Полный текст (8 095 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وفتحه الباب لعائشة ونزوله من المنبر لما صلى بهم يعلمهم وتأخره في صلاة الكسوف وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن يقطع صلاته وأمره بقتل الحية والعقرب في الصلاة وأمره برد المار بين يدي المصلي ومقاتلته وأمره النساء بالتصفيق وإشارته في الصلاة وغير ذلك من الأفعال التي تفعل لحاجة ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث المنافي للخشوع المنهي عنه في الصلاة. ويدل على ذلك أيضاً: ما رواه تميم الطائي عن جابر بن سمرة ﵁ قال: دخل علينا رسول الله ﷺ والناس رافعوا أيديهم - قال الراوي - وهو زهير بن معاوية - وأراه قال في الصلاة - فقال:
"ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنَّها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة". رواه مسلم وأبو داود والنسائي ورووا أيضاً عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره. فلما صلى قال:
"ما بال أحدكم يومئ بيده كأنها أذناب خيل شمس؟ إنَّما يكفي أحدكم - أو ألا يكفي أحدكم - أن يقول: هكذا - وأشار بأصبعه - يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله" وفي رواية قال: "أما يكفي أحدكم أو أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله". ولفظ مسلم: صلينا مع رسول الله ﷺ وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنَّها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده". فقد أمر
стр. 947
رسول الله ﷺ بالسكون في الصلاة. وهذا يقتضي السكون فيها كلها» اهـ.
٤ - واحتج به من قال: إنَّ صلاة الجماعة ليست واجبة على الأعيان.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ١٤١): «ومما يوضح لك سقوط فرض الجماعة وأنَّها سنة وفضيلة لا فريضة قوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء"» اهـ.
وقال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٠٥): «وهذا صحيح إن أريد به: أنَّ حضور الطعام - مع التشوف إليه - عذر ترك الجماعة وإن أريد به الاستدلال على أنَّها ليست بفرض من غير عذر لم يصح ذلك» اهـ.
٥ - الحديث يدل على أنَّ وقت المغرب موسع، وقد سبق بيان ذلك.
٦ - يلحق بالحديث ما هو بمعناه مما يشغل الذهن، وما كان أشد منه من باب أولى.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٤٦):
«فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُرِيدُ أَكْلَهُ لِمَا فِيهِ مِنِ اشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِهِ وَذَهَابِ كَمَالِ الْخُشُوعِ وَكَرَاهَتِهَا مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثِينَ وَهُمَا الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَيَلْحَقُ بِهَذَا مَا كان في معناه مما يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ كَمَالَ الْخُشُوعِ» اهـ.
قلت: ويلحق بالأكل بطريق الأولى من أقيمت عليه الصلاة، وهو في ملاعبة أهله.
* * *
стр. 948
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٢ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ:
«لَا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ».
قوله: «لَا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» النفي بمعنى النهي أي لا يصل أحد بحضرة طعام.
وقد جاء عند ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٩٤٠)، وأبي عوانة في [مستخرجه] (١٠١٥)، بصيغة النهي، ولفظه: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ».
وقوله: «وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ». الأخبثان مثنى خبيث وهما البول والغائط.
قال العلامة العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (١/ ٢٤٧):
«وإنَّما ذكر المدافعة من باب المفاعلة الذي هو لمشاركة اثنين فصاعداً؛ لأنَّ كل
واحد من المصلي والأخبثين كأنَّه يدافع الآخر، فدفع المصلي بحبسه إياه، ومنعه من الخروج، ودفع الأخبثين بطلب الخروج» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - كراهة الصلاة تنزيها بحضرة طعام يتوق إليه وبمدافعة الأخبثين أو أحدهما لما في ذلك من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٩٧)
стр. 949
«وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ فَرَائِضِهَا شَيْئًا أَنَّ صَلَاتَهُ مُجْزِيَةٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ إِذَا صَلَّى حَاقِنًا فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ لِأَنْ لَا يَشْتَغِلَ قَلْبُ الْمُصَلِّي بِالطَّعَامِ فَيَسْهُو عَنْ صَلَاتِهِ وَلَا يُقِيمُهَا بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا وَكَذَلِكَ الْحَاقِنُ وَإِنْ كُنَّا نَكْرَهُ لِكُلِّ حَاقِنٍ أَنْ يَبْدَأَ بِصَلَاتِهِ فِي حَالَتِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَسَلِمَتْ صَلَاتُهُ جَزَتْ عَنْهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَالْمَرْءُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ فَلَيْسَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً وَلَا الشَّيْخُ فِي ذَلِكَ كَالشَّابِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وإن وجد ثقل البول والغائط من غير مدافعة فلا يدخل في النهي.
قال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ٢٢٧):
«وَأَمَّا إذَا كَانَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ ثِقَلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هُنَاكَ مُدَافَعَةٌ فَلَا نَهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ، وَمَعَ الْمُدَافَعَةِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، قِيلَ تَنْزِيهًا لِنُقْصَانِ الْخُشُوعِ، فَلَوْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ إنْ قَدَّمَ التَّبَرُّزَ وَإِخْرَاجَ الْأَخْبَثِينَ، قَدَّمَ الصَّلَاةَ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ مَكْرُوهَةٌ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ، وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا، وَعَنْ الظَّاهِرِيَّةِ: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ» اهـ.
٢ - قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٤٨): «ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع» اهـ.
قال العلامة الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ١٥٢): «ويلحق بهما مدافعة الريح» اهـ.
وقال العلامة علي بن سلطان ﵀ في [مرقاة المفاتيح] (٣/ ٨٣٥):
«وَفِي مَعْنَاهُ الرِّيحُ وَالْقَيْءُ وَالْمَذْيُ» اهـ.
стр. 950
قلت: وألحق بعضهم الجماع فجعل مدافعة خروج المني كمدافعة الأخبثين، وقول صاحب المرقاة: "وَالْمَذْيُ". لعل الصواب: المني، فإنَّ المذي لا مدافعة فيه.
قال العلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀ في [شرح منتهى الإرادات] (١/ ٢٠٩): «(وَ) يُكْرَهُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (فِيمَا) أَيْ: حَالَ (يَمْنَعُ كَمَالَهَا كَحَرٍّ) مُفْرِطٍ (وَبَرْدٍ وَجُوعٍ) مُفْرِطٍ (وَعَطَشٍ مُفْرِطٍ) لِأَنَّهُ يُقْلِقُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا (أَوْ) أَنْ يَبْتَدِئَهَا (حَاقِنًا) بِالنُّونِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ بَوْلٍ (، أَوْ حَاقِبًا) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ غَائِطٍ (أَوْ) يَبْتَدِئَهَا (مَعَ رِيحٍ مُحْتَبَسَةٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُزْعِجُهُ، كَتَعَبٍ شَدِيدٍ (أَوْ) يَبْتَدِئَهَا (تَائِقًا) أَيْ: مُشْتَاقًا (لِطَعَامٍ وَنَحْوِهِ) كَجِمَاعٍ وَشَرَابٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ» اهـ.
ونحوه في [مطالب أولي النهى] (١/ ٤٨٠) للعلامة مصطفى السيوطي الحنبلي.
٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٨٨): «قوله في حديث ابن عمر: "إذا وضع عشاء أحدكم" هذا أخص من الرواية الماضية حيث قال: "إذا وضع العشاء" فيحمل العشاء في تلك الرواية على عشاء من يريد الصلاة فلو وضع عشاء غيره لم يدخل في ذلك ويحتمل أن يقال بالنظر إلى المعنى لو كان جائعاً واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان أو يتناول مأكولاً يزيل شغل باله ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ ويؤيد هذا
стр. 951
الاحتمال عموم قوله في رواية مسلم من طريق أخرى عن عائشة: "لا صلاة بحضرة طعام" الحديث وقول أبي الدرداء الماضي إقباله على حاجته» اهـ.
٤ - قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (١٠٥):
«ومدافعة الأخبثين إمَّا أن تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا، فإن أدى إلى ذلك امتنع دخول الصلاة معه وإن دخل واختل الركن أو الشرط: فسدت بذلك الاختلال وإن لم يؤد إلى ذلك فالمشهور فيه الكراهة» اهـ.
قلت: والظاهرية على الفساد مطلقاً.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ١٠٥ - ١٠٦):
«قَالَ أَصْحَابُنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُزِيلَ هَذَا الْعَارِضَ ثُمَّ يَشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُصَلِّي مَعَ الْعَارِضِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ وَالثَّانِي حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يُزِيلُ الْعَارِضَ فَيَتَوَضَّأُ وَيَأْكُلُ وَإِنْ خرج الوقت ثم يقضيها لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ إذَا انْتَهَى بِهِ مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثَيْنِ إلَى أَنْ ذَهَبَ خُشُوعُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عن أهل الظاهر بطلانها والله أعلم» اهـ.
٥ - قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ١٧٩ - ١٨٠):
«مسألة: إذا قال قائل: إنَّ الوقت قد ضاق، وهو الآن يدافع أحد الأخبثين فإن قضى حاجته وتوضأ خرج الوقت، وإن صلى قبل خروج الوقت صلى وهو يدافع الأخبثين، فهل يصلي وهو يدافع
стр. 952
الأخبثين، أو يقضي حاجته ويصلي؛ ولو بعد الوقت؟
فالجواب: إن كانت الصلاة تجمع مع ما بعدها فليقض حاجته وينوي الجمع؛ لأنَّ الجمع في هذه الحال جائز، وإن لم تكن تجمع مع ما بعدها كما لو كان ذلك في صلاة الفجر، أو في صلاة العصر، أو في صلاة العشاء، فللعلماء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنَّه يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين حفاظاً على الوقت، وهذا رأي الجمهور.
القول الثاني: يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت.
وهذا القول أقرب إلى قواعد الشريعة؛ لأنَّ هذا بلا شك من اليسر، والإنسان إذا كان يدافع الأخبثين يخشى على نفسه الضرر مع انشغاله عن الصلاة.
وهذا في المدافعة القريبة.
أمَّا المدافعة الشديدة التي لا يدري ما يقول فيها، ويكاد يتقطع من شدة الحصر، أو يخشى أن يغلبه الحدث فيخرج منه بلا اختيار، فهذا لا شك أنَّه يقضي حاجته ثم يصلي، وينبغي ألا يكون في هذا خلاف» اهـ.
قلت: أمَّا الصورة الأولى فالذي يظهر لي أنَّ مذهب الجمهور أصح وذلك أنَّ الوقت أهم شروط الصلاة فهو مقدم على مراعاة الخشوع. والله أعلم.
٦ - قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح": «الأفضل في ركعتي الطواف أن تكون خلف المقام، لكن إذا كان المطاف مزدحماً ووصل
стр. 953
الطائفون إلى المقام فلا يجوز أن تصلي في المكان الذي يحتاج إليه الطائفون؛ لأنَّ في ذلك إيذاءً لهم وتضييقاً عليهم، ويحصل لك انشغال وتشويش، وقد نهى النبي ﷺ أن يصلي الإنسان وهو مشغول البال، فقال ﷺ : "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" ومدافعة الناس الطائفين وأنت تصلي أشد من مدافعة الأخبثين، وفي هذه الحالة نقول: صلِّ في أي مكان في المسجد، لكن الأفضل أن تجعل المقام بينك وبين الكعبة ولو كنت بعيداً» اهـ.
* * *
стр. 954
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ».
٥٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ».
قال المصنف: وفي البابِ عنْ عليِّ بنِ أَبي طالبٍ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، وأَبي هريرةَ، وسَمُرَةَ بنِ جُندُبِ، وسَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ ومعاذِ بنِ جبلٍ، ومعاذِ بنِ عفراء، وكعبِ بنِ مُرَّةَ، وأَبي أُمامةَ الباهليِّ، وعمرِو بنِ عبسةَ السُلَميِّ، وعائشةَ ﵃، والصَّنابحيِّ، ولم يسمعْ منَ النبيِّ ﷺ . فحديثه مُرْسل.
قوله: «شَهِدَ عِنْدِي». أي حدثني وأخبرني ففيه أنَّ الإخبار بالشيء شهادة، وإن لم يقل القائل: شهدت.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
وفي الحديثين مسائل منها:
стр. 955
١ - قوله: «شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ -». رد على الروافض الذين يطعنون في أصحاب رسول الله ﷺ ولا يترضون عنهم، وفيه ما يدل على أنَّ آل البيت يعرفون للصحابة فضلهم لا سيما أكابرهم كعمر بن الخطاب ﵁.
٢ - وفي الحديثين نهي النبي ﷺ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب. فهل المراد بذلك وقت الصلاة أو فعلها، فأمَّا العصر فالمراد به فعلها، وأمَّا الصبح فتنازع في ذلك العلماء.
وقد روى البخاري (١١٩٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ».
وروى مسلم (٨٢٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ».
وروى مسلم (٨٣٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ».
стр. 956
قلت: وهذه الأحاديث تدل على أنَّ وقت النهي يدخل بفعل صلاة الفجر.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٢٠): «وقوله: "نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس"، أول هذا الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا طلع الفجر، وهو المراد بقوله في هذه الرواية: "بعد الصبح"؛ فإنَّ الصبح هو الفجر، كما قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: "نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس"
وهذا قول جمهور العلماء: أنَّ أول وقت النهي عن الصلاة إذا طلع الفجر.
وروي معنى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة.
وقال النخعي: كانوا يكرهون ذلك.
وكرهه سعيد بن المسيب، قال: هو خلاف السنة.
وعطاء والحسن قال: وما سمعت فيه بشيء، والعلاء بن زياد وحميد ابن عبد الرحمن.
وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه.
وذكر أبو نصر بن الصباغ من الشافعية: أنَّه ظاهر مذهب الشافعي.
وحكى الترمذي في "جامعه" أنَّ أهل العلم أجمعوا عليه، وكرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلَّا ركعتي الفجر.
стр. 957
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: "لا صلاة بعد الفجر إلَّا سجدتين".
وله طرق متعددة عن ابن عمر.
وخرج الطبراني والدارقطني والبزار نحوه من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ .
وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
وله عنه طرق.
وروي عن ابن المسيب مرسلاً، وهو أصح.
ومراسيل ابن المسيب أصح المراسيل.
وفي "صحيح مسلم"، عن حفصة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلَّا ركعتين خفيفتين.
وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أي الساعات أفضل؟ قال: "جوف الليل الآخر، ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا صلاة، إلَّا الركعتين حتى تصلي الفجر".
وخرجه ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة، عن النبي ﷺ بمعناه، وقال فيه: "فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح، ثم انته حتى تطلع الشمس".
وخرجه النسائي، وعنده: "حتى تصلي الصبح".
стр. 958
فقد تعارضت الروايتان في حديث عمرو بن عبسة.
ومما يدل على أنَّ وقت النهي يدخل بطلوع الفجر: قول النبي ﷺ : "إنَّ بلالاً يؤذن بليل حتى يرجع قائمكم ويوقظ نائمكم".
وقد خرجاه في "الصحيحين" من حديث ابن مسعود.
فإن معنى: "يرجع قائمكم": أنَّ المصلي بالليل يمسك عن الصلاة ويكف عنها.
وقد رخص طائفة من العلماء في بعض الصلوات بعد طلوع الفجر، قبل صلاة الفجر، كالوتر وصلاة الليل. روي عن عمر وعائشة في صلاة الليل. وإلى ذلك ذهب مالك في الوتر وقضاء صلاة الليل.
وروي عن عطاء.
ونص أحمد عليه في الوتر، وحكى ابن أبي موسى مذهب أحمد جواز قضاء صلاة الليل فيه بغير خلاف حكاه في المذهب، وحكى الخلاف في بقية ذوات الأسباب، كتحية المسجد وغيرها.
وقال آخرون: لا يدخل وقت النهي حتى يصلي الفجر.
ورويت الرخصة في الصلاة قبل صلاة الفجر عن الحسن وطاووس.
والمشهور عند عامة أصحاب الشافعي من مذهبه: الرخصة في ذلك، حتى يصلي الفجر.
وحكي رواية عن أحمد.
стр. 959
وفي "صحيح مسلم" عن عمرو بن عبسة، أنَّه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، أخبرني عن الصلاة؟ فقال: "صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع؛ فإنَّها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار" وذكر الحديث.
وهذا إنَّما يدل بمفهومه، وقد عارض مفهومه منطوق الروايات الأولى، فيقدم المنطوق عليه» اهـ.
قلت: لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام نفيس في أوقات الكراهة فقد قال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٠٠ - ٢٠٥): «فصل: والنهي في العصر معلق بصلاة العصر: فإذا صلاها لم يصل بعدها وإن كان غيره لم يصل وما لم يصلها فله أن يصلي وهذا ثابت بالنص والاتفاق؛ فإنَّ النهي معلق بالفعل.
وأمَّا الفجر: ففيها نزاع مشهور وفيه عن أحمد روايتان:
قيل: إنَّه معلق بطلوع الفجر فلا يتطوع بعده بغير الركعتين وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة. قال النخعي: كانوا يكرهون التطوع بعد الفجر.
وقيل: إنَّه معلق بالفعل كالعصر. وهو قول الحسن والشافعي فإنَّه لم يثبت النهي إلَّا بعد الصلاة كما في العصر. وأحاديث النهي تسوي بين الصلاتين كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: "شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب".
وكذلك فيهما عن أبي هريرة ولفظه: "وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب"، وفيهما عن أبي سعيد قال: قال رسول الله
стр. 960
ﷺ : "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس"، ولمسلم: "لا صلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر"، وفي صحيح مسلم حديث عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله: أخبرني عن الصلاة قال: "صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإنَّها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صل فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار". والأحاديث المختصة بوقت الطلوع والغروب وبالاستواء: حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب" هذا اللفظ لمسلم، وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن. موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب".
ووقت الزوال ليس في عامة الأحاديث ولم يذكر حديثه البخاري؛ لكن رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر، ومن حديث عمرو بن عبسة، وتابعهما الصنابحي. وعلى هذه الثلاثة اعتمد أحمد ولما ذكر له الرخصة في الصلاة نصف النهار يوم الجمعة قال: في حديث النبي ﷺ من ثلاثة أوجه:
стр. 961
حديث عقبة بن عامر، وحديث عمرو بن عبسة، وحديث الصنابحي. والخرقي لم يذكره في أوقات النهي بل قال: ويقضي الفوائت من الصلوات الفرض ويركع للطواف وإن كان في المسجد وأقيمت الصلاة وقد كان صلى في كل وقت نهي عن الصلاة فيه وهو بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب. وهذا يقتضي أنَّه ليس وقت نهي إلَّا هذان ويقتضي أنَّ ما أباحه يفعل في أوقات النهي كإحدى الروايتين ويقتضي أنَّ النهي معلق بالفعل فإنَّه قال: بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولم يقل الفجر ولو كان النهي من حين طلوع الفجر لاستثنى الركعتين بل استثنى الفرض والنفل. وهذه ألفاظ الرسول فإنَّه نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس كما نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس.
ومعلوم أنَّه لو أراد الوقت لاستثنى ركعتي الفجر والفرض كما ورد استثناء ذلك في ما نهى عنه حيث قال: "لا صلاة بعد الفجر إلَّا سجدتين" فلما لم يذكر ذلك في الأحاديث علم أنَّه أراد فعل الصلاة كما جاء مفسراً في أحاديث صحيحة. ولأنَّه يمتنع أن تكون أوقات الصلاة المكتوبة فرضها وسنتها وقت نهي وما بعد الفجر وقت صلاة الفجر سنتها وفرضها فكيف يجوز أن يقال: إنَّ هذا وقت نهي؟ وهل يكون وقت نهي سنَّ فيه الصلاة دائماً بلا سبب؟ وأمر بتحري الصلاة فيه؟ هذا تناقض مع أنَّ هذا الوقت جعل وقتاً للصلاة إلى طلوع الشمس ليس كوقت العصر الذي جعل آخر الوقت فيه إذا اصفرت الشمس. والنهي هو لأنَّ الكفار يسجدون لها وهذا لا يكون من طلوع الفجر ولهذا كان الأصل في النهي عند الطلوع والغروب كما في حديث ابن عمر لكن نهى عن الصلاة بعد الصلاتين سداً للذريعة فإنَّ المتطوع قد يصلي بعدهما حتى يصلي وقت الطلوع والغروب. والنهي
стр. 962
في هذين أخف ولهذا كان يداوم على الركعتين بعد العصر حتى قبضه الله. فأمَّا قبل صلاة الفجر فلا وجه للنهي لكن لا يسن ذلك الوقت إلَّا الفجر سنتها وفرضها. ولهذا كان النبي ﷺ يصلي بالليل ويوتر ثم إذا طلع الفجر صلى الركعتين ثم صلى الفرض وكان يضطجع أحياناً ليستريح إمَّا بعد الوتر وإمَّا بعد ركعتي الفجر وكان إذا غلبه من الليل نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة بدل قيامه من الليل ولم يكن يقضي ذلك قبل صلاة الفجر؛ لأنَّه لم يكن يتسع لذلك فإنَّ هذه الصلاة فيها طول وكان يغلس بالفجر. وفي الصحيح: "من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنَّما قرأه من الليل" ومعلوم أنَّه لو أمكن قراءة شيء منه قبل صلاة الفجر كان أبلغ لكن إذا قرأه قبل الزوال كتب له كأنَّما قرأه من الليل فإنَّ هذا الوقت تابع لليلة الماضية ولهذا يقال فيما قبل الزوال: فعلناه الليلة. ويقال بعد الزوال: فعلناه البارحة وهو وقت الضحى وهو خلف عن قيام الليل. ولهذا كان النبي ﷺ إذا نام عن قيامه قضاه من الضحى فيصلي اثنتي عشرة ركعة. وقد جاء هذا عن عمر وغيره من الصحابة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. فما بعد طلوع الفجر إنَّما سن للمسلمين السنة الراتبة وفرضها الفجر وما سوى ذلك لم يسن ولم يكن منهياً عنه إذا لم يتخذ سنة كما في الحديث الصحيح: "بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء". كراهية أن يتخذها الناس سنة.
стр. 963
فهذا فيه إباحة الصلاة بين كل أذانين كما كان الصحابة يصلون ركعتين بين أذاني المغرب والنبي ﷺ يراهم ويقرهم على ذلك فكذلك الصلاة بين أذاني العصر والعشاء كذلك بين أذاني الفجر والظهر لكن بين أذاني الفجر الركعتان سنة بلا ريب وما سواها يفعل ولا يتخذ سنة فلا يداوم عليه ويؤمر به جميع المسلمين كما هو حال السنة فإنَّ السنة تعم المسلمين ويداوم عليها كما أنَّهم كلهم مسنون لهم ركعتا الفجر والمداومة عليها.
فإذا قيل: لا سنة بعد طلوع الفجر إلَّا ركعتان فهذا صحيح وأمَّا النهي العام فلا. والإنسان قد لا يقوم من الليل فيريد أن يصلي في هذا الوقت وقد استحب السلف له قضاء وتره بل وقيامه من الليل في هذا الوقت وذلك عندهم خير من أن يؤخره إلى الضحى» اهـ.
قلت: حديث النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر غير ركعتي الفجر رواه أبو داود (١٢٧٨)، والترمذي (٤١٩) من طريق قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ يَسَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ رَآنِى ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلِّى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ يَا يَسَارُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلِّى هَذِهِ الصَّلَاةَ فَقَالَ: «لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ».
قلت: فيه أيوب بن حصين، ويقال: محمد بن حصين، وهو في عداد مجهولي الحال، والحديث حسن بشواهده.
стр. 964
ورواه أحمد (٤٧٥٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْخٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ».
قال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠):
«يرويه قدامة بن موسى، واختُلِفَ عنه؛
فرواه الدراوردي، عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة - مولى ابن عباس، عن يسار - مولى ابن عُمَر، عن ابن عُمَر.
وتابعه عمر بن علي المقدمي.
وخالفهم سليمان بن بلال، ووهيب فروياه عن قدامة بن موسى، عن أيوب بن الحصين، عن أبي علقمة، عن يسار، عن ابن عُمَر.
ورواه علي بن عاصم، عن قدامة بن موسى، عن أبي علقمة، لم يذكر بينهما أحداً.
ورواه وكيع، عن قدامة بن موسى، عن رجل - لم يسمه، عن ابن عمر.
ويشبه أن يكون القول قول سليمان بن بلال، ووهيب، لأنهما ثبتان» اهـ.
قلت: وللحديث شواهد منها:
ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٧٥٧)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٣٦٨)، والدارقطني في [سننه] (٩٦٥، ١٥٥١)، والبيهقي في [الكبرى] (٤١٢٨) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ
стр. 965
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ».
قلت: فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف.
وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح الحافظ البيهقي فيه الرفع.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٧٥٦)، والبيهقي في [الكبرى] (٤١٣٠) من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ».
قال الحافظ البيهقي: يَعْنِي الْفَجْرَ وَرُوِيَ مَوْصُولًا بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ وَصَلُهُ اهـ.
ورواه الخطيب البغدادي ﵀ في [الفقيه والمتفقه] (٣٨١) من طريق عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ صَلَّى بَعْدَ النِّدَاءِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ فَحَصَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُكُمْ يَعْلَمُ فَلْيَسْأَلْ، إِنَّهُ لَا صَلَاةَ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ» قَالَ: فَانْصَرَفَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَتَخْشَى أَنْ يُعَذِّبُنِيَ اللَّهُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «بَلْ أَخْشَى أَنْ يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ».
قلت: حديث الثوري أصح.
وروى البيهقي في [الكبرى] (٤١٣١) أنبأ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ، أنبأ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّارَكِيُّ، ثنا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
стр. 966
أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُكْثِرُ فِيهَا الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ يُعَذِّبُنِي اللهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا وَلَكِنْ يُعَذِّبُكَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ».
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٧٥٥)، والدارمي في [سننه] (٤٤٤) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي رِيَاحٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُكَرِّرُ الرُّكُوعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَيُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟» قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ يُعَذِّبُكَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ».
وجاء عند الدارمي عَنْ أَبِي رَبَاحٍ - شَيْخٌ مِنْ آلِ عُمَرَ - هكذا ذكره بالموحدة التحتية.
وعلى كل حال لا يدرى من هو فهو علة هذه القصة.
٣ - قوله في حديث أبي سعيد ﵁: «حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ» يدل أنَّ وقت الكراهة ينتهي بارتفاع الشمس ولم يبين في هذا الحديث مقدار الارتفاع، وقد جاء بيان ذلك في حديث عمرو بن عبسة فروى أحمد (١٦٤٠٠)، أبو داود (١٠٨٥) واللفظ له، والنسائي (٥٦٨) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِىِّ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ قَالَ:
«جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَصَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حَتَّى تُصَلِّىَ الصُّبْحَ ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَتَرْتَفِعَ قِيْسَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَتُصَلِّى لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحُ ظِلَّهُ ثُمَّ أَقْصِرْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ وَتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا فَإِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ
стр. 967
فَصَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تُصَلِّىَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَيُصَلِّى لَهَا الْكُفَّارُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
قال العلامة الخطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ٢٧٦): «وقيس رمح معناه قدر رمح في رأي العين يقال هو قيس رمح وقِيد رمح بمعنى واحد» اهـ.
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ١٨٣ - ١٨٤):
«وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الِارْتِفَاعِ عَنْ الْأُفُقِ بَلْ الِارْتِفَاعُ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ صُفْرَةُ الشَّمْسِ أَوْ حُمْرَتُهَا، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا تُنَافِي لَفْظَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى عِنْدَ حَضْرَةُ الشَّيْءِ فَمَا قَارَبَ الطُّلُوعَ، وَالْغُرُوبَ فَلَهُ حُكْمُهُ لَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يُقَارِبُ الطُّلُوعَ مِمَّا بَعْدَهُ، وَمَا يُقَارِبُ الْغُرُوبَ مِمَّا قَبْلَهُ وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ: إنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بِطُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ بِتَمَامِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الِارْتِفَاعِ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا» اهـ.
وقال العلامة العيني الحنفي ﵀ في [عمدة القاري] (٥/ ٨٩):
«وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي قدر الْوَقْت الَّذِي تُبَاح فِيهِ الصَّلَاة بعد الطُّلُوع. قَالَ فِي الأَصْل: حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس قدر رمح أَوْ رُمْحَيْنِ. وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْفضل: مَا دَامَ الْإِنْسَان يقدر على النّظر إِلَى قرص الشَّمْس لَا تُبَاح فِيهِ الصَّلَاة، فَإِنْ عجز عَنْ النّظر تُبَاح» اهـ.
قلت: الصحيح هو العمل بالحديث.
стр. 968
وقدَّر العلامة ابن عثيمين ﵀ ذلك بالدقائق فقال في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٨٧):
«ووقتُ النَّهي: من طُلوع الشَّمس إلى أن ترتفع قِيد رُمحٍ، أي: بعين الرَّائي، وإلَّا فإن هذا الارتفاع قِيد رُمحٍ بحسب الواقع أكثر من مساحة الأرض بمئات المرَّات، لكن نحن نراه بالأُفق قِيد رُمحٍ، أي: نحو متر.
وبالدَّقائق المعروفة: حوالي اثنتي عشرة دقيقة، ولنجعله ربع ساعة خمس عشرة دقيقة؛ لأنَّه أحوط فإذا مضى خمس عشرة دقيقة من طلوع الشَّمس، فإنَّه يزول وقت النَّهي، ويدخل وقت صلاة الضُّحى» اهـ.
وقال العلامة ابن باز ﵀ كما في [مجموع فتاوى ابن باز] (١١/ ٣٩٧):
«صلاة الضحى مشروعة كل يوم وأقلها ركعتان والأحاديث فيها كثيرة، ووقتها يبتدئ من ارتفاع الشمس قيد رمح في عين الناظر وذلك يقارب ربع ساعة بعد طلوعها» اهـ.
قلت: وقد بيَّن العلماء مقدار الرمح فقال العلامة محمد بن عبد الله الخرشي المالكي ﵀ في [شرح مختصر خليل] (١/ ٢٢٤):
«وَطُولُ الرُّمْحِ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا مِنْ الْأَشْبَارِ الْمُتَوَسِّطَةِ» اهـ.
وقال ابن عابدين الحنفي ﵀ في [حاشيته] (٢/ ١٧١):
«"قَوْلُهُ: قَدْرَ رُمْحٍ" هُوَ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا» اهـ.
قلت: ومقدار ذلك بالأمتار متران ونصف مع زيادة يسيرة.
стр. 969
٤ - احتج بهذا الحديث من ذهب إلى المنع من صلاة ذوات الأسباب وغيرها في وقت الكراهة.
وهذه المسألة تنازع فيها العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٩١):
«وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَتِلْكَ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا قَوْلُ أَحْمَد أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَحَادِيثُ خَاصَّةٌ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ فَلِهَذَا اسْتَثْنَاهَا وَاسْتَثْنَى الْجِنَازَةَ فِي الْوَقْتَيْنِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا سَائِرُ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ: مِثْلَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَمِثْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ وَمِثْلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ. فَاخْتَلَفَ كَلَامُهُ فِيهَا. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ النَّهْيُ وَهُوَ اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: كالخرقي وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ. لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ السُّجُودَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ لَا وَاجِبَ عِنْدَهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: جَوَازُ جَمِيعِ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي هَذَا الْبَابِ لِوُجُوهِ» اهـ.
قلت: قوله: «وَتِلْكَ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ». أي صلاة ركعة من الفجر عند طلوع الفجر، وركعة من العصر عند غروبها، وركعتا الطواف، والمعادة إذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٥):
стр. 970
«حمل الحنفية هذا النهي الذي في هذا الحديث وفي صورة الاستواء على عمومه فطرد النهي في كل صلاة، ولو كانت فريضة فائتة، ولو كانت ذات سبب كصلاة الجنازة وسجود التلاوة، ولو صبح يومه فلو أخر صلاة الصبح حتى شرعت الشمس في الطلوع لم يجز أن يبتدئها حتى يتم طلوعها وترتفع، ولو شرع فيها قبل ذلك فطلعت الشمس، وهو في أثنائها بطلت ووجب استئنافها بعد ذلك ولم يستثن من ذلك إلَّا عصر يومه فقالوا له فعله عند غروب الشمس، ولو شرع فيه قبل ذلك فغربت الشمس، وهو في أثنائها، أتم، وقالوا: إنَّ النهي عن الصلاة بعد الصبح، والعصر ليس على عمومه فله أن يصلي في ذينك الوقتين الفوائت وسجدة التلاوة ويصلي على الجنازة وعللوه بأنَّ الكراهة إنَّما هي حق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به لا لمعنى في الوقت بخلاف الأوقات الثلاثة المقدمة.
وبذلك يظهر أنَّ قول النووي في شرح مسلم اتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها مردود، فإنَّ الحنفية منعوا الصبح فيها والله أعلم.
وزاد بعضهم على ذلك فمنع العصر أيضاً ذكر ابن حزم من طريقه أنَّ أبا بكر نام في بستان عن العصر فلم يستيقظ حتى اصفرت الشمس فلم يصل حتى غربت الشمس، ثم قام فصلى.
وذهب أصحابنا الشافعية إلى أنَّ النهي في جميع الصور إنَّما هو في صلاة لا سبب لها فأمَّا ما له سبب متقدم عليه أو مقارن له فيجوز فعله في وقت الكراهة، وهذا كالفائتة، ولو كانت من السنن الرواتب أو من النوافل التي اتخذها الإنسان ورداً له وكصلاة الجنازة وسجود التلاوة، والشكر وركعتي الطواف وصلاة
стр. 971
الكسوف وسنة الوضوء، ولو توضأ في وقت الكراهة وصلاة الاستسقاء على الأصح خلافاً لما صححه النووي في "شرح المهذب" فيها في بابها، وتحية المسجد إذا دخل لغرض غير صلاة التحية فلو دخل لا لحاجة بل ليصلي التحية فقط ففيه وجهان.
ذكر الرافعي والنووي أنَّ أقيسهما الكراهة وشبها ذلك بما لو أخر الفائتة ليصليها في هذه الأوقات، وفيه نظر، فإنَّه لو فعل ذلك لم نقل بكراهة فعلهما في هذه الأوقات، والمكروه هو التأخير فمقتضاه أن يكون المكروه هنا دخوله المسجد في ذلك الوقت بذلك القصد لا فعل التحية في ذلك الوقت "وقولي أولاً" ما له سبب متقدم أو مقارن خرج به ما له سبب متأخر عنه كصلاة الاستخارة وركعتي الإحرام فيكره فعلهما في وقت الكراهة على الأصح.
وقال في "شرح المهذب": إن مقابله قوي فهذا تفصيل مذهبنا ووافقنا الحنابلة على قضاء الفائتة إذا كانت فريضة وفي ركعتي الطواف وفصلوا في قضاء النافلة فقالوا في الوتر: إنَّ له فعله قبل صلاة الصبح مع أنَّ المشهور عندهم ثبوت الكراهة من طلوع الفجر كما تقدم، وكذا حكى ابن أبي موسى في الإرشاد عن أحمد أنَّ له قضاء صلاة الليل قبل فعل الصبح قياساً على الوتر، وقد تقدم مثل ذلك عن المالكية وجوزوا أيضاً قضاء سنة الفجر بعدها، وإن كان الأفضل عندهم تأخير ذلك إلى الضحى.
وأمَّا بقية الرواتب فالصحيح عندهم جواز قضائها بعد صلاة العصر خاصة دون بقية أوقات النهي وعن أحمد رواية أخرى أنَّه يجوز فعلها في أوقات النهي مطلقاً، وأمَّا كل صلاة لها سبب كتحية المسجد وصلاة الكسوف وسجود التلاوة
стр. 972
فالمشهور عندهم منعها في كل أوقات النهي وقيل بجوازها مطلقاً، وأمَّا صلاة الجنازة فجوزوها فيما بعد صلاة الصبح، والعصر.
وهو مجمع عليه كما حكاه ابن المنذر ومنعوها في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة فأشبهوا في ذلك الحنفية، وعن أحمد رواية أخرى بجوازها في الأوقات كلها، وأمَّا المالكية فاستثنوا من أوقات الكراهة قضاء الفائتة عموماً أي الفرائض، فإنَّهم يمنعون قضاء الفوائت مطلقاً، ولو كانت رواتب واستثنوا أيضاً ركعتي الفجر واستدراك قيام الليل لمن نام عن عادته قبل فعل الصبح فيهما كما تقدم.
وأمَّا صلاة الجنازة وسجود التلاوة فمنعوهما عند طلوع الشمس وغروبها كما فعل الحنفية، والحنابلة، وضابط ذلك عندهم من وقت الإسفار، والاصفرار.
وأمَّا فعلهما بعد صلاة الصبح وقبل الإسفار وبعد صلاة العصر وقبل الاصفرار.
ففيه عندهم ثلاثة أقوال: المنع، وهو مذهب الموطأ، وهو قادح في نقل ابن المنذر الإجماع في صلاة الجنازة في هذين الوقتين كما تقدم، والجواز، وهو مذهب المدونة وتخصيص الجواز بما بعد الصبح دون ما بعد العصر، وهو رأي ابن حبيب قال ابن عبد البر: وهذا لا وجه له في النظر إذ لا دليل عليه من خبر ثابت ولا قياس صحيح انتهى، وهذا كله ما لم يخش تغير الميت، فإن خيف ذلك صلي عليه في جميع الأوقات، وقد ظهر بذلك أنَّ أرباب المذاهب الثلاثة جوزوا في أوقات النهي ما له سبب في الجملة، وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك، وأنَّ الحنفية جوزوا
стр. 973
ذلك في وقتين من أوقات الكراهة وهما بعد الصبح وبعد العصر دون بقية الأوقات.
وجوز ابن حزم في أوقات النهي ما له سبب إذا لم يتذكره إلَّا فيها، فإن تذكره قبلها فتعمد تأخيره إليها لم يجز فعله فيها» اهـ.
قلت: والصحيح في ذلك جواز فعل ما له سبب في أوقات الكراهة وذلك لوجوه:
الوجه الأول: أنَّه قد دلت الأدلة على مشروعية فعل بعض الصلوات في بعض أوقات الكراهة وكلها من ذوات الأسباب فمن ذلك:
١ - قضاء راتبة الظهر البعدية بعد صلاة العصر
فروى البخاري (١١٧٦، ٤١١٢)، ومسلم (٨٣٤) عن كريب: «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ، ﵃، أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ، ﵂، فَقَالُوا اقْرَأْ عَلَيْهَا¬ السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا، عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْهُمَا فَقَالَ كُرَيْبٌ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، ﵂، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي فَقَالَتْ سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، ﵂، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ قُومِي بِجَنْبِهِ قُولِي لَهُ تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا فَإِنْ
стр. 974
أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ، عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي، عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ"».
وروى مسلم (٨٣٥) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا».
٢ - قضاء راتبة الفجر بعد صلاة الفجر.
فروى أحمد (٢٣٨١١)، وأبو داود في [سننه] (١٢٦٩)، وابن ماجه (١١٥٤) من طريق ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً يُصَلِّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ». فَقَالَ الرَّجُلُ إِنِّى لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قلت: هذا إسناد ليس بمتصل محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس قاله الإمام الترمذي.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٤٥ - ١٤٦):
«خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم.
стр. 975
وقال الترمذي: إسناده ليس بمتصل؛ محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس. ورواه بعضهم عن سعد، عن محمد، أنَّ النبي ﷺ خرج فرأى قيساً.
وذكر أبو داود أن يحيى بن سعيد وأخاه عبد ربه روياه - مرسلاً -، أن النبي ﷺ خرج فرأى قيساً يصلي.
وقيس جدهما - هو أخوهما.
وقد روى الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن جده، أنه جاء والنبي ﷺ يصلي - فذكره.
خرجه ابن حبان في "صحيحه" والدارقطني والحاكم.
وزعم أنَّه صحيح، وليس كذلك.
قال ابن أبي خيثمة: ذكر عن أبيه، أنَّه قال: يقال: إنَّ سعيداً لم يسمع من أبيه قيس شيئاً.
فهو - أيضاً - مرسل.
وقد ضعف أحمد هذا الحديث، وقال: ليس بصحيح.
وقد رواه عبد الملك بن أبي سليمان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن النبي ﷺ مرسل.
وذكر أبو داود والترمذي: أن ابن عيينة قال: سمع هذا الحديث عطاءً من سعد بن سعيد.
فعاد الحديث إلى حديث سعيد المتقدم.
وقد رواه الضعفاء، فأسندوه عن عطاء، وإسناده ووصله وهم:
стр. 976
فرواه أيوب بن سويد، عن ابن جريح، عن عطاءٍ، عن قيس.
وأيوب ضعيف، وهم في إسناده له عن قيس.
ورواه سعيد بن راشد السماك، عن عطاء، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
وسعيد هذا، ضعيف.
ورواه محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني، عن أبيه، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ . ومحمد بن سليمان، يقال له: البومة، ضعيف.
والصحيح عن عطاء: المرسل -: قاله أبو حاتم والدارقطني وغيرهما» اهـ.
٣ - إعادة الصلاة لمن دخل المسجد والناس يصلون ولو كان الوقت وقت كراهة.
لما رواه أحمد (١٦٨٢٩)، وأبو داود (٥٧٥)، والنسائي (٨٤٩)، والترمذي (٢٠٣) من طريق يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
«شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا"، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا"، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ"».
قلت: هذا حديث صحيح.
٤ - إعادة الصلاة خلف الأمراء في أوقات الكراهة.
стр. 977
فروى مسلم (٦٤٨) عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا". قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ"».
قلت: والأمراء الذين أدركهم أبو ذر كانوا يؤخرون صلاة العصر إلى اصفرار الشمس، ولم يكونوا يؤخرون صلاة المغرب، ولا العشاء، ولا الفجر، وإنَّما غاية ما حصل منهم تأخير صلاتي الظهر والعصر ففي هذا إذن من النبي ﷺ بالتنفل مع الأمراء بعد صلاة العصر كما هو ظاهر.
٥ - صلاة ركعتي الطواف في وقت الكراهة.
فروى أحمد (١٦٨٢٠)، وأبو داود (١٨٩٤)، والنسائي (٥٨١)، والترمذي (٧٩٥)، وابن ماجه (١٢٤٤) عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ، وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ».
قلت: وهو حديث صحيح.
٦ - صلاة الجنازة بعد صلاتي الصبح والعصر.
قلت: نقل غير واحد من العلماء الإجماع على مشروعية ذلك.
الوجه الثاني: أنَّ السنة قد جاء بالأمر بصلاة ركعتين عند دخول المسجد مع أنَّ ذلك الوقت من أشد أوقات النهي حتى أنَّه يحرم فيه ما لا يحرم في سائر أوقات النهي كقراءة القرآن، وذكر الله ويحرم فيه الكلام وسائر الأفعال التي هي من قبيل العبث، وما لا مصلحة فيه وغير ذلك من الأمور التي لا ينهى عن فعلها في
стр. 978
أوقات الكراهة. فإذا أذن بصلاة تحية المسجد في هذا الوقت ففي وقت الكراهة من باب أولى.
فروى البخاري (٨٨٩)، ومسلم (٨٧٥) عن جابر قال: «دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ". قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ"».
وفي لفظ لمسلم (٨٧٥) أنَّ النبى ﷺ خطب فقال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
وفي لفظ للبخاري (١١٧٠) عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، أَوْ قَدْ خَرَجَ - فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
الوجه الثالث: روى البخاري (٥٥٨) ومسلم (١٩٦٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا».
ووجه الشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ إنَّما نهى عن تحري أوقات الكراهة للصلاة وهذا النهي لا يتناول ذوات الأسباب فإنَّها لا تفعل تحرياً لوقت الكراهة وإنَّما تفعل من أجل السبب.
الوجه الرابع: أنَّ النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر وعند طلوع الشمس وعند غروبها من باب سد الذرائع وما نهي عنه من باب سد الذرائع يباح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب في وقت الكراهة أرجح من تركها
стр. 979
لذريعة المشابهة للكافرين، وذلك أنَّ هذه الصلوات إذا لم يفعلها الإنسان في أوقات الكراهة فاتت عليه وذلك لأنَّها تفوت بفوات أسبابها، وأمَّا النافلة المطلقة التي لم تعلق بسبب فيمكن فعلها في غير أوقات الكراهة فلا مصلحة راجحة في فعلها في أوقات الكراهة فبقت على الأصل وهو تحريم فعلها في أوقات الكراهة.
الوجه الخامس: أنَّ الصلاة ذات السبب إذا فعلت في أوقات الكراهة انجرت إلى ذلك السبب وتعلقت به، وأمَّا النافلة المطلقة التي ليس لفعلها سبب تنجر إليه وتتعلق به فإنها تنجر إلى ذلك المحذور الذي من أجله نهى النبي ﷺ عن فعلها في تلك الأوقات.
فائدة نفيسة/ قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٣٧ - ١٤٥) - عند كلامه على حديث أبي إسحاق، قال: رأيت الأسود ومسروقاً شهداً على عائشة، قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلَّا صلى ركعتين". -:
«وخرجه مسلم من طريق غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق - وهو: السبيعي، به بمعناه.
وخرجه البخاري في موضع آخر من حديث ابن الزبير، عن عائشة.
وخرجه مسلم من طريق آخر، من رواية محمد بن أبي حرملة: أخبرني أبو سلمة، أنَّه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر؟ فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنَّه شغل عنهما - أو نسيهما-، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها.
قال إسماعيل: تعني: داوم عليها.
стр. 980
وخرجه من وجه آخر، من طريق طاووس، عن عائشة، قالت: لم يدع رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر. فقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك".
ففي هذه الرواية: إشارة من عائشة إلى أنَّ النبي ﷺ لم يكن يصلي في وقت نهى عن الصلاة فيه؛ لأنَّه إنَّما نهى عن تحري الطلوع والغروب، وكان يصلي قبل ذلك.
وعلى هذا؛ فلا إشكال في جواز المداومة عليها لمحبته المداومة على أعماله، كما في الرواية التي قبلها؛ لأنَّ ذلك الوقت ليس بوقت نهي عن الصلاة بالكلية.
وقد روي عن عائشة، أنَّه لم يداوم عليها.
خرجه الطبراني من رواية كامل أبي العلاء، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: فاتت رسول الله ﷺ ركعتان قبل العصر، فلما انصرف صلاهما، ثم لم يصلهما بعد.
وروى بقي بن مخلد في "مسنده": حدثنا محمد بن مصفى: ثنا بقية: حدثني محمد بن زياد: سمعت عبد الله بن أبي قيس يقول: سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يركعهما قبل الهاجرة، فنهى عنهما، فركعهما بعد العصر، فلم يركعهما قبلها ولا بعدها.
وهذا إسناد جيد.
стр. 981
وخرجه الإمام أحمد عن غندر: حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سمعت عبد الله بن أبي موسى، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن الوصال في الصوم، وسألتها عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ بعث رجلاً على الصدقة، فجاءته عند الظهر، فصلى الظهر، وشغل في قسمته حتى صلى العصر، ثم صلاها، وقالت: عليكم بقيام الليل؛ فإنَّ رسول الله ﷺ كان لا يدعه.
قال أحمد: يزيد بن خمير صالح الحديث. قال: وعبد الله بن أبي موسى هذا خطأ، أخطأ فيه شعبة، هو: عبد الله بن أبي قيس. انتهى.
والأمر كما قاله.
وقد روي عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة من وجه آخر، وهو شامي حمصي، خرج له مسلم.
وإنَّما سئلت عائشة عن الوصال والركعتين بعد العصر، لأنَّ النبي ﷺ كان ينهى عنهما ويفعلهما، وحديث عائشة هذا يدل على أنَّه إنَّما فعلهما في هذه المرة؛ ولذلك لم تأمر السائل بفعهلما، وإنَّما عدلت إلى أمره بقيام الليل، مع أنَّه لم يسأل عنه، وأخبرت أنَّ النبي ﷺ كان لا يدعه، وهذا يشعر بأنَّ الصلاة بعد العصر بخلاف ذلك.
وخرج الإمام أحمد - أيضاً - من رواية معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين بعد الظهر، فشغل عنهما حتى صلى العصر، فلما فرغ ركعهما في بيتي، فما تركهما حتى مات.
стр. 982
قال عبد الله بن أبي قيس: فسألت أبا هريره عنه؟ فقال: قد كنا نفعله، ثم تركناه.
فخالف معاوية بن صالح محمد بن زياد ويزيد بن خيمر، وقولهما أولى.
وقد روي عن عائشة، أنَّها ردت الأمر إلى أم سلمة في ذلك، وقد سبق حديث كريب عنها - وهو أصح روايات الباب كما ذكره الدارقطني-، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنَّ عائشة قالت: أخبرتني أم سلمة، وحديث أبي سلمة، عن عائشة وأم سلمة.
وخرج الإمام أحمد من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: دخلت أنا وابن عباس على معاوية، فذكر الركعتين بعد العصر، فجاء ابن الزبير، فقال: حدثتني عائشة، عن رسول الله ﷺ . فأرسل إلى عائشة، فقالت: ذاك ما أخبرته أم سلمة، فدخلنا على أم سلمة، فأخبرناها ما قالت عائشة، فقالت: يرحمها الله، أو لم أخبرها أنَّ رسول الله ﷺ قد نهى عنهما؟
وفي رواية بهذا الإسناد: أنَّ عائشة قالت: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ، لكن حدثتني أم سلمة، فسألناها، فذكرت القصة، ثم قالت: ولقد حدثتها أنَّ رسول الله ﷺ نهى عنهما.
ورواه حنظلة السدوسي، عن عبد الله بن الحارث، قال: صلى بنا معاوية العصر، فأرسل إلى ميمونة رجلاً، ثم أتبعه رجلاً آخر، فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ كان يجهز بعثاً، ولم يكن عنده ظهر، فجاءه ظهر من ظهر
стр. 983
الصدقة، فجعل يقسمه بينهم، فحبسوه حتى أرهق العصر، وكان يصلي قبل العصر ركعتين، أو ما شاء الله، فصلى العصر ثم رجع، فصلى ما كان يصلي قبلها، وكان إذا صلى صلاة، أو فعل شيئاً يحب أن يداوم عليه.
خرجه الإمام أحمد.
وفي رواية له بهذا الإسناد: أنَّ معاوية أرسل إلى عائشة، فأجابته بذلك.
وكلاهما وهم. والله أعلم.
ورواية يزيد بن أبي زياد له، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة أصح.
وحنظلة هذا، قال الإمام أحمد: منكر الحديث. وضعفه ابن معين والنسائي.
وقد روي عن عائشة ما يدل على أن النبي ﷺ لم يكن يصلي بعد العصر شيئاً.
ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صلاة النبي ﷺ عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالليث تسع ركعات فيهن الوتر، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين.
فهذا يدل على أنَّه لم يكن يصلي بعد العصر شيئاً في بيتها؛ لأنَّه لو كان ذلك لذكرته كما ذكرت صلاته في بيتها بعد الظهر والمغرب والعشاء.
وقد خرجه الإمام أحمد، وزاد فيه: "وركعتين قبل العصر". ولم يذكر بعدها شيئاً.
стр. 984
وروى سعد بن أوس: حدثني مصدع أبو يحيى، قال: حدثتني عائشة - وبيني وبينها ستر-، أنَّ النبي ﷺ لم يصل صلاة إلَّا اتبعها ركعتين، غير الغداة وصلاة العصر؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما.
خرجه بقي بن مخلد.
فقد تبين بهذا كله أنَّ حديث عائشة كثير الاختلاف والاضطراب، وقد رده بذلك جماعة، منهم: الترمذي والأثرم وغيرهما.
ومع اضطرابه واختلافه فتقدم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا اختلاف فيها ولا اضطراب في النهي عن الصلاة بعد العصر عليه.
وعلى تقدير معارضته لتلك الأحاديث، فللعلماء في الجمع بينهما مسالك:
المسلك الأول:
أنَّ حديث عائشة يدل على التطوع المداوم عليه قبل الفريضة وبعدها، إذا فات شيء منه فإنَّه يجوز قضاؤه بعد العصر.
وقد روي هذا المعنى عن زيد بن ثابت وابن عباس، وإليه ذهب الشافعي والبخاري والترمذي وغيرهم.
ورجح أكثرهم: أنَّ النبي ﷺ لم يداوم على ذلك، كما في حديث أم سلمة، وقد تبين أنَّ عائشة رجعت إليها في ذلك.
وعلى تقدير أن يكون داوم عليها فقد كان ﷺ يحافظ على نوافله كما يحافظ على فرائضه، ويقضي ما فاته منها، كما روي عنه أنَّه كان يقضي ما فاته من الصيام في الأشهر في شعبان - كما كانت عائشة تقضي ما فاتها من رمضان
стр. 985
- حتى لا يأتي رمضان آخر وقد فاته شيء من نوافله في العام الماضي فلما صلى يوماً ركعتين بعد العصر قضاءً لما فاته من النوافل كان ذلك سبباً مجوزاً لمداومته على مثل ذلك.
وفي هذا نظر؛ فإنَّه لما فاته صلاة الصبح بالنوم، وقضاها نهاراً لم يداوم على مثل تلك الصلاة كل يوم، وكذلك لما قضى صلاة العصر يوم الخندق.
واختلف الشافعية فيمن قضى شيئاً من التطوع في وقت النهي: هل له المداومة؟ على وجهين لهم، أصحهما: أنَّه لا يجوز المداومة.
ورجح الأكثرون: أنَّه ﷺ لم يداوم على هذه الصلاة.
كما روى ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، قال: سمعت قبيصة بن ذؤيب، أن عائشة اخبرت آل الزبير، أن رسول الله ﷺ صلى عندها ركعتين بعد العصر، فكانوا يصلونها.
قال قبيصة: فقال زيد بن ثابت: يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله ﷺ من عائشة، إنَّما كان كذلك لأن أناساً من الأعراب أتوا رسول الله ﷺ بهجير، فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى الظهر، ولم يصل ركعتين، ثم قعد يفتيهم حتى صلى العصر، فانصرف إلى بيته، فذكر أنَّه لم يصل بعد الظهر شيئاً، فصلاهما بعد العصر، يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله ﷺ من عائشة، نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر.
следующие страницы →