← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قلت: الذي يظهر لي أنَّ المحفوظ في الحديث الرواية المتفق عليها. والله أعلم. وروى أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠) من طريق أَبِي الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا أَوْ يَغْتَسِلَ، فَقَالَتْ: لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ». قلت: وهو في المسند، والنسائي بلفظ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». قلت: رواية سماك عن عكرمة مضطربة، لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٦٠) تحت حديث برقم (١٩٣): «وقد أعله قوم بسماك ابن حرب راويه عن عكرمة لأنَّه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلَّا صحيح حديثهم» اهـ. قلت: وهنالك من رواه مرسلاً. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٨٣): «وأعله الإمام أحمد، بأنَّه روي عنى عكرمة - مرسلاً». لكن قال العلامة ابن الملقن ﵀ في [البدر المنير] (١/ ٣٩٦): «قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته": قَالَ الْحَاكِم: قد احْتج البُخَارِيّ بِأَحَادِيث عِكْرِمَة، وَاحْتج مُسلم بِأَحَادِيث سماك بن حَرْب، وَهَذَا حَدِيث صَحِيح فِي الطَّهَارَة، وَلَا تحفظ لَهُ عِلّة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ورُوي مُرْسَلاً. قَالَ: وَمن أسْندهُ أحفظ» اهـ. قلت: ويشهد لمعناه ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١١٥٠)

стр. 772

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ النَّهْرَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ مَاءِ الْحَمَّامِ، فَقَالَ: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ». قلت: هذا أثر حسن. ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١١٤٤) عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ حَوْضِ الْحَمَّامِ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْجُنُبُ وَغَيْرُ الْجُنُبُ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنُبُ». قلت: قوله: "عن ابن عمر" لم أعرفه وأخشى من خطأ في النسخة وأنَّ الصواب "عن ابن عبيد" كما في رواية ابن أبي شيبة. قلت: وأمَّا ما رواه أحمد (٢٣١٨١)، وأبو داود (٨١)، والنسائي (٢٣٨) من طريق دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلاً صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ، كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا». قلت: هذا حديث صحيح. وهو محمول على الكراهة جمعاً بين الأدلة. وهذا الحديث فيه النهي أيضاً من اغتسال المرأة بفضل الرجل، وقد قال بذلك بعض الحنابلة. قال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [التحقيق] (١/ ٤٨):

стр. 773

«وأمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَقَدْ حَكَى شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمَنْعَ وَإِنْ سَلَّمْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ قُلْنَا هَذَا عَامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِدَلِيلٍ» اهـ. قلت: وقد روى الدارقطني في [سننه] (٤١٨)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (٩٢١) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: «تَتَوَضَّأُ الْمَرْأَةُ وَتَغْتَسِلُ مِنْ فَضْلِ غُسْلِ الرَّجُلِ وَطَهُورِهِ، وَلَا يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ وَلَا طُهُورِهَا». وَهَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ اهـ. قلت: أي أنَّ من رفعه فقد وهم. وقال الحافظ الترمذي رحمه في [العلل الكبير] (ص: ٤٠) رقم (٣٢): «وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَوْقُوفٌ وَمَنْ رَفَعَهُ فَهُوَ خَطَأٌ» اهـ. قلت: وفي الأثر كما ترى مشروعية تطهر المرأة بفضل طهور الرجل. ورواه أبو عبيد في [الطهور] (١٩٤) ثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخَ، يَعْنِي نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى نَبِيَّكُمْ ﷺ وَأَكَلَ مَعَهُ، قَالَ عَاصِمٌ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ». قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أَنَّهُ كَرِهَ سُؤْرَهَا، وَلَمْ يَكْرَهْ مُخَالَطَتَهَا فِي الِاغْتِسَالِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَيْنِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْأَثَرِ يَرَوْنَ الْكَرَاهَةَ لِسُؤْرِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَائِضًا وَلَا جُنُبًا، وَفِيهِ قَوْلٌ سِوَاهُ اهـ.

стр. 774

ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَرْجَسَ قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ». قلت: إسناده صحيح. وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٥٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ عَامِرٍ: «أَنَّ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، تَوَضَّأَتْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ بِفَضْلِ وَضُوئِهَا فَنَهَتْنِي». قلت: إسناده صحيح. ورواية وكيع عن المسعودي قبل اختلاطه. ورواه أبو عبيد في [الطهور] (١٩١) من طريق حجاج عن المسعودي به. وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٥٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ عِنْدَهُ، فَقَالَ: «لَا تَوَضَّأْ بِهِ فَإِنَّهُ فَضْلُ امْرَأَةٍ». قلت: إسناده صحيح. وخالفهم ابن عباس ﵄. فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٧٩) عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، أَوْ غَيْرَهِ يُحَدِّثُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِفَضْلِ شَرَابِ الْمَرْأَةِ وَلَا بِفَضْلِ وَضُوئِهَا وَيَقُولُ: «هِيَ أَنْظَفُ ثِيَابًا وَأَطْيَبُ رِيحًا». قلت: شك معمر فيمن حدثه فلا يثبت الأثر مع هذا الشك.

стр. 775

ورواه (٣٨٠) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ اهـ. ورواه (٣٨٢، ٣٩٥) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ حَائِضًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَائِضٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدَيْهَا بَأْسٌ». قلت: إبراهيم بن محمد هو الأسلمي متروك. ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٨)، وأبو عبيد في [الطهور] (١٩٦) من طريق ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ سُؤْرِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: «هِيَ أَلْطَفُ بْنَانًا وَأَطْيَبُ رِيحًا». قلت: هذا أثر صحيح. وممن خالف في ذلك أبو هريرة ﵁. فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٦، ٣٧٧) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنْ سُؤْرِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ يُتَطَهَّرُ مِنْهُ قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَنْقُرُ حَوْلَ قَصْعَتِنَا نَغْتَسِلُ مِنْهَا كِلَانَا». قلت: هذا أثر صحيح. وروى مالك في [الموطأ] (١٦٣)، ومن طريقه الشافعي في [الأم] (٧/ ٢٦٢) وعبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٣)، والبيهقي في [المعرفة] (١٤٩٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: «لَا بَأْسَ بِأَنْ يُغْتَسَلَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضاً، أَوْ جُنُباً». ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٩) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا».

стр. 776

ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٧) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِسُؤْرِ الْمَرْأَةِ بَأْسًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا». ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٦) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ فَضْلِ شَرَابِ الْمَرْأَةِ، وَفَضْلِ وَضُوئِهَا مَا لَمْ تَكُنْ جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ». قلت: هذا أثر صحيح، وفيه أنَّ النهي مختص بالحدث الأكبر دون الأصغر. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٥٧ - ١٥٩): «مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَلَا يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ إذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ" اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، ﵀، فِي وُضُوءِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ إذَا خَلَتْ بِهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ وَالْحَسَنِ وَغُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ كَرِهَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا إذَا كَانَ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ. وَالثَّانِيَةُ، يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ مَيْمُونَةَ". وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: اغْتَسَلْت مِنْ جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ، فَقُلْت: إنِّي قَدْ اغْتَسَلْت مِنْهُ،

стр. 777

فَقَالَ: "الْمَاءُ لَيْسَ عَلَى جَنَابَةٍ"، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ طَهُورٌ، جَازَ لِلْمَرْأَةِ الْوُضُوءُ بِهِ، فَجَازَ لِلرَّجُلِ كَفَضْلِ الرَّجُلِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ، أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: خَبَرُ الْأَقْرَعِ لَا يَصِحُّ. وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا خَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ. قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى التَّضْعِيفِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ خَفِيٍّ عَلَى مَنْ ضَعَّفَهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ فَلَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ. فَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: أَنْفِيهِ؛ لِحَالِ سِمَاكٍ، لَيْسَ أَحَدٌ يَرْوِيهِ غَيْرُهُ. وَقَالَ: هَذَا فِيهِ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، بَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَرْفَعُهُ. وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ بِهِ، فَيُجْعَلُ عَلَيْهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ. فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْسِيرِ الْخَلْوَةِ بِهِ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ قَوْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ هِيَ أَنْ لَا يَحْضُرَهَا مَنْ لَا تَحْصُلُ الْخَلْوَةُ فِي النِّكَاحِ بِحُضُورِهِ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا عَاقِلًا؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الْخَلْوَتَيْنِ، فَنَافَاهَا حُضُورُ أَحَدِ هَؤُلَاءِ كَالْأُخْرَى. وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ أَنْ لَا يُشَاهِدَهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَإِنْ شَاهَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ رَجُلٌ كَافِرٌ، لَمْ تَخْرُجْ بِحُضُورِهِمْ عَنْ الْخَلْوَةِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ اسْتِعْمَالُهَا لِلْمَاءِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةِ الرَّجُلِ فِي اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَغْتَسِلَ هُوَ بِهِ.

стр. 778

وَإِذَا شَرَعَا فِيهِ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ: اغْتَسِلَا جَمِيعًا؛ هُوَ هَكَذَا، وَأَنْتِ هَكَذَا - قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فِي إشَارَتِهِ: كَانَ الْإِنَاءُ بَيْنَهُمَا - وَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَغْتَسِلُ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، يَغْتَرِفَانِ مِنْهُ جَمِيعًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَيُخَصُّ بِهَذَا عُمُومُ النَّهْيِ وَبَقِينَا فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْعُمُومِ. فَصْلٌ: فَإِنْ خَلَتْ بِهِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهَا، أَوْ فِي تَجْدِيدِ طَهَارَةٍ، أَوْ اسْتِنْجَاءٍ، أَوْ غَسْلِ نَجَاسَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وَالثَّانِي لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ الْكَامِلَةِ. وَإِنْ خَلَتْ بِهِ ذِمِّيَّةٌ فِي اغْتِسَالِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا. هُوَ كَخَلْوَةِ الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمُسْلِمَةِ وَأَبْعَدُ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُسْلِهَا حُكْمٌ، شَرْعِيٌّ، وَهُوَ حِلُّ وَطْئِهَا إذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَأَمْرُهَا بِهِ إذَا كَانَ مِنْ جَنَابَةٍ؛ وَالثَّانِي لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لَا تَصِحُّ، فَهِيَ كَتَبَرُّدِهَا. وَإِنْ خَلَتْ الْمَرْأَةُ بِالْمَاءِ فِي تَبَرُّدِهَا، أَوْ تَنْظِيفِهَا، أَوْ غَسْلِ ثَوْبِهَا مِنْ الْوَسَخِ، لَمْ يُؤَثِّرْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ. فَصْلٌ: وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ، وَمَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ لَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ، فَوَهْمُ ذَلِكَ أَوْلَى. فَصْلٌ: وَمَنْعُ الرَّجُلِ مِنْ اسْتِعْمَالِ فَضْلَةِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ تَعَبُّدِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلِذَلِكَ يُبَاحُ لِامْرَأَةٍ سِوَاهَا التَّطَهُّرُ بِهِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ اخْتَصَّ الرَّجُلَ وَلَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، فَيَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى

стр. 779

مَحَلِّ النَّهْيِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ غَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ لَا يَرْفَعُ حَدَثَهُ، فَلَمْ يُزِلْ النَّجَسَ، كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ. وَالثَّانِي يَجُوزُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يُطَهِّرُ الْمَرْأَةَ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ، وَيُزِيلُهَا مِنْ الْمَحَالِّ كُلِّهَا إذَا فَعَلَتْهُ، فَيُزِيلُهَا إذَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ كَسَائِرِ الْمِيَاهِ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِمُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ، فَيُزِيلُهَا إذَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ، كَسَائِرِ الْمِيَاهِ، وَالْحَدِيثُ لَا نَعْقِلُ عِلَّتَهُ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ لَفْظُهُ، وَنَحْوُ هَذَا يُحْكَى عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: الأظهر أنَّ الكراهة تكون إذا انفردت المرأة بالتطهر بالماء ولو شاهدها زوجها أو غيره، وتزول الكراهة باغترافهما جميعاً لقوله في حديث الرجل الذي صحب النبي ﷺ : «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا». قلت: والأظهر أنَّ النهي وارد في الحدث الأكبر لأنَّ الحديث وارد في الاغتسال، وقد مضى قول ابن عمر ﵄: «لَا بَأْسَ بِأَنْ يُغْتَسَلَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضاً، أَوْ جُنُباً». وأمَّا حديث الحكم بن عمرو الذي رواه أبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، والنسائي (٣٤٣) من طريق أَبِي دَاوُدَ يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي حَاجِبٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الْأَقْرَعُ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ». فهو حديث معل لا يثبت. قال الحافظ الترمذي ﵀ في [العلل الكبير] (ص: ٤٠):

стр. 780

«سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَوْقُوفٌ وَمَنْ رَفَعَهُ فَهُوَ خَطَأٌ» اهـ. وقال الإمام البخاري ﵀ في [التاريخ الكبير] (٤/ ١٨٤ - ١٨٥): «سوادة بْن عاصم أبو حاجب العنزي، بصري، كناه أَحْمَد وغيره، ويقَالَ: الغفاري، ولا أراه يصح، عن الحكم ابن عَمْرٍو» اهـ. وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [سننه] (١/ ٨٢) «أَبُو حَاجِبٍ اسْمُهُ سَوَادَةُ بْنُ عَاصِمٍ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْهُ فَرَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ وَغَزْوَانُ بْنُ حُجَيْرٍ السَّدُوسِيُّ عَنْهُ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِ الْحَكَمِ غَيْرَ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ » اهـ. ٩ - وفيه أنَّ غمس الجنب يده في الماء لا يصيره مستعملاً، وإيجاب نية الاغتراف عند إدخال اليد في الإناء مما لا دليل عليه. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣): «أمَّا إن أدخل الجنب يده في الماء، بعد أن نوى الغسل، فاعترف منه، وكان الماء قليلاً، فإن نوى الاغتراف من الماء لم يضره، وإن نوى غسل يده من الجنابة في الماء صار الماء مستعملاً. وإن أطلق النية، ففيه قولان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء، أشهرهما - عندهم -: أنَّه يصير مستعملاً، وهو قول الشافعية. والصحيح: أنَّه لا يصير بذلك مستعملاً.

стр. 781

وعليه يدل حديث عائشة وميمونة، واغتسال النبي ﷺ وأزواجه من إناء واحد، فإنه لو كانَ يصير الماء مستعملاً بغمس اليد في الماء، بدون نية الاغتراف، لوجب بيانه للأمة بياناً عاماً، فإن هذا مما تدعو الضرورة إليه، فإن عامة الناس لا يستحضرون نية الاغتراف، وأكثرهم لا يعلمون حكم ذَلِكَ، بل قد روي عن النبي واصحابه ما يدل على خلاف ذَلِكَ، وأن الماء لا يجنب باغتراف الجنب منه. وروى سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قالَ: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ من جفنة، فأراد النبي ﷺ أن يتوضأ، فقالت: يا رسول الله، إني كنت جنباً، قالَ: "إنَّ الماء لا يجنب". خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي - وقال: حسن صحيح -، وابن خزيمة في "صحيحه" والحاكم وصححه. وأعله الإمام أحمد، بأنَّه روي عن عكرمة - مرسلاً. وقد صح عن ابن عباس، أنَّه سئل عن الجنب يغتسل من ماء الحمام فقالَ: الماء لا يجنب. وصح عنه، أنه قالَ: الماء لا يجنب. وكذلك صح عن عائشة من رواية شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة، قالت: سألت عائشة عن الغسل من الجنابة؟ فقالت: إن الماء لا ينجسه شيء؛ كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد.

стр. 782

وخرجه ابن خزيمة في "صحيحة"، ولفظه: إنَّ عائشة قالت: الماء طهور، لا يجنب الماء شيء؛ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في الإناء الواحد. قالت: أبدؤه فأفرغ على يديه، من قبل أن يغمسهما في الإناء» اهـ. * * *

стр. 783

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا حَائِضٌ». لفظ الحديث في البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١): «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ». وسياق المؤلف للحديث بتأخير جملة: "وَأَنَا حَائِضٌ" لا أصل له في أحد الصحيحين ولا في غير ذلك من كتب الحديث فيما أعلم، لكن جاء تأخير هذه الجملة في رواية للبخاري سيأتي ذكرها قريباً لكن بغير هذا اللفظ. في الحديث مسائل منها: ١ - جواز قراءة القرآن حال الاضطجاع، وإنَّما ورد النهي عن قراءة القرآن في حال الركوع والسجود. والمراد بالاتكاء هاهنا الاضطجاع ووضع الرأس لما رواه البخاري (٧٥٤٩) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ». ٢ - جواز قراءة القرآن بقرب موطن النجاسة. ومن احتج بذلك على قراءة القرآن في الخلاء فقد أبعد النجعة، فالقرق ظاهر بين قراءة القرآن بالقرب من موطن النجاسة كمن يصلي في غرفة بال في طرف منها صبي، وبين قراءة القرآن في موضع النجاسات.

стр. 784

٣ - جواز ملابسة الحائض بذاتها وثيابها. ٤ - قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٤٤٩): «غرض البخاري في هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف، وقراءتها للقرآن، لأنَّ المؤمن الحافظ له أكبر أوعيته وها هو ذا ﷺ أفضل المؤمنين بنبوته وحرمة ما أودعه الله من طيب كلامه في حجر حائض تاليًا للقرآن» اهـ. قلت: في هذا الاستدلال نظر فالقارئ ليس له أحكام المصحف ولا يسمى مصحفاً؛ لكن يمكن الاستدلال به على جواز حمل المحدث للمسجل ونحوه كالجوالات والذواكر التي فيها صوت قارئ للقرآن. على أنَّه ليس في الحديث ما يدل على حصول المباشرة من غير حائل. والله أعلم. قال العلامة القسطلاني ﵀ في [إرشاد الساري] (١/ ٣٤٤): «تعقب بأنَّه ليس في الحديث إشارة إلى الحمل، وإنَّما فيه الاتكاء وهو غير الحمل، وكون الرجل في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل، وإنَّما مراده الدلالة على جواز القراءة بقرب موضع النجاسة لا على جواز حمل الحائض المصحف» اهـ. ٥ - قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح عمدة الأحكام] ص (٩٠): «وفيه إشارة إلى أنَّ الحائض لا تقرأ القرآن لأنَّ قولها: "فيقرأ القرآن" إنَّما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه ولو كانت قراءة القرآن للحائض جائزة

стр. 785

لكان هذا الوهم منتفياً أعني توهم امتناع قراءة القرآن في حجر الحائض ومذهب الشافعي الصحيح امتناع قراءة الحائض للقرآن ومشهور مذهب أصحاب مالك: جوازه» اهـ. قلت: وليس هذا الاستدلال بظاهر فلعلها أراد بيان أنَّ النبي ﷺ لم يكن يعتزل الحائض حتى في أثناء العبادة. وهذه مسألة - أعني قراءة الحائض للقرآن- وقع النزاع فيها بين العلماء. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ٢٢ - ٢٣): «وهذا يبين سر المسألة وفقهها وهو أنَّ الشارع قسم العبادات بالنسبة إلى الحائض إلى قسمين قسم يمكنها التعوض عنه في زمن الطهر فلم يوجبه عليها في الحيض بل أسقطه إمَّا مطلقاً كالصلاة وإمَّا إلى بدله زمن الطهر كالصوم، وقسم لا يمكنها التعوض عنه ولا تأخيره إلى زمن الطهر فشرعه لها مع الحيض أيضاً كالإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه ومن هذا جواز قراءة القرآن لها وهي حائض إذ لا يمكنها التعوض عنها زمن الطهر لأنَّ الحيض قد يمتد بها غالبه أو أكثره فلو منعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتها وربما نسيت ما حفظته زمن طهرها وهذا مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي والنبي ﷺ لم يمنع الحائض من قراءة القرآن وحديث: "لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن" لم يصح فإنَّه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث فإنَّه من رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال الترمذي: لا نعرفه إلَّا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إنَّ إسماعيل بن عياش يروى عن أهل الحجاز

стр. 786

وأهل العراق أحاديث مناكير كأنَّه يضعف روايته عنهم فيما ينفرد به. وقال: إنَّما هو حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام انتهى. وقال البخاري أيضاً: إذا حدث عن أهل بلده فصحيح وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر. وقال علي بن المديني: ما كان أحد أعلم بحديث أهل الشام من إسماعيل بن عياش لو ثبت في حديث أهل الشام ولكنه خلط في حديث أهل العراق، وحدثنا عنه عبد الرحمن ثم ضرب على حديثه فإسماعيل عندي ضعيف. وقال عبد الله بن أحمد: عرضت على أبي حديثاً حدثناه الفضل بن زياد الضبي حدثنا ابن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن" فقال أبي: هذا باطل يعنى: أنَّ إسماعيل وهم» اهـ. قلت: الحديث رواه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٦) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ». قال الترمذي بعد روايته للحديث: «حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقْرَأِ الجُنُبُ وَلَا الحَائِضُ" وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لَا تَقْرَأِ

стр. 787

الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا، إِلَّا طَرَفَ الآيَةِ وَالحَرْفَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَرَخَّصُوا لِلْجُنُبِ وَالحَائِضِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ. وسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، يَقُولُ: إِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ يَرْوِي عَنْ أَهْلِ الحِجَازِ، وَأَهْلِ العِرَاقِ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ، كَأَنَّهُ ضَعَّفَ رِوَايَتَهُ عَنْهُمْ فِيمَا يَتَفَرَّدُ بِهِ» اهـ. وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله في [العلل ومعرفة الرجال] (٣/ ٣٨١): «سألت أبي عن حديث حدثناه الفضل بن زياد الذي يقال له الطسي قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن بن عمر عن النبي ﷺ : "لا يقرأ الجنب والحائض شيئاً من القرآن" فقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش يعني: أنَّه وهم من إسماعيل بن عياش» اهـ. وقال ابن أبي حاتم ﵀ في [علل الحديث] (١/ ٤٩): «وسمعت أبي، وذكر حديث: إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ ، قال: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن". فقال أبي: هذا خطأ، إنَّما هو عن ابن عمر قوله» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٦/ ١٩١ - ١٩٢): «وإنَّما تنازعوا في قراءة القرآن وليس في منعها من القرآن سنة أصلاً فإنَّ قوله: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن" حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث رواه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. وأحاديثه عن أهل الحجاز يغلط فيها كثيراً وليس لهذا أصل عن النبي صلى

стр. 788

الله عليه وسلم ولا حدث به عن ابن عمر ولا عن نافع ولا عن موسى بن عقبة أصحابهم المعروفون بنقل السنن عنهم. وقد كان النساء يحضن على عهد رسول الله ﷺ فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي ﷺ لأمته وتعلمه أمهات المؤمنين وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس فلما لم ينقل أحد عن النبي ﷺ في ذلك نهياً لم يجز أن تجعل حراماً مع العلم أنَّه لم ينه عن ذلك وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنَّه ليس بمحرم. وهذا كما استدللنا على أنَّ المني لو كان نجساً لكان يأمر الصحابة بإزالته من أبدانهم وثيابهم؛ لأنَّه لا بد أن يصيب أبدان الناس وثيابهم في الاحتلام فلما لم ينقل أحد عنه أنَّه أمر بإزالة ذلك لا بغسل ولا فرك مع كثرة إصابة ذلك الأبدان والثياب على عهده وإلى يوم القيامة علم أنَّه لم يأمر بذلك ويمتنع أن تكون إزالته واجبة ولا يأمر به مع عموم البلوى بذلك. كما أمر بالاستنجاء من الغائط والبول والحائض بإزالة دم الحيض من ثوبها. وكذلك الوضوء من لمس النساء ومن النجاسات الخارجة من غير السبيلين: لم يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك مع كثرة ابتلائهم به ولو كان واجباً لكان يجب الأمر به وكان إذا أمر به فلا بد أن ينقله المسلمون؛ لأنَّه مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله» اهـ. وقال العلامة الذهبي ﵀ في [سير أعلام النبلاء] (٦/ ١١٨): «هذا حديث لين الإسناد من قبل إسماعيل، إذ روايته عن الحجازيين مضعفة» اهـ.

стр. 789

وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٨٢): «وأمَّا حديث ابن عمر مرفوعاً: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن" فضعيف من جميع طرقه» اهـ. وروى الدارقطني (٤١٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حَمَّادٍ الآمُلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ». قلت: هذا إسناد شديد الضعف عبد الملك بن مسلمة منكر الحديث كما قاله أبو زرعة وغيره. وروى ﵀ (٤١٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَّانِيُّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ لَا يَقْرَآنِ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا». قلت: فيه رجل مبهم وآخر ضعيف وهو أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن. ورواه الدارقطني أيضاً (٤٢٠) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ النَّخَعِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ عن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ أَبُو مَالِكٍ: وَأَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَأَخْبَرَنِي مُوسَى الأَنْصَارِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى كِلَاهُمَا قَالَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَلِيُّ إِنِّي أَرْضَى

стр. 790

لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي لَا تَقْرَأ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ، وَلَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ، وَلَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ، وَلَا تُصَلِّ وَأَنْتَ عَاقِصٌ شَعْرَكَ، وَلَا تُدَبِّحْ تَدْبِيحَ الْحِمَارِ». قلت: هذا إسناد شديد الضعف أبو مالك النخعي متروك الحديث، والحارث الأعور كذبه غير واحد من العلماء. وروى الدارقطني (٤٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَيُّوبَ الْمُعَدَّلُ بِالرَّمْلَةِ وَالْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ الْمُعَدَّلُ بِمَكَّةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ». قلت: هذا إسناد ضعيف من أجل ابن عياش. ورواه من غير ذكر ابن عباس (٤٢٥) فقال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ». قلت: وهذا إسناد منقطع بين عكرمة وابن رواحة، وزمعة ضعيف. ورواه أيضاً الدارقطني (٤٢٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دُيَيْسِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ عَنْ

стр. 791

عِكْرِمَةَ قَالَ: «كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ مُضْطَجِعًا إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ فَقَامَ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَفَزِعَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فِي مَضْجَعِهِ فَقَامَتْ فَخَرَجَتْ فَرَأَتْهُ عَلَى جَارِيَتِهِ فَرَجَعَتْ إِلَى الْبَيْتِ فَأَخَذَتِ الشَّفْرَةَ، ثُمَّ خَرَجَتْ وَفَرَغَ فَقَامَ فَلَقِيَهَا تَحْمِلُ الشَّفْرَةَ فَقَالَ: مَهْيَمْ. فَقَالَتْ: مَهْيَمْ. قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكْتُكَ حَيْثُ رَأَيْتُكَ لَوَجَأْتُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ بِهَذِهِ الشَّفْرَةِ. قَالَ: وَأَيْنَ رَأَيْتِنِي. قَالَتْ: رَأَيْتُكَ عَلَى الْجَارِيَةِ. فَقَالَ: مَا رَأَيْتِنِي. قَالَ: وقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ. قَالَتْ: فَاقْرَأْ فَقَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ … كَمَا لَاحَ مَشْهُورٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ أَتَى بِالهُدَى بَعْد الْعَمَى فَقُلُوبُنَا … بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ فَقَالَتْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ الْبَصَرَ، ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذَهُ». قلت: وهذا إسناد منقطع أيضاً بين عكرمة وابن رواحة، وزمعة ضعيف. ورواه الدارقطني (٤٢٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ زُرَيْقٍ عَنْ زَمْعَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ». ورواه أيضاً (١٨٦٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ

стр. 792

طَاوُوسٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ، وَلَا النُّفَسَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا». قلت: هذا إسناد شديد الضعف محمد بن الفضل كذبه يحيى بن معين. وقال أحمد: ليس بشيء حديثه حديث أهل الكذب. وقال النسائي متروك الحديث. وجاء موقوفاً رواه الدارقطني (٤٣٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ أَبو سَهل، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَبَّارُ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّعْثَاءِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو خَالِدٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَا يَقْرَأُ الْحَائِضُ، وَلَا الْجُنُبُ، وَلَا النُّفَسَاءُ الْقُرْآنَ». قلت: هذا إسناد حسن لولا عنعنة أبي الزبير. وفي الباب من الآثار ما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ في [مسند الفاروق] (١/ ١٢٨) فقال: «قال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتاب "فضائل القرآن" حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سفيان بن سلمة عن عبيدة السلمانى عن عمر أنَّه كره للجنب أن يقرأ شيئاً من القرآن. هذا إسناد صحيح» اهـ. قلت: ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٠٨٠) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ». قلت: هذا إسناد صحيح. ورواه البيهقي في [المعرفة] (٧٨٤) من طريق الأعمش به.

стр. 793

ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٣٠٧)، والبيهقي في [المعرفة] (٧٨٤) من طريق الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، «يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ». وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٠٨١) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَمْشِي نَحْوَ الْفُرَاتِ وَهُوَ يُقْرِئُ رَجُلًا، فَبَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَكَفَّ الرَّجُلُ عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: إِنَّكَ بُلْتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «إِنِّي لَسْتُ بِجُنُبٍ». قلت: هذا إسناد حسن. ومرسلات إبراهيم النخعي عن ابن مسعود صحاح، وحماد هو ابن أبي سليمان. وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٠٨٦، ١٠٩١) حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ السِّمْطِ، عَنْ أَبِي الْغَرِيفِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «لَا يَقْرَأُ وَلَا حَرْفًا» يَعْنِي: الْجُنُبَ. ورواه البيهقي في [الكبرى] (٤١٧) من طريق عامر به. ورواه البيهقي في [الكبرى] (٤٢٣) من طريق عَامِرِ بْنِ السِّمْطِ، عَنْ أَبِي الْغَرِيفِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَمَّا وَأَنْتَ جُنُبٌ فَلَا، وَلَا حَرْفًا». ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٣٠٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْغَرِيفِ الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَالَ، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُكُمْ جُنُبًا، فَإِذَا كَانَ جُنُبًا فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا». قلت: الحديث معروف عن عامر السمط، وأخشى أن يكون ذكر الشعبي من قبيل الوهم.

стр. 794

ورواه الدارقطني في [سننه] (٤٢٥) من طريق عَامِرِ بْنِ السِّمْطِ، نا أَبُو الْغَرِيفِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فِي الرَّحَبَةِ، فَخَرَجَ إِلَى أَقْصَى الرَّحَبَةِ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَبَوْلًا أَحْدَثَ أَوْ غَائِطًا، ثُمَّ جَاءَ فَدَعَا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ قَبَضَهُمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ صَدْرًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا». هُوَ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ اهـ. قلت: فيه أبو الغريف عبيد الله بن خليفة وثقة الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه أبو حاتم كما في [الجرح والتعديل] لابنه (٥/ ٣١٣): «تكلموا فيه، وهو شيخ من نظراء أصبغ بن نباتة» اهـ. قلت: أصبغ هذا متروك الحديث. والذي يظهر لي عدم ثبوت هذا الأثر عن علي ﵁. والذي يظهر لي أنَّ الجنب لا يقرأ القرآن لثبوت الأثر عن عمر وابن مسعود ﵄، ولا أعلم لهما مخالف من الصحابة ﵃، وما روي عن ابن عباس من أنَّ الجنب يقرأ ورده من القرآن فرواه ابن المنذر في [الأوسط] (٦٢٤) فقال: وَحَدَّثُونَا عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، ثنا الْحُسَيْنُ يَعْنِي ابْنَ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ وِرْدَهُ وَهُوَ جُنُبٌ» اهـ. قلت: محمود بن آدم مجهول تفرد ابن حبان بذكره في "الثقات". وقد ذهب إلى منع الجنب من قراءة القرآن أكثر العلماء ومنهم الشافعي وأحمد، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة للتعوذ، وأجاز أبو حنيفة قراءة بعض آية.

стр. 795

٦ - ويمكن أن يحتج به على جواز تشغيل القرآن في السماعات التي توضع أسفل الجالس في مقاعد السيارات خلافاً لمن منع من ذلك. والله أعلم. قلت: وممن منع من ذلك العلامة ابن عثيمين ﵀ فقد جاء في [لقاء الباب المفتوح] (٣/ ٤٥): «سماحة الشيخ: في بعض السيارات تكون سماعات المسجل محاذية للأقدام، وقد توضع الأقدام والحذاء على السماعة. والسؤال هو: عندما يشغل القرآن فهل يكون في هذا امتهان لكتاب الله تعالى؟ وهل يقاس هذا الفعل على فتواكم على من يمد أقدامه أمام كتاب الله تعالى، نرجو التوجيه والله يحفظكم؟. الجواب: إذا كانت السماعات كما ذكر تحت الأقدام أو عند حذاء الأقدام، فإنَّه لا يفتحه على القرآن الكريم؛ لأنَّ كون القرآن الكريم يسمع من تحت قدم الإنسان لا شك أنَّ فيه إهانة للقرآن، وإذا كان الإنسان لا بد أن يستمع إلى القرآن فليرفع السماعة عن محاذاة الأقدام». ٧ - واستدل به على جواز استناد المصلي إلى المرأة الحائض، وهو الصحيح ولا أعلم حجة صحيحة في المنع من ذلك. قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ١٢١): «وَأَمَّا اسْتِنَادُ الْمُصَلِّي إلَى الْحَائِضِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَرِيضِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا إلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى أَحَدٍ أَنَّهُ يُصَلِّي مُسْتَنِدًا وَلَا يَسْتَنِدُ إلَى حَائِضٍ وَلَا إلَى جُنُبٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ: يَسْتَنِدُ إنْ شَاءَ إلَى حَائِضٍ وَإِلَى جُنُبٍ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ لَمَّا مَنَعَ الْحَائِضَ الصَّلَاةَ مَنَعَ غَيْرَهَا أَنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهَا كَالنَّجَاسَةِ.

стр. 796

وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ مَا رَوَى مَنْصُورُ بْنُ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ". وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا حَدَثٌ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ صَلَاةِ مَنْ اسْتَنَدَ إلَيْهِ كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ مِنْ قَوْلِهِمَا وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ ذَلِكَ لِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ أَوْ الْجَسَدِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ثَوْبَ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ لَا يَسْلَمُ مِنْ نَجَاسَةٍ وَأَنَّ أَشْهَبَ إنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ إذَا تَيَقَّنَ سَلَامَةَ ثِيَابِهِمَا مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ» اهـ. قلت: والاستدلال بهذا الحديث مبني على أنَّ الحائض لا تقرأ القرآن فيقال: قد قرأ النبي ﷺ القرآن وهو مستند على من لا تشرع لها القراءة فكذلك يشرع للمصلي أن يستند على من لا تشرع له الصلاة. ٨ - وفيه إحياء البيوت بقراءة القرآن. * * *

стр. 797

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٤ - عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ». لفظ البخاري (٣٢١) عن مُعَاذَةَ: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ، أَوْ قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ». ولفظ مسلم (٣٣٥) عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ». وهذا اللفظ هو الموافق لما أورده المصنف ﵀. قولها: «أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟» الحرورية: هم الخوارج وسموا بذلك لأنَّهم خرجوا من جيش علي ﵁ وانحازوا إلى مكان بقرب الكوفة يقال له حروراء وهي قرية على ميلين من الكوفة كان أول اجتماع الخوارج بها فنسبوا إليها. وفرق الحرورية ستة: الأزارقة، والصُّفْرِيَّة، والنجدات، والعجاردة، والإباضية، والثعالبة والباقون فروع لها. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٣٢):

стр. 798

«تعني: أنت مِنْ أهل حروراء، وهم الخوارج؛ فإنه قَدْ قيل: إن بعضهم كانَ يأمر بذلك، وقيل: إنَّها أرادت أنَّ هَذا مِنْ جنس تنطع الحرورية، وتعمقهم في الدين حتى خرجوا منهُ» اهـ. وقال العلامة مغلطاي ﵀ في [شرح ابن ماجه] (ص: ٨٧٤): «وقيل: إنَّ عائشة إنما قالت لها ذلك لمخالفتهم السنة وخروجهم عن الجماعة، فخافت عليها عائشة فقالت لها ذلك؛ لأنَّ السنَّة بخلاف ما سألت» اهـ. وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّ الحائض تقضي الصوم دون الصلاة خلافاً لما عليه بعض الخوارج من إيجابهم على الحائض قضاء الصلاة، ومنهم من أوجب على الحائض أداء الصوم والصلاة حال الحيض. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٣٣ - ١٣٤): «وقد حكى غير واحد مِنْ الأئمة إجماع العلماء على أنَّ الحائض لا تقضي الصلاة، وأنَّهم لَم يختلفوا في ذَلِكَ، مِنهُم: الزهري، والإمام أحمد، وإسحاق بنِ راهويه، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر وغيرهم. وقال عطاء وعكرمة: قضاء الحائض الصلاة بدعة. وقال الزهري: أجمع الناس على أنَّ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وقال: وليس في كل شيء نجد الإسناد. وقد حكي عَنْ بعض الخوارج: أنَّ الحائض تقضي الصلاة، وعن بعضهم: أنَّها تصلي في حال حيضها.

стр. 799

ولكن في "سنن أبي داود" بإسناد فيهِ لين، أنَّ سمرة بنِ جندب كانَ يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض» اهـ. قلت: روى ذلك أبو داود (٣١٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ يَعْنِي حُبِّي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي الأَزْدِيَّةُ يَعْنِي مُسَّةَ قَالَتْ: «حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ يَأْمُرُ النِّسَاءَ يَقْضِينَ صَلَاةَ الْمَحِيضِ فَقَالَتْ: لَا يَقْضِينَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْعُدُ فِي النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ». قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ حَاتِم: وَاسْمُهَا مُسَّةُ تُكْنَى أُمَّ بُسَّةَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ كُنْيَتُهُ أَبُو سَهْلٍ اهـ. قلت: يونس بن نافع فيه لين، ومسة مجهولة جهالة حال. قلت: وإنَّما يسقط عن الحائض قضاء الصلاة التي استغرق حيضها وقتها، ولم تكن مجموعة إلى ما قبلها أو بعدها، فإن لم يستغرق حيضها وقت الصلاة، بل طهرت في آخر الوقت، أو حاضت بعد مضي أوله، ففي لزوم قضائها نزاع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٣/ ص ٢٠٨): «وإن كان الإدراك في وقت الثانية من المجموعتين وجبت الأولى أيضاً لما ذكره الإمام أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس ﵄ قالا: إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشمس صلت الظهر والعصر وإذا رأت الطهر قبل أن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء. وروى حرب عن أبي هريرة قال: إذا طهرت قبل أن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء. وهذا لأنَّ

стр. 800

مواقيت الصلاة خمسة في حال الاختيار وثلاثة في حال العذر والضرورة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾، وإنَّ السنة مضت بذلك في حال العذر حتى جاز أن يصلي الظهر والعصر ما بين الزوال إلى غروب الشمس ويصلي المغرب والعشاء ما بين الغروب إلى طلوع الفجر وهو الجمع بين الصلاتين إذا آخر الأولى بنية الجمع ثم حدث له عذر أخرهما بسببه إلى وقت الضرورة وهذا وقت الضرورة فلذلك كان مدركاً للأولى بما أدرك به الثانية. وإن كان الإدراك في وقت الأولى بأن تحيض المرأة في وقت الظهر أو المغرب أو يجن الرجل فهل يجب عليهما قضاء العصر والعشاء على روايتين إحداهما يجب القضاء لأنَّ وقتهما واحد، والثانية لا يجب وهي المنصورة عند أصحابنا لأنَّ وقت الأولى إنَّما يكون وقتاً للثانية إذا فعل الأولى فتكون الثانية تابعة لها بخلاف وقت الثانية فإنَّه يكون وقتاً للأولى فعلها أو لم يفعلها» اهـ. وقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٣٤ - ٤٣٥): «ولهذا كان عند جمهور العلماء: كمالك والشافعي وأحمد إذا طهرت الحائض في آخر النهار صلت الظهر والعصر جميعاً وإذا طهرت في آخر الليل صلت المغرب والعشاء جميعاً كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس؛ لأنَّ الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر فإذا طهرت في آخر النهار فوقت الظهر باق فتصليها قبل العصر. وإذا طهرت في آخر الليل فوقت. المغرب باق في حال العذر؛ فتصليها قبل العشاء. ولهذا ذكر الله المواقيت تارة خمساً ويذكرها ثلاثاً تارة

стр. 801

كقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية. وهو وقت المغرب والعشاء. وكذلك قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. والدلوك هو الزوال وغسق الليل هو اجتماع ظلمة الليل وهذا يكون بعد مغيب الشفق. فأمر الله بالصلاة من الدلوك إلى الغسق فرض في ذلك الظهر والعصر والمغرب والعشاء ودل ذلك على أنَّ هذا كله وقت الصلاة فمن الدلوك إلى المغرب وقت الصلاة ومن المغرب إلى غسق الليل وقت الصلاة. وقال: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ لأنَّ الفجر خصت بطول القراءة فيها ولهذا جعلت ركعتين في الحضر والسفر فلا تقصر ولا تجمع إلى غيرها فإنهَّ عوض بطول القراءة فيها عن كثرة العدد» اهـ. قلت: أثر عبد الرحمن بن عوف رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٠٥)، ومن طريقه ابن المنذر في [الأوسط] (٨٢٤). حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي جَدَّتِي، عَنْ مَوْلًى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعَتْهُ يَقُولُ: «إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ». ورواه البيهقي في [المعرفة] (٢٤٥٦)، و [الكبرى] (١٨١٥) من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَوْلًى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ صَلَّتِ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا».

стр. 802

قلت: في إسناده من لا يعرف لإبهامه. ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٢٨٥) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حُدِّثْتُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «إِذَا طَهُرَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتْ صَلَاةَ النَّهَارِ كُلَّهَا، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ صَلَّتْ صَلَاةَ اللَّيْلِ كُلَّهَا». قلت: لم يسنده ابن جريج ويخشى أن يرجع إلى الأول. وأثر ابن عباس ﵁ رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٠٧) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به. قلت: هذا إسناد ضعيف فيه عنعنة هشيم، ويزيد هو ابن أبي زياد ضعيف الحديث، ومقسم هو ابن بجرة. ورواه ابن المنذر في [الأوسط] (٨٢٥) من طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به. ورواه الدارمي في [سننه] (٩٢٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ به. ورواه البيهقي في [المعرفة] (٢٤٥٧)، و [الكبرى] (١٨١٦) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا طَهُرَتِ الْمَرْأَةُ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَلْتَبْدَأْ بِالظُّهْرِ فَلْتُصَلِّهَا، ثُمَّ لِتُصَلِّي الْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَلْتَبْدَأْ فَلْتُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ».

стр. 803

قلت: فيه يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث كما سبق. لكنه قال ﵀ (٢٤٥٨) تَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اهـ. وأسند ذلك في [الكبرى] (١٨١٧) فقال: وَهُوَ فِيمَا أَجَازَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ رِوَايَتَهُ عَنْهُ، أنا أَبُو الْوَلِيدِ، ثنا الشَّامَاتِيُّ، ثنا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، ثنا حَفْصٌ، عَنْ لَيْثٍ، فَذَكَرَهُ وَقِيلَ عَنْهُ، عَنْهُمَا مِنْ قَوْلِهِمَا اهـ. قلت: والمعنى أنَّ الاختلاف حصل على ليث بن أبي سليم هل الأثر من قول ابن عباس أو من قول طاوس وعطاء. فرواه حفص بن غياث عن ليث عن طاوس وعطاء عن ابن عباس. وخالفه محمد بن فضيل. قال ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٠٩) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: «إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ». قلت: وقد تابع ابن فضيل سفيان الثوري فروى الدارمي في [سننه] (٩٢٦)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (١٢٨٢) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ به. ولم يذكر عطاءً. قلت: فالمحفوظ في الرواية عن ليث ما رواه الثوري وابن فضيل عنه، لا سيما وأنَّ حفصاً كان يخطئ قليلاً بأخرة، وبهذا يتبين عدم ثبوت الأثر عن ابن عباس ﵄. وأمَّا أثر أبي هريرة ﵁ فلم أقف عليه مسنداً.

стр. 804

وقد خالف هؤلاء أنس بن مالك ﵁. فروى الدارمي في [سننه] (٩٢٩) أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يُونُسَ، وَحُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ، صَلَّتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَلَا تُصَلِّي غَيْرَهَا». قلت: هذا أثر صحيح. ويقوى ما قاله أنس بأمور منها: - أنَّه المأثور عن الصحابة وخلافه لا يصح، والحق لا يخرج عن المأثور عن الصحابة. - ومنها: أنَّ القضاء لو وجب لأثر ذلك عن رسول الله ﷺ فإنَّ هذا الأمر مما تعم به البلوى وليس من الأمور النادرة، وما كان من الأمور مما تعم به البلوى فلا يقبل فيها إلَّا الأدلة الصحيحة الصريحة. - ومنها: أنَّ هنالك فرقاً بين صلاة أهل الأعذار كالمسافر والمريض وبين الحائض، وذلك أنَّ صاحب العذر كالمسافر والمريض وجبت عليهما صلاة الظهر والعصر بدخول وقتهما فإذا أخرا ذلك إلى وقت العصر والعشاء فقد أخرا ما وجب عليهما، وأمَّا الحائض فلم تكن عليها صلاة الظهر والمغرب واجبة. وهذا مذهب أبي حنيفة من الأئمة الأربعة. وهو مذهب قتادة فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (١٢٨٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ صَلَّتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا لَمْ تَطْهُرْ فِي وَقْتِهَا لَمْ تُصَلِّ تِلْكَ الصَّلَاةَ».

стр. 805

قلت: إسناده صحيح. ومذهب الحسن البصري فقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢١٣) والدارمي في [سننه] (٩٢٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي «الْحَائِضِ تُصَلِّي الصَّلَاةَ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا». قلت: إسناده صحيح. وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (١٢٨٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ صَلَّتِ الْعَصْرَ وَلَمْ تُصَلِّ الظُّهْرَ». قلت: إسناده صحيح. وقال العلامة ابن المنذر ﵀ في [الأوسط] (٢/ ٢٤٥): «وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا صَلَاةَ عَلَى الْحَائِضِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِذَا طَهُرَتْ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهَا بِاخْتِلَافٍ صَلَاةً لَا حُجَّةَ مَعَ مُوجِبِ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ". دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْعَصْرِ لَا لِلظُّهْرِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ صَلَّتِ الْعَصْرَ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ، هَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنْ شَاءَتْ إِنْ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا الْعَصْرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَلَيْسَ الْمَغْرِبُ عَلَيْهَا بِوَاجِبٍ إِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَحُكِيَ عَنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا» اهـ.

стр. 806

قلت: وأمَّا إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة فذهب الجمهور إلى وجوب قضاء تلك الصلاة التي دخل وقتها، وذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وابن حزم إلى عدم وجوب القضاء، وهذا الأظهر؛ وذلك لأنَّ الإلزام بالقضاء يحتاج إلى دليل وحيض المرأة في أثناء وقت الصلاة من الأمور التي تعم بها البلوى فلو كان واجباً عليهن القضاء لأمر بذلك النبي ﷺ وهذا مما لا وجود له فيما أعلم. والله أعلم. وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: «لَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا لِأَنَّهَا فِي وَقْتٍ». قلت: هذا إسناد صحيح، ومغيرة هو ابن مقسم، وحماد هو ابن أبي سليمان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥): «ثم اختلف هؤلاء فيما تلزم به الصلاة الأولى على قولين: أحدهما: تجب بما تجب به الثانية وهل هو ركعة؟ أو تكبيرة؟ على قولين: والثاني: لا تجب إلَّا بأن تدرك زمناً يتسع لفعلها وهو أصح. وقريب من هذا اختلافهم فيما إذا دخل عليها الوقت وهي طاهرة ثم حاضت هل يلزمها قضاء الصلاة أم لا؟ على قولين: أحدهما لا يلزمها كما يقوله مالك وأبو حنيفة. والثاني: يلزمها كما يقوله الشافعي وأحمد ثم اختلف الموجبون عليها الصلاة فيما يستقر به الوجوب على قولين: أحدهما قدر تكبيرة وهو المشهور في مذهب أحمد.

стр. 807

والثاني: أن يمضي عليها زمن تتمكن فيه من الطهارة وفعل الصلاة وهو القول الثاني في مذهب أحمد والشافعي. ثم اختلفوا بعد ذلك: هل يلزمها فعل الثانية من المجموعتين مع الأولى؟ على قولين وهما روايتان عن الإمام أحمد. والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك أنَّها لا يلزمها شيء؛ لأنَّ القضاء إنَّما يجب بأمر جديد ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء ولأنَّها أخرت تأخيراً جائزاً فهي غير مفرطة. وأمَّا النائم أو الناسي وإن كان غير مفرط أيضاً فإنَّ ما يفعله ليس قضاء بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ ويذكر. كما قال النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" وليس عن النبي ﷺ حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها وإنَّما وردت السنة بالإعادة في الوقت لمن ترك واجباً من واجبات الصلاة» اهـ. قلت: واستثنى علماء الشافعية من الصلاة التي لا تقضى ركعتي الطواف. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٢/ ٤٦): «قَالَ أَصْحَابنَا: كُلّ صَلَاة تَفُوت فِي زَمَن الْحَيْض لَا تُقْضَى إِلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَاف» اهـ. ٢ - أنَّ الواجب على العبد امتثال الأمر وإن لم يعلم الحكمة فيه، مع وجوب اعتقاد أنَّ الله لا يفعل الفعل إلاَّ لحكمة، ولا يأمر بشيء إلاَّ لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلَّا لحكمة. وقد حاول العلماء معرفة بعض الحكم في ذلك فقال بعضهم: إنَّ الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض لا يخلو منه كل شهر - غالباً -، فلو أمرت

стр. 808

الحائض بقضاء الصلاة مع أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذلك عليها، بخلاف الصيام؛ فإنَّه إنَّما يجيء مرة واحدة في السنة، فلا يشق قضاؤه. ومنهم من قال: جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر، فيغني ذلك عن قضاء ما تركته منها في الحيض، بخلاف صيام رمضان؛ فإنَّه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها. ٣ - الحديث يدل على ما قاله الأصوليون من أنَّ قول الصحابي كنا نؤمر وننهى في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وإلَّا لم تقم الحجة به. * * *

стр. 809

قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الصلاة (باب المواقيت) ٤٥ - عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ إيَاسٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. قوله: «كِتَابُ الصَّلَاةِ». الصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩]. وقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقول النبي ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ». رواه مسلم (١٤٣١).

стр. 810

والصلاة شرعاً: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال ونية مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم. وقوله: «بَابُ المَوَاقِيْتِ» المواقيت جمع ميقات وهو مفعال من الوقت وهو القدر المحدد للفعل من الزمان أو المكان. والزمان كمواقيت الصلوات، والصيام وغيرهما، والمكان كمواقيت الحج وهي أماكن الإحرام، والحج فيه مواقيت زمانية ومكانية، والمواقيت الزمانية هي أشهر الحج. وفي الحديث عدة مسائل منها: ١ - في بيان أنَّ الصلاة أفضل العبادات البدنية المتعلقة بحقوق الله تعالى. فإن قيل: روى البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». ولم يذكر في الحديث الصلاة. والجواب عن ذلك أنَّ الصلاة داخلة في مسمى الإيمان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٠/ ٤٣٩ - ٤٤٠): «وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِلنَّبِيِّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ". قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْته لَزَادَنِي.
следующие страницы →