← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وروى أحمد (١٤٨٣٢)، النسائي (٥٠٣) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "صَلِّ مَعِي". فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. - قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ - ثُمَّ قَالَ: فِي الْعِشَاءِ: أُرَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ». قال الإمام البخاري ﵀: «أصح حديث في المواقيت حديث جابر». قال العلامة ابن قتيبة ﵀ في [أدب الكاتب] (١/ ٢٣ - ٢٤): «ومن ذلك "الظل والفيء" يذهب الناس إلى أنَّهما شيء واحد وليس كذلك لأنَّ الظل يكون غدوة وعشية ومن أول النهار إلى آخره، ومعنى الظل الستر ومنه قول الناس: "أنا في ظلك" أي: في ذراك وسترك ومنه "ظل الجنة وظل شجرها" إنَّما هو سترها ونواحيها وظل الليل: سواده لأنَّه يستر كل شيء قال ذو الرمة: "قد أعسف النازح المجهول معسفه … في ظل أخضر يدعو هامة البوم" أي: في ستر ليل أسود فكأنَّ معنى ظل الشمس ما سترته الشخوص من مسقطها. والفيء لا يكون إلَّا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال فيء وإنَّما سمى بالعشي فيئاً لأنَّه ظل فاء عن جانب إلى جانب أي: رجع عن جانب المغرب إلى

стр. 842

جانب المشرق والفيء هو الرجوع ومنه قول الله عز و جل: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: ترجع إلى أمر الله» اهـ. وهل يحتج بذلك على عدم اعتبار ظل الزوال في ذلك نظر، وبيان ذلك أنَّ ظل الزوال داخل في مسمى الفيء لكونه رجع من جانب إلى جانب. لكن روى النسائي (٥٢٤) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ فَقُلْنَا لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَاكَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَظِلِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْغَدِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ طُولَ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَيْهِ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سَيْرَ الْعَنَقِ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِ اللَّيْلِ - شَكَّ زَيْدٌ - ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ». فقوله: «ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَظِلِّ الرَّجُلِ». يدل دلالة ظاهرة على أنَّ حساب المثل لا يدخل فيه فيء الزوال لكن الحديث لا يثبت فإنَّ فيه الْحُسَيْنُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلَّامٍ مجهول. والحجة الصحيحة في ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (٣/ ١٥٢): «وإنَّما يعتبر مساواة الظل لشخصه بعد فيئه حين

стр. 843

الزوال لأنَّ الظل حين الزوال قد يكون مثل الشاخص أو أطول لا سيما في البلاد الشمالية في زمن الشتاء فلو اعتبر أن يكون الظل مثل الشاخص مطلقاً لتداخل الوقتان أو استحال ذلك وإنَّما أطلق في الأحاديث لأنَّه قصد أن يبين أنَّ وقت الظهر بزيادة الظل عن مثل شخصه، ولأنَّ الظل وقت الزوال يكون مستقيماً فإذا انحرف بقدر الشاخص فهو آخر وقت الظهر، ولأنَّه في الصيف في أرض الحجاز يكون الظل وقت الزوال شيئاً يسيراً لا عبرة به فبمجرد كون الظل مثل الشاخص يكفي في التقريب ولهذا قال في الحديث: "لما كان الفيء مثل الشراك"» اهـ. قلت: وقد أجمع العلماء على إخراج فيء الزوال عند حساب مثل الشاخص. قال العلامة ابن حزم ﵀ في [مراتب الإجماع] (ص: ٢٦): «وَاتَّفَقُوا أَنْ مَا بَين زَوَال الشَّمْس إلى كَون ظلّ كل شَيْء مثله بعد طرح ظلّ الزَّوَال وَقت الظّهْر» اهـ. ٢ - وفي الحديث بيان وقت الاختيار للصلاة العصر وهو ما دامت الشمس بيضاء نقية. فائدة: قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٨٩٢ - ٨٩٣): «روى وهب بن الأجدع عن علي أنَّ النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد العصر إلَّا أن تكون الشمس بيضاء نقية". قيل: يحتمل أنَّه يعنى وقت العصر لأنَّه روي أنَّه نهى عن الصلاة بعد العصر أي فعل الصلاة» اهـ. قلت: هذا الحديث رواه أحمد (٥٧٦)، والنسائي (٥٦٩) من طريق منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ

стр. 844

ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً مُرْتَفِعَةً». ورواه أبو داود (١٠٨٢) من طريق منصور بلفظ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». قلت: هذا إسناد ضعيف وهب بن الأجدع لم يوثقه معتبر. لكنه متابع تابعه عاصم بن ضمرة عند الإمام أحمد (١٠٢٣) قال حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». قَالَ سُفْيَانُ: فَمَا أَدْرِي بِمَكَّةَ يَعْنِي أَوْ بِغَيْرِهَا اهـ. لكن قال الحافظ البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ٤٥٩): «وهذا وإن كان أبو داود السجستاني أخرجه في كتاب "السنن" فليس بمخرج في كتاب البخاري ومسلم. ووهب بن الأجدع ليس من شرطهما، وهذا حديث واحد وما مضى في النهي عنها ممتد إلى غروب الشمس حديث عدد فهو أولى أن يكون محفوظاً، وقد روى عن علي ﵁ ما يخالف هذا، وروى ما يوافقه، أمَّا الذي يخالفه في الظاهر ففيما أنبأ أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس هو الأصم ثنا أسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص عن سفيان قال اخبرني أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلى ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة إلَّا الفجر والعصر"، وأمَّا الذي يوافقه ففيما أخبرنا أبو الحسن المقري أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا حفص بن عمر ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن

стр. 845

عاصم بن ضمرة قال: كنا مع علي ﵁ في سفر فصلى بنا العصر ركعتين ثم دخل فسطاطه وأنا انظر فصلى ركعتين، وقد حكى الشافعي ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة عن علي ﵁ ثم قال: "هذا أحاديث يخالف بعضها بعضاً" قال الشيخ فالواجب علينا اتباع ما لم يقع فيه الخلاف» اهـ. قلت: الذي يظهر لي عدم صحة هذا الحديث وأنَّ الاضطراب فيه من جهة عاصم والله أعلم. والحديث محمول - على تقدير صحته - على صلاة الفريضة بعد دخول وقت العصر فيجب المبادرة بها قبل احمرار الشمس جمعاً بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر. وهي واردة في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس ﵃. وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة في [المصنف] (٧٣٥٩)، والروياني في [مسنده] (٧١٤) من طريق ابن مهدي عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن بلال قال: «لَمْ يُنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ». وفي [مسند أحمد] (٢٣٨٨٧)، و [مسند الحارث] (٢١٤)، وعند ابن المنذر في [الأوسط] (١٠٦٧) من طريق شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق عن بلال قال: «لَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ، فِي سَاعَةٍ إِلَّا بَعْدَ الصُّبْحِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ». قلت: حديث سفيان الثوري أصح.

стр. 846

وهذا محمول على أنَّه لم يبلغه النهي عن الصلاة في هذين الوقتين. والله أعلم. قلت: وينتهي وقت الاختيار بالنسبة للعصر باصفرار الشمس وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وقد جاء في ذلك عدة أحاديث منها: ما رواه مسلم (٦١٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمْ الْفَجْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمْ الظُّهْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ». قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٧٥): «وليس عن النبي ﷺ حديث من قوله في المواقيت الخمس أصح منه» اهـ. وقال ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٥٢): «وهذا أتم أحاديث المواقيت بياناً لأنَّه من قول رسول الله ﷺ وليس بحكاية فعل» اهـ. وقد جاء في بعض الأحاديث تقدير ذلك بالمثلين، -وهو مذهب الإمام مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو أول وقت العصر عند أبي حنيفة-. فروى أحمد (٢٩٢٠)، وأبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٣٨) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّنِى جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ

стр. 847

قَدْرَ الشِّرَاكِ وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِيَ - يَعْنِى الْمَغْرِبَ - حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَىَّ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ». قلت: هذا حديث ضعيف لضعف عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة وحكيم بن حكيم. ويشهد له حديث أبي هريرة قال الإمام النسائي ﵀ (٤٩٨) أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «"هَذَا جِبْرِيلُ ﵇ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ رَأَى الظِّلَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ شَفَقُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْغَدَ فَصَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ قَلِيلاً، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: "الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ صَلَاتِكَ أَمْسِ وَصَلَاتِكَ الْيَوْمَ"». قلت: هذا حديث حسن من أجل محمد بن عمرو الليثي. وفي حديث جابر السابق: «وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ».

стр. 848

قلت: الأخذ بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في آخر العصر أولى من الأخذ بحدث جبريل لعدة وجوه بينها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٦٣ - ١٦٥) فقال: «وهذه الأحاديث أولى من حديث جبريل ﵇ لوجوه: أحدها: أنَّ فيه زيادة منطوقة فتقدم على ما ليس فيه تلك الزيادة وإنَّما تنفيها بطريق المفهوم. الثاني: أنَّها متأخرة لأنَّها كانت بالمدينة فإنَّ السائل الذي سأله إنَّما كان بالمدينة وبلال يؤذن له بل رواتها أبو موسى، وعبد الله بن عمرو، وأبو هريرة، وبريدة بن الحصيب، وكل هؤلاء لم يصحبوه إلَّا بالمدينة وأبو موسى، وأبو هريرة إنَّما صحباه بعد خيبر، وحديث جبريل كان قبل الهجرة بأكثر من سنة وإنَّما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ لأنَّه يكون هو الناسخ للأول إن كان بينهما تعارض. الثالث: أنَّ حديث عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة قول مبين وهو أتم تحديداً وأصرح دلالة من حكاية الفعل. الرابع: أنَّها أكثر وأصح من حديث جبريل. الخامس: أنَّ فيها زيادات في وقت العصر والمغرب والفجر وفي بعضها العشاء وقد وجب العمل بها في تلك المواضع لما صاحبها من الدلائل فكذلك ها هنا. السادس: أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وكذلك قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ لكن إذا تغير لون الشمس فقد أخذت الشمس في التحول والغروب فيبقى ما قبل ذلك على عموم الآية.

стр. 849

السابع: أنَّ من الناس من يقول لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فإن لم يكن فعلها في ذلك الوقت هو الأفضل خروجاً من الخلاف فلا أقل من أن يكون جائزاً من غير كراهة. الثامن: أنَّ التحديد بالشمس نفسها أولى من مقدار الظل بدليل سائر الصلوات وإنَّما ترك في أول صلاة العصر إذ ليس في الشمس علامة ظاهرة بخلاف آخره» اهـ. وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٧٢): «ولعلهما متقاربان يوجد أحدهما قريباً من الآخر» اهـ. قلت: يعني الاصفرار، والمثلين. وما بعد الاصفرار إلى غروب الشمس فهو وقت ضرورة تصح فيه الصلاة لغير المعذور مع الإثم، وتصح للمعذور من غير إثم. والدليل على صحة الصلاة في ذلك الوقت ما رواه البخاري (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ». والدليل على حرمة الصلاة في هذا الوقت ما رواه مسلم (٦٢٢) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا».

стр. 850

٣ - وفي الحديث بيان وقت المغرب وأنَّه بمغيب الشمس. ولا عبرة ببقاء الحمرة الشديدة في السماء بعد سقوط قرص الشمس وغيبوبته عن الأبصار. وأمَّا إن بقي شيء من شعاعها على الجدران أو الجبال فلابد من ذهابه فإنَّه يدل على أنَّ قرصها لم يغب بعد. والله أعلم. ولا يستحب تأخيرها إلى اشتباك النجوم، وأمَّا ما رواه مسلم (٨٣٠) عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ». وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ. فقد اختلف العلماء في معناه. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٧٧): «فقد اختلف العلماء في تأويله: فمنهم من حمله على كراهة التنفل قبل المغرب حتى تصلى، وهو قول من كره ذلك من العلماء، وقال: قوله: "لا صلاة بعدها" إنَّما هو نهي عن التنفل بعد العصر فيستمر النهي حتى تصلى المغرب، فإذا فرغ منها حينئذ جاز التنفل، وحينئذ تطلع النجوم غالباً. ومنهم من قال: إنَّما أراد أنَّ النهي يزول بغروب الشمس، وإنَّما علقه بطلوع الشاهد لأنَّه مظنة له، والحكم يتعلق بالغروب نفسه. ومنهم من زعم أنَّ الشاهد نجم خفي يراه من كان حديد البصر بمجرد غروب الشمس، فرؤيته علامة لغروبها. وزعم بعضهم: أنَّ المراد بالشاهد الليل، وفيه بعد» اهـ.

стр. 851

قلت: وقد ورد الأمر بالمبادرة بالمغرب قبل طلوع النجم. فيما رواه الإمام أحمد (٢٣٥٦٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «بَادِرُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ طُلُوعِ النَّجْمِ». قلت: فيه ابن لهيعة لكنه متابع. ورواه أحمد (٢٢٤٧٧)، والطيالسي (٦٠٠) من طريق ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلُّوا الْمَغْرِبَ لِفِطْرِ الصَّائِمِ، وَبَادِرُوا طُلُوعَ النُّجُومِ». قلت: فيه رجل مبهم. ورواه أحمد (١٧٣٦٧)، وأبو داود (٤١٨) من طريق ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيُّ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيِّ - وَيَزَنُ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ - قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِصْرَ غَازِيًا - وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَبْسٍ الْجُهَنِيُّ أَمَّرَهُ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ - قَالَ: فَحَبَسَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ بِالْمَغْرِبِ، فَلَمَّا صَلَّى قَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُقْبَةُ، أَهَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ، أَمَا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أَوْعَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» قَالَ: فَقَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: شُغِلْتُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا بِي إِلاَّ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّكَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ هَذَا.

стр. 852

قال ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٧٧) تحت رقم (٥٠٦) «وسئل أبو زرعة عن حديث؛ رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن أبي أيوب الأنصاري أنه أنكر على عقبة بن عامر تأخيره صلاة المغرب، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم". ورواه حيوة، وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: "بادروا بصلاة المغرب طلوع النجوم" وقال أبو زرعة: حديث حيوة أصح» اهـ. وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٦/ ١٢٤): «يرويه يزيد بن أبي حبيب، اختلف عنه، فرواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي أيوب، قال ذلك إبراهيم بن سعد، وابن علية، عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعمر بن حبيب، عن محمد بن إسحاق، وكلهم أسنده إلَّا إبراهيم بن سعد، فإنَّه أوقفه على أبي أيوب، ورواه إبراهيم بن سعد أيضاً، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران مولى نجيب، عن أبي أيوب موقوفاً. وكذلك قال عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، موقوفاً. ورواه حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم، عن أبي أيوب، فنحا به نحو الرفع، وقال: كنا نصليها حين تجب الشمس، نبادر بها طلوع النجوم. وخالفهم ابن لهيعة، فرواه عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم، عن أبي أيوب مرفوعاً.

стр. 853

وروى هذا الحديث ابن أبي ذئب، عن يزيد بن أبي حبيب، واختلف عنه؛ فقال شبابة: عن ابن أبي ذئب، عن يزيد، عمن أخبره، عن أبي أيوب: كان رسول الله ﷺ يصلي المغرب لفطر الصائم مبادرة طلوع النجوم. وخالفه أبو عامر العقدي، فرواه عن ابن أبي ذئب، عن يزيد، عن رجل سمع أبا أيوب، يقول: قال رسول الله ﷺ : صلوا المغرب لفطر الصائم مبادرة طلوع النجوم. وتابعه محمد بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، قاله أبو الربيع الحارثي عبيد الله بن محمد. وكذلك قال معاوية بن هشام، عن ابن أبي ذئب، إلا أنه قال: عن أبي حبيبة، أنه قال: بلغه عن أبي أيوب». قلت: الذي يظهر لي صحة رفع الحديث والله أعلم. وروى الإمام أحمد (١٥٧١٧) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، (قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ هَارُونَ)، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الأَسْوَدِ الْقُرَشِيُّ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ خُصَيْفَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا صَلَّوْا الْمَغْرِبَ، قَبْلَ طُلُوعِ النُّجُومِ». قلت: عبد الله بن أسود القرشي لم يوثقه معتبر. وروى ابن ماجه (٦٨٩)، وابن خزيمة (٣٤٠)، والطبراني في [الأوسط] (١٧٧٠)، و [الصغير] (٥٦)، والبيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ٤٤٨) من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ

стр. 854

اللهِ ﷺ : «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ، حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ». قلت: قال الحافظ المزي ﵀ في [تهذيب الكمال] (٢١/ ٢٧٠): «قال أحمد وهو يروي عن قتادة أحاديث مناكير يخالف قال وقد روى عباد بن العوام ق عنه حديثاً منكراً يعني حديث الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب عن النبي ﷺ : "لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم"» اهـ. وروى الطبراني في [الكبير] (٣٢٦٤)، وأبو نعيم في [معرفة الصحابة] (١٨٥٦) من طريق مُحَمَّدِ بنِ النَّضْرِ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَضَّاحُ بن يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِنْدَلُ بن عَلِيٍّ، عَنِ الصَّلْتِ بن بَهْرَامَ، عَنِ الْحَارِثِ بن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَنْ تَزَالَ أُمَّتِي عَلَى الإِسْلامِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى يَشْتَبِكَ النُّجُومُ مُضَاهَاةَ الْيَهُودِ، وَمَا لَمْ يُعَجِّلُوا الْفَجْرَ مُضَاهَاةَ النَّصَارَى، وَمَا لَمْ يَكِلُوا الْجَنَائِزَ إِلَى أَهْلِهَا». قلت: الوضاح بن يحيى، ومندل ضعيفان، والحارث مجهول وروايته عن النبي ﷺ مرسلة. وروى تمام في [الفوائد] (١٠٩٨)، ومن طريقه ابن عساكر في [تاريخ دمشق] (٢٢/ ١٥٦) أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ فُطَيْسٍ الْوَرَّاقُ، وَأَبُو زُرْعَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُجَانَةَ النَّصْرِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو اللَّيْثِ السَّلْمُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ التَّمِيمِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ،

стр. 855

عَنْ قُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَنْ تَزَالَ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا صَلاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» قَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: «لا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ» اهـ. قلت: الوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، وقرة هو ابن عبد الرحمن بن حيويل المعافري ضعيف الحديث. قلت: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً. قلت: وآخر وقت المغرب غروب الشفق الأحمر. وهذه مسألة اختلف فيها العلماء فذهب الإمام مالك والشافعي في إحدى الروايتين عنهما وهي الرواية المشهورة إلى أنَّه ليس للمغرب إلَّا وقت واحد، وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد، والإمام مالك والشافعي في الرواية الأخرى لهما إلى أنَّ آخر وقت المغرب مغيب الشفق، وهو الأحمر عند الإمام أحمد، ومالك، والشافعي، وعند أبي حنيفة الأبيض. واحتج القائلون بأنَّه ليس للمغرب إلَّا وقت واحد بأنَّ جبريل صلى بالنبي ﷺ المغرب في اليومين في وقت واحد، وصلى به سائر الصلوات في وقتين. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٧٩): «ومن قال: يمتد وقتها، قال: قد صح حديث بريدة، وكان ذلك من فعل النبي ﷺ بالمدينة، فهو متأخر عن أحاديث صلاة جبريل. وفي حديث عبد الله بن عمرو: أنَّ النبي ﷺ بين ذلك بقوله، وهو أبلغ من بيانه بفعله.

стр. 856

ويعضده: عموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة: "إنَّما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى"، خرج من عموم ذلك الصبح بالنصوص والإجماع، بقي ما عداها داخلاً في العموم. ولأنَّ النبي ﷺ أمر من حضره العشاء بتقديمه على الصلاة، ولولا اتساع وقت المغرب لكان تقديم العشاء تفويتاً للمغرب عن وقتها للأكل، وهو غير جائز. ولأن الجمع بين المغرب والعشاء جائز في وقت المغرب للعذر بالاتفاق من القائلين: بأنَّ وقتها واحد، ولا يمكن الجمع بينهما في وقت المغرب إلَّا مع امتداد وقتها واتساعه لوقوع الصلاتين. ولعل البخاري إنَّما صدر الباب بقول عطاء: "يجمع المريض بين المغرب والعشاء" لهذا المعنى الذي أشرنا إليه. والله أعلم» اهـ. قلت: حديث بُرَيْدَةَ هو ما رواه مسلم (١٣٩٠) عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ". يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ

стр. 857

السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ". فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ"». وأمَّا حديث ابن عمرو فقد سبق ذكره، وسيأتي قريباً. والدليل على أنَّ الشفق الحمرة دون البياض ما رواه مسلم (١٣٨٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْعَصْرُ وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ». قلت: وثور الشفق هو ثورانه، وانتشاره وهذا لا يكون إلَّا في الأحمر. وعند أبي داود (٣٣٥): «فَوْرُ الشَّفَقِ». قال العلامة ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (٣/ ٩٤٠): «هو بقية حمرة الشمس في الأفق الغربي سمي فوراً لسطوعه وحمرته». وروى ابن خزيمة (٣٥٤) من طريق مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ وَهُوَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَقْتُ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ - وهو ابن خزيمة -: فَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي هَذَا الْخَبَرِ لَكَانَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ أَنَّ الشَّفَقَ الْحُمْرَةُ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَفَرَّدَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ إِنْ

стр. 858

كَانَتْ حُفِظَتْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: ثَوْرُ الشَّفَقِ مَكَانَ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: حُمْرَةُ الشَّفَقِ اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٨٨): «وقد أعلت هذه اللفظة بتفرد محمد بن يزيد الواسطي بها عن سائر أصحاب شعبة» اهـ. وروى الدارقطني (١٠٤٤)، والبيهقي في [الكبرى] (١/ ٣٧٣) من طريق عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ». قلت: الحديث رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٣٦٢)، والدارقطني (١٠٤٥)، والبيهقي في [الكبرى] (١/ ٣٧٣)، و [المعرفة] (٦٠٩) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر موقوفاً عليه، وهذا هو المحفوظ في الحديث. ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢١٢٢) عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر موقوفاً. قلت: عبد الله بن نافع شديد الضعف. قال الحافظ البيهقي ﵀ بعد روايته للحديث: «والصحيح موقوف» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [بلوغ المرام] ص (٥٤): «وصحح ابن خزيمة وغيره وقفه» اهـ.

стр. 859

وقال الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ في [التنقيح] (١/ ١٧٠): «ورواه الدارقطني أيضاً موقوفاً من قول ابن عمر وهو أشبه» اهـ. قلت: ومن جملة الأدلة الدالة على أنَّ الشفق هو الحمرة ما قاله الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٧١): «واللغة تقضي أنَّ الشفق اسم للبياض والحمرة جميعاً والحجة لمن قال: إنَّه الحمرة حديث النعمان بن بشير: " كان رسول الله ﷺ يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة" وهذا لا محالة قبل ذهاب البياض» اهـ. قلت: الحديث رواه أحمد (١٧٦٨٩)، وأبو داود (٣٥٥)، والترمذي (١٥١)، والنسائي (٥٢٥، ٥٢٦) من طريق حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ». قلت: وهو حديث حسن من أجل حبيب بن سالم. ٤ - وفي الحديث استحباب مراعاة المأمومين بصلاة العشاء، فإن اجتمعوا عجل وإن أبطئوا أخر. وهذه مسألة اختلف فيها العلماء فالمشهور عن مالك أنَّه يستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها، إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلاً عنده أفضل. وروي عنه: أنَّ أول الوقت أفضل في كل الصلوات إلَّا الظهر في شدة الحر. والقول الثاني لأهل العلم: أنَّ تأخيرها أفضل، وحكاه الترمذي في "جامعه" عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.

стр. 860

قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٩٥): «وممن رأى تأخير العشاء: أبو حنفية وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه - وقيل: إنَّه نص على ذلك في أكثر كتبه الجديدة-، وأحمد وإسحاق. وعلى هذا؛ فقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: يكون تأخيرها إلى آخر وقتها المختار أفضل. والمنصوص عن أحمد: أنَّ تأخيرها في الحضر حتى يغيب البياض؛ لأنَّه يكون بذلك مصلياً بعد مغيب الشفق المتفق عليه. وهذا يدل على أنَّ تأخيرها بعد مغيب البياض لا يستحب مطلقاً، أو يكون مراعى بقدر ما لا يشق على الجيران -: كما نقله عنه الأثرم. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قدر كم تأخير العشاء الآخرة؟ قال: ما قدر ما يؤخر بعد أن لا يشق على الجيران. فقد نص في رواية غير واحد على أنَّه يستحب للحاضر تأخير العشاء حتى يغيب البياض من غير اعتبار للمشقة، ونص على أنَّه يستحب التأخير مهما قدر بحيث لا يشق على الجيران، فيحمل هذا على ما بعد مغيب الشفق الأبيض». إلى أن قال ﵀ (٤/ ٩٦): «فقد تبين بهذا أنَّ هذا القول الثالث، وهو مراعاة حال المأمومين في التأخير الكثير دون اليسير، هو الأرجح في هذا المسألة» اهـ. قلت: إذا كان الشفق الأحمر يستتر بالبنيان وغيره فيحتاط لذلك بمغيب الشفق الأبيض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٩٣):

стр. 861

«أَمَّا وَقْتُ الْعِشَاءِ فَهُوَ مَغِيبُ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ لَكِنْ فِي الْبِنَاءِ يُحْتَاطُ حَتَّى يَغِيبَ الْأَبْيَضُ فَإِنَّهُ قَدْ تَسْتَتِرُ الْحُمْرَةُ بِالْجُدْرَانِ فَإِذَا غَابَ الْبَيَاضُ تَيَقَّنَ مَغِيبَ الْأَحْمَرِ» اهـ. قلت: وهل يعرف أول وقت العشاء، وآخر وقت المغرب بمعرفة وقت الفجر أو لا؟. وذلك بأن ينظر كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، ثم يجعل ذلك المقدار هو بين غروب الشمس ومغيب الشفق. قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٢/ ٢٢٣): «وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مُسَاوٍ لِوَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَبَدًا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى أَوَّلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، كَاَلَّذِي مِنْ آخِرِ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ - الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ أَبَدًا - فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ؛ يَتَّسِعُ فِي الصَّيْفِ، وَيَضِيقُ فِي الشِّتَاءِ؛ لِكِبَرِ الْقَوْسِ وَصِغَرِهِ» اهـ. قلت: وهذا خطأ انتقده عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال في [الرد على المنطقيين] (ص: ٢٦٦ - ٢٦٧): «وأمَّا تقدير حصة الفجر بأمر محدود من حركة الفلك مساو لحصة العشاء كما فعله طائفة من الموقتين فغلطوا في ذلك كما غلط من قدر قوس الرؤية تقديراً مطلقاً، وذلك لأنَّ الفجر نور الشمس وهو شعاعها المنعكس الذي يكون من الهواء والأرض وهذا يختلف باختلاف مطارحة التي ينعكس عليها فإذا كان الجو صافياً من الغيوم لم يظهر فيه النور كما يظهر إذا كان فيه بخار فإنَّ البخار لغلظه

стр. 862

وكثافته ينعكس عليه الشعاع ما لا ينعكس على الهواء الرقيق ألا ترى أنَّ الشمس إذا طلعت إنَّما يظهر شعاعها على الأرض والجبال ونحو ذلك من الأجسام الكثيفة وإن كانت صقيلة كالمرآة والماء كان أظهر، وأمَّا الهواء فإنَّه وإن استنار بها فإنَّ الشعاع لا يقف فيه بل يخرقه إلى أن يصل إلى جسم كثيف فينعكس. ففي الشتاء تكون الأبخرة في الليل كثيرة لكثرة ما يتصعد من الأرض بسبب رطوبتها ولا يحلل البخار فيها فينعكس الشعاع عليه فيظهر الفجر حينئذ قبل ما يظهر لو لم يكن بخار، وأمَّا الصيف فإنَّ الشمس بالنهار تحلل البخار فإذا غربت الشمس لم يكن للشعاع التابع لها بخار يرده فتطول في الصيف حصة العشاء بهذا السبب وتطول في الشتاء حصة الفجر بهذا السبب وفي الصيف تقصر حصة الفجر لتأخر ظهور الشعاع إذ لا بخار يرده لأنَّ الرطوبات في الصيف قليلة وتقصر حصة العشاء في نهار الشتاء لكثرة الأبخرة في الشتاء فحاصلة أن كلا من الحصتين تتبع ما قبلها في الطول والقصر بسبب البخار لا بسبب فلكي. والذين ظنوا أنَّ ذلك يكون عن حركة الفلك قدروه بذلك فغلطوا في تقديرهم وصاروا يقولون حصة الفجر في الشتاء أقصر منها في الصيف وحصة العشاء في الصيف أقصر منها في الشتاء فإنَّ هذه جزء من الليل وهذه جزء من النهار فتتبعه في قدره ولم يعرفوا الفرق بين طلوع الشمس وغروبها وبين طلوع شعاعها فإنَّ الشمس تتحرك في الفلك فحركتها تابعة للفلك والشعاع هو بحسب ما يحمله وينعكس عليه من الهواء الأبخرة وهذا أمر له سبب أرضي ليس مثل حركة الفلك.

стр. 863

ولهذا كان ما قالوه بالقياس الفاسد أمراً يخالفه الحس ويعرف كذب ما قالوه باتفاق طوائف بني آدم فالذي يعرف بالحس والعقل الصريح لا يخالفه شرع ولا عقل ولا حس فإنَّ الأدلة الصادقة لا تتعارض مدلولاتها ولكن ما يقال بقياس فاسد وظن فاسد يقع فيه الاختلاف» اهـ. وقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٩٣ - ٩٤): «وَأَيْضًا فَوَقْتُ الْعِشَاءِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ يَتْبَعُ النَّهَارَ فَيَكُونُ فِي الصَّيْفِ أَطْوَلَ كَمَا أَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ يَتْبَعُ اللَّيْلَ فَيَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلَ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ حِصَّةَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الصَّيْفِ: فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا حِسِّيًّا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَسَبَبُ غَلَطِهِ أَنَّ الْأَنْوَارَ تَتْبَعُ الْأَبْخِرَةَ فَفِي الشِّتَاءِ يَكْثُرُ الْبُخَارُ بِاللَّيْلِ فَيَظْهَرُ النُّورُ فِيهِ أَوَّلًا وَفِي الصَّيْفِ تَقِلُّ الْأَبْخِرَةُ بِاللَّيْلِ وَفِي الصَّيْفِ يَتَكَدَّرُ الْجَوُّ بِالنَّهَارِ بِالْأَبْخِرَةِ وَيَصْفُو فِي الشِّتَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ مَزَّقَتْ الْبُخَارَ وَالْمَطَرَ لَبَّدَ الْغُبَارَ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ النورين تَابِعَانِ لِلشَّمْسِ هَذَا يَتَقَدَّمُهَا وَهَذَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَا تَابِعَيْنِ لِلشَّمْسِ فَإِذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ طَالَ زَمَنُ مَغِيبِهَا فَيَطُولُ زَمَانُ الضَّوْءِ التَّابِعِ لَهَا. وَأَمَّا جَعْلُ هَذِهِ الْحِصَّةِ بِقَدْرِ هَذِهِ الْحِصَّةِ وَأَنَّ الْفَجْرَ فِي الصَّيْفِ أَطْوَلُ وَالْعِشَاءَ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلُ وَجُعِلَ الْفَجْرُ تَابِعًا لِلنَّهَارِ: يَطُولُ فِي الصَّيْفِ وَيَقْصُرُ فِي الشِّتَاءِ وَجُعِلَ الشَّفَقُ تَابِعًا لِلَّيْلِ يَقْصُرُ فِي الصَّيْفِ وَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ فَهَذَا قَلْبُ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. وَلَا يَتَأَخَّرُ ظُهُورُ السَّوَادِ عَنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.

стр. 864

٥ - الحديث يدل أنَّ مراعاة الجماعة مقدم على فضيلة تأخير الصلاة إلى نصف الليل. مسألة اختلف العلماء في آخر وقت العشاء على عدة أقوال ذكرها الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٩٦ - ٩٧) فقال ﵀: «المسألة الثانية: في آخر وقت العشاء الآخرة، وفيه أقوال: أحدها: ربع الليل، حكاه ابن المنذر عن النخعي، ونقله ابن منصور، عن إسحاق. والقول الثاني: إلى ثلث الليل، روي ذلك عن عمر، وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز، وهو المشهور عن مالك، وأحد قولي الشافعي، بل هو أشهرهما، ورواية عن أحمد، وقول أبي ثور وغيره. والقول الثالث: إلى نصف الليل، وروي عن عمر بن الخطاب - أيضاً-، وهو قول الثوري والحسن بن حي وابن المبارك وأبي حنيفة، والشافعي في قوله الآخر، وأحمد في الرواية الأخرى، وإسحاق، وحكي عن أبي ثور - أيضاً. وتبويب البخاري هاهنا يدل عليه. وحمل ابن سريج من أصحاب الشافعي قوليه في هذا المسألة على أنَّه أراد أن أول ابتدائها ثلث الليل، وآخر انتهائها نصفه، وبذلك جمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، ولم يوافق على ما قاله في هذا. والقول الرابع: ينتهي وقت العشاء إلى طلوع الفجر. رواه ليث، عن طاووس، عن ابن عباس، وعن أبي هريرة، قال: إفراط صلاة العشاء طلوع الفجر.

стр. 865

وهو قول داود. ورواه ابن وهب، عن مالك، إلاَّ أنَّ أصحابه حملوه على حال أهل الأعذار؛ فإنَّ قول من قال: آخر وقتها ثلث الليل أو نصفه، إنَّما أراد وقت الاختيار. وقالوا: يبقى وقت الضرورة ممتداً إلى طلوع الفجر، فلو استيقظ نائم، أو أفاق مغمى عليه، أو طهرت حائض، أو بلغ صبي، أو أسلم كافر بعد نصف الليل لزمهم صلاة العشاء، وفي لزوم صلاة المغرب لهم قولان مشهوران للعلماء. وقد روي عن عبد الرحمن بن عوف: أنَّ المرأة إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وعن ابن عباس - أيضاً - وحكي مثله عن الفقهاء السبعة، وهو قول أحمد. وقال الحسن وقتادة وحماد والثوري وأبو حنيفة ومالك: يلزمهم العشاء دون المغرب. وللشافعي قولان، أصحهما: لزوم الصلاتين. واختلفوا في تأخير العشاء اختياراً إلى بعد نصف الليل: فكرهه الأكثرون، منهم: مالك وأبو حنيفة. ولأصحابنا وجهان في كراهته وتحريمه. وقال عامة أصحاب الشافعي: هو وقت جواز. واستدل من لم يحرمه بما في "صحيح مسلم" من حديث ابن جريج: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنَّها أخبرته، عن عائشة، قالت:

стр. 866

أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، ونام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: "إنَّه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي". وهذا إن كان محفوظاً دل على استحباب التأخير إلى النصف الثاني، ولا قائل بذلك، ولا يعرف له شاهد. وإنَّما يتعلق بهذا من يقول: يمتد وقت العشاء المختار إلى طلوع الفجر، كما روي عن ابن عباس، وهو قول داود وغيره، إلَّا أنَّهم لا يقولون باستحباب التأخير إلى النصف الثاني، هذا مما لا يعرف به قائل، والأحاديث كلها تدل على خلاف ذلك، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبي ﷺ عند مغيب الشفق في اليوم الأول، وفي الثاني إلى ثلث الليل، وقوله: "الوقت ما بين هذين". ومثل حديث بريدة الذي فيه أن سائلاً سأل النبي ﷺ عن وقت العشاء، فأمره أن يشهد معه الصلاة، فصلى بهم في أول مرة العشاء لما غاب الشفق، وفي الثانية إلى ثلث الليل، وقال: "ما بين هذين وقت". وقد خرجه مسلم. وخرج نحوه من حديث أبي موسى. وخرج - أيضاً - من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "وقت العشاء إلى نصف الليل". وهذا كله يدل على أنَّ ما بعد ذلك ليس بوقت، والمراد: أنَّه ليس بوقت اختيار، بل وقت ضرورة.

стр. 867

وذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أنَّ الوقت بالكلية يخرج بنصف الليل أو ثلثه ويبقى قضاء. وقد قال الشافعي: إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلَّا فائتة. وحمله عامة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصة. والله أعلم» اهـ. قلت: وقال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٢/ ١٩٨): «ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ إلَى انْقِضَاءِ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَابْتِدَاءِ النِّصْفِ الثَّانِي -: فَمَنْ كَبَّرَ لَهَا فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ اللَّيْلِ فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَلَا ضَرُورَةٍ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ» اهـ. قلت: وممن ذهب إلى خروج وقت العشاء بنصف الليل الأمير الصنعاني في [سبل السلام] (١/ ١٥٩)، والشوكاني في "الدراري"، و"السيل"، وأمَّا في "النيل" فإنَّه يرى امتداد وقت الاضطرار إلى طلوع الفجر. وقال العلامة الألباني ﵀ في [تمام المنة] (ص: ١٤٢): «فهذا الحديث دليل واضح على أن وقت العشاء إنَّما يمتد إلى نصف الليل فقط وهو الحق ولذلك اختاره الشوكاني في "الدرر البهية" فقال: " … وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل"١ وتبعه صديق حسن خان في "شرحه" ١/ ٦٩ - ٧٠ وقد روي القول به عن مالك كما في "بداية المجتهد" وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الإصطخري وغيره. انظر المجموع ٣/ ٤٠» اهـ.

стр. 868

ومن هؤلاء العلامة ابن عثيمين ﵀ فقد قال في [الشَّرْحُ الممتع] (٢/ ١١٤ - ١١٥): «وهذا الذي دلّت عليه السُّنَّة، هو الذي دلَّ عليه ظاهر القرآن؛ لأن الله قال في القرآن: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: من دُلُوك الشَّمس، لكن أتى باللام للدَّلالة على أن دخول الوقت عِلَّة في الوجوب، أي: سبب، ولهذا قال الفقهاء: الوقت سبب لوجوب الصَّلاة، وشرط لصحَّتها. والدليل على أن اللام بمعنى "من": الغاية "إلى"، والغاية يكون لها ابتداء كأنَّه قال: ﴿مِنْ دُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْل﴾، لكن أتى باللام إشارة إلى أنَّ دخول الوقت عِلَّة الوجوب، ويكون غَسَقُ الليل عند منتصفه؛ لأن أشدَّ ما يكون الليلُ ظُلمة في النصف، حينما تكون الشَّمس منتصفة في الأُفق من الجانب الآخر من الأرض. إذاً: من نصف النَّهار الذي هو زوالها إلى نصف الليل جعله الله وقتاً واحداً؛ لأنَّ أوقات الفرائض فيه متواصلة، الظُّهر، يليه العصر، يليه المَغْرب، يليه العِشَاء، إذاً ما بعد الغاية خارج، ولهذا فَصَلَ فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ فَفَصَل وجعل الفجر مستقلاً، فدلَّ هذا على أن الصَّلوات الخمس أربعٌ منها متتالية، وواحدة منفصلة. فالصَّواب إذاً: أنَّ وقت العِشَاء إلى نصف الليل. ولكن ما المراد بنصف الليل؟ هل الليل من غروب الشَّمس إلى طُلوعها؟ أو من غروب الشَّمس إلى طُلوع الفجر؟

стр. 869

أما في اللغة العربية: فكلاهما يُسمَّى ليلاً، قال في "القاموس": "الليل: من مغرب الشَّمس إلى طُلوع الفجر الصَّادق أو الشمس". أمَّا في الشَّرع: فالظَّاهر أن الليل ينتهي بطلوع الفجر، وعلى هذا نقول: الليل الذي يُنَصَّفُ من أجل معرفة صلاة العشاء: من مغيب الشَّمس إلى طُلوع الفجر، فنِصْفُ ما بينهما هو آخر الوقت، وما بعد منتصف الليل ليس وقتاً للصَّلاة المفروضة، إنما هو وقت نافلة وتهجُّد» اهـ. قلت: الصحيح أنَّ وقت الاختيار يمتد إلى نصف الليل لحديث عبد الله بن عمرو السابق وفيه: «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ». وروى البخاري (٥٧٢)، ومسلم (١٤٤٦، ١٤٤٧) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ: «قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا». وروى البخاري (٥٤١) عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ ثمَّ يَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ». وَقَالَ مُعَاذٌ قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: «أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ».

стр. 870

ورواه مسلم (٦٤٧) بلفظ: «كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا قَالَ يَعْنِي الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ». وروى أبو داود (٣٥٨)، والنسائي (٥٣٥)، وابن ماجه (٦٨٥) من طريق دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَقَالَ: "خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ" فأخذنا مقاعدنا فقال: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِى صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ"». قلت: هذا حديث صحيح. وروى أحمد (٧٤٠٦)، والترمذي (١٥٢)، وابن ماجه (٦٨٣) من طريق عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ الْوُضُوءِ، وَلأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ شَطْرِ اللَّيْلِ». قلت: هذا حديث صحيح، عبيد الله هو ابن عمر العمري، وابن أبي سعيد هو سعيد بن أبي سعيد المقبري. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ١٧٨ - ١٧٩): «ويحمل قول من روى على ثلث الليل أنَّه أراد ثلث الليل الممتد إلى طلوع الشمس فإن ما بعد طلوع الفجر قد يجعل ليلاً ولهذا يسمى وقت الزوال نصف النهار في كثير من الأحاديث التي تقدمت وإنَّما يكون نصف النهار إذا كان أوله

стр. 871

من حين طلوع الشمس كما يقوله بعض أهل اللغة والحساب والفقه وإذا كان الغالب على لسان الشرع انتهاء الليل إلى طلوع الفجر وابتداء النهار من حينئذ وثلث الليل بهذا الاعتبار أكثر من ثلثه بالاعتبار الأول فإذا انضم إلى هذا احتياط الراوي وإخباره بالمستيقن جاز أن يسمى ما يقارب النصف ثلثًا» اهـ. قلت: وأمَّا وقت الاضطرار فيمتد إلى طلوع الفجر. والدليل على ذلك ما رواه مسلم (٦٨١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى». قلت: الحديث يدل على امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى، وتستثنى من ذلك: صلاة الفجر بالإجماع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٧٩ - ١٨٠): «وأمَّا وقت الإدراك والضرورة فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني لما روى يحيى بن آدم عن ابن عباس قال: لا يفوت وقت الظهر حتى يدخل وقت العصر ولا يفوت وقت العصر حتى يدخل وقت المغرب ولا يفوت وقت المغرب إلى العشاء ولا يفوت وقت العشاء إلى الفجر. وروى الخلال أيضاً عن ابن عباس: لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وسنذكر إن شاء الله عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس أنَّهم قالوا في الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء. ولم ينقل عن

стр. 872

صحابي خلافه بل وافقهم التابعون على أنَّ العشاء تجب بالطهر قبل الفجر مع قوله في حديث أبي قتادة لما ناموا: "أما أنَّه ليس في النوم تفريط إنَّما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى" رواه أحمد ومسلم و أبو داود فإنَّه يقتضي امتداد كل صلاة إلى وقت التي تليها وإنَّما استثنى منه الفجر لظهور وقتها» اهـ. قلت: وروى مسلم (٦٣٨) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي». لكن قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٤٠): «وقوله في رواية عائشة: "ذهب عامة الليل" أي كثير منه وليس المراد أكثره ولا بد من هذا التأويل لقوله ﷺ : "إنَّه لوقتها" ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل لأنَّه لم يقل أحد من العلماء أنَّ تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ كما سبق في [فتح الباري] (٤/ ٩٧): «واستدل من لم يحرمه بما في "صحيح مسلم" من حديث ابن جريج: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنَّها أخبرته، عن عائشة، قالت: أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، ونام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: "إنَّه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي". وهذا إن كان محفوظاً دل على استحباب التأخير إلى النصف الثاني، ولا قائل بذلك، ولا يعرف له شاهد» اهـ.

стр. 873

قلت: وأيضاً هذا القول هو المأثور عن الصحابة. فروى الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٩٥٩) وَحَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: ثنا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: مَا إِفْرَاطُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ؟ قَالَ: «طُلُوعُ الْفَجْرِ». قلت: هذا أثر صحيح، وهو كالتفسير لحديث أبي قتادة ﵁. وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٢٢٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، وَالْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَالْمَغْرِبِ إِلَى الْعِشَاءِ، وَالْعِشَاءِ إِلَى الصُّبْحِ». قلت: الليث هو ابن أبي سليم في حديثه ضعف، وقوله: ابن طاووس صوابه ابن كيسان وهو طاووس. والنظر أيضاً يدل عليه، وبيان ذلك أنَّ الشرع علق دخول الوقت وخروجه بعلامات ظاهرة للعيان كطلوع الخيط الأبيض، وطلوع الشمس، والزوال، ومصير ظل الشيء مثله، وغروب الشمس، وسقوط الشفق، وأمَّا نصف الليل فليس له علامة ظاهرة للعيان يدركها عامة الناس. وأمَّا الاحتجاج بقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] بأنَّ العشاء ينتهي بنصف الليل باعتبار أنَّ الغسق هو أشد الظلمة، وذلك يكون في نصف الليل، وهكذا الفصل بين الأربع الصلوات وصلاة الفجر يدل على عدم اتصال صلاة العشاء بصلاة الفجر في كل ذلك نظر.

стр. 874

وذلك أنَّ الغسق اجتماع الليل وظلمته فيدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء، ولا يختص الغسق بنصف الليل، وقد فسر أكثر العلماء قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣] بالليل إذا أقبل بظلمته، وكون صلاة الفجر أفردت بالذكر لا يستلزم أن ذلك من أجل انفرادها بالذكر من أجل انفرادها بالوقت عن سائر الصلوات بل قد يكون السبب في ذلك انفرادها عن سائر الصلوات بإطالة القراءة، أو لانفرادها عن سائر الصلوات بعدم الجمع أو غير ذلك من الأسباب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٤/ ٢٥): «وَالدُّلُوكُ هُوَ الزَّوَالُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. يُقَالُ: دَلَكَتْ الشَّمْسُ وَزَالَتْ وَزَاغَتْ وَمَالَتْ. فَذَكَرَ الدُّلُوكَ وَالْغَسَقَ وَبَعْدَ الدُّلُوكِ يُصَلَّى الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَفِي الْغَسَقِ تُصَلَّى الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ذَكَرَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَهُوَ الدُّلُوكُ وَآخِرَ الْوَقْتِ وَهُوَ الْغَسَقُ وَالْغَسَقُ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ» اهـ. وقال ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٣٥): «وَالدُّلُوكُ هُوَ الزَّوَالُ وَغَسَقُ اللَّيْلِ هُوَ اجْتِمَاعُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَهَذَا يَكُونُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ. فَأَمَرَ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ مِنْ الدُّلُوكِ إلَى الْغَسَقِ فَرَضَ فِي ذَلِكَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَمِنْ الدُّلُوكِ إلَى الْمَغْرِبِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَمِنْ الْمَغْرِبِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقْتُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ لِأَنَّ الْفَجْرَ خُصَّتْ بِطُولِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا وَلِهَذَا جُعِلَتْ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَلَا تُقْصَرُ وَلَا تُجْمَعُ إلَى غَيْرِهَا فَإِنَّهُ عَوَّضَ بِطُولِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا عَنْ كَثْرَةِ الْعَدَدِ» اهـ.

стр. 875

قلت: وقول النبي ﷺ : «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ». أي وقت اختيار إلى نصف الليل كقوله: «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ». مع أنَّ وقت الاضطرار يمتد إلى مغيب الشمس. والله أعلم. ٦ - الحديث يدل على استحباب التغليس بصلاة الفجر، وقد مضى الكلام في هذه المسألة هند شرحنا لحديث جابر. وأول وقت الفجر يكون بظهور الخيط الأبيض، وهو البياض المستطير عرضاً في الأفق، وهذا هو المسمى بالفجر الصادق لأنَّه يصدقك عن الفجر، وقبله هو الفجر الكاذب، وهو يسبق الفجر الصادق بنحو عشرين دقيقة إلى نصف ساعة. والفرق بين الفجر الصادق والكاذب من وجوه: الأول: أنَّ الصادق بياض مستطير عرضاً في الأفق، والكاذب بياض مستطيل طولاً في السماء. والثاني: أنَّ الفجر الصادق ليس بينه وبين الأفق ظلمة، والكاذب بينه وبين الأفق ظلمة. والثالث: أنَّ الفجر الصادق كلما تأخر الوقت ازداد ضياء، وأمَّا الكاذب فإنَّه يزول وتعقبه ظلمة. وقد روى البخاري (٧٢٤٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ، أَوْ قَالَ يُنَادِي - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُنَبِّهَ

стр. 876

نَائِمَكُمْ وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا - وَجَمَعَ يَحْيَى كَفَّيْهِ - حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَمَدَّ يَحْيَى إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ». ورواه مسلم (١٠٩٣) عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ أَوْ قَالَ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ وَقَالَ لَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَفَرَّجَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ». وقال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَعْنِي الْأَحْمَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الْأَرْضِ وَلَكِنْ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَيْهِ». وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ح وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَالْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَانْتَهَى حَدِيثُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: «يُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ وَيَرْجِعُ قَائِمَكُمْ». و قَالَ إِسْحَقُ قَالَ جَرِيرٌ فِي حَدِيثِهِ: «وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَلَكِنْ يَقُولُ هَكَذَا». يَعْنِي الْفَجْرَ هُوَ الْمُعْتَرِضُ وَلَيْسَ بِالْمُسْتَطِيلِ اهـ. وروى مسلم (١٠٩٤) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا». وَحَكَاهُ حَمَّادٌ بِيَدَيْهِ قَالَ يَعْنِي مُعْتَرِضًا اهـ.

стр. 877

قلت: وليس لصلاة الفجر وقت اضطرار على الصحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ١٨٣ - ١٨٥): «ويمتد وقتها في حال الاختيار والاضطرار إلى طلوع الشمس فإذا بدا حاجب الشمس خرج وقتها هذا ظاهر المذهب وهو المنصوص عنه. وقال بعض أصحابنا: إذا أسفر ذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الشمس كالعصر والعشاء لأنَّ جبريل ﵇ لما صلى بالنبي ﷺ صلى به في اليوم الثاني حين أسفرت الأرض وقال: الوقت فيما بين هذين الوقتين. والأول أصح لأنَّ في حديث عبد الله بن عمرو: "وقت الفجر ما لم تطلع الشمس". وفي لفظ: "ما لم يطلع قرن الشمس الأول" هذا لفظ مسلم وقد تقدم وكذلك في حديث أبي هريرة أنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس ولا يجوز حمل هذا على وقت الإدراك والضرورة لأنَّه إنَّما ذكر فيه وقت الاختيار إذ الإطلاق يقتضي ذلك وكذلك قال في العصر: "ما لا تصفر الشمس". وفي العشاء: "إلى نصف الليل". فلم يدخل وقت الضرورة في هذا الحديث، ولأنَّ في حديث السائل أنَّه انصرف من الفجر في اليوم الثاني والقائل يقول طلعت الشمس أو كادت وقد تقدم من رواية أبي موسى ولم يتبين إلَّا أوقات الاختيار ولأنَّ الشمس تغرب بين قرني شيطان فإذا اصفرت أخذت في الغروب فلذلك أمر أن لا تؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت عمداً وفي الفجر لا يقارنها الشيطان حتى يطلع حاجبها فإذا لم تطلع

стр. 878

فالوقت مبقى على حاله فلا وجه للكراهية فيه، وحديث جبريل قد جاء فيه أنَّه أسفر جداً وظاهره أنَّه سلم قبيل طلوع الشمس فتحمل الرواية الأخرى على ذلك وأنَّه كان قد سلم قبل بساعة فهو حديث متقدم قد تبين فيه الأفضل كما مضى» اهـ. * * *

стр. 879

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٨ - عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ قَالَ: «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ. وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا. وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ». الحديث رواه البخاري (٥٤٧) عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ: «كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ». وفي لفظ للبخاري (٧٧١) عن سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ،

стр. 880

وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ». ورواه مسلم (٦٤٧) عن سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ قُلْتُ آنْتَ سَمِعْتَهُ قَالَ فَقَالَ كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا قَالَ يَعْنِي الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا - قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ-: وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ. قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ قَالَ وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ». وفي لفظ له عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا». قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: «أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ». وفي لفظ له عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ».
следующие страницы →