← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

القيد الثاني: إقبال الكافر على القتال وليس المراد اشتغاله بالقتال حين قتله لأَّنهما لو تقاتلا زماناً ثم هرب فقتله المسلم في إدباره قال الأصحاب استحق سلبه. ولا يشترط أيضاً أن تكون مقاتلته مع قاتله بل لو قصد كافر مسلماً فجاء مسلم آخر من ورائه فقتله استحق سلبه، بل المرعي ما ذكره أصحابنا العراقيون أن يقتله مقبلاً أو مدبراً والحرب قائمة، فأمَّا إذا انهزم جيش الكفار فاتبعهم فقتل كافراً فلا يستحق سلبه؛ لأنَّ بهزيمتهم اندفع شرهم وما دامت الحرب قائمة فالشر متوقع والمولي لا تؤمن كرته. ولو قتل كافراً وهو أسير في يده أو نائم أو مشغول بأكل أو نحوه أو مثخن زائل الامتناع لم يستحق سلبه. القيد الثالث: قهره بما يكفي شره بالكلية بقتل أو إثخان أو إزالة امتناع بأن يعميه أو يقطع يديه ورجليه ولا يلحق به قطع يد أو رجل، فلو قطع يديه أو رجليه أو يداً ورجلاً فهو إثخان على الأظهر وهو رواية المزني وبه قطع جماعة» اهـ. ٨ - لم يقيد النبي ﷺ السلب بشيء، وقد قال لسلمة بن الأكوع: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ». فيشمل ذلك ما عليه من الثياب وما يحمله من السلاح والنقود،

стр. 7912

ويدخل في ذلك المركوب أيضاً لأنَّ سلب ابن الأكوع كان فيه إبل، ولم يستثنه النبي ﷺ من جملة السلب، وفي بعض ذلك نزاع بين العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٩٩ - ٥٠٠): «مسألة قال: "والدابة وما عليها من آلتها من السلب، إذا قتل وهو عليها، وكذلك ما عليه من السلاح والثياب وإن كثر، فإن كان معه مال لم يكن من السلب. وقد روي عن أبي عبد الله ﵀ رواية أخرى، أنَّ الدابة ليست من السلب". وجملته أنَّ السلب ما كان القتيل لابساً له، من ثياب، وعمامة، وقلنسوة ومنطقة، ودرع، ومغفر، وبيضة، وتاج، وأسورة ورأن، وخف، بما في ذلك من حلية، ونحو ذلك؛ لأنَّ المفهوم من السلب اللباس، وكذلك السلاح؛ من السيف، والرمح، والسكين، واللت، ونحوه، لأنَّه يستعين به في قتاله، فهو أولى بالأخذ من اللباس، وكذلك الدابة؛ لأنَّه يستعين بها، فهي كالسلاح وأبلغ منه، ولذلك استحق بها زيادة السهمان، بخلاف السلاح. فأمَّا المال الذي معه في كمرانه وخريطته، فليس بسلب؛ لأنَّه ليس من الملبوس، ولا مما يستعين به في الحرب، وكذلك رحله وأثاثه، وما ليست يده عليه من ماله ليس من سلبه.

стр. 7913

وبهذا قال الأوزاعي، ومكحول، والشافعي، إلَّا أنَّ الشافعي قال: ما لا يحتاج إليه في الحرب، كالتاج، والسوار، والطوق، والهميان الذي للنفقة، ليس من السلب في أحد القولين؛ لأنَّه مما لا يستعان به في الحرب، فأشبه المال الذي في خريطته. ولنا، أنَّ في حديث البراء، أنَّه بارز مرزبان الزأرة، فقتله، فبلغ سواراه ومنطقته ثلاثين ألفاً، فخمسه عمر، ودفعه إليه. وفي حديث عمرو بن معدي كرب، أنَّه حمل على أسوار فطعنه، فدق صلبه فصرعه، فنزل إليه فقطع يده، وأخذ سوارين كانا عليه، ويلمقاً من ديباج، وسيفاً، ومنطقة، فسلم له ذلك. ولأنَّه ملبوس له، فأشبه ثيابه، ولأنَّه داخل في اسم السلب، فأشبه الثياب والمنطقة، ويدخل في عموم قول النبي ﷺ : "فله سلبه". واختلفت الرواية عن أحمد، في الدابة، فنقل عنه أنَّها ليست من السلب. وهو اختيار أبي بكر؛ لأنَّ السلب ما كان على يديه، والدابة ليست كذلك، فلا يدخل في الخبر. قال: وذكر عبد الله حديث عمرو بن معدي كرب، فأخذ سواريه ومنطقته. ولم يذكر فرسه.

стр. 7914

ولنا ما روى عوف بن مالك، قال: "خرجت مع زيد بن حارثة، في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس أشقر، عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي، فعرقب فرسه، فعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت له: يا خالد، أما علمت أنَّ رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى. رواه الأثرم. وفي حديث شبر بن علقمة، أنَّه أخذ فرسه. كذلك قال أحمد: هو فيه. ولأنَّ الفرس يستعان بها في الحرب، فأشبهت السلاح، وما ذكروه يبطل بالرمح والقوس واللت، فإنَّها من السلب وليست ملبوسة. إذا ثبت هذا، فإنَّ الدابة وما عليها؛ من سرجها، ولجامها وتجفيفها، وحلية إن كانت عليها، وجميع آلتها من السلب؛ لأنَّه تابع لها، ويستعان به في الحرب، وإنَّما يكون من السلب إذا كان راكباً عليها، فإن كانت في منزله أو مع غيره، أو منفلتة، لم تكن من السلب، كالسلاح الذي ليس معه، وإن كان راكباً عليها فصرعه عنها،

стр. 7915

أو أشعره عليها، ثم قتله بعد نزوله عنها، فهي من السلب. وهكذا قول الأوزاعي. وإن كان ممسكاً بعنانها، غير راكب عليها، فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما: من السلب. وهو قول الشافعي؛ لأنَّه متمكن من القتال عليها، فأشبهت سيفه أو رمحه في يده. والثانية: ليست من السلب. وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار الخلال؛ لأنَّه ليس براكب عليها، فأشبه ما لو كانت مع غلامه. وإن كان على فرس، وفي يده جنيبة، لم تكن الجنيبة من السلب، لأنَّه لا يمكنه ركوبهما معاً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ٩): «وكذلك إن كان في هميانه وفي منطقته دنانير أو جواهر أو نحو هذا، فلا خلاف أنَّه ليس من السلب» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٢/ ٩٠): «واختلف العلماء في السلب ما هو؟ قال مقيده عفا الله عنه: لهذه المسألة طرفان، وواسطة:

стр. 7916

طرف أجمع العلماء على أنَّه من السلب: وهو سلاحه، كسيفه، ودرعه، ونحو ذلك، وكذلك ثيابه. وطرف أجمع العلماء على أنَّه ليس من السلب: وهو ما لو وجد في هميانه، أو منطقته دنانير. أو جواهر، أو نحو ذلك. وواسطة اختلف العلماء فيها: منها فرسه الذي مات وهو يقاتل عليه، ففيه للعلماء قولان: وهما روايتان عن الإمام أحمد، أصحهما أنَّه منه، ومنها ما يتزين به للحرب، فقال الأوزاعي: ذلك كله من السلب، وقالت: فرقة ليس منه، وهذا مروي عن سحنون إلَّا المنطقة، فإنَّها عنده من السلب، وقال ابن حبيب في الواضحة، والسواران من السلب، والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: ليس في النفقة إجماع على أنَّها لا تدخل في السلب، وقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (٦/ ٣٧٥): «وفيما عليه من الزينة كالطوق والسوار والمنطقة والخاتم والهميان وما فيه من النفقة فقولان، ويقال وجهان: أحدهما: ليست سلباً كثيابه وأمتعته المخلفة في خيمته، وأظهرهما أنَّها سلب لأنَّها مسلوبة» اهـ.

стр. 7917

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ﵀ فِي [الْحَاوِي الْكَبِيْرِ] (٨/ ٣٩٩ - ٤٠٠): «والقسم الثالث: ما اختلف قوله فيه وهو كل ما كانت يده عليه في المعركة قوة على القتال وإن كان غير مقاتل به في الحال كالفرس الذي بجنبه عدة لقتاله، أو هميان النفقة الذي في وسطه قوة ليستعين بها على قتاله، ففيه قولان: أحدهما: يكون سلباً؛ لأنَّه قوة له على قتالنا، فصار كالذي يقاتل به. والثاني: يكون غنيمة ولا يكون سلباً؛ لأنَّه غير مقاتل به، وإن كان قوة له كالذي في رحله» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٤/ ١١١): «وقيل فيما معه من دراهم ودنانير روايتان» اهـ. قُلْتُ: الصواب إبقاء الدليل على عمومه إلَّا ما استثناه دليل أو إجماع. ويدخل في المركوب في هذه الأيام السيارات، والمدرعات، والدبابات، والطائرات ونحو ذلك. لكن ما لا يستقيم تركه مع آحاد الناس كالدبابات والطائرات فينبغي أن يدفع الوالي لصاحبها قيمتها ويدعها في مصالح المسلمين.

стр. 7918

٩ - ويدخل في عموم الحديث من لا سهم له ممن يرضخ له كالمرأة والعبد والصبي. * * *

стр. 7919

٤٠٠ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اطْلُبُوهُ، وَاقْتُلُوهُ». فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ. فِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟». فَقَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ فَقَالَ: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ». قَوْلُهُ: «عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ». أي جاسوس. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٦٨): «وسمي الجاسوس عيناً لأنَّ جلَّ عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأنَّ جميع بدنه صار عيناً» اهـ. وَقَوْلُهُ: «وَفِي رِوَايَةٍ» أي لمسلم، وتمام قصة سلمة بن الأكوع رواها مسلم (١٧٥٤) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حَقَبِهِ، فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ ثُمَّ أَنَاخَهُ، وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ

стр. 7920

عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ، قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الْأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي، فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟» قَالُوا: ابْنُ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - قتل الجاسوس الحربي الكافر. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٠٣): «وهو كذلك بإجماع المسلمين» اهـ. قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في الجاسوس الذمي والمعاهد. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٠٣): «وأمَّا الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضاً للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله، وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك، قال أصحابنا: إلَّا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك» اهـ.

стр. 7921

وهكذا اختلفوا في قتل الجاسوس المسلم، فالأكثر على عدم قتله، وذهب الإمام مالك وجماعة من المالكية إلى جواز قتله، واحتج من ذهب إلى جواز قتله بما رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤) عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ، وَالمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، قَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا»، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا أَخْرِجِي الكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ صَدَقَكُمْ»، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا

стр. 7922

المُنَافِقِ، قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣): «وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلماً لأنَّ عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر، ولم يقل رسول الله ﷺ : لا يحل قتله إنَّه مسلم، بل قال: "وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم" فأجاب بأنَّ فيه مانعاً من قتله، وهو شهوده بدراً، وفى الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مثل هذا المانع، وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطب، والصحيح: أنَّ قتله راجع إلى رأى الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين، قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح، استبقاه. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وهذا الذي ذكره العلامة ابن القيم هو الذي يظهر لي رجحانه. ٢ - وفيه أنَّ من قتل الجاسوس الحربي فله سلبه. ٣ - وفيه أنَّ السلب يكون من أصل الغنيمة لا من الخمس.

стр. 7923

٤ - وظاهره أنَّ السلب لا يخمس، وقد سبق القول في ذلك. ٥ - وفيه استعمال السجع في الكلام من غير تكلف، ولا إبطال لشيء من الحق، وأمَّا ما رواه البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ بَطْنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى: أَنَّ دِيَةَ مَا فِي بَطْنِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، فَقَالَ وَلِيُّ المَرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ: كَيْفَ أَغْرَمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ». زاد مسلم: «مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ». وفي حديث عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا، قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ؟» قَالَ: وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ

стр. 7924

الدِّيَةَ. رواه مسلم (١٦٨٢)، فهم محمول على السجع المتكلف الذي يراد به دفع الحق. وقد مضى القول في ذلك في شرح حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني من كتاب الحدود. ٦ - واحتج به من قال: إنَّ السلب للقاتل، ولو كان المقتول مدبراً إذا كان متحيزاً إلى فئة. وقد مضى القول في ذلك. ٧ - واحتج به من قال: بأنَّ السلب للقاتل ولو كان القتل في غير وقت الحرب، وقد مضى أيضاً القول في ذلك. ٨ - وفيه ما يدل على جواز سلب القتلى وتركهم عراة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣): «فصل: ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة. وهذا قول الأوزاعي. وكرهه الثوري، وابن المنذر، لما فيه من كشف عوراتهم. ولنا قول النبي ﷺ في قتيل سلمة بن الأكوع: "له سلبه أجمع". وقال: "من قتل قتيلاً، فله سلبه".

стр. 7925

وهذا يتناول جميعه» اهـ. قُلْتُ: وبقية ما يتعلق بالحديث من أحكام السلب سبقت في الحديث الذي قبل هذا. * * *

стр. 7926

٤٠١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلَى نَجْدٍ فَخَرَجَ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إبِلاً وَغَنَماً، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيراً بَعِيراً». قَوْلُهُ: «سَرِيَّةً». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٥٦): «وَالسَّرِيَّةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هِيَ الَّتِي تَخْرُجُ بِاللَّيْلِ وَالسَّارِيَةُ الَّتِي تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُخْفِي ذَهَابَهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا أُخِذَتْ مِنَ السِّرِّ وَلَا يَصِحُّ لِاخْتِلَافِ الْمَادَّةِ وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَعُودُ إِلَيْهِ وَهِيَ مِنْ مِائَةٍ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ فَمَا زَادَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ يُقَالُ لَهُ مَنْسَرٌ بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّمَانِمِائَةِ سُمِّيَ جَيْشًا وَمَا بَيْنَهُمَا يُسَمَّى هَبْطَةً فَإِنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ يُسَمَّى جَحْفَلًا فَإِنْ زَادَ فَجَيْشٌ جَرَّارٌ وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ وَمَا افْتَرَقَ مِنَ السَّرِيَّةِ يُسَمَّى بَعْثًا فَالْعَشَرَةُ فَمَا بَعْدَهَا تُسَمَّى حَفِيرَةً وَالْأَرْبَعُونَ عُصْبَةً وَإِلَى ثَلَاثِمِائَةِ مِقْنَبٌ بِقَافٍ وَنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ فَإِنْ زَادَ سُمِّيَ جَمْرَةً بِالْجِيمِ وَالْكَتِيبَةُ مَا اجْتَمَعَ وَلم ينتشر» اهـ. وَقَوْلُهُ: «إلَى نَجْدٍ». أصل النجد المرتفع من الأرض.

стр. 7927

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ] (٥/ ١٢١): «النجد هي: الناحية التي بين الحجاز والعراق، قال الواقدي: الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، وما وراء ذلك إلى أن يشارف أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة، وعمرة الطائف نجد، وما كان وراء وجرة إلى البحر فهو: تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز» اهـ. قُلْتُ: ومن المدن النجدية: الرياض، والدرعية، والخرج، وعنيزة، وبريدة، والرس، والعيينة، والقصيم وغيرها، وهي أوسع من الحجاز وأكثر مدن منها. قَوْلُهُ: «فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً». أي سهم كل واحد منَّا، وليس المراد أنَّ جميع السهام بلغت هذا القدر. وَقَوْلُهُ: «وَنَفَّلَنَا». النفل: الزيادة، أي أعطاهم زيادة عن حقهم من الغنيمة بعيراً، بعيراً. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - بعث الأمير للسرايا. ٢ - وفيه تنفيل السرايا، وظاهر ذلك أنَّه من أصل الغنيمة.

стр. 7928

وفي الباب ما رواه البخاري (٣١٣٥)، ومسلم (١٧٥٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قِسْمِ عَامَّةِ الجَيْشِ». وروى أحمد (١٧٤٩٧)، وأبو داود (٢٧٤٨)، وابن ماجه (٢٨٥١) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ الشَّامِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جَارِيَةَ التَّمِيمِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَفِّلُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ورواه أحمد (١٧٥٠٠)، وأبو داود (٢٧٤٩) مِنْ طَرِيْقِ مُعَاوِيَةَ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَلَ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي بَدْأَتِهِ، وَنَفَلَ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي رَجْعَتِهِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ومكحول صرَّح بالتحديث عند أبي داود (٢٧٥٠). وروى أحمد (١٥٩٠٠) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ، قَالَ: أَصَبْتُ جَرَّةً حَمْرَاءَ فِيهَا دَنَانِيرُ، فِي إِمَارَةِ

стр. 7929

مُعَاوِيَةَ فِي أَرْضِ الرُّومِ، قَالَ: وَعَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، يُقَالُ لَهُ: مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ بِهَا يَقْسِمُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَعْطَانِي مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ» إِذًا لَأَعْطَيْتُكَ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ فَعَرَضَ عَلَيَّ مِنْ نَصِيبِهِ فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْكَ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٧٤ - ٤٧٨): «مسألة: "وينفل الإمام ومن استخلفه الإمام كما فعل النبي ﷺ في بدأته الربع بعد الخمس، وفي رجعته الثلث بعد الخمس". النفل زيادة تزاد على سهم الغازي، ومنه نفل الصلاة، وهو ما زيد على الفرض، وقول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. كأنَّه سأل الله ولداً، فأعطاه ما سأل وزاده ولد الولد، والمراد بالبداية ها هنا، ابتداء دخول الحرب، والرجعة رجوعه عنها. والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام:

стр. 7930

أحدها: هذا الذي ذكره الخرقي، وهو أنَّ الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازياً، بعث بين يديه سرية تغير على العدو، ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فما قدمت به السرية من شيء، أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لهم، وهو ربع الباقي، وذلك خمس آخر، ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معه. فإذا قفل، بعث سرية تغير، وجعل لهم الثلث بعد الخمس، فما قدمت به السرية أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ثلث ما بقي، ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه. وبهذا قال حبيب بن مسلمة، والحسن، والأوزاعي، وجماعة، ويروى عن عمرو بن شعيب، أنَّه قال: لا نفل بعد رسول الله ﷺ . ولعله يحتج بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فخصه بها، وكان سعيد بن المسيب، ومالك يقولان: لا نفل إلَّا من الخمس. وقال الشافعي: يخرج من خمس الخمس؛ لما روى ابن عمر، أنَّ رسول الله بعث سرية فيها عبد الله بن عمر فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيراً، ونفلوا بعيراً، بعيراً. متفق عليه.

стр. 7931

ولو أعطاهم من أربعة الأخماس التي هي لهم، لم يكن نفلاً، وكان من سهامهم. ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهري، قال: شهدت رسول الله ﷺ نفل الربع في البداءة، والثلث في الرجعة. وفي لفظ: أنَّ رسول الله ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل. رواهما أبو داود. وعن عبادة بن الصامت، أنَّ النَّبي ﷺ كان ينفل في البداءة الربع، وفي القفول الثلث. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وفي لفظ قال: كان رسول الله ﷺ ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع وينفلهم إذا قفلوا الثلث. رواه الخلال بإسناده. وروى الأثرم، بإسناده عن جرير بن عبد الله البجلي، أنَّه لما قدم على عمر في قومه، قال له عمر: هل لك أن تأتي الكوفة، ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشيء؟ وذكره ابن المنذر أيضاً عن عمر. وقال إبراهيم النخعي: ينفل السرية الثلث والربع يغريهم بذلك. فأمَّا قول عمرو بن شعيب، فإنَّ مكحولاً قال له حين قال: لا نفل بعد رسول الله ﷺ .

стр. 7932

وذكر له حديث حبيب بن مسلمة: شغلك أكل الزبيب بالطائف. وما ثبت للنبي ﷺ ثبت للأئمة بعده، ما لم يقم على تخصيصه به دليل. فأمَّا حديث ابن عمر، فهو حجة عليهم، فإنَّ بعيراً على اثني عشر، يكون جزءاً من ثلاثة عشر، وخمس الخمس جزء من خمسة وعشرين، وجزء من ثلاثة عشر أكثر، فلا يتصور أخذ الشيء من أقل منه، يحققه أنَّ الاثني عشر إذا كانت أربعة أخماس، والبعير منها ثلث الخمس، فكيف يتصور أخذ ثلث الخمس من خمس الخمس؟ فهذا محال، فتعين أن يكون ذلك من غيره، أو أنَّ النفل كان للسرية دون سائر الجيش. على أنَّ ما رويناه صريح في الحكم، فلا يعارض بشيء مستنبط، يحتمل غير ما حمله عليه من استنبطه. إذا ثبت هذا، فظاهر كلام أحمد أنَّهم إنَّما يستحقون هذا النفل بالشرط السابق، فإن لم يكن شرطه لهم فلا، فإنَّه قيل له: أليس قد نفل رسول الله ﷺ في البداءة الربع، وفي الرجوع الثلث؟ قال: نعم، ذاك إذا نفل، وتقدم القول فيه.

стр. 7933

فعلى هذا إن رأى الإمام أن ينفلهم شيئاً، فله ذلك، وإن رأى أن ينفلهم دون الثلث والربع، فله ذلك؛ لأنَّه إذا جاز أن لا يجعل لهم شيئاً، جاز أن يجعل لهم يسيراً، ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث، نص عليه أحمد. وهو قول مكحول، والأوزاعي، والجمهور من العلماء. وقال الشافعي: لا حد للنفل، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام؛ لأنَّ النبي ﷺ نفل مرة الثلث، وأخرى الربع. وفي حديث ابن عمر: نفل نصف السدس. فهذا يدل على أنَّه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الإمام، فينبغي أن يكون موكولاً إلى اجتهاده. ولنا، أنَّ نفل النبي ﷺ انتهى إلى الثلث، فينبغي أن لا يتجاوزه، وما ذكره الشافعي يدل على أنَّه ليس لأقل النفل حد، وأنَّه يجوز أن ينفل أقل من الثلث والربع، ونحن نقول به، على أنَّ هذا القول مع قوله: أنَّ النفل من خمس الخمس تناقض. فإن شرط لهم الإمام زيادة على الثلث، ردوا إليه، وقال الأوزاعي: لا ينبغي أن يشرط النصف، فإن زادهم على ذلك، فليف لهم به، ويجعل ذلك من الخمس.

стр. 7934

وإنَّما زيد في الرجعة على البداءة في النفل؛ لمشقتها، فإنَّ الجيش في البداءة ردء للسرية، تابع لها، والعدو خائف، وربما كان غاراً، وفي الرجعة لا ردء للسرية؛ لأنَّ الجيش منصرف عنهم، والعدو مستيقظ كلب. قال أحمد: في البداءة إذا كان ذاهباً الربع، وفي القفلة إذا كان في الرجوع الثلث؛ لأنَّهم يشتاقون إلى أهليهم، فهذا أكبر. القسم الثاني: أن ينفل الإمام بعض الجيش؛ لغنائه وبأسه وبلائه، أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش. قال أحمد: في الرجل يأمره الأمير يكون طليعة، أو عنده، يدفع إليه رأساً من السبي أو دابة، قال: إذا كان رجل له غناء، ويقاتل في سبيل الله، فلا بأس بذلك، ذلك أنفع لهم، يحرض هو وغيره، يقاتلون ويغنمون. وقال: إذا نفذ الإمام صبيحة المغار الخيل، فيصيب بعضهم، وبعضهم لا يأتي بشيء، فللوالي أن يخص بعض هؤلاء الذين جاءوا بشيء دون هؤلاء. وظاهر هذا أنَّ له إعطاء من هذه حاله من غير شرط.

стр. 7935

وحجة هذا حديث سلمة بن الأكوع، أنَّه قال: أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ فاتبعتهم - فذكر الحديث - فأعطاني رسول الله ﷺ سهم الفارس والراجل. رواه مسلم، وأبو داود. وعنه، أنَّ النبي ﷺ : أمر أبا بكر، قال فبيتنا عدونا، فقتلت ليلتئذ تسعة أهل أبيات وأخذت منهم امرأة، فنفلنيها أبو بكر، فلما قدمت المدينة، استوهبها مني رسول الله ﷺ فوهبتها له. رواه مسلم بمعناه. القسم الثالث: أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن، أو هدم هذا السور، أو نقب هذا النقب، أو فعل كذا، فله كذا. أو: من جاء بأسير، فله كذا. فهذا جائز، في قول أكثر أهل العلم؛ منهم الثوري، قال أحمد: إذا قال: من جاء بعشر دواب، أو بقر، أو غنم، فله واحد. فمن جاء بخمسة أعطاه نصف ما قال لهم، ومن جاء بشيء أعطاه بقدره. قيل له: إذا قال: من جاء بعلج فله كذا وكذا. فجاء بعلج، يطيب له ما يعطى؟ قال: نعم.

стр. 7936

وكره مالك هذا القسم، ولم يره، وقال: قتالهم على هذا الوجه إنَّما هو للدنيا. وقال هو وأصحابه: لا نفل إلَّا بعد إحراز الغنيمة. قال مالك: ولم يقل رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلاً فله سلبه". إلَّا بعد أن برد القتال. ولنا، ما تقدم من حديث حبيب، وعبادة، وما شرطه عمر لجرير بن عبد الله، وقول النبي ﷺ : "من قتل قتيلاً فله سلبه". ولأنَّ فيه مصلحة وتحريضاً على القتال، فجاز، كاستحقاق الغنيمة، وزيادة السهم للفارس، واستحقاق السلب، وما ذكروه يبطل بهذه المسائل. وقوله: إنَّ النبي ﷺ إنَّما جعل السلب للقاتل بعد أن برد القتال. قلنا: قوله ذلك ثابت الحكم فيما يأتي من الغزوات بعد قوله، فهو بالنسبة إليها كالمشروط في أول الغزاة. قال القاضي: ولا يجوز هذا، إلَّا إذا كان فيه مصلحة للمسلمين، فإن لم يكن فيه فائدة، لم يجز؛ لأنَّه إنَّما يخرج على وجه المصلحة، فاعتبرت الحاجة فيه، كأجرة الحمال والحافظ. إذا ثبت هذا، فإن النفل لا يختص بنوع من المال.

стр. 7937

وذكر الخلال أنَّه لا نفل في الدراهم والدنانير. وهو قول الأوزاعي؛ لأنَّ القاتل لا يستحق شيئاً منها، فكذلك غيره. ولنا، حديث حبيب بن مسلمة، وعبادة، وجرير، فإنَّ النَّبي ﷺ جعل لهم الثلث والربع، وهو عام في كل ما غنموه، ولأنَّه نوع مال، فجاز النفل فيه، كسائر الأموال. وأمَّا القاتل، فإنَّما نفل السلب، وليست الدراهم والدنانير من السلب، فلم يستحق غير ما جعل له» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣١٦ - ٣١٧): «منها "مسألة المغانم" فإنَّ السنة أن تجمع وتخمس وتقسم بين الغانمين بالعدل. وهل يجوز للإمام أن ينفل من أربعة أخماسها؟ فيه قولان. فمذهب فقهاء الثغور وأبي حنيفة وأحمد وأهل الحديث أنَّ ذلك يجوز لما في السنن: أنَّ النبي ﷺ نفل في بدأته الربع بعد الخمس ونفل في رجعته الثلث بعد الخمس. وقال سعيد بن المسيب ومالك والشافعي: لا يجوز ذلك؛ بل يجوز عند مالك التنفيل من الخمس ولا يجوز عند الشافعي إلَّا من خمس الخمس. كان أحمد يعجب من سعيد بن المسيب ومالك كيف لم تبلغهما هذه السنة مع وفور علمهما.

стр. 7938

وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أنَّه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية قبل نجد فبلغت سهامنا اثنا عشر بعيراً ونفلنا بعيراً، بعيراً ومعلوم أنَّ السهم إذا كان اثني عشر بعيراً لم يحتمل خمس الخمس أن يخرج منه لكل واحد بعير؛ فإنَّ ذلك لا يكون إلَّا إذا كان السهم أربعة وعشرين بعيراً. وكذلك إذا فضل الإمام بعض الغانمين على بعض لمصلحة راجحة كما أعطى النبي ﷺ سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد سهم راجل وفارس فإنَّ ذلك يجوز في أصح قولي العلماء. ومنهم من لا يجيزه كما تقدم. وكذلك إذا قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له ولم تقسم الغنائم. فهذا جائز في أحد قولي العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد ولا يجوز في القول الآخر وهو المشهور من مذهب الشافعي وفي كل من المذهبين خلاف» اهـ. قُلْتُ: ظاهر الأحاديث الماضية أنَّ تنفيل السرية يكون من أصل الغنيمة بعد إخراج الخمس، ومن قال: إنَّه من الخمس أم من خمس الخمس فلا أعلم لقوله حجة صحيحة. وحديث الباب صريح في ذلك، وذلك أنَّهم نفلوا نصف السدس وهو أكثر من خمس الخمس.

стр. 7939

ولو كان البعير الذي نفله الواحد منهم من خمس الخمس لكانت الغنيمة خمسة وعشرين سهمًا، و لكان سهم الواحد أربعة وعشرين بعيرًا، فإنَّ البعير يكون خمس الخمس إذا كان بعيرًا من خمسة وعشرين بعيرًا. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٣٠٠): «وفي حديث ابن عمر رد لقول من قال: إنَّ النفل من خمس الخمس، وإنَّما في الحديث أنَّه نفل نصف السدس؛ لأنَّه بلغت سهمانهم اثنا عشر بعيراً ونفلوا بعيراً، بعيراً» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٤٠) - بعد ذكره لكلام ابن بطال السابق -: «وهذا واضح وقد زاده بن المنير إيضاحاً فقال: لو فرضنا أنَّهم كانوا مائة لكان قد حصل لهم ألف ومائتا بعير ويكون الخمس من الأصل ثلاثمائة بعير وخمسها ستون وقد نطق الحديث بأنَّهم نفلوا بعيراً، بعيراً فتكون جملة ما نفلوا مائة بعير وإذا كان خمس الخمس ستين لم يف كله ببعير بعير لكل من المائة وهكذا كيفما فرضت العدد، قال: وقد ألجأ هذا الالزام بعضهم فادعى أنَّ جميع ما حصل للغانمين كان اثني عشر بعيراً فقيل له فيكون خمسها ثلاثة أبعرة فيلزم أن تكون السرية كلها ثلاثة رجال، كذا قيل، قال ابن المنير وهو سهو على التفريع المذكور بل يلزم أن يكون أقل من رجل بناء على أنَّ النفل من خمس الخمس» اهـ.

стр. 7940

قُلْتُ: وإيضاح ما قاله ابْنُ الْمُنِيرِ أنَّهم لو كانوا مائة، وكانت جميع سهمانهم من غير الخمس ألفًا ومأتي بعير فهذا المقدار هو أربعة أخماس جميع الغنيمة فإذا أضفنا أليه الخمس وهو ثلاثمائة بعير كان مجموع الغنيمة ألفًا وخمسمائة بعير، فإن أردنا أن ننفل المائة بعيرًا من خمس الخمس فنحتاج إلى مائة بعير، وخمس الخمس لا يفي بذلك، وذلك أنَّ الخمس ثلاثمائة بعير، وخمس ذلك ستون بعيرًا. ٣ - وفيه أنَّ الجيش إذا انفردت منه طائفة فغنموا شيئاً كانت الغنيمة للجميع. * * *

стр. 7941

٤٠٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَمَعَ اللهُ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ: يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ». قَوْلُهُ: «لِكُلِّ غَادِرٍ». الغدر: هو نقض العهد وترك الوفاء. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - تحريم الغدر. ويشمل جميع أنواع الغدر من غدر الإمام بالرعية أو العكس وغير ذلك. وأورد المؤلف هذا الحديث في كتاب الجهاد لبيان حرمة الغدر على المجاهدين. واعلم أنَّ الأمان للكافرين يحصل من أي فرد من المسلمين ولو كان عبدًا أو امرأة. وقد روى البخاري (٣١٧٩)، ومسلم (١٣٧٠) عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا القُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ، وَذِمَّةُ

стр. 7942

المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». وروى البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦) عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ»، فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ»، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٣٣٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ زَيْدٍ الرَّقَاشِيِّ، وَقَدْ كَانَ غَزَا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ قَالَ: «بَعَثَ عُمَرُ جَيْشًا فَكُنْتُ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَحَاصَرْنَا أَهْلَ سِيَرافَ فَلَمَّا رَأَيْنَا أَنَّا سَنَفْتَحُهَا مِنْ يَوْمِنَا ذَلِكَ قُلْنَا: نَرْجِعُ فَنُقِيلُ، ثُمَّ نَخْرُجُ فَنَفْتَحُهَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا تَخَلَّفَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ فَرَاطَنَهُمْ فَرَاطَنُوهُ، فَكَتَبَ لَهُمْ

стр. 7943

كِتَابًا فِي صَحِيفَةٍ ثُمَّ شَدَّهُ فِي سَهْمٍ فَرَمَى بِهِ إِلَيْهِمْ فَخَرَجُوا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنَ الْعَشِيِّ وَجَدْنَاهُمْ قَدْ خَرَجُوا قُلْنَا لَهُمْ: مَا لَكُمْ؟ قَالَ: أَمَّنْتُمُونَا قُلْنَا: مَا فَعَلْنَا، إِنَّمَا الَّذِي أَمَّنَكُمْ عَبْدٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. فَارْجِعُوا حَتَّى نَكْتُبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ عَبْدَكُمْ مِنْ حُرِّكُمْ، مَا نَحْنُ بِرَاجِعِينَ، إِنْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُونَا وَإِنْ شِئْتُمْ قِفُوا لَنَا قَالَ: فَكَتَبْنَا إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ أَنَّ عَبْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ قَالَ: فَأَجَازَ عُمَرُ أَمَانَهُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وإلى ما دلت عليه الأحاديث والآثار ذهب أكثر العلماء وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف في أمان العبد فلم يجزاه. وأمَّا أمان الصبي المميز فأجازه مالك، وأحمد، في رواية، ولم يجزه الشافعي وأبو حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى. والصحيح صحة أمانة لعموم حديث علي. وأمان آحاد المسلمين لا يكون عامًا، وإنَّما ذلك لخليفة المسلمين لأنَّ ذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٤٢ - ٢٤٣):

стр. 7944

«فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَيَصِحُّ أَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ أُقِيمَ بِإِزَائِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ كَآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ لِلْوَاحِدِ، وَالْعَشَرَةِ، وَالْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ، وَالْحِصْنِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لِأَهْلِ الْحِصْنِ الَّذِي ذَكَرْنَا حَدِيثَهُ. وَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ، وَرُسْتَاقٍ، وَجَمْعٍ كَثِيرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ» اهـ. قُلْتُ: ولا يكون أمان الفرد من المسلمين للأسير من الكافرين، وإنَّما ذلك لولي الأمر، وإن أذن بذلك ولي الأمر حصل له الأمان. وقد روى سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٦٧٠)، ومن طريقه ابن المنذر في [الأَوْسَطِ] (٦٦٧١) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ أَبُو مُوسَى تُسْتَرَ، وَأَتَى بِالْهُرْمُزَانِ أَسِيرًا، فَقَدِمْتُ بِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ تَكَلَّمْ، فَقَالَ الْهُرْمُزَانُ: بِلِسَانِ مَيِّتٍ أَتَكَلَّمُ أَمْ بِلِسَانِ حَيٍّ؟ فَقَالَ: تَكَلَّمْ، فَلَا بَأْسَ، فَقَالَ الْهُرْمُزَانُ: إِنَّا وَإِيَّاكُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ كَفَانَا مَا خَلَّى اللهُ بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَكُمْ بِنَا يَدَانِ، فَلَمَّا كَانَ اللهُ مَعَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَنَا لَكُمْ

стр. 7945

يَدَانِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: كَانَ اللهُ مَعَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَنَا بِكُمْ يَدَانِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ قَدْ أَمَّنْتَهُ، قَالَ: كَلَّا، وَلَكِنَّكَ ارْتَشَيْتَ مِنْهُ، وَفَعَلْتَ، وَفَعَلْتَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَيْسَ إِلَى قَتْلِهِ سَبِيلٌ، فَقَالَ: وَيْحَكَ أَسْتَحْيِيهِ بَعْدَ قَتْلِهِ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ، وَمَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرٍ، ثُمَّ قَالَ: هَاتِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا تَقُولُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: قَدْ قُلْتُ لَهُ تَكَلَّمْ، فَلَا بَأْسَ، فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ الْقَتْلَ، وَأَسْلَمَ، فَفَرَضَ لَهُ مِنَ الْعَطَاءِ عَلَى أَلْفٍ، أَوْ أَلْفَيْنِ، شَكَّ هُشَيْمٌ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواه الشافعي في [مُسْنَدِهِ] (١٧٣٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَةِ] (١٨١١٨)، و [الْكُبْرَى] (١٨١٨٣) أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «حَاصَرْنَا تُسْتَرَ فَنَزَلَ الْهُرْمُزَانُ عَلَى حُكْمِ عُمَرَ، فَقَدِمْتُ بِهِ عَلَى عُمَرَ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: تَكَلَّمْ، قَالَ: كَلامَ حَيٍّ أَوْ كَلامَ مَيِّتٍ، قَالَ: تَكَلَّمْ، لا بَأْسَ. قَالَ: إِنَّا وَإِيَّاكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ مَا خَلَّى اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَكُنَّا نَتَعَبَّدُكُمْ وَنَقْتُلُكُمْ وَنُغْضِبُكُمْ، فَلَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَكُمْ لَمْ تَكُنْ لَنَا بِكُمْ يَدَانِ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُ؟.

стр. 7946

فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَرَكْتُ بَعْدِي عَدُوًّا كَثِيرًا وَشَوْكَةً شَدِيدَةً، فَإِنْ قَتَلْتَهُ يَيْئَسِ الْقَوْمُ الْحَيَاةَ، وَيَكُنْ أَشَدَّ لِشَوْكَتِهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ: أَسْتَحْيِي قَاتِلَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَمَجْزَأَةَ بْنِ ثَوْرٍ، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَقْتُلَهُ قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ إِلَى قَتْلِهِ سَبِيلٌ، قَدْ قُلْتَ لَهُ: تَكَلَّمْ لا بَأْسَ، فَقَالَ عُمَرُ: ارْتَشَيْتَ وَأَصَبْتَ مِنْهُ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا ارْتَشَيْتُ وَلا أَصَبْتُ مِنْهُ، قَالَ: لِتَأْتِيَنِّي عَلَى مَا شَهِدْتَ بِهِ بِغَيْرِكَ، أَوْ لأَبْدَأَنَّ بِعُقُوبَتِكَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَشَهِدَ مَعِي، وَأَمْسَكَ عُمَرُ، وَأَسْلَمَ وَفَرَضَ لَهُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٤٣): «فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِلْأَسِيرِ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ بِالْهُرْمُزَانِ أَسِيرًا، قَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْك، ثُمَّ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: قَدْ أَمَّنْته، فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهِ. وَشَهِدَ الزُّبَيْرُ بِذَلِكَ، فَعَدُّوهُ أَمَانًا. رَوَاهُ سَعِيدٌ.

стр. 7947

وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ الْمَنَّ عَلَيْهِ، وَالْأَمَانُ دُونَ ذَلِكَ. فَأَمَّا آحَادُ الرَّعِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُهُ؛ لِأَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ بَعْدَ أَسْرِهِ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَانَهَا. وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْأَوْزَاعِيُّ. وَلَنَا، أَنَّ أَمْرَ الْأَسِيرِ مُفَوَّضٌ إلَى الْإِمَامِ، فَلَمْ يَجُزْ الِافْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِيمَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ، كَقَتْلِهِ. وَحَدِيثُ زَيْنَبَ فِي أَمَانِهَا، إنَّمَا صَحَّ بِإِجَازَةِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ. قُلْتُ: إجارة زينب لأبي العاص رواها الحاكم في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٦٨٤٢)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٦٦٦٧)، والمحاملي في [أَمالِيْهِ] (٣٣٠) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، أُسِرَ بِطَرِيقِ الشَّامِ، فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّا قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَارَتْ». قُلْتُ: عبد الله بن شبيب ذاهب الحديث.

стр. 7948

ورواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٩٠٠٦)، و [الْكَبِيْرِ] (١٠٤٨)، وابن أخي ميمي في [فَوَائِدِهِ] (٣٧٥) من طريق يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّمْحِ التُّجِيبِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَجَارَتْ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ جِوَارَهَا». قُلْتُ: عباد بن كثير متروك، ورواه الحاكم في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٦٨٤١) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير، وسقط عنده "عباد بن كثير". وروى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٥٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، ثنا أَبِي، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَجَارَتْ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ». قُلْتُ: عبد الله بن لهيعة ضعيف، وموسى بن جبير مجهول الحال.

стр. 7949

وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٤٤٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَأَمْضَى النَّبِيُّ ﷺ جَوَارَهَا». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ، وعثمان الجزري قَالَ فِيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٦/ ١٧٤): «عثمان الجزرى ويقال له عثمان المشاهد روى عن مقسم روى عنه معمر والنعمان بن راشد سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن أنا علي بن أبي طاهر القزويني فيما كتب إلي قال أنا أبو بكر الأثرم قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن عثمان الجزري فقال روى احاديث مناكير زعموا انه ذهب كتابه، نا عبد الرحمن قال سألت أبي عن عثمان الجزري فقال: لا أعلم روى عنه غير معمر والنعمان». اهـ. قُلْتُ: ويمكن تحسين الحديث من هذين الطريقين. ٢ - وفيه ما يناله الغادر من الفضيحة يوم القيامة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٥٤): «قوله: "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له"؛ هذا منه ﷺ خطاب للعرب بنحو ما

стр. 7950

كانت تفعل، وذلك: أنَّهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء، ليشهروا به الوفي، فيعظموه، ويمدحوه، والغادر فيذموه، ويلوموه بغدره. وقد شاهدنا هذا فيهم عادة مستمرة إلى اليوم. فمقتضى هذا الحديث: أنَّ الغادر يفعل به مثل ذلك؛ ليشهر بالخيانة والغدر، فيذمه أهل الموقف، ولا يبعد أن يكون الوفي بالعهد يرفع له لواء يعرف به وفاؤه وبره، فيمدحه أهل الموقف، كما يرفع لنبينا ﷺ لواء الحمد فيحمده كل من في الموقف» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٢/ ٤٣): «قال أهل اللغة: اللواء الراية العظيمة لا يمسكها إلَّا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعاً له قالوا فمعنى لكل غادر لواء أي علامة يشهر بها في الناس لأنَّ موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك وأمَّا الغادر فهو الذي يواعد على أمر ولا يفي به يقال غدر يغدر بكسر» اهـ. وليس في حديث الباب بيان لموضع اللواء، وقد جاء بيان ذلك فيما رواه مسلم (١٧٣٨) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
следующие страницы →