Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.
стр. 7981
والخمس مردود عليكم لكن لما قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. صار اسم الفيء عند الإطلاق لما أخذ من الكفار بغير قتال وجمهور العلماء على أنَّ الفيء لا يخمس كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد وهذا قول السلف قاطبة وقال الشافعي والخرقي ومن وافقه من أصحاب أحمد يخمس، والصواب قول الجمهور فإنَّ السنن الثابتة عن النبي ﷺ وخلفائه تقتضي أنَّهم لم يخمسوا فيئاً قط، بل أموال بني النضير كانت أول الفيء ولم يخمسها النبي ﷺ بل خمس غنيمة بدر وخمس خيبر وغنائم حنين وكذلك الخلفاء بعده لم يكونوا يخمسون الجزية والخراج، ومنشأ الخلاف أنَّه لما كان لفظ آية الخمس وآية الفيء واحداً اختلف فهم الناس للقرآن فرأت طائفة أنَّ آية الخمس تقتضي أن يقسم الخمس بين الخمسة بالسوية وهذا قول الشافعي وأحمد وداود الظاهري لأنَّهم ظنوا أنَّ هذا ظاهر القرآن، ثم إنَّ آية الفيء لفظها كلفظ آية الخمس فرأى بعضهم أنَّ الفيء كله يصرف أيضاً مصرف الخمس إلى هؤلاء الخمسة، وهذا قول داود بن علي وأتباعه وما علمت أحداً من المسلمين قال هذا
стр. 7982
القول قبله وهو قول يقتضي فساد الإسلام إذا دفع الفيء كله إلى هذه الأصناف وهؤلاء يتكلمون أحياناً بما يظنونه ظاهر اللفظ ولا يتدبرون عواقب قولهم.
ورأى بعضهم أنَّ قوله في آية ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾. المراد بذلك خمس الفيء فرأوا أنَّ الفيء يخمس وهذا قول الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد، وقال الجمهور هذا ضعيف جداً لأنَّه قال: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. لم يقل خمسه لهؤلاء، ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. وهؤلاء هم المستحقون للفيء كله فكيف يقول المراد خمسه وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه لما قرأ هذه الآية قال: هذه عمت المسلمين كلهم. وأمَّا أبو حنيفة ومن وافقه فوافقوا هؤلاء على أنَّ الخمس يستحقه هؤلاء لكن قالوا: إنَّ سهم الرسول كان يستحقه في حياته وذوو قرباه كانوا يستحقونه لنصرهم له وهذا قد سقط بموته فسقط سهمهم كما سقط سهمه.
стр. 7983
والشافعي وأحمد قالا: بل يقسم سهمه بعد موته في مصرف الفيء إمَّا في الكراع والسلاح وإمَّا في المصالح مطلقاً. واختلف هؤلاء هل كان الفيء ملكاً للنبي ﷺ في حياته على قولين:
أحدهما: نعم كما قاله الشافعي وبعض أصحاب أحمد لأنَّه أضيف إليه.
والثاني: لم يكن ملكاً له لأنَّه لم يكن يتصرف فيه تصرف المالك.
وقالت طائفة: ذوو القربى هم ذوو قربى القاسم المتولي وهو الرسول في حياته ومن يتولى الأمر بعده واحتجوا بما روى عنه ﷺ أنَّه قال: "ما أطعم الله نبياً طعمه إلَّا كانت لمن يتولى الأمر بعده".
والقول الخامس: قول مالك وأهل المدينة وأكثر السلف أنَّ مصرف الخمس والفيء واحد وأنَّ الجميع لله والرسول بمعنى أنَّه يصرف فيما أمر الله به والرسول هو المبلغ عن الله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
وقد ثبت عنه في الصحيح أنَّه قال: "إنِّي والله لا أعطى أحداً ولا أمنع أحداً وإنَّما أنا قاسم أضع حيث أمرت" فدل على أنَّه يعطى المال لمن أمره الله به لا لمن يريد هو ودل على أنَّه أضافه إليه لكونه رسول الله لا لكونه مالكاً له وهذا بخلاف نصيبه
стр. 7984
من المغنم وما وصى له به فإنَّه كان ملكه ولهذا سمى الفيء مال الله بمعنى أنَّه المال الذي يجب صرفه فيما أمر الله به ورسوله أي في طاعة الله أي لا يصرفه أحد فيما يريد وإن كان مباحاً بخلاف الأموال المملوكة وهذا بخلاف قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. فإنَّه لم يضفه إلى الرسول بل جعله مما آتاهم الله، قالوا وقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. تخصيص هؤلاء بالذكر للاعتناء بهم لا لاختصاصهم بالمال ولهذا قال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. أي لا تتداولونه وتحرمون الفقراء ولو كان مختصاً بالفقراء لم يكن للأغنياء فضلاً عن أن يكون دولة وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. فدل على أنَّ الرسول هو القاسم للفيء والمغانم ولو كانت مقسومة محدودة كالفرائض لم يكن للرسول أمر فيها ولا نهي، وأيضاً فالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وخلفائه تدل على هذا القول فإنَّ النبي ﷺ لم يخمس قط خمساً خمسة أجزاء ولا خلفاؤه ولا كانوا يعطون اليتامى مثل ما يعطون المساكين بل يعطون أهل الحاجة من هؤلاء وهؤلاء وقد يكون المساكين أكثر من اليتامى الأغنياء وقد كان بالمدينة
стр. 7985
يتامى أغنياء فلم يكونوا يسوون بينهم وبين الفقراء بل ولا عرف أنَّهم أعطوهم بخلاف ذوي الحاجة والأحاديث في هذا كثيرة ليس هذا موضع ذكرها» اهـ.
قُلْتُ: يدخل في الفيء:
الغنائم التي تؤخذ من الكافرين بغير قتال كالأموال التي أخذت من بني النضير.
ويدخل فيه: الجزية، وهي الأموال التي تؤخذ على رؤوس الكافرين إذلالً وصغارًا.
قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
والجزية مشتقة من الجزاء فهي جزاء عليهم بسبب كفرهم، وجزاء للمسلمين مقابل تأمينهم.
ولا تؤخذ الجزية من النساء ولا الصغار. باتفاق الأئمة.
ولا المجانين، ولا العميان ولا الزمنى، ولا الشيخ الفان، وإن كانوا موسرين وهو مذهب الجمهور لأنَّ هؤلاء لا يقاتلون، وخالف الشافعي في رواية.
وتؤخذ من العبيد أيضًا على الصحيح.
стр. 7986
والصحيح أنَّ مقدار الجزية يرجع إلى نظر الإمام فيقدر على الغني، والمتوسط، والفقير كلًا على حسبه.
ويدخل فيه: العشور، وقد فرضها عمر بن الخطاب ﵁ على تجارات الكفار إذا قدموا بها بلدان المسلمين، فإنَّ كان القادم بها كافرًا حربيًا فيؤخذ منه العشر، وإن كان ذميًا فيؤخذ منه نصف العشر.
وإنَّما تؤخذ منهم في العام مرة كالزكاة، وتكتب لهم فيها ورقة حتى لا يكرر العاشر أخذها منهم مرة أخرى، أو يأخذها عاشر آخر في بلد آخر من بلدان المسلمين، فإن زادوا على التجارة المعشرة شيئًا آخر أخذ منه العشر أو نصفه بحسبه.
ويدخل في الفيء: الخراج، وهي جزية الأرض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢٤٥):
«فَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنِ اتِّفَاقٍ وَافْتِرَاقٍ.
الْخَرَاجُ هُوَ جِزْيَةُ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ الْجِزْيَةَ خَرَاجُ الرِّقَابِ، وَهُمَا حَقَّانِ عَلَى رِقَابِ الْكُفَّارِ وَأَرْضِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَتَّفِقَانِ فِي وُجُوهٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي وُجُوهٍ.
стр. 7987
فَيَتَّفِقَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ وَالذِّلَّةِ، وَأَنَّ مَصْرِفَهُمَا مَصْرِفُ الْفَيْءِ، وَأَنَّهُمَا يَجِبَانِ فِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً، وَأَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالْإِسْلَامِ عَلَى تَفْصِيلٍ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْجِزْيَةَ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، وَالْخَرَاجَ بِالِاجْتِهَادِ، وَأَنَّ الْجِزْيَةَ إِذَا قُدِّرَتْ عَلَى الْغَنِيِّ لَمْ تَزِدْ بِزِيَادَةِ غِنَاهُ، وَالْخَرَاجَ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ كَثْرَةِ الْأَرْضِ وَقِلَّتِهَا، وَالْخَرَاجَ يُجَامِعُ الْإِسْلَامَ حَيْثُ نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْجِزْيَةَ لَا تُجَامِعُهُ بِوَجْهٍ; وَلِذَلِكَ يَجْتَمِعَانِ تَارَةً فِي رَقَبَةِ الْكَافِرِ وَأَرْضِهِ وَيَسْقُطَانِ تَارَةً، وَتَجِبُ الْجِزْيَةُ حَيْثُ لَا خَرَاجَ، وَالْخَرَاجُ حَيْثُ لَا جِزْيَةَ» اهـ.
والأرض ستة أنواع:
الأول: ما ابتدأ المسلمون بإحيائها ففيها العشر أو نصفه في ثمارها، وهي الزكاة التي افترضها الله تعالى على عبادة.
الثاني: الأرض التي أسلم عليها أهلها من غير قتال فهي لهم ولا خراج فيها، وفي ثمار أشجارها وزروعها الزكاة كالأرض الأولى، ومنها المدينة واليمن والطائف.
الثالث: ما ملكه المسلمون من أرض الكافرين بالقوة والقهر والغلبة.
стр. 7988
وهذه الأرض إن قسمها الخليفة على المجاهدين فهي أرض عشرية، ولا خراج عليها كالأرضين السابقتين.
وإن أبقاها بأيد الكافرين ضرب عليها الخراج وتكون أرض خراجية.
وإن أسلم بعد ذلك أهلها ففيها العشر والخراج معًا.
وللخليفة أن يوقفها لمصلحة المسلمين ويجعل في أرضها خراجًا يكون كالأجرة عليها فيكون فيها العشر والخراج، ويجوز بيعها وإجارتها لمن كانت في يده.
الرابع: الأرض التي صالح المسلمون أهلها من الكافرين أن تبقى لهم، ويدفعوا خراجها فهي على ما صولحوا عليها ما داموا على شركهم فمن أسلم منهم فلا خراج عليه في أرضه، وإذا بيعت الأرض لمسلم فلا خراج فيها عليه.
الخامس: الأرض التي صالح المسلمون أهلها من الكافرين أن ينزلوا عنها، ويبقون عنها بالجزية، فهذه الأرض أرض خراجية وتأخذ حكم النوع الثالث، وهي أرض العنوة.
السادس: الأرض التي جلى عنها أهلها بغير قتال، وهذه الأرض تأخذ حكم النوع الثالث وهي أرض العَنوة.
стр. 7989
والخراج يكون في الأرض الحية التي تزرع أو التي يمكن زراعتها، وهكذا التي فيها أشجار، ولا تكون على الموات، وليس للخراج مقدار معين فيرجع أمره إلى اجتهاد الحاكم بما لا مظلمة فيه، وله أن يضعه على الزرع والثمار فيجعل على الكيل مقدارًا معينًا من الدراهم ونحوها، أو على الأرض، وعلى الأرض أحسن وأضبط.
وأمَّا المساكن والدور فليس عليها خراج، وقد كان الإمام أحمد يخرج ذلك احتياطًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧):
«وَإِذَا بَنَى فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ دُورًا وَحَوَانِيتَ كَانَ خَرَاجُهَا مُسْتَحِقًّا عَلَيْهِ؛ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ; لِأَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ، وَقَدْ سَأَلَهُ: تَرَى أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ عَمَّا فِي يَدِهِ مِنْ دَارٍ أَوْ ضَيْعَةٍ عَلَى مَا وَظَّفَ عُمَرُ ﵁ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ؟ فَقَالَ: مَا أَجْوَدَ هَذَا، فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُعْطِي عَنْ دَارِكَ الْخَرَاجَ فَتَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَ: نَعَمْ.
стр. 7990
قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ أَحْمَدُ يَفْعَلُ ذَلِكَ; لِأَنَّ بَغْدَادَ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ الَّتِي وَضَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ الْخَرَاجَ، فَلَمَّا بُنِيَتْ مَسَاكِنَ رَاعَى أَحْمَدُ حَالَهَا الْأُولَى الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ عَهْدِ عُمَرَ ﵁ إِلَى أَنْ صَارَتْ دُورًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ بِنَائِهِ فِي مُقَامِهِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لِزَارِعِهَا وَفَلَّاحِهَا عَفْوٌ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ فِيهَا إِلَّا بِمَسْكَنٍ يَسْكُنُهُ، وَمَا بَنَاهُ لِلْكِرَاءِ وَالتَّوْسِعَةِ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فَعَلَيْهِ خَرَاجُهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَهُوَ غَيْرُ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ احْتِيَاطًا وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَهْلَ بَغْدَادَ عَامَّةً، بَلْ عَدَّ مِنْ جُمْلَةِ وَرَعِهِ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ الْخَرَاجَ عَنْ دَارِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، وَغَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا كَانَ أَحْمَدُ يُلْزِمُ بِهِ النَّاسَ، وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَى الْمَسَاكِنِ» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا موات أرض العنوة إذا أحياها مسلم فلا خراج فيها على الصحيح.
وقد رفع الخراج من أرض العَنوة منذ زمن طويل ولم يبق لذلك وجود.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٥٨٢):
стр. 7991
«فَعُلِمَ أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ يَجُوزُ قَسَمُهَا وَيَجُوزُ تَرْكُ قَسْمِهَا. وَقَدْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا كَبِيرًا. إذَا عُرِفَ ذَلِكَ: فَمِصْرُ هِيَ مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً وَلَمْ يَقْسِمْهَا عُمَرُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لَكِنْ تَنَقَّلَتْ أَحْوَالُهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا تَنَقَّلَتْ أَحْوَالُ الْعِرَاقِ. فَإِنَّ خُلَفَاءَ بَنِي الْعَبَّاسِ نَقَلُوهُ إلَى الْمُقَاسَمَةِ بَعْدَ الْمُخَارَجَةِ وَهَذَا جَائِزٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَلِكَ مِصْرُ رُفِعَ عَنْهَا الْخَرَاجُ مِنْ مُدَّةٍ لَا أَعْلَمُ ابْتِدَاءَهَا وَصَارَتْ الرَّقَبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٨/ ٦٦٢):
«وَلِهَذَا لَمْ يَتَنَازَعْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ: مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ أَرْضَ مِصْرَ كَانَتْ خراجية وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ حَيْثُ قَالَ ﷺ : "مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدَّهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّهَا وَدِرْهَمَهَا وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ" لَكِنْ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا كَثُرُوا نَقَلُوا أَرْضَ السَّوَادِ فِي أَوَائِلِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ مِنْ الْمُخَارَجَةِ إلَى الْمُقَاسَمَةِ وَلِذَلِكَ نَقَلُوا مِصْرَ إلَى أَنْ اسْتَغَلُّوهَا هُمْ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْيَوْمَ وَلِذَلِكَ رُفِعَ عَنْهَا الْخَرَاجُ» اهـ.
стр. 7992
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه مسلم (٢٨٩٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ» شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.
قُلْتُ: وهذا الحديث احتج به من أثبت الخراج بالسنة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٠٦):
«فَالْمُسْتَخْرَجُ أَصْلٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَلَا يُقَاسُ بِغَيْرِهِ - فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنَعَتْ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدَّهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا". وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ مَعَ عُمَرَ عَلَى فِعْلِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦):
«وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْخَرَاجِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ: "مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ دِينَارَهَا وَمُدْيَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ دِينَارَهَا وَإِرْدَبَّهَا وَعُدْتُمْ كَمَا بَدَأْتُمْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
стр. 7993
وَالْمَعْنَى: سَيُمْنَعُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ» اهـ.
وَأمَّا الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فَقَالَ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٨/ ٢٠):
«أَمَّا الْقَفِيزُ فَمِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هو ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف وهوخمس كَيْلَجَاتٍ وَأَمَّا الْمُدْيُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى وَزْنِ قُفْلِ وَهُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الشَّامِ قَالَ الْعُلَمَاءُ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَكُّوكًا وَأَمَّا الْإِرْدَبُّ فَمِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ مِصْرَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ يَسَعُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ صَاعًا. وَفِي مَعْنَى مَنَعَتِ الْعِرَاقُ وَغَيْرِهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِإِسْلَامِهِمْ فَتَسْقُطُ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَهَذَا قَدْ وُجِدَ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَجَمَ وَالرُّومَ يَسْتَوْلُونَ عَلَى الْبِلَادِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْنَعُونَ حُصُولَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا بَعْدَ هذا بورقات عن جابر قال: يوشك أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم قُلْنَا مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ يَمْنَعُونَ ذَاكَ وَذَكَرَ فِي مَنْعِ الرُّومِ ذَلِكَ بِالشَّامِ مِثْلَهُ وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِي زَمَانِنَا فِي الْعِرَاقِ وَهُوَ الْآنَ مَوْجُودٌ وَقِيلَ لأنَّهم يرتدون في آخر الزمان فيمنعون ما لزمهم مِنَ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ تَقْوَى شَوْكَتُهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْتَنِعُونَ مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
стр. 7994
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : "وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ" فَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ» اهـ.
قُلْتُ: حديث جابر رواه مسلم (٢٩١٣) عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا، لَا يَعُدُّهُ عَدَدًا».
وروى البخاري (٣١٨٠) قَالَ أَبُو مُوسَى، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَشُدُّ اللَّهُ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
стр. 7995
أبو موسى هو محمد بن المثنى شيخ البخاري، وهذه الصيغة من صيغ التعليق وفيها نزاع هل تحمل على السماع أو لا.
وقد وصل الحديث أبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٦٦٣١) وغيره.
وفيه بيان لسبب المنع.
وقد يقال حمل هذه الأحاديث على الجزية أظهر لأنَّ الخراج رفعه المسلمون حين نقلوا الأرض من الخراج إلى المقاسمة، وأمَّا الجزية فرفعها أهل الذمة بسبب ما حصل من كثير المسلمين من انتهاك ذمة الله وذمة رسوله فحصل لهم حينئذ الضعف وقوي عليهم الأعداء فمنعوا الجزية.
٢ - وفيه جواز ادخار الرجل لأهله نفقة سنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٨٣): «ولا خلاف فيه إذا كان من غلة المدخر، وأمَّا إذا اشتراه من السوق، فأجازه قوم ومنعه آخرون إذا أضر بالناس. وهو مذهب مالك في الاحتكار مطلقاً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٠٦): «في هذا الحديث: جواز ادخار قوت سنة، وجواز الادخار للعيال، وأنَّ هذا لا يقدح في التوكل، وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته كما جرى للنبي
стр. 7996
ﷺ ، وأمَّا إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره لقوت عياله، فإن كان في وقت ضيق الطعام؛ لم يجز، بل يشتري ما لا يضيق على المسلمين كقوت أيام أو شهر، وإن كان في وقت سعة اشترى قوت سنة وأكثر، هكذا نقل القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء، وعن قوم إباحته مطلقاً» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٠٦): «وهذا لا يعارض حديث عائشة أنَّه ﷺ توفي ودرعه مرهونة على شعير لأنَّه يجمع بينهما بأنَّه كان يدخر لأهله قوت سنتهم ثم في طول السنة يحتاج لمن يطرقه إلى إخراج شيء منه فيخرجه فيحتاج إلى أن يعوض من يأخذ منها عوضه فلذلك استدان» اهـ.
قُلْتُ: حديث عائشة رواه البخاري (٢٩١٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ».
ويشكل على هذا الحديث ما رواه الترمذي (٢٣٦٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ».
стр. 7997
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا اهـ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، ولم يبيِّن الحافظ الترمذي أيهما أرجح الوصل أو الإرسال.
وَقَدْ جَمَعَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ بين هذين الحديثين فقال فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٦):
«والجمع بينهما أنَّه كان لا يدخر لنفسه ويدخر لعياله، أو أنَّ ذلك كان باختلاف الحال فيتركه عند حاجة الناس إليه ويفعله عند عدم الحاجة» اهـ.
٣ - وفيه استحباب إعداد العدة لجهاد الأعداء.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
* * *
стр. 7998
٤٠٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «أَجْرَى النَّبِيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى.
قَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ: خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمَنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ: مِيلٌ.
قَوْلُهُ: «مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٧٢): «والمراد به أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتاً وتغشى بالجلال حتى تحمى فتعرق فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «مِنَ الْحَفْيَاءِ». موضع في المدينة.
وَقَوْلُهُ: «خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ». الميل منتهي مدى البصر من الأرض، وسمي ميلاً لميل البصر إلى الأرض في آخر مداه.
стр. 7999
والميل أربعة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون إصبعاً، ومقدار الذراع بالسنتيمترات ٢، ٤٦ سم، ومقدار الميل بالأمتار ١٨٤٨ متراً، ومقدار الخمسة الأميال ٩٢٤٠ متراً، ومقدار الستة الأميال ١١٠٨٨ متراً.
وَقَوْلُهُ: «إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ». سميت بذلك لأنَّ الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها ثم يثنون راجعين، والثنية قيل الطريق إلى الجبل، وقيل العقبة، وقيل الجبل نفسه.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب المسابقة بين الخيل لما في ذلك من الإعانة على الجهاد في سبيل الله.
وتشرع المسابقة بالخيل أو الإبل أو الرماح بعوض لما رواه أحمد (٧٤٧٦، ٨٩٨١، ٩٤٨٣، ١٠١٤٢)، وأبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥، ٣٥٨٦، ٣٥٨٧، ٣٥٨٩)، وابن ماجه (٢٨٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ».
وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٧٢ - ٧٣): «وقد أجمع العلماء كما تقدم على جواز المسابقة بغير عوض لكن قصرها مالك والشافعي على
стр. 8000
الخف والحافر والنصل وخصه بعض العلماء بالخيل وأجازه عطاء في كل شيء. واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس، وجوز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين وكذا إذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يخرج من عنده شيئاً ليخرج العقد عن صورة القمار وهو أن يخرج كل منهما سبقاً فمن غلب أخذ السبقين فاتفقوا على منعه، ومنهم من شرط في المحلل أن يكون لا يتحقق السبق في مجلس السبق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ١٦٠ - ١٦٣):
«اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز الرِّهَان فِي الْمُسَابقَة على الْخَيل وَالْإِبِل والسهام فِي الْجُمْلَة وَاخْتلفُوا فِي فصلين:
أَحدهمَا: فِي الْبَاذِل للرَّهْن من هُوَ.
الثَّانِي: فِي حكم عود الرَّهْن إِلَى من يعود.
فَذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَنْ الْبَاذِل للرَّهْن يجوز أَنْ يكون أحد الْمُتَعَاقدين وَيجوز أَنْ يكون كِلَاهُمَا وَأَنْ يكون أَجْنَبِيًّا ثَالِثًا إِمَّا الإِمَام وَإِمَّا غَيره وَلَكِن إِنْ كَانَ الرَّهْن مِنْهُمَا لم يحل إِلَّا بِمُحَلل وَهُوَ ثَالِث يدخلانه بَينهمَا لَا يخرج
стр. 8001
شَيْئًا فَإِنْ سبقهما أَخذ سبقهما وَإِنْ سبقاه مَعًا أحرزا سبقهما وَلم يغرم الْمُحَلِّل شَيْئًا وَإِنْ سبق الْمُحَلِّل مَعَ أَحدهمَا اشْترك هُوَ وَالسَّابِق فِي سبقه.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَمر آخر فِي الْمُحَلِّل وَهُوَ أَنه هَلْ يجوز أَنْ يكون الْمُحَلِّل أَكثر من وَاحِد أَوْ لَا يجوز أَنْ يكون إِلَّا وَاحِدًا؟.
فَظَاهر كَلَامهم أَنْ الْمُحَلِّل يكون كَأحد الحزبين إِمَّا وَاحِدًا وَإِمَّا عددًا.
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْآمِدِيّ من أَصْحَاب أَحْمد: لَا يجوز أَكثر من وَاحِد وَلَو كَانُوا مئة لِأَن الْحَاجة تنْدَفع بِهِ.
قَالُوا: وَالْعقد بِدُونِ الْمُحَلِّل إِذا أخرجَا مَعًا قمار.
وَمذهب مَالك أَنه إِنَّمَا يجوز أَنْ يخرج السَّبق ثَالِث لَيْسَ من المتسابقين إِمَّا الإِمَام أَوْ غَيره وَلَا يجْرِي مَعَهم فَمن سبق مِنْهُمَا أَخذ ذَلِك السَّبق فَإِنْ جرى مَعَهُمَا الَّذِي أخرج السَّبق فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تكون السباق فرسين أَوْ أَكثر فَإِنْ كَانَتَا فرسين فَسبق مخرج السَّبق فالسبق طعم لمن حضر وَلَا يَأْخُذهُ السَّابِق وَإِنْ كَانَتْ خيلًا كَثِيرَة وَقد سبق مخرج السَّبق أعْطى سبقه للَّذي يَلِيهِ وَهُوَ الْمُصَلِّي وَلم يَأْخُذهُ.
وَفقه ذَلِك أَنْ سبقه لَا يعود إِلَيْهِ بِحَال سَوَاء سبق أَوْ سبق.
стр. 8002
وَلَا يجوز عِنْده أَنْ يخرجَا مَعًا لَا بِمُحَلل وَلَا بِغَيْر مُحَلل وَلَا أَنْ يخرج أحد المتسابقين.
وَقد روى عَنْ مَالك رِوَايَة ثَانِيَة جَوَاز إِخْرَاج السَّبق مِنْهُمَا بِمُحَلل كَقَوْل الثَّلَاثَة قَالَ ابْن عبد الْبر: وَهَذَا أَجود قوليه وَهُوَ اخْتِيَار ابْن الْمَوَّاز.
قلت: وَلَكِن أَصْحَابه على خِلَافه وَالْمَشْهُور عِنْدهم مَا حكيناه عَنهُ أَولًا.
وَالْقَوْل بالمحلل مَذْهَب تَلقاهُ النَّاس عَنْ سعيد بن الْمسيب وَأمَّا الصَّحَابَة فَلَا يحفظ عَنْ أحد مِنْهُم قطّ أَنه اشْترط الْمُحَلّل وَلَا رَاهن بِهِ مَعَ كَثْرَة تناضلهم ورهانهم بل الْمَحْفُوظ عَنْهُم خِلَافه كَمَا ذكره عَنْ أبي عُبَيْدَة بن الْجراح.
وَقَالَ الْجوزجَاني الإِمَام فِي كِتَابَة "المترجم": حَدثنَا أَبُو صَالح هُوَ مَحْبُوب بن مُوسَى الْفراء حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق هُوَ الْفَزارِيّ عَنْ ابْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو بن دِينَار قَالَ قَالَ رجل عِنْد جَابر بْن زيد: إِنَّ أَصْحَاب مُحَمَّد كَانُوا لَا يرَوْنَ بالدخيل بَأْسًا فَقَالَ هم كَانُوا أعف من ذَلِك.
والدخيل عِنْدهم هُوَ الْمُحَلِّل فينافيه مَا نقل عَنْهُم أَنهم لم يَكُونُوا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا.
وَفرق بَين أَنْ لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا وَبَين أَنْ يكون شرطًا فِي صِحَة العقد وحله فَهَذَا لَا يعرف عَنْ أحد مِنْهُم أَلْبَتَّة.
стр. 8003
وَقَوله: كَانُوا أعف من ذَلِك أَي كَانُوا أعف من أَنْ يدخلُوا بَينهم فِي الرِّهَان دخيلًا كالمستعار وَلِهَذَا قَالَ جَابر بن زيد رَاوِي هَذِه الْقِصَّة أَنه لَا يحْتَاج المتراهنان إِلَى الْمُحَلِّل. حَكَاهُ الْجوزجَاني وَغَيره عَنهُ» اهـ.
قُلْتُ: وقد نازع في اشتراط المحلل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٨/ ٦٤) وفي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ١٤٥): «وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَسَابَقُونَ بِجُعْلٍ وَلَا يَجْعَلُونَ بَيْنَهُمْ مُحَلِّلًا.
وَاَلَّذِينَ قَالُوا هَذَا مِنْ الْفُقَهَاءِ ظَنُّوا أَنَّهُ يَكُونُ قِمَارًا، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْمُحَلِّلِ يَخْرُجُ عَنْ شِبْهِ الْقِمَارِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوهُ، بَلْ الْمُحَلِّلُ مُؤَدٍّ إلَى الْمُخَاطَرَةِ، وَفِي الْمُحَلِّلِ ظُلْمٌ لِأَنَّهُ إذَا سَبَقَ أَخَذَ وَإِذَا سُبِقَ لَمْ يُعْطَ وَغَيْرُهُ إذَا سَبَقَ أُعْطِيَ، فَدُخُولُ الْمُحَلَّلِ ظُلْمٌ لَا تَأْتِي بِهِ الشَّرِيعَةُ.
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ-جمع: ابن قاسم] (ص: ٥٠ - ٥٨): «ومن هنا يظهر فقه "باب السبق" فإنَّ كثيرًا من العلماء اعتقدوا
стр. 8004
أنَّ السبق إذا كان من الجانبين وليس بينهما محلل كان هذا من الميسر المحرم، وأنَّه قمار؛ لأنَّ كلاً منهما متردد بين أن يغرم أو يغنم، وما كان كذلك فهو قمار. واعتقدوا أنَّ القمار المحرم إنَّما حرم لما فيه من المخاطرة والتغرير، وظنوا أنَّ الله حرم الميسر لذلك، وهذا موجود في المتسابقين إذا أخرج كل منهما السبق، فحرموا ذلك. وروي في ذلك حديث ظنه بعضهم صحيحًا؛ وهو قوله: "من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار" ومعلوم أنَّ هذا الحديث ليس من كلام النبي ﷺ بل هو من كلام سعيد بن المسيب، هكذا رواه الثقات، ورفعه سفيان بن حسين الواسطي وهو ضعيف.
ثم الذين اعتقدوا أنَّ هذه المسابقة بلا محلل قمار تنازعوا بعد ذلك فمنهم من لم يجوز العوض بحال. ومنهم من جوزه من أحدهما بشرط ألَّا يرجع إليه بل يعطيه الجماعة إن غلب. وروي ذلك عن مالك وغيره، وهو أصح.
والقياس: لو كانت المسابقة من الطرفين قمارًا محرمًا فإنَّهم رأوا أنَّ هذه ليست جعالة يقصد الجاعل فيها بدل الجعل في عمل ينتفع به؛ إنَّما قصد أن يغلب صاحبه فحرموها، وقالوا: دخول المحلل فيها يزيدها شرًا، وأنَّ المقامرة حرمت لما فيها
стр. 8005
من أكل المال بالباطل، والمحلل يزيدها شرًا؛ فإنَّ المتسابقين إذا غلب أحدهما صاحبه فأخذ ماله كان هذا في مقابلة أنَّ الآخر إذا غلبه أخذ ماله. فكان مبناها على العدل؛ بخلاف المحلل فإنَّه ظلم محض؛ فإنَّه بعرضة أن يغنم أو يسلم، والآخران قد يغرمان فلا يستوون في المغنم والمغرم والسلامة؛ بخلاف إذا لم يكن بينهما محلل فكلاهما قد يغنم وقد يغرم وقد يسلم فيما إذا تساويا وجاءا معًا. فهذا أقرب إلى العدل؛ فإذا حرم الأقرب إلى العدل فلأن يحرم الأبعد عنه بطريق الأولى.
وأيضًا: فإذا قيل: هذا محرم لما فيه من المخاطرة وأكل المال بالباطل كان بالمحلل أشد تحريمًا؛ لأنَّها أشد مخاطرة وأشد أكلاً للمال بالباطل؛ لأنَّها عند عدمه إنَّما يغنم أو يغرم أحدهما، وهنا المخاطرة باقية كل منهما قد يغنم أو قد يغرم، وانضم إلى ذلك مخاطرة ثالثة وهي أنَّه هناك يغرم إذا غلبه صاحبه، وهنا يغرم إذا غلبه، وإذا غلبه المحلل فكان المحلل زيادة في المخاطرة.
وأيضًا: فإنَّ كلاً يحتمل أن يغلب ويغنم أو يغرم. وأمَّا المحلل فلا يحتمل أن يغلب أو يغرم؛ بل هو يغنم لا محالة أو يسلم.
стр. 8006
فمن تدبر هذه الأمور علم أنَّ الشريعة منزهة عن مثل هذا أن تحرم الشر لمجرد مفسدة قليلة وتبيحها بالمفسدة عينها إذا كثرت، ولكن أصحاب الحيل كثيرًا ما يقعون في هذا فيحرمون على الرجل بعض أنواع الزيادة دفعًا لأكل المال بالباطل لئلا يتضرر، ويفتحون له حيلة يؤكل فيها ماله بالباطل أكثر، ويكون فيها ظلمه وضرره أعظم.
ومن العلماء من أباح السبق بالمحلل، كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن مالك. وهذا مبني على أصلين.
أحدهما: أنَّ هذه جَعَالَةٌ.
والثاني: أنَّ القمار هو المخاطرة الدائرة بين أن يغنم باذل المال أو يغرم أو يسلم، وهذا المعنى ينتفي بالمحلل، فإنَّه حينئذ يدور على أمرين: أن يغنم، أو يغرم، أو يسلم. وقد تقدم التنبيه على بعض ما في كل من الأصلين.
والمقصود الأعظم بيان فساد ظن الظان أنَّه بدون المحلل قمار وبالمحلل يزول القمار.
فيقال: أولاً: إنَّ الدليل الشرعي قد دل على أنَّ القمار هو هذا دون هذا.
стр. 8007
ويقال ثانيًا: المتسابقان كل منهما متردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم؛ فإنَّهما لو جاءا معًا لم يأخذ أحدهما سبق الآخر. فقولهم: إنَّ القمار هو المتردد بين أن يغنم أو يغرم فقط ليس بمستقيم؛ بل عندهم وإن تردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم فهو أيضًا قمار وهذا موجود مع المحلل؛ فإنَّ كلاً منهما يتردد بين أن يغنم إن غلب وبين أن يغرم إن غلب، وبين أن يسلم إن جاءا معًا، أو جاء هو ورفيقه معًا، فالمخاطرة فيها موجودة مع المحلل؛ وبدون المحلل، بل زادت بدخوله فتبين أنَّ المعنى لم يزل بدخول المحلل. بل ازداد مفسدة؛ فإنَّه على بر السلامة ولا عدل فيه؛ بخلاف ما لو كانوا بلا محلل. فكان كل منهما مساويًا للآخر في الاحتمال، وهذا عدل، وهو على الميزان بينهما؛ بل الذي بذلك الجعل ليجعل الرغبة فيما يحبه لا ينظر في مصلحته، بل معرضًا للخسارة، ويجعل الدخيل الذي جاء تابعًا للغرض لا يخسر شيئًا من ماله، والذي يتقرب إلى الله بما يحبه يخسر، والذي لم يقصد لم يعط شيئًا ولا يخسر؛ بل إمَّا سالماً وإمَّا غانمًا، فهل يحسن هذا في شرع رسول الله ﷺ ؟! وإن كان القائلون علماء فضلاء أئمة. فإنَّما وقعت الشبهة من حيث ظنوا أنَّ الميسر المحرم الذي هو القمار حرم لما فيه من المخاطرة، ثم منهم من رأى المخاطرة كلها محرمة من المحلل وعدمه، وهذا أقرب إلى الأصل
стр. 8008
الذي ظنوا لو كان صحيحًا. ومنهم من رأى الحاجة إلى السبق، وقد جاء الشرع بها، فجمع بين ما أمر الله به وبين ما أبطله من القمار، فأباحه مع المحلل فقط. والمقصود هنا بالجعل أن يظهر أنَّه قوي؛ لأنَّ صاحبه يغلبه ويأخذ ماله، بخلاف الجعالة فإنَّ الغرض بها العمل من العامل الذي يأخذ الجعل، فليست هذه جعالة، والجاعل قصده وجود الشرط، والمسابق الذي أظهر المال قصده ألا يوجد الشرط الذي هو سبق صاحبه له؛ بل قصده عدمه. فأين هذا من هذا؟! هذا يكره أن يغلب، وذاك يحب أن يحصل قصده الذي هو رد آبقه أو بناء حائطه، كما يقول الحالف: إن فعلت كذا فمالي صدقة، أو علي الحج. ومقصده أنَّه لا يفعله؛ بخلاف الناذر الذي يقول: إن شفى الله مريضي فعلي أن أصوم شهرًا، وكالمخالع الذي يقول: إن أبرأتيني من صداقك فأنت طالق.
ومن تبين حقيقة هذه المسألة تبين له أنَّ من رأى أنَّه حرام ولو مع المحلل فقوله أصح على ما ظنوه.
وأمَّا إذا تقرر أنَّ تحريم الميسر لما نص الله تعالى على أنَّه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد يشتد تحريمه لما فيه من أكل المال بالباطل. والمسابقة التي أمر الله بها ورسوله لا تشتمل لا على هذا الفساد ولا على
стр. 8009
هذا فليست من الميسر، وليس إخراج السبق فيها مما حرمه الله ورسوله، ولا من القمار الداخل في الميسر؛ فإنَّ لفظ القمار المحرم ليس في القرآن، إنَّما فيه لفظ الميسر، والقمار داخل في هذا الاسم، والأحكام الشرعية يجب أن تتعلق بكلام الله ورسوله ومعناه فلينظر في دلالة ألفاظ القرآن والحديث، وفي المعاني والعلل، والحكم والأسباب التي علق الشارع بها الأحكام، فيكون الاستدلال بما أنزل الله من الكتاب والميزان. والقياس الصحيح الذي يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين هو العدل وهو الميزان.
وذلك أنَّ المسابقة والمناضلة عمل صالح يحبه الله ورسوله، وقد سابق النبي ﷺ بين الخيل، وكان أصحابه يتناضلون، ويقول لهم: "ارموا بني إسماعيل فإنَّ أباكم كان راميًا" وكان قد صار مع أحد الحزبين ثم قال: "ارموا وأنا معكم كلكم" تعديلاً بين الطائفتين.
والرمي والركوب قد يكون واجبًا، وقد يكون فرضًا على الكفاية، وقد يكون مستحبًا، وقد نص أحمد وغيره على أنَّ العمل بالرمح أفضل من صلاة الجنازة في الأمكنة التي يحتاج فيها إلى الجهاد كالثغور، فكيف برمي النشاب؟ وروي "أنَّ الملائكة لم تحضر شيئًا من لهوكم إلَّا الرمي" وروي أنَّ قومًا كانوا يتناضلون
стр. 8010
فحضرت الصلاة، فقالوا: يا رسول الله قد حضرت الصلاة، فقال: "هم في صلاة" وما كان كذلك فليس من الميسر الذي حرمه الله؛ بل هو من الحق، كما قال: "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلَّا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته لامرأته فإنهن من الحق".
وحينئذ فأكل المال بهذه الأعمال أكل بالحق لا بالباطل، كما قال ﷺ في حديث الرقية: "لعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلتم برقية حق" فجعل كون العمل نافعًا لا ينهى عنه، بل إذا أكل به المال فقد أكل بحق، وهنا هذا العمل نافع للمسلمين مأمور به لم ينه عنه، فالمعنى الذي لأجله حرم الله الميسر أكل المال بالقمار، وهو أن يأكل بالباطل، وهذا أكل بالحق.
وأمَّا المخاطرة فليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة؛ بل قد علم أنَّ الله ورسوله لم يحرما كل مخاطرة، ولا كل ما كان مترددًا بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم، وليس في أدلة الشرع ما يوجب تحريم جميع هذه الأنواع لا نصًا ولا قياسًا؛ ولكن يحرم من هذه الأنواع ما يشتمل على أكل المال بالباطل، والموجب للتحريم عند الشارع أنَّه أكل مال بالباطل، كما يحرم أكل المال بالباطل وإن لم يكن مخاطرة؛ لا أنَّ مجرد المخاطرة محرم، مثل المخاطرة على اللعب بالنرد والشطرنج لما فيه من
стр. 8011
أكل المال بالباطل، وهو ما لا نفع فيه له ولا للمسلمين؛ فلو جعل السلطان أو أجنبي مالاً لمن يغلب بذلك جاز وإن لم يكن هناك مخاطرة، وكذلك لو جعل أحدهما جعلاً، وكذلك لو أدخلا محللاً، فعلم أنَّ ذلك لم يحرم لأجل المخاطرة؛ لا سيما وجمهور العلماء يحرمون هذا العمل، وإن خلا عن عوض.
وأمَّا أخذ العوض في المسابقة والمصارعة فهذه الأعمال لم تجعل في الأصل لعبادة الله تعالى وطاعته وطاعة رسوله، فلهذا لم يحض الشارع عليها ولا رغب فيها، وإنَّما يقصد بها في الغالب راحة النفوس، أو الاستعانة على المباحات، فأباحها الشارع لعدم الضرر الراجح، ولم يأمر بها ولا رغب فيها لأنَّها ليست مما يحتاجه المسلمون، ولا يتوقف قيام الدين عليها، كالرمي والركوب، ولو خلي المسلمون عن مصارع ومسابق على الأقدام لم يضرهم لا في دينهم ولا في دنياهم، بخلاف ما لو خلوا عن الرمي والركوب لغلب الكفار على المسلمين؛ ولهذا لم يدخل فيها السبق.
ألا ترى أنَّ للإمام أن يخرج جعلاً لمن يرمي، ولا يحل له أن يخرجه لمن يصارع؟.
وإذا عرف هذا عرف أنَّ مجرد المخاطرة ليس مقتضيًا لتحريم المسألة، وانكشفت، وظهرت، وعرف أنَّ الصواب: أن يعرف مراد رسول الله ﷺ
стр. 8012
من أقواله وحكمه وعلله التي علق بها الأحكام؛ فإنَّ الغلط إنَّما ينشأ عن عدم المعرفة بمراده ﷺ . والمخاطرة مشتركة بين كل من المتسابقين؛ فإنَّ كلاً يرجو أن يغلب الآخر ويخاف أن يغلبه، فكان ذلك عدلاً وإنصافًا بينهما كما تقدم.
وكذلك كل من المتبايعين لسلعة، فإنَّ كلاً يرجو أن يربح فيها ويخاف أن يخسر. فمثل هذه المخاطرة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. والتاجر مخاطر وكذلك الأجير المجعول له جعل على رد آبق، وعلى بناء حائط؛ فإنَّه قد يحتاج إلى بذل مال فيكون مترددًا بين أن يغرم أو يغنم، ومع هذا فهو جائز.
والمخاطرة إذا كانت من الجانبين كانت أقرب إلى العدل والإنصاف، مثل المضاربة، والمساقاة، والمزارعة؛ فإنَّ أحدهما مخاطر قد يحصل له ربح وقد لا يحصل.
وما علمت أحدًا من الصحابة شرط في السباق محللاً ولا حرمه إذا كان كل منهما يخرج، وإنَّما علمت المنع في ذلك عن بعض التابعين، وقد روينا عن أبي عبيدة بن الجراح: أنَّه راهن رجلان في سباق الخيل ولم يكن بينهما محلل.
стр. 8013
وثبت في المسند والترمذي وغيرهما: "أنَّه لما اقتتلت فارس والروم فغلبت فارس الروم وبلغ ذلك أهل مكة وكان ذلك في أول الإسلام ففرح بذلك المشركون؛ لأنَّ المجوس أقرب إليهم من أهل الكتاب، وساء ذلك المسلمين لأنَّ أهل الكتاب أقرب إليهم من المجوس، فأخبر أبو بكر بذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فخرج أبو بكر ﵁ فراهن المشركين على أنَّه إن غلبت الروم في بضع سنين أخذ الرهان، وإن لم تغلب الروم أخذوا الرهان. وهذه المراهنة هي مثل المراهنة في سباق الخيل والرمي بالنشاب، وكانت جائزة لأنَّها مصلحة للإسلام؛ لأنَّ فيها مصلحة بيان صدق الرسول ﷺ فيما أخبر به من أنَّ الروم سيغلبون بعد ذلك، وفيها ظهور أقرب الطائفتين إلى المسلمين على أبعدهما. وهذا فعله الصديق ﵁ وأقره عليه رسول الله ﷺ ولم ينكره عليه، ولا قال: هذا ميسر وقمار. والصديق أجل قدرًا من أن يقامر؛ فإنَّه لم يشرب الخمر في جاهلية ولا إسلام وهي أشهى إلى النفوس من القمار.
стр. 8014
وقد ظن بعضهم أنَّ هذا قمار لكن فعله هذا كان قبل تحريم القمار، وهذا إنَّما يقبل إذا ثبت أنَّ مثل هذا ثابت فيما حرمه الله من الميسر، وليس عليه دليل شرعي أصلاً. بل هي مجرد أقوال لا دليل عليها وأقيسة فاسدة يظهر تناقضها لمن كان خبيرًا بالشرع، وحل ذلك ثابت بسنة رسول الله ﷺ حيث أقر صديقه على ذلك؛ فهذا العمل معدود من فضائل الصديق ﵁ وكمال يقينه حيث أيقن بما قاله رسول الله ﷺ وأحب ظهور أقرب الطائفتين إلى الحق، وراهن على ذلك رغبة في إعلاء كلمة الله ودينه بحسب الإمكان.
وبالجملة إذا ثبتت الإباحة فمدعي النسخ يحتاج إلى دليل.
والكلام على هذه المسألة مبسوط في مواضع، وإنَّما كتبت ذلك في جلسة واحدة.
و"السبق" بالفتح هو العوض. وبالسكون هو الفعل.
وقال ﷺ : "لا سبق إلَّا في نصل أو خف أو حافر" مطلقًا لم يشترط محللاً لا هو ولا أصحابه، بل ثبت عنهم مثل ذلك بلا محلل.
ومما يوضح الأمر في ذلك أنَّ السبق في غير هذه الثلاثة لم يحرم لأنَّه قمار. فلو بذل أحدهما عوضًا في النرد والشطرنج حرم اتفاقًا مع أنَّ العوض ليس من الجانبين.
стр. 8015
ولو كان بينهما محلل في النرد حرم اتفاقًا أيضًا. فالعوض في النرد والشطرنج حرام سواء كان منهما أو من أحدهما أو من غيرهما بمحلل أو غير محلل. فلم يحرم لأجل المخاطرة. فلو كان الميسر المجمع على تحريمه والنرد والشطرنج لأجل المخاطرة لأبيح مع عدمها. فلما ثبت أنَّه محرم على كل تقدير علم بطلان تعليل تحريمه بذلك. وأكثر العلماء يحرمون العوض من الجانبين في المصارعة وإن كان بينهما محلل يرفع المخاطرة عند من يقول بذلك، فعلم أنَّ المؤثر هو أكل المال بالباطل، أو كون العمل يصد عن الصلاة وعن ذكر الله ويوقع العداوة والبغضاء كما دل عليه القرآن، كما أنَّ بذل المال لما فيه من إعلاء كلمة الله ودين الله هو من الجهاد الذي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ به، سواء كان فيه مخاطرة أو لم يكن؛ فإنَّ المجاهدة في سبيل الله فيها مخاطرة قد يغلب وقد يغلب، وكذلك سائر الأمور من الجعالة والمزارعة والمساقاة والتجارة والسفر وغيرهما كما تقدم بيانه. وفي هذا كفاية والله أعلم.
وإذا كان السبق من أحد الحزبين أو من غيرهما لم يحتج إلى محلل. ويمكنهم مع هذا أن يكون الحزب الأول يخرج السبق أول مرة والآخر يخرجه في المرة الثانية والأول في المرة الثانية، ولم يحتج إلى محلل. وعليهم مع هذا أن يكرروا الرمي» اهـ.
стр. 8016
وهذا تحرير نفيس، وقد أطال العلامة ابن القيم ﵀ النفس جداً حول هذه المسألة في كتابه "الفروسية" فارجع إليه.
والحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه أحمد (١٠٥٥٧)، وأبو داود (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ، فَهُوَ قِمَارٌ».
وَهُوَ حَدِيْثٌ مُعَلٌ لَا يَثْبُتُ، وقد أطال القول في بيان علته وكلام حفاظ الحديث فيه العلامة ابن القيم في "الفروسية".
قُلْتُ: والخيل التي يستحب أن يسابق بينها هي الخيل المعدة للجهاد في سبيل الله تعالى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٨١): «والخيل التي يجب أن تضمر ويسابق عليها ويقام هذه السنة فيها هي الخيل المعدة لجهاد العدو لا لقتال المسلمين في الفتن فإذا كانت خيل مرتبطة معدة للجهاد في سبيل الله كان تضميرها والمسابقة بها سنة مسنونة على ما جاء في هذا الحديث» اهـ.
стр. 8017
قُلْتُ: وقد صارت الخيل في هذه الأزمان تستعمل للهو لا للجهاد في سبيل الله تعالى، وذلك لاستغناء الناس بالمركوبات الحديثة عنها كالطائرات والدبابات وغيرها من المركوبات فلا يظهر لي حينئذ جواز المسابقات بالخيل بالعوض لأنَّ مقصود الجهاد بها في هذه الأزمان منتفٍ وإنَّما الغرض مجرد اللهو واللعب. والله أعلم.
٢ - وفي الحديث ثلاثة شروط من شروط المسابقة:
الأول: أن تكون الغاية معلومة، ومثل ذلك البداءة.
الثاني: تساوي الخيل في الأحوال أو تقاربها.
الثالث: أن لا يجعل غاية المضمر كغاية غير المضمر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٨٢): «وفي هذا الحديث أيضاً من الفقه أنَّ المسابقة يجب أن يكون أمدها معلوماً وأن تكون الخيل متساوية الأحوال وأن لا يسبق المضمر مع غير المضمر في أمد واحد وغاية واحدة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٩/ ١٤٦): «وهذا الحديث مع صحته في هذا الباب تضمن ثلاثة شروط، فلا تجوز المسابقة بدونها، وهي: أنَّ المسافة لا بد أن تكون معلومة.
стр. 8018
الثاني: أن تكون الخيل متساوية الأحوال.
الثالث: ألَّا يسابق المضمر مع غير المضمر في أمد واحد وغاية واحدة. والخيل التي يجب أن تضمر ويسابق عليها، وتقام هذه السنة فيها هي الخيل المعدة لجهاد العدو لا لقتال المسلمين في الفتن» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٧٢): «وفيه أنَّ المسابقة بين الخيل يجب أن يكون أمرها معلوماً، وأن تكون الخيل متساوية الأحوال أو متقاربة، وألَّا يسابق المضمر مع غير المضمر، وهذا إجماع من العلماء؛ لأنَّ صبر الفرس المضمر المجوع في الجري أكثر من صبر المعلوف فلذلك جعلت غاية المضمرة ستة أميال أو سبعة، وجعلت غاية المعلوفة ميلاً واحداً» اهـ.
قُلْتُ: ومن جملة الشروط التي ذكرها العلماء:
تعيين المركوبين، وهكذا تعيين الراكبين، وأن يكون العوض معلومًا ومباحًا.
٣ - وفيه أنَّ الغاية لا تكون بما لا تقدر تلك الخيل على قطعها.
٤ - وفيه مشروعية إضمار الخيل، وهو وإن كان فيه شيء من تجويع الخيل وتعذيبه لكنه مما يتغاضى عنه للمصلحة، وفي الباب قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
стр. 8019
٥ - وفيه من الفوائد رياضة النفس والدواب.
٦ - وفي قوله: «أَجْرَى النَّبِيُّ». نسبة الفعل إلى الآمر المطاع.
٧ - مشروعية نسبة المساجد إلى أهل المحلة أو إلى من بناها. وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: «باب هل يقال مسجد بني فلان».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٧/ ٤٤٧):
«المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً فإنَّها قد نسبت إلى غيره تعريفاً، فيقال: مسجد فلان. وفي صحيح الحديث أنَّ النبي ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحيفاء وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية، كأنَّها في قبلتهم، وقد تكون بتحبيسهم، فإنَّ الأرض لله ملكاً، ثم يخص بها من يشاء، فيردها إليه، ويعينها لعبادته، فينفذ ذلك بحكمه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢): «وجه الاستدلال من هذا الحديث على ما بوبه: أنَّ فيه إضافة المسجد إلى بني زريق، وهذا وإن كان من قول عبد الله بن عمر ليس مرفوعاً، إلَّا أنَّ تعريف المسجد بذلك يدل على اشتهاره بهذه الإضافة في زمن المسابقة، ولم يشتهر في زمن النبي
стр. 8020
ﷺ بين المسلمين شيء إلَّا وهو غير ممتنع؛ لأنَّه لو كان محضوراً لما أقر عليه، خصوصاً الأسماء؛ فقد كان النبي ﷺ يغير أسماء كثيرة يكرهها من أسماء الأماكن والآدميين، ولم يغير هذا الاسم للمسجد، فدل على جوازه.
ولقائل أن يقول: يجوز أنَّ اشتهار المسجد بهذا الاسم لم يكن في عهد النبي ﷺ بالكلية، فلا يبقى في الحديث دلالة، وهذا كما قال أنس في حديث الاستسقاء: دخل رجل المسجد من نحو دار القضاء، والنبي ﷺ يخطب، وقد قالوا: إنَّما عرفت تلك الدار بهذا الاسم بعد النبي ﷺ بزمن.
وأحسن من هذا: الاستدلال بقول النبي ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في سواه" - وقد خرجه البخاري في مواضع أخر -؛ فإنَّ هذا تصريح من النبي ﷺ بإضافة المسجد إلى نفسه، وهو إضافة للمسجد إلى غير الله في التسمية، فدل على جواز إضافة المساجد إلى من بناها وعمرها. والله أعلم» اهـ.
следующие страницы →