Полный текст (8 095 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ومثل ذلك الترتيب بين الفائتة والحاضرة.
وقد تنازع العلماء فيمن ذكر الفائتة عند قيامه لأداء الحاضرة فمنهم من قال يبدأ بالفائتة وإن فاتت الحاضرة كمذهب أبي حنيفة، ومنهم من قال بل يبدأ بالحاضرة ولا يفوتها كما هو مذهب الجمهور وهو الصحيح.
وتنازعوا بعد ذلك هل يعيد الفائتة من أجل الترتيب فالشافعي وأحمد في رواية لا يوجبون الإعادة، وينقل عن ابن عباس، وغيرهم يرى الإعادة كمالك، وأحمد في المشهور عنه، وينقل عن ابن عمر، والصحيح عدم الإعادة.
وهكذا تنازعوا فيمن ذكر الفائتة في أثناء الحاضرة، وحكمها كحكم من ذكرها قبل الشروع فيها، والأكثر يرون فعل الفائتة بعدها ثم إعادة الحاضرة، ومذهب الشافعي وأحمد في رواية عدم الإعادة وهو الصحيح.
وأمَّا ما رواه أبو يعلى في [معجمه] (١١٠) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ».
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٣١٩٣) من طريق الترجماني به.
قال الشيخ العلامة مقبل الوادعي ﵀ في [الصحيح المسند] (٧٧٦):
«هذا حديث حسن» اهـ.
قلت: بل هو حديث معل، والصحيح فيه الوقف.
قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (٢/ ١٧١ - ١٧٣):
стр. 912
«وسألتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ إسماعيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّام التَّرْجُماني،
عَنْ سَعِيدِ بن عبد الرحمن الجُمَحي، عن عُبَيد الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلاَّ وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَلْيُصَلِّي مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى مَعَ الإِمَامِ".
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا خطأٌ؛ رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفٌ؛ وهو الصَّحيحُ. وأُخبِرْتُ: أنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ انتَخَبَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فلمَّا بلَغَ هَذَا الحديثَ جاوزَهُ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ لا تكتُبُ هَذَا الحديثَ؟ فَقَالَ يَحْيَى: فَعَلَ اللهُ بِي إنْ كتبتُ هَذَا الحديثَ» اهـ.
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٣/ ٢٤):
«يَرْوِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَاخْتُلِفَ عنه؛
فرواه إبراهيم الترجماني، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله كذلك مرفوعاً، ووهم في رفعه.
والصحيح، موقوفاً من قول ابن عمر.
كذلك رواه عبيد الله، ومالك، عن نافع، عن ابن عمر، قوله» اهـ.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [المعرفة] (٣/ ١٤٠):
«وَقَدْ أَسْنَدَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
стр. 913
"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلَمْ يَذْكُرْهَا، إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ، فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مَنْ صَلَاتِهِ، فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ"
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ جِهَتِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ» اهـ.
وقال ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ٣١٣):
«تَفَرَّدَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَهَذَا رَوَاهُ غَيْرُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ» اهـ.
وقال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الكامل] (٤/ ٤٥٥):
«وهذا لا أعلم أحداً رفعه عن عُبَيد اللَّه غير سَعِيد بْن عَبد الرَّحْمَن ويروي عن مالك عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من طريق واحد، وَهو موقوف عن مالك أَيضًا لقن البغداديين بهلول الأنباري عن مُحَمد بْن عَمْرو بْن حبان عن عثمان بْن سَعِيد الحمصي عن مالك عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر فلقنوه عن النَّبِيّ ﷺ ، وَهو موقوف» اهـ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ- ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ١٠٦):
«عَنْ رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ: فَجَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ الْمَغْرِبَ قَدْ أُقِيمَتْ فَهَلْ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَمْ لَا؟.
فَأَجَابَ:
стр. 914
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بَلْ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَلَكِنْ هَلْ يُعِيدُ الْمَغْرِبَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يُعِيدُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ الْمَغْرِبَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَالثَّانِي أَصَحُّ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ إذَا اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وهذه المسألة فيما يظهر لا تنبني على مسألة اختلاف نية المأموم والمؤتم في الفرض كمن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر ونحو ذلك فإنَّ الصحيح في ذلك الصحة وفيها نزاع بين الأئمة ومذهب الشافعي الصحة وهي رواية عن أحمد، ومذهب مالك وأبي حنيفة المنع وهي الرواية الأخرى عن أحمد.
وفي مسألتنا لم نقل لمن فاتته العصر وأقيمت المغرب أنَّه يدخل مع الإمام بنية العصر حتى لا تفوت عليه الجماعة الراتبة للمغرب. والله أعلم.
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨):
«قَوْلُهُ "وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ"، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحُ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَصِحُّ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ فِي "الْفُرُوعِ" بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ يَصِحُّ وَالرِّوَايَتَانِ فِي ظُهْرٍ خَلْفَ عَصْرٍ، وَنَحْوُهَا عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ الشَّارِحُ بَعْدَ ذِكْرِهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَهَذَا فَرْعٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ، وَقَدْ مَضَى
стр. 915
ذِكْرُهَا. انْتَهَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالنَّظْمِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ.
فَائِدَةٌ:
عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ائْتِمَامُ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ مِثْلُ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْحُكْمِ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالرِّوَايَتَانِ فِي ظُهْرٍ خَلْفَ عَصْرٍ، وَنَحْوُهَا عَنْ بَعْضِهِمْ فَشَمَلَ كَلَامُهُ ائْتِمَامَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ وَعَكْسَهُ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي رُبَاعِيَّةً تَامَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً، وَعَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَتَيْنِ قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْخِلَافُ أَيْضًا جَارٍ هُنَا كَالْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَأَطْلَقَ الطَّرِيقَتَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصِّحَّةَ هُنَا قَالَ الْمَجْدُ: صَحَّ عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَصَحُّ الطَّرِيقَتَيْنِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. إلَّا الْمَغْرِبَ خَلْفَ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ الْجَوَازَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: مُفَارَقَةُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ، وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ، وَيُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ.
стр. 916
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا الْأَخِيرُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَاهُ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يُتِمُّ وَقِيلَ: أَوْ يَنْتَظِرُهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَارِقَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ انْتِظَارِ الْإِمَامِ وَالْمُفَارَقَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَلْ يَنْتَظِرُهُ، أَوْ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَالثَّانِي: إنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهَلْ يُتِمُّ هُوَ لِنَفْسِهِ وَيُسَلِّمُ، أَوْ يَصْبِرُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي تَخْيِيرِهِ بَيْنَهُمَا احْتِمَالٌ، وَقِيلَ: وَجْهٌ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٤٧):
«وَلَوْ نَوَى الصُّبْحَ خَلْفَ مُصَلِّي الظُّهْرِ وَتَمَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ فِي التَّشَهُّدِ حَتَّى يَفْرَغَ الْإِمَامُ وَيُسَلِّمَ مَعَهُ وَهَذَا أَفْضَلُ وَإِنْ شَاءَ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَسَلَّمَ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ هُنَا بِالْمُفَارَقَةِ بِلَا خِلَافٍ لِتَعَذُّرِ الْمُتَابَعَةِ وَكَذَا فِيمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الصُّوَرِ وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ
ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِي الْمُفَارَقَةَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْمُفَارِقِ وعن أحمد روايتان كالقولين» اهـ.
قلت: وقد بنى الحافظ ابن رجب ﵀ المسألة التي تكلم فيها شيخ الإسلام على مسألة اختلاف العلماء فيمن صلى فرضاً خلف مصلي لفرض آخر فقال ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٦٤ - ٦٥):
стр. 917
«فأمَّا إن أقيمت الصلاة وعليه فائتة، فمن قَالَ: لا يجب الترتيب بَيْن الفائته والحاضرة، فإنَّه يرى أن يصلي مَعَ الإمام فريضة الوقت الَّتِيْ يصليها الإمام، ثُمَّ يقضي الفائتة بعدها.
وأمَّا من أوجب الترتيب، فاختلفوا:
فمنهم من أسقط الترتيب فِي هَذَا الحال لخشية فوات الجماعة؛ فإنَّها واجبة عندنا، والنصوص بإيجاب الجماعة آكد من النصوص فِي الترتيب، وحكي هَذَا رِوَايَة عَنْ أحمد، ورجحها بعض المتأخرين من أصحابنا.
والمنصوص عَنْ أحمد: أَنَّهُ يصلي مَعَ الإمام الحاضرة، ثُمَّ يقضي الفائتة، ثُمَّ يعيد الحاضرة؛ فإنَّه يحصل لَهُ بعد ذَلِكَ الترتيب، ولا يكون مصلياً بعد إقامة الصلاة غير الصلاة الَّتِيْ أقيمت.
ومن النَّاس من قَالَ: يفعل كذلك إذا خشي أن تفوته الجماعة بالكلية، فإن رجا أن يدرك مَعَ الإمام شيئاً من الصلاة فالأولى أن يشتغل بقضاء الفائتة، ثُمَّ يصلي الحاضرة مَعَ الإمام، ويقضي مَا سبقه بِهِ.
وهذا ضَعِيف؛ فإن الَّتِيْ صلاها فِي جماعة لَمْ يعتد بِهَا، بل قضاها، فَهِيَّ فِي معنى النافلة.
ومن أصحابنا من قَالَ: الأولى أن يشتغل بالقضاء وحده، ثُمَّ إن أدرك مَعَ الإمام الحاضرة، وإلَّا صلاها وحده.
وفي هَذَا مخالفة لقوله: "فإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا الَّتِيْ أقيمت".
ومن أجاز أن يقتدي من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر، أجاز أن يقتدي بالإمام فِي الفائتة، ثُمَّ يصلي الحاضرة بعدها، وأمر بذلك عَطَاء بْن أَبِي رباح.
стр. 918
وخرج البيهقي من رِوَايَة يَحْيَى بْن حَمْزَة: ثنا الوضين بْن عَطَاء، عَنْ محفوظ بْن علقمة، عَنْ ابن عائذ، قَالَ: دَخَلَ ثَلَاثَة من أصْحَاب رَسُول الله ﷺ والناس فِي صلاة العصر، قَدْ فرغوا من صلاة الظهر، فصلوا مَعَ النَّاس، فلما فرغوا قَالَ بعضهم لبعض: كَيْفَ صنعتم؟ قَالَ أحدهم: جعلتها الظهر، ثُمَّ صليت العصر. وَقَالَ الآخر: جعلتها العصر، ثُمَّ صليت الظهر. وَقَالَ الآخر: جعلتها للمسجد، ثُمَّ جعلتها للظهر والعصر، فَلَمْ يعب بعضهم عَلَى بعضٍ.
وخرجه الجوزجاني: حَدَّثَنَا نعيم بْن حماد: ثنا بقية، عَنْ الوضين بْن عَطَاء، عَنْ يزيد بْن مرثد، قَالَ: دَخَلَ مسجد حمص ثَلَاثَة نفر من أصْحَاب رَسُول الله ﷺ : شداد بْن أوس وعبادة بْن الصَّامِت وواثلة بْن الأسقع، والإمام فِي صلاة العصر، وهم يرون أنَّها الظهر، فَقَالَ أحدهم: هِيَ العصر، وأصلي الظهر. وَقَالَ الآخر: هذه لِي الظهر، وأصلي العصر. وَقَالَ الثالث: أصلي الظهر، ثُمَّ العصر، فَلَمْ يعب واحد منهم عَلَى صاحبيه» اهـ.
قلت: أثر هؤلاء الصحابة عند البيهقي في [الكبرى] (٤٨٩١) بإسناد حسن.
وأثر عطاء رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٢٥٩) ابْنِ جُرَيْحٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: «أَدْرَكْتَ الْعَصْرَ فَاجْعَلِ الَّتِي أَدْرَكْتَ مَعَ الْإِمَامِ الظُّهْرَ، وَصَلِّ الْعَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ». قَالَ: «كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
قلت: إسناده صحيح.
стр. 919
وقال الإمام الشافعي ﵀ في [الأم] (١/ ٢٠٠): أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: وَإِنْ أَدْرَكْت الْعَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ تُصَلِّ الظُّهْرَ فَاجْعَلْ الَّتِي أَدْرَكْت مَعَ الْإِمَامِ الظُّهْرَ وَصَلِّ الْعَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ بَعْدَ ذَلِكَ: وَهُوَ يُخْبِرُ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ يُقَالُ ذَلِكَ إذَا أَدْرَكْت الْعَصْرَ وَلَمْ تُصَلِّ الظُّهْرَ فَاجْعَلْ الَّذِي أَدْرَكْت مَعَ الْإِمَامِ الظُّهْرَ اهـ.
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٥١١٣) من طريق الشافعي به.
قلت: ومن هذا الباب من جاء إلى المسجد لأداء صلاة المغرب فوجدهم قد جمعوا بين المغرب والعشاء لعذر كالمطر مثلاً وهم في صلاة العشاء فله أن يدخل معهم بنية المغرب وينتظر الإمام فيسلم معه وله أن ينوي المفارقة ثم يدرك معهم ركعة من العشاء.
وهل له أن يصلي معهم العشاء ثم يقضي المغرب؟
الذي يظهر لي عدم مشروعية ذلك لأنَّه قد أدرك وقت المغرب فلا يشرع له أن يجعلها مقضية. والله أعلم.
٦ - والحديث من جملة الأدلة في إثبات عذاب القبر.
* * *
стр. 920
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ. فَخَرَجَ عُمَرُ، فَقَالَ: الصَّلاةُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ يَقُولُ: "لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاةِ هَذِهِ السَّاعَةِ"».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب التأخير بصلاة العشاء.
٢ - أدب الصحابة مع النبي ﷺ حيث أنَّهم لم يقيموا الصلاة ويصلوا قبل حضوره بل انتظروه حتى خرج إليهم.
٣ - في الحديث دليل على تنبيه الأكابر: إمَّا لاحتمال غفلة أو لاستثارة فائدة منهم في التنبيه لقول عمر رقد النساء والصبيان. قاله الحافظ ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] ص (١٠٣).
٤ - قوله: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاةِ هَذِهِ السَّاعَةِ» احتج به من قال أنَّ الأمر للوجوب. وقد سبق ذلك في شرح حيث أبي هريرة في السواك.
٥ - شفقة النبي ﷺ بأمته حيث لم يأمر بالصلاة في ذلك الوقت.
٦ - يدل الحديث على عدم كراهة النوم قبل العشاء للمغلوب عليه كما سبق.
стр. 921
قلت: والاستدلال بذلك مبني على أنَّ نوم النساء والصبيان كان في المسجد لانتظارهم للنبي ﷺ وهو الظاهر لا في بيوتهم، ويحتمل أن يكون نوم النساء والصبيان في البيوت لطول انتظارهم لمن في المسجد من أهاليهم.
٧ - احتج به من ذهب إلى أنَّ النوم ليس من نواقض الوضوء.
قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (١/ ٤٦٩): «وهو محكي عن أبي موسى الأشعري وعبيدة السلماني وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الأعرج، والشيعة، وهذا المذهب يرد ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع المتقدم إلَّا أنَّه قال: إنَّه قول شاذ، والناس على خلافه وحكاه ابن حزم في "المحلى" عن الأوزاعي وقال: وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة وعن ابن عمر وعن مكحول قال: وادعى بعضهم الإجماع على خلافه جهلاً» اهـ.
قلت: ولا حجة في الحديث على ذلك لاحتمال أنَّهم توضئوا قبل صلاتهم، وعدم ذكر الراوي لذلك لا يدل على عدم الحصول. ويحتمل أنَّهم لم يستغرقوا بنومهم بل كان خفيفاً. ويحتمل أنَّ النساء والصبيان ناموا في منازلهم بعد صلاتهم.
والذي يدل على أنَّ من نام انتقض وضوؤه ما رواه أحمد (١٨٢٦٠)، والترمذي (٩٦، ٣٥٣٥)، والنسائي (١٢٦)، وابن ماجه (٤٧٨) من طريق عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: «كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ».
قلت: هذا حديث حسن.
стр. 922
وروى أحمد (٨٨٧)، وأبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧) من طريق بَقِيَّةَ عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ».
قلت: هذا إسناد حسن لكنه منقطع بين عبد الرحمن بن عائذ وعلي فإنَّه لم يسمع منه كما قاله أبو زرعة ﵀.
وجاء في [المسند] (١٧٠٠٣) قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَجَدْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ يَزِيدَ، وَأَظُنُّي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ فَلَمْ أَكْتُبْهُ، وَكَانَ بَكْرٌ يَنْزِلُ الْمَدِينَةَ، أَظُنُّهُ كَانَ فِي الْمِحْنَةِ كَانَ قَدْ ضُرِبَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ الْكِلَابِيِّ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْعَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ».
قلت: لكن في إسناده أبو بكر بن أبي مريم شديد الضعف.
والصحيح فيه الوقف.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ١٩١):
«وَرَوَاهُ مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: "الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ". مَوْقُوفٌ، أَخْبَرَنَاهُ أَبُو سَعْدٍ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُسْلِمٍ، نا صَالِحُ بْنُ سَعِيدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَسَدٍ، ثنا الْوَلِيدُ، نا مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، فَذَكَرَهُ مَوْقُوفًا. قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: وَمَرْوَانُ أَثْبَتُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ» اهـ.
стр. 923
قلت: وحديث علي الماضي يتقوى بالموقوف على معاوية ﵁.
وقد اختلف العلماء في النوم هل ينقض الوضوء أو لا.
فمنهم لم ير النقض به كما سبق.
ومنهم من ذهب إلى النقض بكثيره دون قليله كما هو مذهب مالك ورواية عن أحمد.
ومنهم من ذهب إلى أنَّ النائم إذا كان على هيئة من هيئات الصلاة، وإن لم يكن في صلاة لم ينتقض وضوؤه وإلَّا انتقض وهو مذهب أبي حنيفة وداود، ورواية عن أحمد.
ومنهم من قال: لا ينتقض إلَّا نوم الراكع والساجد، وهو رواية عن أحمد.
ومنهم من قال: لا ينتقض إلَّا نوم الساجد وهو رواية عن أحمد.
ومنهم من قال: لا ينتقض نوم المصلي على أي هيئة كان وينتقض نوم غيره، وهو قول للشافعي.
ومنهم من قال: لا ينتقض نوم الجالس الممكن لمقعدته من الأرض، وينتقض نوم غيرهم. وهو الصحيح عن الشافعي، ورواية عن مالك وأحمد.
ومنهم من قال: لا ينتقض إلَّا نوم المضطجع، وهو مذهب جماعة من التابعين، ورواية عن أحمد، وفي ذلك حديث لا يصح.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٢٨):
«نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ، فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَسِيرُهُ وَكَثِيرُهُ، فِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِهِ بِالنَّوْمِ» اهـ.
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ٥٠ - ٥١):
стр. 924
«وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ لِلنَّائِمِ أَحَدَ عَشَرَ حَالًا الْمَاشِي، وَالْقَائِمُ، وَالْمُسْتَنِدُ، وَالرَّاكِعُ، وَالسَّاجِدُ، وَالْقَاعِدُ، وَالْمُتَرَبِّعُ، وَالْمُنْحَنِي، وَالْمُتَّكِئُ، وَالرَّاكِبُ، وَالْمُضْطَجِعُ، وَالْمُسْتَنْفِرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِ بَعْضِهَا.
فَأَمَّا الْمَاشِي فَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِبَقَاءِ شُعُورِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَائِمُ، وَأَمَّا الْمُسْتَنِدُ، فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَقِيلَ هُوَ كَالْمَاشِي، وَالْقَائِمِ، وَإِنْ كَانَ جَالِسًا مُمَكَّنًا لَمْ يُنْتَقَضْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ زَالَ مَسْنَدُهُ لَسَقَطَ انْتَقَضَ، وَأَمَّا الْمُنْحَنِي فَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ الْجَالِسِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ النَّحِيفِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْمُتَّكِئُ فَأَجْرَاهُ مَالِكٌ مَجْرَى الْجَالِسِ وَأَجْرَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ مَجْرَى الْمُضْطَجِعِ، وَأَمَّا الرَّاكِبُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَالِسِ الْمُسْتَنِدِ اللَّاصِقِ بِالْأَرْضِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَقِرُّ فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ.
"الثَّانِيَةُ، وَالْعِشْرُونَ" مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ النَّوْمِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ هُوَ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَكُنْ النَّوْمُ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ فَقَدْ كَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ وَلِهَذَا كَانَ ﷺ يَنَامُ مُضْطَجِعًا، ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: الأظهر في ذلك أنَّ النوم المستغرق المذهب للشعور ينتقض به الوضوء على أي هيئة كان وهذا النوم هو النوم المعتاد الذي يختاره المرء كالنوم بالليل ونوم
стр. 925
القائلة، وإن كان خفيفاً لا يفقد الشعور بالكلية لم ينتقض به الوضوء كنوم المنتظر للصلاة، وإذا حصل الشك في ذلك فالأصل عدم النقض.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ١٥٠):
«وَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِذَا خَالَطَ النَّوْمُ قَلْبَ أَحَدِكُمْ وَاسْتَغْرَقَ نَوْمًا فَلْيَتَوَضَّأْ
وَرُوِيَ ذلك أيضاً عن ابن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ.
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أُفْتِي أَنَّ مَنْ نَامَ جَالِسًا لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ إِلَى جَنْبِي يَوْمَ الْجُمْعَةِ رَجُلٌ فَنَامَ فَخَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ فَقُلْتُ لَهُ قُمْ فَتَوَضَّأَ فَقَالَ لَمْ أَنَمْ فَقُلْتُ بَلَى وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْكَ رِيحٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَجَعْلَ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ وَقَالَ لِي بَلْ مِنْكَ خَرَجَتْ فَتَرَكْتُ مَا كُنْتُ أَعْتَقِدُ فِي نَوْمِ الْجَالِسِ وَرَاعَيْتُ غَلَبَةَ النَّوْمِ وَمُخَالَطَتَهُ لِلْقَلْبِ» اهـ.
قلت: والأدلة تدل على أنَّ الوضوء ليس بحدث وإنَّما هو مظنة خروج الحدث إذ لو كان حدثاً لا ستوى كثيره وقليله، ولكان حال النبي ﷺ في ذلك كحال أمته، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور السلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٢٨ - ٢٣٠): «الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا النَّوْمُ الْيَسِيرُ مِنْ الْمُتَمَكِّنِ بِمَقْعَدَتِهِ فَهَذَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّ النَّوْمَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِحَدَثِ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ: "الْعَيْنُ وِكَاءُ السه فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ" رِوَايَةٍ: "فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ". وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا
стр. 926
فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ لِأَنَّهُ كَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ فَكَانَ يَقْظَانَ. فَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ لَشَعَرَ بِهِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ حَدَثًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحْدَاثِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ يَخْفُقُونَ بِرُءُوسِهِمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ. فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ جِنْسَ النَّوْمِ لَيْسَ بِنَاقِضِ؛ إذْ لَوْ كَانَ نَاقِضًا لَانْتَقَضَ بِهَذَا النَّوْمِ الَّذِي تَخْفُقُ فِيهِ رُءُوسُهُمْ. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يَنْقُضُ مَا سِوَى نَوْمِ الْقَاعِدِ مُطْلَقًا. كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ.
وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ وَيَنْقُضُ نَوْمُ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ وَالْقَاعِدَ لَا يَنْفَرِجُ فِيهِمَا مَخْرَجُ الْحَدَثِ كَمَا يَنْفَرِجُ مِنْ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ.
وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ وَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِخِلَافِ الْمُضْطَجِعِ وَغَيْرِهِ. كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ. لَكِنَّ مَذْهَبَ أَحْمَد التَّقْيِيدُ بِالنَّوْمِ الْيَسِيرِ. وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ: حَدِيثٌ فِي السُّنَنِ: "لَيْسَ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا لَكِنْ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا" فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ فَيَخْرُجُ الْحَدَثُ بِخِلَافِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ مُتَمَاسِكَةٌ غَيْرُ مُسْتَرْخِيَةٍ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي خُرُوجَ الْخَارِجِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّوْمَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ يَكُونُ يَسِيرًا فِي الْعَادَةِ؛ إذْ لَوْ اسْتَثْقَلَ لَسَقَطَ. وَالْقَاعِدُ إذَا سَقَطَتْ يَدَاهُ إلَى الْأَرْضِ فِيهِ قَوْلَانِ. وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ
стр. 927
الْمُتَوَضِّئُ: هَلْ نَوْمُهُ مِمَّا يَنْقُضُ أَوْ لَيْسَ مِمَّا يَنْقُضُ؟ فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ثَابِتَةٌ بِيَقِينِ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال ﵀ (٢١/ ٣٩١ - ٣٩٥):
«فَإِنَّ الْقِيَامَ مِنْ النَّوْمِ: مُرَادٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وَهُوَ إنَّمَا نُقِضَ بِخُرُوجِ الرِّيحِ. هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِنَاقِضِ وَلَكِنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الرِّيحِ. وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ يَنْقُضُ وَنَقْضُ الْوُضُوءِ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَغُطَّ ثُمَّ يَقُومُ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ وَيَقُولُ: تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَلْبَهُ الَّذِي لَمْ يَنَمْ كَانَ يَعْرِفُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ وَلَوْ كَانَ النَّوْمُ نَفْسُهُ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ: لَنَقَضَ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ. ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شُغِلَ عَنْ الْعِشَاءِ لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا. ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اللَّيْلَةَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرَكُمْ".
وَلِمُسْلِمِ عَنْهُ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. فَخَرَجَ عَلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضُهُ - وَلَا نَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ شَغَلَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: "إنَّكُمْ لِتَنْتَظِرُونِ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا
стр. 928
أَهْلُ دِينٍ غَيْرَكُمْ وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْت بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ". ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى.
وَلِمُسْلِمِ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اعْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى. فَقَالَ: "إنَّهُ لَوَقْتُهَا؛ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي". فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّهُمْ نَامُوا وَقَالَ فِي بَعْضِهَا: إنَّهُمْ رَقَدُوا ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا ثُمَّ رَقَدُوا ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا.
وَكَانَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً وَقَدْ طَالَ انْتِظَارُهُمْ وَنَامُوا. وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ أَحَدًا لَا سُئِلَ وَلَا سَأَلَ النَّاسُ: هَلْ رَأَيْتُمْ رُؤْيَا؟ أَوْ هَلْ مَكَّنَ أَحَدُكُمْ مَقْعَدَتَهُ؟ أَوْ هَلْ كَانَ أَحَدُكُمْ مُسْتَنِدًا؟ وَهَلْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ؟ فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لَسَأَلَهُمْ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا الِانْتِظَارِ بِاللَّيْلِ - مَعَ كَثْرَةِ الْجَمْعِ - يَقَعُ هَذَا كُلُّهُ. وَقَدْ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اعْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرَكُمْ. وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ فِي النَّاسِ. وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي "بَابِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسْجِدِ بِاللَّيْلِ وَالْغَلَسِ" وَفِي "بَابِ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ" وَخَرَّجَهُ فِي "بَاب وُضُوءِ الصِّبْيَانِ وَحُضُورِهِمْ الْجَمَاعَةَ" وَقَالَ فِيهِ: "إنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ غَيْرَكُمْ".
стр. 929
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. يَعْنِي وَالنَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُنْتَظِرِينَ لِلصَّلَاةِ كَاَلَّذِي يَنْتَظِرُ الْجُمُعَةَ إذَا نَامَ أَيَّ نَوْمٍ كَانَ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ. فَإِنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِنَاقِضِ. وَإِنَّمَا النَّاقِضُ: الْحَدَثُ فَإِذَا نَامَ النَّوْمَ الْمُعْتَادَ الَّذِي يَخْتَارُهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ - كَنَوْمِ اللَّيْلِ وَالْقَائِلَةِ - فَهَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ الرِّيحُ فِي الْعَادَةِ وَهُوَ لَا يَدْرِي إذَا خَرَجَتْ فَلَمَّا كَانَتْ الْحِكْمَةُ خَفِيَّةً لَا نَعْلَمُ بِهَا: قَامَ دَلِيلُهَا مَقَامَهَا. وَهَذَا هُوَ النَّوْمُ الَّذِي يَحْصُلُ هَذَا فِيهِ فِي الْعَادَةِ. وَأَمَّا النَّوْمُ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ: هَلْ حَصَلَ مَعَهُ رِيحٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ثَابِتَةٌ بِيَقِينِ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَلِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهَا لَكِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَصٌّ يُوجِبُ النَّقْضَ بِكُلِّ نَوْمٍ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: "الْعَيْنُ وِكَاءُ السه فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ" قَدْ رُوِيَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةَ ﵄ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ: فَإِنَّمَا فِيهِ: "إذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ" وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ: أَنَّ النَّوْمَ الْمُعْتَادَ هُوَ الَّذِي يَسْتَطْلِقُ مِنْهُ الْوِكَاءُ. ثُمَّ نَفْسُ الِاسْتِطْلَاقِ لَا يَنْقُضُ. وَإِنَّمَا يَنْقُضُ مَا يَخْرُجُ مَعَ الِاسْتِطْلَاقِ. وَقَدْ يَسْتَرْخِي الْإِنْسَانُ حَتَّى يَنْطَلِقَ الْوِكَاءُ وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ. وَإِنَّمَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ: أُمِرْنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا إذَا كُنَّا سَفَرًا - أَوْ مُسَافِرِينَ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ. لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ. فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ نَقْضِ النَّوْمِ. وَلَكِنْ فِيهِ: أَنَّ لَابِسَ الْخُفَّيْنِ لَا يَنْزِعُهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَا يَنْزِعُهُمَا مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ فَهُوَ نَهْيٌ عَنْ نَزْعِهِمَا لِهَذِهِ الْأُمُورِ. وَهُوَ يَتَنَاوَلُ النَّوْمَ الَّذِي يَنْقُضُ. لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ كُلَّ نَوْمٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. هَذَا إذَا كَانَ لَفْظُ " النَّوْمِ " مِنْ كَلَامِ
стр. 930
النَّبِيِّ ﷺ . فَكَيْفَ إذَا كَانَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي؟ وَصَاحِبُ الشَّرِيعَةِ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ إذَا كَانُوا قُعُودًا أَوْ قِيَامًا فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا فَيَنْعَسُ أَحَدُهُمْ وَيَنَامُ وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِالْوُضُوءِ فِي مِثْلِ هَذَا.
أَمَّا الْوُضُوءُ مِنْ النَّوْمِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ النَّاسِ: فَهُوَ الَّذِي يَتَرَجَّحُ مَعَهُ فِي الْعَادَةِ خُرُوجُ الرِّيحِ وَأَمَّا مَا كَانَ قَدْ يَخْرُجُ مَعَهُ الرِّيحُ وَقَدْ لَا يَخْرُجُ: فَلَا يَنْقُضُ عَلَى أَصْلِ الْجُمْهُورِ. الَّذِينَ يَقُولُونَ: إذَا شَكَّ هَلْ يَنْقُضُ أَوْ لَا يَنْقُضُ؟ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ. بِنَاءً عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ» اهـ.
قلت: وهذا تحرير نفيس حول هذه المسألة التي كثر فيها النزاع.
وقد سبق الكلام على أكثر مسائل الحديث فيما تقدم.
* * *
стр. 931
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥١ - عَنْ عائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلاةُ، وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ.
وفي هذا الحديث مسائل منها:
١ - البداءة بالعشاء عند حضوره قبل الصلاة حتى لا يدخل في الصلاة وهو مشوش البال.
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٠٥):
«والمتشوفون إلى المعنى أيضاً قد لا يقصرون الحكم على حضور الطعام بل يقولون به عند وجود المعنى وهو التشوف إلى الطعام.
والتحقيق في هذا: أنَّ الطعام إذا لم يحضر فإمَّا أن يكون متيسر الحضور عن قريب حتى يكون كالحاضر أو لا؟ فإن كان الأول: فلا يبعد أن يكون حكمه حكم الحاضر، وإن كان الثاني وهو ما يتراخى حضوره: فلا ينبغي أن يلحق بالحاضر فإنَّ حضور الطعام يوجب زيادة تشوف وتطلع إليه وهذه الزيادة يمكن أن يكون الشارع اعتبرها في تقديم الطعام على الصلاة فلا ينبغي أن يلحق به ما لا يساويها للقاعدة الأصولية: إنَّ محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبراً لم يلغ» اهـ.
قلت: قصر الحكم على حضور الطعام هو الأولى تمشياً مع ظاهر الحديث، لا سيما أنَّ انشغال البال بالطعام الحاضر أشد من غيره.
стр. 932
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٥٨): «ومتى خالف، وصلى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه فصلاته مجزئه عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره، وإنَّما خالف فيه شذوذ من متأخري الظاهرية، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم» اهـ.
قلت: ولا تحصل الكراهة في ذلك إلَّا بقيود ثلاثة ذكرها العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ١٨١) فقال ﵀: «وخلاصة المسألة: أنَّها تحتاج إلى ثلاثة قيود:
١ - حضور الطعام.
٢ - توقان النفس إليه.
٣ - القدرة على تناوله شرعاً وحساً» اهـ.
قلت: والمراد بالصلاة في هذا الحديث صلاة المغرب لقرينة ذكر العَشاء، ولما رواه البخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ».
قلت: وقد ورد في بعض الروايات تقييد ذلك بمن كان صائماً فروى الشافعي في [السنن المأثورة] (١٤١) الطحاوي في [مشكل الآثار] (١٦٩١)، والطبراني في [الأوسط] (٥٠٧٥)، وابن حبان في [صحيحه] (٢٠٦٨)، والإسماعيلي في [معجم شيوخه] (٢٢٠) من طريق مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ
стр. 933
الصَّلَاةُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ، فَلْيَبْدَأْ بِالْعَشَاءِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ».
قلت: وهو مروي في مسلم (٥٥٧) من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب به من غير ذكر الصيام.
وعند البخاري (٦٧٢) من طريق عقيل عن ابن شهاب به كرواية مسلم.
وقد صحح هذه الزيادة الحافظ الدارقطني في [الإلزامات] ص (٣٥٥) فقال ﵀: «فزاد أحدهما على الآخر زيادة حسنة غير منكرة. فأخرج الحديث الناقص دون الحديث التام والرجلان موسى بن أعين وعبد الله بن وهب روياه، عن عمرو، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﵌: "إذا وضع العشاء" زاد ابن أعين: "وأحدكم صائم فابدءوا به قبل أن تصلوا" وأخرج حديث ابن وهب ولم يخرج حديث موسى، اللهم إلاَّ أن يكون لم يبلغه حديث موسى بن أعين الذي فيه الزيادة عذراً له في تركه» اهـ.
وصحح هذه الزيادة الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (١٠٤) فقال: «وهو صحيح» اهـ.
والعلامة الألباني ﵀ في [الصحيحة] (٣٩٦٤).
قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شرح مشكل الآثار] (٥/ ٢٤٠):
«فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ إِلَى الصُّوَّامِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ» اهـ.
قلت: ليس الحكم مختصاً بالصائم، ولا بالعشاء لحديث عائشة الآتي.
стр. 934
وإنَّما نص النبي ﷺ على العَشاء، وعلى صلاة المغرب لأنَّ هذا الطعام هو الذي يجتمع مع الصلاة في غالب أحوال الناس في تلك الأزمان فإنَّهم كانوا يأكلون في أول النهار، وآخره؛ فليس هناك طعام يصادف صلاة غير طعام العَشاء. والله أعلم.
قلت: ولمن حضر عنده العشاء وتاقت نفسه إليه أن يأكل منه حتى يفرغ من حاجته.
لما رواه البخاري (٦٧٣)، ومسلم (٥٥٩) عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ :
«إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ».
وروى البخاري (٦٧٤) معلقاً بصيغة الجزم عن ابن عمر قال، قال النبي ﷺ :
«إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ».
قلت: وقد وصله أبو عوانة في [مستخرجه] (١٠١٢)، وابن شاهين في [ناسخ الحديث ومنسوخه] (٢٣٠).
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٥٦): «فهذه الأحاديث كلها تدل على أنَّه إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فإنَّه يبدأ بالعشاء،
стр. 935
سواء كان قد أكل منه شيئاً أو لا، وأنَّه لا يقوم حتى يقضي حاجته من عشائه، ويفرغ منه.
وممن روي عنه تقديم العشاء على الصلاة: أبو بكر وعمر وابن عمر وابن عباس وأنس وغيرهم.
وروى معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: إنِّي لمع أبي بن كعب وأبي طلحة وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ على طعام، إذ نودي بالصلاة، فذهبت أقوم فأقعدوني، وأعابوا علي حين أردت أن أقوم وأدع الطعام.
خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في "مسائله".
وإلى هذا القول ذهب الثوري وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق وابن المنذر.
وقال أحمد: لا يقوم حتى يفرغ من جميع عشائه، وإن خاف أن تفوته الصلاة ما دام في وقت. قال: لأنَّه إذا تناول منه شيئاً ثم تركه كان في نفسه شغل من تركه الطعام إذا لم ينل منه حاجته.
وحاصل الأمر؛ أنَّه إذا حضر الطعام كان عذراً في ترك صلاة الجماعة، فيقدم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة، ولكن لا بد أن يكون له ميل إلى الطعام، ولو كان ميلاً يسيراً، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم.
وعلى ذلك دل تعليل ابن عباس والحسن وغيرهما، وكذلك ما ذكره البخاري عن أبي الدرداء.
فأمَّا إذا لم يكن له ميل بالكلية إلى الطعام، فلا معنى لتقديم الأكل على الصلاة» اهـ.
стр. 936
قلت: وقد خصَّ قوم ذلك بالطعام الخفيف الذي يؤمن معه إدراك صلاة الجماعة. وهذا القول محكي عن الإمام مالك، وإسحاق.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٥٠):
«قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا يُقَدِّمُ الْعَشَاءَ عَلَى الْجَمَاعَةِ إذَا كَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى الطَّعَامِ كَثِيرًا. وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا خَفِيفًا. وَقَالَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ عُمَرُ، وَابْنُهُ وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ» اهـ.
قلت: وقد رواه أبو داود (٣٢٦٧) بإسناد حسن عن ابن عمر، فقال ﵀: حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِىُّ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي فِى زَمَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى جَنْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: إِنَّا سَمِعْنَا أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْعَشَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَيْحَكَ مَا كَانَ عَشَاؤُهُمْ أَتُرَاهُ كَانَ مِثْلَ عَشَاءِ أَبِيكَ».
وروى مالك في [الموطأ] (١٠١٣) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، كَانَا يُصَلِّيَ انِ الْمَغْرِبَ، حِينَ يَنْظُرَانِ إِلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ، قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَا.
стр. 937
ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَذلِكَ فِي رَمَضَانَ».
قلت: إسناده إلى عثمان صحيح، وعن عمر منقطع.
قال الحافظ العلائي ﵀ في [جامع التحصيل] (ص: ١٦٨):
«حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال أبو زرعة حديثه عن أبي بكر وعلي ﵄ مرسل. قلت: قد سمع من أبيه وعثمان ﵄ فكيف يكون
стр. 938
عن علي مرسلاً وهو معه بالمدينة نعم روى عن عمر ﵁ وكأنَّه مرسل» اهـ.
قلت: لعلهما صنعا ذلك من أجل أن لا يشغلهم العشاء عن الصلاة، أو لبيان الجواز.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ٢٣ - ٢٤):
«فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا وَلِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَشِيَ أَنْ يَطُولَ الْمُكْثُ عَلَى الْعَشَاءِ فَقَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى الْعَشَاءِ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» اهـ.
وقال العلامة البيهقي ﵀ في [المعرفة] (٦/ ٢٨٦):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْكِتَابِ: كَأَنَّهُمَا يَرَيَانِ تَأْخِيرَ ذَلِكَ وَاسِعًا، لَا أَنَّهُمَا يَعْمَدَانِ الْفَضْلَ لِتَرْكِهِ بَعْدَ أَنْ أُبِيحَ لَهُمَا، وَصَارَا مُفْطِرَيْنِ بِغَيْرِ أَكَلٍ وَشُرْبٍ، لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصْلُحُ فِي اللَّيْلِ، وَلَا يَكُونُ بِهِ صَاحِبُهُ صَائِمًا وَإِنْ نَوَاهُ» اهـ.
وقال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (٢/ ٤٢)
«فَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ إذَا رَأَيَا سَوَادَ اللَّيْلِ فِي أُفْقِ الْمَشْرِقِ تَيَقَّنَا غُرُوبَ الشَّمْسِ فِي أُفْقِ الْمَغْرِبِ يَشْرَعَانِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ تَعْجِيلَهَا مَشْرُوعٌ فَكَانَا يَبْدَآنِ بِالْعِبَادَةِ فَإِذَا فَرَغَا مِنْ الصَّلَاةِ أَفْطَرَا وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْخِيرٍ لِلْفِطْرِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إنَّمَا كُرِهَ مِمَّنْ أَخَّرَهُ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ وَلَمْ يُؤَخِّرْ لِلْمُبَادَرَةِ إلَى عِبَادَةٍ» اهـ.
وقال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٤/ ١٠٤ - ١٠٥):
«وليس ما رواه مالك فى الموطأ، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن: "أنَّ عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ويفطران بعد الصلاة"، بمخالف لما روى من تعجيل الفطر، لأنَّهما إنَّما كانا يراعيان أمر الصلاة، وكانا يعجلان الفطر بعدها من غير كثرة تنقل، لما جاء من تعجيل الفطر، ذكره الداودى» اهـ.
قلت: وليس في الأحاديث تقييد ذلك بالطعام الخفيف، فالصحيح عدم التقييد. والله أعلم.
واستثنى قوم من أهل العلم الإمام من ذلك إذا دعي للصلاة وهو ظاهر صنيع البخاري في "صحيحه" فقد بوب ﵀ باباً قال فيه: «باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل». وأورد في ذلك حديثاً (٦٧٥) عن جعفر بن عمرو بن أمية أن أباه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٦٠): «وقد حمل البخاري هذا على أنَّ الإمام خاصة إذا دعي إلى الصلاة وهو يأكل فإنَّه يقوم إلى الصلاة ولا يتم أكله؛ لما في تأخيره من المشقة على المأمومين بانتظاره، فيكون دعاء الإمام إلى الصلاة بمنزلة إقامة الصلاة في حق المأمومين.
وقد حمله غيره - كما تقدم - على أنَّه إذا أقيمت الصلاة وقد أكل بعض طعامه أنَّه يقوم ولا يتمه.
والبخاري قد بين في الباب السابق أنَّ بعض ألفاظ حديث ابن عمر صريح في خلاف هذا، فلذلك حمله على الإمام خاصة، ولو أنَّه حمل على أنَّه - صلى الله عليه
стр. 939
وسلم - كان قد أتم أكله لكان محتملاً مع بعده؛ فإنَّ ظاهر اللفظ يقتضي أنَّه لم يكن أتم أكله.
وقد حمله بعضهم على أنَّه كان قد أخذ من طعامه ما يحتاج إليه بحيث لا تتوق نفسه بعده إلى شيء منه، فاكتفي بذلك.
وخرج أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة، قال: ضفت النبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوى، وأخذ الشفرة فجعل يحتز لي بها منه. قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة قال: فألقى الشفرة، وقال: "ماله؟ تربت يداه"، وقام.
ويروى من حديث جابر، أنَّ النبي ﷺ دعي إلى الصلاة وهو يأكل، فقام ثم رجع، فأتى ببقية الطعام.
ذكره الأثرم تعليقاً» اهـ.
قلت: حديث المغيرة رواه أحمد (١٧٥٠٢، ١٧٥٢٦)، وأبو داود (١٦٠)، والترمذي في [الشمائل] (١٦٥) من طريق وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ أَبِي صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «ضِفْتُ النَّبِىَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ - قَالَ - فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ - قَالَ - فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وَقَالَ: "مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ". وَقَامَ يُصَلِّي. زَادَ الأَنْبَارِىُّ وَكَانَ شَارِبِي وَفَى فَقَصَّهُ لِى عَلَى سِوَاكٍ. أَوْ قَالَ: "أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ"».
ورواه النسائي في [الكبرى] (٦٦٥٥) أخبرنا يوسف بن عيسى قال أنا الفضل بن موسى قال أنا مسعر به، وليس في حديثه ذكر السواك.
стр. 940
قلت: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات والمغيرة بن عبد الله أخرج له مسلم في الأصول.
وقد سبق الحديث في السواك، وهو يدل على أنَّه لم يقض حاجته من الطعام.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٥٨): «وبكل حال؛ فلا يرخص مع حضور الطعام في غير ترك الجماعة، فأمَّا الوقت فلا يرخص بذلك في تفويته عند جمهور العلماء، ونص عليه أحمد وغيره.
وشذت طائفة، فرخصت في تأخير الصلاة عن الوقت بحضور الطعام - أيضاً -، وهو قول بعض الظاهرية، ووجه ضعيف للشافعية، حكاه المتولي وغيره» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٤٦):
«وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمِ إِذَا صَلَّى كَذَلِكَ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَإِذَا ضَاقَ بِحَيْثُ لَوْ أَكَلَ أَوْ تَطَهَّرَ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ صَلَّى عَلَى حَالِهِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا وَحَكَى أَبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِحَالِهِ بَلْ يَأْكُلُ وَيَتَوَضَّأُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ فَلَا يَفُوتُهُ» اهـ.
قلت: ولا يشرع أن يتعمد إحضار الطعام وقت إقامة الصلاة بحيث أنَّه يفوِّت صلاة الجماعة ويتخذ ذلك عادة.
قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [شرح رياض الصالحين] (٦/ ٥٠٦):
«ولكنه لا ينبغي أن يجعل ذلك عادة له بحيث لا يقدم عشاءه أو غداءه إلا عند إقامة الصلاة» اهـ.
وجاء في [فتاوى اللجنة الدائمة - ٢] (٩/ ٣٣):
стр. 941
«وحديث: "إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء" وما جاء في معنى ذلك فالمراد به من قدم إليه الطعام أو حضر إلى طعام، فإنه يبدأ به قبل الصلاة حتى يأتي إلى الصلاة وقلبه قد فرغ من التطلع إلى الطعام، فيصلي بقلب خاشع، ولكن ليس له أن يطلب حضور الطعام أو تقديم الطعام قبل أن يصلي إذا كان ذلك يفوته الصلاة في أول الوقت أو الصلاة في الجماعة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
فائدة روى أبو داود (٢٣٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ مِنْهُ».
ورواه الحاكم (١٥٥٢)، والدارقطني (٢١٦٢) من طريق عبد الأعلى بن حماد النرسي ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به.
وقد تابع عبد الأعلى في ذلك عفان وعبد الواحد بن غياث رواه الحاكم (٧٣٢، ٧٤٣).
стр. 942
ورواه أحمد (١٠٦٣٧) ثنا روح ثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم به.
قلت: وقد اختلف في الحديث على روح. فروى أحمد في [المسند] (١٠٦٣٨)، وأحمد بن إسحاق الأهوازي عند الطبري في [تفسيره] (٣/ ٥٢٧)، ومحمد بن أحمد الرياحي عند البيهقي في [الكبرى] (٤/ ٢١٨) عنه عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. وزادا في حديثهما: «وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ إِذَا بَزَغَ الْفَجْرُ».
وروى كل من:
١ - الإمام أحمد كما سبق.
٢ - أحمد بن عبيد الله النرسي عند البيهقي في [الكبرى] (٤/ ٢١٨).
٣ - أحمد بن إسحاق الأهوازي عند الطبري في [تفسيره] (٣/ ٥٢٦)
كلهم من طريق روح ثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به. ولم يذكروا في حديثهم هذه الزيادة.
قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [علل الحديث] (١/ ١٢٣ - ١٢٤) رقم (٣٤٠):
«وسألت أبي عن حديث؛ رواه روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه".
стр. 943
قلت لأبي: وروى روح أيضاً عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله، وزاد فيه: "وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر".
قال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أمَّا حديث عمار فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح» اهـ.
٢ - وفيه ما يدل على أنَّ الدخول في الصلاة مع عدم تشوش البال مقدم على فعل الصلاة في أول وقتها، وعلى صلاة الجماعة.
٣ - وفيه ما يدل على أهمية الخشوع في الصلاة، وقد يحتج به على وجوب الخشوع في الصلاة، وذلك لأنَّ صلاة الجماعة واجبة، ولا يفوت الواجب إلَّا لأوجب منه.
قلت: وقد ذهب وجوب الخشوع في الصلاة جماعة من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقد قال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤): «وأيضاً: فقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين. كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ﴾. فقد دل كتاب الله على من كبر عليه ما يحبه الله. وأنَّه مذموم بذلك في الدين مسخوط منه ذلك والذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع. فمن المعلوم أنَّ الخشوع المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى
стр. 944
الْخَاشِعِينَ﴾ لا بد أن يتضمن الخشوع في الصلاة. فإنَّه لو كان المراد الخشوع خارج الصلاة لفسد المعنى إذ لو قيل: إنَّ الصلاة لكبيرة إلاَّ على من خشع خارجها ولم يخشع فيها: كان يقتضي أنَّها لا تكبر على من لم يخشع فيها وتكبر على من خشع فيها. وقد انتقى مدلول الآية. فثبت أنَّ الخشوع واجب في الصلاة. ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضاً قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
أخبر أنَّ هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة. وذلك يقتضي أنَّه لا يرثها غيرهم. وقد دل هذا على وجوب هذه الخصال. إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها لأنَّ الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات. ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلاَّ ما هو واجب. وإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعاً» اهـ.
وقال ﵀ (٢٢/ ٥٥٨ - ٥٦١): «ويدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أنَّ النبي ﷺ توعد تاركيه كالذي يرفع بصره إلى السماء فإنه حركته ورفعه وهو ضد حال الخاشع. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟
стр. 945
فاشتد قوله في ذلك. فقال لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم" وعن جابر بن سمرة قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وفيه ناس يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء. فقال: "لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء أو لا ترجع إليهم أبصارهم".
الأول: في البخاري، والثاني: في مسلم. وكلاهما في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه. وقال محمد بن سيرين: كان رسول الله ﷺ يرفع بصره في الصلاة. فلما نزلت هذه الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ لم يكن يجاوز بصره موضع سجوده. رواه الإمام أحمد في " كتاب الناسخ والمنسوخ ". فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع حرمه النبي ﷺ وتوعد عليه. وأمَّا الالتفات لغير حاجة فهو ينقص الخشوع ولا ينافيه. فلهذا كان ينقص الصلاة كما روى البخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد". وروى أبو داود والنسائي عن أبي الأحوص عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت. فإذا التفت انصرف عنه".
وأمَّا لحاجة فلا بأس به كما روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب. قال أبو داود: وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس. وهذا كحمله أمامة بنت أبي العاص بن الربيع من زينب بنت رسول الله.
стр. 946
وفتحه الباب لعائشة ونزوله من المنبر لما صلى بهم يعلمهم وتأخره في صلاة الكسوف وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن يقطع صلاته وأمره بقتل الحية والعقرب في الصلاة وأمره برد المار بين يدي المصلي ومقاتلته وأمره النساء بالتصفيق وإشارته في الصلاة وغير ذلك من الأفعال التي تفعل لحاجة ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث المنافي للخشوع المنهي عنه في الصلاة. ويدل على ذلك أيضاً: ما رواه تميم الطائي عن جابر بن سمرة ﵁ قال: دخل علينا رسول الله ﷺ والناس رافعوا أيديهم - قال الراوي - وهو زهير بن معاوية - وأراه قال في الصلاة - فقال:
"ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنَّها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة". رواه مسلم وأبو داود والنسائي ورووا أيضاً عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره. فلما صلى قال:
"ما بال أحدكم يومئ بيده كأنها أذناب خيل شمس؟ إنَّما يكفي أحدكم - أو ألا يكفي أحدكم - أن يقول: هكذا - وأشار بأصبعه - يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله" وفي رواية قال: "أما يكفي أحدكم أو أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله". ولفظ مسلم: صلينا مع رسول الله ﷺ وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنَّها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده". فقد أمر
стр. 947
رسول الله ﷺ بالسكون في الصلاة. وهذا يقتضي السكون فيها كلها» اهـ.
٤ - واحتج به من قال: إنَّ صلاة الجماعة ليست واجبة على الأعيان.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ١٤١): «ومما يوضح لك سقوط فرض الجماعة وأنَّها سنة وفضيلة لا فريضة قوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء"» اهـ.
وقال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٠٥): «وهذا صحيح إن أريد به: أنَّ حضور الطعام - مع التشوف إليه - عذر ترك الجماعة وإن أريد به الاستدلال على أنَّها ليست بفرض من غير عذر لم يصح ذلك» اهـ.
٥ - الحديث يدل على أنَّ وقت المغرب موسع، وقد سبق بيان ذلك.
٦ - يلحق بالحديث ما هو بمعناه مما يشغل الذهن، وما كان أشد منه من باب أولى.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٤٦):
«فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُرِيدُ أَكْلَهُ لِمَا فِيهِ مِنِ اشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِهِ وَذَهَابِ كَمَالِ الْخُشُوعِ وَكَرَاهَتِهَا مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثِينَ وَهُمَا الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَيَلْحَقُ بِهَذَا مَا كان في معناه مما يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ كَمَالَ الْخُشُوعِ» اهـ.
قلت: ويلحق بالأكل بطريق الأولى من أقيمت عليه الصلاة، وهو في ملاعبة أهله.
* * *
стр. 948
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٢ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ:
«لَا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ».
قوله: «لَا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» النفي بمعنى النهي أي لا يصل أحد بحضرة طعام.
وقد جاء عند ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٩٤٠)، وأبي عوانة في [مستخرجه] (١٠١٥)، بصيغة النهي، ولفظه: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ».
وقوله: «وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ». الأخبثان مثنى خبيث وهما البول والغائط.
قال العلامة العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (١/ ٢٤٧):
«وإنَّما ذكر المدافعة من باب المفاعلة الذي هو لمشاركة اثنين فصاعداً؛ لأنَّ كل
واحد من المصلي والأخبثين كأنَّه يدافع الآخر، فدفع المصلي بحبسه إياه، ومنعه من الخروج، ودفع الأخبثين بطلب الخروج» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - كراهة الصلاة تنزيها بحضرة طعام يتوق إليه وبمدافعة الأخبثين أو أحدهما لما في ذلك من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٩٧)
стр. 949
«وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ فَرَائِضِهَا شَيْئًا أَنَّ صَلَاتَهُ مُجْزِيَةٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ إِذَا صَلَّى حَاقِنًا فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ لِأَنْ لَا يَشْتَغِلَ قَلْبُ الْمُصَلِّي بِالطَّعَامِ فَيَسْهُو عَنْ صَلَاتِهِ وَلَا يُقِيمُهَا بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا وَكَذَلِكَ الْحَاقِنُ وَإِنْ كُنَّا نَكْرَهُ لِكُلِّ حَاقِنٍ أَنْ يَبْدَأَ بِصَلَاتِهِ فِي حَالَتِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَسَلِمَتْ صَلَاتُهُ جَزَتْ عَنْهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَالْمَرْءُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ فَلَيْسَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً وَلَا الشَّيْخُ فِي ذَلِكَ كَالشَّابِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وإن وجد ثقل البول والغائط من غير مدافعة فلا يدخل في النهي.
قال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ٢٢٧):
«وَأَمَّا إذَا كَانَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ ثِقَلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هُنَاكَ مُدَافَعَةٌ فَلَا نَهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ، وَمَعَ الْمُدَافَعَةِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، قِيلَ تَنْزِيهًا لِنُقْصَانِ الْخُشُوعِ، فَلَوْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ إنْ قَدَّمَ التَّبَرُّزَ وَإِخْرَاجَ الْأَخْبَثِينَ، قَدَّمَ الصَّلَاةَ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ مَكْرُوهَةٌ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ، وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا، وَعَنْ الظَّاهِرِيَّةِ: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ» اهـ.
٢ - قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٤٨): «ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع» اهـ.
قال العلامة الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ١٥٢): «ويلحق بهما مدافعة الريح» اهـ.
وقال العلامة علي بن سلطان ﵀ في [مرقاة المفاتيح] (٣/ ٨٣٥):
«وَفِي مَعْنَاهُ الرِّيحُ وَالْقَيْءُ وَالْمَذْيُ» اهـ.
стр. 950
قلت: وألحق بعضهم الجماع فجعل مدافعة خروج المني كمدافعة الأخبثين، وقول صاحب المرقاة: "وَالْمَذْيُ". لعل الصواب: المني، فإنَّ المذي لا مدافعة فيه.
قال العلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀ في [شرح منتهى الإرادات] (١/ ٢٠٩): «(وَ) يُكْرَهُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (فِيمَا) أَيْ: حَالَ (يَمْنَعُ كَمَالَهَا كَحَرٍّ) مُفْرِطٍ (وَبَرْدٍ وَجُوعٍ) مُفْرِطٍ (وَعَطَشٍ مُفْرِطٍ) لِأَنَّهُ يُقْلِقُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا (أَوْ) أَنْ يَبْتَدِئَهَا (حَاقِنًا) بِالنُّونِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ بَوْلٍ (، أَوْ حَاقِبًا) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ غَائِطٍ (أَوْ) يَبْتَدِئَهَا (مَعَ رِيحٍ مُحْتَبَسَةٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُزْعِجُهُ، كَتَعَبٍ شَدِيدٍ (أَوْ) يَبْتَدِئَهَا (تَائِقًا) أَيْ: مُشْتَاقًا (لِطَعَامٍ وَنَحْوِهِ) كَجِمَاعٍ وَشَرَابٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ» اهـ.
ونحوه في [مطالب أولي النهى] (١/ ٤٨٠) للعلامة مصطفى السيوطي الحنبلي.
٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٨٨): «قوله في حديث ابن عمر: "إذا وضع عشاء أحدكم" هذا أخص من الرواية الماضية حيث قال: "إذا وضع العشاء" فيحمل العشاء في تلك الرواية على عشاء من يريد الصلاة فلو وضع عشاء غيره لم يدخل في ذلك ويحتمل أن يقال بالنظر إلى المعنى لو كان جائعاً واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان أو يتناول مأكولاً يزيل شغل باله ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ ويؤيد هذا
следующие страницы →