← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - فضل الرباط في سبيل الله تعالى. وهو يعم الوطن وغيره إذا كان ثغراً ونوى ذلك، ويحكى عن مالك أنَّه يشترط في الرباط أن يكون في غير الوطن. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٣/ ١٦١ - ١٦٢): «إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَرِبَاطُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ هُوَ أَنْ يَتْرُكَ وَطَنَهُ وَيَلْزَمَ ثَغْرًا مِنْ الثُّغُورِ الْمَخُوفَةِ لِمَعْنَى الْحِفْظِ وَتَكْثِيرِ السَّوَادِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ وَطَنُهُ الثَّغْرَ فَلَيْسَتْ إقَامَتُهُ بِهِ رِبَاطًا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ وَيُقِيمَ لِهَذَا الْوَجْهِ خَاصَّةً فَإِنْ أَقَامَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفَاتِهِ فَلَمْ يَرْبِطْ نَفْسَهُ لِمُدَافَعَةِ الْعَدُوِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ رِبَاطُ الْخَيْلِ فَإِنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ يَسْتَغْنِي عَنْ اتِّخَاذِهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ اخْتَارَ الْمَقَامَ وَالِاسْتِيطَانَ بِالثَّغْرِ وَمَوْضِعِ الْخَوْفِ لِلرِّبَاطِ خَاصَّةً وَأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَمْكَنَهُ الْمَقَامُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبُلْدَانِ لَهُ حُكْمُ الرِّبَاطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٨٥):

стр. 7842

«الرِّبَاطُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ مُلَازَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُم قَالَ بن التِّينِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَطَنِ قَالَهُ بن حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قُلْتُ وَفِيهِ نَظَرٌ فِي إِطْلَاقِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَطَنُهُ وَيَنْوِي بِالْإِقَامَةِ فِيهِ دَفْعَ الْعَدُوِّ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ» اهـ. قُلْتُ: وكان المدينة موضعًا للرباط قبل فتح مكة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٧/ ٢٤٩): «وَكَانَتْ الْمَدِينَةُ دَارَ إيمَانٍ وَهِجْرَةٍ وَمَكَانًا لِلرِّبَاطِ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ وَلَمْ تَبْقَ الْمَدِينَةُ دَارَ هِجْرَةٍ وَرِبَاطٍ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ بَلْ قَدْ قَالَ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". وَصَارَتْ الثُّغُورُ أَطْرَافُ أَرْضِ الْحِجَازِ الْمُجَاوِرَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ: أَرْضَ الشَّامِ وَأَرْضَ الْعِرَاقِ. ثُمَّ لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ صَارَتْ الثُّغُورُ بِالشَّامِ سَوَاحِلَ الْبَحْرِ؛ كَعَسْقَلَانَ وَعَكَّةَ وَمَا جَاوَرَ ذَلِكَ. وَبِالْعِرَاقِ عبادان وَنَحْوُهَا؛ وَلِهَذَا يَكْثُرُ ذِكْرُ "عَسْقَلَانَ" و"عبادان" فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ؛ لِكَوْنِهِمَا كَانَا ثَغْرَيْنِ وَكَانَتْ أَيْضًا "طرطوش" ثَغْرًا لَمَّا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمَّا أَخَذَهَا الْكُفَّارُ صَارَ الثَّغْرُ مَا يُجَاوِرُ أَرْضَ الْعَدُوِّ مِنْ الْبِلَادِ الْحَلَبِيَّةِ» اهـ.

стр. 7843

قُلْتُ: وقد زال الخوف في كثير من الأماكن التي كانت ثغورًا مخوفة، وصارت أكثر بلدان المسلمين المحادة للكافرين في أمن، فالذي يظهر لي أنَّ البقاء فيها لا يدخل في مسمى الرباط في سبيل الله تعالى. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٣/ ١٦٢): «إذَا كَانَ الثَّغْرُ رِبَاطًا لِمَوْضِعِ الْخَوْفِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ الْمَخَافَةُ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ بَعُدَ الْعَدُوُّ عَنْهُمْ فَإِنَّ حُكْمَ الرِّبَاطِ يَزُولُ عَنْهُمْ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ جَعَلَ شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيَجْعَلُهُ فِي جُدَّةٍ قَالَ: لَا قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ بِهَا خَوْفٌ قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ ﵀ فِي [الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي] (١/ ٤٠٦): «وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ بِمَحَلٍّ ثُمَّ زَالَ فَلَا يُنْدَبُ الرِّبَاطُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّحَصُّنُ وَالتَّحَفُّظُ مِنْ سَطْوَةِ الْعَدُوِّ، وَإِذَا حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِلرِّبَاطِ» اهـ. وقد جاء في فضل الرباط ما رواه مسلم (١٩١٣) عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ».

стр. 7844

وَقَوْلُهُ: «جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ». أي حال رباطة، فيجري عليه أجر الرباط وما كان يعمله من الأعمال حال رباطة. وَقَوْلُهُ: «وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ». موافق لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]. وقد روى مسلم (١٨٨٧) عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً»، فَقَالَ: «هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا».

стр. 7845

وروى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٤٦٠٣)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٣٩٨١)، وابن عساكر في [الْجِهَادِ] (١٨) من طريق عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ فِي الرِّبَاطِ، فَفَزِعُوا إِلَى السَّاحِلِ، ثُمَّ قِيلَ: لَا بَأْسَ، فَانْصَرَفَ النَّاسُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَاقِفٌ، فَمَرَّ بِهِ إِنْسَانٌ، فَقَالَ: مَا يُوقِفُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ. لكن في الحديث اختلاف، فقد رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر كما في [الْمَطَالِبِ الْعَالِيَّةِ] (١٩٣٦) فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ ثنا سَعِيدُ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ ثنا محمد ابن أبى أيوب ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ شُهُودِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ خَالَفَهُ عَبَّاسٌ التَّرْقُفِيُّ عَنِ المقرئ فَقَالَ عَنْ مُجَاهِدٍ بَدَلَ يُونُسَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

стр. 7846

قُلْتُ: حديث عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ أصح. وثَمَّ اختلاف آخر. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (٨/ ٤٠٨): «يُونُسُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ورَوَاهُ أصبغ عَنِ ابْنِ وهب قَالَ أخبرني سَعِيد بْن أَبِي أيوب عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ يونس بْن يحيى» اهـ. قُلْتُ: يونس بن يحيى لم أعرفه، وأمَّا يونس بن خباب في حديث ابن أبي عمر فهو منكر الحديث. فالأظهر أنَّ أصح طريق من طرق الحديث هي طريق ابن وهب، وهي معلولة بجهالة يونس بن يحيى، فَالْحَدِيْثُ ضَعِيْفٌ مُعَلٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٥ - ٦): «بل المقام في ثغور المسلمين كالثغور الشامية والمصرية أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة وما أعلم في هذا نزاعاً بين أهل العلم وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة؛ وذلك لأنَّ الربط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون

стр. 7847

من جنس الحج؛ كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنَّه سئل: أي الأعمال أفضل: قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم جهاد في سبيله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم حج مبرور". وقد روي: "غزوة في سبيل الله أفضل من سبعين حجة" وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي: أنَّ النبي ﷺ قال: "رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطاً مات مجاهداً وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان". وفي السنن عن عثمان عن النبي ﷺ أنَّه قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل": وهذا قاله عثمان على منبر رسول الله ﷺ وذكر أنَّه قال لهم ذلك تبليغاً للسنة. وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. وفضائل الرباط والحرس في سبيل الله كثيرة لا تسعها هذه الورقة. والله أعلم» اهـ. قْلْتُ: واختلف العلماء أيهما أفضل الجهاد أم الرباط. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٤/ ١١٩):

стр. 7848

«إحْدَاهَا: الْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْ الرِّبَاطِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ الْحَكَمِ، فِي تَفْضِيلِ تَجْهِيزِ الْغَازِي عَلَى الْمُرَابِطِ مِنْ غَيْرِ غَزْوٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: الرِّبَاطُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ. لِأَنَّ الرِّبَاطَ أَصْلٌ وَالْجِهَادَ فَرْعُهُ. لِأَنَّهُ مَعْقِلٌ لِلْعَدُوِّ، وَرَدَّ لَهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ» اهـ. وأبو بكر هو غلام الخلال: عبد العزيز بن جعفر بن أحمد. قْلْتُ: ومن فضل الرباط على الجهاد احتج بما سبق من الحديث. وبأنَّ الرباط حفظ لدماء المسلمين والجهاد سفك لدماء الكافرين. وأجيب بأنَّ في سفك دماء الكافرين حفظًا لدماء المسلمين، وذلك أنَّ المسلمين إذا جبنوا عن الجهاد تسلط عليهم الأعداء مع ما في قتال الكافرين من إعلاء كلمة الله تعالى وجعل الدين كله لله تعالى، وجعل كلمة الذين كفروا هي السفلى. قال المفضلون للرباط على الجهاد: ولأنَّ الرباط أصل والجهاد فرع. وأجيب: بأنَّ الرباط من أجل الجهاد، فالمرابط يرابط من أجل جهاد الكافرين إذا هم هجموا على المسلمين، فالرباط وسيلة والجهاد هو الغاية.

стр. 7849

قال المفضلون للرباط على الجهاد: ولأنَّ الرباط شبيه بحفظ رأس المال، والجهاد شبيه بطلب الربح، وهذا في جهاد الطلب لا الدفع. وأجيب: بأنَّ الجهاد فيه المعنيان جميعًا فإنَّ حفظ المسلمين لا يكون إلَّا بقتال أعدائهم، وإذا ترك المسلمون الجهاد تسلط عليهم الأعداء كما هو الواقع. ومن فضل الجهاد احتج بما رواه مسلم (١٨٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ؟ قَالَ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى». وفي البخاري (٢٧٨٧) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». قُلْتُ: ويمكن من فضل الرباط أن يقول: جاء في الرباط ما هو أبلغ من ذلك وهو أنَّ رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وقد سبق قول النبي صلى الله عليه

стр. 7850

وسلم: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ». والجهاد لم يبلغ إلى هذا الفضل، بل غاية ما فيه أنَّ من جاهد يومًا فهو كالصائم والمصلي الذي لا يفتر في يومه ذاك. وأجيب: بأنَّ النبي ﷺ أخبرهم بأنَّهم لا يستطيعون أن يفعلوا ما يعدل الجهاد، وأمَّا صيام شهر وقيامه فإنَّه من المستطاع، فالمرابط في يوم وليلة خير ممن صام شهرًا وقامه، والمجاهد كالعابد الذي لا يكل ولا يمل من العبادة في ليله ونهاره وفي جميع لحظاته وما لا يستطاع فعله أعظم مما يستطاع فعله. وأيضًا وروى البخاري (٢٧٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ؟ قَالَ: «لَا أَجِدُهُ». قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟»، قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ، فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ». وأيضًا فإنَّ جهاد يوم وليلة في سبيل الله تعالى أفضل من صيام شهر وقيامه فإنَّ الجهاد فرض والفرض خير من النفل.

стр. 7851

وأيضًا قوله ﷺ : «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى». غاية ما فيه تشبيه هذا بهذا وليس فيه أنَّ من جاهد يومًا في سبيل الله تعالى أجره كأجر من صلى يومًا، وصامه، وإنَّما وجه التشبيه أنَّ المجاهد في عمل صالح في حركاته وسكناته وفي نومه ويقظته، فلا يشبهه في ذلك إلَّا من كان مداومًا للصلاة والصوم والطاعة في جميع لحظاته، فهذا وجه التشبيه. ولو افترضنا أنَّ رجلًا جاهد ساعة، وآخر صلى ساعة وصامها فلا يقال: إنَّهما في الأجر سواء لكن يقال: هذا يشبه هذا في المداومة على الخير والعبادة. والله أعلم. وأيضًا وروى أحمد (١٠٧٩٦)، والترمذي (١٦٥٠) من طريق هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٌ فَأَعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا، فَقَالَ: لَوِ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ، فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، وَلَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ

стр. 7852

عَامًا، أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ، اغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، وهشام بن سعد مختلف فيه وقد قدمه أبو زرعة على ابن إسحاق فمثله حسن الحديث. والله أعلم. ولبعض ألفاظه شواهد. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢٤٧): «الفواق ما بين الحلبتين وقيل ما هو بين الشُخبين. الشخبان ما يخرج من اللبن» اهـ. والمراد بالشخبين ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع. قُلْتُ: وهذا أبلغ مما ورد في أجر الرباط. واحتج المفضلون للجهاد على الرباط بما رواه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». ولم يذكر الرباط.

стр. 7853

وقد يجاب عن ذلك: بأنَّ هذا ليس من قبيل التفضيل المطلق بين الأعمال، وإنَّما هو باعتبار السائل أي: هذا هو الأفضل له، والشخص المعين قد يكون المفضول في حقه أفضل من الفاضل. ويدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ قد قدَّم أعمالًا عل الجهاد فروى البخاري (٢٧٨٢)، ومسلم (٨٥) عَنْ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (١٠/ ٥٣٤): «وأمَّا قوله ﷺ حين سُئل أي العمل أفضل، فقال: "الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد" فقرن حق الوالدين بحق الله على عباده بواو العطف، وليس هذا بمخالف للحديث الآخر أنَّ النبي ﷺ سُئل أي العمل أفضل، فقال: "إيمان بالله، ثم الجهاد، ثم حج مبرور"، ولم يذكر بر الوالدين، وإنَّما يفتى السائل بحسب ما يعلم من حاله، أو ما يتقى عليه من فتنة

стр. 7854

الشيطان. فلذلك اختلف ترتيب أفضل الأعمال، مع أنه قد يكون العمل في وقت أوكد وأفضل منه في وقت آخر، كالجهاد الذى يتأكد مرةً، ويتراخى مرةً» اهـ. واحتجوا أيضًا بما رواه البخاري (١٥٢٠) عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ». وفيه أنَّ المتقرر في نفوس الصحابة أنَّ الجهاد أفضل الأعمال لكن لما لم يكن على النساء جهاد كان أفضل الجهاد بالنسبة لهن الحج المبرور. وقد يجاب بأنَّ ما كان متقررًا في نفس عائشة ﵁ ليس بصحيح، وذلك النبي ﷺ قد فضل على الجهاد الصلاة على وقتها وبر الوالدين. ولمن فضل الجهاد أن يقول: قد كثرت الأدلة في فضل الجهاد بما لم يأت قريب منه في الرباط. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].

стр. 7855

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [حَادِي الْأَرْوَاحِ] (ص: ٨٤ - ٨٥): «فجعل سبحانه ها هنا الجنة ثمنًا لنفوس المؤمنين وأموالهم بحيث إذا بذلوها فيه استحقوا الثمن وعقد معهم هذا العقد وأكده بأنواع من التأكيد أحدها: إخبارهم بصيغة الخبر المؤكد بأداة "إنَّ". الثاني: الأخبار بذلك بصيغة الماضي الذي قد وقع وثبت واستقر. الثالث: إضافة هذا العقد إلى نفسه سبحانه وأنَّه هو الذي اشترى هذا المبيع. الرابع: أنَّه أخبر بأنَّه وعد بتسليم هذا الثمن وعدًا لا يخلفه ولا يتركه. الخامس: أنَّه أتى بصيغة على التي للوجوب أعلامًا لعباده بأنَّ ذلك حق عليه أحقه هو على نفسه. السادس: أنَّه أكد ذلك بكونه حقًا عليه. السابع: أنَّه أخبر عن محل هذا الوعد وأنَّه في أفضل كتبه المنزلة من السماء وهي التوراة والإنجيل والقرآن. الثامن: إعلامه لعباده بصيغة استفهام الإنكار وأنَّه لا أحد أوفى بعهده منه سبحانه.

стр. 7856

التاسع: أنَّه أمرهم أن يستبشروا بهذا العقد ويبشر به بعضهم بعضًا بشارة من قد تم له العقد ولزم بحيث لا يثبت فيه خيار ولا يعرض له ما يفسخه. العاشر: أنَّه أخبرهم إخبارًا مؤكدًا بأنَّ ذلك البيع الذي بايعوه به هو الفوز العظيم والبيع ههنا بمعنى المبيع الذي أخذوه بهذا الثمن وهو الجنة. وقوله: ﴿بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ أي عاوضتم وثامنتم به» اهـ. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [طَرِيْقِ الْهِجْرَتِيْنِ] (ص: ٣٥٥ - ٣٥٦): «وقد تظاهرت آيات الكتاب وتواترت نصوص السنة على الترغيب في الجهاد والحض عليه ومدح أهله والإخبار عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات والعطايا الجزيلات، ويكفى في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكَمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة

стр. 7857

الرابحة التي الدال عليها رب العالمين العليم الحكيم فقال: ﴿تُؤْمِنُون بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفَسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]، فكأن النفوس ضنت بحياتها وبقائها فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعنى أنَّ الجهاد خير لكم من قعودكم للحياة والسلامة، فكأنَّها قالت: فما لنا في الجهاد من الحظ؟ فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ﴾، مع المغفرة: ﴿يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنِ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢]، فكأنها قالت: هذا في الآخرة فما لنا في الدنيا؟ فقال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]. فلله ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذباً لها وتسييراً إلى ربها، وما ألطف موقعها من قلب كل محب، وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها، فنسأل الله من فضله إنَّه جواد كريم» اهـ. وجاء في حديث مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ».

стр. 7858

رواه أحمد (٢٢٠٦٩)، والترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجة (٣٩٧٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٣٩٤) من طريق مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ. وهذا الحديث يدل على أنَّ الجهاد أعلى شيء في الإسلام لكنَّه ليس من دعائمة وأركانه التي لا يقوم الإسلام إلَّا بها. وروى البخاري (٢٧٩٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ».

стр. 7859

وفي البخاري (٩٠٧) عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ - وهو: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ- وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الجهاد أفضل من الرباط. والله أعلم. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤): «وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَمْ يَرِدْ فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَفَضْلِهَا مِثْلُ مَا وَرَدَ فِيهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ نَفْعَ الْجِهَادِ عَامٌّ لِفَاعِلِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَمُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لَهُ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ: عَلَى مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَمَلٌ آخَرُ. وَالْقَائِمُ بِهِ مِنْ الشَّخْصِ وَالْأُمَّةِ بَيْنَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ دَائِمًا. إمَّا النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ. فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَحْيَا وَمَمَاتٍ فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ فِي غَايَةِ سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي تَرْكِهِ ذَهَابُ السَّعَادَتَيْنِ أَوْ نَقْصُهُمَا؛ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّدِيدَةِ فِي الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا مَعَ قِلَّةِ مَنْفَعَتِهَا فَالْجِهَادُ أَنْفَعُ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ شَدِيدٍ

стр. 7860

وَقَدْ يَرْغَبُ فِي تَرْفِيهِ نَفْسِهِ حَتَّى يُصَادِفَهُ الْمَوْتُ فَمَوْتُ الشَّهِيدِ أَيْسَرُ مِنْ كُلِّ مِيتَةٍ وَهِيَ أَفْضَلُ الْمِيتَاتِ» اهـ. وجاء في فضل حراسة المجاهدين: ما رواه الترمذي (١٦٣٩) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ. وروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٨٨١٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ». قَالَ مُحَمَّدٌ: «كَانَ يَحْيَى إِذَا حَدَّثَ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ لَا يَرْفَعُهُ، وَإِذَا حَدَّثَ بِهِ فِي خَلْوَتِهِ وَخَاصَّتِهِ رَفَعَهُ» اهـ. قُلْتُ: يحيى هو ابن سعيد القطان.

стр. 7861

ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩٣٣٤) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ نا ثَوْرٌ به موقوفًا على ابن عمر. قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٢/ ٤١٥): «رواه يحيى القطان، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن مجاهد بن رباح، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . كذلك حدث به عنه بندار مرفوعًا، قال: وربما لم يرفعه يحيى. وغيره يرويه عن يحيى، موقوفًا. وكذلك قال عمرو بن علي عنه. وكذلك قال وكيع، عن ثور بن يزيد، موقوفًا، وهو الصواب» اهـ. قُلْتُ: الموقوف له حكم الرفع، لكن في إسناد المرفوع والموقوف مجاهد بن رباح مجهول، وقد صحح العلامة الألباني ﵀ الحديث، ولعله ظنَّ أنَّ مجاهدًا هو ابن جبر، وذلك أنَّه ذكر من غير أن ينسب في كثير من المصادر. وروى أبو داود (٢٥٠١) عَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ، حَتَّى كَانَتْ عَشِيَّةً فَحَضَرْتُ الصَّلَاةَ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي

стр. 7862

انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ آبَائِهِمْ بِظُعُنِهِمْ، وَنَعَمِهِمْ، وَشَائِهِمْ، اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، ثُمَّ، قَالَ: «مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟»، قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَارْكَبْ»، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ، وَلَا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ»، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُصَلَّاهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْسَسْنَاهُ فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ»، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ نَزَلْتَ

стр. 7863

اللَّيْلَةَ؟» قَالَ: لَا، إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَوْجَبْتَ فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ٢ - واحتج به من قال: أقل الرباط يوم لما في الحديث من معنى المبالغة في القلة. وذهب الإمام أحمد إلى أنَّ الرباط يصح ولو في ساعة من الزمان، وهو الصحيح ويدل عليه حديث أبي هريرة الماضي مرفوعًا: «مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ». لكنه لا يصح كما سبق بيانه. ٣ - وفيه بيان لعظيم ما في الجنة وأنَّ الشيء اليسير منها خير من الدنيا وما فيها، وكل هذا من باب الترغيب في الجهاد والرباط في سبيل الله. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٤): «والحاصل أنَّ المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأنَّ من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنَّه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أنَّ سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا فنبه هذا المتأخر أنَّ هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا» اهـ.

стр. 7864

وروى البخاري (٢٧٩٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». ٤ - وفيه فضل الروحة والغدوة في الجهاد في سبيل الله تعالى. وهو يشمل كل غدوة وروحة ولا يختص ذلك بالغدو من بيته إلى الجهاد في سبيل الله، بل يشمل غدوه ورواحه في جهاده. ٥ - وفيه أنَّ الزمن اليسير في طاعة الله تعالى خير من الدنيا وما فيها. * * *

стр. 7865

٣٩٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ»، وَلِمُسْلِمٍ: «تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». وَلِمُسْلِمٍ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ إنْ تَوَفَّاهُ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِماً مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». قَوْلُهُ: «انْتَدَبَ اللَّهُ» بمعنى تضمن كما في الرواية الأخرى، وتكفل، كما جاء في لفظ عند البخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦): «تَكَفَّلَ اللَّهُ». تنبيه: الرواية التي عزاها المصنف لمسلم هي للبخاري (٢٧٨٧)، ولفظه: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». وروى مسلم (١٨٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ؟ قَالَ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى». وروى مسلم (١٨٧٦) أيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».

стр. 7866

وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، وأنَّه من أسباب دخول الجنة، ويبدأ هذا الوعد بالموت مباشرة فإنَّ أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في الجنة ثم تأوي في قناديل معلقة بالعرش كما في حديث ابن مسعود. وفي الرواية الأخرى فضل آخر للجهاد من حيث تشبيه النبي ﷺ له بمن هو صائم في نهاره وقائم في ليله، وهذا يدل على أنَّ المجاهد في أجر

стр. 7867

مستمر في الليل والنهار، وقد بيَّن ذلك الله في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠، ١٢١]. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٨/ ٣٠٢ - ٣٠٣): «هذا من أفضل حديث وأجله في فضل الجهاد لأنَّه مثله بالصلاة والصيام وهما أفضل الأعمال وجعل المجاهد بمنزلة من لا يفتر عن ذلك ساعة فأي شيء أفضل من الجهاد يكون صاحبه راكباً وماشياً وراقداً ومتلذذاً بكثير من حديث رفيقه وأكله وشربه وغير ذلك مما أبيح له وهو في ذلك كله كالمصلي التالي للقرآن في صلاته الصائم مع ذلك المجتهد إنَّ هذا لغاية في الفضل وفقنا الله برحمته. ولهذا ومثله قلنا: إنَّ الفضائل لا تدرك بقياس ونظر والله المستعان وحسبك من فضل الجهاد بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. في هذا الحديث دليل على إجازة

стр. 7868

القياس بالتشبيه والتمثيل في الأحكام وهذا باب جسيم قد أفردنا له أبواباً في كتاب العلم والحمد لله» اهـ. ٢ - أنَّ المجاهد لا ينال أجر الجهاد إلَّا بشرطين وهما: أن يكون في سبيل الله، وأن يكون الدافع له الإيمان بالله تعالى. وروى البخاري (٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الرَّجُلُ: يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». ٣ - وفيه فضل الإخلاص في العمل الصالح. ٤ - وفيه أنَّ المجاهد داخل في ضمان الله تعالى. ٥ - وفي الحديث فضل الصيام والقيام حيث شبه بهما الجهاد في سبيل الله تعالى. ٦ - وفيه أنَّ التشبيه قد يقع على أمر لا يشرع، وذلك أنَّ قيام الليل بأكمله وصوم النهار إن بلغ إلى صوم الدهر فلا يشرع. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٤٩٣): «نظير هذا: قول النبي ﷺ لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد؟ فقال: "لا

стр. 7869

تستطيعه. هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر"؟ قال: لا. قال: "فذلك مثل المجاهد" ومعلوم أنَّ هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع» اهـ. قُلْتُ: وفي قوله في الحديث: «نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»، وقوله: «أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِماً مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». مما يشكل، وذلك أنَّه قد يتبادر من ظاهره أنَّ المجاهد قد يرجع بأجر من غير غنيمة أو بغنيمة من غير أجر. وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال فقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٨ - ١٠): «قوله: "مع أجر أو غنيمة". أي مع أجر خالص إن لم يغنم شيئاً أو مع غنيمة خالصة معها أجر وكأنَّه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة والحامل على هذا التأويل أنَّ ظاهر الحديث أنَّه إذا غنم لا يحصل له أجر وليس ذلك مراداً بل المراد أو غنيمة معها أجر انقص من أجر من لم يغنم لأنَّ القواعد تقتضي أنَّه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجراً عند وجودها فالحديث صريح في نفي الحرمان وليس صريحاً في نفي الجمع.

стр. 7870

وقال الكرماني: معنى الحديث أنَّ المجاهد إمَّا يستشهد أو لا، والثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما فهي قضية مانعة الخلو لا الجمع. وقد قيل في الجواب عن هذا الاشكال: إنَّ "أو" بمعنى الواو وبه جزم ابن عبد البر والقرطبي ورجحها التوربشتي والتقدير بأجر وغنيمة وقد وقع كذلك في رواية لمسلم من طريق الأعرج عن أبي هريرة، رواه كذلك عن يحيى بن يحيى عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد وقد رواه جعفر الفريابي وجماعة عن يحيى بن يحيى فقالوا: "أجر أو غنيمة" بصيغة أو، وقد رواه مالك في "الموطأ" بلفظ: "أو غنيمة" ولم يختلف عليه إلَّا في رواية يحيى بن بكير عنه فوقع فيه بلفظ: "وغنيمة"، ورواية يحيى بن بكير عن مالك فيها مقال ووقع عند النسائي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بالواو أيضاً، وكذا من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة بلفظ: "بما نال من أجر وغنيمة" فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعين القول بأنَّ "أو" في هذا الحديث بمعنى الواو كما هو مذهب نحاة الكوفيين لكن فيه إشكال صعب لأنَّه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكل من رجع وقد لا يتفق ذلك فإنَّ كثيراً من الغزاة يرجع بغير غنيمة فما فرَّ منه الذي

стр. 7871

ادعى أنَّ "أو" بمعنى الواو وقع في نظيره لأنَّه يلزم على ظاهرها أنَّ من رجع بغنيمة رجع بغير أجر كما يلزم على أنَّها بمعنى الواو أنَّ كل غاز يجمع له بين الأجر والغنيمة معاً وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلَّا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم". وهذا يؤيد التأويل الأول وأنَّ الذي يغنم يرجع بأجر لكنه انقص من أجر من لم يغنم فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا وتمتعه بأجر من لم يغنم مع اشتراكهما في التعب والمشقة كان أجر من غنم دون أجر من لم يغنم وهذا موافق لقول خباب في الحديث الصحيح الآتي: فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئاً الحديث. واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة وهو مخالف لما يدل عليه أكثر الأحاديث وقد اشتهر تمدح النبي ﷺ بحل الغنيمة وجعلها من فضائل أمته فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التمدح بها، وأيضاً فإنَّ ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلاً مع أنَّ أهل بدر أفضل بالاتفاق وسبق إلى هذا الإشكال ابن عبد البر وحكاه عياض وذكر أنَّ بعضهم أجاب عنه بأنَّه ضعف حديث عبد الله بن عمرو

стр. 7872

لأنَّه من رواية حميد بن هانئ وليس بمشهور وهذا مردود لأنَّه ثقة يحتج به عند مسلم وقد وثقه النسائي وابن يونس وغيرهما ولا يعرف فيه تجريح لأحد، ومنهم من حمل نقص الأجر على غنيمة أخذت على غير وجهها وظهور فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في رده إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم ثلث الأجر ولا أقل منه، ومنهم من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضاً وفيه نظر لأنَّ صدر الحديث مصرح بأنَّ المقسم راجع إلى من اخلص لقوله في أوله: "لا يخرجه إلَّا إيمان بي وتصديق برسلي". وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما واستعمالهما على وجههما. ولم يجب عن الإشكال المتعلق بأهل بدر. وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين بل الحكم فيهما جار على القياس لأنَّ الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقة فيما كان أجره بحسب مشقته إذ للمشقة دخول في الأجر وإنَّما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابرون عليها فيمكن أن يجاب بأنَّ أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض لأنَّ أخذ الغنائم أول ما شرع كان عوناً على الدين وقوة لضعفاء المسلمين وهي مصلحة عظمى يغتفر لها بعض النقص في

стр. 7873

الأجر من حيث هو، وأمَّا الجواب عمن استشكل ذلك بحال أهل بدر فالذي ينبغي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم أو يغزو فيغنم فغايته أنَّ حال أهل بدر مثلاً عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى ولم يرد فيهم نص أنَّهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة ولا يلزم من كونه مغفوراً لهم وأنَّهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى، وأمَّا الاعتراض بحل الغنائم فغير وارد إذ لا يلزم من الحل ثبوت وفاء الأجر لكل غاز والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه لكن ثبت أنَّ أخذ الغنيمة واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب ومع ذلك فمع صحة ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة وصحة التمدح بأخذها لا يلزم من ذلك أنَّ كل غاز يحصل له من أجر غزاته نظير من لم يغنم شيئاً البتة. قُلْتُ: والذي مثل بأهل بدر أراد التهويل وإلَّا فالأمر على ما تقرر آخراً بأنَّه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجراً مما لو لم يحصل لهم أجر الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم كمن شهد أحداً لكونهم لم يغنموا شيئاً بل أجر البدري في الأصل أضعاف أجر من بعده مثال ذلك

стр. 7874

أن يكون لو فرض أنَّ أجر البدري بغير غنيمة ستمائة وأجر الأحدي مثلاً بغير غنيمة مائة فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو كان للبدري لكونه أخذ الغنيمة مائتان وهي ثلث الستمائة فيكون أكثر أجراً من الأحدي وإنَّما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبي ﷺ في قتال الكفار وكان مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعاً فصارت لا يوازيها شيء في الفضل والله أعلم. واختار ابن عبد البر أنَّ المراد بنقص أجر من غنم أنَّ الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة كما يؤجر من أصيب بماله فكان الأجر لما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدم ذكره وذكر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بن عمرو حكمة لطيفة بالغة: وذلك أنَّ الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات دنيويتان وأخروية فالدنيويتان السلامة والغنيمة والأخروية دخول الجنة فإذا رجع سالماً غانماً فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له وبقي له عند الله الثلث وإن رجع بغير غنيمة عوضه الله عن ذلك ثواباً في مقابلة ما فاته وكأنَّ معنى الحديث أنَّه يقال للمجاهد إذا فات عليك شيء من أمر

стр. 7875

الدنيا عوضتك عنه ثواباً وأمَّا الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معاً قال: وغاية ما فيه عد ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجراً بطريق المجاز والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي في معنى الحديث أنَّ "أو" بمعنى الواو كما جاء في رواية لمسلم، وجاء ذلك أيضاً فيما رواه أبو داود (٢٤٩٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ سَمَاعَةَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ : رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وفي الباب أحاديث أخرى. ومما يدل على اجتماع الأجر والغنيمة للمجاهد ما رواه مسلم (١٩٠٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي

стр. 7876

سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ». وأمَّا قَوْلُ الْحِافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ فيما سبق: «لكن فيه إشكال صعب لأنَّه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكل من رجع وقد لا يتفق ذلك فإنَّ كثيراً من الغزاة يرجع بغير غنيمة» اهـ. فيجاب عن ذلك بأنَّ الحديث خرج مخرج الغالب، وذلك أنَّ الغالب هو النصر للمؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١].

стр. 7877

وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. وهكذا فإنَّ الغالب مع النصر الغنيمة، فلهذا جمع بينهما في الحديث. والله أعلم. * * *

стр. 7878

٣٩٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ». قَوْلُهُ: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ». أي: مجروح. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - فضل الكلم في سبيل الله تعالى، وعمومه يشمل الشهيد وغيره. ٢ - وفيه أنَّه لا ينال المكلوم هذا الفضل إلَّا بالإخلاص. ٣ - واحتج به من قال بعدم تغسيل الشهيد. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٠): «وفيه نظر لأنَّه لا يلزم من غسل الدم في الدنيا أن لا يبعث كذلك ويغني عن الاستدلال لترك غسل الشهيد في هذا الحديث قوله ﷺ في شهداء أحد: "زملوهم بدمائهم"» اهـ. قُلْتُ: وقد سبق الكلام على حكم تغسيل الشهيد في كتاب الجنائز.

стр. 7879

٤ - واحتج به على طهارة المسك، ووجه الاحتجاج تشبيه دم الشهداء به، وهذا التشبيه من باب الفضل والتكريم، ولا يكون ذلك مع القول بنجاسة المسك. وقد كره المسك جماعة من السلف كالحسن عطاء وغيرهما، لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٢٤): «ثم انقرض هذا الخلاف واستقر الإجماع على طهارة المسك وجواز بيعه» اهـ. قُلْتُ: وكراهة من كرهه لأنَّه مستحيل من دم الغزلان، ولا وجه لهذه الكراهة فإنَّ الاستحالة مطهرة. والمسك هو أطيب الطيب كما روى مسلم (٢٢٥٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَصِيرَةٌ تَمْشِي مَعَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقٌ مُطْبَقٌ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا، وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَعْرِفُوهَا، فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا». ولهذا كان ختام شراب الأبرار مسك كما قال الله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٥، ٢٦]. أي: أخره مسك يخالطه.

стр. 7880

ورشح أهل الجنة المسك فروى البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا». وتراب الجنة المسك كما جاء في البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الجنة: «وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ». وطين أو طيب نهر الكوثر المسك فروى البخاري (٦٥٨١) عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ح وحَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ، الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ - أَوْ طِيبُهُ - مِسْكٌ أَذْفَرُ». شَكَّ هُدْبَةُ.
следующие страницы →