Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.
стр. 7771
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٣٨٦) حيث قال: «وحكى عن إبراهيم لفظ سلامه فأتى به على لفظه مرفوعاً بالابتداء محكياً بالقول ولولا قصد الحكاية لقال سلاماً بالنصب لأنَّ ما بعد القول إذا كان مرفوعاً فعلى الحكاية ليس إلَّا فحصل من الفرق بين الكلامين في حكاية سلام إبراهيم ورفعه ونصب ذلك إشارة إلى معنى لطيف جداً وهو أنَّ قوله: "سلام عليكم" من دين الإسلام المتلقى عن إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأنَّه من ملة إبراهيم التي أمر الله بها وباتباعها فحكى لنا قوله ليحصل الاقتداء به والإتباع له ولم يحك قول أضيافه وإنَّما أخبر به على الجملة دون التفصيل والله أعلم فزن هذا الجواب والذي قبله بميزان غير جائر يظهر لك أقواهما وبالله التوفيق فصل نصب السلام ورفعه» اهـ.
قُلْتُ: فإذا كان الأمر كذلك فإنَّ الخليل ﵊ رد السلام منكرًا، فالأظهر جواز ذلك في حق من نكر السلام.
والسنة في التسليم بالقول دون الاقتصار على الإشارة لما رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٠١٧٢) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ ثَوْرٍ قَالَ: حَدَّثَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ
стр. 7772
بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَالرُّؤوسِ وَالْإِشَارَةِ».
قُلْتُ: وفيه عنعنة أبي الزبير لكن يشهد له ما رواه الترمذي (٢٦٩٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ».
قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَرَوَى ابْنُ المُبَارَكِ، هَذَا الحَدِيثَ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٤): «والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً وإلَّا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا السلام على الأصم» اهـ.
стр. 7773
قُلْتُ: وجميع من سبق غير المصلي والأخرس يمكنهم أن يجمعوا بين الإشارة والتلفظ بالسلام وإن لم يحصل الإسماع، وذلك أنَّ التلفظ به من غير إسماع أولى من تركه بالكلية لما في ذلك من الدعاء بالخير. والله أعلم.
وقد جاء في إشارة المصلي بالسلام ما رواه مسلم (٥٤٠) عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ: «إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي» وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ.
لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤١٨): «ويحتمل أنَّه إنَّما أشار إليه ليكف عن كلامه حينئذ، لم يكن رداً للسلام؛ ولهذا قالَ جابر: فلم يرد علي، وذكر أنَّه وجد في نفسه ما الله به عليم، ولو علم أنَّه رد عليهِ بالإشارة لم يجد في نفسه» اهـ.
قُلْتُ: ولعله وجد في نفسه لأنَّه لم يعلم أنَّ ذلك رداً لسلامه، ولم يعلم أيضاً أنَّ السلام بالقول للمصلي قد نهي عنه. ومما يدل على أنَّ هذه الإشارة كانت رداً لسلامه أنَّ النبي ﷺ اقتصر عليها ولم يرد عليه بعد انصرافه من صلاته. والله أعلم
стр. 7774
ومما يدل على ذلك أيضاً ما رواه أحمد (٤٥٦٨)، والنسائي (١١٨٧) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَسْجِدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَسْجِدَ قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ رِجَالُ الْأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَدَخَلَ مَعَهُ صُهَيْبٌ فَسَأَلْتُ صُهَيْبًا: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَصْنَعُ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ؟، قَالَ: «يُشِيرُ بِيَدِهِ».
قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ لِرَجُلٍ سَلْ زَيْدًا أَسَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَهِبْتُ أَنَا أَنْ أَسْأَلَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَامَةَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُهُ فَكَلَّمْتُهُ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٥٩٥) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ، وَلْيُشِرْ إِشَارَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ رَدَّهُ».
وروى (٣٥٩٦) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: «إِذَا سُلِّمَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي فَرُدَّ عَلَيْهِ إِشَارَةً». قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
стр. 7775
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٥٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عليه الرَّجُلُ كَلَامًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: «إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَا يَتَكَلَّمْ، وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء في صفة الإشارة ما رواه أبو داود (٩٢٧) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِيُّ الدَّامِغَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ»، قَالَ: «فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي»، قَالَ: فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟، قَالَ: «يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ»، وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ، وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وهشام بن سعد فيه نزاع والذي يظهر أنَّ حديثه من قبيل الحسن.
وروى أحمد (١٨٩٥١)، وأبو داود (٩٢٥)، والنسائي (١١٨٦)، والترمذي (٣٦٧) من طريق اللَّيْثَ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَابِلٍ، صَاحِبِ الْعَبَاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ
стр. 7776
صُهَيْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: «مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ إِشَارَةً»، قَالَ: «وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ إِشَارَةً بِأُصْبُعِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ للنزاع في نابل.
فائدة في صفة رد السلام:
أكمل الرد أن يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وقد سبق أنَّ أكمل السلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والرد يقابل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].
ويجزئ حذف الواو في الرد فيقول: عليكم السلام، أو السلام عليكم، فقد روى البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ».
ويجوز في الرد حذف كلمة السلام فيقول: وعليك ورحمة الله.
стр. 7777
فروى مسلم (٢٤٧٣) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٦/ ٣٠):
«هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَعَلَيْكَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ السَّلَامِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ فِي رَدِّ السَّلَامِ وَعَلَيْكَ يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ جَوَابًا وَالْمَشْهُورُ مِنْ أَحْوَالِهِ ﷺ وَأَحْوَالِ السَّلَفِ رَدُّ السَّلَامِ بِكَمَالِهِ فَيَقُولُ وعليكم السلام ورحمة الله أو ورحمته وبركاته» اهـ.
قُلْتُ: وروى الترمذي (٢٧٢١) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: طَلَبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ فَجَلَسْتُ، فَإِذَا نَفَرٌ هُوَ فِيهِمْ وَلَا أَعْرِفُهُ وَهُوَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ المَيِّتِ، إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ المَيِّتِ» ثَلَاثًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: «إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ أَخَاهُ المُسْلِمَ فَلْيَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
стр. 7778
وَبَرَكَاتُهُ»، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ، اللَّهِ وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ومما يدل على مشروعية ذلك من الآثار ما رواه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ] (١٠٣٣) حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ يَقُولُ: «وَعَلَيْكَ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
٣٥ - وفيه النهي عن التختم بالذهب بالنسبة للرجال.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٦٣):
«بخلاف خاتم الذهب: فإنَّها حرام باتفاق الأئمة الأربعة فإنَّه قد صح عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن ذلك» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢١/ ٨٧ - ٨٨): «ولا ريب أنَّ هذا محرم عند الأئمة الأربعة؛ لأنَّه قد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن خاتم الذهب؛ وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغه النهي» اهـ.
стр. 7779
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٨٦): «وقد روي عن البراء بن عازب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنَّهم لبسوا خواتيم الذهب. وهذا - إن صح عنهم - فلعلهم لم يبلغهم النهي. وهم في ذلك كمن رخص في لبس الحرير من السلف. وقد صحت السنة بتحريمه على الرجال وإباحته للنساء والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا استعمال الذهب في السيف فلم يثبت هذا عن النبي ﷺ .
وأمَّا ما رواه الترمذي (١٦٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صُدْرَانَ أَبُو جَعْفَرٍ البَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا طَالِبُ بْنُ حُجَيْرٍ، عَنْ هُودِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَدِّهِ مَزِيدَةَ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ» قَالَ طَالِبٌ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الفِضَّةِ؟ فَقَالَ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ السَّيْفِ فِضَّةً». فَلَا يَصِّحُ فإنَّ فيه هود بن عبد الله بن سعد مجهول.
قُلْتُ: والقبيعة هي رأس مقبض السيف ويقال لها الثومة لمشابهتها لشكلها.
وهكذا ما رواه عبد الله بن أحمد في [زَوَائِدِهِ عَلَى فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ] (٣٢٥) حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ نا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ
стр. 7780
الْمَلِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ سَيْفُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّذِي شَهِدَ بَدْرًا فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ». فَلَا يَثْبُتُ فإنَّ في إسناده سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك منكر الحديث.
وقد صحت التحلية عن بعض الصحابة فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦٩١) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ فِي قَائِمِ سَيْفِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مِسْمَارَ ذَهَبٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وقائِم السيف مَقْبِضه.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦٩٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ سَيْفُ عُمَرَ مُحَلًّى»، فَقُلْتُ لَهُ: عُمَرُ حَلَّاهُ؟ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَقَلَّدُهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وليس فيه أنَّه كان محلى بالذهب فلعله كان بالفضة.
وقد روى أبو داود (٢٥٨٣) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِضَّةً».
وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
стр. 7781
وروى البخاري (٣٩٧٤) حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ» قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ سَيْفُ عُرْوَةَ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ.
وقد نصر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ القول بحل الذهب اليسير التابع لغيره فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٨٧ - ٨٨): «وفي يسير الذهب في "باب اللباس" عن أحمد أقوال:
أحدها: الرخصة مطلقاً؛ لحديث معاوية: "نهى عن الذهب إلَّا مقطعاً" ولعل هذا القول أقوى من غيره وهو قول أبي بكر.
والثاني: الرخصة في السلاح فقط.
والثالث: في السيف خاصة، وفيه وجه بتحريمه مطلقاً؛ لحديث أسماء "لا يباح الذهب ولا خريصة". والخريصة عين الجرادة لكن هذا قد يحمل على الذهب المفرد دون التابع؛ ولا ريب أنَّ هذا محرم عند الأئمة الأربعة؛ لأنَّه قد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن خاتم الذهب؛ وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغه النهي. ولهذا فرق أحمد وغيره بين يسير الحرير مفرداً كالتكة فنهى عنه؛ وبين يسيره تبعاً كالعلم؛ إذ الاستثناء وقع في هذا النوع فقط. فكما
стр. 7782
يفرق في الرخصة بين اليسير والكثير: فيفرق بين التابع والمفرد ويحمل حديث معاوية "إلَّا مقطعاً" على التابع لغيره» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٥/ ٦٤): «وكذلك يسير الذهب التابع لغيره كالطرز ونحوه في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره فإنَّ النبي ﷺ نهى عن الذهب إلَّا مقطعاً» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٨/ ٢٨): «وفي العلم الذهب نزاع بين العلماء؛ والأظهر جوازه أيضاً؛ فإنَّ في السنن عن النبي ﷺ إنَّه نهى عن الذهب إلَّا مقطعاً» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٣٥٣):
«وَتَنَازُعُ الْعُلَمَاءِ فِي يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي اللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ:
أَحَدُهَا: لَا تُبَاحُ.
وَالثَّانِي: تُبَاحُ فِي السَّيْفِ خَاصَّةً.
وَالثَّالِثُ: تُبَاحُ فِي السِّلَاحِ. وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ.
стр. 7783
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ فِي اللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ، فَيُبَاحُ طِرَازُ الذَّهَبِ إذَا كَانَ أَرْبَعَةَ أَصَابِعِ فَمَا دُونَهَا، وَخَزُّ الْقَبَّانِ وَحِيلَةُ الْقَوْسِ كَالسَّرْجِ وَالْبُرْدَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ: "لَا يُبَاحُ مِنْ الذَّهَبِ وَلَوْ خَزُّ بِصِيصَةٍ" وَخَزُّ بِصِيصَةٍ: عَيْنُ الْجَرَادَةِ؛ مَحْمُولٌ عَلَى الذَّهَبِ الْمُفْرَدِ: كَالْخَاتَمِ وَنَحْوِهِ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٩٠): «وسمعت شيخ الإسلام يقول: حديث معاوية في إباحة الذهب مقطعاً. هو في التابع غير المفرد، كالزر والعلم ونحوه وحديث الخريصة: هو في الفرد كالخاتم وغيره. فلا تعارض بينهما. والله أعلم» اهـ.
وَجَاءَ فِي [مَسَائِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ] (ص: ٤٤٦): «سألت أبي عن حديث النبي ﷺ أنَّه نهى عن لبس الذهب إلَّا مقطعاً قال: الشيء اليسير.
قُلْتُ: فالخاتم.
قال: روي عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن خاتم الذهب» اهـ.
стр. 7784
قُلْتُ: حديث معاوية رواه أحمد (١٦٨٩٠)، وأبو داود (٤٢٣٩)، والنسائي (٥١٥٠) من طريق خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ مَيْمُونٍ الْقَنَّادِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ رُكُوبِ النِّمَارِ، وَعَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو قِلَابَةَ لَمْ يَلْقَ مُعَاوِيَةَ اهـ.
قُلْتُ: وأضف إلى ذلك أنَّ ميمون النقاد لا تعرف حاله. وقد أُسقط في بعض الروايات للحديث فرواه النسائي (٥١٤٩) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا» خَالَفَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ رَوَاهُ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ اهـ.
ثم روى (٥١٥٠) حديث عبد الوهاب فقال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا، وَعَنْ رُكُوبِ الْمَيَاثِرِ».
стр. 7785
قُلْتُ: وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد بن الصلت الثقفي أبو محمد البصري، وقد تابعه ابن علية عند أحمد، وأبي داود، والصواب ذكره. والله أعلم.
وللحديث طريق أخرى، فروى أحمد (١٦٩٤٧)، والنسائي (٥١٥٩) من طريق بَيْهَسِ بْنِ فَهْدَانَ، عَنْ أَبِي شَيْخٍ الْهُنَائِيِّ، سَمِعْتُهُ مِنْهُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وفي رواية النسائي التصريح بسماع أبي شيخ الهنائي من معاوية.
قُلْتُ: رواية أحمد من طريق وكيع، والنسائي من طريق النضر بن شميل، وقد خالفهما علي بن غراب، فروى النسائي (٥١٦٠) أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَيْهَسُ بْنُ فَهْدَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو شَيْخٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «حَدِيثُ النَّضْرِ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
ورواه أحمد (١٦٨٧٩، ١٦٩١٠، ١٦٩٥٥)، والنسائي (٥١٥١) من طرق عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي عن معاوية.
стр. 7786
وفي رواية النسائي التصريح بسماع أبي شيخ الهنائي من معاوية.
ومنهم من ذكر واسطة بين أبي شيخ الهنائي وبين معاوية.
فروى النسائي (٥١٥٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو شَيْخٍ الْهُنَائِيُّ، عَنْ أَبِي حِمَّانَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ، عَامَ حَجَّ، جَمَعَ نَفَرًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ». خَالَفَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي شَيْخٍ، عَنْ أَخِيهِ حِمَّانَ اهـ.
قُلْتُ: وأبو حمان هذا مجهول.
ثم أورد الطريق الأخرى (٥١٥٤) فَقَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شَيْخٍ، عَنْ أَخِيهِ حِمَّانَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ، عَامَ حَجَّ جَمَعَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، هَلْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبُوسِ الذَّهَبِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ» خَالَفَهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ فِيهِ اهـ.
стр. 7787
قُلْتُ: حمان هذا مجهول.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٨٤): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه معمر، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي، عن معاوية، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الذهب إلَّا مقطعاً، وعن ركوب النمور".
قال: رواه يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو شيخ، عن أخيه حمان، عن معاوية، عن النبي ﷺ .
قال: أدخل أخاه، وهو مجهول، فأفسد الحديث» اهـ.
قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّ يحيى بن أبي كثير ذكر واسطة بين أبي شيخ الهنائي وبين معاوية وهو حمان أو أبو حمان، وقد رواه قتادة عنه من غير واسطة، وتابعة على ذلك مطر الوراق عند النسائي (٥١٥٢)، وبيهس بن فهدان عند أحمد والنسائي كما مر.
فرواية هؤلاء الثلاثة أرجح من رواية يحيى بن أبي كثير لا سيما وقد جاء التصريح بسماع أبي شيخ الهنائي من معاوية في رواية بيهس وقتادة، فلعل الحافظ أبو حاتم ﵀ لم يقف على هذه الطرق فحكم بفساد الحديث تمسكاً برواية يحيى بن أبي كثير، ويدل على ذلك أنَّه لم يتعرض لتلك الطرق في كلامه الماضي.
стр. 7788
فالذي يظهر لي صحة الحديث. والله أعلم.
ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَافِظَ الدَّارَقُطْنِيَّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٧/ ٧٢ - ٧٤) ذكر الاختلاف في هذا الحديث ثم قال في آخر كلامه: «واضطرب به يحيى بن أبي كثير فيه.
والقول عندنا قول قتادة، وبيهس بن فهدان. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: فإذا تبين لك صحة الحديث فقد اختلف العلماء في تأويله:
فمنهم من حمله على حل الذهب اليسير التابع لغيره في حق الرجال كما مرَّ في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ومنهم من حمله في حق النساء فكره الذهب الكثير للنساء لما قد يورث من الخيلاء والسرف، ولما يخشى من عدم إخراج زكاته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢١٦): «أراد بالمقطع الشيء اليسير نحو الشنف والخاتم للنساء وكره من ذلك الكثير الذي هو عادة أهل السرف وزينة أهل الخيلاء والكبر. واليسير هو ما لا يجب فيه الزكاة، ويشبه أن يكون إنَّما كره استعمال الكثير منه لأنَّ صاحبه ربما ضنَّ بإخراج الزكاة منه فيأثم ويحرج وليس جنس الذهب بمحرم عليهنَّ كما حرم على الرجال قليله وكثيره» اهـ.
стр. 7789
ومنهم من حمله على الرجال والنساء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشُّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٢/ ٨٠): «قال ابن رسلان في "شرح سنن أبي داود": والمراد بالنهي الذهب الكثير لا المقطع قطعاً يسيرة منه تجعل حلقة أو قرطاً أو خاتماً للنساء أو في سيف الرجل وكره الكثير منه الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والتكبر. وقد يضبط الكثير منه بما كان نصاباً تجب فيه الزكاة واليسير بما لا تجب فيه انتهى. وقد ذكر مثل هذا الكلام الخطابي في "المعالم" وجعل هذا الاستثناء خاصاً بالنساء قال: لأنَّ جنس الذهب ليس بمحرم عليهنَّ كما حرم على الرجال قليله وكثيره» اهـ.
ومنهم من حمله على الحاجة دون الزينة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٠٩): «قال في رواية صالح وعبد الله وأبي طالب وأبي الحارث واللفظ له: إنَّ النبي ﷺ نهى عن لبس الذهب إلَّا مقطعاً. قال: الشيء اليسير كشد أسنانه وما كان مثله مما لا يتزين به الرجل فأمَّا الخاتم ونحوه فلا. وذلك لأنَّه قد دل ذلك على أنَّ القطع من الذهب وهو اليسير منه مباح مطلقاً لكن لا بد إن يكون لحاجة لأنَّه قد دلت النصوص على تحريم خاتم الذهب ونحوه» اهـ.
стр. 7790
قُلْتُ: وهذا القول أقرب من غيره لثبوت الأدلة على تحريم الذهب على الرجال ومن ذلك ما رواه أحمد (٧٥٠، ٩٣٥)، وأبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي (٥١٤٤، ٥١٤٥، ٥١٤٦، ٥١٤٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ يَعْنِي الْغَافِقِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ : أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي».
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
٣٦ - وفيه النهي عن الشرب بالفضة، وقد مضى القول في ذلك في شرح حديث حذيفة.
٣٧ - وفيه النهي عن المياثر.
والمياثر أصلها من الوثارة والوثير هو الفراش الوطيء.
والمياثر من أوطئة العجم كانت توضع على الفرس أو البعير للجلوس عليها، والأكثر على أنَّها كانت من حرير.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢١٩): «"المياثر": مراكب، سميت مياثر لوثارتها - وهو لينها ووطأتها، وكانت من زي العجم.
стр. 7791
وقد قيل: أنَّها كانت من ديباج أو حرير -: قاله أبو عبيد وغيره.
وفسر يزيد بن أبي زياد المثيرة بجلود السباع.
وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب، عن النبي ﷺ ، أنَّه نهى عن مياثر النمور» اهـ.
قُلْتُ: حديث المقدام رواه أحمد (١٧٢٢٤)، والنسائي (٤٢٥٤) من طريق بَقِيَّةَ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَرِيرِ، وَالذَّهَبِ، وَمَيَاثِرِ النُّمُورِ».
قُلْتُ: فيه عنعنة بقية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٩٣): «وقال الزبيدي اللغوي: والميثرة مرفقة كصفة السرج، وقال الطبري: هو وطاء يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير كانت النساء تصنعه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر ومن الديباج وكانت مراكب العجم، وقيل: هي أغشية للسروج من الحرير، وقيل: هي سروج من الديباج فحصلنا على أربعة أقوال في تفسير الميثرة هل هي وطاء للدابة أو لراكبها أو هي السرج نفسه أو غشاوة، وقال أبو عبيد المياثر: الحمر كانت من مراكب العجم من حرير أو ديباج» اهـ.
стр. 7792
وَقَالَ ﵀ (١٠/ ٣٠٧): «قال أبو عبيد: المياثر الحمر التي جاء النهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير. وقال الطبري: هي وعاء يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير من الأرجوان، وحكى في المشارق قولاً أنَّها سروج من ديباج، وقولاً أنَّها أغشية للسروج من حرير، وقولاً أنَّها تشبه المخدة تحشى بقطن أو ريش يجعلها الراكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطبري، والأقوال الثلاثة يحتمل أن لا تكون متخالفة بل الميثرة تطلق على كل منها وتفسير أبي عبيد يحتمل الثاني والثالث، وعلى كل تقدير فالميثرة وإن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير وقد تقدم القول فيه ولكن تقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير فيمتنع إن كانت حريراً ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حرير فالنهي فيها للزجر عن التشبه بالأعاجم.
قال ابن بطال: كلام الطبري يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه سواء كانت من حرير أم من غيره فكان النهي عنها إذا لم يكن من حرير للتشبه أو للسرف أو التزين وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وأمَّا تقييدها بالحمرة فمن يحمل المطلق على المقيد وهم الأكثر يخص المنع بما كان أحمر، والأرجوان المذكور في الرواية التي أشرت إليها بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو
стр. 7793
خفيفة وحكى عياض ثم القرطبي فتح الهمزة وأنكره النووي وصوب أنَّ الضم هو المعروف في كتب الحديث واللغة والغريب واختلفوا في المراد به فقيل هو صبغ أحمر شديد الحمرة وهو نور شجر من أحسن الألوان، وقيل الصوف الأحمر، وقيل كل شيء أحمر فهو أرجوان، ويقال ثوب أرجوان وقطيفة أرجوان وحكى السيرافي أحمر أرجوان فكأنَّه وصف للمبالغة في الحمرة كما يقال أبيض يقق وأصفر فاقع، واختلفوا هل الكلمة عربية أو معربة.
فإن قلنا باختصاص النهي بالأحمر من المياثر فالمعنى في النهي عنها ما في غيرها كما تقدم في الباب قبله، وإن قلنا لا يختص بالأحمر فالمعنى بالنهي عنها ما فيه من الترفه وقد يعتادها الشخص فتعوزه فيشق عليه تركها فيكون النهي نهي إرشاد لمصلحة دنيوية، وإن قلنا النهي عنها من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى فتزول الكراهة والله أعلم» اهـ.
٣٨ - وفيه النهي عن القَسِّي. وهي ثياب مخططة بالحرير تصنع، والقسي بالقاف المشددة المفتوحة والسين المهملة المشددة المكسورة نسبة إلى قرية في مصر يقال لها: قَسٌّ.
стр. 7794
وقد روى مسلم (٢٠٧٨) عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «نَهَانِي - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ أَنْ أَجْعَلَ خَاتَمِي فِي هَذِهِ، أَوِ الَّتِي تَلِيهَا - لَمْ يَدْرِ عَاصِمٌ فِي أَيِّ الثِّنْتَيْنِ - وَنَهَانِي عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ جُلُوسٍ عَلَى الْمَيَاثِرِ.
قَالَ: فَأَمَّا الْقَسِّيِّ: فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ فِيهَا شِبْهُ كَذَا، وَأَمَّا الْمَيَاثِرُ: فَشَيْءٌ كَانَتْ تَجْعَلُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحْلِ كَالْقَطَائِفِ الْأُرْجُوَانِ».
ورواه البخاري معلقاً في "بَابِ لُبْسِ القَسِّيِّ" حيث قال: «وَقَالَ عَاصِمٌ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: قُلْتُ: لِعَلِيٍّ: مَا القَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنَ الشَّأْمِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ، مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَفِيهَا أَمْثَالُ الأُتْرُنْجِ، وَالمِيثَرَةُ: كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ، مِثْلَ القَطَائِفِ يُصَفِّرْنَهَا».
وقد وصله أبو يعلى (٦٠٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٣٣٨).
ومعنى مضلعة: فيها خطوط عريضة كالأضلاع.
٣٩ - وفيه النهي عن لبس الحرير، والإستبرق، والديباج.
فأمَّا الحرير: فمعروف وقد سبق الكلام فيه.
стр. 7795
وأمَّا الإستبرق فهو: ما غلظ من الديباج، وقد روى البخاري (٦٠٨١)، ومسلم (٢٠٦٨) من طريق يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا الإِسْتَبْرَقُ؟ قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ، وَخَشُنَ مِنْهُ.
وأمَّا الديباج: بفتح الدال وكسرها جمعه دبابيج نوع من ألبسة الحرير الخالص ملون ألوانًا، وأصل الدبج النقش والتزيين، وقد سبق الكلام فيه في شرح حديث حذيفة بن اليمان.
* * *
стр. 7796
٣٩١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ»، فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ، لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا»، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.
وَفِي لَفْظٍ: «جَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى».
فِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة التختم بالذهب، وإنَّما لبسه النبي ﷺ قبل أن ينهى عنه.
٢ - جعل فص الخاتم مما يلي الكف لأنَّه أبعد عن الزهو والإعجاب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٨٢):
«قال العلماء: لم يأمر النبي ﷺ في ذلك بشيء، فيجوز جعل فصه في باطن كفه، وفي ظاهرها، وقد عمل السلف بالوجهين، وممن اتخذه في ظاهرها ابن عباس ﵁. قالوا: ولكن الباطن أفضل اقتداء به ﷺ . ولأنَّه أصون لفصه، وأسلم له، وأبعد من الزهو والإعجاب» اهـ.
стр. 7797
٣ - وفيه أنَّ التختم داخل في مسمى اللبس.
٤ - وفيه ما كان عليه الصحابة ﵃ من الاقتداء بالنبي ﷺ .
٥ - وفيه مشروعة الحلف من غير استحلاف.
٦ - وفيه مشروعية الحلف لتوكيد الامتناع مما يحرم.
٧ - وفيه التختم في اليد اليمنى.
قُلْتُ: وأكثر الأحاديث واردة في التختم في اليد اليمنى، وجاء في التختم في اليد اليسرى ما رواه مسلم (٢٠٩٥) فَقَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصِرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى».
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَوَانَةَ ﵀ فِي [مُسْتَخْرَجِهِ] (٩/ ٢٧٦): «هذا أصح من قوله: في يمينه» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء حديث أنس بذكر التختم في اليمين، وهو ما رواه مسلم (٢٠٩٤) فَقَالَ: وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الزُّرَقِيُّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ
стр. 7798
رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ».
لكن ذكر التختم باليمين في حديث أنس مما انتقده الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ باعتبار أنَّ ثقات أصحاب يونس لم يذكروا هذه اللفظة في حديثهم، ورجح ﵀ رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بذكر التختم باليسار، فقال ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٢/ ١٧٨): «وروى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أنَّ النبي ﷺ كان يتختم في يساره. وأشار إلى خنصره اليسرى. وهو المحفوظ عن أنس» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٨٨): «وأمَّا الحكم في المسألة عند الفقهاء فأجمعوا على جواز التختم في اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، اختلفوا أيتهما أفضل؟ فتختم كثيرون من السلف في اليمين، وكثيرون في اليسار، واستحب مالك اليسار، وكره اليمين. وفي مذهبنا وجهان لأصحابنا: الصحيح أنَّ اليمين أفضل لأنَّه زينة، واليمين أشرف، وأحق بالزينة والإكرام» اهـ.
стр. 7799
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣٢٧): «قُلْتُ: ويظهر لي أنَّ ذلك يختلف باختلاف القصد فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل وإن كان للتختم به فاليسار أولى لأنَّه كالمودع فيها ويحصل تناوله منها باليمين وكذا وضعه فيها ويترجح التختم في اليمين مطلقاً لأنَّ اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم باب التختم في اليمين واليسار ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح» اهـ.
قُلْتُ: وكان خاتم النبي ﷺ في خنصره كما سبق في حديث أنس، ويشرع التختم في جميع الأصابع ما عدى الوسطى والتي تليها، لما رواه مسلم (٢٠٩٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي إِصْبَعِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ»، قَالَ: «فَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا».
والمراد بها السبابة والوسطى كما جاء التصريح بذلك في رواية أحمد (١٠١٩)، والنسائي (٥٢١١، ٥٢٨٦).
стр. 7800
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٨٨): «وأجمع المسلمون على أنَّ السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر، وأمَّا المرأة فإنَّها تتخذ خواتيم في أصابع. قالوا: والحكمة في كونه في الخنصر أنَّه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى باليد، لكونَّه طرفاً، ولأنَّه لا يشغل اليد عمَّا تتناوله من أشغالها بخلاف غير الخنصر، ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها لهذا الحديث، وهي كراهة تنزيه» اهـ.
قُلْتُ: والسبب في اتخاذ النبي ﷺ للخاتم جاء مبيناً فيما رواه البخاري (٥٨٧٢)، ومسلم (٢٠٩٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ، أَوْ أُنَاسٍ مِنَ الأَعَاجِمِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَأَنِّي بِوَبِيصِ، أَوْ بِبَصِيصِ الخَاتَمِ فِي إِصْبَعِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ فِي كَفِّهِ».
وكان خاتم النبي ﷺ في يد خلفائه حتى سقط من يد عثمان في بئر أريس، فقد روى البخاري (٥٨٧٩)، ومسلم (٢٠٩١) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي يَدِهِ، وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَفِي يَدِ عُمَرَ بَعْدَ أَبِي
стр. 7801
بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ، جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ قَالَ: فَأَخْرَجَ الخَاتَمَ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ، فَنَزَحَ البِئْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ».
وقد جاء أنَّه سقط من معيقيب كما روى مسلم (٢٠٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ: «لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا»، وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّه سقط على عثمان ونسب السقوط إلى معيقيب باعتبار أنَّه هو الذي دفعه إلى عثمان، فإن استقام هذا الجمع وإلَّا فما في الصحيحين وهو الصحيح.
وقد روى البخاري (٥٨٦٦)، ومسلم (٢٠٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ مِثْلَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَدِ اتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَقَالَ: «لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا». ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الفِضَّةِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسَ.
стр. 7802
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣١٩):
«وهذا يدل على أنَّ نسبة سقوطه إلى عثمان نسبة مجازية أو بالعكس وأنَّ عثمان طلبه من معيقيب فختم به شيئاً واستمر في يده وهو مفكر في شيء يعبث به فسقط في البئر أو رده إليه فسقط منه، والأول هو الموافق لحديث أنس وقد أخرج النسائي من طريق المغيرة بن زياد عن نافع هذا الحديث وقال في آخره: وفي يد عثمان ست سنين من عمله فلمَّا كثرت عليه دفعه إلى رجل من الأنصار فكان يختم به فخرج الأنصاري إلى قليب لعثمان فسقط فالتمس فلم يوجد» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذهب الْحَافِظُ البَّيْهَقِيُّ ﵀ إلى أنَّ تختم النبي ﷺ بيمينه إنَّما كان بخاتم الذهب أمَّا خاتم الفضة فكان بيساره، فقد قَالَ ﵀ فِي [الْجَامِعِ فِي الْخَاتَمِ] (ص: ٦): «ثم الروايات الصحيحة عن ابن عمر، تدل على أنَّ الذي طرحه هو الخاتم الذي اتخذه من ذهب، وأنَّ الذي اتخذه من ورق كان في يده حتى مات، وأنَّ الذي جعله في يمينه هو الذي اتخذه من ذهب، دون الذي اتخذه من ورق، وأنَّ الذي اتخذه من ورق جعله في يساره» اهـ.
стр. 7803
قُلْتُ: جاءت أحاديث متعددة في الباب في تختم النبي ﷺ باليمين وليس فيها أنَّ ذلك التختم كان بخاتم الذهب، فما ذكره الحافظ البيهقي لا أعلم له حجة قوية والأمر فيه محتمل.
فائدة: كان فص خاتم النبي ﷺ منه.
روى البخاري (٥٨٧٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدًا، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ».
وروى مسلم (٢٠٩٤) عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ وَرِقٍ، وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٤/ ٧١):
«قَوْلُهُ: "وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا" قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَعْنِي حَجَرًا حَبَشِيًّا أَيْ فَصًّا مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ فَإِنَّ مَعْدِنَهُمَا بِالْحَبَشَةِ وَالْيَمَنِ وَقِيلَ لَوْنُهُ حَبَشِيٌّ أَيْ أَسْوَدُ وَجَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عن أنس أيضًا فصه منه قال بن عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَصَحُّ وَقَالَ غَيْرُهُ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَقْتٍ خَاتَمٌ فَصُّهُ مِنْهُ وَفِي وَقْتٍ خَاتَمٌ فَصُّهُ حَبَشِيٌّ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فَصُّهُ مِنْ عَقِيقٍ» اهـ.
стр. 7804
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الخاتم الذي كان فصه حبشيًا اتخذه للزينة لا للختم، وذلك لأنَّ الفص الحبشي لا ينقش فيه عادة لصلابته.
فائدة: سبق أنَّ نقش خاتم النبي ﷺ هو: محمد رسول الله.
وروى البخاري (٣١٠٦) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمَّا اسْتُخْلِفَ بَعَثَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ وَكَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ نَقْشُ الخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولُ سَطْرٌ، وَاللَّهِ سَطْرٌ».
وقد جاء في نقش بعض الصحابة ما قد يستنكر فمن ذلك:
ما رواه البغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (٣٥)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٧٦٩)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٨٤٤٣) من طريق حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: «كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ أَسَدٌ رَابِضٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦٠٩) حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: «كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ أَنَسٍ أَسَدٌ رَابِضٌ حَوْلَهُ فَرَائِسٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، معاذ هو ابن معاذ العنبري، وأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني حسن الحديث، ومحمد وهو ابن سيرين.
стр. 7805
وروى ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٨٤٤٢) أَخْبَرَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «نَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُكْتَبَ فِي الْخَوَاتِيمِ شَيْءٌ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ وَكَانَ فِي خَاتَمِ أَنَسٍ ذِئْبٌ أَوْ ثَعْلَبٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٦٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَسَدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ».
قُلْتُ: إِسْنَادَهُ مُنْقَطِعٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦١٠) حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدٍ: «أَنَّهُ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ الْأَشْعَرِيِّ أَسَدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ».
وروى البغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٥٨٤) حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي نا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد قال: «كَانَ فِي خَاتَمِ الْأَشْعَرِيِّ أَسَدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ بَيْنَ أَسَدِيْنِ».
قُلْتُ: إِسْنَادَهُ مُنْقَطِعٌ أيضاً لكن يتقوى بالذي قبله.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦١١) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ نَقْشُهُ تِمْثَالُ رَجُلٍ
стр. 7806
مُتَقَلِّدٍ سَيْفًا»، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَرَأَيْتُهُ أَنَا فِي خَاتَمٍ عِنْدَنَا فِي طِينٍ، فَقَالَ أَبِي: هَذَا خَاتَمُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وإبراهيم وإن كان لا يعتمد عليه إذا نفرد لكن القصة التي ذكرها تقوي حفظه.
وقد تؤول ذلك الحنفية على الصورة الصغيرة، فمن ذلك قَولُ الْكَسَّانيُّ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ] (١/ ٤٧٥): «فأمَّا إذا كانت صغيرة لا تبدو للناظر من بعيد فلا بأس به؛ لأنَّ من يعبد الصنم لا يعبد الصغير منها جداً، وقد روي أنَّه كان على خاتم أبي موسى ذبابتان» اهـ.
قُلْتُ: هذا النقش في خاتم أبي موسى الأشعري لم أقف عليه والثابت ما سبق.
وَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (١/ ٦٥٠): «صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الصُّورَةَ الصَّغِيرَةَ لَا تُكْرَهُ فِي الْبَيْتِ. قَالَ: وَنُقِلَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى خَاتَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذُبَابَتَانِ اهـ وَلَوْ كَانَتْ تَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ كُرِهَ إبْقَاؤُهَا فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَكُونُ شَرَّ الْبِقَاعِ» اهـ.
قُلْتُ: هذا النقش في خاتم أبي هريرة لم أقف عليه مسندًا، وقد ذكره جماعة من الحنفية.
стр. 7807
تنبيه: الخاتم الذي نبذه النبي ﷺ لم يكن منقوشًا عليه محمد رسول الله، وإنَّما ذلك خاتم الفضة الذي اتخذه بعد ذلك كما يدل عليه ما رواه مسلم (٢٠٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ: «لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا»، وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.
وحينئذ فلا إشكال في نبذه وإلقائه.
* * *
стр. 7808
٣٩٢ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةَ، وَالْوُسْطَى».
ولمسلم: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ».
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْإِلْزَامَاتِ والتَّتَبُعِ] (ص: ٢٦٢ - ٢٦٣):
«وأخرج مسلم حديث قتادة عن الشعبي عن سويد بن غفلة عن عمر عن النبي ﷺ : ونهى عن لبس الحرير إلَّا موضع إصبعين. من حديث هشام وشعبة وسعيد عنه.
ولم يرفعه عن الشعبي غير قتادة وهو مدلس لعله بلغه عنه. وقد رواه شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبي عن سويد عن عمر قوله. وكذلك رواه بيان، وداود بن أبي هند عن الشعبي عن سويد قوله، وكذلك رواه شعبة عن الحكم عن خيثمة عن سويد عن عمر. وإبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد وأبو حصين عن إبراهيم النخعي عن سويد عن عمر قوله» اهـ.
стр. 7809
قُلْتُ: وقد جاء من وجه آخر مرفوعًا بذكر الأصبعين رواه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٩) من طرق عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا هَكَذَا»، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ.
فِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن لبس الحرير للرجال.
٢ - إباحة العلم من الحرير إذا لم يزد على أربع أصابع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٥٠): «وفي هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز، إن عظم، وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصريح. والله أعلم» اهـ.
٣ - الأربع الأصابع هي الأصابع المضمومة لا المنفرجة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٢٩٥): «ويباح لبس الحرير وهو ما كان أربع أصابع مضمومة إذا كان تابعاً لغيره مثل العلم
стр. 7810
والرقعة في الثوب ولبنة الجيب الذي تسميه العامة الزيق وسجف الفراء وغيرها والإزرار وكف الأكمام والفروج به وطرف العمامة هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامة جواباته» اهـ.
لكن يشكل على هذا ما رواه أحمد (٢٦٩٨٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَ: «أَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةً طَيَالِسَةً، عَلَيْهَا لَبِنَةُ شَبْرٍ مِنْ دِيبَاجٍ كِسْرَوَانِيٍّ، وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ بِهِ، قَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُهَا، كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَلَمَّا قُبِضَتْ عَائِشَةُ، قَبَضْتُهَا إِلَيَّ، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرِيضِ مِنَّا، يَسْتَشْفِي بِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
واللبنة: الرقعة، والشبر بالكسر من طرف الخنصر إلى طرف الإبهام، وهذا أكثر من الأربع الأصابع، والحديث رواه مسلم (٢٠٦٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ خَالَ وَلَدِ عَطَاءٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً: الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ، وَمِيثَرَةَ الْأُرْجُوَانِ، وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الْأَبَدَ؟ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ
следующие страницы →