Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.
стр. 7736
وَقَالَ فِي [الْإِقْنَاعِ] (١/ ٢٣٩): «ويسن أن يسلم الصغير والقليل والماشي والراكب على ضدهم فإن عكس حصلت السنة هذا إذا تلاقوا في طريق أمَّا إذا وردوا على قاعد أو قعود فإنَّ الوارد يبدأ مطلقاً» اهـ.
قُلْتُ: وإذا كان كثر الراكبون، وقل الماشون فقد يقال: لا يتعين أحدهما بالبداءة بالسلام لاستواء الحالين من غير مرجح، وقد يقال: يبدأ الراكب فإنَّ الراكب مع الماشي كالماشي مع القاعد، وقد سبق أنَّ الوارد هو الذي يبدأ بالسلام مطلقًا وهذا أظهر القولين. والله أعلم.
وقد تنازع العلماء في السلام هل هو اسم من أسماء الله تعالى أم المراد به الدعاء بالسلامة من الشرور، والصحيح أنَّ فيه المعنيين جميعاً.
أمَّا المعنى الأول: فيدل عليه ما رواه البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ
стр. 7737
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو».
ويدل عليه أيضاً ما رواه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٨٩) حَدَّثَنَا شِهَابٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَضَعَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، فَأَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وشهاب هو ابن عباد العبدي.
ويكون على هذا المعنى قول المسلم: السلام عليكم. أي: اسم السلام عليكم، والمعنى: نزلت بركة اسمه عليكم، وحلت عليكم.
ومما يدل على أنَّه يتوسل به في طلب السلامة مجيئه منكراً في قول المُسلِّم: «سلام عليكم».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ١٤٢): «القول الثاني: أنَّ السلام مصدر بمعنى السلامة وهم المطلوب المدعو به عند التحية.
ومن حجة أصحاب هذا القول أنَّه يذكر بلا ألف ولام بل يقول المسلم: سلام عليكم ولو كان اسماً من أسماء الله لم يستعمل كذلك بل كان يطلق عليه معرفة كما
стр. 7738
يطلق عليه سائر أسمائه الحسنى فيقال: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر فإنَّ التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين فضلاً عن أن يصرفه إلى الله وحده بخلاف المعرف فإنَّه ينصرف إليه تعييناً إذا ذكرت أسماؤه الحسنى.
ومن حججهم أيضاً أنَّ عطف الرحمة والبركة عليه في قوله: "سلام عليكم ورحمة الله وبركاته" يدل على أنَّ المراد به المصدر ولهذا عطف عليه مصدرين مثله».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢/ ١٤٣): «وفصل الخطاب في هذه المسألة أن يقال: الحق في مجموع القولين فلكل منهما بعض الحق والصواب في مجموعهما».
إِلَى أَنْ قَالَ: «وإذا ثبت هذا فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه السلامة فتضمن لفظ السلام معنيين:
أحدهما: ذكر الله كما في حديث ابن عمر، والثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم فقد تضمن سلام عليكم اسماً من أسماء الله وطلب السلامة منه فتأمل هذه الفائدة» اهـ.
فائدة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ١٧٨): «وأمَّا السؤال العشرون: وهو ما الحكمة في اقتران الرحمة والبركة بالسلام؟.
стр. 7739
فالجواب عنه أن يقال: لما كان الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلَّا بثلاثة أشياء:
أحدها: سلامته من الشر ومن كل ما يضاد حياته وعيشه، والثاني: حصول الخير له، والثالث: دوامه وثباته له فإنَّ بهذه الثلاثة يكمل انتفاعه بالحياة شرعت التحية متضمنة للثلاثة فقوله: سلام عليكم يتضمن السلامة من الشر، وقوله: ورحمة الله يتضمن حصول الخير، وقوله: وبركاته يتضمن دوامه وثباته كما هو موضوع لفظ البركة وهو كثرة الخير واستمراره» اهـ.
٢٤ - ويخرج من ذلك السلام على الكافر، والمصر على المعصية أو البدعة حتى تظهر توبته.
فأمَّا الكافر فلما رواه مسلم (٢١٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦): «لكن قد قيل: إنَّ هذا كان في قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة قال: "لا تبدؤوهم بالسلام" فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقاً، أو يختص بمن كانت حاله بمثل
стр. 7740
حال أولئك؟ هذا موضع نظر، ولكن قد روى مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق، فاضطروه إلى أضيقه" والظاهر أنَّ هذا حكم عام.
وقد اختلف السلف والخلف في ذلك، فقال أكثرهم: لا يبدؤون بالسلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يرد عليهم، روى ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة، وابن محيريز، وهو وجه في مذهب الشافعي ﵀، لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السلام عليك، فقط بدون ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد، وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون له إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضى ذلك، يروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وعلقمة. وقال الأوزاعي: إن سلمت، فقد سلم الصالحون، وإن تركت، فقد ترك الصالحون.
واختلفوا في وجوب الرد عليهم، فالجمهور على وجوبه، وهو الصواب، وقالت طائفة: لا يجب الرد عليهم، كما لا يجب على أهل البدع وأولى، والصواب الأول،
стр. 7741
والفرق أنَّا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيراً لهم، وتحذيراً منهم، بخلاف أهل الذمة» اهـ.
وأمَّا قول الله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] ليس المراد به التحية، وإنَّما كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. أي: قالوا قولاً سلاماً أي سداداً وصواباً وسليماً من الفحش والخنا ليس مثل قول الجاهلين الذين يخاطبونهم بالجهل.
وأمَّا قول إبراهيم ﵊ لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] فأكثر أهل العلم حملوا ذلك على غير التحية فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٥/ ٥٥٥): «يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه حين توعده على نصيحته إياه ودعائه إلى الله بالقول السيئ والعقوبة: سلام عليك يا أبت، يقول: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولدعائك إلي ما توعدتني عليه بالعقوبة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١١/ ١١١): «والجمهور على أنَّ المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية» اهـ.
стр. 7742
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٢٣٦): «يعني: أمَّا أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا عند مكاتبة الكفار فالسنة في ذلك أن يكتب لهم: «سلام على من اتبع الهدى». وهكذا كان النبي ﷺ يكاتب الكفار كما كاتب بذلك هرقل وهو ثابت في البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣) من حديث ابن عباس.
وأمَّا قول الله تعالى في شأن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧].
فليس هذا من قبيل التحية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١١/ ٢٠٣): «قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله وعذابه. قال: وليس بتحية، والدليل على ذلك أنَّه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٢٧٦): «ليس المراد منه التحية، إنَّما معناه سلم من عذاب الله من أسلم» اهـ.
стр. 7743
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٣٩٦): «وأمَّا قول موسى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ فليس بسلام تحية فإنَّه لم يبتدئ به فرعون بل هو خبر محض فإنَّ من اتبع الهدى له السلام المطلق دون من خالفه فإنَّه قال له: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ أفلا ترى أنَّ هذا ليس بتحية في ابتداء الكلام ولا خاتمته وإنَّما وقع متوسطاً بين الكلامين إخباراً محضاً عن وقوع السلامة وحلولها على من اتبع الهدي ففيه استدعاء لفرعون وترغيب له بما جبلت النفوس على حبه وإيثاره من السلامة وأنَّه إن اتبع الهدى الذي جاءه به فهو من أهل السلام والله تعالى أعلم» اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٥١٠) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: كَيْفَ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ قُلْتَ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَأَلِجُ؟».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٨٤١، ١٩٤٥٩) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «التَّسْلِيمُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمُ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى».
стр. 7744
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وأمَّا رد السلام عليهم فقد جاء مبيناً فيما رواه البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ».
وقد بيَّن النبي ﷺ السبب في مثل هذا الرد فيما رواه البخاري (٦٢٥٧)، ومسلم (٢١٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ، فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ».
لكن لو أفصح بالسلام وتحقق أنَّه أتى به بلفظه من غير تحريف له فذهب بعض العلماء أنَّه يرد عليهم بقوله: وعليكم السلام. وذلك لانتفاء العلة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢٢٦): «فصل: إذا تحقق من قول الذمي سلام عليك.
هذا كله إذا تحقق أنَّه قال: السام عليكم أو شك فيما قال: فلو تحقق السامع أنَّ الذمي قال له: "سلام عليكم" لا شك فيه فهل له أن يقول وعليك السلام أو يقتصر على قوله وعليك فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال:
стр. 7745
له وعليك السلام فإنَّ هذا من باب العدل والله يأمر بالعدل والإحسان وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فندب إلى الفضل وأوجب العدل.
ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما فإنَّه ﷺ إنَّما أمر بالاقتصار على قول الراد "وعليكم" بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم وأشار إليه في حديث عائشة ﵂ فقالت: "ألا ترينني قلت وعليكم لما قالوا: السام عليكم" ثم قال: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنَّما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾. فإذا زال هذا السبب وقال: الكتابي سلام عليكم ورحمة الله فالعدل في التحية يقتضي أن يرد عليه نظير سلامه وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مذهب قوي. والله أعلم.
وأمَّا ترك السلام ورده على أهل المعاصي حتى تظهر توبتهم فلما رواه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) عن كعب بن مالك وفي حديثه أنَّه قال: «وَنَهَى
стр. 7746
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ القَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟».
وإذا كان هذا فيمن وقع بمعصية فمن وقع ببدعة من باب أولى.
٢٥ - ويخرج من ذلك قاضي الحاجة.
لما رواه مسلم (٣٧٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٢/ ٨٦): «فيه أنَّ المسلم في هذا الحال لا يستحق جواباً، وهذا متفق عليه. قال أصحابنا: ويكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط، فإن سلم عليه كره له رد السلام» اهـ.
стр. 7747
وإذا قضى حاجته فله أن يرد عليه بعد تيممه لما رواه البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩) معلقاً عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ».
٢٦ - ويخرج من ذلك السلام على مستمع الخطبة.
٢٧ - ولا يدخل في إفشاء السلام، السلام على النساء الشابات من غير المحارم لما في ذلك من الفتنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤١٢): «وهذا هو الصواب في مسألة السلام على النساء: يسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٠٢): «وأمَّا النساء فإن كنَّ جميعاً سلم عليهن، وإن كانت واحدة سلم عليها النساء وزوجها وسيدها ومحرمها، سواء كانت جميلة أو غيرها. وأمَّا الأجنبي فإن كانت عجوزاً لا تشتهى استحب له السلام عليها، واستحب لها السلام عليه، ومن سلم منهما لزم الآخر
стр. 7748
رد السلام عليه. وإن كانت شابة أو عجوزاً تشتهى لم يسلم عليها الأجنبي، ولم تسلم عليه. ومن سلم منهما لم يستحق جواباً، ويكره رد جوابه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال ربيعة: لا يسلم الرجال على النساء، ولا النساء على الرجال، وهذا غلط. وقال الكوفيون: لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن فيهن محرم. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في التسليم على العجوز ما رواه البخاري (٦٢٤٨) من طريق ابْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ:
«كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ- قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ - فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ وَمَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ».
٢٨ - ويدخل في إفشاء السلام، السلام مع قرب العهد.
ويدل عليه ما رواه أبو داود (٥٢٠٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي
стр. 7749
هُرَيْرَةَ، قَالَ: «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ، أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْضًا».
قَالَ مُعَاوِيَةُ: وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ سَوَاءٌ.
قُلْتُ: إِسْنَادُ الْمَرْفُوْعِ حَسَنٌ.
وما رواه ابن السني في [عَمَلِ اليَّوْمِ وَاللَّيْلَةِ] (٢٤٤) أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثنا ثَابِتٌ، وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَمَاشَوْنَ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَتْهُمْ شَجَرَةٌ أَوْ أَكَمَةٌ، فَتَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، ثُمَّ الْتَقَوْا مِنْ وَرَائِهَا، سَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وأبو القاسم بن منيع هو الحافظ البغوي، قَالَ الْعَلَّامَةُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (١٤/ ٤٤١): «البغوي عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ابن المرزبان بن سابور بن شاهنشاه، الحافظ، الإمام، الحجة، المعمر، مسند العصر، أبو القاسم البغوي الأصل، البغدادي الدار والمولد.
стр. 7750
منسوب إلى مدينة بغشور من مدائن إقليم خراسان، وهي على مسيرة يوم من هراة.
كان أبوه وعمه الحافظ علي بن عبد العزيز البغوي منها.
وهو أبو القاسم بن منيع نسبة إلى جده لأمه الحافظ أبي جعفر أحمد بن منيع البغوي الأصم» اهـ.
ورواه البيهقي في [الشُّعَبِ] (٨٤٧٢) من طريق حميد عن أنس به.
ويدل عليه أيضاً ما رواه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَدَّ وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا».
٢٩ - ومن إفشاء السلام، السلام على الصبيان.
стр. 7751
وقد روى البخاري (٦٢٤٧)، ومسلم (٢١٦٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» وَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٩/ ٢٧): «سلام النبي ﷺ على الصبيان من خلقه العظيم، وأدبه الشريف وتواضعه ﵇، وفيه تدريب لهم على تعليم السنن، ورياضة لهم على آداب الشريعة ليبلغوا حد التكليف وهم متأدبون بأدب الإسلام، وقد كان ﵇ يمازح الصبيان ويداعبهم ليقتدى به في ذلك، فما فعل شيئاً إلَّا ليسن لأمته الاقتداء به، والاقتداء لأثره، وفى ممازحته للصبيان تذليل النفس على التواضع ونفى التكبر عنها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٠٢): «ففيه استحباب السلام على الصبيان المميزين، والندب إلى التواضع، وبذل السلام للناس كلهم، وبيان تواضعه ﷺ ، وكمال شفقته على العالمين. واتفق العلماء على استحباب السلام على الصبيان، ولو سلم على رجال وصبيان فرد السلام صبي منهم هل يسقط فرض الرد عن الرجال؟ ففيه وجهان لأصحابنا: أصحهما
стр. 7752
يسقط. ومثله الخلاف في صلاة الجنازة هل يسقط فرضها بصلاة الصبي؟ الأصح سقوطه، ونص عليه الشافعي، ولو سلم الصبي على رجل لزم الرجل رد السلام. وهذا هو الصواب الذي أطبق عليه الجمهور. وقال بعض أصحابنا: لا يجب، وهو ضعيف أو غلط» اهـ.
قُلْتُ: وفي ذكره للاتفاق نظر فقد قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٣٢): «قوله: باب التسليم على الصبيان.
سقط لفظ باب لأبي ذر وكأنَّه ترجم بذلك للرد على من قال: لا يشرع لأنَّ الرد فرض وليس الصبي من أهل الفرض وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أشعث قال: كان الحسن لا يرى التسليم على الصبيان. وعن ابن سيرين أنَّه كان يسلم على الصبيان ولا يسمعهم» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن سيرين رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٧٧٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: «كَانَ مُحَمَّدٌ يُسَلِّمُ عَلَى الصِّبْيَانِ، وَلَا يُسْمِعُهُمْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وأمَّا أثر الحسن فلم أقف عليه ولعله موجود في بعض النسخ دون بعض.
٣٠ - ومن إفشاء السلام، السلام عند الانصراف من المجلس.
стр. 7753
ويدل عليه ما رواه أحمد (٧٨٣٩، ٩٦٦٢)، وأبو داود (٥٢٠٨)، والترمذي (٢٧٠٦)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٢٠١) من طريق ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ، فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ، فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وأمَّا السلام عند الانصراف من المسجد فقد أجازه بعض العلماء، ومنهم الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "فتاوى نور على الدرب": «أمَّا إذا سلم عند الانصراف من المسجد فلا أرى في هذا بأسًا وإن كنت لا أعلم أنَّ في ذلك سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن عموم الأدلة في مشروعية السلام عند الانصراف قد تدخل فيه هذه المسألة» اهـ.
قُلْتُ: وفي هذا نظر، والأظهر ترك ذلك، إذ لو كان من السنن لنقل، ولا أعلم أحد ممن تقدم استحب ذلك.
٣١ - ومن إفشاء السلام، السلام عند دخول البيوت ومن ذلك المساجد.
стр. 7754
لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١].
وكان من أدب النبي ﷺ أنَّه إذا دخل منزله ليلاً سلم سلاماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان، كما جاء ذلك فيما رواه مسلم (٢٠٥٥) عَنِ الْمِقْدَادِ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا»، قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، قَالَ: ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ، فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ، وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ، فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا صَنَعْتَ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ، فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ، وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ
стр. 7755
رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ، قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ، فَقَالَ: «اللهُمَّ، أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي»، قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ، فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ، وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ، قَالَ: فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا وَفَعَلْتُ كَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ،
стр. 7756
أَفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا»، قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ.
٣٢ - ويدخل في إفشاء السلام، السلام على من عرفه الشخص ومن لم يعرفه لما رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».
٣٣ - ومن إفشاء السلام تكريره ثلاثاً إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
لما رواه البخاري (٩٤) عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ «إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤١٨ - ٤١٩): «ولعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد، أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث، إن ظن أنَّ الأول لم يحصل به الإسماع كما سلم لما انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثاً، فلما لم يجبه أحد رجع، وإلَّا فلو كان هديه الدائم التسليم ثلاثاً لكان أصحابه يسلمون عليه كذلك، وكان يسلم على كل من
стр. 7757
لقيه ثلاثاً، وإذا دخل بيته ثلاثاً، ومن تأمل هديه، علم أنَّ الأمر ليس كذلك، وأنَّ تكرار السلام كان منه أمراً عارضاً في بعض الأحيان، والله أعلم» اهـ.
٣٣ - ومن إفشاء السلام، السلام عند الاستئذان.
ويدل عليه ما رواه أبو داود (٥١٧٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مَنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَادِمِهِ: «اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟». فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَخَلَ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٣٤ - وليس في الحديث بيان لصيغة السلام، وقد جاء بيان ذلك فيما رواه البخاري (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ المَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ السَّلَامُ
стр. 7758
عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ».
قُلْتُ: وأقل السلام أن يقول للجماعة السلام عليكم، وللفرد السلام عليك، أو سلام عليكم، أو سلام عليك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٩١):
«وأقل السلام أن يقول: السلام عليكم، فإن كان المسلم عليه واحداً فأقله السلام عليك» اهـ.
قُلْتُ: وأتمه أن يضيف في سلامه الرحمة والبركة.
فقد روى أحمد (١٩٩٦٢)، وأبو داود (٥١٩٥)، والترمذي (٢٦٨٩) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عَشْرٌ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: «عِشْرُونَ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ثَلَاثُونَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
стр. 7759
قُلْتُ: وجاء في بعض الأحاديث زيادة "ومغفرته"، فمن ذلك ما رواه أبو داود (٥١٩٦) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَظُنُّ أَنِّي سَمِعْتُ نَافِعَ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَرْحُومٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ، زَادَ: ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ: «أَرْبَعُونَ» قَالَ: «هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف سهل بن معاذ بن أنس، وأبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون مختلف فيه.
ومن ذلك ما رواه البخاري في [التَّارِيْخِ] (١٠٣٧)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٧/ ١٢٧)، البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] من طريق مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: نا أَزْهَرُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْنَا، فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ قُلْنَا: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ».
قُلْتُ: وفيه محمد بن حميد وهو الرازي كذبه غير واحد، ورواية البخاري معلقة، وأمَّا قَولُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ فِي [الصَّحِيْحَةِ] (١٤٤٩): «ومحمد الراوي عنه هو ابن سعيد بن الأصبهاني، وهو من شيوخ البخاري في "الصحيح" فالإسناد
стр. 7760
متصل غير معلق» اهـ. فليس بصحيح بل هو محمد بن حميد الرازي كما صرح به عند ابن عدي والبيهقي.
وقد رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٤٨٧٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ مَنْدَهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْنَا مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ».
ولم يذكر لفظة: «ومغفرته». وجعل ذلك في السلام من الصلاة.
ومن ذلك ما رواه أبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٩١٢)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٥٧١٥) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْسِ بْنِ مَالِكٍ الأَرْحَبِيِّ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى قَيْسِ بْنِ مَالِكٍ سَلامٌ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
стр. 7761
فَذَاكُمْ أَنِّي اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى قَوْمِكَ عُرْبِهِمْ وَخُمُورِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ وَحَاشِيَتِهِمْ وَأَعْطَيْتُكَ مِنْ ذُرَةِ يَسَارٍ مِائَتَيْ صَاعٍ، وَمِنْ زَبِيبِ خَيْوَانَ مِائَتَيْ صَاعٍ جَارٍ ذَلِكَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَبَدًا أَبَدًا».
قَالَ قَيْسٌ: وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَبَدًا. أَبَدًا».
أَحَبُّ إِلَيَّ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَبْقَى لِي عَقِبِي أَبَدًا.
قَالَ يَحْيَى: عُرْبُهُمْ: أَهْلُ الْبَادِيَةِ.
وَخُمُورُهُمْ: أَهْلُ الْقُرَى.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٣/ ٢٩٣): «عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة. قال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء. قد رأيته» اهـ.
ومن ذلك ما رواه ابن السني في [عَمَلِ اليَّوْمِ وَاللَّيْلَةِ] (٢٣٤) أَخْبَرَنِي أَبُو عَرُوبَةَ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلَمَةَ، ثنا بَقِيَّةُ، ثنا يُوسُفُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ نُوحِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَرْعَى دَوَابَّ أَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ».
стр. 7762
وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُسَلِّمُ عَلَى هَذَا سَلَامًا مَا تُسَلِّمُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ؟ فَقَالَ: «وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ؟ هُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ من أجل نوح بن ذكوان فإنَّه شديد الضعف، وبقية مدلس وقد عنعن، وشيخه يوسف بن أبي كثير مجهول.
وروى ابن المنذر في [التَّفْسِيْرِ] (٢٠٧٣) أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ: «وَعَلَيْكَ رَحْمَةُ اللهِ»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «وَعَلَيْكَ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَعَلَيْكَ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَقَصْتَنِي، فَأَيْنَ مَا قَالَهُ اللهُ : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، فَقَالَ: «إِنَّ هَؤُلاءِ تَرَكُوا لِي فَضْلا، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ لَمْ تَدَعْ لِي فَضْلًا، فَرَدَدْتُ عَلَيْكَ: وَعَلَيْكَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ.
стр. 7763
ورواه الطبري في [تَفْسِيْرِه] (٧/ ٢٧٧) من طريق هِشَامِ بْنِ لَاحِقٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ موصولًا، والصحيح فيه الإرسال.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّه لم تثبت الزيادة على وبركاته في السلام، وقد ثبتت آثار عن الصحابة ﵃ في استنكار الزيادة على ذلك، فمن ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٧٢٢) عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ شَيْئًا مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْيَمَانِي الَّذِي يَغْشَاكَ فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٤٨٧) أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَ: نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: نا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، حَدَّثَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَتَاهُمْ يَوْمًا فِي مَجْلِسٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتَهُ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»،
стр. 7764
فَقُلْتُ: عَطَاءٌ، فَقَالَ: «انْتَهِ إِلَى وَبَرَكَاتُهُ»، قَالَ: ثُمَّ تَلَا: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وروى البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٤٨٨) أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: نا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَهُ ابْنُهُ، فَجَاءَهُ سَائِلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ، وَعَدَدٌ مِنْ ذَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «مَا هَذَا السَّلَامُ؟». وَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَلِيٌّ: يَا أَبَتَاهُ إِنَّهُ سَائِلٌ مِنَ السُّؤَّالِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَدَّ السَّلَامَ حَدًّا، وَنَهَى عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ»، ثُمَّ قَرَأَ إِلَى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ ثُمَّ انْتَهَى».
وروى معمر في [جَامِعِهِ] (٤٠) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَلْقَى ابْنَ عُمَرَ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَمَغْفِرَتُهُ وَمُعَافَاتُهُ، قَالَ: يُكْثِرُ مِنْ هَذَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «وَعَلَيْكَ مِائَةَ مَرَّةٍ، لَئِنْ عُدْتَ إِلَى هَذَا لَأَسُوءَنَّكَ».
стр. 7765
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إن كان شيخ أيوب هو نافع.
وروى البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٤٩٠) أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَ: نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: نا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَابَيْهِ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَانْتَهَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: «حَسْبُكَ إِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى: وَبَرَكَاتُهُ، إِلَى مَا قَالَ اللهُ ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قُلْتُ: وقد كره النبي ﷺ البداءة بالسلام بقوله: "عليك السلام".
فروى أبو داود (٥٢٠٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ أَبِي غِفَارٍ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عَنْ أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (١٥٩٩٧) من طريق أخرى صحيحة إلى أبي تميمة الهجيمي.
стр. 7766
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٢١): «وقد أشكل هذا الحديث على طائفة، وظنوه معارضاً لما ثبت عنه ﷺ في السلام على الأموات بلفظ: "السلام عليكم" بتقديم السلام، فظنوا أنَّ قوله: "فإنَّ عليك السلام تحية الموتى" إخبار عن المشروع، وغلطوا في ذلك غلطاً أوجب لهم ظن التعارض، وإنَّما معنى قوله: "فإنَّ عليك السلام تحية الموتى" إخبار عن الواقع، لا المشروع، أي: إنَّ الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة، كقول قائلهم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم … ورحمته ما شاء أن يترحما
فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدما
فكره النبي ﷺ أن يحيى بتحية الأموات، ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم بها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١): «وهنا نكتة بديعة ينبغي التفطن لها وهي أنَّ السلام شرع على الأحياء والأموات بتقديم اسمه على المسلم عليهم لأنَّه دعاء بخير والأحسن في دعاء الخير أن يتقدم الدعاء به على المدعو له كقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى
стр. 7767
إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾.
وأمَّا الدعاء بالشر فيقدم فيه المدعو عليه المدعو به غالباً كقوله تعالى لإبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾.
وسرُّ ذلك والله أعلم أنَّ في الدعاء بالخير قدموا اسم الدعاء المحبوب الذي تشتهيه النفوس وتطلبه ويلذ للسمع لفظه فيبدأ السمع بذكر الاسم المحبوب المطلوب ويبدأ القلب بتصوره فيفتح له القلب والسمع فيبقى السامع كالمنتظر لمن يحصل هذا وعلى من يحل فيأتي باسمه فيقول عليك أو لك فيحصل له من السرور والفرح ما يبعث على التحاب والتواد والتراحم الذي هو المقصود بالسلام، وأمَّا في الدعاء عليه ففي تقديم المدعو عليه إيذان باختصاصه بذلك الدعاء وأنَّه عليه وحده كأنَّه قيل له هذا عليك وحده لا يشركك فيه السامعون بخلاف الدعاء بالخير فإنَّ المطلوب عمومه وكل ما عم به الداعي كان أفضل، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: فضل عموم الدعاء على خصوصه كفضل السماء على الأرض» اهـ.
стр. 7768
قُلْتُ: ويجوز تنكير السلام في الابتداء لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وقول الله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦].
وقول الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤].
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
وقول الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وغير ذلك من الآيات.
стр. 7769
ولما رواه مسلم (١٤٢٨) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: وَشَهِدْتُ وَلِيمَةَ زَيْنَبَ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَكَانَ يَبْعَثُنِي فَأَدْعُو النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ وَتَبِعْتُهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلَانِ اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ، لَمْ يَخْرُجَا فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟» فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: «بِخَيْرٍ». الحديث.
وأمَّا رد السلام فهل يكون معرفاً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ١٥٥ - ١٥٦): «فقول الراد وعليك السلام بالتعريف متضمن للدلالة على أنَّ مقصوده من الرد مثل ما ابتدئ به وهو هو بعينه فكأنَّه قال ذلك السلام الذي طلبته لي مردود عليك وواقع عليك فلو أتى بالرد منكراً لم يكن فيه إشعار بذلك لأنَّ المعرف وإن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد بخلاف المنكر.
ومن فهم هذا فهم معنى قول النبي ﷺ : "لن يغلب عسر يسرين". فإنَّه أشار إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فالعسر وإن تكرر مرتين فتكرر بلفظ المعرفة فهو واحد واليسر تكرر
стр. 7770
بلفظ النكرة فهو يسران فالعسر محفوف بيسرين يسر قبله ويسر بعده فلن يغلب عسر يسرين.
وفائدة ثانية وهي: أنَّ مقامات رد السلام ثلاثة مقام فضل ومقام عدل ومقام ظلم فالفضل أن يرد عليه أحسن من تحيته، والعدل أن ترد عليه نظيرها، والظلم أن تبخسه حقه وتنقصه منها فاختير للراد أكمل اللفظين وهو المعرف بالأداة التي تكون للاستغراق والعموم كثيراً ليتمكن من الإتيان بمقام الفضل.
وفائدة ثالثة وهي: أنَّه قد تقدم أنَّ المناسب في حقه تقديم المسلم عليه على السلام فلو نكره وقال: عليك سلام لصار بمنزلة قولك عليك دين وفي الدار رجل فخرجه مخرج الخبر المحض وإذا صار خبراً بطل معنى التحية لأنَّ معناها الدعاء والطلب فليس بمسلم من قال: عليك سلام إنَّما المسلم من قال سلام عليك فعرف سلام الراد باللام إشعاراً بالدعاء للمخاطب وأنَّه راد عليه التحية طالب له السلامة من اسم السلام والله أعلم» اهـ.
لكن بقى إشكال في رد الخليل إبراهيم ﵊ على الملائكة السلام منكراً كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩].
стр. 7771
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٣٨٦) حيث قال: «وحكى عن إبراهيم لفظ سلامه فأتى به على لفظه مرفوعاً بالابتداء محكياً بالقول ولولا قصد الحكاية لقال سلاماً بالنصب لأنَّ ما بعد القول إذا كان مرفوعاً فعلى الحكاية ليس إلَّا فحصل من الفرق بين الكلامين في حكاية سلام إبراهيم ورفعه ونصب ذلك إشارة إلى معنى لطيف جداً وهو أنَّ قوله: "سلام عليكم" من دين الإسلام المتلقى عن إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأنَّه من ملة إبراهيم التي أمر الله بها وباتباعها فحكى لنا قوله ليحصل الاقتداء به والإتباع له ولم يحك قول أضيافه وإنَّما أخبر به على الجملة دون التفصيل والله أعلم فزن هذا الجواب والذي قبله بميزان غير جائر يظهر لك أقواهما وبالله التوفيق فصل نصب السلام ورفعه» اهـ.
قُلْتُ: فإذا كان الأمر كذلك فإنَّ الخليل ﵊ رد السلام منكرًا، فالأظهر جواز ذلك في حق من نكر السلام.
والسنة في التسليم بالقول دون الاقتصار على الإشارة لما رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٠١٧٢) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ ثَوْرٍ قَالَ: حَدَّثَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ
стр. 7772
بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَالرُّؤوسِ وَالْإِشَارَةِ».
قُلْتُ: وفيه عنعنة أبي الزبير لكن يشهد له ما رواه الترمذي (٢٦٩٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ».
قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَرَوَى ابْنُ المُبَارَكِ، هَذَا الحَدِيثَ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٤): «والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً وإلَّا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا السلام على الأصم» اهـ.
стр. 7773
قُلْتُ: وجميع من سبق غير المصلي والأخرس يمكنهم أن يجمعوا بين الإشارة والتلفظ بالسلام وإن لم يحصل الإسماع، وذلك أنَّ التلفظ به من غير إسماع أولى من تركه بالكلية لما في ذلك من الدعاء بالخير. والله أعلم.
وقد جاء في إشارة المصلي بالسلام ما رواه مسلم (٥٤٠) عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ: «إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي» وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ.
لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤١٨): «ويحتمل أنَّه إنَّما أشار إليه ليكف عن كلامه حينئذ، لم يكن رداً للسلام؛ ولهذا قالَ جابر: فلم يرد علي، وذكر أنَّه وجد في نفسه ما الله به عليم، ولو علم أنَّه رد عليهِ بالإشارة لم يجد في نفسه» اهـ.
قُلْتُ: ولعله وجد في نفسه لأنَّه لم يعلم أنَّ ذلك رداً لسلامه، ولم يعلم أيضاً أنَّ السلام بالقول للمصلي قد نهي عنه. ومما يدل على أنَّ هذه الإشارة كانت رداً لسلامه أنَّ النبي ﷺ اقتصر عليها ولم يرد عليه بعد انصرافه من صلاته. والله أعلم
стр. 7774
ومما يدل على ذلك أيضاً ما رواه أحمد (٤٥٦٨)، والنسائي (١١٨٧) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَسْجِدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَسْجِدَ قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ رِجَالُ الْأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَدَخَلَ مَعَهُ صُهَيْبٌ فَسَأَلْتُ صُهَيْبًا: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَصْنَعُ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ؟، قَالَ: «يُشِيرُ بِيَدِهِ».
قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ لِرَجُلٍ سَلْ زَيْدًا أَسَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَهِبْتُ أَنَا أَنْ أَسْأَلَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَامَةَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُهُ فَكَلَّمْتُهُ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٥٩٥) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ، وَلْيُشِرْ إِشَارَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ رَدَّهُ».
وروى (٣٥٩٦) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: «إِذَا سُلِّمَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي فَرُدَّ عَلَيْهِ إِشَارَةً». قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
стр. 7775
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٥٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عليه الرَّجُلُ كَلَامًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: «إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَا يَتَكَلَّمْ، وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء في صفة الإشارة ما رواه أبو داود (٩٢٧) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِيُّ الدَّامِغَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ»، قَالَ: «فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي»، قَالَ: فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟، قَالَ: «يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ»، وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ، وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وهشام بن سعد فيه نزاع والذي يظهر أنَّ حديثه من قبيل الحسن.
وروى أحمد (١٨٩٥١)، وأبو داود (٩٢٥)، والنسائي (١١٨٦)، والترمذي (٣٦٧) من طريق اللَّيْثَ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَابِلٍ، صَاحِبِ الْعَبَاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ
следующие страницы →