← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قلت: وأمَّا إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة فذهب الجمهور إلى وجوب قضاء تلك الصلاة التي دخل وقتها، وذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وابن حزم إلى عدم وجوب القضاء، وهذا الأظهر؛ وذلك لأنَّ الإلزام بالقضاء يحتاج إلى دليل وحيض المرأة في أثناء وقت الصلاة من الأمور التي تعم بها البلوى فلو كان واجباً عليهن القضاء لأمر بذلك النبي ﷺ وهذا مما لا وجود له فيما أعلم. والله أعلم. وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: «لَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا لِأَنَّهَا فِي وَقْتٍ». قلت: هذا إسناد صحيح، ومغيرة هو ابن مقسم، وحماد هو ابن أبي سليمان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥): «ثم اختلف هؤلاء فيما تلزم به الصلاة الأولى على قولين: أحدهما: تجب بما تجب به الثانية وهل هو ركعة؟ أو تكبيرة؟ على قولين: والثاني: لا تجب إلَّا بأن تدرك زمناً يتسع لفعلها وهو أصح. وقريب من هذا اختلافهم فيما إذا دخل عليها الوقت وهي طاهرة ثم حاضت هل يلزمها قضاء الصلاة أم لا؟ على قولين: أحدهما لا يلزمها كما يقوله مالك وأبو حنيفة. والثاني: يلزمها كما يقوله الشافعي وأحمد ثم اختلف الموجبون عليها الصلاة فيما يستقر به الوجوب على قولين: أحدهما قدر تكبيرة وهو المشهور في مذهب أحمد.

стр. 807

والثاني: أن يمضي عليها زمن تتمكن فيه من الطهارة وفعل الصلاة وهو القول الثاني في مذهب أحمد والشافعي. ثم اختلفوا بعد ذلك: هل يلزمها فعل الثانية من المجموعتين مع الأولى؟ على قولين وهما روايتان عن الإمام أحمد. والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك أنَّها لا يلزمها شيء؛ لأنَّ القضاء إنَّما يجب بأمر جديد ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء ولأنَّها أخرت تأخيراً جائزاً فهي غير مفرطة. وأمَّا النائم أو الناسي وإن كان غير مفرط أيضاً فإنَّ ما يفعله ليس قضاء بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ ويذكر. كما قال النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" وليس عن النبي ﷺ حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها وإنَّما وردت السنة بالإعادة في الوقت لمن ترك واجباً من واجبات الصلاة» اهـ. قلت: واستثنى علماء الشافعية من الصلاة التي لا تقضى ركعتي الطواف. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٢/ ٤٦): «قَالَ أَصْحَابنَا: كُلّ صَلَاة تَفُوت فِي زَمَن الْحَيْض لَا تُقْضَى إِلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَاف» اهـ. ٢ - أنَّ الواجب على العبد امتثال الأمر وإن لم يعلم الحكمة فيه، مع وجوب اعتقاد أنَّ الله لا يفعل الفعل إلاَّ لحكمة، ولا يأمر بشيء إلاَّ لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلَّا لحكمة. وقد حاول العلماء معرفة بعض الحكم في ذلك فقال بعضهم: إنَّ الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض لا يخلو منه كل شهر - غالباً -، فلو أمرت

стр. 808

الحائض بقضاء الصلاة مع أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذلك عليها، بخلاف الصيام؛ فإنَّه إنَّما يجيء مرة واحدة في السنة، فلا يشق قضاؤه. ومنهم من قال: جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر، فيغني ذلك عن قضاء ما تركته منها في الحيض، بخلاف صيام رمضان؛ فإنَّه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها. ٣ - الحديث يدل على ما قاله الأصوليون من أنَّ قول الصحابي كنا نؤمر وننهى في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وإلَّا لم تقم الحجة به. * * *

стр. 809

قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الصلاة (باب المواقيت) ٤٥ - عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ إيَاسٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. قوله: «كِتَابُ الصَّلَاةِ». الصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩]. وقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقول النبي ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ». رواه مسلم (١٤٣١).

стр. 810

والصلاة شرعاً: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال ونية مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم. وقوله: «بَابُ المَوَاقِيْتِ» المواقيت جمع ميقات وهو مفعال من الوقت وهو القدر المحدد للفعل من الزمان أو المكان. والزمان كمواقيت الصلوات، والصيام وغيرهما، والمكان كمواقيت الحج وهي أماكن الإحرام، والحج فيه مواقيت زمانية ومكانية، والمواقيت الزمانية هي أشهر الحج. وفي الحديث عدة مسائل منها: ١ - في بيان أنَّ الصلاة أفضل العبادات البدنية المتعلقة بحقوق الله تعالى. فإن قيل: روى البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». ولم يذكر في الحديث الصلاة. والجواب عن ذلك أنَّ الصلاة داخلة في مسمى الإيمان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٠/ ٤٣٩ - ٤٤٠): «وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِلنَّبِيِّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ". قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْته لَزَادَنِي.

стр. 811

وَثَبَتَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ: أَيْ صَلَاتُكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ كَالْإِيمَانِ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ بِحَالِ فَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ الْفَرْضَ لَا لِعُذْرِ وَلَا لِغَيْرِ عُذْرٍ كَمَا لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ عَنْهُ وَلَا تَسْقُطُ بِحَالِ كَمَا لَا يَسْقُطُ الْإِيمَانُ» اهـ. قلت: فإن قيل: لما اقتصر النبي ﷺ على الصلاة ولم يذكر سائر أركان الإسلام وهي أعظم من بر الوالدين ومن الجهاد. فالجواب: أنَّ النبي ﷺ أراد التمثيل بأعلى الأعمال من كل نوع والله أعلم. والمعنى أنَّ النبي ﷺ ذكر أفضل العبادات البدنية المتعلقة بحقوق الله تعالى وهي الصلاة، ثم ذكر أفضل العبادات المتعلقة بحقوق الخلق، وهو بر الوالدين، ثم ذكر أفضل التطوعات وهو الجهاد. فإن قيل: فلما أخَّر الحج في حديث أبي هريرة وقدم عليه الجهاد. فالجواب: لعل ذلك كان قبل فرضية الحج، أو المراد بذلك التنفل بالحج دون الفرض. والله أعلم. ٢ - استدل به الإمام أحمد ومن وافقه على أنَّ أفضل أعمال التطوع الجهاد. قال العلامة ابن هبيرة ﵀ في [اختلاف الأئمة العلماء] (١/ ٢٥٩): «وَاخْتلفُوا فِي أفضل الْأَعْمَال بعد الْفَرَائِض.

стр. 812

فَقَالَ الشَّافِعِي: الصَّلَاة أفضل أَعمال الدّين وتطوعها أفضل التَّطَوُّع. وَقَالَ أَحْمد: لَا أعلم شَيْئا بعد الْفَرَائِض أفضل من الْجِهَاد. وَأمَّا مَالك وَأَبُو حنيفَة فمذهبهما أَنَّه لَا شَيْء بعد فروض الْأَعْيَان من أَعمال الْبر أفضل من الْعلم ثمَّ الْجِهَاد» اهـ. قلت: وهناك رواية عن أحمد بتقديم العلم على غيره. قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ٣٣٩): «وَعَنْهُ الْعِلْمُ: تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ» اهـ. قلت: وهذا الذي يظهر لي صحته، وذلك أنَّ العلم هو أصل جميع الأعمال ومنها الجهاد. وقد تنوعت الأحاديث في ذكر أفضل الأعمال، وقد خاض العلماء في التوفيق بينها بأقوال متعددة. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٩): «قَوْلُهُ: "أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ". فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: "أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ". وَكَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ هُوَ الْمَسْئُولُ بِهِ فَلَفْظُ حَدِيثِ الْبَابِ مَلْزُومٌ عَنْهُ وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ أَدَائِهَا وَقَدْ تَضَافَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَمَعَ

стр. 813

ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ، أَوْ أَنَّ أَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فحذفت من وَهِي مُرَادة. وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَعْمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَدَنِيَّةِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ" الْحَدِيثَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُرَادُ بِالْجِهَادِ هُنَا مَا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ فَيَكُونُ بِرُّهُمَا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ» اهـ. وقد بسط القول في ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢١٠ - ٢٢٠) فقال: «فإن قيل: فقد روي خلاف ما يفهم منه ما دل عليه حديث ابن مسعود هذا؛ ففي "الصحيحين"، عن أبي هريرة، أنَّ النبي ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قيل: ثم أي؟ قال: "حج مبرور". وفيهما - أيضاً - عن أبي ذر، أنَّه سأل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله". ولم يذكر في هذين الحديثين الصلاة ولا بر الوالدين، وروي نصوص أُخر بأنَّ الجهاد أفضل الأعمال مطلقاً، وروي ما يدل على أنَّ أفضل الأعمال ذكر الله ، وجاء ذلك صريحاً عن جماعة كثيرة من الصحابة ﵃.

стр. 814

قيل: هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وذكروا في توجيهه والجمع بين النصوص الواردة به وجوهاً غير مرضية. فمنهم من قال: أراد بقوله: "أفضل الأعمال كذا" أي: أنَّ ذلك من أفضل الأعمال، لا أنَّه أفضلها مطلقاً. وهذا في غاية البعد. ومنهم من قال: أجاب كل سائل بحسب ما هو أفضل الأعمال له خاصة كما خص ابن مسعود بذكر الوالدين لحاجته إليه، ولم يذكر ذلك لغيره. لكن أبو هريرة كانت له أم - أيضاً. وظهر لي في الجمع بين نصوص هذا الباب ما أنا ذاكره بحمد الله وفضله، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، فنقول: لا ريب أنَّ أفضل الأعمال ما افترضه الله على عباده، كما ذكرنا الدليل عليه في أول الكلام على هذا الحديث، وأولى الفرائض الواجبة على العباد وأفضلها الإيمان بالله ورسوله، تصديقاً بالقلب، ونطقاً باللسان، وهو النطق بالشهادتين، وبذلك بعث النبي ﷺ ، وأمر بالقتال عليه، وقد سبق ذلك مبسوطاً في " كتاب الإيمان". ثم بعد ذلك: الإتيان ببقية مباني الإسلام الخمس التي بني عليها، وهي: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. وقد كان النبي ﷺ يأمر من يبعثه يدعو إلى الإسلام أن يدعو أولاً إلى الشهادتين، ثم إلى الصلاة، ثم إلى الصيام، ثم إلى الزكاة، كما أمر بذلك معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن، وكان يعلم من يسأله عن الإسلام مبانيه

стр. 815

الخمس، كما في حديث سؤال جبريل ﵇ له عن الإسلام، وكما في حديث طلحة، أنَّ النبي ﷺ علم الأعرأبي الذي سأله عن الإسلام المباني. فإذا تقرر هذا، فقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة لما سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" فهذا وجه ظاهر، لا إشكال فيه؛ فإنَّ الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقاً، وسمى الشهادتين مع التصديق بهما عملاً، لما في ذلك من عمل القلب واللسان. وقد قرر البخاري ذلك في " كتاب الإيمان" وسبق الكلام عليه في موضعه. وقوله في حديث أبي هريرة: "ثم الجهاد في سبيل الله"، وفي حديث أبي ذر: "والجهاد" - بالواو - يشهد له أنَّ الله قرن بين الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله في مواضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١] الآية. فالإيمان بالله ورسوله: التصديق بهما في القلب مع الإقرار بذلك باللسان. والجهاد هو دعاء الناس إلى ذلك بالسيف والسنان، بعد دعائهم بالحجة والبيان، ولهذا يشرع الدعاء إلى الإسلام قبل القتال. وقد قيل: إنَّ الجهاد كان في أول الإسلام فرض عين على المسلمين كلهم، لا يسع أحداً التخلف عنه، كما قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]،

стр. 816

ثم بعد ذلك رخص لأهل الأعذار، ونزل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، روي ذلك عن ابن عباس وغيره، وحينئذ فيحتمل جعل النبي ﷺ أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد معنيين: أحدهما: أن يقال: إنَّما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان، وقريناً له، فلما نزلت الرخصة وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان. وقد اختلف ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص في عد الجهاد من فرائض الإسلام، فعده عبد الله بن عمرو منها بعد الحج، وأنكر ذلك ابن عمر عليه، وقال: فرائضه تنتهي إلى الحج. وقد روى اختلافهما في ذلك أبو عبيد في " كتاب الناسخ والمنسوخ" وغيره. وعدَّ حذيفة بن اليمان الجهاد من سهام الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأضافهما إلى مباني الإسلام الخمس، وجعلها ثمانية سهام، وكأنَّه جعل الشهادتين سهمين. والثاني - وهو أشبه -: أنَّ النبي ﷺ كان إذا سئل عن أفضل الأعمال، فتارةً يذكر الإيمان بالله ورسوله لدخوله في مسمى الأعمال، كما سبق تقريره، وتارة يذكر أعمال الجوارح؛ لأنَّ المتبادي إلى الفهم عند ذكر الأعمال مع الإطلاق أعمال الجوارح، دون عمل القلب واللسان، فكان إذا تبين له أنَّ ذلك هو مراد السائل ذكر الصلاة له، كما ذكرها في حديث ابن مسعود هذا؛ فإنَّ الصلاة أفضل أعمال الجوارح، وحيث أجاب بذكر الإيمان أو بذكر الصلاة، فإنَّما

стр. 817

مقصوده التمثيل بأفضل مباني الإسلام، ومراده المباني بجملتها؛ فإنَّ المباني الخمس كالشيء الواحد، وكل من دخل في الإسلام بالإقرار بالشهادتين أو بالصلاة - على رأي من يرى فعلها إسلاماً -، فإنَّه يؤمر ببقية المباني، ويلزم بذلك، ويقاتل على تركه. وفي حديث خرجه الإمام أحمد. أنَّ النبي ﷺ قال: "أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئاً حتى يأتي بهنَّ جميعاً: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت". وفي حديث آخر: "الدين خمس لا يقبل الله منهن شيئاً دون شيء" - فذكر مباني الإسلام الخمس، وأنَّ من أتى ببعضها دون بعض لم يقبل منه. ونفي القبول لها بمعنى نفي الرضا بذلك واستكمال الثواب عليه، وحينئذٍ فذكر بعض المباني مشعر بالباقي منها، فكان النبي ﷺ تارة يكتفي في جواب من ساله عن أفضل الأعمال بالشهادتين، وتارة بالصلاة، ومراده في كلا الجوابين سائر المباني، لكنه خص بالذكر أشرفها، فكأنَّه قال: الشهادتان وتوابعهما، والصلاة وتوابعها ولوازمها، وهو بقية المباني الخمس. ويشهد لهذا: قول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم". فتوهم طائفة من الصحابة أنَّ مراده أن مجرد هذه الكلمة يعصم الدم حتى توقفوا في قتال من منع الزكاة، حتى بين لهم أبو بكر - ورجع الصحابة إلى قوله: أنَّ المراد: الكلمتان بحقوقهما ولوازمهما، وهو الإتيان ببقية مباني الإسلام.

стр. 818

وقد تبين صحة قولهم بروايات أخر تصرح بإضافة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى الشهادتين في شرط عصمة الدم. وكذلك قوله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله لم تمسه النار - أو دخل الجنة". إنَّما أراد الشهادتين بلوازمهما وتوابعهما، وهو الإتيان ببقية أركان الإسلام ومبانيه. وفي حديث ابن مسعود قدم بر الوالدين على الجهاد إشارة إلى أنَّ حقوق العباد اللازمة التي هي من فروض الأعيان تقدم على التطوع بالجهاد. وحديث أبي هريرة وأبي ذر فيهما اقتران الجهاد بالإيمان، لكنه في حديث أبي هريرة جعله بعد الإيمان، وجعل بعده الحج المبرور، فيحتمل أن يقال: كان ذلك في زمان كان الجهاد فيه فرض عين، فكان مقدماً على الحج، ويحتمل أن يقال: قد فهم دخول الحج من ذكر الإيمان بالله ورسوله؛ لأنَّ ذلك يتبعه بقية مباني الإسلام، ومنها الحج، لا سيما وقد تقرر في أول الكتاب أن الإيمان قول وعمل ويكون المراد به جهاد المتطوع. وهذا أشبه بقواعد الشريعة؛ فإنَّ من معه مال، وعليه زكاة أو حج، وأراد التطوع بالجهاد، فإنَّه لا خلاف أنَّه يقدم الزكاة والحج على التطوع بالجهاد، كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حجة قبل الغزو أفضل من عشر غزوات، وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات. وروي - مرفوعا - من وجوه في أسانيدها مقال.

стр. 819

فتبين بهذا التقرير أنَّ الأحاديث كلها دالة على أنَّ أفضل الأعمال الشهادتان مع توابعهما، وهي بقية مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعها - أيضاً - من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله ، ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان، كبر الوالدين، ثم بعد ذلك أعمال التطوع المقربة إلى الله، وأفضلها الجهاد. وفي حديث أبي هريرة تأخير الحج عن الجهاد، ولعله إنَّما ذكره بعد الجهاد حيث كان الحج تطوعاً، فإنَّ الصحيح أنَّ فرضه تأخر إلى عام الوفود. وقد يقال: حديث أبي هريرة دل على أنَّ جنس الجهاد أشرف من جنس الحج، فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين، كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلَّا فالجهاد أفضل منه. فهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث هي رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه، كما في حديث معاذ: فرأسه الشهادتان، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. والجهاد أفضل ما تطوع به من الأعمال، على ما دلت عليه النصوص الصحيحة الكثيرة، وهو مذهب الإمام أحمد. وفي " الصحيحين" عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: "أفضل الناس مؤمن آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره".

стр. 820

فهذا نص في أنَّ المجاهد أفضل من المتخلي لنوافل العبادات من الصلاة والذكر وغير ذلك. فأمَّا النصوص التي جاءت بتفضيل الذكر على الجهاد وغيره من الأعمال، وأنَّ الذاكرين لله أفضل الناس عند الله مطلقاً فالمراد بذلك أهل الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات. وليس الذكر مما يقطع عن غيره من الأعمال كبقية الأعمال، بل يمكن اجتماع الذكر مع سائر الأعمال، فمن عمل عملاً صالحاً، وكان أكثر لله ذكراً فيه من غيره فهو أفضل ممن عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله معه. وقد ورد في نصوص متعددة أنَّ أفضل المصلين والمتصدقين والمجاهدين والحاج وغيرهم من أهل العبادات أكثرهم لله ذكراً. وقد خرجه الإمام أحمد متصلاً، وخرجه ابن المبارك وغيره مرسلاً. فهؤلاء أفضل الناس عند الله، ثم يليهم الذين يذكرون الله كثيراً وليس لهم نوافل من غير الذكر كالجهاد وغيره، بل يقتصرون مع الذكر على فرائض الأعيان، فهؤلاء هم الذاكرون لله كثيراً، المفضلون على المجاهدين، ويليهم قوم يقومون بالفرائض وبالنوافل كالجهاد وغيره من غير ذكر كثير لهم. وإنَّما قال النبي ﷺ لمن سأله عما يعدل الجهاد: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر، وتقوم ولا تفتر". قال: لا. قال: "فذلك الذي يعدل الجهاد"؛ لأنَّه سأله عن عمل ينشؤه عند خروج المجاهد يعادل فضل جهاده.

стр. 821

وأمَّا الذاكرون لله كثيراً، فإنما فضلوا على المجاهدين بغير ذكر؛ لأنَّ لهم عملاً مستمراً دائماً قبل جهاد المجاهدين، ومعه وبعده، فبذلك فضلوا على المجاهدين بغير ذكر كثير. وبهذا تجتمع النصوص الواردة في ذلك. وأماحديث: "خير الإسلام إطعام الطعام وافشاء السلام" فقد سبق الكلام عليه في أول الكتاب، وأنَّه ليس المراد به تفضيل هاتين الخصلتين على سائر خصال الإسلام من الشهادتين والصلاة وغيرهما، بل المراد أنَّ أفضل أهل الإسلام القائمين بخصاله المفروضة من الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج من قام بعد ذلك بإطعام الطعام وافشاء السلام. فإن قيل: فيكون التطوع بذلك أفضل من التطوع بالجهاد والحج. قيل: فيه تفصيل: فإن كان إطعام الطعام فرض عين كنفقة من تلزم نفقته من الأقارب فلا ريب أنَّه أفضل من التطوع بالنفقة في الجهاد والحج، فإن كان تطوعاً، فإن كان صلة رحم فهو أفضل من الجهاد والحج، نص عليه أحمد وكذا إن كان في عام مجاعة ونحوها، فهو أفضل من الحج عند الإمام أحمد، وقد يقال في الجهاد كذلك إذا لم يتعين. وهذا الكلام كله في تفضيل بعض الأعمال على بعض لذاتها، فأمَّا تفضيل بعض الأعمال على بعض لزمانها أو مكانها فإنَّه قد يقترن بالعمل المفضول من زمان أو مكان ما يصير به فاضلاً، فهذا فيه كلام آخر نذكره في موضع آخر - إن شاء الله » اهـ.

стр. 822

٣ - قدم في الحديث بر الوالدين على الجهاد إشارة إلى أنَّ حقوق العباد اللازمة التي هي من فروض الأعيان تقدم على التطوع بالجهاد. ٤ - الحديث يدل على استحباب الصلاة في أول وقتها وهو مأخوذ من لفظة "على" لأنَّها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فتعين أوله. وجاء في لفظ عند البخاري (٧٠٩٦)، ومسلم (٢٤٨): «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا». قال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (٨/ ٢٤): «قال القرطبي وغيره: أنَّ اللام في لوقتها للاستقبال مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي مستقبلات عدتهن. وقيل: للابتداء كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقيل: بمعنى في أي: في وقتها، وقيل: إنَّها لإرادة الاستعلاء على الوقت» اهـ. قلت: لو جعلنا اللام للاستقبال أو الابتداء أو الاستعلاء فهو يدل على استحباب فعل الصلاة في أول وقتها، وأمَّا إذا جعلناها للظرفية فقد قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٧ - ١٨): «وفي قول النبي ﷺ : "الصلاة على وقتها- أو على مواقيتها": دليل - أيضاً- على فضل أول الوقت للصلاة؛ لأنَّ "على" للظرفية، كقولهم: "كان كذا على عهد فلان"، والأفعال الواقعة في الأزمان المتسعة عنها لا تستقر فيها، بل تقع في جزء منها، لكنها إذا وقعت في أول ذلك الوقت فقد صار الوقت كله ظرفاً لها حكماً. ولهذا سمى المصلي مصلياً في حال صلاته وبعدها أمَّا حقيقة أو مجازاً على اختلاف في ذلك، وأمَّا قبل الفعل في الوقت فليس بمصل حقيقة ولا حكماً، وإنَّما

стр. 823

هو مصل بمعنى استباحة الصلاة فقط، فإذا صلى في أول الوقت فإنَّه لم يسم مصلياً إلاَّ في آخر الوقت» اهـ. وقال ﵀ (٤/ ١٧): «وقد روي في هذا الحديث زيادة، وهي: "الصلاة في أول وقتها"، وقد خرجها ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما" والحاكم والدارقطني من طرق متعددة. ورويت من حديث عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، ومن حديث علي بن حفص المدائني، عن شعبة، ورويت عن شعبة من وجه آخر، وفيه نظر، ورويت من وجوه أخر. واستدل بذلك على أنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل، كما استدل لحديث أم فروة، عن النبي ﷺ ، أنَّه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة لأول وقتها". خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي. وفي إسناده اضطراب-: قاله الترمذي والعقيلي. وقد روي نحوه من حديث ابن عمر، إلَّا أن إسناده وهم، وإنَّما هو حديث أم فروة-: قاله الدارقطني في " العلل". وروي نحوه من حديث الشفاء بنت عبد الله» اهـ. فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٠/ ٤٣٩ - ٤٤٠):

стр. 824

«ومعلوم أنَّ الصلاة أفضل العبادات كما في الصحيحين عن ابن مسعود أنَّه قال: قلت للنبي ﷺ : "أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد". قال حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني". وثبت أيضاً في الصحيحين عنه أنَّه جعل أفضل الأعمال إيمان بالله وجهاد في سبيله ثم الحج المبرور. ولا منافاة بينهما؛ فإنَّ الصلاة داخلة في مسمى الإيمان بالله كما دخلت في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، قال البراء بن عازب وغيره من السلف: أي صلاتكم إلى بيت المقدس. ولهذا كانت الصلاة كالإيمان لا تدخلها النيابة بحال فلا يصلي أحد عن أحد الفرض لا لعذر ولا لغير عذر كما لا يؤمن أحد عنه ولا تسقط بحال كما لا يسقط الإيمان؛ بل عليه الصلاة ما دام عقله حاضراً وهو متمكن من فعل بعض أفعالها» اهـ. ٥ - وفي الحديث إثبات صفة المحبة لله . ٦ - وفيه بيان أنَّ الأعمال تتفاضل عند الله . ٧ - وفيه بيان أنَّ الوقت أعظم شروط الصلاة ولهذا نصَّ عليه النبي ﷺ دون غيره من الشروط. ٨ - وفيه ما كان عليه الصحابة من الهمم العالية حيث كانوا يسألون عن أفضل الأعمال ليبادروا إلى فعله. ٩ - وفيه بيان لعظم بر الوالدين.

стр. 825

وقد قرن النبي ﷺ بين حق الله وحق الوالدين في هذا الحديث وشبيه بذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وقد حث الله تعالى في آيات كثيرة على الإحسان للوالدين. فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨].

стр. 826

وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٨]. وقد ذكر الله تعالى عن أنبيائه ورسله ما كانوا عليه من برهم لآبائهم وأمهاتهم فقال الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٢ - ١٥]. وقال الله تعالى عن خليله إبراهيم ﵊: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]. وقال الله تعالى عن نبيه نوح ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].

стр. 827

وقال الله تعالى عن نبيه عيسى ﵊: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٣]. وروى البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) عن أبي هريرة، ﵁، قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ: "أُمُّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ. قَالَ: "أُمُّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ. قَالَ: "أُمُّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ. قَالَ: "ثُمَّ أَبُوكَ"». وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٠١١٩)، ومن طريقه أحمد (٢٥٢٢٣، ٢٥٣٧٦)، والنسائي في [الكبرى] (٨٢٣٣) عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : «نِمْتُ، فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَذَاكَ الْبِرُّ، كَذَاكَ الْبِرُّ». وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ. قلت: هذا حديث صحيح. وروى البخاري (٣٠٠٤)، ومسلم (٦٤٥١) عن عبد الله بن عمرو قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ"». ورواه أحمد (٦٤٩٠، ٦٨٣٣، ٦٨٦٩، ٦٩٠٩)، وأبو داود (٢٥٢٨)، والنسائي (٤١٦٣)، وابن ماجه (٢٧٨٢) من طرق عطاء بن السائب عن أبيه عن

стр. 828

عبد الله بن عمرو قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَىَّ يَبْكِيَانِ. فَقَالَ: "ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا"». قلت: هذا حديث حسن، وعطاء وإن كان اختلط؛ لكن جاء الحديث من طريق الثوري، وشعبة، وحماد بن زيد، وقد رووا عنه قبل الاختلاط. وقد جاء في بعض الروايات ذكر الجهاد، وجاء عند مسلم (٢٥٤٩): عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ قَالَ: "فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ". قَالَ: نَعَمْ بَلْ كِلَاهُمَا. قَالَ: "فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا"». وروى أحمد (١٧٢٢٦)، وابن ماجه (٣٦٦١) عن المقدام بن معد يكرب الكندي عن النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ». قلت: هذا حديث حسن. ومما يدل على عظم حق الوالدة ما رواه البخاري في [الأدب المفرد] (٤) عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: «أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي، وَخَطَبَهَا غَيْرِي، فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ ، وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا

стр. 829

اسْتَطَعْتَ. فَذَهَبْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ». قلت: هذا أثر صحيح. وروى البخاري في [الأدب المفرد] (١١) عن سعيد بن أبى بردة قال سمعت أبي يحدث: «أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ وَرَجُلٌ يَمَانِيٌّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، حَمَلَ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، يَقُولُ: إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلُ … إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرِ ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ أَتُرَانِي جَزَيْتُهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ طَافَ ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أَبِي مُوسَى، إِنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ تُكَفِّرَانِ مَا أَمَامَهُمَا». قلت: هذا أثر صحيح. وأمَّا ضابط بر الوالدين: فقال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [بر الوالدين] (ص: ٢) «برهما يكون بطاعتهما فيما يأمران به ما لم يكن بمحظور، وتقديم أمرهما على فعل النافلة، والاجتناب لما نهيا عنه، والإنفاق عليهما، والتوخي لشهواتهما، والمبالغة في خدمتهما، واستعمال الأدب والهيبة لهما، فلا يرفع الولد صوته، ولا يحدق إليهما، ولا يدعوهما باسمهما، ويمشي وراءهما، ويصبر على ما يكره مما يصدر منهما» اهـ. قلت: ومن الأدب مع الوالدين ما رواه البخاري في [الأدب المفرد] (٤٤)

стр. 830

حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ غَيْرِهِ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَبْصَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: مَا هَذَا مِنْكَ؟ فَقَالَ: أَبِي، فَقَالَ: لَا تُسَمِّهِ بِاسْمِهِ، وَلَا تَمْشِ أَمَامَهُ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ». قلت: إسناده حسن إن كان عروة رواه عن أبيه، وهذا هو الغالب في روايته. وأبو الربيع هو سليمان بن داود الزهراني. * * *

стр. 831

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، مِنْ الْغَلَسِ». قولها: «مُتَلَفِّعَاتٍ» أي: ملتحفات. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٢٨): «و "التلفع": تغطية الرأس» اهـ. وقولها: «بِمُرُوطِهِنَّ» المروط: أكسية معلمة تكون من خز وتكون من صوف. وقولها: «مِنْ الْغَلَسِ» الغلس: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل. وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّه حجة لمن يرى التغليس بصلاة الفجر وتقديمها في أول الوقت. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد. وخالف في ذلك أبو حنيفة ورأى أنَّ الإسفار في بها أفضل واحتج بحديث: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ». رواه أحمد (١٥٨٥٧، ١٧٢٩٦، ١٧٣١٨)، وأبو داود (٤٢٤)، والنسائي (٥٤٧)، والترمذي (١٥٤)، وابن ماجه (٦٧٢) من طريق ابن عجلان عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج. قلت: هذا حديث حسن من أجل ابن عجلان.

стр. 832

ورواه النسائي (٥٤٨) أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال حدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا أبو غسان قال حدثني زيد بن أسلم عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا أَسْفَرْتُمْ بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ بِالأَجْرِ». قلت: هذا إسناد صحيح. قلت: الحديث رواه جماعة عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج. ١ - منهم محمد ابن عجلان وقد سبق حديثه. ٢ - ومحمد بن إسحاق وحديثه في الترمذي (١٥٤)، والدارمي (١٢١٧)، والطيالسي (٩٥٩)، وعبد بن حميد (٤٢٢)، وابن حبان (١٤٩٠)، و [السنن الكبرى] (١/ ٤٥٧) للبيهقي، وعند أبي نعيم في [معرفة الصحابة] (٢٣٥٩)، والطبراني في [الأوسط] (٩٢٨٩)، و [الكبير] (٤٢٨٦، ٤٢٨٧، ٤٢٩٠)، والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٩٧٨). ٣ - وعبد الحميد بن جعفر عند أبي نعيم في [معرفة الصحابة] (٢٣٦٠)، والطبراني في [الكبير] (٤٢٩١). ٤ - ومحمد بن عمرو بن جارية عند أبي نعيم في [معرفة الصحابة] (٢٣٦٠). ٥ - ومحمد بن جارية عند الطبراني في [الكبير] (٤٢٨٥). ٦ - ويزيد بن عياض عند أحمد (٢٩٥٧). فهذا هو الصحيح في حديث عاصم. والله أعلم.

стр. 833

وقد تأول العلماء هذا الحديث فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وغيره: المراد بالإسفار: أن يتبين الفجر ويتضح، فيكون نهياً عن الصلاة قبل الوقت، وقبل تيقن دخول الوقت. وذكر الشافعي: أنَّه يحتمل أنَّ بعض الصحابة كان يصلي قبل الفجر الثاني، فأمر بالتأخير إلى تبين الفجر وتيقنه. ورد ذلك بعضهم بأنَّ قوله: «فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ» يدل على أنَّ في ترك هذا الإسفار أجراً، ولا أجر في الصلاة قبل وقتها. وأجيب بأنَّه لا يلزم من ذلك حصول الأجر في الصلاة قبل الفجر بل هذا كقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مع أنَّه لا خير في الإفساد. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ولا خير لمن اشترى بعهد الله ثمناً قليلاً. وقال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ولا خير في ترك عبادة الله وتقواه. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ولا خير في ترك صلاة الجمعة.

стр. 834

وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، ولا زكاة في إرسال البصر إلى محارم الله تعالى. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، ولا خير في معصية الله ومعصية رسوله، وأولي الأمر. وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ولا خير في التطفيف في الكيل والميزان. وحمله الطحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتى يخرج من الصلاة مسفراً. وحمل بعضهم الإسفار في وقت الصيف لأنَّ الليل قصير والناس ينامون ويتأخرون في استيقاظهم من نومهم فرغب حينئذ في الإسفار مراعاة لأحوال الناس. وحمل بعضهم الإسفار على ما إذا تأخر المأمومون، والمعنى إذا تأخر الناس فاسفروا فإنَّه أعظم للأجر لأنَّه سبب لكثرة المصلين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٩٧ - ٩٨): «أمَّا قوله ﷺ : "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر" فإنَّه حديث صحيح. لكن قد استفاض عن النبي ﷺ أنَّه كان يغلس

стр. 835

بالفجر حتى كانت تنصرف نساء المؤمنات متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس. فلهذا فسروا ذلك الحديث بوجهين: أحدهما: أنَّه أراد الإسفار بالخروج منها: أي أطيلوا القراءة حتى تخرجوا منها مسفرين فإنَّ النبي ﷺ كان يقرأ فيها بالستين آية إلى مائة آية نحو نصف حزب. والوجه الثاني: أنَّه أراد أن يتبين الفجر ويظهر فلا يصلي مع غلبة الظن؛ فإنَّ النَّبي ﷺ كان يصلي بعد التبين إلَّا يوم مزدلفة فإنَّه قدمها ذلك اليوم على عادته والله أعلم» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٤٠٢): «المثال الثالث والستون: رد السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر وأنَّ النبي ﷺ كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة ثم ينصرف منها والنساء لا يعرفن من الغلس وإنَّ صلاته كانت التغليس حتى توفاه الله وإنَّه إنَّما أسفر بها مرة واحدة وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية فرد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر" وهذا بعد ثبوته إنَّما المراد به الإسفار بها دواماً لا ابتداء فيدخل فيها مغلساً ويخرج منها مسفراً كما كان يفعله ﷺ فقوله موافق لفعله لا مناقض له وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه» اهـ. قلت: وقد حمل بعضهم الغلس في الحديث على الغلس داخل المسجد لكن يأباه قولها ﵂:

стр. 836

«ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ». ٢ - وفيه جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى لأنَّ الليل مظنة الريبة أكثر من النهار ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن أو بهن فتنة قاله الحافظ ابن حجر ﵀. ٣ - ويدل الحديث على سرعة خروجهن من المسجد عقيب انقضاء الصلاة. ٤ - قال الباجي: هذا يدل على أنَّهنَّ كنَّ سافرات إذ لو كن متنقبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس. هكذا نقله الحافظ ابن حجر ﵀ عن الباجي، ونص كلامه ﵀ في [المنتقى] (١/ ٤): «وقوله: "ما يعرفن من الغلس". يحتمل أمرين: أحدهما: لا يعرف أرجال هنَّ أم نساء من شدة الغلس إنَّما يظهر إلى الرائي أشخاصهن خاصة قال ذلك الراوي، ويحتمل أيضاً أن يريد لا يعرفن من هنَّ من النساء من شدة الغلس وإن عرف أنَّهن نساء إلَّا أن هذا الوجه يقتضي أنَّهن سافرات عن وجوههن ولو كنَّ غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس إلَّا أنَّه يجوز أن يبيح لهنَّ كشف وجوههن أحد أمرين: إمَّا أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده لكنهنَّ أمن أن تدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهنَّ كشف وجوههنَّ» اهـ. قلت: يمكن حمل الحديث على أنَّهنَّ كنَّ يكشفنَّ وجوههن مع بعضهن حيث لا يوجد رجال، ومع هذا فلم تكن المرأة تعرف أختها من الغلس. وقد جاءت رواية عند أبي يعلى (٤٤٩٣)، والبزار (٢٩٥) بإسناد صحيح من طريق حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

стр. 837

الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَوْ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ النِّسَاءِ مَا نَرَى لَمَنَعَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ كَمَا مَنَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَهَا، لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ فِي مُرُوطِنَا، وَنَنْصَرِفُ وَمَا يَعْرِفُ بَعْضُنَا وُجُوهَ بَعْضٍ». قلت: وتحمل هذه الرواية على أحد أمرين: الأول: أنَّ هذا كان قبل الأمر بالحجاب. الآخر: أنَّ هذا في كشف النساء وجوهن لبعضهن البعض كما سبق، وليس في ذلك ما يدل أنَّ ذلك كان مع مشاهدة الرجال لهنَّ. والله أعلم. قلت: ولا مخالفة بين هذا الحديث وبين حديث أبي برزة الذي سيأتي من أنَّه كان ينصرف حين يعرف الرجل جليسه لأنَّه إخبار عن رؤية جليسه وهذا إخبار عن رؤية النساء بعضهن لبعض من بُعْد. والله أعلم. * * *

стр. 838

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «كَانَ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَاناً وَأَحْيَاناً إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ. وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ». قوله: «كَانَ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ». الهاجرة: هي شدة الحر نصف النهار عقب الزوال وسميت هاجرة من الهجر وهو الترك لأنَّ الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون، وذلك نصف النهار. وأمَّا الظهر فمشتق من الظهور لأنَّ الصلاة ظاهرة في وسط النهار. وقوله: «وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ» وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تُعْصَرُ، أَيْ تُؤَخَّرُ عَنِ الظُّهْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: عَصَرَنِي فُلَانٌ حَقِّي، إِذَا أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِ أَدَائِهِ إِلَيْهِ. ومن أجل هذا المعنى اللغوي ذهب أبو حنيفة وغيره إلى تأخير وقت العصر إلى مصير ظل كل شيء مثليه، وسيأتي الكلام على ذلك في شرح حديث أبي برزة. وقال بعضهم: العَصْرُ: الحَبْسُ، يُقَال: ما عَصَركَ أَي مَا حَبَسَكَ ومَنَعَكَ. وَبِه سُمِّيَتْ صَلاةُ العَصْرِ لأَنّها تُعْصَر أَي تُحْبَسُ عَنْ الأُولَى وَهِيَ صَلَاةُ الظُهْرِ. ومعنى نقية أي لم يدخلها صفرة. وقوله: «وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ» وَسُمِّيَتْ الْمَغْرِبُ مَغْرِبًا لِإِيقَاعِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ.

стр. 839

ووجوبها: سقوطها أي الشمس، كقوله تعالى: ﴿فَإذا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾، والمعنى: إذا سقط قرص الشمس وذهب في الأرض وغاب عن أعين الناس. وقوله: «وَالْعِشَاءَ أَحْيَاناً وَأَحْيَاناً». قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شرح مشكل الآثار] (٣/ ٣٤) «وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بِعَقِبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا الصَّلَاةُ الَّتِي تَتْلُوهَا سُمِّيَتْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بَعْدَ أَنْ تَعْشَى الْأَبْصَارُ بِالظَّلَامِ الطَّارِئِ عَلَيْهَا» اهـ. قلت: ومعنى تعشى الأبصار أي تضعفها. وقوله: «وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ». قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شرح مشكل الآثار] (٣/ ٣١): «الصُّبْحَ سُمِّيَتْ بِالصُّبْحِ لِأَنَّهَا تُصَلَّى عِنْدَ الْإِصْبَاحِ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ صَلَاةَ الْفَجْرِ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بِقُرْبِ الْفَجْرِ» اهـ. قلت: والإصباح أول النهار، والفجر سمي فجراً لانفجار الصبح، أو لأنَّه يفجر الظلام وَانفجار الظلام هُوَ انْصِداعُ الظُّلمة عَنْ نور الصُّبْح. وفي الحديث مسائل منها: ١ - بيان وقت الظهر وأنَّه في الهاجرة وهو منتصف النهار. وهو الزوال. قال العلماء: الزوال هو ميل الشمس عن كبد السماء بعد انتصاف النهار وعلامته زيادة الظل بعد تناهي نقصانه، وذلك أنَّ ظل الشخص يكون في أول النهار طويلاً ممتداً

стр. 840

فكلما ارتفعت الشمس نقص فإذا انتصف النهار وقف الظل فإذا زالت الشمس عاد الظل إلي الزيادة، فإذا أردت أن تعلم هل زالت فانصب عصاً أو غيرها في الشمس على أرض مستوية وعَلِّم على طرف ظلها ثم راقبه فإن نقص الظل علمت أنَّ الشمس لم تزل ولا تزال تراقبه حتى يزيد فمتى زاد علمت الزوال حينئذ. وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٢/ ١٠٢): «أمَّا علامة الزَّوال بالسَّاعة فاقسمْ ما بين طُلوع الشَّمس إلى غروبها نصفين، وهذا هو الزَّوال، فإذا قدَّرنا أن الشمس تطلع في الساعة السادسة، وتغيب في الساعة السادسة، فالزوال في الثانية عشرة» اهـ. قلت: فيما قاله نظر، وذلك أنَّ طلوع الشمس عندنا في هذه الأيام الساعة السادسة وعشرون دقيقة والمغرب الساعة الخامسة وخمس وأربعون دقيقة فما بين طلوع الشمس وغروبها إحدى عشرة ساعة وخمس وعشرون دقيقة، ونصف ذلك خمس ساعات واثنتان وأربعون دقيقة ونصف دقيقة. وبناء على هذا فإنَّ وقت الظهر يكون الساعة الثانية عشرة ظهراً مع زيادة دقيقتين ونصف دقيقة، وهذا خطأ فإنَّ الزوال هذه الأيام الثانية عشر وعشر دقائق، والصواب أنَّ هذه القسمة يعرف بها وقت استواء الشمس في كبد السماء وهو وقت الكراهة ولا يعرف بها دخول وقت الظهر، وذلك أنَّ وقت الظهر لا يكون عند استواء الشمس في كبد السماء وإنَّما يكون عند زوالها عن كبد السماء. ولم يذكر في الحديث آخر وقت الظهر، وآخر وقت الظهر هو مصير ظل الشيء مثله من غير ظل الزوال.

стр. 841

وروى أحمد (١٤٨٣٢)، النسائي (٥٠٣) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "صَلِّ مَعِي". فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. - قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ - ثُمَّ قَالَ: فِي الْعِشَاءِ: أُرَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ». قال الإمام البخاري ﵀: «أصح حديث في المواقيت حديث جابر». قال العلامة ابن قتيبة ﵀ في [أدب الكاتب] (١/ ٢٣ - ٢٤): «ومن ذلك "الظل والفيء" يذهب الناس إلى أنَّهما شيء واحد وليس كذلك لأنَّ الظل يكون غدوة وعشية ومن أول النهار إلى آخره، ومعنى الظل الستر ومنه قول الناس: "أنا في ظلك" أي: في ذراك وسترك ومنه "ظل الجنة وظل شجرها" إنَّما هو سترها ونواحيها وظل الليل: سواده لأنَّه يستر كل شيء قال ذو الرمة: "قد أعسف النازح المجهول معسفه … في ظل أخضر يدعو هامة البوم" أي: في ستر ليل أسود فكأنَّ معنى ظل الشمس ما سترته الشخوص من مسقطها. والفيء لا يكون إلَّا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال فيء وإنَّما سمى بالعشي فيئاً لأنَّه ظل فاء عن جانب إلى جانب أي: رجع عن جانب المغرب إلى

стр. 842

جانب المشرق والفيء هو الرجوع ومنه قول الله عز و جل: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: ترجع إلى أمر الله» اهـ. وهل يحتج بذلك على عدم اعتبار ظل الزوال في ذلك نظر، وبيان ذلك أنَّ ظل الزوال داخل في مسمى الفيء لكونه رجع من جانب إلى جانب. لكن روى النسائي (٥٢٤) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ فَقُلْنَا لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَاكَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَظِلِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْغَدِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ طُولَ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَيْهِ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سَيْرَ الْعَنَقِ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِ اللَّيْلِ - شَكَّ زَيْدٌ - ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ». فقوله: «ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَظِلِّ الرَّجُلِ». يدل دلالة ظاهرة على أنَّ حساب المثل لا يدخل فيه فيء الزوال لكن الحديث لا يثبت فإنَّ فيه الْحُسَيْنُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلَّامٍ مجهول. والحجة الصحيحة في ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (٣/ ١٥٢): «وإنَّما يعتبر مساواة الظل لشخصه بعد فيئه حين

стр. 843

الزوال لأنَّ الظل حين الزوال قد يكون مثل الشاخص أو أطول لا سيما في البلاد الشمالية في زمن الشتاء فلو اعتبر أن يكون الظل مثل الشاخص مطلقاً لتداخل الوقتان أو استحال ذلك وإنَّما أطلق في الأحاديث لأنَّه قصد أن يبين أنَّ وقت الظهر بزيادة الظل عن مثل شخصه، ولأنَّ الظل وقت الزوال يكون مستقيماً فإذا انحرف بقدر الشاخص فهو آخر وقت الظهر، ولأنَّه في الصيف في أرض الحجاز يكون الظل وقت الزوال شيئاً يسيراً لا عبرة به فبمجرد كون الظل مثل الشاخص يكفي في التقريب ولهذا قال في الحديث: "لما كان الفيء مثل الشراك"» اهـ. قلت: وقد أجمع العلماء على إخراج فيء الزوال عند حساب مثل الشاخص. قال العلامة ابن حزم ﵀ في [مراتب الإجماع] (ص: ٢٦): «وَاتَّفَقُوا أَنْ مَا بَين زَوَال الشَّمْس إلى كَون ظلّ كل شَيْء مثله بعد طرح ظلّ الزَّوَال وَقت الظّهْر» اهـ. ٢ - وفي الحديث بيان وقت الاختيار للصلاة العصر وهو ما دامت الشمس بيضاء نقية. فائدة: قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٨٩٢ - ٨٩٣): «روى وهب بن الأجدع عن علي أنَّ النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد العصر إلَّا أن تكون الشمس بيضاء نقية". قيل: يحتمل أنَّه يعنى وقت العصر لأنَّه روي أنَّه نهى عن الصلاة بعد العصر أي فعل الصلاة» اهـ. قلت: هذا الحديث رواه أحمد (٥٧٦)، والنسائي (٥٦٩) من طريق منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ

стр. 844

ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً مُرْتَفِعَةً». ورواه أبو داود (١٠٨٢) من طريق منصور بلفظ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». قلت: هذا إسناد ضعيف وهب بن الأجدع لم يوثقه معتبر. لكنه متابع تابعه عاصم بن ضمرة عند الإمام أحمد (١٠٢٣) قال حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». قَالَ سُفْيَانُ: فَمَا أَدْرِي بِمَكَّةَ يَعْنِي أَوْ بِغَيْرِهَا اهـ. لكن قال الحافظ البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ٤٥٩): «وهذا وإن كان أبو داود السجستاني أخرجه في كتاب "السنن" فليس بمخرج في كتاب البخاري ومسلم. ووهب بن الأجدع ليس من شرطهما، وهذا حديث واحد وما مضى في النهي عنها ممتد إلى غروب الشمس حديث عدد فهو أولى أن يكون محفوظاً، وقد روى عن علي ﵁ ما يخالف هذا، وروى ما يوافقه، أمَّا الذي يخالفه في الظاهر ففيما أنبأ أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس هو الأصم ثنا أسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص عن سفيان قال اخبرني أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلى ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة إلَّا الفجر والعصر"، وأمَّا الذي يوافقه ففيما أخبرنا أبو الحسن المقري أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا حفص بن عمر ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن

стр. 845

عاصم بن ضمرة قال: كنا مع علي ﵁ في سفر فصلى بنا العصر ركعتين ثم دخل فسطاطه وأنا انظر فصلى ركعتين، وقد حكى الشافعي ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة عن علي ﵁ ثم قال: "هذا أحاديث يخالف بعضها بعضاً" قال الشيخ فالواجب علينا اتباع ما لم يقع فيه الخلاف» اهـ. قلت: الذي يظهر لي عدم صحة هذا الحديث وأنَّ الاضطراب فيه من جهة عاصم والله أعلم. والحديث محمول - على تقدير صحته - على صلاة الفريضة بعد دخول وقت العصر فيجب المبادرة بها قبل احمرار الشمس جمعاً بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر. وهي واردة في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس ﵃. وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة في [المصنف] (٧٣٥٩)، والروياني في [مسنده] (٧١٤) من طريق ابن مهدي عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن بلال قال: «لَمْ يُنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ». وفي [مسند أحمد] (٢٣٨٨٧)، و [مسند الحارث] (٢١٤)، وعند ابن المنذر في [الأوسط] (١٠٦٧) من طريق شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق عن بلال قال: «لَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ، فِي سَاعَةٍ إِلَّا بَعْدَ الصُّبْحِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ». قلت: حديث سفيان الثوري أصح.
следующие страницы →