← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

نَائِمَكُمْ وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا - وَجَمَعَ يَحْيَى كَفَّيْهِ - حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَمَدَّ يَحْيَى إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ». ورواه مسلم (١٠٩٣) عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ أَوْ قَالَ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ وَقَالَ لَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَفَرَّجَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ». وقال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَعْنِي الْأَحْمَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الْأَرْضِ وَلَكِنْ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَيْهِ». وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ح وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَالْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَانْتَهَى حَدِيثُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: «يُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ وَيَرْجِعُ قَائِمَكُمْ». و قَالَ إِسْحَقُ قَالَ جَرِيرٌ فِي حَدِيثِهِ: «وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَلَكِنْ يَقُولُ هَكَذَا». يَعْنِي الْفَجْرَ هُوَ الْمُعْتَرِضُ وَلَيْسَ بِالْمُسْتَطِيلِ اهـ. وروى مسلم (١٠٩٤) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا». وَحَكَاهُ حَمَّادٌ بِيَدَيْهِ قَالَ يَعْنِي مُعْتَرِضًا اهـ.

стр. 877

قلت: وليس لصلاة الفجر وقت اضطرار على الصحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ١٨٣ - ١٨٥): «ويمتد وقتها في حال الاختيار والاضطرار إلى طلوع الشمس فإذا بدا حاجب الشمس خرج وقتها هذا ظاهر المذهب وهو المنصوص عنه. وقال بعض أصحابنا: إذا أسفر ذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الشمس كالعصر والعشاء لأنَّ جبريل ﵇ لما صلى بالنبي ﷺ صلى به في اليوم الثاني حين أسفرت الأرض وقال: الوقت فيما بين هذين الوقتين. والأول أصح لأنَّ في حديث عبد الله بن عمرو: "وقت الفجر ما لم تطلع الشمس". وفي لفظ: "ما لم يطلع قرن الشمس الأول" هذا لفظ مسلم وقد تقدم وكذلك في حديث أبي هريرة أنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس ولا يجوز حمل هذا على وقت الإدراك والضرورة لأنَّه إنَّما ذكر فيه وقت الاختيار إذ الإطلاق يقتضي ذلك وكذلك قال في العصر: "ما لا تصفر الشمس". وفي العشاء: "إلى نصف الليل". فلم يدخل وقت الضرورة في هذا الحديث، ولأنَّ في حديث السائل أنَّه انصرف من الفجر في اليوم الثاني والقائل يقول طلعت الشمس أو كادت وقد تقدم من رواية أبي موسى ولم يتبين إلَّا أوقات الاختيار ولأنَّ الشمس تغرب بين قرني شيطان فإذا اصفرت أخذت في الغروب فلذلك أمر أن لا تؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت عمداً وفي الفجر لا يقارنها الشيطان حتى يطلع حاجبها فإذا لم تطلع

стр. 878

فالوقت مبقى على حاله فلا وجه للكراهية فيه، وحديث جبريل قد جاء فيه أنَّه أسفر جداً وظاهره أنَّه سلم قبيل طلوع الشمس فتحمل الرواية الأخرى على ذلك وأنَّه كان قد سلم قبل بساعة فهو حديث متقدم قد تبين فيه الأفضل كما مضى» اهـ. * * *

стр. 879

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٨ - عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ قَالَ: «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ. وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا. وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ». الحديث رواه البخاري (٥٤٧) عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ: «كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ». وفي لفظ للبخاري (٧٧١) عن سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ،

стр. 880

وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ». ورواه مسلم (٦٤٧) عن سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ قُلْتُ آنْتَ سَمِعْتَهُ قَالَ فَقَالَ كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا قَالَ يَعْنِي الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا - قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ-: وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ. قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ قَالَ وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ». وفي لفظ له عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا». قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: «أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ». وفي لفظ له عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ».

стр. 881

وقوله: «حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ»، يعنى حين تزول الشمس، وأصل الدحض: الزلق، يقال: دحض يدحض دحضًا: إذا زلق. ويقال دحضت رجله إذا زلقت والمراد بذلك زوال الشمس عن وسط السماء إلى جهة المغرب لأنَّها إذا انحطت للزوال كأنَّها دحضت. قلت: وأمَّا الطحس بالسين المهملة قبلها طاء فقال ابن دريد واسمه محمد بن الحسن بن دريد ﵀ في [الجمهرة] (١/ ٥٣١): «والطَّحْس والطَّحْز يكنى به عن الجِماع طَحَسَ وطَحَزَ طَحْساً وطحْزاً» اهـ. قلت: وقد تعقبه الأزهري ﵀ فقال في [تهذيب اللغة] (٤/ ١٦٤): «طحس: قَالَ ابْن دُرَيْد: الطَّحْس يُكْنى بِهِ عَنْ الْجِمَاع. يُقَال: طَحَسَها وطَحَزَها، قلت: وَهَذَا من مَناكِير ابْن دُرَيْد» اهـ. قلت: ومن قال ذلك من علماء اللغة إنَّما أخذها من ابن دريد، والله أعلم. وقوله: «وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ» اختلف في معناها فقال بعض العلماء: حياتها بأن تجد حرها. وقيل: حياتها: بقاء لونها. وقيل: بقاء حرها ولونها. قوله: «يَنْفَتِلُ» من الانفتال: وهو الانصراف يقال فتله فانفتل أي صرفه فانصرف. وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّ الغالب من أمر النبي ﷺ أنَّه كان يصلي الظهر في أول وقتها، وهذا في غير شدة الحر فقد كان يبرد بالصلاة. ٢ - وفيه دليل على جواز تأخير العصر، ما لم يدخل وقت الكراهة.

стр. 882

٣ - فيه رد على أبي حنيفة في ذهابه إلى أنَّ أول وقت العصر مصير الظل مثلي الشاخص فإنَّ من صلى في هذا الوقت لا يمكنه أن يذهب إلى أقصى المدينة ثم يرجع والشمس حية. ومما يدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٥٥٠)، ومسلم (٦٢١) أنس بن مالك قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ نَحْوِهِ. وقوله: وبعض العوالي إلى آخره من كلام الزهري مدرج في الحديث. وروى البخاري (٢٤٨٥)، ومسلم (٦٢٥) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ». ورواه مسلم (٦٢٤) عن أنس بن مالك أنَّه قال: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا قَالَ: "نَعَمْ" فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ فَنُحِرَتْ ثُمَّ قُطِّعَتْ ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ». قلت: ما بعد المثلين لا يكفي لنحر الجزور، وتقطيعه، وطبخه وأكله. وأدلة المواقيت ترد هذا القول فمن ذلك ما رواه أحمد (١٤٨٣٢)، النسائي (٥٠٣) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "صَلِّ مَعِي". فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ

стр. 883

كَانَ فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. - قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ - ثُمَّ قَالَ: فِي الْعِشَاءِ: أُرَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ». قال الإمام البخاري ﵀: «أصح حديث في المواقيت حديث جابر». واحتُج لأبي حنيفة فيما ذهب إليه بما رواه البخاري (٥٥٧)، ومسلم (٧١٥) عن عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً قَالَ: قَالَ اللَّهُ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا قَالَ فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٠): «تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَأَبِي زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مِنْ مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لَكَانَ مُسَاوِيًا لِوَقْتِ الظُّهْرِ وَقَدْ قَالُوا: كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ دُونَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُسَاوَاةِ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْفَنِّ وَهُوَ أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ

стр. 884

الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَطْوَلُ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ رُبْعُ النَّهَار فَمَحْمُول على التَّقْرِيب إِذا فرعنا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ الظِّلِّ مِثْلَهُ كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فَالَّذِي مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ أَطْوَلُ قَطْعًا وَعَلَى التَّنَزُّلِ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ التَّسْوِيَةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَبِأَنَّ الْخَبَرَ إِذا أورد فِي مَعْنًى مَقْصُودٍ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَقْصُودًا فِي أَمْرٍ آخَرَ وَبِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَكْثَرُ عَمَلًا لِصِدْقِ أَنَّ كُلَّهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَكْثَرُ عَمَلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ الْيَهُودِ خَاصَّةً فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَتَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُرَادَةٍ بَلْ هُوَ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا وَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَكْثَرَ عَمَلًا أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ زَمَانًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَمَلِ فِي زَمَنِهِمْ كَانَ أَشَقَّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّتَهُ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى طُولِ الزَّمَانِ وَقِصَرِهِ كَوْنُ أَهْلِ الْأَخْبَارِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا ﷺ دُونَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ نَبِيِّنَا ﷺ وَقِيَامِ السَّاعَةِ لِأَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَخْبَارِ قَالُوا إِنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سلمَان وَقِيلَ إِنَّهَا دُونَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَهَذِهِ مُدَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُشَاهَدَةِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْ تَمَسَّكْنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّمْثِيلُ بِطُولِ الزَّمَانَيْنِ وَقِصَرِهِمَا

стр. 885

لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَطْوَلَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَا قَائِلَ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَثْرَةُ الْعَمَلِ وَقِلَّتُهُ وَاللَّهُ أعلم». واحتج له أيضاً بأدلة الإبراد، وذلك أنَّ الإبراد لا يحصل في المناطق الحارة إلَّا بمصير ظل الشيء مثليه. والجواب: أنَّ الإبراد يراد به تخفيف الحر لا زواله. ٤ - فيه استحباب تأخير العشاء بحيث لا يتجاوز نصف الليل. ٥ - فيه كراهة النوم قبل صلاة العشاء، ويستثنى من الكراهة المغلوب على نومه، ومن جعل له من يوقظه. ويدل على جواز النوم للمغلوب ما رواه البخاري (٥٦٦)، ومسلم (٦٣٨) عن عائشة قالت: «أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ"». وروى البخاري (٥٧٠)، ومسلم (٦٣٩) عن عبد الله بن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ"». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا اهـ.

стр. 886

وروى البخاري (٥٧١)، ومسلم (٦٤٢) عن ابن عباس قال: «أَعْتَمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ الْعِشَاءَ قَالَ حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ وَاسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ الصَّلَاةَ فَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الْآنَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا كَذَلِكَ"» وقد بوَّب الإمام البخاري على هذه الأحاديث في "صحيحه" فقال: «باب النوم قبل العشاء لمن غلب». وروى مسلم (٦٣٨) عن عائشة قالت: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ: "إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي"». وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٩٠): «وروى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه كان ينام قبل العشاء ويوكل من أهله من يوقظه» اهـ. قلت: وقد روى ذلك ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٧٢) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَنَامُ عَنْهَا؟، يَعْنِي الْعِشَاءَ، قَالَ: «قَدْ كَانَ يَنَامُ وَيُوَكِّلُ مَنْ يُوقِظُهُ». قلت: هذا أثر صحيح. فائدة: للنوم المكروه صور: الصورة الأولى والثانية: النوم أول النهار وآخره.

стр. 887

فروى البخاري في [الأدب المفرد] (١٢٤٢)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٦٦٧٧)، والطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (٣/ ١٠٢)، والحاكم في [المستدرك] (٧٧٩٧)، والبيهقي في [الشعب] (٤٤٠٧) من طريق مِسْعَر، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ، وَأَوْسَطُهُ خُلْقٌ، وَآخِرُهُ حُمْقٌ». قلت: هذا أثر صحيح. وخوات له صحبة، والخرق هو الجهل. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [مدارج السالكين] (١/ ٤٥٧): «وَمِنَ الْمَكْرُوهِ عِنْدَهُمُ النَّوْمُ بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ وَقْتُ غَنِيمَةٍ، وَلِلسَّيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتَ عِنْدَ السَّالِكِينَ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، حَتَّى لَوْ سَارُوا طُولَ لَيْلِهِمْ لَمْ يَسْمَحُوا بِالْقُعُودِ عَنِ السَّيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ النَّهَارِ وَمِفْتَاحُهُ، وَوَقْتُ نُزُولِ الْأَرْزَاقِ، وَحُصُولِ الْقَسْمِ، وَحُلُولِ الْبَرَكَةِ، وَمِنْهُ يَنْشَأُ النَّهَارُ، وَيَنْسَحِبُ حُكْمُ جَمِيعِهِ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْحِصَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَوْمُهَا كَنَوْمِ الْمُضْطَرِّ» اهـ. الصورة الثالثة: النوم جميع الليل بحيث يفوته قيام الليل. ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ وهو ابن مسعود، ﵁، قَالَ: «ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ، أَوْ قَالَ - فِي أُذُنِهِ"». قلت: وأمَّا النوم المحرم فهو النوم عن الصلاة المكتوبة.

стр. 888

فروى البخاري (١١٤٣) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: «أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ، عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ». قلت: والنوم المحمود له صور: الصورة الأولى: النوم وسط النهار، وقد مضى في أثر خوَّات أنَّه خلق. الصورة الثانية، والثالثة: النوم نصف الليل، وسدسه الأخير. فقد روى البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩) عن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا». قال العلامة ابن القيم ﵀ في [مدارج السالكين] (١/ ٤٥٧): «وَبِالْجُمْلَةِ فَأَعْدَلُ النَّوْمِ وَأَنْفَعُهُ نَوْمُ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَسُدُسِهِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ مِقْدَارُ ثَمَانِ سَاعَاتٍ، وَهَذَا أَعْدَلُ النَّوْمِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ أَثَّرَ عِنْدَهُمْ فِي الطَّبِيعَةِ انْحِرَافًا بِحَسَبِهِ» اهـ. الصورة الرابعة: النوم عند غلبة النعاس. فروى البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ». ٦ - ويدل الحديث على كراهة الحديث بعد العشاء. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٧٢ - ١٧٣):

стр. 889

«وقد رويت كراهة السمر بعد العشاء عن عمر وحذيفة وعائشة وغيرهم. ثم منهم من علل بخشية الامتناع من قيام الليل، روي ذلك عن عمر. ومنهم من علل بأنَّ الصلاة ينبغي أن تكون خاتمة الأعمال، فيستحب النوم عقيبها، حتى ينام على ذكر، ولا ينام على لغو. وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنَّه كان يسمر ما لم يوتر، فجعل الختم بالوتر يقوم مقام الختم بالصلاة المكتوبة. وكانت عائشة تقول لمن يسمر: أريحوا كتابكم. تعني: الملائكة الكاتبين. ومتى كان السمر بلغو ورفث وهجاء فإنَّه مكروه بغير شك» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٤٨): «وسبب كراهة الحديث بعدها أنَّه يؤدي إلى السهر ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو في وقتها المختار أو الأفضل، ولأنَّ السهر في الليل سبب للكسل في النهار عمَّا يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا. قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها أمَّا ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير والأمر بالمعروف

стр. 890

والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك فكل هذا لا كراهة فيه وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه وقد تقدم كثير منها في هذه الأبواب والباقي مشهور» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ١٤٨): «الوجه الثاني والخمسون أنَّه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلَّا المصل أو مسافر وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وما ذاك إلَّا لأنَّ النوم قبلها ذريعة إلى تفويتها والسمر بعدها ذريعة إلى تفويت قيام الليل فإن عارضه مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره» اهـ. قلت: وبوَّب الإمام البخاري في [صحيحه] (١/ ٤٠): «باب السمر في العلم. ١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". ١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قَالَ: "نَامَ الْغُلَيِّمُ"، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ

стр. 891

ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» اهـ. وقال ﵀: «باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء. ٦٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ فَجَاءَ فَقَالَ دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: "أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ"» اهـ. وقال ﵀: «باب السمر مع الضيف والأهل. ٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ، أَوْ سَادِسٌ"، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ قَالَ فَهْوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي فَلَا أَدْرِي قَالَ وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ، أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ- قَالَ أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا قَالَ فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ

стр. 892

أَبَدًا وَايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا قَالَ يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ: لَاِمْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا قَالَتْ لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الأَجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ» اهـ. وروى أحمد (١٧٥) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مَرْوَانَ، أَنَّهُ أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: «جِئْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكُوفَةِ وَتَرَكْتُ بِهَا رَجُلاً يُمْلِي الْمَصَاحِفَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، فَغَضِبَ وَانْتَفَخَ حَتَّى كَادَ يَمْلأُ مَا بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ، فَقَالَ: وَمَنْ هُوَ وَيْحَكَ، قَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَمَا زَالَ يُطْفَأُ وَيُسَرَّى عَنْهُ الْغَضَبُ حَتَّى عَادَ إِلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ هُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ ذَلِكَ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَزَالُ يَسْمُرُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ اللَّيْلَةَ كَذَاكَ فِي الأَمْرِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّهُ سَمَرَ عِنْدَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَأَنَا مَعَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ، فَلَمَّا كِدْنَا أَنْ نَعْرِفَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَطْبًا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ" قَالَ:

стр. 893

ثُمَّ جَلَسَ الرَّجُلُ يَدْعُو، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ: "سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ"، قَالَ عُمَرُ قُلْتُ: وَاللَّهِ لأَغْدُوَنَّ إِلَيْهِ فَلأُبَشِّرَنَّهُ، قَالَ: فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ لأُبَشِّرَهُ، فَوَجَدْتُ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ فَبَشَّرَهُ، وَلا وَاللَّهِ مَا سَبَقْتُهُ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلاَّ سَبَقَنِي إِلَيْهِ» اهـ. قلت: هذا حديث صحيح. ورواه الترمذي (١٦٩) مختصراً من طريق أبي معاوية مقتصراً على ذكر السمر. ٧ - قوله في الحديث: «الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ» بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق والعتمة من الليل بعد غيبوبة الشفق وقد أعتم الليل أي أظلم وأصلها مأخوذ من عَتَمَة الإبل، وأهل البادية يريحون نعمهم بعيد المغرب وينيخونها في مراحها ساعة يستفيقونها فإذا أفاقت وذلك بعد مر قطعة من الليل أثاروها وحلبوها وتلك الساعة التي تحبس فيها الإبل تسمى عتمة يقال عَتَّمَ: إذا احْتَبَسَ عن فعل الشيء يُريدُه، وفيه إشارة إلى ترك تسميتها بذلك. وروى مسلم (٦٤٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ». وعنده (٦٤٤) أيضاً بلفظ: «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِلِ». ويدل على مشروعية تسميتها بذلك في بعض الأوقات لا على سبيل الغالب ما رواه البخاري (٦١٥)، ومسلم (٩٨٠) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله

стр. 894

عليه وسلم قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا». قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩): «وسلكت طائفة مسلكاً آخر، فقالت: النهي صريح، لا يمكن فيه رواية بالمعنى وأمَّا حديث "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة" فيجوز أن يكون تغييراً من الراوي عنها باسم العتمة، ولم يعلم بالنهي، فرواه بمعناه، وهذا الاحتمال لا يتطرق إلى حديث النهي. وقالت طائفة: النهي إنَّما هو من غلبة الأعراب على اسم العشاء بحيث يهجر بالكلية، كما دل عليه قوله: "لا يغلبنكم" فأمَّا إذا سميت بالعشاء تسمية غالبة على العتمة: لم يمتنع أن يسمى بالعتمة أحياناً، وهذا أظهر الأقوال» اهـ. قلت: وقد جاء نحو ذلك في صلاة المغرب فروى البخاري (٥٦٣) عن عبد الله بن مغفل المزني أنَّ النبي ﷺ قال: «لَاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ قَالَ الأَعْرَابُ وَتَقُولُ هِيَ الْعِشَاءُ». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعليل كراهة ذلك كما في [شرح العمدة] (٤/ ١٦٨): «ولأنَّ تسميتها بالعشاء دائماً يشعر بتأخيرها بخلاف تسميتها بالمغرب فإنَّه يشعر بفعلها عند الغروب» اهـ.

стр. 895

وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٣): «سر النهى عن موافقتهم على ذلك أنَّ لفظ العشاء لغة هو أول ظلام الليل وذلك من غيبوبة الشفق فلو قيل للمغرب عشاء لأدى إلى أن أول وقتها غيبوبة الشفق» اهـ. ٨ - لا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث عائشة الذي مضى: «لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، مِنْ الْغَلَسِ». لأنَّه إخبار عن رؤية الرجل لجليسه، وهذا إخبار منها عن رؤية النساء من البعد. وقد سبق بيان ذلك عند كلامنا على حديث عائشة. ٩ - قراءة النبي ﷺ في صلاة الفجر بالستين إلى المائة آية مع انصرافه منها وقد عرف الرجل جليسه يدل على شدة التغليس بها، لا سيما أنَّ قراءة النبي ﷺ مرتلة، ومسترسلة. ويشكل على هذا ما رواه أحمد (١٦٢٩١)، وأبو داود (٢٣٤٨)، والترمذي (٧٠٥) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْيَمَامَةِ». ورواه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢/ ٥٤) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ السُّحَيْمِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ به.

стр. 896

قلت: وإذا كان الفجر يدخل بخول الأحمر فلازم ذلك ابتداء الصلاة في وقت الإسفار. وفي إسناد هذا الحديث قيس بن طلق مختلف فيه ولا يعتمد عليه في السنن الغريبة، وذلك أنَّ الله تعالى ذكر الخيط الأبيض فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وروى البخاري (١٩١٦)، ومسلم (١٠٩٠) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، ﵁، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ"». قلت: وهنالك من تأول الأحمر بالأبيض. قال في [عون المعبود] (٦/ ٣٣٩): «فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ أَيِ الْأَبْيَضُ وَهُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ يَعْنِي الصُّبْحُ الصَّادِقُ» اهـ. وقال العلامة عبد المحسن العباد وفقه الله في [شرح سنن أبي داود] (٢٧١/ ١٥): «وقوله: "حتى يعترض" يعني: حتى يعترض لكم الأحمر في الأفق، والأحمر هو الفجر الصادق، وقيل له: أحمر لأنَّه أول ما يخرج يكون فيه لون ليس بواضح

стр. 897

من حيث البياض والخفاء، وقيل: إنَّ الأحمر يراد به الأبيض، وقيل: إنَّ الأحمر يطلق على الأبيض. يقال: الأسود والأحمر يعني الأسود والأبيض» اهـ. وقال العلامة الأزهري ﵀ في [تهذيب اللغة] (٥/ ٣٧): «وَقَالَ شمر حَدثنِي السمريُّ عَنْ أبي مسحل أَنه قَالَ فِي قَوْله: "بُعِثْتُ إِلَى الأَسْودِ والأَحْمَرِ" يُرِيد بالأسودِ الجِن، وبالأحْمَرِ الإِنَسَ، سمي الإنسُ بالأَحْمَرِ للدَّمِ الَّذِي فيهم، وَالله أعلم، وروى عَمْرو عَنْ أَبِيه أَنه قَالَ فِي قَوْله: "بعثت إِلَى الأحْمر وَالْأسود" مَعْنَاهُ بُعِثْتُ إِلَى الأَسودِ والأبْيَض. قَالَ: وامْرأَةٌ حَمْرَاء أَي بَيْضاءُ، وَمِنْه قَول النَّبِي لعَائِشَة "يَا حُمَيْراءُ"» اهـ. وقال (٦/ ٤٠): «وَكَانَت العربُ تُسمِّي العَجَم: الْحَمْرَاء ورقابَ المَزاوِد؛ لِغلبة الْبيَاض على ألوانهم، وَيَقُولُونَ لمن علا لونَه البياضُ أحمَر، وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ لعَائِشَة: يَا حُميراء؛ لغَلَبة الْبيَاض على لَوْنها. وَقَالَ ج: "بُعثْتُ إِلَى الأسْود والأحْمَر"، فاسوَدهم: الْعَرَب، وأحمرهم: الْعَجم» اهـ. فائدة روى البخاري (٧٧١) عن سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ».

стр. 898

قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٤٠): «وأمَّا هذه الرواية التي فيها التردد بين القراءة في الركعتين، أو أحداهما ما بين الستين إلى المائة، فتفرد بها البخاري، وهذا الشك من سيار. وخرجه الإمام أحمد، عن حجاج، عن شعبة، وفي حديثه: وكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة. قالَ سيار: لا أدري أفي إحدى الركعتين أو كلتيهما. والظاهر - والله أعلم -: أنَّه كانَ يقرأ بالستين إلى المائة في الركعتين كلتيهما؛ فإنَّه كانَ ينصرف حين يعرف الرجل جليسه، ولو كانَ يقرأ في كل ركعة بمائة آية لم ينصرف حتى يقارب طلوع الشمس» اهـ. ١٠ - قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ١٣٧ - ١٣٨): «وكان رسول الله ﷺ يقرأ فيها بالستين إلى المائة وكان الصديق يقرأ فيها بالبقرة وعمر بالنحل وهود وبني إسرائيل ويونس ونحوها من السور لأنَّ القلب أفرغ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم فإذا كان أول ما يقرع سمعه كلام الله الذي فيه الخير كله بحذافيره صادفه خالياً من الشواغل فتمكن فيه من غير مزاحم، وأمَّا النهار فلما كان بضد ذلك كانت قراءة صلاته سرية إلَّا إذا عارض في ذلك معارض أرجح منه كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والاستسقاء والكسوف فإنَّ الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في التحصيل المقصود وأنفع للجمع وفيه من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة والله أعلم» اهـ. * * *

стр. 899

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٤٩ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ». فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى - صَلاةِ الْعَصْرِ - ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ». وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَصْرِ، حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ أَوْ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى - صَلاةِ الْعَصْرِ - مَلأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً، أَوْ حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً "». قوله: «قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ». اليوم يطلق على الزمان من بين طلوع الشمس وغروبها، ويطلق ويراد به مطلق الزمان ولو كان أياماً، وهو المراد هنا فإنَّ الخندق كان أياماً فيوم الخندق هو زمان الخندق. وسمي يوم الخندق بذلك من أجل الخندق الذي حفر حول المدينة لحمايتها، والخندق فارسي معرب. وكان الخندق في شوال سنة أربع بعد الهجرة على المشهور، وقيل خمس وهو الأصح. قال العلامة النووي ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ٢٤٠ - ٢٤١): «فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ.

стр. 900

وَكَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي شَوَّالٍ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَوَاعَدَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَهُوَ سَنَةُ أَرْبَعٍ، ثُمَّ أَخْلَفُوهُ لِأَجْلِ جَدْبِ تِلْكَ السّنَةِ، فَرَجَعُوا، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ جَاءُوا لِحَرْبِهِ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي. وَخَالَفَهُمْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَقَالَ بَلْ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَهُ. قَالَ: فَصَحّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِجَوَابَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهُ لَمَّا اسْتَصْغَرَهُ عَنِ الْقِتَالِ، وَأَجَازَهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى السِّنِّ الَّتِي رَآهُ فِيهَا مُطِيقًا، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَنْفِي تَجَاوُزَهَا بِسَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا. الثَّانِي: أَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي أَوَّلِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي آخِرِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ» اهـ. قلت: ويقال لهذا اليوم أيضاً يوم الأحزاب لاجتماع أحزاب المشركين من أجل قتال المسلمين. قوله: «الصَّلاةِ الْوُسْطَى». قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٢٣٦):

стр. 901

«الوسطى فعلى واختلفوا هل هو فعلى من العدد المتوسط، وهو مساو في البعد لكل واحد من الطرفين أي إنَّ هذه الصلاة متوسطة في العدد بين شيء قبلها وشيء بعدها أو من الوسط، وهو الفاضل ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فالمراد بكونها وسطى أي فضلى قولان مشهوران» اهـ. وقال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [زاد المسير] (١/ ٢١٥ - ٢١٦): «وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها أوسط الصلوات محلاً. والثاني: أوسطها مقداراً. والثالث: أفضلها، ووسط الشيء: خيره وأعدله. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾، فان قلنا: إن الوسطى بمعنى: الفضلى، جاز أن يدّعي هذا كل ذي مذهب فيها. وإن قلنا: إنَّها أوسطها مقداراً، فهي المغرب، لأنَّ أقل المفروضات ركعتان، وأكثرها أربعاً. وإن قلنا: أوسطها محلاً، فللقائلين: إنَّها العصر أن يقولوا: قبلها صلاتان في النهار، وبعدها صلاتان في الليل، فهي الوسطى. ومن قال: هي الفجر، فقال عكرمة: هي وسط بين الليل والنهار، وكذلك قال ابن الأنباري: هي وسط بين الليل والنهار، وقال: وسمعت أبا العباس يعني، ثعلباً يقول: النهار عند العرب أوله: طلوع الشمس.

стр. 902

قال ابن الأنباري: فعلى هذا صلاة الصبح من صلاة الليل، قال: وقال آخرون: بل هي من صلاة النهار، لأنَّ أول وقتها أول وقت الصوم. قال: والصواب عندنا أن نقول: الليل المحض خاتمته طلوع الفجر، والنهار المحض أوله: طلوع الشمس، والذي بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس يجوز أن يسمى نهاراً، ويجوز أن يسمى ليلاً، لما يوجد فيه من الظلمة والضوء، فهذا قول يصح به المذهبان. قال ابن الأنباري: ومن قال: هي الظهر، قال: هي وسط النهار، فأمَّا من قال: هي المغرب، فاحتج بأن أول صلاة فرضت، الظهر، فصارت المغرب وسطى، ومن قال: هي العشاء، فإنَّه يقول: هي بين صلاتين لا تقصران» اهـ. قلت: وقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ الانشغال حصل عن أكثر من صلاة. فروى النسائي (٦٥٦)، والترمذي (١٦٤) من طريق هَنَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «إِنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِلَالاً فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العِشَاءَ». قلت: هذا حديث ضعيف بهذا الإسناد وأما المتن فثابت كما سيأتي. قال العلامة الترمذي ﵀: «عبد الله ليس بإسناده بأس إلَّا أنَّ أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله».

стр. 903

قلت: وفيه أيضاً عنعنة هشيم، وأبي الزبير. لكن قد وقع تصريح هشيم بالتحديث عند ابن أبي شيبة في [مسنده] (٣٠٩)، وأبي يعلى (٥٣٥١)، والبيهقي في [الكبرى] (١/ ٤٠٣). وروى أحمد (١١٢١٤، ١١١٨٩)، النسائي (٦٥٥) من طريق يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «شَغَلَنَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ مَا نَزَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالاً فَأَقَامَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَصْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَذَّنَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا». قلت: هذا حديث صحيح. ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١/ ٥١٩/ ٨/ ٤٢٨، ٥٠٠)، وأبو يعلى (١٢٩٦) من طريق يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، حَتَّى كُفِينَا ذَلِكَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾».

стр. 904

قلت: هذا حديث صحيح، وقد رواه البيهقي في [دلائل النبوة] (١٣٢٨) من طريق إسحاق بن سليمان الرازي عن ابن أبي ذئب به. وروى مالك في [الموطأ] (٣٩٧) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ? الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ». قلت: هذا حديث مرسل من مراسيل ابن المسيب، ومراسيله جياد ويتقوى بما سبق. قلت: ويجمع بين هذه الأدلة وبين ما سبق بأنَّ الخندق كان أياماً فحصل هذا وهذا، والله أعلم. قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٠١): «وقوله: "حتى اصفرت الشمس" قد يتوهم منه مخالفة لما في الحديث الأول من صلاتها بين المغرب والعشاء وليس كذلك بل الحبس انتهى إلى هذا الوقت ولم تقع الصلاة إلَّا بعد المغرب كما في الحديث الأول وقد يكون ذلك الاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها فما فعله رسول الله ﷺ مقتض لجواز التأخير إلى ما بعد الغروب» اهـ. وقال في [طرح التثريب] (٢/ ١٦٩): «وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِجَوَابٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ وَقْعَةَ الْخَنْدَقِ بَقِيَتْ أَيَّامًا فَأَخَّرَ فِي بَعْضِهَا الصَّلَاةَ إلَى الْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ وَفِي بَعْضِهَا إلَى الْغُرُوبِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ رَاوِيَ التَّأْخِيرِ إلَى الْغُرُوبِ غَيْرُ رَاوِي التَّأْخِيرِ إلَى الْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ» اهـ.

стр. 905

قلت: حديث ابن ماجه رواه (٦٨٦) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى، مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا"». ورواية مسلم (٦٢٨) قال فيها: وحَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْيَامِيُّ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْسُ أَوْ اصْفَرَّتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا أَوْ قَالَ حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا"». قلت: حديث ابن ماجه أصح، وذلك أنَّ عون بن سلام وإن كان من الثقات لكنه دون ابن مهدي، ويزيد بن هارون بمراحل. وفي الحديثين مسائل منها: ١ - جواز الدعاء على الكافرين. ٢ - أنَّ الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وبهذا قال أكثر السلف. قلت: وصلاة العصر وسطى بمعنى فضلى، وهي متوسطة أيضاً من حيث العدد، فإنَّ أول صلاة في اليوم والليلة هي صلاة الفجر، وآخرها صلاة العشاء، وصلاة العصر هي الوسطى من حيث العدد. والله أعلم. وقال مالك والشافعي الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح.

стр. 906

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٥٥): «قال الإمام أحمد: تواطأت الأحاديث عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه أنَّ صلاة العصر هي الصلاة الوسطى. وقال أيضاً أكثر الأحاديث على صلاة العصر وخرج فيها نحواً من مائة وعشرين حديثاً» اهـ. وقال أيضاً ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٠٦): «فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي ﷺ "أنَّ الصلاة الوسطى هي العصر" وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة. ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم. وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة. فإنَّهم تكلموا بحسب اجتهادهم» اهـ. قلت: وقد جمع الحافظ الدمياطي في ذلك كتابا سماه "كشف المغطى عن الصلاة الوسطى" وذكر فيها تسعة عشرة قولاً. وأوصلها الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري" إلى عشرين قولاً. قلت: ومما يحتج على أنَّها العصر بما رواه مسلم (٦٣٠) عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ﴾ فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ هِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٥٦): «وهذا يدل على أنَّها العصر لأنَّ تخصيصها بالأمر بالمحافظة متيقن بالقراءة الأولى وتبديل

стр. 907

اللفظ لا يوجب المعنى إذا أمكن أن يكون معنى اللفظين واحد فلا يزول اليقين بالشك» اهـ. قلت: ومما احتج به من قال أنَّها ليست العصر ما رواه مسلم (٦٢٩) عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ: «أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قَالَتْ عَائِشَةُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». قالوا: هذا يقتضي أن يكون غيرها لأنَّ المعطوف غير المعطوف عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٥٧): «قلنا العطف قد يكون للتغاير في الذوات وقد يكون للتغاير في الأسماء والصفات كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ وهو سبحانه واحد و إنَّما تعددت أسماؤه وصفاته فيكون العطف في هذه القراءة لوصفها بشيئين بأنَّها وسطى وبأنَّها هي العصر وهذا أجود من قول طائفة من أصحابنا أنَّ الواو تكون زائدة فإنَّ ذلك لا أصل له في اللغة عند أهل البصرة وغيرهم من النحاة وإنَّما جوزه بعض أهل الكوفة وما احتج به لا حجة فيه على شيء من ذلك» اهـ. ٣ - ذهب مكحول إلى تأخير صلاة الخوف إذا لم يمكن أداؤها مع الخوف إلى وقت الأمن على ظاهر هذا الحديث، وهو مذهب الأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو

стр. 908

ظاهر اختيار البخاري، وذهب إليه أحمد في رواية، وخالف في ذلك الجمهور ورأوا أنَّ هذا كان قبل شرعية صلاة الخوف. ويؤيد هذا قول أبي سعيد السابق: «قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ مَا نَزَلَ». قلت: وهناك جواب آخر وهو أنَّ التأخير كان عن طريق النسيان لشدة الانشغال بأمور الحرب. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ١١٧): «لم يثبت أنَّ تأخير الصلاة عن وقتها كان جائزاً بعد بيان المواقيت ولا دليل على ذلك إلَّا قصة الخندق فإنَّها هي التي استدل بها من قال ذلك ولا حجة فيها لأنَّه ليس فيها بيان أنَّ التأخير من النبي ﷺ كان عن عمد بل لعله كان نسياناً وفي القصة ما يشعر بذلك فإنَّ عمر لما قال له: يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. قال رسول الله ﷺ : "والله ما صليتها" ثم قام فصلاها وهذا مشعر بأنَّه ﷺ كان ناسياً بما هو فيه من الشغل والاهتمام بأمر العدو المحيط به وعلى هذا يكون قد أخرها بعذر النسيان كما أخرها بعذر النوم في سفره وصلاها بعد استيقاظه وبعد ذكره لتتأسى أمته به» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٩): «وعن أحمد رواية أخرى أنَّه يخير حال القتال بين الصلاة وبين التأخير، ومذهب أبي حنيفة يشتغل بالقتال ويصلي بعد الوقت» اهـ.

стр. 909

قلت: وقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٥١٤) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ مَعَ الْأَشْعَرِيِّ»، قَالَ: «فَلَمْ أُصَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ وَمَا سَرَّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا جَمِيعًا». قلت: إسناده صحيح. وقد رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في «باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو». قال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تفسيره] (٢/ ٣٩٩): «ولكن يشكل على هذا ما حكاه البخاري ﵀، في صحيحه، حيث قال: "باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو" قال الأوزاعي: إن كان تَهَيَّأ الفتحُ ولم يقدروا على الصلاة، صَلُّوا إيماء، كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين. فإن لم يقدروا صَلُّوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير، ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تُسْتر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نُصَلِّ إلاَّ بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، فَفُتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم ألَّا يصلوا العصر إلَّا في بني قريظة، وكأنَّه كالمختار لذلك، والله أعلم.

стр. 910

ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنَّه يشتهر غالباً، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب، ولم ينقل أنَّه أنكر عليهم، ولا أحد من الصحابة، والله أعلم» اهـ. قلت: وهذا أولى من دعوى النصح، والله أعلم. ٤ - استدل به بعض العلماء على أنَّ الوتر ليس بواجب؛ إذ لو كان واجباً لكانت الصلوات ستاً فلا تكون واحدة منهن وسطاً، وهو مبني على أنَّ الوسطى هنا باعتبار العدد. ٥ - قوله: «ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» أي بين وقت المغرب والعشاء لا أنَّه صلاها بعد صلاة المغرب كما زعم ذلك بعض علماء الشافعية، وأخذوا من ذلك عدم وجوب الترتيب بين الفوائت. والدليل على صحة ما ذكرته ما رواه البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ». قلت: جمهور العلماء على وجوب الترتيب بين الفوائت في الجملة غير أنَّ الإمام مالك وأبا حنيفة لا يوجبان ذلك فيما زاد على صلاة اليوم والليلة كست صلوات، وأمَّا الشافعي فلا يوجب الترتيب بين الفوائت.

стр. 911

ومثل ذلك الترتيب بين الفائتة والحاضرة. وقد تنازع العلماء فيمن ذكر الفائتة عند قيامه لأداء الحاضرة فمنهم من قال يبدأ بالفائتة وإن فاتت الحاضرة كمذهب أبي حنيفة، ومنهم من قال بل يبدأ بالحاضرة ولا يفوتها كما هو مذهب الجمهور وهو الصحيح. وتنازعوا بعد ذلك هل يعيد الفائتة من أجل الترتيب فالشافعي وأحمد في رواية لا يوجبون الإعادة، وينقل عن ابن عباس، وغيرهم يرى الإعادة كمالك، وأحمد في المشهور عنه، وينقل عن ابن عمر، والصحيح عدم الإعادة. وهكذا تنازعوا فيمن ذكر الفائتة في أثناء الحاضرة، وحكمها كحكم من ذكرها قبل الشروع فيها، والأكثر يرون فعل الفائتة بعدها ثم إعادة الحاضرة، ومذهب الشافعي وأحمد في رواية عدم الإعادة وهو الصحيح. وأمَّا ما رواه أبو يعلى في [معجمه] (١١٠) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ». ورواه البيهقي في [الكبرى] (٣١٩٣) من طريق الترجماني به. قال الشيخ العلامة مقبل الوادعي ﵀ في [الصحيح المسند] (٧٧٦): «هذا حديث حسن» اهـ. قلت: بل هو حديث معل، والصحيح فيه الوقف. قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (٢/ ١٧١ - ١٧٣):

стр. 912

«وسألتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ إسماعيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّام التَّرْجُماني، عَنْ سَعِيدِ بن عبد الرحمن الجُمَحي، عن عُبَيد الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلاَّ وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَلْيُصَلِّي مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى مَعَ الإِمَامِ". قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا خطأٌ؛ رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفٌ؛ وهو الصَّحيحُ. وأُخبِرْتُ: أنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ انتَخَبَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فلمَّا بلَغَ هَذَا الحديثَ جاوزَهُ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ لا تكتُبُ هَذَا الحديثَ؟ فَقَالَ يَحْيَى: فَعَلَ اللهُ بِي إنْ كتبتُ هَذَا الحديثَ» اهـ. وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٣/ ٢٤): «يَرْوِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَاخْتُلِفَ عنه؛ فرواه إبراهيم الترجماني، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله كذلك مرفوعاً، ووهم في رفعه. والصحيح، موقوفاً من قول ابن عمر. كذلك رواه عبيد الله، ومالك، عن نافع، عن ابن عمر، قوله» اهـ. وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [المعرفة] (٣/ ١٤٠): «وَقَدْ أَسْنَدَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

стр. 913

"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلَمْ يَذْكُرْهَا، إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ، فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مَنْ صَلَاتِهِ، فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ" أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ جِهَتِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ» اهـ. وقال ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ٣١٣): «تَفَرَّدَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَهَذَا رَوَاهُ غَيْرُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ» اهـ. وقال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الكامل] (٤/ ٤٥٥): «وهذا لا أعلم أحداً رفعه عن عُبَيد اللَّه غير سَعِيد بْن عَبد الرَّحْمَن ويروي عن مالك عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من طريق واحد، وَهو موقوف عن مالك أَيضًا لقن البغداديين بهلول الأنباري عن مُحَمد بْن عَمْرو بْن حبان عن عثمان بْن سَعِيد الحمصي عن مالك عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر فلقنوه عن النَّبِيّ ﷺ ، وَهو موقوف» اهـ. وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ- ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ١٠٦): «عَنْ رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ: فَجَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ الْمَغْرِبَ قَدْ أُقِيمَتْ فَهَلْ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَمْ لَا؟. فَأَجَابَ:

стр. 914

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بَلْ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَلَكِنْ هَلْ يُعِيدُ الْمَغْرِبَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يُعِيدُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ الْمَغْرِبَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَالثَّانِي أَصَحُّ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ إذَا اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: وهذه المسألة فيما يظهر لا تنبني على مسألة اختلاف نية المأموم والمؤتم في الفرض كمن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر ونحو ذلك فإنَّ الصحيح في ذلك الصحة وفيها نزاع بين الأئمة ومذهب الشافعي الصحة وهي رواية عن أحمد، ومذهب مالك وأبي حنيفة المنع وهي الرواية الأخرى عن أحمد. وفي مسألتنا لم نقل لمن فاتته العصر وأقيمت المغرب أنَّه يدخل مع الإمام بنية العصر حتى لا تفوت عليه الجماعة الراتبة للمغرب. والله أعلم. قال العلامة المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨): «قَوْلُهُ "وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ"، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحُ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَصِحُّ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ فِي "الْفُرُوعِ" بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ يَصِحُّ وَالرِّوَايَتَانِ فِي ظُهْرٍ خَلْفَ عَصْرٍ، وَنَحْوُهَا عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ الشَّارِحُ بَعْدَ ذِكْرِهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَهَذَا فَرْعٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ، وَقَدْ مَضَى

стр. 915

ذِكْرُهَا. انْتَهَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالنَّظْمِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ. فَائِدَةٌ: عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ائْتِمَامُ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ مِثْلُ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْحُكْمِ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالرِّوَايَتَانِ فِي ظُهْرٍ خَلْفَ عَصْرٍ، وَنَحْوُهَا عَنْ بَعْضِهِمْ فَشَمَلَ كَلَامُهُ ائْتِمَامَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ وَعَكْسَهُ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي رُبَاعِيَّةً تَامَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً، وَعَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَتَيْنِ قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْخِلَافُ أَيْضًا جَارٍ هُنَا كَالْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَأَطْلَقَ الطَّرِيقَتَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصِّحَّةَ هُنَا قَالَ الْمَجْدُ: صَحَّ عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَصَحُّ الطَّرِيقَتَيْنِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. إلَّا الْمَغْرِبَ خَلْفَ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ الْجَوَازَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: مُفَارَقَةُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ، وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ، وَيُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ.
следующие страницы →