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ».
وروى مسلم (٢٥٨٤) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرُ أَوِ الْمُهَاجِرُونَ، يَا لَلْمُهَاجِرِينَ وَنَادَى الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا هَذَا دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، قَالَ:
стр. 7732
«فَلَا بَأْسَ وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ».
٢٢ - وفيه الأمر بإجابة الدعوى.
وقد سبق الكلام على إجابة الدعوى في كتاب النكاح بما فيه الكفاية والحمد لله.
٢٣ - وفيه الأمر بإشفاء السلام، وهو إشاعته وإكثاره، والسلام سنة اتفاقاً إلَّا السلام من الصلاة، والسلام لرفع الهجر فهو واجب، والرد فريضة على الكفاية في مذهب أكثر العلماء خلافاً للحنفية.
قُلْتُ: وأمَّا من تحمل سلام الغير فيجب عليه أداؤه لأنَّه من باب تحمل الأمانة وأداؤها وهذا مما يجب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (١/ ٤١٩): «وهذا ينبغي أن يجب إذا تحمله لأنَّه مأمور بأداء الأمانة، وإلَّا فلا يجب» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٣٨): «والتحقيق أنَّ الرسول إنِ ألتزمه أشبه الأمانة، وإلَّا فوديعة، والودائع إذا لم تقبل لم يلزمه شيء» اهـ.
стр. 7733
وإفشاء السلام من أسباب المودة بين المسلمين ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
ومن أجل ذلك حرص السلف عليه، ومن أعجب ما قرأت من حرص السلف على ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٧٢٦)، ومن طريقه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (١٠٠٦)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٨٤١١)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَةِ] (١/ ٣١٠) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَاطٍ، وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ، وَلَا مِسْكِينٍ، وَلَا أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ؟ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيِّعِ، وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلَا تَسُومُ بِهَا، وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟ قَالَ: وَأَقُولُ اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ، قَالَ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «يَا أَبَا بَطْنٍ - وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ - إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ، نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا».
стр. 7734
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وقد بيَّن النبي ﷺ من الذي يبدأ بالسلام في صحيح سنته فروى البخاري (٦٢٣٣)، ومسلم (٢١٦٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ».
وفي لفظ للبخاري (٦٢٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ».
قُلْتُ: وإذا التقى راكب كبير وماشٍ صغير، فالذي يظهر لي أنَّ الكبير هو الذي يبتدئ بالسلام لعموم الحديث، وحديث تسليم الصغير على الكبير يكون عند التساوي بالمشي أو الركوب. والله أعلم.
وإذا كثر الراكبون وقلَّ القاعدون، أو مرَّ كبير على صغير قاعد، فالذي يظهر لي أنَّ الوارد يبدأ بالسلام مطلقاً.
ويدل على ذلك ما سيأتي من تسليم النبي ﷺ على الصبيان عند مروره عليهم.
стр. 7735
وما رواه البخاري (٦٢٢٩)، ومسلم (٢١٢١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: «إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ».
والشاهد أنَّ النبي ﷺ جعل على الجالسين رد السلام لا الابتداء به.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٦): «لكن لو عكس الأمر فمر جمع كثير على جمع قليل وكذا لو مرَّ الصغير على الكبير لم أر فيهما نصاً واعتبر النووي المرور فقال: الوارد يبدأ سواء كان صغيراً أم كبيراً قليلاً أم كثيراً» اهـ.
قُلْتُ: وكلام الْعَلَّامَة الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٤/ ٥٩٩) حيث قال:
«فأمَّا إذا ورد على قاعد أو قوم فإنَّ الوارد يبدأ بالسلام سواء كان صغيراً أو كبيراً قليلاً أو كثيراً» اهـ. وهكذا في [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢٢٩).
стр. 7736
وَقَالَ فِي [الْإِقْنَاعِ] (١/ ٢٣٩): «ويسن أن يسلم الصغير والقليل والماشي والراكب على ضدهم فإن عكس حصلت السنة هذا إذا تلاقوا في طريق أمَّا إذا وردوا على قاعد أو قعود فإنَّ الوارد يبدأ مطلقاً» اهـ.
قُلْتُ: وإذا كان كثر الراكبون، وقل الماشون فقد يقال: لا يتعين أحدهما بالبداءة بالسلام لاستواء الحالين من غير مرجح، وقد يقال: يبدأ الراكب فإنَّ الراكب مع الماشي كالماشي مع القاعد، وقد سبق أنَّ الوارد هو الذي يبدأ بالسلام مطلقًا وهذا أظهر القولين. والله أعلم.
وقد تنازع العلماء في السلام هل هو اسم من أسماء الله تعالى أم المراد به الدعاء بالسلامة من الشرور، والصحيح أنَّ فيه المعنيين جميعاً.
أمَّا المعنى الأول: فيدل عليه ما رواه البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ
стр. 7737
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو».
ويدل عليه أيضاً ما رواه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٨٩) حَدَّثَنَا شِهَابٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَضَعَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، فَأَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وشهاب هو ابن عباد العبدي.
ويكون على هذا المعنى قول المسلم: السلام عليكم. أي: اسم السلام عليكم، والمعنى: نزلت بركة اسمه عليكم، وحلت عليكم.
ومما يدل على أنَّه يتوسل به في طلب السلامة مجيئه منكراً في قول المُسلِّم: «سلام عليكم».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ١٤٢): «القول الثاني: أنَّ السلام مصدر بمعنى السلامة وهم المطلوب المدعو به عند التحية.
ومن حجة أصحاب هذا القول أنَّه يذكر بلا ألف ولام بل يقول المسلم: سلام عليكم ولو كان اسماً من أسماء الله لم يستعمل كذلك بل كان يطلق عليه معرفة كما
стр. 7738
يطلق عليه سائر أسمائه الحسنى فيقال: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر فإنَّ التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين فضلاً عن أن يصرفه إلى الله وحده بخلاف المعرف فإنَّه ينصرف إليه تعييناً إذا ذكرت أسماؤه الحسنى.
ومن حججهم أيضاً أنَّ عطف الرحمة والبركة عليه في قوله: "سلام عليكم ورحمة الله وبركاته" يدل على أنَّ المراد به المصدر ولهذا عطف عليه مصدرين مثله».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢/ ١٤٣): «وفصل الخطاب في هذه المسألة أن يقال: الحق في مجموع القولين فلكل منهما بعض الحق والصواب في مجموعهما».
إِلَى أَنْ قَالَ: «وإذا ثبت هذا فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه السلامة فتضمن لفظ السلام معنيين:
أحدهما: ذكر الله كما في حديث ابن عمر، والثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم فقد تضمن سلام عليكم اسماً من أسماء الله وطلب السلامة منه فتأمل هذه الفائدة» اهـ.
فائدة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ١٧٨): «وأمَّا السؤال العشرون: وهو ما الحكمة في اقتران الرحمة والبركة بالسلام؟.
стр. 7739
فالجواب عنه أن يقال: لما كان الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلَّا بثلاثة أشياء:
أحدها: سلامته من الشر ومن كل ما يضاد حياته وعيشه، والثاني: حصول الخير له، والثالث: دوامه وثباته له فإنَّ بهذه الثلاثة يكمل انتفاعه بالحياة شرعت التحية متضمنة للثلاثة فقوله: سلام عليكم يتضمن السلامة من الشر، وقوله: ورحمة الله يتضمن حصول الخير، وقوله: وبركاته يتضمن دوامه وثباته كما هو موضوع لفظ البركة وهو كثرة الخير واستمراره» اهـ.
٢٤ - ويخرج من ذلك السلام على الكافر، والمصر على المعصية أو البدعة حتى تظهر توبته.
فأمَّا الكافر فلما رواه مسلم (٢١٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦): «لكن قد قيل: إنَّ هذا كان في قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة قال: "لا تبدؤوهم بالسلام" فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقاً، أو يختص بمن كانت حاله بمثل
стр. 7740
حال أولئك؟ هذا موضع نظر، ولكن قد روى مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق، فاضطروه إلى أضيقه" والظاهر أنَّ هذا حكم عام.
وقد اختلف السلف والخلف في ذلك، فقال أكثرهم: لا يبدؤون بالسلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يرد عليهم، روى ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة، وابن محيريز، وهو وجه في مذهب الشافعي ﵀، لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السلام عليك، فقط بدون ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد، وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون له إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضى ذلك، يروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وعلقمة. وقال الأوزاعي: إن سلمت، فقد سلم الصالحون، وإن تركت، فقد ترك الصالحون.
واختلفوا في وجوب الرد عليهم، فالجمهور على وجوبه، وهو الصواب، وقالت طائفة: لا يجب الرد عليهم، كما لا يجب على أهل البدع وأولى، والصواب الأول،
следующие страницы →