يُقَيِّدَهَا بِالسَّجْدَةِ، وَبَعْدَ الإِثْمَامِ لَا يَشْرَعُ فِي صَلَاةِ الإِمَامِ لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الفَجْرِ، وَكَذَا بَعْدَ العَصْرِ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا بَعْدَ المَغْرِبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ التَّنَفَّلَ بِالثَّلَاثِ مَكْرُوهُ، وَفِي جَعْلِهَا أَرْبَعًا مُخَالَفَةٌ لِإِمَامِهِ.
وجه قوله: ما روي أنه ﵊ صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما فرغ رأى رجلين في زاوية المسجد لم يصليا معه … إلى آخر ما روينا.
وقلنا: قد روي هذا في صلاة الظهر، فتعارضت روايتا فعله، فنأخذ بقوله ﵊: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشَّمسُ» (١).
وقال مالك: إن كان صلاها بالجماعة؛ لا يعيدها، وإن كان قد صلاها منفردًا؛ يعيدها بها، إلا المغرب؛ لأن النفل ثلاث ركعات غير مشروع (٢).
وقال الأوزاعي: يعيد ما صلَّى في الكل.
ثم إذا أعادها بالجماعة، فأيهما فريضة؟
فعندنا فريضة: الأول، وبه قال الشافعي في الجديد (٣) وأحمد (٤)؛ لأن الخطاب سقط عنه بالأولى، فلا تكون الثانية فريضة.
وقال في القديم: فالفرض أكملهما؛ لأن إعادتهما معنى بالجماعة، فقلنا أكملهما (٥).
стр. 1017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال بعض أصحابه (١)، والشعبي، والأوزاعي: فالفرض كلاهما؛ لأن المقصود بالإعادة: إدراك فضيلة الجماعة، والجماعة لم تشرع إلا في الفرض، فحكمنا بأن الجميع فرض.
فإن قيل: النفل بالجماعة خارج رمضان مكروه.
قلنا: ذاك إذا كان الإمام والقوم يؤدون النفل، أما إذا كان الإمام يؤدي الفرض، والقوم النفل؛ لا بأس به؛ لما روينا، وحيلته أن يكون ما صلى مع الإمام فرضا، أن يقعد في الرابعة كما ذكرنا من رواية الكبرى، وهذه الحيلة لا تتأتى في صلاة الفجر إذا قام إلى الثانية؛ لكراهة النفل غير ركعتي الفجر.
فإن قيل: في هذا إبطال الفرض لإقامة السنة، فإن الجماعة سنة.
قلنا: لا؛ بل إبطال الفرض لإقامة الفرض على أكمل الوجوه لما قلنا؛ وهو كراهة النفل بعد العصر، وعند الشافعي (٢)، ومالك (٣) - رحمهما الله-: يعيدها؛ لعدم كراهة النفل بعدها عندهما، وعند أحمد: يعيدها مع إمام الحي، كما قلنا في ظاهر الرواية، وبه قال مالك وقيد به؛ لأنه روى عن أبي يوسف: الأحسن: أن يدخل مع الإمام، ويصلي أربع ركعات، ثلاثا مع الإمام، وأتم الرابعة بعد فراغ الإمام، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأن بالقيام إلى الثالثة صار ملتزما للركعتين؛ إذ الركعة الواحدة لا تكون صلاة للنهي عن البتيراء، وقال: فيه نوع تغيير؛ إلا أن هذا التغيير إنما وقع بسبب الاقتداء، فحينئذ لا بأس به، كمن أدرك الإمام في السجود ويسجد معه، وإن كان السجود قبل الركوع غير مشروع، وكمن أدركه في القعدة؛ فإنه يتابعه فيها، وهي قبل الأركان غير مشروعة.
وعن أبي يوسف في رواية: يذهب معه، ويسلم على رأس الثالثة مع الإمام، وبه قال بشر المريسي؛ لأن هذا تغير وقع في التطوع بسبب الاقتداء،
стр. 1018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا بأس به، كما لو اقتدى بالإمام في الظهر بعد ما صلى ركعتين وقرأ فيهما، ويترك القراءة في الآخرين، فإنه تجوز صلاة المقتدي، مع أن النفل لا يجوز بغير قراءة؛ لأنه تغير وقع بسبب الاقتداء، وعندنا لا يدخل، ولو دخل مع الإمام فعل كما قال أبو يوسف في الرواية الأولى؛ لأن مخالفة الإمام أهون من مخالفة السنة؛ لأنها مخالفة بعد فراغ الإمام، ويصير كالمقيم إذا اقتدى بمسافر يصح، وكالمسبوق. كذا في المحيط، وجامع قاضي خان (١).
والفرق في ظاهر الرواية بين هذا وبين صلاة المسافر: أن صلاة المسافر على عرضية أن يصير أربعًا، فبالنظر إليه لا تكون مخالفة، ولا كذلك صلاة المغرب، وأما المسبوق: فقد عرف جوازه بالحديث؛ بقوله ﵊: «ما فاتَكُمْ فَاقْضُوا».
وفي المحيط: لو أضاف إليها ركعة أخرى؛ يصير متنفلا بأربع ركعات، وقد قعد على رأس الثالثة، وهو مكروه (٢).
وقال الفضيلي: لو اقتدى بالإمام في المغرب، ينوي التطوع أربعًا، وقعد في الثانية، وتابعه المقتدي في ذلك؛ فسدت صلاته؛ لأن الرابعة وجبت على المقتدي بالشروع، وعلى الإمام بالقيام، فصار كرجل أوجب على نفسه أربعًا بالنذر، واقتدى فيهن بغيره لا يجوز (٣)، وفيه تأمل.
وقال الإمام ظهير الدين: الصحيح عندي: أنه التزم الرابعة على الانفراد، فإذا اقتدى في موضع الانفراد؛ تفسد صلاته، حتى [لو] (٤) سها الإمام عن القعدة على رأس الثالثة، وصلَّى الرابعة، وصلى المقتدي معه؛ جازت صلاته (٥).
стр. 1019
(وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يُصَلِّيَ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
قوله: (ويكره له أن يخرج)، وفي جامع البرهاني: يعني إذا لم يصل (١)؛ لأن المؤذن دعاه للصلاة، ولما روي في السنن ولو دخل مسجدًا لم يكن مسجد حيه، فإن كان صلوا في مسجده، فكذلك؛ لأنه صار من أهل هذا المسجد، وإن لم يكن صلوا، إن خرج ليصلي في مسجد حيه؛ لا بأس به؛ لأن الواجب عليه أن يصلي في مسجد حيه، ولو صلى في هذا المسجد؛ لا بأس به أيضًا؛ لأنه صار من أهله، والأفضل: أن لا يخرج؛ لئلا يتهم أنه ممن لا يرى الجماعة، ينتظم به أمر جماعته بأن يكون إمام قوم، أو مؤذنًا يتفرق الناس في مسجد حيه بغيبته، أو ممن يتفرق بنقل الجماعة بسبب غيبته، فكانت صيانة مسجده أولى من الاحتراز عن مخالفة الجماعة، فعلى هذا: لا يدخل في الوعيد؛ لأن خروجه لا يكون إعراضًا عن الدعوة، والخروج يكره باعتباره.
وفي الشافي: فاتته الجماعة في مسجد حيه، فإن أتى مسجدًا آخر يرجو فيه الجماعة؛ فحسن، وإن صلَّى في مسجد حيه؛ فحسن أيضًا، هذا إذا لم يدخل مسجدًا، وإن كان قد دخل يصلي فيه، وأي الحُسْنَين أفضل، فالشعبي اختار طلب الجماعة، والنخعي اختار مسجد حيه (٢).
وقال الحسن البصري: كان الصحابة إذا دخلوا مسجد حيهم؛ صلوا فرادى بغير أذان وإقامة، ثم للمتفقه جماعة أستاذه لأجل درسه أو لسماع الأخبار، أو لسماع مجلس العامة أفضل بالاتفاق؛ ليحصل الثوابين، ولو فاته ركعة أو ركعتان؛ فالأفضل أن يصلي في مسجد حيه، ولا يذهب إلى مسجد آخر. كذا ذكره التمرتاشي (٣)؛ لأنه يتهم بمخالفة الجماعة، وقد قال ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخرِ فلا يَقِفَنَّ مواقفَ التّهم» (٤).
стр. 1020
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَخْرُجُ مِنْ المَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا مُنَافِقٌ أَوْ رَجُلٌ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ يُرِيدُ الرُّجُوعَ». قَالَ: (إِلَّا إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ جَمَاعَةٍ) لِأَنَّهُ تَرْكُ صُورَةٌ تَكْمِيلٌ مَعْنَى وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَت الظُّهْرَ أَوْ العِشَاءَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ لِأَنَّهُ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ مَرَّةً إِلَّا إِذَا أَخَذَ المُؤَذِّنُ فِي الإِقَامَةِ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِمُخَالَفَةِ الجَمَاعَةِ عِيَانًا وَإِنْ كَانَتْ العَصْرَ أَوْ المَغْرِبَ أَوْ الفَجْرَ خَرَجَ وَإِنْ أَخَذَ المُؤَذِّنُ فِيهَا لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا.
(وَمَنِ انْتَهَى إِلَى الإِمَامِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَي الفَجْرِ: إِنْ خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَةٌ وَيُدْرِكَ الأُخْرَى يُصَلِّي رَكْعَتَي الفَجْرِ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ ثُمَّ يَدْخُلُ)
(وإن أخذ)؛ أي: المؤذن. (فيها)؛ أي: في الإقامة.
قوله: (عند باب المسجد)؛ لأنه لو صلاهما في المسجد؛ كان متنفلا فيه، مع اشتغال الإمام بالفريضة، وأنه مكروه؛ لقوله ﵊: «إذا أقيمت الصلاةُ؛ فلا صلاة إلا المكتوبة» (١)، وقد خصت سنة الفجر؛ لما روينا، ولكيلا يقع عند الناس أنه لا يرى الجماعة، هذا إذا كان عند باب المسجد موضع لذلك، فإن لم يكن يصليهما في المسجد، ولكن يقوم خلف الصفوف عند سارية. كذا في جامع قاضي خان (٢).
وذكر فخر الإسلام وأشدها كراهة أن يصلي مخالطا للصف مخالفًا للجماعة، والذي يلي ذلك: خلف الصفوف من غير حائل بينه وبين الصف (٣). ثم السنة فيهما: الأداء في البيت؛ لأنه ﵊ كان يصليهما في البيت، وأنكر على من صلاهما في المسجد.
стр. 1021
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الكافي: قال ﵊: «من صلى ركعتي الفجر في بيته يُوسَّعُ له في رزقه، ويقل التنازع بينه وبين أهله، ويُختم له بالإيمان» (١).
وذكر التمرتاشي: اختلف في الوقت المستحب.
قيل: أول طلوع الفجر؛ لأن السبب قد وجد.
وقيل: بقرب الفريضة؛ لأنهما تبع لها (٢).
وفي الخلاصة: السنة فيهما: أن يصليهما في البيت، وأول الوقت، ويقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ﴾ (٣)؛ فإن أبا هريرة ﵁ روى أنه ﵊ قرأ كذلك (٤).
وقول مالك: كقولنا (٥).
وقال الشافعي: يشتغل بالجماعة، ويؤدي السنة بعد أدائها؛ لقوله ﵊: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ؛ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (٦).
ولنا: ما رُوي أنه ﵊ رجع عن صلح بين الأنصار، فوجد الناس في الفجر، فدخل منزله، وصلى ركعتي الفجر، ثم خرج.
وعن أبي عثمان النهدي قال: كان الناس يفعلون كذلك في زمن عمر، والحديث محمول على غير صلاة الفجر (٧)؛ توفيقا بين الحديثين، ولما روي من حديث ابن عباس ﵄ قال: حدثني المَرْضِيّون من أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم عندي عمر - أنه ﵊ قال: «إذا أُقيمت الفجر -أي
стр. 1022
لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الجَمْعُ بَيْنَ الفَضِيلَتَيْنِ (وَإِنْ خَشِيَ فَوْتَهُمَا دَخَلَ مَعَ الإِمَامِ) لِأَنَّ ثَوَابَ الجَمَاعَةِ أَعْظَمُ، وَالوَعِيدَ بِالتَّرْكِ أَلْزَمُ، بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ حَيْثُ يَتْرُكُهَا … ... … .
أُدِّيَتْ؛ فلا صلاة بعدها حتى تطلع الشمس» (١).
وما روي أنه ﵊ رأى رجلا يصلي بعد الفريضة ركعتي الفجر، فقال: «ما هاتان؟» فقال: ركعتا الفجر، فسكت (٢)؛ محمول على أن ذلك قبل النهي أو على أنه إنما سكت؛ لأنه لم يكن وقت التعليم، ولم يكن في الحديث أنه لم يعلم بعده؛ لأنه ﵊ لا يشتغل بالتعليم في كل وقت؛ كما قال ابن مسعود: كان ﵊ يعظنا أحيانًا مخاف السامة علينا. كذا ذكره المحبوبي.
قوله: «أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ»؛ فإنه ﵊ قال: «صَلُّوهُما ولو طرَدَتْكُم الخيل عنهما» (٣)، وقال ﵊: «ركعتا الفجر خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها» (٤).
وإدراك ركعة مع الإمام في الفجر بمنزلة إدراك الكل؛ قال ﵊: «مَنْ أدرك ركعة مِنَ الفجر فقد أدرك الصَّلاةَ» (٥)، وفي رواية: «فقد أدركها»؛ فيجمع بينهما.
(فوتهما)؛ أي: فوت ركعتي الفجر؛ يعني: يعلم أنه يُفَوِّتُهما بترك السنة ويقتدي بالإمام؛ لأن ثواب الجماعة أعظم، فإن الجماعة مكملة ذاتية للفرائض، والسنة مكملة خارجية عنها.
стр. 1023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ﵊: «الجماعة تفضل … » (١) الحديث، وكل فرض، فتكون الصلاة بالجماعة كسبع وعشرين فرضًا عند الانفراد، وكل فرض أعظم ثوابًا من السنة؛ فالمجموع أولى. كذا في جامع أبي المعين والمبسوط (٢). والوعيد بالترك - أي بترك الجماعة - ألزم من الوعيد بترك السنة؛ قال ﵊: «لقد هممت أن آمر … » (٣) الحديث.
وقال ﵊: «تارك الجماعة ملعون في التوراة والإنجيل والفرقان» (٤)، وعن ابن عباس ﵄، أن رجلا سأله عن رجل يقوم بالليل، ويصوم بالنهار، ولا يحضر الجماعة؛ قال: هو في النار.
وقال ﵇: «من خالف الجماعة قيد شبر؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عُنقه» (٥)، وعن ابن مسعود في حديث العمري: «لو صليتم في رحالكم كما فعله هذا المتخلف؛ لتركتُم سنة نبيكم، ولو تركتُم سُنته؛ لَضَلَلْتُم» (٦).
وحكي عن إسماعيل الزاهد، أنه كان يقول: ينبغي أن يشرع في السنة ويقطعها، ويدخل مع الإمام، حتى تلزمه بالشروع، فيتمكن من القضاء بعد الفجر.
قال السرخسي: هذا ليس بقوي؛ لأن ما وجب بالشرع، لا يكون أقوى حالا مما وجب بالنذر؛ لأنه مختلف فيه (٧).
وقد قال محمد: إن المنذور لا يؤدى بعد الفجر قبل الطلوع، مع أنه أمر
стр. 1024
فِي الحَالَتَيْنِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهَا فِي الوَقْتِ بَعْدَ الفَرْضِ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنَّمَا
بالافتتاح على قصد القطع، وهذا غير مستحسن شرعًا. كذا ذكره التمرتاشي، وقاضي خان (١).
قوله: (في الحالين)؛ أي: في حال خوف فوت كل الظهر، وحال خوف فوت بعضه؛ لما أن الاشتغال بالسنة والإمام في الفرض مكروه كما ذكرنا.
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول البعض، فإنه قال: لا يقضيها لفوات محلها، وهو ليس بسديد؛ للحديث: «من فاتته الأربع قبل الظهر قضاها بعدها» (٢) كذا ذكره التمرتاشي (٣)، وكذا روي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏.
ثم ما ذكر في الكتاب: أنه إن كان يرجو إدراك القعدة كيف يفعل، وظاهر ما ذكر في الكتاب يدل على أنه يدخل مع الإمام، وحكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: يصلي ركعتي الفجر؛ لأن إدراك التشهد عندهما كإدراك الركعة. أصله مسألة الجمعة؛ فإن إدراك الإمام في تشهد الجمعة؛ كإدراكه في الجميع عندهما، خلافًا لمحمد على ما يجيء، وكذا ذكره السرخسي (٤).
ولو أدرك الإمام في الركوع، ولم يدر أنه ركوع الأولى أم الثانية؛ يترك السنة ويتابع الإمام، ولو تذكر في الفجر أنه لم يصل ركعتي؛ لا يقطع الفجر. كذا في الخلاصة (٥).
стр. 1025
الاخْتِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهُمَا (*)، وَلَا كَذَلِكَ سُنَّةُ الفَجْرِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(في تقديمها)؛ أي: في تقديم سنة الظهر.
قال أبو يوسف: يقدم الأربع على الثنتين، خلافًا لمحمد.
وقيل: الاختلاف على العكس، وهو الأصح. ذكر في الجامع، أن عند أبي يوسف: يقدم الثنتين على الأربع (١).
وفي فتاوى العتابي: هو المختار. وفي مبسوط شيخ الإسلام: وهو الأصح؛ لحديث عائشة ﵂، أنه ﵊ كان «إذا فاته الأربع قبل الظهر؛ يصليهن بعد الركعتين» (٢)، وهو قول أبي حنيفة، وكذا في جامع قاضي خان (٣).
فأبو يوسف: يعتبر المحل، ومحمد: يعتبر ما يقع فيه، فالركعتين في محلهما فيقدمان ولمحمد أن الأربع قبل الركعتين؛ لتقدمها على الفرض المتقدم عليهما، وقد تعذر التقديم على الظهر، ولم يتعذر على السنة.
وفي المحيط: ذكر أبا حنيفة [مع أبي يوسف: وينوها القضاء عندهما، وعند أبي حنيفة] (٤): لا ينوي القضاء (٥).
وفي الخلاصة: لو صلى سنة الفجر، أو الأربع قبل الظهر، ثم اشتغل بالبيع، أو الشراء، أو الأكل؛ فإنه يعيد السنة، أما بأكل لقمة أو بشربة؛ لا تبطل السنة (٦).
стр. 1026
وَالتَّقْيِيدُ بِالأَدَاءِ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ يَدُلُّ عَلَى الكَرَاهَةِ فِي المَسْجِدِ إِذَا كَانَ الإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ. وَالأَفْضَلُ فِي عَامَّةِ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ المَنْزِلُ هُوَ المَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﵊.
قال ﵀: هذا مشكل؛ لأنه لا رواية فيه.
وفي جامع التمرتاشي: قيل: لا يعيد، ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم. (١)
قال الجلابي: الظاهر أنه لا يعيد (٢)؛ لأنه ﵇ كان يصلي سنة المغرب في بيته (٣)، ثم إذا قام إلى السنة؛ تقدم أو تأخر عن مكانه.
قوله: (والأفضل في عامة السنن)؛ قيد به؛ لأنه قال بعض المشايخ: يصلي الركعتين بعد الظهر، والركعتين بعد المغرب؛ في المسجد، وما سواهما في البيت. كذا في المحيط، وشرح الآثار (٤).
وفي الجامع الأصغر: قال الفقيه أبو جعفر: كان جميع السنن والوتر الرسول الله ﷺ في البيت، وركعتي المغرب يصلي في المسجد، إذا كان يخاف أنه لو رجع إلى بيته يشتغل بشيء، وإلا؛ فالأفضل أن يصليهما في البيت؛ لقوله
﵊:: (٥) «خير صلاة الرجل في المنزل إلا المكتوبة» (٦).
وفي شرح بكر: لو صلى التطوع بعدها في المسجد؛ فله ذلك، ولو صلى فيه بيته؛ فله ذلك (٧).
وقيل: إن خاف فوتها في المسجد.
стр. 1027
قَالَ: «وَإِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ لَا يَقْضِيهِمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» لِأَنَّهُ يَبْقَى نَفْلًا مُطْلَقًا،
وفي الْمُجْتَبى: الأفضل أن يصلي الكل في البيت، إلا التراويح (١).
وقيل: الأفضل أن يعجل السنة بعد الجمعة في الجامع كسائر السنن.
وقيل: يصليها إذا رجع إلى منزله، احترازًا عن خلاف مالك؛ لأنه يراها في البيت (٢)، والقول الأول أحسن؛ لالتصاقها بالمكتوبة، ولأن الصلاة في الجامع أفضل إذا لم يحبطها الرياء، وعن الحلواني: لا بأس بقراءة الأوراد بين السنة والفريضة (٣)، وعن أبي الليث: فرغ من المغرب يشتغل بالدعاء قليلًا، ثم يصلي السنة.
وقال الجرجاني: لا يشتغل؛ لأن الملك ينتظره بعد فراغه حتى يصعد.
وفي شرح الشهيد: القيام إلى السنة أفضل (٤).
وقيل: أولى.
وفي الشافي (٥): كان ﵊ يمكث قدر ما يقول: «اللهم أنت السَّلامُ وإليك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٦).
وعن البقالي: الاشتغال بالدعاء أفضل، ثم بالسنة. كذا في جامع التمرتاشي (٧).
(يبقى نفلًا مطلقا)؛ أي: لا تبقى صفة السنة؛ لأن السنة ما أداها ﵊، ولم يثبت أنه ﵊ أداهما في غير الوقت على
стр. 1028
وَهُوَ مَكْرُوهُ بَعْدَ الصُّبْحِ (وَلَا بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهُمَا إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ) (*) لِأَنَّهُ ﵊
الانفراد، وإنما أداهما تبعًا للفرض غداة ليلة التعريس، فكان نفلا، بخلاف سنة الظهر؛ فإنه ﵇ قضاها في الوقت بعد الظهر. هكذا روته عائشة (١) ﵂.
كذا في المحيط (٢)، وهو الصحيح من مذهب الشافعي (٣)؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﵊ تأخيرها عن الفرض.
وقال بعض أصحابه [عنه] (٤): يمتد وقتهما إلى طلوع الشمس؛ ولهذا لو دخل المسجد والإمام في الفجر؛ يقتدي به ويصلي السنة بعدها، وبعضهم قال: إلى زوال الشمس، وهما غير صحيح. كذا في الحلية، وتتمتهم (٥).
قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ): قال الحلواني، والفضلي، ومن تابعهما: لا خلاف بينهم؛ فإن محمدًا يقول: أحب إليَّ أنه يقضي، وإن لم يفعل؛ فلا شيء عليه، وهما يقولان: ليس عليه أن يقضي، وإن فعل؛ لا بأس به (٦).
ومن المشايخ من حقق الخلاف، وقال: الخلاف في أنه لو قضى يكون نفلا مبتدأ أو سنة. كذا في المحيط (٧).
لمحمد: إطلاق قوله ﵊: «مَنْ فاته سنةُ الفجرِ فَلْيَقْضِها» (٨)، ولأنه ﵊ قضاهما غداه ليلة التعريس، فعلم أنهما تقضيان؛ لاختصاص القضاء بالواجب؛ إذ القضاء إسقاط الواجب بمثل
стр. 1029
قَضَاهُمَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الأَصْلَ فِي السُّنَّةِ أَنْ لَا تُقْضَى لِاخْتِصَاصِ القَضَاءِ بِالوَاجِبِ، وَالحَدِيثُ وَرَدَ فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ فَبَقِيَ مَا رَوَاهُ عَلَى الأَصْلِ، وَإِنَّمَا تُقْضَى تَبَعًا لَهُ، وَهُوَ يُصَلِّي بِالجَمَاعَةِ أَوْ وَحْدَهُ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ اخْتِلَافُ المَشَايِخِ ﵏. وَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ سِوَاهَا
من عنده، والسنة غير واجبة، فأما سنة الظهر: تقضى بالحديث؛ لما روينا، مع أن القضاء بعد خروج الوقت، فما دام الوقت باقيا؛ لا يسمى قضاء؛ ولهذا لا ينوي القضاء في سنة الظهر على الأصح. كذا في الكافي (١).
(ما رواه)؛ أي: ما رواه، ما ورد به الشرع.
(على الأصل)؛ وهو أن لا تقضى كسائر السنن؛ يعني: ثبت هذا على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص.
والمراد من الحديث: فليقضيها تبعًا؛ كما ورد غداه ليلة التعريس.
(وفيما بعده)؛ أي: بعد الزوال يقضي الفرض، فهل يقضي السنة تبعًا؟
قال بعض المشايخ: يقضي، وهو أحد قولي الشافعي (٢)، وكذا في سائر السنن. كذا في جامع قاضي خان (٣).
وفي المحيط: لا يقضي السنة بعد الزوال، وإن تذكر مع الفرض، من غير ذكر خلاف (٤).
وفي جامع بدر الدين الورسكي: لا تقضى بعد الزوال؛ لأن السنة جاءت بالقضاء في وقت مهمل، فلا يقاس عليه فرض وقت آخر (٥).
(سواها)؛ أي: سوى سنة الفجر تبعا للفرض.
стр. 1030
فَلَا تُقْضَى بَعْدَ الوَقْتِ وَحْدَهُ، وَاخْتَلَفَ المَشَايِخُ فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ الظُّهْرِ رَكْعَةً وَلَمْ يُدْرِكُ الثَّلَاثَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ بِجَمَاعَةِ. وَقَالَ
وفي فتاوى العتابي: والمختار: أن لا يقضي (١).
ثم للشافعي في السنن الرواتب قولان في أنه يقضي أم لا؟ في قول: لا يقضي؛ لأنه غير واجب (٢)، وبه قال مالك (٣) وأحمد في رواية (٤).
وفي قول: تقضى كالفرائض، وهو اختيار المزني، ورواية عن أحمد؛ لأن الخبر جاء في قضاء البعض، فكذا الباقي، وعندنا: على التفصيل كما ذكرنا.
قوله: (ومن أدرك الظهر): فإن قيل: الاختلاف عند اتحاد الموضوع، ثم ذكر هاهنا قولهما في صلاة الظهر بجماعة، وقول محمد في إدراك فضل الجماعة، وهما متغايران، فكيف يتحقق الاختلاف؟
قلنا: تخصيص ذكر محمد ليس لبيان الاختلاف، فإنهم اتفقوا أنه أدرك فضل الجماعة، وإنما خص قول محمد لشبهة ترد على قوله.
وقد ذكر في جامع قاضي خان: أما فائدة قوله: أنه لم يصل الظهر بجماعة، أنه لو حلف إن صلى الظهر مع الإمام فعبده حر، فأدرك مع الإمام ركعة، ولم يدرك الثلاث، لا يحنث؛ لأن شرط حنثه أن يصلي الظهر مع الإمام، وقد صلى ركعات بدونه والمسبوق فيما يقضي؛ كالمنفرد وإن فاتته ركعة، ولو فاتته ركعة، وصلَّى ثلاثًا مع الإمام يحنث؛ فعلى ظاهر الجواب لا يحنث؛ لأنه لم يصل الكل معه (٥).
وذكر السرخسي: يحنث؛ لأن للأكثر حكم الكل (٦).
стр. 1031
مُحَمَّدٌ: قَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الجَمَاعَةِ) لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ آخِرَ الشَّيْءِ فَقَدْ أَدْرَكَهُ، فَصَارَ مُحْرِزًا ثَوَابَ الجَمَاعَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا بِالجَمَاعَةِ حَقِيقَةٌ، وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِهِ فِي يَمِينِهِ لَا يُدْرِكُ الجَمَاعَةَ، وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ «لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالجَمَاعَةِ» (وَمَنْ
ولو قال: عبده حر إن أدرك الظهر مع الإمام؛ حنث، وإن أدركه قعودا؛ لأن بإدراك البعض يسمى مدركا؛ قال ﵊: «من أدرك ركعةً مِنَ الفجر … » (١) الحديث.
وقال محمد في المسألة الأولى: فقد أدرك فضل الجماعة، وهو قولهما أيضًا، وإنما خص قول محمد؛ لأنه لا شبهة في قولهما، وإنما الشبهة في قول محمد، فإنه لو أدرك الإمام في الجمعة في القعدة؛ لا يكون مدركا لها عند محمد، ويصلي أربعًا، وعندهما يكون مدركًا لها، ويصلي ركعتين، ولكن يكون محرزا ثوابها عنده؛ لأنه أدرك بعضها، وإنما يصلي أربعا احتياطا. ولهذا يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، ويقعد في الثانية لا محالة احتياطا. كذا ذكره المحبوبي في جامعه (٢)، فيتوهم أنه لا يصير مدركًا فضل الجماعة بإدراك الركعة عنده، فخصه بالذكر؛ لدفع هذا الوهم.
وقال بعض المتأخرين: المسبوق على قول محمد لا يكون مدركًا ثواب إدراك الجماعة، وفيه نظر؛ لأن صلاة الخوف إنما شرعت؛ لينال كل طائفة ثواب الجماعة. كذا ذكره الإمام المرغيناني (٣).
ثم عند أكثر أصحاب الشافعي: لو أدرك الإمام في التشهد ينال فضل الجماعة كمذهبنا (٤)، وهو ظاهر مذهبه؛ لأنه لو لم ينل لمنع من الاقتداء في هذه الحالة؛ لكونها زيادة في الصلاة ولا فائدة فيها.
وعن ابن مسعود: أنه أدرك الإمام في التشهد؛ فقال: الحمد لله لقد
стр. 1032
أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ المَكْتُوبَةِ مَا بَدَا لَهُ مَا دَامَ فِي الوَقْتِ) وَمُرَادُهُ: إِذَا كَانَ فِي الوَقْتِ سَعَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضِيقٌ تَرَكَهُ قِيلَ: هَذَا فِي غَيْرِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالفَجْرِ، لِأَنَّ لَهُمَا زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ، قَالَ ﵊ فِي سُنَّةِ
أدركت الصلاة؛ أي: ثواب الجماعة.
وعند بعض أصحابه: لا ينال إذا أدركه فيما دون الركعة؛ لأن ما دونها ليس بمحسوب من صلاته، فلا ينال به الفضيلة.
قوله: (قد صلى فيه)؛ أي: بالجماعة.
روي عن الثوري، والحسن: أنه لا يتطوع قبل المكتوبة؛ لما أنه ﵇ ما اشتغل به إذا صلى بالجماعة.
وفي الخلاصة: والمراد به: الأربع قبل الظهر (١).
وقوله: (لا بأس)؛ دليل على أن له أن يدع السنة، ويشرع في الفريضة، وهو الذي وقع بين الناس أن تلك ليست بسنة، واستحسن مشايخنا المتأخرون الإتيان به.
(وقيل: هذا)؛ أي: قوله لا بأس به، بأن يتطوع قبل المكتوبة في التطوع قبل العصر، والعشاء، دون الفجر والظهر؛ بدليل ما قيل في العصر والعشاء: إنه مخير.
(لأن لهما)؛ أي: لسنة الفجر والظهر.
(زيادة مزية)؛ أي: فضيلة، قال ﵇، إلى آخره.
والمراد بالخيل: جيش العدو، وهو اختيار فخر الإسلام، وشمس الأئمة، وصاحب المحيط، وقاضي خان، والتمرتاشي، والمحبوبي ﵏ (٢)، حتى قال قاضي خان: السنة قبل المكتوبة شرعت لقطع طمع الشيطان، فإنه يقول: من لم يطعني في ترك ما لم يكتب عليه، فكيف يطيعني في ترك
стр. 1033
الفَجْرِ: «صَلُّوهُا وَلَوْ طَرَدَتْكُم الخَيْلُ» وَقَالَ فِي الْأُخْرَى: «مَنْ تَرَكَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظَّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» وَقِيلَ: هَذَا فِي الجَمِيعِ، لِأَنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَدَاءِ المَكْتُوبَاتِ بِجَمَاعَةٍ، وَلَا سُنَّةَ دُونَ المُوَاظَبَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا
ما كتب عليه؟، والمنفرد في ذلك أحوج في سنة الظهر (١)، والصحيح: أنه ﵊ قاله في سنة الفجر.
قيل: في تأويل قوله ﵊: «لم تنله شفاعتي» (٢)؛ أنه في حق من لم يرها سنة، أو لا يأتي بها أصلًا. كذا في الكافي (٣).
(وقيل: هذا)؛ أي قوله: لا بأس.
(في الجميع)؛ أي: جميع الصلوات، وهو اختيار أبي اليسر في جامعه؛ لما أن الاستنان بسنة النبي ﵊ أن يفعلها كما فعلها، والنبي ﵊ لم يأتِ بها إلا عند أداء المكتوبة بجماعة، فإذا أتى بهما عند أدائها وحدها؛ لم يكن مستنا بسنته، والأول أصح، والأخذ به أحوط. كذا في جامع الكردري (٤).
وفي الخبازية، والحميدية: قيل: هذا في الجميع؛ إذ لو يرد في الجميع لما بقي لقوله: (وقد صلى) فيه فائدة؛ لأن الاختيار بين الترك والإتيان لسنة العصر والعشاء ثابت، سواء كان بجماعة أو منفردًا، أما لو أريد بهذا في الجميع، ثبت جواز اختيار ترك سنة الظهر والفجر حالة الانفراد، لا عند الأداء بالجماعة، فحينئذ تظهر فائدة قوله: (قد صلَّى فيه) (٥).
стр. 1034
لِكَوْنِهَا مُكَمِّلَاتٍ لِلْفَرَائِضِ، إِلَّا إِذَا خَافَ فَوْتَ الوَقْتِ.
(لكونها)؛ أي: لكون السنن.
(مكملات للفرائض)، والمنفرد إلى المكمل أحوج؛ لنقصان صلاته من وجه.
قوله: ووقف: يعني: سواء تمكن من الركوع أو لا؛ لم يصر مدركا، خلافا لزفر، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وعبد الله ابن المبارك، وعلى هذا الخلاف، لو انحط ولم يقف، ولكن رفع الإمام رأسه قبل أن يركع، وأجمعوا أنه لو انتهى في القومة؛ لم يصر مدركًا لتلك الركعة.
وجه قولهم: أنه أدركه فيما له حكم القيام، وهو الركوع، على ما جاء في الحديث: «إن أدرك الإمام في الركوع فقد أدركة» (١)؛ ولهذا قلنا يأتي بتكبيرات العيد في الركوع، مع أنه يؤتى بها في حقيقة القيام؛ لما أن القائم يفارق القاعد في استواء النصف الأسفل، على ما ذكر في الأصول، ولأنه لو أدرك في حقيقة القيام وركع بعد ركوعه؛ يجوز بالإجماع، فكذا هذا.
ولنا: حديث ابن عمر ﵄ أنه قال مثل مذهبنا، ولأن الركوع ليس بقيام حقيقة؛ لما أنه عبارة عن استواء النصفين، واستواء النصف الأعلى منتف فيه، فقلنا: لشبهه بالقيام إذا أدركه في الركوع؛ يصير مدركا، ولشبهه بغير القيام؛ لا يصير مدركًا للركعة إذا لم يركع معه؛ لأنه لابد من المشاركة في القيام أو فيما له حكم القيام ولم يوجد، وفي المستشهد به وجدت المشاركة في القيام؛ فافترقا.
ومعنى الحديث: أنه أدركه في تلك الصلاة، لا في تلك الركعة.
وفي الخلاصة: أدرك الإمام في الركوع، فقال: الله أكبر، إلا أن قوله: (الله) كان في قيامه، وقوله: (أكبر) وقع في ركوعه؛ لا يكون شارعا في الصلاة (٢).
وقال المحبوبي (٣): دخل المسجد والإمام راكع، فقد قال بعض مشايخنا،
стр. 1035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومالك (١): ينبغي أن يكبر ويركع، ثم يمشي حتى يلتحق بالصف؛ كيلا يفوته الركوع، كما فعله أبو بكرة؛ فقال ﵊: «زادَكَ الله حرصًا ولا تَعُدْ» (٢).
وقال شمس الأئمة: وأكثر مشايخنا على أنه لا يُكَبّر (٣)؛ لكيلا يحتاج إلى المشي في الصلاة، وبه قال الشافعي (٤).
وقال أحمد: إن علم بالنهي ومشى؛ بطلت صلاته (٥)، وعندنا: لو مشى ثلاث خطوات متوالية تبطل، وإلا يكره، فمن اختار القول الأول قال: معنى قوله: لا تعد، لا تؤخر المجيء إلى هذه الحالة، ومن اختار القول الثاني، قال: معناه لا تعد إلى مثل هذا الصنيع، وهو التكبير قبل الاتصال بالصف، والمشي في الركوع، وإنما لم يأمره بالإعادة؛ لأن ذلك كان في وقت كان العمل مباحًا في الصلاة.
وفي جامع التمرتاشي: ذكر الجلابي في صلاته أدرك الإمام في الركوع، فكبر قائما، ثم شرع في الانحطاط، وشرع الإمام في الرفع؛ اعتد بها (٦).
وقال: قيل لو شاركه في الرفع.
قيل: إن كان إلى القيام أقرب، والأصح: أنه يعتد إذا وجدت المشاركة قبل أن يستتم قائما، وإن قل.
وعن أبي يوسف: قام مسرعًا فلم يستتم القيام حتى كبر؛ لم يجزه.
وفي النوازل: إن كان إلى القيام أقرب؛ جاز، وإن كان إلى الركوع أقرب؛ لا يجوز (٧).
стр. 1036
(وَمَنِ انْتَهَى إِلَى الإِمَامِ فِي رُكُوعِهِ، فَكَبَّرَ وَوَقَفَ حَتَّى رَفَعَ الإِمَامُ رَأْسَهُ، لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، خِلَافًا لِزُفَرَ) هُوَ يَقُولُ: أَدْرَكَ الإِمَامَ فِيمَا لَهُ حُكْمُ
ثم إذا أدرك الإمام فيه، وهو يعلم أنه لو اشتغل بالثناء لا يفوته الركوع؛ يثني؛ لأنه أمكنه الجمع بين الأمرين، وإن كان يعلم أنه يفوته؛ قال بعضهم: يثني؛ لأن الركوع يفوت إلى خلف، وهو القضاء، والثناء يفوت أصلا.
وقال بعضهم: لا يثني؛ لأن [الركوع] (١) وإن كان لا يفوته فسنة الجماعة فيها تفوته، وفضيلة الجماعة أكثر من فضيلة الثناء.
ومما يتعلق بهذا: ما لو أدرك الإمام في غير الركوع: يُكبّر للافتتاح، ويثني، ثم يتابع الإمام في أي حال كان؛ لما روى معاذ أنه ﵊ قال: «إذا أتى أحدكم الإمام على [أي] (٢) حالِ فَلْيَصْنَعْ كَما يصنع الإمامُ، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» رواه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي: عليه عمل أهل العلم أن الشرط هو المشاركة؛ ولهذا يجب على المسبوق واللاحق أداء الأفعال بعد فراغ الإمام، وبقولنا قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)؛ لكن هذا الصنيع حرام منهي.
وثمرة الخلاف تظهر بيننا وبين زفر في هذه المسألة: في أن عنده هو لاحق حتى يأتي بهذه الركعة قبل فراغ الإمام، وعندنا هو مسبوق حتى يأتي بها بعد فراغ الإمام. كذا ذكره المرغيناني (٦).
стр. 1037
القِيَامِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي حَقِيقَةِ القِيَامِ.
وَلَنَا: أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ المُشَارَكَةُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَا فِي القِيَامِ وَلَا فِي الرُّكُوعِ (وَلَوْ رَكَعَ المُقْتَدِي قَبْلَ إِمَامِهِ فَأَدْرَكَهُ الإِمَامُ فِيهِ جَازَ) وَقَالَ زَفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ،
قوله: (وَقَالَ زَفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ)؛ أي: الصلاة إذا لم يعد الركوع؛ لقوله ﵊: «إنما جُعِلَ الإمامُ إمامًا» (١) الحديث، وقوله ﵊: «إنما يخشى من يركع قبل الإمام أن تصير رأسه رأس حمار» (٢)، وفي رواية: «رأس الخنزير» شبهه به؛ لأنه فعل فعلا فاحشا، حيث أضر بنفسه من غر نفع، فكان ما أتى به حراما، فيكون فاسدًا؛ ولهذا يصير عاصيا عند الشافعي، وما أتى بعده بناء عليه، كما لو رفع رأسه من هذا الركوع قبل ركوع الإمام؛ حيث لا يعتد به، ويجب عليه أن يعود.
ولنا: أن القدر الذي وجد فيه المشاركة ركوع حتى يسمى به راكعًا، فيجعل مبتدئاً لا بانيا؛ بخلاف ما لو رفع رأسه من هذا الركوع قبل ركوع الإمام؛ لأن ثمة لم توجد المشاركة. كذا في جامع قاضي خان وغيره (٣)، كما في الظرف الأول، وهو أن يشارك الإمام في أول الركوع، ثم رفع رأسه قبل الإمام؛ وهذا لأن للركوع طرفين، فالشركة كافية في أحدهما.
فإن قيل: إذا ركع قبل الإمام يكون ذلك الجزء فاسدًا كما بينا، والبناء على الفاسد فاسد، ولا كذلك فيما إذا رفع قبل الإمام بعد أن ركع معه.
قلنا: ما أدى قد صار كأن لم يكن، وبعده شارك الإمام في جزء وهو كاف، وإذا صار كأن لم يكن؛ لا يكون لبناء الفاسد على الفاسد. كذا في الكافي (٤).
وفي فتاوى العتابي: رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام؛ يجب
стр. 1038
لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ قَبْلَ الإِمَامِ غَيْرُ مُعْتَدٌ بِهِ هَكَذَا مَا يَبْنِيهِ عَلَيْهِ.
وَلَنَا: أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ المُشَارَكَةُ فِي جُزْءٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الطَّرَفِ الأَوَّلِ.
عليه أن يعود، ويكون ذلك واحدا (١).
وروى الحسن عن أبي حنيفة: فيمن رفع رأسه من الركوع قبل الإمام، وسجد قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع؛ فسدت صلاته، ولو سجد بعد ما رفع الإمام رأسه منه، وأدركه الإمام في السجود؛ لا تفسد [عند أبي حنيفة] (٢) وعند أبي داود: تفسد في الوجهين.
وفي الخلاصة والتجنيس: رفع رأسه قبل الإمام فيهما ينبغي أن يعود (٣)، والمعنى: أن متابعة الإمام واجبة، فترفع المخالفة والموافقة، وقد جاء في تأويل حديث الكسوف: أنهم رفعوا رؤوسهم قبل النبي ﵊، ثم وافقوه وتابعوه.
ولو رفع الإمام رأسه قبل أن يقول المقتدي: سبحان ربي العظيم [ثلاثا]، قيل: يتم ثلاثا، والصحيح: أنه يتابعه، بخلاف ما لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد؛ يتم ما بقي؛ لأنه من الواجبات، بخلاف التسبيحات؛ فإنها سنة، ومتابعة الإمام فريضة.
وعند الشافعي: لو رفع رأسه من الركوع قبل الإمام؛ فعليه أن يرجع إظهارا للموافقة، واحترازا عن المخالفة (٤)، فإن لم يرجع؛ كره وأجزأه.
وكذا لو ركع قبل الإمام؛ يستحب أن يرجع إلى القيام لما ذكرنا، حتى يركع معه، وقال بعض أصحابه: يصبر حتى يلحقه، ولو ركع الإمام ولم يركع المقتدي، حتى رفع الإمام رأسه؛ لم تبطل صلاته، والله أعلم.
стр. 1039
بَابُ قَضَاءِ الفَوَائِتِ
(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ قَضَاهَا إِذَا ذَكَرَهَا، وَقَدَّمَهَا عَلَى فَرْضِ الوَقْتِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ: أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الفَوَائِتِ وَفَرْضِ الوَقْتِ عِنْدَنَا مُسْتَحَقُّ.
[باب قضاء الفوائت]
لما فرغ المصنف من بيان أحكام الأداء وما يتعلق به، وهو الأصل؛ شرع في بيان أحكام القضاء، وهو الخلف.
ثم القضاء لغة: الأحكام.
وشريعة: إسقاط الواجب بمثل ما عنده، ويعرف تمام هذا في الأصول.
قوله: (ومن فاتته)، ولم يقل ترك الصلاة، مع أن حكم ترك الصلاة عمدًا هكذا عند الأكثر؛ لما أن ظاهر حال المسلم أن لا يتركها قصدًا، فعبر عنه بالفوت؛ تحسينًا للظن به، ورعايةً للأدب، كما قال محمد.
ولو أن الكعبة تبنى، وكذلك في الحديث، أخرجه صاحب الشرع مخرج تحسين العبادة.
والظن بالخير (مستحق)؛ أي: واجب عندنا، وبه قال مالك، لكن لا يسقط عنده بالنسيان، ولا بضيق الوقت، ولا بكثرة الفوائت. كذا في شرح الإرشاد (١).
وفي المنظومة: لا يسقط الترتيب بالنسيان عند مالك.
وفي شرح المجمع: والصحيح المعتمد عليه من مذهبه، سقوط الترتيب بالنسيان، كما نطقت به كتب مذهبه (٢).
وعند الشافعي: مستحب (٣). وعند أحمد: لو تذكر الفائتة في الوقتية يتمها، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الوقتية؛ عملا بظاهر الحديث (٤).
وذكر بعض أصحابه: أنها تكون نافلة، وهذا بقيد وجوب الترتيب، ولو
стр. 1040
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُسْتَحَبُّ، لِأَنَّ كُلَّ فَرْضِ أَصْلُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ.
اجتمعت الفوائت؛ وجب عليه الترتيب مع الذكر، ولا فرق بين كثيرها وقليلها، إلا أن يضيق الوقت، فعنه روايتان. كذا في الحلية (١).
قوله: (فلا يكون شرطًا لغيره) قياسًا على الصيامات المتروكة، والزكوات، وسائر العبادات، يوضحه أن كل فرض أصل بنفسه، فلو ثبت الترتيب بين الصلوات؛ تكون صحة الوقتية موقوفة على أداء الفائتة، وهذا لا يجوز كما في الصوم، يعني: صوم اليوم الأول لا يتوقف على صحة صوم الثاني، ولأن شرائط الصلاة لا تسقط بعذر النسيان، وضيق الوقت، وكثرة الفوائت، كالطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة. إليه أشير في المحيط (٢).
ولأن الترتيب الحاصل بين الصلوات ضرورة الترتيب في الأوقات، والفوائت مرسلة عن الوقت، ثابتة في الذمة؛ فانتفى الترتيب عنها.
فإن قيل: شرط الإيمان لصحة سائر العبادات، والصوم للاعتكاف، مع أن كل واحد منهما أصل بنفسه.
قلنا: الأصل هذا، وهو أن الشيء إذا كان مقصودًا بنفسه لا يكون شرطا لغيره، إلا إذا دلَّ الدليل على أنه شرط لغيره، وقد دلَّ الدليل على شرطية الإيمان لسائر العبادات، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وكذا نفى النبي ﵊ صحة الاعتكاف بدون الصوم في قوله: «لا اعتكاف إلَّا بِالصَّوم» (٣)، مع أن شرطه مطلق الصوم، لا صوم الفرض.
وفي الخبازية والكافي سائر العبادات فرع الإيمان، والفرع لا يوجد بدون
стр. 1041
وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ لِيُعِد الَّتِي صَلَّى مَعَ الإمام»
الأصل، فيكون الافتقار على نوعين: افتقار المشروط إلى الشرط، وافتقار الفرع إلى الأصل، وفيما نحن فيه لا يجوز أن يكون الافتقار بنوعيه، فلا يكون شرطًا لغيره، ولا فرعًا له؛ لأن كل واحد أصل بنفسه (١).
قوله: (ولنا قوله ﵊: «من نام … ») (٢) الحديث: رواه ابن عُمَرَ ﵄، والحكم غير مقتصر على النوم والنسيان، فإنه إذا ترك مجانة، أو فسقًا؛ يجب عليه القضاء بدلالة النص؛ لأنه إذا وجب القضاء بعذريهما؛ فلأن يجب بترك العهد أولى.
وعند أحمد وابن حبيب: لو تركها عمدًا بلا عذر؛ لا يقضيها؛ لأنه يصير مرتدًا (٣).
وجه التمسك به: أنه ﵊ جعل وقت التذكر وقتًا للفائتة، فلا يبقى وقتًا للوقتية، فصارت مؤخرة عنها، فلو أداها قبل الفائتة؛ فقد أداها قبل وقتها، فلا يجوز؛ لأنه يلزم تأخير الفائتة عن وقتها، وتأخير الوقتية عن الوقت حرام، ولأنه لما صار وقتًا للفائتة؛ صار كفرضين اجتمعا في وقت واحد، فيراعى فيه الترتيب، كالظهر والعصر بعرفة.
فإن قيل: يلزم على هذا إذا تذكر في ضيق الوقت، يلزم الترتيب.
قلنا: آخر الوقت وقت للوقتية بالتواتر والنص، وكون وقت التذكر وقتًا للفائتة؛ ثبت بخبر الواحد، وإنما يجب العمل به إذا لم يتضمن ترك العمل بالنص، وهو عند سعة الوقت، فإذا تضمن فلا؛ لأنه يلزم نسخ الكتاب، وهذا لا يجوز.
стр. 1042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قيل: لو كان وقت التذكر وقتًا للفائتة، لتأدَّت بنية الأداء، ولجازت إذا تذكرها وقت الاحمرار.
قلنا: وقت التذكر وقت للفائتة بخبر الواحد، وما مضى وقتها بالدليل القطعي؛ فيحتاط في رعاية نية القضاء نظرًا إلى الوقت الماضي، ترجيحا للقطعي على الظني، فكيف والأداء بنية القضاء جائز بالاتفاق؟، وإنما لم يجزه عند الاحمرار؛ لأن جواز الفرض في ذلك الوقت لم يثبت إلا بالنص؛ وهو قوله ﵊: «إلَّا عَصْرَ يومِهِ» فلا يتعداه.
فإن قيل: لا يصح التمسك بالحديث؛ لأنه من أخبار الآحاد، فلا يثبت به الفرض.
قلنا: هو ليس بفرض اعتقادًا حتى لا يكفر جاحده، ولكنه واجب في قوة الفرض في حق العمل، ومثله يثبت بخبر الواحد؛ كصدقة الفطر، والأضحية، والقعدة الأخيرة في الصلاة، والوتر في قول أبي حنيفة.
فإن قيل: العمل بخبر الواحد هاهنا غير ممكن، إلا بعد إبطال ما ثبت بالتواتر والنص القطعي، فإن الجواز ثبت بهما، كما زالت الشمس، ومتى أوجبنا الترتيب به؛ أبطلنا الجواز الثابت بهما.
قلنا: إذا عملنا بخبر الواحد عند سعة الوقت، لا يفوت جواز الظهر؛ بل يؤخر إلى ما بعد قضاء الفائتة، ومتى لم يعمل به تركناه، فتأخير ما ثبت بالمتواتر أولى من ترك ما ثبت بخبر الواحد؛ لأن التأخير أهون من الإبطال، فكان هذا أولى عملا بالدليلين؛ بخلاف ما لو ضاق الوقت. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).
قال أبو المعين: هذا استدلال ذهب إليه العراقيون من مشايخنا، وهو فاسد؛ لأن فيه معارضة الخبر الواحد بالكتاب، فإن الكتاب يقتضي الجواز، والخبر يقتضي عدمه، والصحيح أن يقال: إن هذا الحديث مشهور، وهو موجب
стр. 1043
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للعلم الاستدلالي، المضاهي للعلم الضروري؛ ولهذا يضلل جاحده، فجاز أن يعارض الكتاب (١).
وفي جامع العتابي: وهذا حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول (٢).
وفي الخبازية: قلنا: لا نسلم أن الكتاب يقتضي جواز الوقتية فرضًا، كما إذا زالت الشمس؛ فإنه يقع نفلًا عند بعض أهل العلم، فلم يكن الكتاب متعرضًا لجوازه فرضًا، لمكان الاختلاف (٣)، وفيه تأمل.
وفي المستصفى: أو نقول: الترتيب ثابت بالنص، فإن الكتاب يقتضي أن يكون أداء الفجر قبل أداء الظهر، والقضاء يحكي الأداء، فيلزم القضاء كما فرض الأداء (٤)، وفيه تأمل أيضًا.
قال شيخي العلامة ﵀: موجب الدليل القطعي، الجواز في الوقت بلا تعين جزء منه له، وهو الموجب الأصلي له، والجواز قبل الفائتة ليس بحكم أصلي؛ لأنه يجوز تفويته بترك الأداء بلا ضرورة ولا إثم؛ لإمكان تحصيله في الأجزاء الباقية، والعمل بخبر الواحد عند السعة لا يفوت الموجب الأصلي، ولكن يفوت الجواز الذي يباح تفويته بالترك، ومثل هذا التفويت لا يمنع العمل بخبر الواحد؛ لأن تفويته لما جاز، فالاشتغال بالعمل بخبر الواحد جاز بالطريق الأولى، بخلاف العمل بخبر الواحد في الطواف، والتعديل، والقراءة، ونحوها؛ لأنه يفوت العمل بموجب الدليل القطعي، الذي هو الإطلاق، وهو الموجب الأصلي فيها؛ فلا يجوز تركه (٥)، وفيه تأمل أيضًا.
وفي المستصفى: فإن قيل: لِمَ أوجبتم قراءة الفاتحة على هذا الوجه؟
قلنا: أما على أنه مشهور فظاهر، وأما على قول أنه من الأحاد؛ فنقول:
стр. 1044
(وَ لَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ يُقَدِّمُ الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ يَقْضِيهَا)؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِضِيقِ الْوَقْتِ،
القراءة ركن في الصلاة، ولا يجوز إثبات الركن بمثل هذا الخبر، والترتيب شرط، فجاز إثبات الشرطية به، أو نقول: إن صيغة قوله: لا صلاة، تستعمل لنفي الكمال استعمالاً ظاهراً، كما في: (لا فتى إلا علي)، فممكن أن يحمل على نفي الكمال.
وأما الحديث الذي ورد في وجوب الترتيب؛ ففيه بيان النهاية، ولا يحتمل غيره (١)، أو نقول - وهو الأصح من الجواب -: إنا لو قلنا بوجوب تعيين الفاتحة، على وجه يلزم فوات الصلاة بتركها، يلزم نسخ إطلاق النص، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾، وهذا لا يجوز كما قلنا بجواز الوقتية مع التذكر عند ضيق الوقت، بخلاف وجوب الترتيب عند سعة الوقت، فإنه لا يلزم فيه نسخ الكتاب؛ بل كان فيه عمل بالدليل.
وأما الجواب عن قوله: وشرائط الصلاة لا تسقط بعذر النسيان، وضيق الوقت؛ فإن حالة النسيان ليست بوقت الفائتة؛ لأن وقتها وقت التذكر، فكان وقتاً لفرض الوقت بالنص، وأما حال ضيق الوقت: فتعين الوقت للوقتية بالكتاب أو بالخبر المتواتر، فلم يبق الترتيب شرطاً عند ضيق الوقت؛ لأنه ثبت بخبر الواحد، وهو لا يعارض الكتاب والمتواتر، وكثرة الفوائت بمعنى ضيق الوقت.
وأما قوله: والفوائت مرسلة عن الوقت؛ فغير مُسَلَّم بهذا الحديث.
وأما قوله: لا يكون شرطا لغيره.
فقلنا: هذا إذا لم يدل الدليل عليه، فأما إذا دل؛ فيجوز، وقد دل الحديث هاهنا، ولا تنافي بين كونه أصلاً بنفسه، وشرطا لغيره.
وقال في جامع شمس الأئمة في تعليل وجوب الترتيب: مراعاة الترتيب بين الصلوات ثابتة وقتاً وفعلاً، أما وقتاً: فظاهر، وأما فعلاً: فلأن الظهر والعصر
стр. 1045
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعرفات اجتمعا في حق الحاج في وقت واحد، ثم لو بدأ بالعصر قبل الظهر لا يجوز، فكذلك هاهنا؛ لما أنه لو فاته مراعاة الترتيب وقتًا يلزمه فعلا؛ لأن وقت التذكر وقت للفائتة، وقد فاتته وقتًا؛ فيلزم مراعاته فعلا، كما في تلك الصورة (١).
وفي الفوائد الظهيرية: هذا الحديث يصلح حجة على محمد، في أنه لا يلزم من بطلان صفة الفرضية، بطلان أصل الصلاة، حيث أمره بالمضي (٢).
وفي شرح الإرشاد: لعله ما بلغه هذا الحديث، وإلا لما خالفه (٣)، فسقط بضيق الوقت، وبه قال أحمد (٤)؛ إذ لو لم يسقط، لأدى إلى بطلان موجب الدليل القطعي بخبر الواحد كما ذكرنا.
وفي المبسوط: ضيق الوقت؛ بأن يعلم أنه لو بدأ بالفائتة تفوت الوقتية من وقتها (٥)، حتى لو علم وقوعها في وقت مكروه؛ ففي سقوط الترتيب اختلاف المشايخ.
قال الهندواني: يسقط عند محمد، خلافًا لهما، كما لو ذكر الفجر في الجمعة، وعلم أنه لو بدأ به يفرغ الإمام عنها، والوقت باق، فعنده يتم الجمعة؛ لأن تركها للصحيح المقيم مكروه، فكان بمنزلة خوف فوت الوقت، وعندهما يلزمه الترتيب (٦).
وفي جامع البرهاني: قال الطحاوي: على قياس قولهما؛ العبرة لأصل الوقت، وعلى قياس قول محمد؛ العبرة للوقت المستحب.
стр. 1046
وَكَذَا بِالنِّسْيَانِ وَكَثْرَةِ الفَوَائِتِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى تَفْوِيتِ الوَقْتِيَّةِ،
بيانه: إذا شرع في العصر وهو ناس للظهر، ثم تذكر الظهر في وقت، لو اشتغل به يقع العصر في وقت مكروه؛ فعندهما يقطع العصر، ويصلي الظهر ثم العصر (١).
وعند محمد: يمضي في العصر، ثم يصلي الظهر بعد الغروب.
وفي جامع قاضي خان: يعتبر ضيق الوقت عند الشروع، حتى لو شرع مع تذكر الفائتة في أول الوقت، وأطال القراءة حتى ضاق الوقت؛ لا يجوز، إلا أن يقطع فيشرع عند الضيق (٢).
قوله: (وكذا بالنسيان)؛ يعني: تقدم الوقتية على الفائتة بنسيان الفائتة؛ لسقوط الترتيب به لما ذكرنا، ولأنه روي أنه ﵊ صلى المغرب يوما، ثم قال: «هل رآني أحد منكم صليت العصر» (٣)، قالوا: لا، فصلى العصر، ولم يعد المغرب، ولأن الخطاب بتقدم الفائتة يتوقف على العلم، أو على دليله؛ ولم يوجد دليل العلم حالة النسيان. كذا في المحيط (٤).
وقال شيخ الإسلام: من جهل فرضية الترتيب؛ لا يفترض عليه، كالناسي. رواه الحسن عن أبي حنيفة ﵁، وهو قول جماعة أهل بلخ (٥).
(وكثرة الفوائت): وبه قال مالك - يعني تقدم الوقتية عند كثرة الفوائت؛ لسقوط الترتيب (٦)؛ لأن كثرة الفوائت في معنى ضيق الوقت، لإفضاء الاشتغال بالفوائت إلى وقوع الوقتية في الضيق.
стр. 1047
وَلَوْ قَدَّمَ الفَائِتَةَ جَازَ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقْدِيمِهَا لِمَعْنَى فِي غَيْرِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي الوَقْتِ سَعَةٌ وَقَدَّمَ الوَقْتِيَّةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالحَدِيثِ
وللحرج؛ لأن محافظة الترتيب في القضاء أمر متعذر.
(ولو قدم الفائتة)؛ أي: على الوقتية عند ضيق الوقت يجوز.
(لأن النهي عن تقديمها)؛ أي: تقديم الفائتة.
(المعنى) في غير الفائتة: على تأويل فرض الفائتة، فلا يمنع الجواز، كما في البيع وقت النداء.
وفي المبسوط: لو بدأ بالفائتة عند ضيق الوقت؛ يجوز، بخلاف ما لو بدأ بالوقتية عند سعة الوقت؛ حيث لم يجز؛ لأن النهي عن بداية فرض الوقت لمعنى في عينه، وهو كونه مؤدى قبل وقته الثابت بالخبر، فتتقدم مشروعيته كالنهي عن بيع الخمر؛ ألا ترى أن له أن يبدأ بالتطوع لانعدام الموجب المنهي، فمنع الجواز لهذا، وعن البداية بالفائتة عند ضيق الوقت لمعنى في عينها؛ بل لما فيها من تفويت فرض الوقت؛ ألا ترى أنه ينهى عن الاشتغال بالتطوع أيضًا، والنهي متى لم يكن لمعنى في عين المنهي؛ لا يمنع جوازه (١).
قيل: المراد من النهي قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
وقيل: المراد به الإجماع، لا نهي الشارع؛ فإن الإجماع انعقد على تقديم الوقتية عند ضيق الوقت، وهو الأصح.
وفي الْمُجْتَبَى: قال الحسن: يراعي الترتيب، فإن لم يمكنه أداء الوقتية إلا مع التخفيف في قصر القراءة والأفعال؛ فيرتب، ويقتصر على أقل ما تجوز به الصلاة (٢).
ومن عليه العشاء، فظن ضيق وقت الفجر، فصلاها، وفي الوقت سعة؛
стр. 1048
(وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي القَضَاءِ، كَمَا وَجَبَتْ فِي الأَصْلِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ
يكررها إلى أن تطلع الشمس، وفرضه: ما لم يلي الطلوع.
قلت: وما يلي الطلوع، وهو الأقيس؛ لأن الوقت الضيق ما لم يسع لست ركعات: أربع العشاء، وركعتي الفجر.
وقيل: يشرع في العشاء، فإن طلعت قبل الفراغ؛ صح فجره، وإلا؛ فلا.
ولو فاتته أربع، والوقت لا يسع إلا لفائتتين والوقتية؛ فالأصح: أنه تجوز الوقتية.
ولو صلى الوقتية، وفي ظنه أن الوقت يسع لهما، ثم تبين خلافه؛ لم تجز الوقتية، وقيل: تجوز.
ولو سقط الترتيب لضيق الوقت، ثم خرج الوقت؛ لا يعود على الأصح، حتى لو خرج في خلال الوقتية؛ لا تفسد على الأصح، وهو مؤد على الأصح، لا قاض.
وكذا لو سقط بالنسيان، ثم تذكر؛ لا يعود ولو نسي الظهر، وافتتح العصر، ثم ذكره عند احمرار الشمس؛ يمضي لضيق الوقت. وكذا لو افتتحها عند الاصفرار ذاكرًا ثم غربت.
قوله: (رتبها في القضاء)؛ فالترتيب واجب بين الفوائت؛ أي: عند قلة الفوائت، بدليل قوله فيما بعده إلا أن ترديد الفوائت على ست؛ لما روي أنه ﵊ لما شغل عن أربع صلوات يوم حفر الخندق في المدينة، قضاهن بعد هوي من الليل أي طائفة منه، مرتبًا الظهر بأذان وإقامة، ثم العصر بإقامة، ثم المغرب بإقامة، ثم العشاء بإقامة، ثم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) رواه أبو سعيد الخدري.
وعن الكردري في قوله: «كما رأيتموني أصلي» ولم يقل صليت؛ لأنه ليس في وسع أحد أن يصلي مثل صلاته (٢)، ولأن القضاء يبنى على الأداء، وهو واجب مرتبًا، فكذا القضاء، وهو معنى قوله: (كما وجبت في الأصل).
стр. 1049
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتِ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَقَضَاهُنَّ مُرَتَّبًا، ثُمَّ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
فإن قيل: الترتيب في الأداء؛ ضرورة ترتيب الأوقات لا قصدا، كترتيب صيام رمضان ثبت ضرورة ترتيب الأيام لا قصدا، فإذا فاتت الأوقات، واجتمعت الصلوات في الذمة؛ ينبغي أن يجوز قضاءها مرتبا وغير مرتب، كقضاء صيام رمضان.
قلنا: قد بقي هذا الترتيب بعد الوقت، كما في صلاتي المزدلفة. كذا قرره شيخي العلامة ﵀.
قوله: (إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات)؛ هذا استثناء من قوله: (ورتبها في القضاء)، والمراد بالصلوات: أوقاتها؛ أي: ست أوقات؛ كقوله ﵇: «الصلاة أمامك» (١)؛ أي: وقتها، ومراده: أن تصير الفوائت ستا ودخل وقت السابعة، فيجوز أداء السابعة، فحينئذ لا تجب مراعاة الترتيب، ولو حمل الكلام على حقيقته لا يجوز أداء السابعة، وبعضهم حملوه على الحقيقة، وشرطوا فوات السابعة. كذا في المستصفى (٢).
وفي الخبازية مثله، ثم قال: لكن يرد عليه إشكالان: أحدهما: أن كثرة الفوائت يتعلق بخروج وقت السادسة؛ لأن بها تتحقق الكثرة، فلماذا تعرض بدخول وقت السابعة؟.
والثاني: أن بدخول وقت السابعة لا تزداد الفوائت على ذلك، وإنما ذلك بخروج وقت السابعة.
والجواب: أن هذا من باب إطلاق اسم الأغلب على الكل، فإن الأغلب أن خروج وقت السادسة لا يكون بلا دخول وقت السابعة، كما في أربع صلوات، وعند دخول وقت السابعة يتحقق فوات الست، والسابعة بفرضية أن تفوت، فجاز إطلاق اسم الأغلب عليها (٣).
стр. 1050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن حمل هذا الكلام على حقيقته، وشرط فوات السابعة، لا يحتاج إلى هذا التكلف.
وفي الكافي: لا يتوقف سقوط الترتيب إلى خروج وقت السابعة بالإجماع، فهذا دليل على أن فوات السابعة ليس بشرط؛ لأن فواتها بخروج وقتها (١).
وفي الْمُجْتَبى: إلا أن تزيد الفوائت على خمس صلوات؛ لأن كثرة الفوائت في معنى ضيق الوقت، والكثرة بالست للتكرار، فإذا دخل وقت السابعة؛ سقط الترتيب عندهما، وعند محمد: إذا دخل وقت السادسة (٢).
وفي مبسوط شيخ الإسلام عن أصحابنا: أنه يسقط الترتيب بالخمس؛ لأنها كل الخمس (٣).
قلت: وقد وقع في أكثر النسخ: إلّا أن تزيد الفوائت على ست، وهذا سهو وقع في الكتبة؛ لأنها إذا ازدادت الفوائت على الست، تصير سبعًا، فيتوقف سقوط الترتيب على السبع، ولم يقل به أحد.
وفي فوائد شيخي العلامة: فإن قيل: ظاهر قوله (إلا أن تزيد الفوائت على ست) يوهم أن يشترط في سقوطه صيرورتها تسعًا؛ لأنه ذكر المزيد بلفظ الجمع، وهو الفوائت وأقله ثلاثة، والمزيد عليه ست، وهما متغايران لا محالة، فيصير المجموع تسعًا.
قلنا: المراد من مثل هذا التركيب: أن يكون في نفسه أكثر من العدد المذكور؛ لأن المزيد والمزيد عليه كلاهما مرادان جميعًا، كقولهم: هذه الدراهم تزيد على مائة؛ معناه: عددها يزيد على عدد المائة، لا أن تكون الدراهم مع المائة مرادا به، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وإذا كان كذلك: لم يشترط لصحة الكلام أكثر من
стр. 1051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحد؛ لأن الأكثرية على المذكور تحصل به، فيقتضي اشتراط السبع دون التسع (١).
وقيل: دخل اللام في الجمع والمراد الجنس، فلا يشترط الثلاث.
فإن قيل: الكثرة المسقطة صيرورة الفوائت خمساً في رواية ابن شجاع عن محمد، أو دخول وقت السادسة مع ذلك في رواية أخرى عن محمد، أو صيرورتها ستاً بخروج وقت السادسة كما هو مذهبهما، والظاهر من مذهب محمد، فمن أين اشتراط السبع الذي لا يتحقق إلا بدخول وقت السابعة في الأغلب؟
قلنا: لا يشترط لسقوط الترتيب الذي بين الفوائت والوقتية؛ أكثر من الست، باتفاق الروايات عن أصحابنا.
فأما الترتيب الواجب في الفوائت نفسها، فكذلك في ظاهر الرواية، وفي بعض الروايات - وهو مختار القدوري-: يشترط لسقوطه أن تزيد الفوائت على ست (٢).
ووجهه: أن سقوط هذا الترتيب مستفاد من سقوط الترتيب الأول، ثم يشترط للسقوط فيه؛ أن يكون بين الوقتية وبين آخر صلاة صلاها ست من الفوائت، فكذا يشترط أن يكون بين الفائتة التي يقضيها، وبين آخر صلاة صلاها، ست من الفوائت أيضاً؛ ليكون نظير الوقتية.
وجه الظاهر: ظاهر؛ فإن الفوائت قد كثرت بصيرورتها ستاً، وأثرت في سقوط الأول من غير توقف على السابعة، ويسقط الترتيب من غير توقف على السابعة (٣) أيضاً؛ لأنه مبني على الأول.
وحمل بعض الشارحين لفظ الكتاب على وجه يوافق ظاهر الرواية، وقال:
стр. 1052
(إِلَّا أَنْ تَزِيدَ الفَوَائِتُ عَلَى سِتْ صَلَوَاتٍ) لِأَنَّ الفَوَائِتَ قَدْ كَثُرَتْ (فَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ فِيمَا بَيْنَ الفَوَائِتِ) نَفْسِهَا كَمَا سَقَطَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الوَقْتِيَّةِ، وَحَدُّ الكَثْرَةِ: أَنْ تَصِيرَ الفَوَائِتُ سِنًّا بِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالمَذْكُورِ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَإِنْ فَاتَتْهُ أَكْثَرُ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَجْزَأَتْهُ الَّتِي بَدَأَ بِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَصِيرُ سِئًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ اعْتَبَرَ دُخُولَ وَقْتِ السَّادِسَةِ (*)، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الكَثْرَةَ بِالدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَذَلِكَ.
المراد من الصلاة: أوقاتها كما ذكرنا؛ ليوافق ظاهر المذهب من اشتراط صيرورة الفوائت ستا، بخروج وقت السادسة المستلزمة لدخول وقت السابعة في الأغلب، وإنما يحتاج إلى هذا الحمل؛ إذا لم يثبت اشتراط السبع صريحًا عنه، فأما على تقدير ثبوته؛ فلا حاجة إليه، ولا يصح أن يحمل على مذهب أبي حنيفة ﷺ بأن يقال: الوتر فرض عنده عملا، حتى منع تذكره صحة الفجر، فتكون فوائت اليوم والليلة ستا على أصله، فلابد من السابعة للدخول في حد الكثرة؛ لأنا نقول: الوتر غير محسوب من الفوائت في باب الكثرة بالإجماع.
أما عندهما؛ فظاهر، وأما عنده؛ فلأنه وإن كان فرضًا لا تحصل به الكثرة؛ لأنه من تمام وظيفة اليوم والليلة، والكثرة لا تحصل إلا بالزيادة عليها من حيث الأوقات، أو من حيث الساعات، ولا مدخل للوتر في ذلك بوجه، فيكون المراد بالفوائت: الصلوات الموقتة؛ ألا ترى أن المعتبر في سقوط الترتيب بين الفوائت والوقتية عدد الست باتفاق الروايات، ولو كان للوتر مدخل؛ لاعتبر عدد السبع على أصله، فعلم أن الوتر غير معتبر، والحمل على هذا الوجه غير صحيح.
وفي النهاية: تفسير قوله: (أن تزيد الفوائت على ست)؛ أنه إذا قضى فائتة ثم فائتة، وبينهما صلوات أخر، فإن كان مجموع الفوائت زائدا على الست؛ جازت الباقية وإلا؛ فلا (١)، وإنما شرطت الزيادة على الست؛ لتكون بين الفائتة التي يقضيها وبين آخر صلاة قضاها ست، فتكون نظير الوقتية.
стр. 1053
فِي الأَوَّلِ، … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... .
وذكر شيخ الإسلام، وصاحب المحيط: إذا كثرت الفوائت حتى سقط الترتيب لأجلها في المستقبل؛ سقط الترتيب في نفسها أيضًا، حتى قال أصحابنا فيمن كان عليه صلاة شهر، فصلى ثلاثين فجرًا، ثم صلى ثلاثين ظهرا، وهكذا إلى آخرها؛ أجزأه، ولم يوجد هاهنا الترتيب في نفسها؛ لأن فجر اليوم الثاني حصل قبل الظهر والعصر، وهذا مروي عن أصحابنا، بخلاف ما يقوله العوام: إنه يراعي الترتيب في الفوائت، وليس كذلك؛ لما أن الفوائت لما كثرت، أسقط الترتيب عن اعتبارها، فلأن يسقط في نفسها كان أولى (١).
وشبهه الإمام بدر الدين الكردري ﵀ بالضرب؛ لما أثر في غير موضع الضرب إيلامًا، فلأن يؤثر في موضع الضرب بالطريق الأولى (٢).
فإن قيل: كثرة الفوائت علة السقوط فتعمل في نفسها؛ لئلا يصير الشيء الواحد علة ومعلولا.
قلنا: العلة الكثرة، ولحكم سقوط الترتيب، وهما متغايران.
فإن قيل: الكثرة صارت علة لسقوط الترتيب تحرزًا عن فوات الوقتية، وهذا المعنى عدم فيما بين الفوائت نفسها، فلم توجد علة السقوط.
قلنا: جاز أن تكون الكثرة علة للسقوط فيما بين الفوائت والوقتية، بما ذكرنا من المعنى، ويكون علة للسقوط في الفوائت لمعنى آخر، وهو دفع حرج مراعاة الترتيب بعد ما كثرت الفوائت، فإن مراعاة الترتيب فيما تعسرت أو تعذرت، على أن ما ذكرتم حكمه حكم سقوط الترتيب، وحكمة الحكم لا تراعى في كل الأفراد على ما عرف. كذا في الخبازية (٣).
وفي المبسوط: كان بشر المريسي يقول: من ترك صلاة؛ لم تجز صلاته في عمره، ما لم يقضيها إذا كان ذاكرًا لها؛ لأن كثرة الفوائت تكون عن كثرة تفريط؛ فلا يستحق التخفيف (٤).
стр. 1054
وَلَوِ اجْتَمَعَت الفَوَائِتُ القَدِيمَةُ وَالحَدِيثَةُ، قِيلَ: تَجُوزُ الوَقْتِيَّةُ مَعَ تَذَكَّرِ الحَدِيثَةِ لِكَثْرَةِ الفَوَائِتِ، وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ وَيُجْعَلُ المَاضِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ زَجْرًا لَهُ عَنْ
وقال ابن أبي ليلى: مراعاة الترتيب في صلاة سنة، فجعل حد الكثرة ما زاد على ستة (١).
وقال زفر: لا يسقط الترتيب إلا بمضي شهر؛ لأن ما دونه قليل؛ ألا ترى أنه لا يجوز السلم إلى أجل دون الشهر، وما فوق الشهر كثير، فيسقط الترتيب به، وعنه أنه لا يسقط، قلت الفوائت أو كثرت؛ لأن ما كان شرطًا يستوي فيه القليل والكثير. كذا في الإيضاح (٢).
وقلنا: حد الكثرة أن يزيد على يوم وليلة، والكثرة في معنى ضيق الوقت كما بينا، وعند ضيق الوقت لو اشتغل بالمتروكة؛ تفوت الوقتية عن وقتها، فكان أداء الوقتية أولى؛ لأنه عمل بالكتاب.
وعن محمد: أنه اعتبر دخول وقت السادسة؛ لأن بدخوله تصير الفوائت خمسًا، والكثير من كل جنس: ما يستغرق جنسه وجنس المكتوبة: الخمس، والأول وهو خروج وقت السادسة، وهو قولهما، وظاهر [قول محمد] (٣) بالأول، وهو خروج السادسة؛ لأن الشيء إنما يستحق اسم الكثرة بالتكرار، كالكثرة في المقسوم لا يظهر إلا بزيادة أحد القسمين على الآخر. وأدنى التكرار في خروج وقت السادسة؛ لأن به تصير الفوائت ستّا، والواحدة من الصلوات تتكرر، فثبت لها وصف الكثرة، والفائتة ما يفوت فعلها عن وقتها. كذا في جامع الكردري (٤).
قوله: (ولو اجتمعت الفوائت) إلى آخره في الجامع صورته: ترك رجل صلاة شهر مجانة، أو فسقا، ثم ندم واشتغل بالصلاة الوقتية، فقبل أن يقضي تلك الفوائت ترك الصلاة، ثم صلى صلاة أخرى، وهو ذاكر لهذه المتروكة، قال بعض المتأخرين من مشايخنا: لا تجوز هذه الصلاة، ويجعل الماضي كأن
стр. 1055
التَّهَاوُنِ وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ، عَادَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ البَعْضِ وَهُوَ الأَظْهَرُ (*)، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَجَعَلَ يَقْضِي مِنْ
لم يكن؛ احتياطا، وزجرا له عن التهاون، وأن لا تصير المعصية سببًا للتخفيف (١).
وبعضهم قال: يجوز، وإليه مال أبو حفص الكبير، وعليه الفتوى؛ لأن الاشتغال بهذه الفائتة، ليس بأولى من الاشتغال بتلك الفوائت، والاشتغال بالكل يُفَوِّتُ الوقتية (٢).
وفي محيط الصدر الشهيد: القول الأول هو الصحيح (٣).
وفي الْمُجْتَبى: الثاني هو الأصح، والقول الأول أحوط (٤).
وقيل: يجب الترتيب استحسانًا لا قياسًا؛ لأن المعصية لا تصير سببًا للتخفيف.
وفي الذخيرة: لا يجب الترتيب عند أبي حنيفة، خلافًا لهما (٥).
وسئل ظهير الدين المرغيناني، عن امرأة فاتتها الظهر، ثم حاضت وصلت الوقتية، ذاكرة للفائتة؛ فقال: لا تصح (٦).
قوله: (هو الأظهر)؛ لأن تسقط سقوط الترتيب كان لعلة مفضية إلى الخروج، فلما قلت الفوائت؛ لم يبق الحرج، فعاد الحكم الذي قبله.
فإن قيل: لما سقط بالكثرة لا يعود؛ لأن الساقط لا يعود.