Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.
стр. 7806
مُتَقَلِّدٍ سَيْفًا»، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَرَأَيْتُهُ أَنَا فِي خَاتَمٍ عِنْدَنَا فِي طِينٍ، فَقَالَ أَبِي: هَذَا خَاتَمُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وإبراهيم وإن كان لا يعتمد عليه إذا نفرد لكن القصة التي ذكرها تقوي حفظه.
وقد تؤول ذلك الحنفية على الصورة الصغيرة، فمن ذلك قَولُ الْكَسَّانيُّ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ] (١/ ٤٧٥): «فأمَّا إذا كانت صغيرة لا تبدو للناظر من بعيد فلا بأس به؛ لأنَّ من يعبد الصنم لا يعبد الصغير منها جداً، وقد روي أنَّه كان على خاتم أبي موسى ذبابتان» اهـ.
قُلْتُ: هذا النقش في خاتم أبي موسى الأشعري لم أقف عليه والثابت ما سبق.
وَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (١/ ٦٥٠): «صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الصُّورَةَ الصَّغِيرَةَ لَا تُكْرَهُ فِي الْبَيْتِ. قَالَ: وَنُقِلَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى خَاتَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذُبَابَتَانِ اهـ وَلَوْ كَانَتْ تَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ كُرِهَ إبْقَاؤُهَا فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَكُونُ شَرَّ الْبِقَاعِ» اهـ.
قُلْتُ: هذا النقش في خاتم أبي هريرة لم أقف عليه مسندًا، وقد ذكره جماعة من الحنفية.
стр. 7807
تنبيه: الخاتم الذي نبذه النبي ﷺ لم يكن منقوشًا عليه محمد رسول الله، وإنَّما ذلك خاتم الفضة الذي اتخذه بعد ذلك كما يدل عليه ما رواه مسلم (٢٠٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ: «لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا»، وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.
وحينئذ فلا إشكال في نبذه وإلقائه.
* * *
стр. 7808
٣٩٢ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةَ، وَالْوُسْطَى».
ولمسلم: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ».
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْإِلْزَامَاتِ والتَّتَبُعِ] (ص: ٢٦٢ - ٢٦٣):
«وأخرج مسلم حديث قتادة عن الشعبي عن سويد بن غفلة عن عمر عن النبي ﷺ : ونهى عن لبس الحرير إلَّا موضع إصبعين. من حديث هشام وشعبة وسعيد عنه.
ولم يرفعه عن الشعبي غير قتادة وهو مدلس لعله بلغه عنه. وقد رواه شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبي عن سويد عن عمر قوله. وكذلك رواه بيان، وداود بن أبي هند عن الشعبي عن سويد قوله، وكذلك رواه شعبة عن الحكم عن خيثمة عن سويد عن عمر. وإبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد وأبو حصين عن إبراهيم النخعي عن سويد عن عمر قوله» اهـ.
стр. 7809
قُلْتُ: وقد جاء من وجه آخر مرفوعًا بذكر الأصبعين رواه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٩) من طرق عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا هَكَذَا»، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ.
فِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن لبس الحرير للرجال.
٢ - إباحة العلم من الحرير إذا لم يزد على أربع أصابع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٥٠): «وفي هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز، إن عظم، وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصريح. والله أعلم» اهـ.
٣ - الأربع الأصابع هي الأصابع المضمومة لا المنفرجة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٢٩٥): «ويباح لبس الحرير وهو ما كان أربع أصابع مضمومة إذا كان تابعاً لغيره مثل العلم
стр. 7810
والرقعة في الثوب ولبنة الجيب الذي تسميه العامة الزيق وسجف الفراء وغيرها والإزرار وكف الأكمام والفروج به وطرف العمامة هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامة جواباته» اهـ.
لكن يشكل على هذا ما رواه أحمد (٢٦٩٨٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَ: «أَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةً طَيَالِسَةً، عَلَيْهَا لَبِنَةُ شَبْرٍ مِنْ دِيبَاجٍ كِسْرَوَانِيٍّ، وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ بِهِ، قَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُهَا، كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَلَمَّا قُبِضَتْ عَائِشَةُ، قَبَضْتُهَا إِلَيَّ، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرِيضِ مِنَّا، يَسْتَشْفِي بِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
واللبنة: الرقعة، والشبر بالكسر من طرف الخنصر إلى طرف الإبهام، وهذا أكثر من الأربع الأصابع، والحديث رواه مسلم (٢٠٦٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ خَالَ وَلَدِ عَطَاءٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً: الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ، وَمِيثَرَةَ الْأُرْجُوَانِ، وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الْأَبَدَ؟ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ
стр. 7811
الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الْأُرْجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبْدِ اللهِ، فَإِذَا هِيَ أُرْجُوَانٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَسْمَاءَ فَخَبَّرْتُهَا، فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا.
وَقَدْ جَمَعَ الْعَلَّامَةُ الشُّوْكَانِيُّ ﵀ بَيْنَ ذَلِكَ فَقَالَ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٢/ ٧٩):
«نعم يمكن أن يكون التقدير بالشبر لطول تلك اللبنة لا لعرضها فيزول الإشكال» اهـ.
قُلْتُ: وشذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (٢/ ٣٥٤):
«مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ - لِلرَّجُلِ خَاصَّةً - فِي ثَوْبٍ فِيهِ حَرِيرٌ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ
أَصَابِعَ عَرْضًا فِي طُولِ الثَّوْبِ، إلَّا اللَّبِنَةَ وَالتَّكْفِيفَ فَهُمَا مُبَاحَانِ» اهـ.
قُلْتُ: مراده أنَّه تراعى في الأربع الأصابع العرض دون الطول فلك أن تتخذ من الحرير أربع أصابع عرضًا ممتدة طولًا من أول أعلى الثوب إلى أسفله، وأنَّ اللبنة
стр. 7812
وهي الرقعة في الثوب تجوز مطلقًا وإن كانت أكثر من هذا المقدار، ومثلها التكفيف وهو عطف أطراف الثوب، وكل هذا من الشذوذ الذي لا يستغرب عن الظاهرية.
٤ - لا يدخل في الرخصة اليسير المفرد وإن لم يزد على الأربع الأصابع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧):
«فأمَّا اليسير المفرد كالتكة والشرابة والمنطقة والخيط ونحو ذلك فيحرم في المنصوص لأنَّه نهى عن الحرير إلَّا مقطعاً والمقطع المفرق في غيره وكذلك قوله ﵇: "إلَّا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" يدل على أنَّه موضوع في غيره، ولأنَّه قرن الحرير بالذهب والذهب يحرم منفرداً فكذلك الحرير، ولأنَّ الذهب والفضة في الآنية والذهب في اللباس إنَّما يباح يسيره إذا كان تابعاً فكذلك يسير الحرير لأنَّ هذه الأشياء تجتمع في السرف والفخر والخيلاء» اهـ.
٥ - لو كان عنده أكثر من ثوب في كل ثوب أربع أصابع فلبس جميع تلك الثياب جاز ذلك، كأن يكون عليه عمامة فيها أربع أصابع من الحرير، ورداء فيه أربع أصابع من الحرير، وإزار فيه أربع أصابع من الحرير، وسروال فيه أربع أصابع من الحرير جاز ذلك لأنَّه لم يتجاوز في الثوب الواحد عن أربع أصابع.
стр. 7813
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٢٩٧): «ولو لبس ثياباً في كل ثوب حرير يسير بحيث لو جمع ما في جميعها صار ثوباً جاز ذلك، وإن لم يجز لبس ذلك الحرير لو جمع ونسج ثوباً على حده لأنَّ هذا هو معنى قوله: "نهى عن لبس الحرير إلَّا مقطعاً". فإنَّه إذا فرق في الثياب صار مقطعاً، لأنَّ كل ثوب له حكم نفسه» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «نهى عن لبس الحرير إلَّا مقطعاً». لا أعرفه وإنَّما هو في الذهب كما جاء في حديث معاوية وقد سبق القول فيه.
* * *
стр. 7814
كِتَابُ الْجِهَادِ.
٣٩٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللهُمَّ، مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ».
الجهاد: بذل الجهد في قمع أعداء الإسلام سواء كان بالسيف والسنان أو بالحجة والبيان، لكن المراد ها هنا الأول.
ومنه جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد المنافقين، وجهاد سائر الكافرين.
والأصل في الجهاد إذا كان من جهاد الطلب أنَّه من فروض الكفايات ويتعين في بعض الصور.
والدليل على أنَّه فرض كفاية قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ
стр. 7815
عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦].
فلو كان جهاد الطلب من فروض الأعيان لذم الله القاعدين، ولما وعدهم بالحسنى.
وقال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
قُلْتُ: فلم يوجب الله الجهاد على جميع الناس بل بيَّن أنَّ هناك من يضرب في الأرض لطلب الرزق، وهناك من يجاهد في سبيل الله، ولم يذم الله من ضرب في الأرض لطلب الرزق؛ فو كان الجهاد من فرض الأعيان لذمه على ذلك.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
قُلْتُ: فلو كان الجهاد من فروض الأعيان لوجب النفير على جميع المؤمنين، فلما لم يجب ذلك عليهم دلَّ ذلك على أنَّه من فروض الكفايات.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
стр. 7816
١ - اختيار الأوقات المناسبة للهجوم على العدو.
ولا يعارض هذا ما رواه البخاري (٢٩٤٣) واللفظ له، ومسلم (٣٨٢) عَنْ أَنَسٍ، ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ، فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا».
ورواه البخاري (٩٤٧)، ومسلم (١٣٦٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]» فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ - قَالَ: وَالخَمِيسُ الجَيْشُ - فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا. هذا لفظ البخاري.
وذلك أنَّ ذلك محمول فيما إذا لم يتيسر له الإغارة في الصباح، ويدل لذلك ما رواه البخاري (٣١٦٠) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: وَلَكِنِّي شَهِدْتُ
стр. 7817
القِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٣٤): «وأوقات الصلوات أفضل الأوقات ويستجاب فيها الدعاء، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٤): «وقد جاء في غير هذا الحديث أنَّه ﷺ كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، قال العلماء: سببه أنَّه أمكن للقتال فإنَّه وقت هبوب الريح، ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطاً وإقداماً على عدوهم، وقد جاء في صحيح البخاري: أخر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة. قالوا: وسببه: فضيلة أوقات الصلوات والدعاء عندها» اهـ.
وقد ثبت في زمن النبي ﷺ أيضاً الإغارة ليلاً ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (٢٦٣٨)، وابن ماجه (٢٨٤٠) من طريق عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَبَيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ
стр. 7818
اللَّيْلَةَ أَمِتْ أَمِتْ». قَالَ سَلَمَةُ: «فَقَتَلْتُ بِيَدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبْعَةَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
٢ - وفيه النهي عن تمني لقاء العدو، لما في ذلك من التعرض للبلاء، ولما فيه من اغترار المرء بقوته والاعجاب والاتكال على النفس مما قد يكون سبباً في عدم الثبات عند لقاء العدو، ولأنَّه مدعاة إلى الاستخفاف بالعدو فيتساهل في الاستعداد له، وغير ذلك مما قد يحصل من المكاره عند لقاء العدو.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٥٦): «قيل: إنَّ فائدة هذا النهي أن لا يستخف أمر العدو، فيتساهل في الاستعداد له، والتحرز منه، وهذا لما فيه من المكاره، والمحن، والنكال، ولذلك قال متصلاً به: "واسألوا الله العافية". وقيل: لما يخاف من إدالة العدو، وظفره بالمسلمين» اهـ.
قُلْتُ: وقد تمنى قوم لقاء العدو فما ثبتوا عند لقاءه وفيما قصه الله تعالى في شأن الملاء من بني إسرائيل عبرة وعظة قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ
стр. 7819
أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ [البقرة: ٢٤٦ - ٢٥٢].
стр. 7820
قُلْتُ: ولا يدخل في تمني لقاء العدو تمني الشهادة، فقد روى البخاري (٣٦)، ومسلم (١٨٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».
وروى مسلم (١٩٠٩) عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».
وروى مسلم (١٩٠٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا، أُعْطِيَهَا، وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ».
قُلْتُ: والفرق بين تمني لقاء العدو وطلب الشهادة، أنَّ طالب الشهادة يطلب منزلة رفيعة ولا تكون الشهادة إلَّا مع الثبات، وأمَّا من يتمنى لقاء العدو فقد ينال الشهادة وقد لا ينالها وقد يثبت وقد لا يثبت، فهو في الحقيقة لم يتمن خيرًا.
لكن يشكل على ذلك ما رواه مسلم (١٩١٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ».
стр. 7821
قُلْتُ: يمكن حمل هذا الحديث على من ترك الجهاد مع قيامه ولم يحدث نفسه به لعدم محبته له، ومن كان كذلك فهو عاص لله تعالى وفيه شعبة من النفاق.
فتمني جهاد الكافرين هو متمن لطاعة يحبها الله تعالى، وأمَّا تمني لقاء العدو فهو مشعر باستهانته بعدوه وإعجابه بنفسه وقوته وهذا مما لا يحبه الله تعالى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ١٦):
«وَالْجِهَادُ - وَإِنْ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ - فَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ يُخَاطَبُونَ بِهِ ابْتِدَاءً فَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ اعْتِقَادُ وُجُوبِهِ وَالْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ إذَا تَعَيَّنَ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَهُمَّ بِهِ؛ كَانَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ» اهـ.
٣ - واحتج به من ذهب إلى كراهة طلب المبارزة لما فيها من تمني لقاء العدو ولكن إن طلب إليها أجاب، وهو مذهب الحسن البصري.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٨٥ - ١٨٦): «وأمَّا أقوال الفقهاء في المبارزة، فذكر ابن المنذر قال: أجمع كل من نحفظ عنه من العلماء أنَّ على المرء أن يبارز، ويدعو إلى البراز بإذن الإمام، غير الحسن البصرى؛ فإنَّه يكره المبارزة ولا يعرفها، هذا قول الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
стр. 7822
وأباحت طائفة البراز، ولم يذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه، هذا قول مالك، والشافعي، وسئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟ قال: ذلك إلى نيته، إن كان يريد به وجه الله فأرجو أن لا يكون به بأس، قد كان يفعل ذلك من مضى» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح مشروعية طلب المبارزة ولا يدخل ذلك في تمني لقاء العدو وذلك لأنَّ اللقاء قد حصل قبل ذلك في أرض المعركة.
لكن لا ينبغي أن يطلبها من يعلم من نفسه الضعف لما في قتله من كسر لقلوب المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٥٤): «فالمبارزة تنقسم ثلاثة أقسام مستحبة، ومباحة، ومكروهة، أمَّا المستحبة؛ فإذا خرج علج يطلب البراز، استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير. لأنَّ فيه رداً عن المسلمين، وإظهاراً لقوتهم.
والمباح؛ أن يبتدئ الرجل الشجاع بطلبها، فيباح ولا يستحب؛ لأنَّه لا حاجة إليها، ولا يأمن أن يغلب، فيكسر قلوب المسلمين، إلَّا أنَّه لما كان شجاعاً واثقاً من نفسه، أبيح له؛ لأنَّه بحكم الظاهر غالب، والمكروه أن يبرز الضعيف البنية،
стр. 7823
الذي لا يثق من نفسه، فتكره له المبارزة؛ لما فيه من كسر قلوب المسلمين بقتله ظاهراً» اهـ.
والصحيح أيضاً أنَّه لا يشترط إذن الإمام لما رواه أحمد (٩٤٨)، أبو داود (٢٦٦٥) من طريق إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: تَقَدَّمَ - يَعْنِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ - وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ فَنَادَى مَنْ يُبَارِز؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ». فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَة.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢٧٩): «قُلْتُ: قد جمع هذا الحديث معنى جوازها بإذن الإمام وبغير إذنه، وذلك أنَّ مبارزة حمزة وعلي ﵄ كانت بإذن النبي ﷺ ولم يذكر فيه إذن من النبي صلى
стр. 7824
الله عليه وسلم للأنصاريين الذين خرجوا إلى عتبة وشيبة قبل علي وحمزة ولا إنكار من النبي ﷺ عليهم في ذلك» اهـ.
قُلْتُ: استئذان الأمير أولى لأنَّه أعلم بفرسانه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٥٣ - ٤٥٤): «إذا ثبت هذا، فإنَّه ينبغي أن يستأذن الأمير في المبارزة إذا أمكن.
وبه قال الثوري، وإسحاق ورخص فيها مالك، والشافعي، وابن المنذر لخبر أبي قتادة، فإنَّه لم يعلم أنَّه استأذن النبي ﷺ وكذلك أكثر من حكينا عنهم المبارزة، لم يعلم منهم استئذان.
ولنا أنَّ الإمام أعلم بفرسانه وفرسان العدو، ومتى برز الإنسان إلى من لا يطيقه، كان معرضاً نفسه للهلاك، فيكسر قلوب المسلمين، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام، ليختار للمبارزة من يرضاه لها، فيكون أقرب إلى الظفر وجبر قلوب المسلمين وكسر قلوب المشركين.
فإن قيل: فقد أبحتم له أن ينغمس في الكفار، وهو سبب لقتله.
стр. 7825
قلنا: إذا كان مبارزاً تعلقت قلوب الجيش به، وارتقبوا ظفره، فإن ظفر جبر قلوبهم، وسرهم، وكسر قلوب الكفار، وإن قتل كان بالعكس، والمنغمس يطلب الشهادة، لا يترقب منه ظفر ولا مقاومة. فافترقا.
وأمَّا مبارزة أبي قتادة فغير لازمة، فإنَّها كانت بعد التحام الحرب، رأى رجلاً يريد أن يقتل مسلماً، فضربه أبو قتادة، فضمه ضمة كاد يقتله.
وليس هذا هو المبارزة المختلف فيها، بل المختلف فيها أن يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب، يدعو إلى المبارزة، فهذا هو الذي يعتبر له إذن الإمام، لأنَّ عين الطائفتين تمتد إليهما، وقلوب الفريقين تتعلق بهما، وأيهما غلب سر أصحابه، وكسر قلوب أعدائه، بخلاف غيره» اهـ.
٤ - وفيه الندب إلى سؤال العافية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٣): «وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن، في الدين والدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك العافية العامة لي ولأحبائي ولجميع المسلمين» اهـ.
стр. 7826
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [شِفَاءِ الْعَلِيْلِ] ص (١١١): «ولهذا ما سئل الرب شيئاً أحب إليه من العافية لأنَّها كلمة جامعة للتخلص من الشر كله وأسبابه» اهـ.
٥ - وفيه الأمر بالصبر عند ملاقاة العدو.
ومما يدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦]، وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].
وما رواه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ».
стр. 7827
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ التولي يوم الزحف لا يحرم وأنَّ ذلك مخصوص بيوم بدر، وهم محجوجون بهذه الأدلة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٤/ ٢٩): «وقد ذهب ذاهبون إلى أنَّ الفرار إنَّما كان حراماً على الصحابة؛ لأنَّه -يعني الجهاد -كان فرض عين عليهم. وقيل: على الأنصار خاصة؛ لأنَّهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: إنَّما المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة، يروى هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي نضرة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وغيرهم.
وحجتهم في هذا: أنَّه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها سوى عصابتهم تلك، كما قال النبي ﷺ : "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر، فأمَّا اليوم: فإن انحاز إلى فئة أو مصر -أحسبه قال: فلا بأس عليه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي (٤/ ٣٠): «وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراماً على غير أهل بدر، وإن كان سبب النزول فيهم، كما دل عليه
стр. 7828
حديث أبي هريرة المتقدم، من أنَّ الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير، والله تعالى أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ويسقط وجوب مصابرة الأعداء في مواضع، وبيان ذلك أنَّ الجهاد إذا كان من قبيل جهاد الطلب فيسقط وجوب المصابرة في حالات:
الحالة الأولى: إذا كان العدو أكثر من المثلين فلهم الفرار والمصابرة أفضل.
ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٥، ٦٦].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ١٧١): «مسألة قال: "ولا يحل لمسلم أن يهرب من كافرين، ومباح له أن يهرب من ثلاثة، فإن خشي الأسر، قاتل حتى يقتل".
وجملته أنَّه إذا التقى المسلمون والكفار، وجب الثبات، وحرم الفرار بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ﴾
стр. 7829
الآية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وذكر النبي ﷺ الفرار يوم الزحف، فعده من الكبائر.
وحكي عن الحسن والضحاك أنَّ هذا كان يوم بدر خاصة ولا يجب في غيرها، والأمر مطلق وخبر النبي ﷺ عام، فلا يجوز التقييد والتخصيص إلَّا بدليل، وإنَّما يجب الثبات بشرطين:
أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار لقول الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر، فهو أمر، بدليل قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ولو كان خبراً على حقيقته، لم يكن ردنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبة الاثنين تخفيفاً، ولأنَّ خبر الله تعالى صدق لا يقع بخلاف مخبره وقد علم أنَّ الظفر والغلبة لا يحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدو فيه ضعف المسلمين فما دون، فعلم أنَّه أمر وفرض، ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية، لا في كتاب ولا سنة، فوجب الحكم بها» اهـ.
стр. 7830
الحالة الثانية: إذا لم يكن للمسلمين قدرة على دفع ما مع الكافرين من السلاح فلهم أن يفروا ولو كانوا أكثر من المشركين، وذلك كأن يستخدم العدو الطيران، وليس للمسلمين من الأسلحة التي تُضاد بها الطيران فلهم العذر في الفرار من العدو، وذلك أنَّ قوة السلاح في مثل هذه الصورة أعظم من القوة الناتجة من كثرة العدد فهم أعذر بالفرار مما ذكر في الآية. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٧/ ٣٨٠): «وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في "الواضحة": إنَّه يراعى الضعف والقوة والعدة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ كَمَا فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٩/ ٥٠٤ - ٥٠٥) «إلَّا إذا كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين، فيجوز الفرار حينئذ؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، أو كان عندهم عدة لا يمكن للمسلمين مقاومتها، كالطائرات إذا لم يكن عند المسلمين من صواريخ ما يدفعهم، فإذا علم أنَّ الصمود يستلزم الهلاك والقضاء على المسلمين، فلا يجوز لهم أن يبقوا؛ لأنَّ مقتضى ذلك أنَّهم يغررون بأنفسهم» اهـ.
стр. 7831
قُلْتُ: وهكذا عكس ذلك إذا كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين إلَّا أنَّهم ليس معهم من السلاح ما يقاومون به القلة من المسلمين كأن يكون مع المسلمين الطائرات وليس مع الكافرين ذلك ولا ما يضاد به طيران المسلمين فيحرم حينئذ الفرار، ويراعى حينئذ القوة دون العدد في مثل ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢٤٨ - ٢٤٩):
«الحالة الثانية: إذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين جاز الانهزام. وهل يجوز انهزام مائة من أبطالنا من مائتين وواحد من ضعفاء الكفار وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنَّهم يقاومونهم لو ثبتوا وإنَّما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف. والثاني: نعم؛ لأنَّ اعتبار الأوصاف يعسر فتعلق الحكم بالعدد» اهـ.
قُلْتُ: وما صححه هو الصحيح، وذلك أنَّ الشرع اعتبر العدد لأنَّه مظنة القوة غالباً فإذا كانت القوة حاصلة بالقلة والضعف حاصل في الكثرة فينبغي مراعاة القوة دون العدد. والله أعلم.
الحالة الثالثة: أن يطرأ على الشخص مانع من موانع القتال كالعمى والعرج ونحو ذلك.
стр. 7832
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٣٦): «فأمَّا إن حدث للإنسان في نفسه عذر من مرض أو عمى أو عرج، فله الانصراف، سواء التقى الزحفان، أو لم يلتقيا؛ لأنَّه لا يمكنه القتال، ولا فائدة في مقامه» اهـ.
الحالة الرابعة: أن تفنى أسلحة المجاهدين.
قُلْتُ: إن أمكنهم أن يجاهدوا بالحجارة فعلوا وإن لم يمكنهم ذلك فلهم الانصراف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢٤٨): «أمَّا من عجز بمرض ونحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف بكل حال ويستحب أن يولي متحرفاً أو متحيزاً فإن أمكنه الرمي بالأحجار فهل تقوم مقام السلاح وجهان: قُلْتُ: أصحهما تقوم والله أعلم» اهـ.
الحالة الخامسة: فناء النفقة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢١٣): «ولو انصرف لذهاب نفقة أو هلاك دابة ثم قدر على النفقة والدابة في بلاد الكفار لزمه الرجوع للجهاد وإن كان فارق بلاد الكفر لم يلزمه الرجوع» اهـ.
стр. 7833
قُلْتُ: وأمَّا إن كان الجهاد من قبيل جهاد الدفع فتجب المصابرة وإن كان العدو أكثر من ضعفي المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (١٨٨): «فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوباً ولهذا يتعين على كل أحد يقم ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق.
ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون؛ فإنَّهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجباً عليهم، لأنَّه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١١/ ٣٧٦): «وقال شيخنا: جهاد الدافع للكفار يتعين على كل أحد، ويحرم فيه الفرار من مثليهم؛ لأنَّه جهاد ضرورة لا اختيار، وثبتوا يوم أحد والأحزاب وجوباً، وكذا لما قدم التتر دمشق» اهـ.
قُلْتُ: ولهم العذر في الفرار في الحالة الثانية والثالثة والرابعة لعدم القدرة على الجهاد، وهكذا إذا كان في العدو كثرة لا تقاوم عادة، ويدل على ذلك ما رواه
стр. 7834
مسلم (٧٢٩٩) عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ في حديث الدجال الطويل وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ».
قُلْتُ: وهذه الصورة المذكورة في الحديث هي أحد الصور التي يتعين بها الجهاد، وهي عند لقاء العدو، والصورة الثانية: عند استنفار الإمام فيجب على من استنفره الإمام النفير لجهاد العدو، ويدل عليه ما رواه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (٣٢٨٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».
стр. 7835
والصورة الثالثة: إذا نزل العدو في بلد من بلدان المسلمين فيتعين على أهل البلد جهاده.
٦ - وفيه أنَّ الجهاد من أسباب دخول الجنة، وهو مأخوذ من قوله: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»، وذكر السيوف ليس من باب تخصيص الفضل بها دون غيرها وإنَّما لكونها أغلب أسلحة الناس في تلك الأزمان، أو لكون الشهادة تقع بها غالباً، أو لكون القتال بالسيوف أشد من غيرها فيحتاج المقاتل بها إلى مزيد تثبيت بذكر ما في ذلك من الأجر العظيم. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٥٨): «وقوله: "الجنة تحت ظلال السيوف"؛ هذا من الكلام النفيس البديع، الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ، وعذوبته، وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة، مع الألفاظ المعسولة الوجيزة؛ بحيث يعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إيراد مثله، أو أن يأتوا بنظيره وشكله. فإنَّه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، واستعمال السيوف، والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف، بعضهم لبعض، حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو، وبعضها يرتفع عنهم؛ حتى كأنَّ السيوف أظلت الضاربين بها،
стр. 7836
ويعني: أنَّ الضارب بالسيف في سبيل الله يدخله الله الجنة بذلك. وهذا كما قاله في الحديث الآخر: "الجنة تحت أقدام الأمهات"؛ أي: من بر أمه، وقام بحقها، دخل الجنة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٩٩): «ونسبت الجنة إلى ظل السيف لأنَّ الشهادة تقع به غالباً، ولأنَّ ظل السيف يكثر ظهوره بكثرة حركة السيف في يد المقاتل، ولأنَّ ظل السيف لا يظهر إلَّا بعد الضرب به لأنَّه قبل ذلك يكون مغموداً معلقاً» اهـ.
٧ - وفيه استحباب الدعاء وطلب النصرة على الأعداء.
لا سيما هذا الدعاء الذي دعا به النبي ﷺ فإنَّه من أحسن الأدعية في هذا القام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٨٩ - ٤٩٠):
«وهذا الدعاء لعله أشار إلى ثلاثة أسباب تطلب بها الإباحة.
أحدها: طلب النصر بالكتاب المنزل وعليه يدل قوله ﵇: "منزل الكتاب" كأنَّه قال: كما أنزلته فانصره وأعله وأشار إلى القدرة بقوله: "ومجري السحاب" وأشار إلى أمرين أحدهما: بقوله: "وهازم الأحزاب" إلى التفرد بالفعل
стр. 7837
وتجريد التوكل واطراح الأسباب واعتقاد أنَّ الله وحده هو الفاعل، والثاني: التوسل بالنعمة السابقة إلى النعمة اللاحقة وقد ضمن الشعراء هذا المعنى أشعارهم بعدما أشار إليه كتاب الله تعالى حكاية عن زكريا ﵇ في قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾، وعن إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾.
وقال الشاعر:
كما أحسن الله فيما مضى … كذلك يحسن فيما بقي.
وقال الآخر:
لا والذي قد من بالإ … سلام يثلج في فؤادي
ما كان يختم بالإساء … ة وهو بالإحسان بادي» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٥٧): «قوله: "ثم قال اللهم منزل الكتاب" الخ. أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم فبالكتاب إلى قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ وبمجرى السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى، وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح، وحيث تمطر تارة وأخرى لا تمطر فأشار بحركته إلى
стр. 7838
إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم، وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتفق قتلهم، وبعدمه إلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم، وكلها أحوال صالحة للمسلمين، وأشار بهازم الأحزاب إلى التوسل بالنعمة السابقة وإلى تجريد التوكل واعتقاد أنَّ الله هو المنفرد بالفعل، وفيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث فإنَّ بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية وهي الإسلام وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين وكأنَّه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما» اهـ.
٨ - وفيه مشروعية السجع في الدعاء من غير تكلف.
وأمَّا ما رواه البخاري (٦٣٣٧): عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا القُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي القَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ، فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ، فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ يَعْنِي لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ».
стр. 7839
فهو محمول على السجع المتكلف لأنَّه لا يلائم الضراعة والذلة.
٩ - وفيه رفق الأمير بالجيش باختيار الأوقات المناسبة للقتال.
* * *
стр. 7840
٣٩٤ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
قَوْلُهُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». الرباط هو ملازمة الثغر الذي بين المسلمين والكافرين.
وأصل الرباط من الربط، وهو أن يربط المسلمون خيلهم، ويربط الكافرون خيلهم استعداداً للقتال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
أو لكون المرابط في الثغور ربط نفسه فيها لمراقبة الأعداء.
وَقَوْلُهُ: «وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ». السوط سَيْرٌ يقطع من الجلد.
وَقَوْلُهُ: «وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا». الروحة: واحدة الرواح وهي السير آخر النهار، وذلك من بعد الزوال إلى غروب الشمس، والغدوة: المرة من الغدو، وهو السير أول النهار إلى انتصاف النهار.
стр. 7841
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فضل الرباط في سبيل الله تعالى.
وهو يعم الوطن وغيره إذا كان ثغراً ونوى ذلك، ويحكى عن مالك أنَّه يشترط في الرباط أن يكون في غير الوطن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٣/ ١٦١ - ١٦٢):
«إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَرِبَاطُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ هُوَ أَنْ يَتْرُكَ وَطَنَهُ وَيَلْزَمَ ثَغْرًا مِنْ الثُّغُورِ الْمَخُوفَةِ لِمَعْنَى الْحِفْظِ وَتَكْثِيرِ السَّوَادِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ وَطَنُهُ الثَّغْرَ فَلَيْسَتْ إقَامَتُهُ بِهِ رِبَاطًا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ وَيُقِيمَ لِهَذَا الْوَجْهِ خَاصَّةً فَإِنْ أَقَامَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفَاتِهِ فَلَمْ يَرْبِطْ نَفْسَهُ لِمُدَافَعَةِ الْعَدُوِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ رِبَاطُ الْخَيْلِ فَإِنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ يَسْتَغْنِي عَنْ اتِّخَاذِهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ اخْتَارَ الْمَقَامَ وَالِاسْتِيطَانَ بِالثَّغْرِ وَمَوْضِعِ الْخَوْفِ لِلرِّبَاطِ خَاصَّةً وَأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَمْكَنَهُ الْمَقَامُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبُلْدَانِ لَهُ حُكْمُ الرِّبَاطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٨٥):
стр. 7842
«الرِّبَاطُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ مُلَازَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُم قَالَ بن التِّينِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَطَنِ قَالَهُ بن حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قُلْتُ وَفِيهِ نَظَرٌ فِي إِطْلَاقِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَطَنُهُ وَيَنْوِي بِالْإِقَامَةِ فِيهِ دَفْعَ الْعَدُوِّ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ» اهـ.
قُلْتُ: وكان المدينة موضعًا للرباط قبل فتح مكة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٧/ ٢٤٩):
«وَكَانَتْ الْمَدِينَةُ دَارَ إيمَانٍ وَهِجْرَةٍ وَمَكَانًا لِلرِّبَاطِ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ وَلَمْ تَبْقَ الْمَدِينَةُ دَارَ هِجْرَةٍ وَرِبَاطٍ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ بَلْ قَدْ قَالَ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". وَصَارَتْ الثُّغُورُ أَطْرَافُ أَرْضِ الْحِجَازِ الْمُجَاوِرَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ: أَرْضَ الشَّامِ وَأَرْضَ الْعِرَاقِ. ثُمَّ لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ صَارَتْ الثُّغُورُ بِالشَّامِ سَوَاحِلَ الْبَحْرِ؛ كَعَسْقَلَانَ وَعَكَّةَ وَمَا جَاوَرَ ذَلِكَ. وَبِالْعِرَاقِ عبادان وَنَحْوُهَا؛ وَلِهَذَا يَكْثُرُ ذِكْرُ "عَسْقَلَانَ" و"عبادان" فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ؛ لِكَوْنِهِمَا كَانَا ثَغْرَيْنِ وَكَانَتْ أَيْضًا "طرطوش" ثَغْرًا لَمَّا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمَّا أَخَذَهَا الْكُفَّارُ صَارَ الثَّغْرُ مَا يُجَاوِرُ أَرْضَ الْعَدُوِّ مِنْ الْبِلَادِ الْحَلَبِيَّةِ» اهـ.
стр. 7843
قُلْتُ: وقد زال الخوف في كثير من الأماكن التي كانت ثغورًا مخوفة، وصارت أكثر بلدان المسلمين المحادة للكافرين في أمن، فالذي يظهر لي أنَّ البقاء فيها لا يدخل في مسمى الرباط في سبيل الله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٣/ ١٦٢):
«إذَا كَانَ الثَّغْرُ رِبَاطًا لِمَوْضِعِ الْخَوْفِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ الْمَخَافَةُ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ بَعُدَ الْعَدُوُّ عَنْهُمْ فَإِنَّ حُكْمَ الرِّبَاطِ يَزُولُ عَنْهُمْ.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ جَعَلَ شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيَجْعَلُهُ فِي جُدَّةٍ قَالَ: لَا قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ بِهَا خَوْفٌ قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ ﵀ فِي [الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي] (١/ ٤٠٦):
«وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ بِمَحَلٍّ ثُمَّ زَالَ فَلَا يُنْدَبُ الرِّبَاطُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّحَصُّنُ وَالتَّحَفُّظُ مِنْ سَطْوَةِ الْعَدُوِّ، وَإِذَا حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِلرِّبَاطِ» اهـ.
وقد جاء في فضل الرباط ما رواه مسلم (١٩١٣) عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ».
стр. 7844
وَقَوْلُهُ: «جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ». أي حال رباطة، فيجري عليه أجر الرباط وما كان يعمله من الأعمال حال رباطة.
وَقَوْلُهُ: «وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ». موافق لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].
وقد روى مسلم (١٨٨٧) عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً»، فَقَالَ: «هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا».
стр. 7845
وروى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٤٦٠٣)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٣٩٨١)، وابن عساكر في [الْجِهَادِ] (١٨) من طريق عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ فِي الرِّبَاطِ، فَفَزِعُوا إِلَى السَّاحِلِ، ثُمَّ قِيلَ: لَا بَأْسَ، فَانْصَرَفَ النَّاسُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَاقِفٌ، فَمَرَّ بِهِ إِنْسَانٌ، فَقَالَ: مَا يُوقِفُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ.
لكن في الحديث اختلاف، فقد رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر كما في [الْمَطَالِبِ الْعَالِيَّةِ] (١٩٣٦) فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ ثنا سَعِيدُ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ ثنا محمد ابن أبى أيوب ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ شُهُودِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ خَالَفَهُ عَبَّاسٌ التَّرْقُفِيُّ عَنِ المقرئ فَقَالَ عَنْ مُجَاهِدٍ بَدَلَ يُونُسَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
следующие страницы →