Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.
стр. 7946
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَرَكْتُ بَعْدِي عَدُوًّا كَثِيرًا وَشَوْكَةً شَدِيدَةً، فَإِنْ قَتَلْتَهُ يَيْئَسِ الْقَوْمُ الْحَيَاةَ، وَيَكُنْ أَشَدَّ لِشَوْكَتِهِمْ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَسْتَحْيِي قَاتِلَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَمَجْزَأَةَ بْنِ ثَوْرٍ، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَقْتُلَهُ قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ إِلَى قَتْلِهِ سَبِيلٌ، قَدْ قُلْتَ لَهُ: تَكَلَّمْ لا بَأْسَ، فَقَالَ عُمَرُ: ارْتَشَيْتَ وَأَصَبْتَ مِنْهُ.
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا ارْتَشَيْتُ وَلا أَصَبْتُ مِنْهُ، قَالَ: لِتَأْتِيَنِّي عَلَى مَا شَهِدْتَ بِهِ بِغَيْرِكَ، أَوْ لأَبْدَأَنَّ بِعُقُوبَتِكَ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَشَهِدَ مَعِي، وَأَمْسَكَ عُمَرُ، وَأَسْلَمَ وَفَرَضَ لَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٤٣):
«فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِلْأَسِيرِ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ بِالْهُرْمُزَانِ أَسِيرًا، قَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْك، ثُمَّ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: قَدْ أَمَّنْته، فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهِ. وَشَهِدَ الزُّبَيْرُ بِذَلِكَ، فَعَدُّوهُ أَمَانًا. رَوَاهُ سَعِيدٌ.
стр. 7947
وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ الْمَنَّ عَلَيْهِ، وَالْأَمَانُ دُونَ ذَلِكَ. فَأَمَّا آحَادُ الرَّعِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُهُ؛ لِأَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ بَعْدَ أَسْرِهِ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَانَهَا. وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْأَوْزَاعِيُّ. وَلَنَا، أَنَّ أَمْرَ الْأَسِيرِ مُفَوَّضٌ إلَى الْإِمَامِ، فَلَمْ يَجُزْ الِافْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِيمَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ، كَقَتْلِهِ.
وَحَدِيثُ زَيْنَبَ فِي أَمَانِهَا، إنَّمَا صَحَّ بِإِجَازَةِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ.
قُلْتُ: إجارة زينب لأبي العاص رواها الحاكم في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٦٨٤٢)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٦٦٦٧)، والمحاملي في [أَمالِيْهِ] (٣٣٠) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، أُسِرَ بِطَرِيقِ الشَّامِ، فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّا قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَارَتْ».
قُلْتُ: عبد الله بن شبيب ذاهب الحديث.
стр. 7948
ورواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٩٠٠٦)، و [الْكَبِيْرِ] (١٠٤٨)، وابن أخي ميمي في [فَوَائِدِهِ] (٣٧٥) من طريق يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّمْحِ التُّجِيبِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَجَارَتْ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ جِوَارَهَا».
قُلْتُ: عباد بن كثير متروك، ورواه الحاكم في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٦٨٤١) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير، وسقط عنده "عباد بن كثير".
وروى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٥٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، ثنا أَبِي، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَجَارَتْ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ».
قُلْتُ: عبد الله بن لهيعة ضعيف، وموسى بن جبير مجهول الحال.
стр. 7949
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٤٤٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَأَمْضَى النَّبِيُّ ﷺ جَوَارَهَا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ، وعثمان الجزري قَالَ فِيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٦/ ١٧٤):
«عثمان الجزرى ويقال له عثمان المشاهد روى عن مقسم روى عنه معمر والنعمان بن راشد سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن أنا علي بن أبي طاهر القزويني فيما كتب إلي قال أنا أبو بكر الأثرم قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن عثمان الجزري فقال روى احاديث مناكير زعموا انه ذهب كتابه، نا عبد الرحمن قال سألت أبي عن عثمان الجزري فقال: لا أعلم روى عنه غير معمر والنعمان». اهـ.
قُلْتُ: ويمكن تحسين الحديث من هذين الطريقين.
٢ - وفيه ما يناله الغادر من الفضيحة يوم القيامة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٥٤): «قوله: "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له"؛ هذا منه ﷺ خطاب للعرب بنحو ما
стр. 7950
كانت تفعل، وذلك: أنَّهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء، ليشهروا به الوفي، فيعظموه، ويمدحوه، والغادر فيذموه، ويلوموه بغدره. وقد شاهدنا هذا فيهم عادة مستمرة إلى اليوم. فمقتضى هذا الحديث: أنَّ الغادر يفعل به مثل ذلك؛ ليشهر بالخيانة والغدر، فيذمه أهل الموقف، ولا يبعد أن يكون الوفي بالعهد يرفع له لواء يعرف به وفاؤه وبره، فيمدحه أهل الموقف، كما يرفع لنبينا ﷺ لواء الحمد فيحمده كل من في الموقف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٢/ ٤٣): «قال أهل اللغة: اللواء الراية العظيمة لا يمسكها إلَّا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعاً له قالوا فمعنى لكل غادر لواء أي علامة يشهر بها في الناس لأنَّ موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك وأمَّا الغادر فهو الذي يواعد على أمر ولا يفي به يقال غدر يغدر بكسر» اهـ.
وليس في حديث الباب بيان لموضع اللواء، وقد جاء بيان ذلك فيما رواه مسلم (١٧٣٨) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
стр. 7951
وجاء بيان أنَّ ذلك اللواء المنصوب يتفاوت بتفاوت الغدر، وأنَّ أعظم الغدر غدر الأئمة وذلك فيما رواه مسلم (١٧٣٨) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٥٥): «وقوله: "ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة"؛ يعني: أنَّ الغدر في حقه أفحش، والإثم عليه أعظم منه على غيره لعدم حاجته إلى ذلك. وهذا كما قاله ﷺ في الملك الكذاب، كما تقدم في كتاب الإيمان. وأيضاً: فلما في غدر الأئمة من المفسدة، فإنَّهم إذا غدروا، وعلم ذلك منهم، لم يأمنهم العدو على عهد، ولا صلح، فتشتد شوكته، ويعظم ضرره، ويكون ذلك منفراً من الدخول في الدين، وموجباً لذم أئمة المسلمين. وقد مال أكثر العلماء: إلى أنَّه لا يقاتل مع الأمير الغادر، بخلاف الخائن، والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. والقولان في مذهبنا. والله تعالى أعلم» اهـ.
٣ - وفيه مجازاة الغادر بنقيض قصده.
стр. 7952
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٩٦): «وقد يكون ذلك من باب مقابلة الذنب بما يناسب ضده في العقوبة فإنَّ الغادر أخفى جهة غدره ومكره فعوقب بنقيضه وهو شهرته على رؤوس الأشهاد» اهـ.
٤ - ويدخل في عموم الحديث الغدر بولي أمر المسلمين بنقض عهده.
وقد روى البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ، يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا فَأَخَذَهَا».
وروى البخاري (٧١١١) عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ، حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ» وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ القِتَالُ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ، إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
стр. 7953
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٤٣٢): «وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئاً.
وأمَّا عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثماً ومن أعظمها: نقض عهد الإمام على من بايعه، ورضي به، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم: ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلاَّ لدنيا، فإن أعطاه ما يريد، وفى له، وإلَّا لم يف له"» اهـ.
٥ - ويدخل في عمومه سائر عهود المسلمين من المبايعات والإجارات والمناكحات وغير ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٤٣٢): «ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر فيها: جميع عقود المسلمين فيما بينهم، إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها» اهـ.
٦ - ويدخل فيه أيضاً العهود بين العبد وربه كالنذر.
стр. 7954
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٤٣٢): «وكذلك ما يجب الوفاء به لله مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ الناس يوم القيامة يدعون بآبائهم.
وأمَّا ما جاء من أنَّ الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم فحديث باطل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي [نَقْدِ الْمَنْقُولِ وَالْمَحَكِ الْمُمَيَّزِ بَيْنَ الْمَرْدُوْدِ والَمقْبُوْلِ] (ص: ١٣١): «ومن ذلك حديث إنَّ الناس يوم القيامة يدعون بأمهاتهم لا بآبائهم وهو باطل» اهـ.
قُلْتُ: والحديث هو ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٧٩٠٦)، وفي [الدُّعَاءِ] (١٢١٤) حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ أَنَسُ بْنُ سَلْمٍ الْخَوْلَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الْحِمْصِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَوْدِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نصْنَعَ بِمَوْتَانَا، أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُمِ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ:
стр. 7955
يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ، وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ. فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّهُ؟ قَالَ: «فَيَنْسُبُهُ إِلَى حَوَّاءَ، يَا فُلَانَ بْنَ حَوَّاءَ».
ورواه ابن زبر الربعي في [وَصَايَا الْعُلَمَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ] (ص: ٤٦)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٢٤/ ٧٣) نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال نا أبي قال نا إسماعيل بن عياش به.
قُلْتُ: إسماعيل بن عياش ضعيف الحديث في روايته عن غير الشاميين، وهذا منها، وسعيد بن عبد الله الأودي مجهول، ومحمد بن إبراهيم بن العلاء الحمصي كذاب، لكنه متابع.
وهذا الحديث طعن فيه جمع من أهل العلم:
وقد سبق كلام الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فيه، وَقَالَ أيضاً في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوْدَ] (٢/ ٤٥٤): «ولكن هذا الحديث متفق على ضعفه فلا تقوم به حجة» اهـ.
стр. 7956
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٠٢): «فهذا حديث لا يصح رفعه» اهـ.
وَقَالَ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١٤٩): «أمَّا الحديث فضعيف باتفاق أهل العلم بالحديث» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ - كما نقل عنه ابن علان في [الْفُتُوْحَاتِ الرَّبَانِيَّةِ] (٤/ ١٩٦) -: «هذا حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جداً» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٢/ ١٨١): «أمَّا أولاً فلأنَّ التلقين لم يثبت فيه حديث صحيح ولا حسن بل حديثه ضعيف باتفاق المحدثين، ولهذا ذهب جمهور الأمة إلى أنَّ التلقين بدعة وآخر من أفتى بذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّخَاوِيُّ ﵀ فِي [الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ] (ص: ٢٦٥): «وضعفه ابن الصلاح، ثم النووي، وابن القيم، والعراقي، وشيخنا في بعض تصانيفه، وآخرون» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الصَّنْعَانِي ﵀ فِي [سُبُلِ السَّلَامِ] (٢/ ١١٣ - ١١٤): «وقال في "المنار": إنَّ حديث التلقين هذا حديث لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه».
стр. 7957
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنَّه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [السِّلْسِةِ الضَّعِيْفَةِ] (٥٩٩): «وجملة القول أنَّ الحديث منكر عندي إن لم يكن موضوعاً» اهـ.
* * *
стр. 7958
٤٠٣ - وَعَنْهُ: «أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن قتال النساء والصبيان، وذلك لأنَّ الغالب عدم حصول القتال منهم، ومن جملة الحِكَم في عدم قتلهم ابقاؤهم للانتفاع بهم في الرق، ولأنَّ اتجاه النساء والصبيان إلى الإسلام أقرب من غيرهم ففي ابقائهم مصلحة رجاء إسلامهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٩٦): «ولعل سر هذا الحكم أنَّ الأصل عدم إتلاف النفوس وإنِّما أبيح منه ما يقتضيه دفع المفسدة ومن لا يقاتل ولا يتأهل للقتال في العادة ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين فرجع إلى الأصل فيهم وهو المنع هذا مع ما في نفوس النساء والصبيان من الميل وعدم التشبث الشديد بما يكونون عليه كثيراً أو غالباً فرفع عنهم القتل لعدم مفسدة المقاتلة في الحال الحاضر ورجاء هدايتهم عند بقائهم» اهـ.
стр. 7959
قُلْتُ: وهذا محمول على من قصدهم بالقتل أمَّا إذا قتلوا من غير قصد كالغارة فلا محذور في ذلك ويدل عليه ما رواه البخاري (٣٠١٢)، ومسلم (١٧٤٥) عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵃، قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٩): «وتقديره: سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يبيتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل، فقال: هم من آبائهم أي لا بأس بذلك؛ لأنَّ أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات وغير ذلك، والمراد إذا لم يتعمدوا من غير ضرورة.
وأمَّا الحديث السابق في النهي عن قتل النساء والصبيان، فالمراد به إذا تميزوا، وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بياتهم وقتل النساء والصبيان في البيات، هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٤٧): «قوله: "هم منهم" أي: في الحكم تلك الحالة وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل المراد
стр. 7960
إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلَّا بوطء الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم» اهـ.
قُلْتُ: ومع وجود هذه الأسلحة الحديثة من الصواريخ وغيرها فلا يمكن اتقاء النساء والصبيان فيدخلون في الرخصة في قتلهم تبعًا للرجال من المشركين.
ويستثنى من ذلك: إذا ما قاتلت المرأة فيجوز قتلها، وهو مذهب جمهور العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٨): «أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء: يقتلون، وأمَّا شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قتلوا، وإلَّا ففيهم وفي الرهبان خلاف، قال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون، والأصح في مذهب الشافعي: قتلهم» اهـ.
٢ - واحتج به من ذهب إلى عدم قتل المرتدة كما هو مذهب الحنفية، وحمل الجمهور الحديث على الكافرة الأصلية وهو الصحيح.
ويخرج من هذا أيضاً الرجم في الحدود فقد رجم النبي ﷺ الغامدية، ورجم امرأة من اليهود.
ويخرج من ذلك أيضاً ما كان من قبيل القصاص.
* * *
стр. 7961
٤٠٤ - عن أنس بن مالك ﵁ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، شَكَوَا الْقَمْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا».
الحديث رواه البخاري (٢٩٢٠) عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي القَمْلَ - فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ».
ورواه مسلم (٢٠٧٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا».
ورواه البخاري (٢٩١٩) عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا».
стр. 7962
ورواه مسلم (٢٠٧٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي الْقُمُصِ الْحَرِيرِ فِي السَّفَرِ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» أَوْ وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا.
ولعل المؤلف أورد هذا الحديث في كتاب الجهاد باعتبار أنَّ المجاهد لما يصيبه من الغبار قد تتولد من جسده القمل فيحتاج إلى استعمال ما يدفعه من الحرير. والله أعلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الأصل حرمة الحرير على الرجال.
٢ - إباحة لبس الحرير من أجل القمل، ونظيره الحكة والجرب، وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث عمر أول أحاديث كتاب اللباس.
وقد روى البخاري (٢٩١٩)، ومسلم (٢٠٧٦ عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا».
وهو محمول على أنَّ الحكة كانت من القمل جمعاً بين اللفظين. والله أعلم.
стр. 7963
وأمَّا لبس الحرير في الحرب من غير حكة ولا قمل فرخص فيه بعض العلماء من باب المباهاة للعدو، أو الخيلاء عليهم.
فروى معمر في [جَامِعِهِ] (١٩٩٤٢) عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَلْبَسُ رَايَتَيْنِ مِنْ دِيبَاجٍ فِي فَزْعَةٍ فَزِعَهَا النَّاسُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُ صَحِيْحٌ.
وأجاز ذلك جماعة من التابعين، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وعنه قال: لا يعجبني في الحرب ولا في غيره، والجواز رواية عن مالك أيضًا، والمشهور عن مالك المنع، وهو مذهب أبي حنيفة.
ورجح العلامة ابن القيم جواز لبسه.
لكن روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٦٧٨، ٣٣٨٣٧) قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةً، قَالَ: شَهِدْنَا الْيَرْمُوكَ فَاسْتَقْبَلَنَا عُمَرُ، وَعَلَيْنَا الدِّيبَاجُ وَالْحَرِيرُ، فَأَمَرَ فَرُمِينَا بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَقُلْنَا: مَا بَلَغَهُ عَنَّا؟ قَالَ: فَنَزَعْنَاهُ وَقُلْنَا: كَرِهَ زِيَّنَا، فَلَمَّا اسْتَقْبَلَنَا رَحَّبَ بِنَا وَقَالَ: «إِنَّكُمْ جِئْتُمُونِي فِي زِيِّ أَهْلِ الشِّرْكِ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ لِمَنْ قَبْلَكُمُ الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ».
стр. 7964
قُلْتُ: إِسْنَادُ صَحِيْحٌ. وابن إدريس هو عبد الله، وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي.
قُلْتُ: ولعل عمر استنكر عليهم لبس الحرير بعد انقضاء الحرب ورجوعهم إليه فإنَّه لا معنى للبسه حينئذٍ.
فائدة: في الصبغ بالسواد في الحرب.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٩٩):
«وَلِهَذَا اخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الصَّبْغَ بِالسَّوَادِ يُكْرَهُ كَرَاهِيَةَ تَحْرِيمٍ وَعَنِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ خَاصَّةٌ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ لِأَجْلِ زَوْجِهَا وَقَالَ مَالِكٌ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ وَاسِعٌ وَالصَّبْغُ بِغَيْرِ السَّوَادِ أَحَبُّ إِلَيَّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُجَاهِدُ اتِّفَاقًا» اهـ.
قُلْتُ: وذلك لإظهار القوة والشباب، وهذا أنكى وأهيب لقلوب الأعداء.
وما ذكره عن الحليمي ذهب إليه أيضَا إسحاق بن راهويه، فَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُوْرِ الْكَوْسَجُ ﵀ فِي [مَسَائِلِهِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ] (٣٤٠٨): «قلت لإسحاق: الخضاب بالسواد للمرأة؟.
قال: لا بأس بذلك للزوج تتزين به له» اهـ.
стр. 7965
وَقَالَ: (٣٥٧٧): «قلت: يكره الخضاب بالسواد؟.
قال: إي والله مكروه، قال إسحاق: شديداً كما قال، إلَّا أن يريد به تزيناً لأهله، ولا يغر به امرأة» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ]-مع عون المعبود - (١١/ ١٧٣): «وَرَخَّصَ فِيهِ آخَرُونَ لِلْمَرْأَةِ تَتَزَيَّن بِهِ لِبَعْلِهَا دُون الرَّجُل
وَهَذَا قَوْل إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا فِي حَقّ الرِّجَال وَقَدْ جَوَّزَ لِلْمَرْأَةِ مِنْ خِضَاب الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مَا لَمْ يُجَوَّز لِلرَّجُلِ والله أعلم» اهـ.
وما رواه الحاكم في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٥٩١٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ الْقَاضِي، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ رَأَى عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَقَدْ سَوَّدَ شَيْبَهُ، فَهُوَ مِثْلُ جَنَاحِ الْغُرَابِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟» فَقَالَ: أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُحِبُّ أَنْ تَرَى فِيَّ بَقِيَّةً، فَلَمْ يَنْهَهُ عُمَرُ ﵁ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعِبْهُ عَلَيْهِ. فَلَا يَصِّحُ لِضَعْفِ عبد الرحمن بن الحارث.
قُلْتُ: اتفق العلماء على حل الصبغ بالسواد في صورة: وهي: في الحرب.
стр. 7966
واتفقوا على حرمته في صورة وهي: ما قصد به التدليس والغش والخداع.
وفيما سوى ذلك فاختلفوا فيه فالجمهور على الكراهة، وذهب بعضهم إلى التحريم كالنووي وابن القيم وآخرون، وهو الصحيح لصراحة الأدلة في النهي عن ذلك.
وأمَّا صبغ الشيب بغير السواد فهو سنة، وقد أمر النبي ﷺ بها، فروى البخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣) عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ».
قُلْتُ: والأكثر على استحباب ذلك، وذهب الإمام أحمد إلى الوجوب في رواية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣٥٥ - ٣٥٦):
«وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ وَعَنْهُ يَجِبُ وَلَوْ مَرَّةً وَعَنْهُ لَا أحب لِأَحَدٍ تَرْكَ الْخَضْبِ وَيَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَلَالِ ﵀ فِي [الْوُقُوفِ وَالتَّرَجُلِ] (ص: ١٣٢) نقلًا عن الإمام أحمد:
«مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ خِضَابًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ.
стр. 7967
ثُمَّ قَالَ: الْخِضَابُ عِنْدِي كَأَنَّهُ فَرْضٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال:
"إنَّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم"» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (ص: ١٣١):
«أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي مَرَضِهِ قَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَفِيهُمْ شَيْخٌ مَخْضُوبٌ فَقَالَ لَهُ:
إِنِّي لَأَرَى الشَّيْخَ الْمَخْضُوبَ فَأَفْرَحُ بِهِ.
وَذَكِرَ رَجُلًا فَقَالَ: لِمَ لَا يَخْضِبُ؟.
قَالُوا: يَسْتَحِيِي.
قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهَ. سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُحْكَى عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ خَضَبْتُ؟
قُلْتُ: أَنَا لَا أَتَفَرَّغُ لِغَسْلِهَا فَكَيْفَ أَتَفَرَّغُ لَخِضَابِهَا؟!
فَقَالَ: أَنَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ بِشْرٌ كَشَفَ عَمَلَهُ لِابْنِ أَبِي دَاوُدَ. أَيْ كَلَامٍ ذَا؟!
ثُمَّ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "غَيِّرُوا الشَّيْبَ".
стр. 7968
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ قَدْ خَضَبَا وَالْمُهَاجِرِينَ. فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِغَسْلِهَا. النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِالْخِضَابِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ.
وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ أَبِي رَمَثَةَ. وَعَنَ أُمِّ سلمة» اهـ.
٣ - وفيه جواز التداوي بالحرام في ظاهر البدن بما يجوز ملابسته للحاجة.
وَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٢٧٠): «عن رجل وصف له شحم الخنزير لمرض به: هل يجوز له ذلك؟ أم لا؟.
فأجاب: وأمَّا التداوي بأكل شحم الخنزير فلا يجوز. وأمَّا التداوي بالتلطخ به ثم يغسله بعد ذلك فهذا ينبني على جواز مباشرة النجاسة في غير الصلاة، وفيه نزاع مشهور، والصحيح أنَّه يجوز للحاجة. كما يجوز استنجاء الرجل بيده وإزالة النجاسة بيده. وما أبيح للحاجة جاز التداوي به. كما يجوز التداوي بلبس الحرير على أصح القولين وما أبيح للضرورة كالمطاعم الخبيثة فلا يجوز التداوي بها» اهـ.
٤ - وفيه ما يدل على أنَّ ما حرم لغيره جاز استعماله للحاجة وإن لم توجد ضرورة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٨٢): «ثم ما حرم لخبث جنسه أشد مما حرم لما فيه من السرف والفخر والخيلاء؛ فإنَّ هذا
стр. 7969
يحرم القدر الذي يقتضي ذلك منه ويباح للحاجة؛ كما أبيح للنساء لبس الذهب والحرير لحاجتهن إلى التزين؛ وحرم ذلك على الرجل وأبيح للرجل من ذلك اليسير كالعلم؛ ونحو ذلك مما ثبت في السنة؛ ولهذا كان الصحيح من القولين في مذهب أحمد وغيره جواز التداوي بهذا الضرب دون الأول كما رخص النبي ﷺ للزبير وطلحة في لبس الحرير من حكة كانت بهما. ونهى عن التداوي بالخمر وقال: "إنَّها داء وليست بدواء" ونهى عن الدواء الخبيث» اهـ.
* * *
стр. 7970
٤٠٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ، وَالسِّلاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ».
قَوْلُهُ: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ». وهم قوم من اليهود نقضوا العهد فحاصرهم النبي ﷺ ثم أجلاهم عن المدينة فمنهم من ذهب إلى خيبر، ومنهم من ذهب إلى الشام، وفيهم نزلت سورة الحشر.
وَقَوْلُهُ: «مِمَّا لَمْ يُوجِفِ». الإيجاف سرعة السير.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٢٧٥ - ٢٧٦): «أي ما حركتم ولا سقتم خيلاً ولا إبلاً. ولهذا قال الفقهاء: إنَّ الفيء هو ما أخذ من الكفار بغير قتال؛ لأنَّ إيجاف الخيل والركاب هو معنى القتال. وسمي فيئاً؛ لأنَّ الله أفاءه على المسلمين أي رده عليهم من الكفار؛ فإنَّ الأصل أنَّ الله تعالى إنَّما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنَّه إنَّما خلق الخلق لعبادته. فالكافرون
стр. 7971
به أباح أنفسهم التي لم يعبدوه بها وأموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين الذين يعبدونه وأفاء إليهم ما يستحقونه كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه وإن لم يكن قبضه قبل ذلك» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَا رِكَابٍ». الركاب ما يركب من الإبل خاصة.
وَقَوْلُهُ: «مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ». هو الخيل، وقد تطلق على غيره من سائر البهائم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ فَارِسٍ ﵀ فِي [مَقَايِيسِ اللُّغَةِ] (٥/ ١٧١)
«(كَرَعَ) الْكَافُ وَالرَّاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى دِقَّةٍ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ. مِنْ ذَلِكَ الْكُرَاعُ، وَهُوَ مِنَ الْإِنْسَانِ مَا دُوَنَ الرُّكْبَةِ، وَمِنَ الدَّوَابِّ: مَا دُونَ الْكَعْبِ. قَالَ الْخَلِيلُ: تَكَرَّعَ الرَّجُلُ إِذَا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يَغْسِلُ أَكَارِعَهُ. قَالَ: وَكُرَاعُ كُلِّ شَيْءٍ: طَرَفُهُ. قَالَ: وَالْكُرَاعُ مِنَ الْحَرَّةِ: مَا اسْتَطَالَ مِنْهَا، قَالَ مُهَلْهَلٌ:
لَمَّا تَوَقَّلَ فِي الْكُرَاعِ هَجِينُهُمْ … هَلْهَلْتُ أَثْأَرُ جَابِرًا أَوْ صِنْبِلَا
فَأَمَّا تَسْمِيَتُهُمُ الْخَيْلَ كُرَاعًا فَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ الْجِسْمِ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ، كَمَا يُقَالُ: أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَوَجْهِي إِلَيْكَ. فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْخَيْلُ سُمِّيَتْ كُرَاعًا لِأَكَارِعِهَا» اهـ.
стр. 7972
وَقَوْلُهُ: «عُدَّةً». هي كل ما يستعان به لما قد يحدث في الأيام المقبلة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الفيء مختص بالرسول الله ﷺ يتصرف فيه تصرف العبد النبي، وليس مُلْكًا له كسائر ما يملكه الناس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨٣ - ٨٤): «وقد اختلف الفقهاء في الفيء، هل كان ملكاً لرسول الله ﷺ يتصرف فيه كيف يشاء، أو لم يكن ملكاً له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره.
والذى تدل عليه سنته وهديه، أنَّه كان يتصرف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره الله، ويقسمه على من أمر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرف فيه تصرف المالك بشهوته وإرادته، يعطى من أحب، ويمنع من أحب، وإنَّما كان يتصرف فيه تصرف العبد المأمور ينفذ ما أمره به سيده ومولاه، فيعطى من أمر بإعطائه، ويمنع من أمر بمنعه، وقد صرح رسول الله ﷺ بهذا فقال: "والله إنِّي لا أعطى أحداً ولا أمنعه، إنَّما أنا قاسم أضع حيث أمرت"، فكان عطاؤه ومنعه وقسمه بمجرد الأمر، فإنَّ الله سبحانه خيره بين أن يكون عبداً رسولاً، وبين أن يكون ملكاً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً.
стр. 7973
والفرق بينهما أنَّ العبد الرسول لا يتصرف إلَّا بأمر سيده ومرسله، والملك الرسول له أن يعطى من يشاء، ويمنع من يشاء كما قال تعالى للملك الرسول سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، لا نحاسبك؛ وهذه المرتبة هي التي عرضت على نبينا ﷺ ، فرغب عنها إلى ما هو أعلى منها، وهي مرتبة العبودية المحضة التي تصرف صاحبها فيها مقصور على أمر السيد في كل دقيق وجليل.
والمقصود: أنَّ تصرفه في الفيء بهذه المثابة، فهو ملك يخالف حكم غيره من المالكين، ولهذا كان ينفق مما أفاء الله عليه مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب على نفسه وأهله نفقة سنتهم، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ، وهذا النوع من الأموال هو السهم الذى وقع بعده فيه من النزاع ما وقع إلى اليوم».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٨٥ - ٨٧): «ويصرف على المصارف الخاصة، وهم أهل الخمس، ثم على المصارف العامة، وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم الدين. فالذي عمل به هو وخلفاؤه الراشدون، هو المراد من هذه الآيات، ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ فيما رواه أحمد ﵀ وغيره عنه: ما
стр. 7974
أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، والله ما من المسلمين أحد إلَّا وله في هذا المال نصيب إلَّا عبد مملوك، ولكنَّا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله ﷺ فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه. فهؤلاء المسمون في آية الفيء هم المسمون في آية الخمس، ولم يدخل المهاجرون والأنصار وأتباعهم في آية الخمس، لأنَّهم المستحقون لجملة الفيء، وأهل الخمس لهم استحقاقان: استحقاق خاص من الخمس، واستحقاق عام من جملة الفيء، فإنَّهم داخلون في النصيبين.
وكما أنَّ قسمته من جملة الفيء بين من جعل له ليس قسمة الأملاك التي يشترك فيها المالكون؛ كقسمة المواريث والوصايا والأملاك المطلقة، بل بحسب الحاجة والنفع والغناء في الإسلام والبلاء فيه، فكذلك قسمة الخمس في أهله، فإنَّ مخرجهما واحد في كتاب الله، والتنصيص على الأصناف الخمسة يفيد تحقيق إدخالهم. وأنَّهم لا يخرجون من أهل الفيء بحال، وأنَّ الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم، كأصناف الزكاة لا تعدوهم إلى غيرهم، كما أنَّ الفيء العام في آية الحشر
стр. 7975
للمذكورين فيها لا يتعداهم إلى غيرهم، ولهذا أفتى أئمة الإسلام، كمالك، والإمام أحمد وغيرهما، أنَّ الرافضة لا حق لهم في الفيء لأنَّهم ليسوا من المهاجرين، ولا من الأنصار، ولا من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، وهذا مذهب أهل المدينة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل القرآن، وفعل رسول الله ﷺ ، وخلفائه الراشدين.
وقد اختلف الناس في آية الزكاة وآية الخمس، فقال الشافعي: تجب قسمة الزكاة والخمس على الأصناف كلها، ويعطى من كل صنف من يطلق عليه اسم الجمع.
وقال مالك ﵀ وأهل المدينة: بل يعطى في الأصناف المذكورة فيهما، ولا يعدوهم إلى غيرهم، ولا تجب قسمة الزكاة ولا الفيء في جميعهم.
وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة: بقول مالك ﵏ في آية الزكاة، وبقول الشافعي ﵀ في آية الخمس.
ومن تأمل النصوص، وعمل رسول الله ﷺ وخلفائه، وجده يدل على قول أهل المدينة، فإنَّ الله سبحانه جعل أهل الخمس هم أهل الفيء، وعينهم اهتماماً بشأنهم، وتقديماً لهم، ولما كانت الغنائم خاصة بأهلها لا يشركهم
стр. 7976
فيها سواهم، نص على خمسها لأهل الخمس، ولما كان الفيء لا يختص بأحد دون أحد، جعل جملته لهم، وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم، فسوى بين الخمس وبين الفيء في المصرف، وكان رسول الله ﷺ يصرف سهم الله وسهمه في مصالح الإسلام، وأربعة أخماس الخمس في أهلها مقدماً للأهم فالأهم، والأحوج فالأحوج، فيزوج منه عزابهم، ويقضى منه ديونهم، ويعين ذا الحاجة منهم، ويعطى عزبهم حظاً، ومتزوجهم حظين، ولم يكن هو ولا أحد من خلفائه يجمعون اليتامى والمساكين وأبناء السبيل وذوى القربى، ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم على السوية، ولا على التفضيل، كما لم يكونوا يفعلون ذلك في الزكاة، فهذا هديه وسيرته، وهو فصل الخطاب، ومحض الصواب» اهـ.
وهذا الفيء هو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
стр. 7977
وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٦ - ١٠].
ويدخل في هذا الفيء أنواع من الأموال وقد ذكر ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٥٦٣) حَيْثُ قَالَ: «وهذا الفيء يدخل فيه جزية الرؤوس التي تؤخذ من أهل الذمة ويدخل فيه ما يؤخذ منهم من العشور؛ وأنصاف العشور وما يصالح عليه الكفار من المال كالذي يحملونه وغير ذلك. ويدخل فيه ما جلوا عنه وتركوه خوفاً من المسلمين كأموال بني النضير التي أنزل الله فيها سورة الحشر».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢٨/ ٥٦٤ - ٥٦٧): «ومن الفيء ما ضربه عمر ﵁ على الأرض التي فتحها عَنوة ولم يقسمها؛ كأرض مصر وأرض العراق - إلَّا شيئاً يسيراً منها - وبر الشام وغير ذلك. فهذا الفيء لا خمس فيه عند جماهير
стр. 7978
الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإنَّما يرى تخميسه الشافعي وبعض أصحاب أحمد وذكر ذلك رواية عنه قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد قبل الشافعي أنَّ في الفيء خمساً كخمس الغنيمة. وهذا الفيء لم يكن ملكاً للنبي ﷺ في حياته عند أكثر العلماء. وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: كان ملكاً له. وأمَّا مصرفه بعد موته؛ فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين الذين يقاتلون الكفار؛ فإنَّ تقويتهم تذل الكفار فيؤخذ منهم الفيء. وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين أم تختص به المقاتلة؟ على قولين للشافعي ووجهين في مذهب الإمام أحمد؛ لكن المشهور في مذهبه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك: أنَّه لا يختص به المقاتلة؛ بل يصرف في المصالح كلها. وعلى القولين: يعطى من فيه منفعة عامة لأهل الفيء؛ فإنَّ الشافعي قال: ينبغي للإمام أن يخص من في البلدان من المقاتلة وهو من بلغ ويحصي الذرية وهي من دون ذلك والنساء. إلى أن قال: ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءهم ويعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم. قال: والعطاء من الفيء لا يكون إلَّا لبالغ يطيق القتال. قال: ولم يختلف أحد ممن لقيه في أنَّه ليس للمماليك في العطاء حق ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال: فإن فضل من الفيء شيء وضعه الإمام في أهل الحصون
стр. 7979
والازدياد في الكراع والسلاح وكل ما يقوى به المسلمون. فإن استغنوا عنه وحصلت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى عنهم بينهم على قدر ما يستحقون من ذلك المال. قال: ويعطي من الفيء رزق العمال والولاة وكل من قام بأمر الفيء: من وال وحاكم وكاتب وجندي ممن لا غنى لأهل الفيء عنه. وهذا مشكل مع قوله: إنَّه لا يعطى من الفيء صبي ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال؛ لأنَّه للمجاهدين. وهذا إذا كان للمصالح فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة كالمجاهدين وكولاة أمورهم: من ولاة الحرب وولاة الديوان وولاة الحكم ومن يقرئهم القرآن ويفتيهم ويحدثهم ويؤمهم في صلاتهم ويؤذن لهم. ويصرف منه في سداد ثغورهم وعمارة طرقاتهم وحصونهم ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضاً ويبدأ فيه بالأهم فالأهم: فيقدم ذوو المنافع الذين يحتاج المسلمون إليهم على ذوي الحاجات الذين لا منفعة فيهم. هكذا نص عليه عامة الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. قال أصحاب أبي حنيفة يصرف في المصالح ما يسد به الثغور من القناطر والجسور ويعطي قضاة المسلمين ما يكفيهم ويدفع منه أرزاق المقاتلة وذوو الحاجات يعطون من الزكوات ونحوها. وما فضل عن منافع المسلمين قسم بينهم؛ لكن
стр. 7980
مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد: أنَّه ليس للأغنياء الذين لا منفعة للمسلمين بهم فيه حق إذا فضل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ لما كثر المال أعطا منهم عامة المسلمين فكان لجميع أصناف المسلمين فرض في ديوان عمر بن الخطاب؛ غنيهم وفقيرهم؛ لكن كان أهل الديوان نوعين: مقاتلة وهم البالغون. وذرية وهم الصغار والنساء الذين ليسوا من أهل القتال؛ ومع هذا فالواجب تقديم الفقراء على الأغنياء الذين لا منفعة فيهم فلا يعطى غني شيئاً حتى يفضل عن الفقراء. هذا مذهب الجمهور كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه. ومذهب الشافعي - كما تقدم - تخصيص الفقراء بالفاضل» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ السُّنَةِ النَّبَوِيَّةِ] (٦/ ١٠٦ - ١١١): «وأصل الفيء الرجوع والله خلق الخلق لعبادته وأعطاهم الأموال يستعينون بها على عبادته فالكفار لما كفروا بالله وعبدوا غيره لم يبقوا مستحقين للأموال فأباح الله لعباده قتلهم وأخذ أموالهم فصارت فيئاً أعاده الله على عباده المؤمنين لأنَّهم هم المستحقون له وكل مال أخذ من الكفار قد يسمى فيئاً حتى الغنيمة كما قال النبي ﷺ في غنائم حنين ليس لي مما أفاء الله عليكم إلَّا الخمس
стр. 7981
والخمس مردود عليكم لكن لما قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. صار اسم الفيء عند الإطلاق لما أخذ من الكفار بغير قتال وجمهور العلماء على أنَّ الفيء لا يخمس كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد وهذا قول السلف قاطبة وقال الشافعي والخرقي ومن وافقه من أصحاب أحمد يخمس، والصواب قول الجمهور فإنَّ السنن الثابتة عن النبي ﷺ وخلفائه تقتضي أنَّهم لم يخمسوا فيئاً قط، بل أموال بني النضير كانت أول الفيء ولم يخمسها النبي ﷺ بل خمس غنيمة بدر وخمس خيبر وغنائم حنين وكذلك الخلفاء بعده لم يكونوا يخمسون الجزية والخراج، ومنشأ الخلاف أنَّه لما كان لفظ آية الخمس وآية الفيء واحداً اختلف فهم الناس للقرآن فرأت طائفة أنَّ آية الخمس تقتضي أن يقسم الخمس بين الخمسة بالسوية وهذا قول الشافعي وأحمد وداود الظاهري لأنَّهم ظنوا أنَّ هذا ظاهر القرآن، ثم إنَّ آية الفيء لفظها كلفظ آية الخمس فرأى بعضهم أنَّ الفيء كله يصرف أيضاً مصرف الخمس إلى هؤلاء الخمسة، وهذا قول داود بن علي وأتباعه وما علمت أحداً من المسلمين قال هذا
стр. 7982
القول قبله وهو قول يقتضي فساد الإسلام إذا دفع الفيء كله إلى هذه الأصناف وهؤلاء يتكلمون أحياناً بما يظنونه ظاهر اللفظ ولا يتدبرون عواقب قولهم.
ورأى بعضهم أنَّ قوله في آية ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾. المراد بذلك خمس الفيء فرأوا أنَّ الفيء يخمس وهذا قول الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد، وقال الجمهور هذا ضعيف جداً لأنَّه قال: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. لم يقل خمسه لهؤلاء، ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. وهؤلاء هم المستحقون للفيء كله فكيف يقول المراد خمسه وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه لما قرأ هذه الآية قال: هذه عمت المسلمين كلهم. وأمَّا أبو حنيفة ومن وافقه فوافقوا هؤلاء على أنَّ الخمس يستحقه هؤلاء لكن قالوا: إنَّ سهم الرسول كان يستحقه في حياته وذوو قرباه كانوا يستحقونه لنصرهم له وهذا قد سقط بموته فسقط سهمهم كما سقط سهمه.
стр. 7983
والشافعي وأحمد قالا: بل يقسم سهمه بعد موته في مصرف الفيء إمَّا في الكراع والسلاح وإمَّا في المصالح مطلقاً. واختلف هؤلاء هل كان الفيء ملكاً للنبي ﷺ في حياته على قولين:
أحدهما: نعم كما قاله الشافعي وبعض أصحاب أحمد لأنَّه أضيف إليه.
والثاني: لم يكن ملكاً له لأنَّه لم يكن يتصرف فيه تصرف المالك.
وقالت طائفة: ذوو القربى هم ذوو قربى القاسم المتولي وهو الرسول في حياته ومن يتولى الأمر بعده واحتجوا بما روى عنه ﷺ أنَّه قال: "ما أطعم الله نبياً طعمه إلَّا كانت لمن يتولى الأمر بعده".
والقول الخامس: قول مالك وأهل المدينة وأكثر السلف أنَّ مصرف الخمس والفيء واحد وأنَّ الجميع لله والرسول بمعنى أنَّه يصرف فيما أمر الله به والرسول هو المبلغ عن الله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
وقد ثبت عنه في الصحيح أنَّه قال: "إنِّي والله لا أعطى أحداً ولا أمنع أحداً وإنَّما أنا قاسم أضع حيث أمرت" فدل على أنَّه يعطى المال لمن أمره الله به لا لمن يريد هو ودل على أنَّه أضافه إليه لكونه رسول الله لا لكونه مالكاً له وهذا بخلاف نصيبه
стр. 7984
من المغنم وما وصى له به فإنَّه كان ملكه ولهذا سمى الفيء مال الله بمعنى أنَّه المال الذي يجب صرفه فيما أمر الله به ورسوله أي في طاعة الله أي لا يصرفه أحد فيما يريد وإن كان مباحاً بخلاف الأموال المملوكة وهذا بخلاف قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. فإنَّه لم يضفه إلى الرسول بل جعله مما آتاهم الله، قالوا وقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. تخصيص هؤلاء بالذكر للاعتناء بهم لا لاختصاصهم بالمال ولهذا قال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. أي لا تتداولونه وتحرمون الفقراء ولو كان مختصاً بالفقراء لم يكن للأغنياء فضلاً عن أن يكون دولة وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. فدل على أنَّ الرسول هو القاسم للفيء والمغانم ولو كانت مقسومة محدودة كالفرائض لم يكن للرسول أمر فيها ولا نهي، وأيضاً فالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وخلفائه تدل على هذا القول فإنَّ النبي ﷺ لم يخمس قط خمساً خمسة أجزاء ولا خلفاؤه ولا كانوا يعطون اليتامى مثل ما يعطون المساكين بل يعطون أهل الحاجة من هؤلاء وهؤلاء وقد يكون المساكين أكثر من اليتامى الأغنياء وقد كان بالمدينة
стр. 7985
يتامى أغنياء فلم يكونوا يسوون بينهم وبين الفقراء بل ولا عرف أنَّهم أعطوهم بخلاف ذوي الحاجة والأحاديث في هذا كثيرة ليس هذا موضع ذكرها» اهـ.
قُلْتُ: يدخل في الفيء:
الغنائم التي تؤخذ من الكافرين بغير قتال كالأموال التي أخذت من بني النضير.
ويدخل فيه: الجزية، وهي الأموال التي تؤخذ على رؤوس الكافرين إذلالً وصغارًا.
قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
والجزية مشتقة من الجزاء فهي جزاء عليهم بسبب كفرهم، وجزاء للمسلمين مقابل تأمينهم.
ولا تؤخذ الجزية من النساء ولا الصغار. باتفاق الأئمة.
ولا المجانين، ولا العميان ولا الزمنى، ولا الشيخ الفان، وإن كانوا موسرين وهو مذهب الجمهور لأنَّ هؤلاء لا يقاتلون، وخالف الشافعي في رواية.
وتؤخذ من العبيد أيضًا على الصحيح.
следующие страницы →