وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: تَرْكُ القِرَاءَةِ فِي الأُولَيَيْنِ يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا لَا يُوجِبُ، لِأَنَّ كُلَّ شَفْعِ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ، وَفَسَادُهَا بِتَرْكِ القِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مُجْتَهَدٌ فِيهِ،
الابتداء فيجوز أن يقطعها بعد الصحة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).
والفقه فيه: أن التحريمة شرط الأداء عندنا كما مرّ، وبفساد الأداء لا يفسد الشرط، كالوضوء؛ لا يفسد بفساد الصلاة. إليه أشير في المحيط (٢).
قوله: (مجتهد فيه): فإن عند الحسن البصري لا يجب القراءة إلا في الركعة الأولى كما مر.
فإن قيل: ترك القراءة في الكل مجتهد فيه أيضًا، فإن عند أبي بكر الأصم والحسن ابن الصالح القراءة فيها غير واجبة كما مر، فعلى هذا ينبغي أن لا تفسد التحريمة عند ترك القراءة في الشفع الأول؛ لأنه مجتهد فيه أيضًا.
قلنا: ذاك خلاف لا اختلاف؛ لأن قوله مخالف للدليل القطعي؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ فلم يعتبر قوله؛ لما أن القضاء في المجتهد فيه إنما يأخذ حكم الصحة إذا كان قول من يخالف لا يخالف الدليل القطعي من الكتاب والسنة.
وفيه تأمل؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ غير قطعي عند الأصم في الصلاة؛ لجواز أن يكون أمر ندب أو خارج الصلاة.
قوله: (احتياطا)؛ في المحيط: أن أبا حنيفة عمل بالاحتياط؛ حيث قال: إن الأمر بفعل القراءة لا يقتضي التكرار كما قاله الحسن، لكن أوجبناها في الثانية احتياطا؛ لأنها تكرار الأولى على ما مرَّ، والاحتياط هاهنا في أن لا تجعل القراءة فرضًا في الثانية في حق بقاء التحريمة، حتى حكم بصحة الشروع في الشفع الثاني، فيجب عليه إتمامه، ولا يحكم بصحة الأداء احتياطا أيضًا،
стр. 982
فَقَضَيْنَا بِالفَسَادِ فِي حَقِّ وُجُوبِ القَضَاءِ، وَحَكَمْنَا بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ فِي حَقِّ لُزُومِ الشَّفْعِ الثَّانِي احْتِيَاطًا، إِذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ: إِذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الكُلِّ قَضَى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا، لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الأَوَّلِ عِنْدَهُمَا، فَلَمْ يَصِحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، وَبَقِيَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، فَصَحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، ثُمَّ إِذَا فَسَدَ الكُلُّ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ فِيهِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأَرْبَعِ عِنْدَهُ.
(وَلَوْ قَرَأَ فِي الأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ: فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُخْرَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمْ تَبْطُلْ فَصَحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، ثُمَّ فَسَادُهُ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الشَّفْعِ الأَوَّلِ وَلَوْ قَرَأَ فِي الأَخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُولَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَمْ يَصِحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ: إِنْ صَحَ فَقَدْ أَدَّاهَا وَلَوْ قَرَأَ فِي الأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الأُخْرَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُخْرَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الأَخْرَيَيْنِ وَإِحْدَى الأُولَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُولَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الأَرْبَع، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ بَاقِيَةٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: عَلَيْهِ قَضَاءُ الأُولَيَيْنِ (*)، لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ ارْتَفَعَتْ عِنْدَهُ.
فأخذ في كل حكم بالاحتياط (١). إليه أشار المصنف بقوله: (فقضينا بالفساد) إلى قوله: (احتياطا).
وفي مبسوط شيخ الإسلام ﵀: ما قاله أبو حنيفة عدل حيث أوجب الفساد بفساد الأداء ولم ترفع التحريمة؛ لأنه لم يوجد ما يقطعها فعليه قضاء الأخريين بالإجماع؛ لبقاء التحريمة وصحة الشروع في الشفع الثاني، وهذا إذا قعد بينهما فإن لم يقعد يقضي أربعًا؛ لأن عندهما لم يصح الشروع في الثاني والأخريان لا يكونان قضاء عن الأولين؛ لأن بنائهما على تلك التحريمة والتحريمة الواحدة لا يتسع فيها الأداء والقضاء. كذا في المبسوط (٢).
стр. 983
وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَقَالَ: رَوَيْتُ لَكَ عَنْ أَبِي
قوله: (وأنكر أبو يوسف هذه الرواية)؛ أي: قضاء الأربع عند أبي حنيفة.
في المبسوط: جرت محاورة بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في مذهبه، حين عرض عليه الجامع الصغير، فقال أبو يوسف: رويت لكم عن أبي حنيفة قضاء ركعتين، وقال محمد: بل رويت لي قضاء الأربع (١).
وقيل: ما حفظ عن أبي يوسف قياس مذهبه؛ لأن التحريمة ضعفت بالفساد بترك القراءة في ركعة فلا يلزمه الشفع الثاني بالشروع فيه لهذه التحريمة، والاستحسان ما حفظه محمد؛ لأن الشروع وإن حصل بصفة الفساد فقد أكده بوجود القراءة في ركعة، فصار ذلك ملزما إياه لتأكده (٢).
والدليل على أن التأكيد يحصل بالقراءة في ركعة قوله ﵊: («لا صلاة إلا بالقراءة») (٣)، وبالقراءة في ركعة تكون صلاة بالقراءة؛ ولهذا قال بعض العلماء: لا تجب القراءة في كل صلاة إلا في ركعة.
وقيل: هذا الخلاف مبني على أن المروي عنه إذا أنكر الرواية، تحل له الرواية بعد ذلك عنه عند محمد خلافًا لأبي يوسف.
قوله: (قال)؛ أي: محمد في الجامع الصغير وتفسير قوله ﵊ إلى آخره.
في جامع الإِسْبِيجابي: هذا التفسير مروي عن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ (٤).
وفي الخبازية: علي ﵁ مكان زيد (٥) وفيها: وقد رفعه بعضهم إلى النبي ﷺ ، والتمسك به أنه ﵊ أخبر أنه لا يصلي بعد الظهر
стр. 984
حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ، وَمُحَمَّدٌ ﵀ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ. (وَلَوْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأُولَيَيْنِ لَا غَيْرَ قَضَى أَرْبَعًا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قَضَى رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأَخْرَيَيْنِ لَا غَيْرَ قَضَى أَرْبَعًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَهُمَا:
مثلها ركعتين بقراءة وركعتين بدونها، فيكون أمر بالقراءة في جميع ركعات النفل، وهذا الحمل أولى من حمل الشافعي على المماثلة في العدد، فإنه مشروع بالإجماع في ركعتي الفجر مع الفجر، والأربع قبل الظهر مع الظهر في الحضر، وفي الظهر مع ركعتين بعدها في السفر، ولو حمل على تكرار الجماعة في مسجد له أهل أو على قضاء صلاة عند توهم الفساد يكون صحيحا. كذا في جامع فخر الإسلام (١).
وفي الخبازية: فإن ذلك مكروه؛ لما فيه من تسليط الوسوسة على القلب (٢)، وبعضهم قالوا: هذا حكم ظهر عقيب سبب، وهو ما روي أنه ﵊ غداة ليلة التعريس دعا بماء فأوتر ثم صلى الفجر بجماعة، فقال له أصحابه: أو نقضي هاتين الركعتين في وقت الصلاة من اليوم الثاني؟ فقال ﵊: «إِنَّ الله تعالى نهاكم عنِ الرِّبا فلا يأمركم به لا يصلى بعد صلاة مثلها» (٣).
معناه: أن الفائتة إذا قضيت لا تقضى في اليوم الثاني في وقت تلك الصلاة من غير دليل (٤).
وفي الكافي: ما ذكر في الهداية أنه بيان فرضية القراءة في ركعات النفل مشكل؛ لأنه خبر الواحد فكيف يقتضي الفرضية، ولئن كان مشهورًا فهو مؤوّل كما ذكرنا فلا يوجب العلم (٥).
стр. 985
رَكْعَتَيْنِ) (*) قَالَ: (وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﵊: («لَا يُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةٍ مِثْلُهَا» يَعْنِي: رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ، فَيَكُونُ بَيَانُ فَرْضِيَّةِ القِرَاءَةِ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ كُلِّهَا، وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَى القِيَامِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «صَلَاةُ القَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ القَائِمِ».
ولئن قيل: إنه بيان لمجمل الكتاب، فصار كخبر المسح على الرأس، وخبر القعدة الأخيرة لا يستقيم أيضًا؛ لأن نص القراءة ظاهر مستغن عن البيان وليس بمجمل، ولو كان مجملا؛ لقيل بفرضية الفاتحة وضم السورة.
قال شيخي العلامة رَحْمَةُ اللهِ: ليس فيه إشكال؛ لأنه قال: هو بيان الفرضية ولم يقل أن الفرضية ثابتة به، ويجوز أن يكون خبر الواحد بيان فرضية شيء، وفرضيته ثابتة بدليل آخر كقوله ﵊: «خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوء هن … » (١) الحديث؛ فإن فرضية الصلوات ثابتة بالدلائل، وهاهنا فرضية القراءة في ركعات النفل ثابتة بالدليل الذي أوجب فرضيتها في ركعتي الفرض وركعتي النفل؛ إذ كل شفع صلاة على حدة، وهذا الحديث بيان لتلك الفرضية (٢).
وفي الخبازية: تفسير الحديث على الوجه المنقول بيان أن كل شفع من النوافل محل فرض القراءة باعتبار أنه صلاة على حدة كالفرائض ثم الفرضية ثبتت بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ وهذا كما يقال تقدير المسح بالربع ثبت بحديث مغيرة وفرضيته ثبتت بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا﴾ [النساء: ٤٣] (٣).
قوله: (على النصف من صلاة القائم)؛ أي: في حق الآخر.
فإن قيل: هذا الحديث لم يتعرض للنفل، ولا للفرض، ولا لحالة العذر
стр. 986
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعِ وَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ القِيَامُ فَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ القُعُودِ، وَالمُخْتَارُ: أَنْ يَقْعُدَ كَمَا يَقْعُدُ فِي حَالَةِ التَّشَهُدِ، لِأَنَّهُ عُهِدَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ.
وغيرها، فكيف وجه التمسك به؟
قلنا: الإجماع منعقد على أن صلاة القاعد بعذر مساوية لصلاة القائم في الأجر، فلم يبق حينئذ إلا صلاة النفل قاعدًا بدون العذر؛ لأن الفرض لم يجز قاعدًا بلا عذر، وعنه ﵊: أنه كان يصلي بعد الوتر قاعدًا. وعنه ﵊: أنه كان يجلس في عامة صلاته بالليل تخفيفًا. كذا ذكره شيخ الإسلام (١).
وفي الْمُجْتَبى: قالت عائشة: لم يُقْبَض النبي ﵊ حتى كان أكثر صلاته جالسا (٢).
وفي رواية عنها: «فلما أراد أن يركع قام فقرأ آيات ثم ركع وسجد وعاد إلى القعود» (٣)، وهو المستحب في كل تطوع قاعدًا، وبه قال الشافعي (٤)، وسأله عمران بن الحصين عن صلاة القاعد فقال ﵊: «من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد» قالوا: وهذا في حق القادر، أما العاجز: فصلاته بالإيماء أفضل من صلاة القائم الراكع الساجد؛ لأنه جهد المقل.
(خير موضوع)؛ أي مشروع لك، ومرفوع عنك؛ يعني: غير واجب، قال ﵊: «الصلاة خير موضوع، من شاء استقل، ومن شاء استكثر» (٥).
стр. 987
(وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)
قوله: واختلفوا عن أبي حنيفة، إن شاء قعد كما في التشهد، وإن شاء تربع، وإن شاء احتبى، وعن محمد عن أبي حنيفة: أنه يقعد كيف شاء؛ لأنه لما جاز له ترك أصل القيام؛ فترك صفة القعود أولى، وإنما يقعد متربعًا في حال قيامه، فإذا أراد أن يركع قعد على ركبتيه؛ ليكون أيسر عليه.
وعن أبي يوسف: يحتبي.
وعن محمد: يتربع.
وعن زفر: أنه يقعد كما في التشهد وهو المختار، وكذا في المبسوط (١) والإيضاح (٢).
وذكر أبو الليث أن الفتوى على قول زفر (٣)، ولكن ذكر شيخ الإسلام الأفضل له أن يقعد في موضع القيام محتبيًا؛ لأن عامة صلاة رسول الله ﷺ في آخر عمره كان محتبيًا، ولأن المُحْتَبِي أكثر توجهًا لأعضائه القبلة؛ لأن الساقين يكونان متوجهين كما يكون حالة القيام (٤).
وفي شرح الوجيز: الافتراش أفضل في قول والتربع في قوله (٥).
وقيل: ينصب ركبته اليمنى؛ كالقارئ يجلس بين يدي المقرئ.
وعند مالك يتربع (٦)، وعند أحمد يتربع في حال القيام ويثني رجليه في الركوع والسجود (٧).
стр. 988
وَهَذَا اسْتِحْسَانُ، (وَعِنْدَهُمَا: لَا يُجْزِيهِ) (*)، وَهُوَ قِيَاسٌ، لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُعْتَبَرُ بِالنَّذْرِ لَهُ: أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِر القِيَامَ فِيمَا بَقِيَ، وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ، بِخِلَافِ النَّذْرِ،
(وهذا)؛ أي: قول أبي حنيفة استحسان، وبه قال الشافعي وبعض أصحاب مالك. وقال بعض أصحابه: لا يجوز أن يتمها كما هو قولهما إلا من عذر، وهو القياس؛ لأن الشروع كالنذر، ولو نذر أن يصلي قائمًا لا يجوز له القعود. كذا هذا؛ ولهذا لو صلى الباقي بالإيماء بلا عذر؛ لا يجوز بالاتفاق، مع أنه يجوز ابتداء.
(له)؛ أي: لأبي حنيفة. (أنه)؛ أي: المتطوع لم يباشر القيام يعني: إنما يلزمه ما باشر، وما لا صحة لما باشر إلا به، وللركعة الأولى صحة بدون القيام في الركعة الثانية بدليل حالة العذر، فلم يلزمه القيام بالشروع بخلاف النذر؛ فإنه التزم بالتسمية نصا، فإنه نص فيه على صفة القيام فيراعى تنصيصه. كذا في المحيط، والمبسوط، وجامع التمرتاشي (١).
قال شيخ شيخي - رحمهما الله -: وبهذا يعلم أن معنى قوله: ولما باشر صحته بدونه؛ أي: بدون الباقي في حق صفة القيام لا في حق نفس الركعة، فإنه لا صحة للركعة الأولى بدون الثانية عندنا.
وفي الجامع البرهاني: يعني الشروع ليس بملزم بعينه؛ بل ليبقى ما باشر قربه وما باشر من القيام يبقى قربة؛ لأن التطوع قاعدًا قربة مع القيام بخلاف النذر؛ لأنه ملزم بنفسه (٢).
وفي المبسوط: القعود في التطوع بلا عذر كالقعود في الفرض بعذر، ثم هناك لا فرق بين الابتداء والبقاء فكذلك هاهنا؛ وهذا لأنه في الابتداء كان
стр. 989
لِأَنَّهُ التَزَمَهُ نَصًّا حَتَّى لَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى القِيَامِ لَا يَلْزَمُهُ القِيَامُ عِنْدَ بَعْضِ المَشَايِخِ ﵏.
مُخَيَّرًا بين القيام والقعود وخياره فيما لم يؤد باق، وبالشروع إنما يلزمه ما باشر، وما لا صحة لما باشر إلا به وللركعة صحة بدون القيام في الركعة الثانية بدليل حالة العذر فلم يلزمه القيام بالشروع (١)، وروت عائشة ﵂ أنه ﵊ يفتتح التطوع، ثم ينتقل من القيام إلى القعود، ومن القعود إلى القيام (٢)، فدل أن ذلك جائز في التطوع.
وهذا يدل أنه إذا قعد في الركعة الأولى؛ يجوز أيضًا، وقد ذكر في الفوائد الظهيرية أنه يجوز في تلك الركعة أيضًا، فإنه ذكر فيها وقع الاشتباه أن الاختلاف في الركعة الأولى والثانية جميعًا أم في الثانية فقط، فأحد وجهي أبي حنيفة وهو أن البقاء أسهل من الابتداء يدل على الأولى، والثاني وهو أن القيام في الثانية إلى آخره يدل على الثاني (٣).
فإن قيل: قوله: وإن لم يباشر القيام فيما بقي ولما باشر صحة بدونه؛ يقتضي أن لا يكون الشروع ملزمًا كما هو مذهب الشافعي؛ لأن الجزء الذي باشر قد أدى وسائر الأجزاء لم يباشر فلا يلزمه القضاء.
قلنا: هو شرع فيما سمي صلاة، واستحقاق هذا الجزء إسمية الصلاة إنما تكون بانضمام أجزاء أخر؛ فلضرورة استحقاق هذا الجزء إسمية الصلاة إلزام صفة القيام؛ لأن صلاة التطوع تجوز بدون صفة القيام ابتداء فكذا بقاء؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء كذا في المحيط (٤).
قوله: (حتى لو لم ينص على القيام)؛ يعني: نذر أن يصلي ولم يتعرض للقيام ولا للقعود؛ لم يلزمه القيام عند بعض المشايخ.
وقال الهندواني: لا رواية لهذه المسألة واختلف المشايخ فيه قال بعضهم:
стр. 990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو بالخيار إن شاء صلَّى قائمًا وإن شاء قاعدًا؛ لأن القيام زيادة وصف في التطوع بدليل جوازه بدونه فلا يلزمه إلا بالشرط كالتتابع في الصوم (١).
وقال بعضهم: يلزمه قائمًا؛ لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وأينما أوجبه الله تعالى أوجبها قائمًا، فكذا ما أوجبه العبد، بخلاف الصوم؛ لأن الله تعالى أوجبه متابعًا وغير متتابع، فلا يلزم التتابع إلا بالشرط (٢).
وقيل: هو على الاختلاف الذي بيناه بين أبي حنيفة وصاحبيه.
ولو افتتح التطوع قاعدًا، وصلى ما بقي قائما؛ يجوز بالاتفاق؛ لما روينا من حديث عائشة ﵂. وهذا يشكل على قول محمد؛ فإن عنده التحريمة المنعقدة للقعود لا تكون منعقدة للقيام، حتى إن المريض إذا قدر على القيام في وسط الصلاة؛ فسدت صلاته عنده، ومع ذلك جوز هاهنا، وذلك إما أن يثبت ذلك بالحديث الذي روينا، أو لأن المريض ما كان قادرا على القيام وقت الشروع، فما انعقدت تحريمته للقيام، فأما في التطوع شرع قاعدًا مع القدرة عليه، وافتتاحها قاعدًا مع القدرة على القيام؛ جائز بالاتفاق؛ لما روينا. كذا في المبسوط والمحيط (٣).
وفي الْمُجْتَبى: في مبسوط بكر أطلق النذر (٤).
قيل: يلزمه بصفة القيام.
وقيل: بصفة القعود، قيل: يتخير، وعلى الدابة؛ لا يجوز.
وعن الكرخي: لو نذر راكبًا يجزئه (٥). ولو أعيا المتطوع قائمًا؛ لا بأس بأن يتكئ على العصا أو حائط، وكذا بغير عذر عند أبي حنيفة.
ولو نذر أن يصلي بغير وضوء أو بغير قراءة؛ فعند أبي يوسف: يلزمه،
стр. 991
(وَمَنْ كَانَ خَارِجَ المِصْرِ تَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ، يُومِئُ إِيمَاءً)
ويلغو ذكر الوصف، وعند زفر: لا يلزمه.
وعند محمد: لو سمى ما لا يجوز أداء الصلاة إلا معه كالصلاة بغير الطهارة؛ لا يلزمه، وإلا يلزمه كالصلاة بغير القراءة.
ولو شرع في الأوقات المكروهة وقطعها؛ لزمه القضاء، فإن قضاها فيها أو في مثلها؛ سقط القضاء.
قوله: (ومن كان خارج المصر): في المحيط: من الناس من يقول: إنما يجوز التطوع على الدابة إذا توجه إلى القبلة عند افتتاحها، ثم يترك التوجه، وانحرف عن القبلة، أما لو افتتح إلى غير القبلة؛ لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة في حال الابتداء، وإنما الضرورة في حال البقاء (١).
وعند العامة: يجوز كيف ما كان، وصرّح في الإيضاح (٢): بأن القائل به الشافعي.
وفي المبسوط، والإيضاح وغيرهما: إن صلاة التطوع على الدابة تجوز من غير عذر بخلاف المكتوبة (٣).
وشرط عذر عدم إمكان وقف الدابة، وفي المحيط فقال: ولو أومأ عليها وهي تسير؛ لم يجز إذا قدر أن يوقفها، وإن تعذر الوقف جاز؛ لأن سير الدابة مضاف إلى صاحبها، ويتحقق بسبب ذلك اختلاف المكان، فلا يتحمل إلا عند تعذر الوقف (٤).
وفي المبسوط: لو كان على سرجه قذر [مقدار ما يمنع الصلاة] (٥)؛ تجوز صلاته (٦).
стр. 992
لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهُ إِلَى خَيْبَرَ يُومِيُّ إِيمَاءً وَلِأَنَّ النَّوَافِلَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَالِاسْتِقْبَالَ تَنْقَطِعُ عَنْهُ القَافِلَةُ، أَوْ يَنْقَطِعُ هُوَ عَنْ القَافِلَةِ، أَمَّا الفَرَائِضُ فَمُخْتَصَّةٌ
وكان أبو حفص الكبير ومحمد ابن مقاتل يقولان: لا تجوز إذا كانت النجاسة في موضع الجلوس أو في موضع الركابين أكثر من قدر الدرهم؛ اعتبارًا للصلاة على الدابة بالصلاة على الأرض (١).
وأكثر مشايخنا قالوا: تجوز؛ لما قال في الكتاب: (والدابة أشد من ذلك)، يعني باطنها لا يخلو عن النجاسة. وفيه تأمل؛ إذ النجس لا يعطى له حكم النجاسة في معدته، وإلا لما جاز للآدمي الصلاة أصلا ومع بيضة حال مخها دما.
(ولأنه)؛ أي: ولأن الركوع والسجود من الأركان، ويجوز تركهما عليها مع إمكان النزول، فإذا سقط اعتبار الأركان لحاجته؛ فلأن يسقط اعتبار شرط طهارة المكان أولى؛ لأن الركن أقوى، ولأنه لا يؤدى على موضع سرجه وركابيه راكبًا، فإن ركوعه وسجوده بالإيماء في الهواء، فلا يضره نجاستهما حتى لا تنقطع عنه النافلة، فإنها خير موضوع مشروع على حسب النشاط، فلو
الزمناه النزول والاستقبال يتعذر عليه أداء ما ينشط فيه من التطوعات.
وفي المبسوط: لو لم يكن في التطوع على الدابة إلا حفظ اللسان وحفظ القلب عن الوسواس والخواطر الفاسدة لكان كافيا (٢).
(أو ينقطع هو)؛ أي: المتطوع (عن القافلة)؛ أي: على تقدير النزول، وكلاهما ضرر.
(أما الفرائض)؛ يعنى: لا يصلي الفرائض على الدابة؛ لأنها في أوقات مخصوصة، فلا يشق عليه النزول للأداء، أما بالعذر فيجوز أداؤه عليها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. ومن الأعذار: الخوف من اللص، والسبع، وطين المكان، وكون الدابة جموحًا، وكون المسافر شيخًا
стр. 993
بِوَقْتِ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الفَجْرِ، لِأَنَّهَا أَكَدُ مِنْ سَائِرِهَا، وَالتَّقْيِيدُ بِخَارِجِ المِصْرِ يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ وَالجَوَازَ فِي المِصْرِ.
كبيرا لا يجد من يُرْكِبُهُ، فعند هذه الأحوال يجوز أداؤها على الدابة لما تلونا.
(والسنن الرواتب نوافل)؛ يعني: في حكم النوافل.
(لأنها)؛ أي: سنة الفجر.
ذكر ابن سماعة: يجوز أن يكون ذلك لبيان الأولى أن ينزل لركعتي الفجر؛ لما ذكرنا أنها أقوى السنن، حتى يجوز للعالم أن يترك سائر السنن لتحصيل العلم دون الفجر (١).
وفي قول الشافعي (٢) وأحمد (٣): أنها أكد من الوتر.
(ينفي اشتراط السفر)؛ لأن خارج المصر يتناول السفر وغيره.
فإن قيل: التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.
قلنا: لا ينفي الاشتراط والجواز بطريق الدلالة؛ بل باعتبار أنه حكم شرعي، لا يعرف إلا على الوجه الذي شرع، والشرع ورد خارج المصر من غير اشتراط مدة السفر، روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: جواز التطوع على الدابة للمسافر خاصة، وبه قال مالك (٤)؛ لأن الجواز بالإيماء بخلاف القياس للضرورة، وهي إنما تتحقق في السفر، والصحيح أن المسافر وغيره في ذلك سواء؛ لإطلاق ما روينا من حديث عائشة، ذكر في الأصل إذا خرج من المصر فرسخين أو ثلاثة؛ فله أن يتطوع على الدابة (٥).
وقال بعضهم: بقدر ميل، وإن كان أقل من ذلك لا يجوز، وكذا في
стр. 994
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي المِصْرِ أَيْضًا. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ المِصْرِ، وَالحَاجَةُ إِلَى الرُّكُوبِ فِيهِ أَغْلَبُ (*).
المحيط (١).
وفي فتاوى المرغيناني: والأصح أن في كل موضع يجوز للمسافر قصر صلاته فيه يجوز التطوع فيه على الدابة (٢).
وفي الهارونيات عن أبي حنيفة: لا يجوز التطوع عليها في المصر (٣)، وعند محمد: يجوز ويكره، وعند أبي يوسف: لا بأس به.
فأبو حنيفة قال: إنما جوز بالنص بخلاف القياس، والنص في خارج المصر، والمصر في هذا ليس في معناه؛ لأن سيره على الدابة في المصر لا يكون مديدًا عادة فلا يلحق به دلالة.
حكي عن أبي يوسف أنه لما سمع هذا عن أبي حنيفة قال: حدثني سالم عن ابن عمر أنه ﵇ ركب الحمار في المدينة، يعود سعد بن عبادة، وكان يصلي وهو راكب؛ فلم يرفع أبو حنيفة رأسه.
قيل: إنما لم يرفع رجوعًا منه إلى الحديث.
وقيل: إنما لم يرفع؛ لأن هذا حديث شاذ فيما تعم به البلوى، والشاذ في مثله لا يكون حجة، فأبو يوسف أخذ بالحديث، ومحمد كذلك؛ لكنه كره ذلك في المصر.
(لكثرة اللغط)؛ أي: الصوت فيه، فربما يبتلى بالغلط في القراءة؛ فلذلك كره. كذا في المبسوط، والمحيط (٤).
стр. 995
(فَإِنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نَازِلاً ثُمَّ رَكِبَ اسْتَقْبَلَ)
قوله: (ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي)، فإن قيل في هذا: يلزم بناء القوي على الضعيف، وذلك لا يجوز، كالمريض يصلي بالإيماء ثم قدر على الأركان؛ لا يجوز له البناء.
قلنا: ليس كذلك؛ لأن الإيماء من المريض دون الإيماء من الراكب؛ فإن الإيماء منه بدل من الأركان، والإيماء من الراكب ليس ببدل عنها؛ لأن البدل في العبادات ما يصار إليه عند عوز غيره، والمريض أعجزه مرضه عن الأركان، فكان الإيماء بدلًا عنها، والراكب لم يعجزه الركوب عنها؛ لأنه يمكنه الانتصاب على الركابين، فيكون ذلك قيامًا منه، وكذلك يمكنه أن يخر راكعًا وساجدًا، ومع هذا أطلقه الشارع في الإيماء، فلا يكون الإيماء بدلًا عنها، فكان قويًا في نفسه، فلا يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف كما في حق المريض؛ ألا ترى أنه لما جاز مسح الخف مع القدرة على الغسل؛ جاز اقتداء الغاسل بالماسح.
فإن قيل: إذا كان الإيماء قويًا؛ لماذا [لا] (١) يجوز البناء إذا تحرم بالإيماء ثم ركب أو أُركِبَ. قلنا: أما إذا ركب؛ فلأن الركوب عمل كثير، وأنه قاطع للتحريمة.
وأما إذا ركب؛ فلأن الدليل يأبى جواز الصلاة راكبًا؛ لأن سير الدابة مضاف إلى راكبها، فيتحقق الأداء في أماكن مختلفة كالأداء في حالة المشي، وهذا لا يجوز بالإجماع، إلا أن الشرع جعل الأماكن المختلفة كمكان واحد؛ للحاجة إلى قطع المسافة، وصيانة نفسه وماله عن التَّوَى، فكان ابتداء التحرم نازلاً دليل استغنائه عما ذكرنا؛ فلا يجوز له البناء بعد ذلك، وكذا في فوائد الظهيرية (٢).
وفرق في المحيط بين المريض والراكب، فقال في المريض: ليس له أن يفتتح الصلاة بالإيماء مع القدرة على الركوع والسجود، فكذلك إذا قدر عليهما
стр. 996
لِأَنَّ إِحْرَامَ الرَّاكِبِ انْعَقَدَ مُجَوِّزًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّزُولِ، فَإِنْ أَتَى
في أثناء الصلاة لا يبني (١).
أما للراكب أن يفتتح الصلاة بالإيماء، مع القدرة على الركوع والسجود بالنزول، فكذلك قدرته على الركوع والسجود بالنزول لا يمنعه من البناء.
قلت: وعلى هذا الفرق يجب أن لا يبني في المكتوبة فيما إذا افتتحها راكبًا ثم نزل؛ لأنه ليس له أن يفتتحها بالإيماء على الدابة عند القدرة على الركوع والسجود بالنزول (٢)؛ ولذلك قيد المسألة في الكتاب بقوله: (فإن افتتح التطوع راكبا).
وذكر الإسبيجابي استقبال المريض في المكتوبة، ولا رواية عنهم في التطوع في حق المريض، فيحتمل أن المريض لا يستقبل في التطوع أيضًا فحينئذ لا يحتاج إلى الفرق، ويحتمل أن يستقبل بخلاف الراكب والفرق ما بينا (٣).
قوله: (انعقد مجوّزًا): اختار فخر الإسلام هذا الدليل.
وقد قيل في الفرق بينهما: الركوب عمل كثير يقطع التحريمة، والنزول عمل يسير لا يقطع، وهذا أمر مضطرب؛ لأنهما سواء عند عامة الناس؛ أرأيت لو رفع فوضع في السرج وضعًا، يعني: لا فعل منه أصلا، ومع ذلك لا يجوز.
ثم ذكر هذا الفرق الذي ذكره في الكتاب، وما قيل في جوابه: إن سير الدابة مضاف إلى صاحبها، فيتحقق الأداء إلى آخره، غير قوي لأنه قد يحتاج إلى قطع المسافة، وصيانة المال والنفس حالة البناء أيضًا.
وذكر الإسبيجابي الشروع ملزم عين العبادة لا صفتها؛ ألا ترى أنه لو افتتح الحج ماشيًا، ثم ركب؛ لا يلزمه شيء. وفيه تأمل؛ فإنه على هذا التقدير، لو صلى ركعة نازلا ثم ركب؛ ينبغي أن لا يستقبل؛ لأن الشروع ملزم عين العبادة لا صفتها كما في الأول.
стр. 997
بِهِمَا صَحَّ، وَإِحْرَامُ النَّازِلِ انْعَقَدَ لِوُجُوبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ مَا لَزِمَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ إِذَا نَزَلَ أَيْضًا، وَكَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ إِذَا نَزَلَ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً، وَالأَصَحُ هُوَ الأَوَّلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ (*).
(أنه)؛ أي: الراكب يستقبل إذا نزل؛ لئلا يلزم بناء القوي على الضعيف.
وفي جامع قاضي خان، وعن محمد: إذا نزل الراكب يستقبل، والنازل إذا ركب يبني؛ لأنه إذا ترك لو استقبل (١)؛ كان مؤديا جميع صلاته بالركوع والسجود، وهو أولى من أداء البعض بالإيماء، والنازل لو بني؛ كان مؤديا بعضها بركوع وسجود، ولو استقبل؛ كان مؤديا جميعها بالإيماء، وكان البناء أولى.
وعلى قول زفر: يبني في الوجهين؛ لأنه لما جاز له الافتتاح على الدابة بالإيماء، مع القدرة على النزول؛ فالبناء أولى. كذا في المحيط (٢).
قوله: (وكذا عن محمد إذا نزل بعد ما صلى ركعة)؛ يعني: يستقبل ما لو لم يُصلِّ ركعة بإيماء ثم نزل أتمها نازلا؛ لكن هذا على أصل محمد غير مستقيم؛ لأن تحريمة الصلاة انعقدت للإيماء، فلا يصح إتمامها بركوع وسجود؛ لأنه يكون بناء القوي على الضعيف. كذا نقل عن أبي اليسر (٣). ووجهه: مع أنه
مخالف لظاهر الرواية عنه أنه كان إذا لم يتم ركعة، كان مجرد تحريمة، وهي شرط عندنا، فالشرط المنعقد للضعيف كان شرطًا للقوي، كالطهارة للنافلة؛ تكون طهارة للمكتوبة فتصح، أما إذا صلى ركعة؛ فقد تأكد فعل الصلاة الضعيف، فلا يبني عليه القوي كما في الاقتداء.
(والأصح هو الظاهر)؛ أي: ظاهر الرواية وهو أنه يبني الراكب إذا نزل. ووجهه ما ذكر في الكتاب.
стр. 998
فصل فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
(يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ العِشَاءِ، فَيُصَلِّيَ بِهِمْ إِمَامُهُمْ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ، كُلُّ تَرْوِيحَةٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، يَجْلِسُ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارَ
(فصل في قيام رمضان)
ذكر التراويح بفصل على حدة؛ لأنها اختصت بخصائص ليست هي في السنن، ومطلق النوافل من الجماعة، وتقدير الركعات، وسنية الختم.
وفي البدرية: الزمان نوعان: ليل ونهار، فلما فرغ من بيان نوافل النهار؛ شرع في بيان نوافل الليل، وهو ليس بقوي كما ترى، وفيه نفس التراويح سنة، أما أداؤها بالجماعة مستحب.
والترويحة: اسم لكل أربع ركعات، فإنها في الأصل اتصال الراحة، وهي الجلسة، [ثم (١)] سميت لأربع ركعات التي في آخرها الترويحة، كما أطلق اسم الركوع على الوظيفة التي تقرأ في القيام؛ لأنه متصل بالركوع.
وسئل العلامة عنها قبل الوتر بعد التراويح، قال: ذلك بطريق المجاز، إطلاقا لاسم الأغلب على الكل.
وفي فتاوى قاضي خان: التراويح جمع ترويحة، وأصلها المصدر (٢)، وعن أبي سعيد، سميت ترويحة؛ لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات (٣).
وفي المغرب: روّحت بالناس؛ أي: صليت بهم التراويح (٤).
وفي الْمُجْتَبى: سميت تراويح؛ للتروح فيما بينهما (٥).
وقيل: لإعقابه راحة الجنة (٦).
стр. 999
تَرْوِيحَةٍ، ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ) ذَكَرَ لَفْظَ الاسْتِحْبَابِ وَالأَصَحُ أَنَّهَا سُنَّةٌ، كَذَا رَوَى الحَسَنُ
ثم جملتها عشرون ركعة عندنا، وعند الشافعي (١) وأحمد (٢) وعن مالك أنها مقدرة بست وثلاثين ركعة اتباعًا لعمر وعلي ﵄، والمشهور من الصحابة مذهبنا، وما روى مالك عنهما غير مشهور، أو هو محمول على أنهما كانا يصليان بين كل ترويحة أربع ركعات فرادى، كما هو مذهب أهل المدينة (٣)، فإن قاموا بما قال مالك بالجماعة؛ لا بأس به عند الشافعي، وعندنا يكره؛ بناء على أن النفل بها بما شاؤوا (٤)، ويكره خلافًا للشافعي.
أما لو أتوا بما قال مالك فرادى؛ فلا بأس به وهو مستحب كذا في المحيط (٥).
قوله: (والأصح أنها سنة) في حق الرجال والنساء هو الصحيح، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة نصا (٦).
وفي فتاوى العتابي: أنها سنة مؤكدة (٧).
وفي الْمُجْتَبى: لا خلاف أنها سنة في حق الرجال والنساء (٨) تابعة للعشاء، حتى إن من دخل المسجد والإمام يصلي التراويح؛ يصلي العشاء أولا، ثم يتابع إمامه، والأصح: أن يترك السنة.
قال النووي: إنها سنة بإجماع العلماء (٩).
стр. 1000
عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهَا الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَالنَّبِيُّ ﵊ بَيَّنَ العُذْرَ فِي تَرْكِهِ المُوَاظَبَةَ وَهُوَ خَشْيَةَ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْنَا (وَالسُّنَّةُ فِيهَا الجَمَاعَةُ).
وقال بعض الروافض: إنها سنة للرجال دون النساء (١).
وقال بعضهم: ليست بسنة أصلا؛ لأنه ﵊ أقامها في بعض الليالي ولم يواظب عليها، ثم أخذ بها عمر ﵁.
ولنا: الدليل على سنتيها؛ قوله ﵊: ﴿إن الله فرض عليكم صيامه وسنَنْتُ لكُم قِيامَه﴾ (٢) وواظب عليها الخلفاء الراشدون.
وقال ﵊: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (٣)، والنبي ﵊ بين العذر في تركه؛ روي أنه ﵊ خرج ليلة من ليالي رمضان وصلى عشرين ركعة، فلما كانت الليلة الثانية اجتمع الناس فخرج وصلى بهم عشرين ركعة، فلما كانت الليلة الثالثة كثر الناس، فلم يخرج، وقال: «عرفتُ اجتماعكم لكنني خشيت أن تُكتَبَ عليكم» (٤)، فكان الناس يصلّونها فرادى إلى زمن عمر ﵁، فقال عمر (٥): إني أرى أن أجمع الناس على إمام واحد، فجمعهم على أبي بن كعب، فصلى بهم خمس ترويحات عشرين ركعة.
وقيل: الحكمة في التقدير بعشرين، والله أعلم؛ لتوافق الفرائض الاعتقادية والعملية، كالوتر؛ فإنها عشرين ركعة.
(والسنة فيها)؛ أي: في التراويح.
(الجماعة): قال أبو بكر الرازي: المشهور عن أصحابنا: أن إقامتها في
стр. 1001
لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الكِفَايَةِ، حَتَّى لَو امْتَنَعَ أَهْلُ المَسْجِدِ عَنْ إِقَامَتِهَا كَانُوا مُسِيئِينَ،
المسجد أفضل منها في البيت، وعليه الاعتماد؛ لأن عمر ﵁ جمع الناس على إقامتها في جماعة (١)، وقد قال ﵊: «عليكم بسنتي» (٢) الحديث، وقال ﵊: «إن لِعُمَرَ فيكم سُنَّةٌ مهدية؛ فاتبعوه ولا تخالفوه» (٣) وأراد هذا.
وقيل: إن كان ممن يقتدى به؛ يكره له أن يصليها في البيت. كذا في الْمُجْتَبَى (٤).
وفي المبسوط: أن للجماعة فضيلة في البيت، وفي المسجد فضيلة أخرى (٥).
ولو صلاها في المسجدين على الكمال؛ لا يجوز، ولا بأس به للمقتدي.
قال أبو نصر: إنما يكره ذلك للإمام إذا أم في مسجد واحد، ويجوز في مسجدين كالتأذين مرتين (٦).
وقال الصفار: يجوز في مسجدين لكن يؤثر في الثاني.
وفي فتاوى العتابي: لو أدَّى التراويح بغير جماعة أو النساء وحدانًا في بيوتهن تكون تراويحا.
وعن أبي يوسف: التراويح في البيت أفضل (٧)، وبه قال مالك (٨) والشافعي
стр. 1002
وَلَوْ أَقَامَهَا البَعْضُ فَالمُتَخَلِّفُ عَنْ الجَمَاعَةِ تَارِكٌ لِلْفَضِيلَةِ، لِأَنَّ أَفْرَادَ الصَّحَابَةِ ﵃ رُوِيَ عَنْهُم التَّخَلَّفُ، وَالمُسْتَحَبُّ فِي الجُلُوسِ بَيْنَ التَّرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارُ
في قول (١)؛ لأنه ﵊ لم يخرج في الليلة الثالثة، وقال: «صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (٢)، ولأنه أبعد من الرياء. وقال أبو حنيفة، وأحمد (٣)، والشافعي في أصح قوليه (٤): الجماعة أفضل؛ لما ذكرنا من حديث عمر ابن الخطاب.
قوله: (في الجلوس بين الترويحتين): الجلوس بعينه ليس بمراد، حتى لو صلى أربعًا بين الترويحتين؛ يجوز، كما فعل أهل المدينة، أو طاف أسبوعًا بينهما كما فعل أهل مكة؛ يجوز، فأهل كل بلدة بالخيار: يسبحون، أو يهللون، أو ينتظرون سكوتا، وإنما يستحب الانتظار؛ لأن التراويح مأخوذ من الراحة، فيفعل ما قلنا تحقيقا لمعنى الاسم. كذا في المحيط، وفتاوى قاضي خان (٥). وفي فتاوى العتابي: [يكره للقوم ركعتان بين الترويحتين؛ لأنه بدعة (٦).
وليس بصحيح؛ أي: غير مستحب؛ لأنه يخالف أهل الحرمين.
وفي فتاوى العتابي:] (٧) إمامة الصبي في التراويح لا يجوز عند محمد بن سلمة، وهو اختيار مشايخنا، وعند محمد بن مقاتل ونصر بن يحيى: يجوز إذا بلغ عشر سنين في التراويح خاصة، وأفتى النسفي به (٨).
стр. 1003
التَّرْوِيحَةِ، وَكَذَا بَيْنَ الخَامِسَةِ وَبَيْنَ الوِتْرِ لِعَادَةِ أَهْلِ الحَرَمَيْنِ، وَاسْتَحْسَنَ البَعْضُ الاسْتِرَاحَةَ عَلَى خَمْسِ تَسْلِيمَاتٍ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
ولو صلى التراويح قاعدًا لا يجوز، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يجوز؛ وهو المختار.
وفي جمل النوازل: لو صلاها الإمام قاعدًا لعذر والقوم قيام؛ فالأصح أنه يجوز بالإجماع؛ لأن الكل لو تركوا القيام يجوز، فإذا أتى البعض به؛ أولى أن يجوز، لكن المستحب للقوم أن يقعدوا عندهما خلافًا لمحمد، ولو قعد الإمام بغير عذر وقام القوم؛ فالأصح أنه يجوز أيضًا، ولو اقتدى في
التراويح بمن لا يؤدي التراويح؛ في الأصح: لا يصح.
وفي الْمُجْتَبى: لو صلى عشرين ركعة بتسليمة واحدة، وقعد على رأس كل ركعتين، فعندهما يجزئه عن أربع ركعات، وقيل: ركعتين، وعند أبي حنيفة: عن ثمان، وعلى قول عامة المشايخ: يجزئه عن التراويح كلها (١).
وفي العتابي: هو المختار.
وفي الْمُجْتَبى: لو صلَّى أربعًا بتسليمة، ولم يقعد على الثانية؛ ففي القياس: تفسد، ويقضي الترويحة، وهو قول محمد، وزفر، ورواية عن أبي حنيفة (٢).
وفي الاستحسان: وهو المشهور عنه، وهو قول أبي يوسف؛ يجزئه عن الترويحة، وقيل: عن تسليمة؛ وعليه الفتوى (٣).
وعن أبي بكر: لو قام إلى الثالثة، فتذكر قبل السجود؛ يقعد، وبعده يضم إليها أخرى، ويجزئه عن ترويحة، ولو صلَّى ثلاثًا، ولم يقعد عند الثانية؛ فسدت قياسًا واستحسانًا على الأصح، وعليه قضاء ركعتين؛ لأن التنفل بالثلاث لا يجوز (٤).
стр. 1004
وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ» يُشِيرُ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ العِشَاءِ قَبْلَ الوِتْرِ، وَبِهِ قَالَ
وقيل في الاستحسان: يجزئه عن تسليمة، وعليه قضاء ركعتين إن قام إلى الثالثة عمدًا، وإلا فلا؛ اعتبارا بالفرض، وهو المغرب، وبالشروع في الثالثة إن كان ساهيًا؛ لا يلزمه شيء؛ لأنه مظنون، وإن كان عامدًا؛ يلزمه قضاء ركعتين؛ كما في غيره من النوافل.
وفي النوازل: صلَّى التراويح ثلاثًا ثلاثًا، أحدًا وعشرين ركعة، بسبع تسليمات، ولم يقعد عند الثانية فيها سهوا؛ فعليه قضاء ركعتين عندهما (١).
وعند محمد: قضاء التراويح كلها، ولو تذكر وضم إلى الثالثة في المرة الأخيرة ركعة؛ جاز تراويحه ولا شيء عليه، ولو قال الإمام بعد السلام: صليت ركعتين، وقال القوم: ثلاثًا؛ قال أبو يوسف: يعمل بعلمه.
وقال محمد بقولهم، ولو شك وأخبره عدلان؛ يأخذ بقولهما، ولو شكوا أنه صلى عشر تسليمات أم تسعا؛ قيل: يوترون.
وقيل: يصلون بجماعة بتسليمة، والأصح: أداؤها فرادى؛ لأن الزيادة بالجماعة بدعة، وتركها أصلا ترك السنة.
ولو افتتح الوتر، فتابعه، ثم ظهر أنه يصلي التراويح؛ قال النسفي: أجزأه.
ويجوز اقتداء من يصلي التسليمة الأولى بغيرها، ولو صلى بعض التراويح مع الإمام، وفاته البعض؛ يوتر معه، ويقضي ما فاته.
وقيل: لا يوتر حتى يدرك الأكثر.
وعن عين الأئمة: يوتر وإن أدرك معه تسليمة (٢). ويقضي التراويح ما لم يدخل وقت تراويح آخر، وما لم يمض رمضان، والأصح: أنها لا تقضى، ولو ظهر لهم أنه فسد شفع في الليلة الماضية؛ ليس لهم قضاؤها.
قلت: وفيه نظر، ولو غلبه النوم، ويكره له التراويح معها، وكذا على
стр. 1005
عَامَّةُ المَشَايِخِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ العِشَاءِ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ قَبْلَ الوِتْرِ وَبَعْدَهُ، لِأَنَّهَا نَوَافِلُ سُنَّتْ بَعْدَ العِشَاءِ،
السطح في شدة الحر.
أما النية؛ في المبسوط: ينوي التراويح، أو سنة الوقت، أو قيام الليل (١)، فإن أطلق النية، أو ينوي التطوع؛ فأكثر المشايخ على أن التراويح وسائر السنن تتأدى بمطلق النية، والاحتياط فيه ما ذكرنا.
وفي السنن: متابعة الرسول، وفي اشتراط النية في كل شفع؛ اختلاف المشايخ.
وفي حمل النوازل: لو نوى مطلق الصلاة أو صلاة التطوع؛ لا يصح (٢). كذا روى ابن زياد عن أبي حنيفة؛ لأنها لا تتخصص إلا بالتخصيص، كما في ركعتي الفجر.
قوله: (والأصح أن وقتها): اختلف المشايخ في وقتها، قال إسماعيل المستملي وجماعة من متأخري بلخ: جميع الليل إلى طلوع الفجر، قبل العشاء وبعده، بعد الوتر وقبله وقتها؛ لأنه ﵊ سماها سنة قيام الليل، وكان وقتها الليل.
وقال عامة مشايخ بخارى وقتها ما بين العشاء والوتر، وبه قال الشافعي (٣)، حتى لو صلوها قبل العشاء وبعد الوتر [وقبله] (٤)؛ لم يؤدها في وقتها، حتى لو صلّى أحد الإمامين العشاء والآخر التراويح، ثم ظهر أن الإمام الأول كان محدثًا؛ يعيدون العشاء والتراويح؛ لأنها عرفت بفعل الصحابة، وهم صلوها بعد العشاء قبل الوتر.
وقال النسفي: الصحيح أنه لو صلى التراويح قبل العشاء لا تكون تراويحا،
стр. 1006
وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ القِرَاءَةِ فِيهَا، وَأَكْثَرُ المَشَايِخِ ﵏ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا
ولو صلوها بعد العشاء وبعد الوتر جاز؛ لأنها تبع للعشاء بمنزلة السنة (١).
قوله: (ولم يذكر محمد والقدوري) قدر القراءة واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يقرأ في كل شفع مقدار ما يقرأ في صلاة المغرب؛ لأن التطوع أخف من المكتوبة، فيعتبر بأخف المكتوبات قراءة، وهو المغرب. وهذا ليس بصحيح؛ لأن بهذا القدر لا يحصل الختم والختم في التراويح سنة مرة واحدة.
وقال بعضهم: يقرأ مقدار ما يقرأ في العشاء؛ لأنها تبع لها.
وقال بعضهم: وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: يقرأ في كل ركعة عشر آيات. وهو الصحيح؛ لأن فيه تخفيفًا على الناس، وبه يحصل الختم مرة.
وفي المحيط: روي عن عمر ﵁، أنه دعا ثلاثة من الأئمة، فاستقرأهم، وأمر أحدهم أن يقرأ في كل ركعة ثلاثين، وأمر الثاني أن يقرأ خمسا وعشرين، وأمر الثالث أن يقرأ بعشرين، وما قاله أبو حنيفة سنة؛ لأن به يحصل الختم، وما قاله عمر فضيلة؛ لأنه يحصل الختم مرتين (٢).
[وهو السنة؛ أي: سنة الخلفاء الراشدين؛ لأن عدد الركعات في ثلاثين ليلة ستمائة، وآيات القرآن ستة آلاف وشيء، والفضيلة في الختم مرتين] (٣)، وأهل الاجتهاد كانوا يختمون في كل عشر ليال.
وعن أبي حنيفة: أنه كان يختم في رمضان إحدى وستين، ثلاثين في الليالي، وثلاثين في الأيام، وإحدى في التراويح، كذا في فتاوى قاضي خان (٤).
وفي الْمُجْتَبى: أما القراءة فقيل ثلاثين آية في كل ركعة (٥).
стр. 1007
الخَتْمُ مَرَّةً، فَلَا يُتْرَكُ لِكَسَلِ القَوْمِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّشَهُدِ مِنْ الدَّعَوَاتِ،
قيل: عشرين.
وقيل: عشر آيات للختم مرة.
وقيل: كما في المغرب (١).
وقيل: ثلاث آيات قصار، وآية طويلة، أو آيتان متوسطتان، وعن أبي ذر: آيتان.
قلت: والمتأخرون يفتون في زماننا بثلاث آيات قصار، أو آية طويلة؛ حتى لا يمل القوم، ولا يلزم تعطيلها، وهذا حسن؛ فإن الحسن روى عن أبي حنيفة: إن قرأ في المكتوبة بعد الفاتحة ثلاث آيات؛ فقد أحسن ولم يسيء، هذا في المكتوبة، فما ظنك في غيرها.
وفي المحيط: الأفضل في زماننا أن يقرأ مقدار ما لا يؤدي إلى تنفير القوم لكسلهم (٢)، وفي الكتاب قال بخلاف هذا؛ حيث قال: إن السنة فيها الختم مرة، فلا يترك لكسل القوم (٣).
وفي المبسوط: لو غلط فترك آية أو سورة، وقرأ ما بعدها؛ فالمستحب: أن يقرأ المتروكة ثم المقروءة؛ محافظة على النظم (٤).
وإذا فسد شفع وقد قرأ فيه؛ فالأصح: أنه لا يعيد تلك القراءة عند إعادته الشفع.
وقال النسفي: إذا كان إمامه لحانا وغيره أخف قراءة وأحسن صوتا؛ فلا بأس أن يترك مسجده (٥).
стр. 1008
حَيْثُ يَتْرُكُهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ (وَلَا يُصَلِّي الوِتْرَ بِجَمَاعَةٍ فِي غَيْرِ) شَهْرِ (رَمَضَانَ) وعَلَيْهِ إِجْمَاعُ المُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (حيث يتركها)؛ أي: الدعوات، يعني إذا علم أن قراءتها تثقل على القوم، ولكن ينبغي أن يأتي بالصلوات؛ لأن الصلاة على النبي ﵊ فرض عند الشافعي، فيحتاط في الاتيان بها، ولكن لا يترك الثناء.
وفي المبسوط: الأفضل تعديل القراءة بين التسليمات، وبين ركعتي تسليمة (١)، ولا يستحب تطويل الثانية على الأولى، وفي العكس اختلاف.
قوله: (ولا يصلي الوتر بجماعة في غير رمضان)؛ لأنها نفل من وجه حتى وجبت القراءة في الركعات كلها، وتؤدى بغير أذان وإقامة، وصلاة النفل بالجماعة مكروه ما خلا قيام رمضان وصلاة الكسوف؛ لأنه لم يفعلها الصحابة، ولو فعلوا لاشتهرت، وما اشتهرت. كذا ذكره الولواجي (٢).
أما في رمضان، الجماعة أفضل؛ لأن عمر ﵁ فعل ذلك، ولأنه لما جاز أداؤها بالجماعة فيه؛ كانت الجماعة أفضل كما في المكتوبة. كذا في فتاوى قاضي خان (٣).
وفي الخلاصة: قال القدوري: إنه لا يكره (٤)، وأصل هذا أن التطوع بالجماعة إذا كان على سبيل التداعي؛ يكره، وأما صلاة الجماعة في ناحية المسجد بغير أذان وإقامة؛ لا تكره.
وقال النسفي: اختار علماؤنا الوتر في المنزل في رمضان؛ لأن الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة فيه كما اجتمعوا في التراويح فيها، فعمر كان يؤمهم
стр. 1009
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوتر في رمضان، وأبي لا يؤمهم فيها في رمضان. كذا في المحيط (١).
قال البزدوي: الشافعي ﵀ لم ير التطوع بالجماعة بأسا، واستدل بحديث ابن عباس (٢). وقلنا ذلك: لم يكن جماعة مطلقة، وإنما كان بواحد، وبمثنى، ولا بأس بمثله عندنا، فأما ابتداء الجماعة فيها؛ فلا.
وذكر السرخسي الجماعة فيها على سبيل التداعي مكروه، أما إذا اقتدى واحد بواحد، واثنان بواحد؛ لا يكره، وإن اقتدى ثلاثة بواحد هل يكره؟.
قيل: يكره.
وقيل: لا، ولا خلاف في كراهة اقتداء الأربعة بواحد (٣).
وفي الفتاوى الظهيرية والعتابي، وجامع الإِسْبِيجابي: يكره تكرار الجماعة في مسجد، محله: بأذان وإقامة، لا في مسجد على قارعة الطريق (٤)؛ لما روي أنه ﵊ خرج إلى بعض النواحي، فرجع وقد صلوا في المسجد، فمال إلى أهله فجمع بهم، فثبت أنه يجب كذلك.
وعن الحسن البصري أنه قال: كان أصحاب النبي ﵊ صلوا فرادى بغير أذان وإقامة، ولأن فيه تقليل الجماعة، وتكثيرها مندوب إليه قال ﵊: «كلَّما كثرت الجماعة فهو عند الله أفضل» (٥)، وبه قال الشافعي ومالك.
وقال أحمد وداود: لا يكره؛ لأن الأولين وإن صلوا فيه فلا يوجب ذلك إبطال
стр. 1010
بَابُ إِدْرَاكِ الفَرِيضَةِ
(وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ أُقِيمَتْ،
حق الباقين، ولأنه لو جاز له أن يصلي وحده؛ فالجماعة أفضل، وجوابه ما ذكرنا.
وعن أبي يوسف له أنه يجوز إذا لم يقم الإمام في موضع الإمامة وصلى بناحية بلا أذان وإقامة؛ لما روي أن رجلاً جاء وقد صلى النبي ﵊ فقال: «من يتصدق على هذا؟» فقام رجل وصلى معه رواه أبو داود والترمذي (١)، وبه تمسك أحمد.
وفي الفتاوى: وهو الصحيح، وعن محمد: إن أذنوا وأقاموا خفية لا بأس به، ولو صلى بعض أهل المسجد، وليس معهم إمام المسجد بأذان وإقامة بغير جهر؛ كان للباقين أن يصلوا ثانيًا بأذان وإقامة جهرًا، وكذا إذا صلى فيه غير أهله؛ لأهله أن يصلوا ثانيا بأذان وإقامة.
[باب إدراك الفريضة]
لما فرغ من بيان أنفس الصلوات؛ شرع في بيان مسائل متفرقة تتعلق بالفرائض في الأداء الكامل، ومسائل هذا الباب من مسائل الجامع الصغير.
قوله: (ثُمَّ أُقِيمَتْ)؛ أي: الصلاة، وأراد بالإقامة: شروع الإمام فيها، لا إقامة المؤذن، فإنه لو أخذ المؤذن في الإقامة والرجل قيد الركعة الأولى بسجدة؛ فإنه يتم ركعتين بلا خلاف بين أصحابنا كذا قاله الحلواني، كذا في الفوائد الظهيرية، وجامع البرهاني (٢).
وفي تتمتهم: قال الشافعي: أحب إليَّ أن يكمل ركعتين ويسلم، ويكونان نافلة (٣).
стр. 1011
يُصَلِّي أُخْرَى) صِيَانَةٌ لِلْمُؤَدَّى عَنْ البُطْلَانِ (ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ القَوْمِ) إِحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الجَمَاعَةِ (وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدِ الأُولَى بِالسَّجْدَةِ يَقْطَعُ وَيَشْرَعُ مَعَ الإِمَامِ،
وفي الكافي: معنى قوله: أقيمت نحاذير باي شد، وفي رواية: يقام الصلاة مقام أقيمت؛ ولهذا قال في رواية: أقام المؤذن، حتى إذا صلى في البيت بركعة ثم أقيمت؛ لا يقطع، وإن كان فيه إحراز ثواب الجماعة؛ لأنه لا يوجد مخالفة الجماعة عيانا فلا يقطع (١).
قوله: (صِيَانَةً لِلْمُؤَدَّى)، فإن قيل: كيف يستقيم هذا على أصل محمد؛ فإن عنده إذا بطلت صفة الفرضية، يبطل أصل الصلاة، فلم يكن المؤدى مصونًا عن البطلان عنده؟
قيل: في جوابه ليس هذا مذهب محمد في جميع المواضع؛ إنما هو مذهبه فيما إذا لم يتمكن من إخراج نفسه عن العهدة بالمضي فيها، كما إذا قيد الخامسة بالسجدة وهو لم يقعد في الرابعة، وهاهنا يتمكن من إخراج نفسه بالمضي فيها.
والفروق بينهما: أن إبطال صفة الفرضية لإحراز فضل الجماعة بإطلاق من الشرع، وإبطال صفتها هناك ليس بإطلاق من جهة، فجاز أن ينتفل نفلًا هاهنا، وصار كالمكفر بالصوم إذا أيسر في خلال الصوم، حيث يبطل جهة كونه كفارة لا أصل الصوم. كذا في الفوائد الظهيرية (٢).
قوله: (إِحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ)، كما لو شرع في الظهر، ثم أقيمت الجمعة؛ ألا ترى أنه يجوز له قطعها لحطام الدنيا، فإن المرأة لو فارت قِدْرُها؛ جاز لها القطع، وكذا المسافر إذا ندت دابته، أو خاف فوت شيء من ماله.
وفي اللآلئ: يقطع لأجل درهم (٣)، والأصل: أن نقض الصلاة بغير عذر حرام.
стр. 1012
هُوَ الصَّحِيحُ)
ولو اعترضت له فضيلتان، وأمكن الجمع بينهما؛ جمع، وإلا؛ آثر أفضلهما؛ لأنه أكثر ثوابًا.
ومن ابتلي بمكروهين؛ اختار أدونهما؛ لأنه أدناهما ضررًا، وقطع الصلاة للأداء على الوجه الأكمل جائز؛ كنقض المسجد للبناء على الوجه الأكمل، وصلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، وفي رواية: بسبع وعشرين درجة، كما جاء في الخبر؛ فيجوز قطعها لإحراز فضيلة الجماعة؛ ولهذا لو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ السورة؛ فإنه يرفض الركوع لقراءة السورة؛ لإقامة الفرض على الوجه الأكمل، وكذا يحمل الانحراف والانصراف في صلاة الخوف لإقامة الجماعة. كذا في جامع قاضي خان، والتمرتاشي، والكردري (١).
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما روي عن محمد بن إبراهيم الميداني، وبعض المشايخ: أنه يصلي ركعتين، ثم يقطع، وإليه مال شمس الأئمة؛ لأنه يمكنه الجمع بين الفضيلتين (٢).
والصحيح: أنه يقطع؛ لأنه بمحل الرفض؛ ولهذا لو قام المسبوق لقضاء ما سبق، وسجد الإمام للسهو؛ عليه أن يتابع إمامه، ويرفض تلك الركعة، ولو سجد الإمام بعد ما قيد السجدة؛ لا يتابع إمامه، حتى لو تابعه وسجد معه؛ تفسد صلاته، وكذا لو قام إلى الخامسة؛ له أن يرفض القيام، ويعود إلى القعدة، ويسلم.
وكذا لو حلف لا يصلي؛ لا يحنث بما دون الركعة، فعلم أن الشرع، جعل له ولاية الرفض قبل التقييد بالسجدة، والقطع للإكمال؛ يجوز، كهدم المسجد للبناء على الوجه الأكمل؛ يجوز، وكذا لو أصابته الشوكة في السجدة، فرفع رأسه لسجدة أخرى؛ يجوز؛ لأنه للإكمال، بخلاف ما إذا شرع في النفل، ولم
стр. 1013
لِأَنَّهُ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ، وَهَذَا القَطْعُ لِلْإِكْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي النَّفْلِ، لِأَنَّهُ
يقيد بالسجدة؛ لا يقطع؛ لأن ذلك القطع ليس لتكملة.
وفي التفاريق: كَبَّر للتنفل، فحضرت جنازة: إن خاف فوتها؛ قطع الصلاة، يقطع على رأس الركعتين، وإليه مال شمس الأئمة، والإسبيجابي، والبقالي (١).
وقد قيل: يتمها أي: سنّة الظهر، وإليه أشار في الأصل (٢)؛ لأنها صلاة واحدة؛ ولهذا لو قال لامرأته: اختاري ينوي بذلك الطلاق على رأس الركعتين، وقامت إلى الثالثة واختارت نفسها؛ يصح، ويقع الطلاق، وكذا لو أجبر الشفيع بالبيع، وانتقل إلى الشفع الثاني؛ لا تبطل شفعته، ويمنع صحة الخلوة. كذا في جامع الكردري (٣).
وروى الحلواني عن أستاذه القاضي أبي على النسفي، قال: كنت أفتي زمانًا أنه يتمها أربعًا؛ لأنها بمنزلة صلاة على حدة، حتى وجدت رواية في النوادر، عن أبي حنيفة: أنه يقطع على رأس الركعتين، فلا يحتمل النقض (٤).
في المحيط: لأن بأداء الأكثر يثبت شبهة الفراغ، ولو ثبت حقيقة الفراغ؛ لا يقبل النقض، فكذا إذا ثبتت شبهته (٥).
وفي الفتاوى الكبرى عن محمد: أنه يأتي بالركعة الرابعة قاعدًا، لتنقلب نفلا؛ إذ الفرض لا يتأتى قاعدًا مع القدرة على القيام، ثم يأتي الجماعة؛ ليجمع بين الثوابين: ثواب النفل، وثواب الجماعة (٦)، وهذا مشكل على أصله.
قوله: (لأنه)؛ أي: القيام إلى الثالثة بمحل الرفض؛ لأن ما دون الركعة محل الرفض لما بينا؛ إذ الشفع الأول قد تم، والقيام في الثالثة، أو في ركوعها
стр. 1014
لَيْسَ لِلْإِكْمَالِ، وَلَوْ كَانَ فِي السُّنَّةِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالجُمُعَةِ، فَأُقِيمَ أَوْ خَطَبَ يَقْطَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَقَدْ قِيلَ: يُتِمُّهَا ﴿وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا مِنْ الظُّهْرِ يُتِمُّهَا﴾ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الكُلِّ، فَلَا يُحْتَمَلُ النَّقْضُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدُ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالسَّجْدَةِ، حَيْثُ يَقْطَعُهَا، لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرَّفْضِ وَيَتَخَيَّرُ، إِنْ شَاءَ عَادَ وَقَعَدَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ كَبَّرَ قَائِمًا يَنْوِي الدُّخُولَ فِي
ما دون الركعة، وليس لها حكم الصلاة على ما ذكرنا.
قوله: (عاد وقعد وسلم)، ذكر شمس الأئمة: يعود إلى التشهد لا محالة (١)؛ لأنه أراد بالخروج عن الصلاة خروجًا مقيدًا به، والخروج عن هذا لم يشرع إلا بالقعدة، ثم [إذا] (٢) عاد إليها هل يتشهد ويسلّم؟
قال بعضهم: يتشهد ثانيًا؛ لأن القعدة الأولى لم تكن قعدة ختم، وقال بعضهم: يكفيه ذلك التشهد؛ لأن العود إلى القعدة ينتقض القيام، وجعله كأن لم يوجد أصلا، فكانت هذه القعدة هي القعدة الأولى، ثم يسلم تسليمتين عند البعض؛ لأنه تحلل من القربة، وعند البعض: تسليمة واحدة؛ لأن التسليمة الثانية للتحلل، وهذا قطع من وجه، وإن شاء كبر قائما؛ لأنه مسارعة إلى إدراك الفريضة.
وفي المحيط: يقطعه بتسليمة واحدة ثم كبر (٣)، والأصح: التخيير.
(ينوي الدخول)؛ أي: بقلبه، فإذا دخل في صلاة الإمام؛ تبطل صلاة نفسه ضمنا؛ فهو بالخيار: إن شاء رفع يديه، وإن شاء لم يرفع، وكذا اختار صاحب المحيط التخيير (٤)، وعند الشافعي في قول: يقطع صلاة نفسه، ثم يدخل مع الإمام (٥)، وهو الأفضل، ولو نوى الدخول في صلاته بلا قطع؛ يجوز، وفي قول: يدخل مع القوم.
стр. 1015
صَلَاةُ الإِمَامِ (وَإِذَا أَتَمَّهَا يَدْخُلُ مَعَ القَوْمِ وَالَّذِي يُصَلِّي مَعَهُمْ نَافِلَةٌ) لِأَنَّ الفَرْضَ لَا يَتَكَرَّرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (فَإِنْ صَلَّى مِنْ الفَجْرِ رَكْعَةً ثُمَّ أُقِيمَتْ يَقْطَعُ وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ) لِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى تَفُوتُهُ الجَمَاعَةُ، وَكَذَا إِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ قَبْلَ أَنْ
في المبسوط: أي: بنية النفل (١).
في المحيط: إن شاء دخل مع الإمام بنية التطوع، وإن شاء لا؛ لأن ما يؤدى معه تطوع، والناس فيه بالخيار، ولكن الأفضل أن يدخل؛ لأن التطوع بعد الظهر والعشاء مشروع، فإنه لو خرج ولم يصل مع القوم، ربما يتهم أنه ممن لا يرى الجماعة (٢).
وروي أنه ﵊ لما فرغ من الظهر، رأى رجلين في أخريات الصفوف لم يصليا معه، فقال: «علي بهما فأتي بهما وفرائصهما ترتعد، فقال: على رِسْلِكُمَا، فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد»، ثم قال: مالكما لم تصليا معنا؟ فقالا: كنا صلينا في رحالنا، فقال ﵊: «إذا صليتما في رحالكما، ثمَّ أتيتُما صلاةَ قوم؛ فصليًا معهم، واجعلا
صلاتكما معهم سبحة» (٣)؛ أي: نافلة.
وقال الشافعي: يستحب أن يعيدها بالجماعة في كل الصلوات (٤)، وكذا لو صلوها بها، يستحب أن يعيد بالجماعة؛ لما ذكرنا أن النفل عنده مشروع، عنده بعد الكل، وبه قال أحمد، إلا أنه قال أحمد: لم يصل الصبح والعصر إلا مع إمام الحي دون غيره، وفي قول منه: لا يستحب إذا صلاها بالجماعة؛ لأنه ليس في الإعادة غرض صحيح (٥).
стр. 1016
يُقَيِّدَهَا بِالسَّجْدَةِ، وَبَعْدَ الإِثْمَامِ لَا يَشْرَعُ فِي صَلَاةِ الإِمَامِ لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الفَجْرِ، وَكَذَا بَعْدَ العَصْرِ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا بَعْدَ المَغْرِبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ التَّنَفَّلَ بِالثَّلَاثِ مَكْرُوهُ، وَفِي جَعْلِهَا أَرْبَعًا مُخَالَفَةٌ لِإِمَامِهِ.
وجه قوله: ما روي أنه ﵊ صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما فرغ رأى رجلين في زاوية المسجد لم يصليا معه … إلى آخر ما روينا.
وقلنا: قد روي هذا في صلاة الظهر، فتعارضت روايتا فعله، فنأخذ بقوله ﵊: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشَّمسُ» (١).
وقال مالك: إن كان صلاها بالجماعة؛ لا يعيدها، وإن كان قد صلاها منفردًا؛ يعيدها بها، إلا المغرب؛ لأن النفل ثلاث ركعات غير مشروع (٢).
وقال الأوزاعي: يعيد ما صلَّى في الكل.
ثم إذا أعادها بالجماعة، فأيهما فريضة؟
فعندنا فريضة: الأول، وبه قال الشافعي في الجديد (٣) وأحمد (٤)؛ لأن الخطاب سقط عنه بالأولى، فلا تكون الثانية فريضة.
وقال في القديم: فالفرض أكملهما؛ لأن إعادتهما معنى بالجماعة، فقلنا أكملهما (٥).
стр. 1017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال بعض أصحابه (١)، والشعبي، والأوزاعي: فالفرض كلاهما؛ لأن المقصود بالإعادة: إدراك فضيلة الجماعة، والجماعة لم تشرع إلا في الفرض، فحكمنا بأن الجميع فرض.
فإن قيل: النفل بالجماعة خارج رمضان مكروه.
قلنا: ذاك إذا كان الإمام والقوم يؤدون النفل، أما إذا كان الإمام يؤدي الفرض، والقوم النفل؛ لا بأس به؛ لما روينا، وحيلته أن يكون ما صلى مع الإمام فرضا، أن يقعد في الرابعة كما ذكرنا من رواية الكبرى، وهذه الحيلة لا تتأتى في صلاة الفجر إذا قام إلى الثانية؛ لكراهة النفل غير ركعتي الفجر.
فإن قيل: في هذا إبطال الفرض لإقامة السنة، فإن الجماعة سنة.
قلنا: لا؛ بل إبطال الفرض لإقامة الفرض على أكمل الوجوه لما قلنا؛ وهو كراهة النفل بعد العصر، وعند الشافعي (٢)، ومالك (٣) - رحمهما الله-: يعيدها؛ لعدم كراهة النفل بعدها عندهما، وعند أحمد: يعيدها مع إمام الحي، كما قلنا في ظاهر الرواية، وبه قال مالك وقيد به؛ لأنه روى عن أبي يوسف: الأحسن: أن يدخل مع الإمام، ويصلي أربع ركعات، ثلاثا مع الإمام، وأتم الرابعة بعد فراغ الإمام، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأن بالقيام إلى الثالثة صار ملتزما للركعتين؛ إذ الركعة الواحدة لا تكون صلاة للنهي عن البتيراء، وقال: فيه نوع تغيير؛ إلا أن هذا التغيير إنما وقع بسبب الاقتداء، فحينئذ لا بأس به، كمن أدرك الإمام في السجود ويسجد معه، وإن كان السجود قبل الركوع غير مشروع، وكمن أدركه في القعدة؛ فإنه يتابعه فيها، وهي قبل الأركان غير مشروعة.
وعن أبي يوسف في رواية: يذهب معه، ويسلم على رأس الثالثة مع الإمام، وبه قال بشر المريسي؛ لأن هذا تغير وقع في التطوع بسبب الاقتداء،
стр. 1018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا بأس به، كما لو اقتدى بالإمام في الظهر بعد ما صلى ركعتين وقرأ فيهما، ويترك القراءة في الآخرين، فإنه تجوز صلاة المقتدي، مع أن النفل لا يجوز بغير قراءة؛ لأنه تغير وقع بسبب الاقتداء، وعندنا لا يدخل، ولو دخل مع الإمام فعل كما قال أبو يوسف في الرواية الأولى؛ لأن مخالفة الإمام أهون من مخالفة السنة؛ لأنها مخالفة بعد فراغ الإمام، ويصير كالمقيم إذا اقتدى بمسافر يصح، وكالمسبوق. كذا في المحيط، وجامع قاضي خان (١).
والفرق في ظاهر الرواية بين هذا وبين صلاة المسافر: أن صلاة المسافر على عرضية أن يصير أربعًا، فبالنظر إليه لا تكون مخالفة، ولا كذلك صلاة المغرب، وأما المسبوق: فقد عرف جوازه بالحديث؛ بقوله ﵊: «ما فاتَكُمْ فَاقْضُوا».
وفي المحيط: لو أضاف إليها ركعة أخرى؛ يصير متنفلا بأربع ركعات، وقد قعد على رأس الثالثة، وهو مكروه (٢).
وقال الفضيلي: لو اقتدى بالإمام في المغرب، ينوي التطوع أربعًا، وقعد في الثانية، وتابعه المقتدي في ذلك؛ فسدت صلاته؛ لأن الرابعة وجبت على المقتدي بالشروع، وعلى الإمام بالقيام، فصار كرجل أوجب على نفسه أربعًا بالنذر، واقتدى فيهن بغيره لا يجوز (٣)، وفيه تأمل.
وقال الإمام ظهير الدين: الصحيح عندي: أنه التزم الرابعة على الانفراد، فإذا اقتدى في موضع الانفراد؛ تفسد صلاته، حتى [لو] (٤) سها الإمام عن القعدة على رأس الثالثة، وصلَّى الرابعة، وصلى المقتدي معه؛ جازت صلاته (٥).
стр. 1019
(وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يُصَلِّيَ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
قوله: (ويكره له أن يخرج)، وفي جامع البرهاني: يعني إذا لم يصل (١)؛ لأن المؤذن دعاه للصلاة، ولما روي في السنن ولو دخل مسجدًا لم يكن مسجد حيه، فإن كان صلوا في مسجده، فكذلك؛ لأنه صار من أهل هذا المسجد، وإن لم يكن صلوا، إن خرج ليصلي في مسجد حيه؛ لا بأس به؛ لأن الواجب عليه أن يصلي في مسجد حيه، ولو صلى في هذا المسجد؛ لا بأس به أيضًا؛ لأنه صار من أهله، والأفضل: أن لا يخرج؛ لئلا يتهم أنه ممن لا يرى الجماعة، ينتظم به أمر جماعته بأن يكون إمام قوم، أو مؤذنًا يتفرق الناس في مسجد حيه بغيبته، أو ممن يتفرق بنقل الجماعة بسبب غيبته، فكانت صيانة مسجده أولى من الاحتراز عن مخالفة الجماعة، فعلى هذا: لا يدخل في الوعيد؛ لأن خروجه لا يكون إعراضًا عن الدعوة، والخروج يكره باعتباره.
وفي الشافي: فاتته الجماعة في مسجد حيه، فإن أتى مسجدًا آخر يرجو فيه الجماعة؛ فحسن، وإن صلَّى في مسجد حيه؛ فحسن أيضًا، هذا إذا لم يدخل مسجدًا، وإن كان قد دخل يصلي فيه، وأي الحُسْنَين أفضل، فالشعبي اختار طلب الجماعة، والنخعي اختار مسجد حيه (٢).
وقال الحسن البصري: كان الصحابة إذا دخلوا مسجد حيهم؛ صلوا فرادى بغير أذان وإقامة، ثم للمتفقه جماعة أستاذه لأجل درسه أو لسماع الأخبار، أو لسماع مجلس العامة أفضل بالاتفاق؛ ليحصل الثوابين، ولو فاته ركعة أو ركعتان؛ فالأفضل أن يصلي في مسجد حيه، ولا يذهب إلى مسجد آخر. كذا ذكره التمرتاشي (٣)؛ لأنه يتهم بمخالفة الجماعة، وقد قال ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخرِ فلا يَقِفَنَّ مواقفَ التّهم» (٤).
стр. 1020
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَخْرُجُ مِنْ المَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا مُنَافِقٌ أَوْ رَجُلٌ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ يُرِيدُ الرُّجُوعَ». قَالَ: (إِلَّا إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ جَمَاعَةٍ) لِأَنَّهُ تَرْكُ صُورَةٌ تَكْمِيلٌ مَعْنَى وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَت الظُّهْرَ أَوْ العِشَاءَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ لِأَنَّهُ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ مَرَّةً إِلَّا إِذَا أَخَذَ المُؤَذِّنُ فِي الإِقَامَةِ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِمُخَالَفَةِ الجَمَاعَةِ عِيَانًا وَإِنْ كَانَتْ العَصْرَ أَوْ المَغْرِبَ أَوْ الفَجْرَ خَرَجَ وَإِنْ أَخَذَ المُؤَذِّنُ فِيهَا لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا.
(وَمَنِ انْتَهَى إِلَى الإِمَامِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَي الفَجْرِ: إِنْ خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَةٌ وَيُدْرِكَ الأُخْرَى يُصَلِّي رَكْعَتَي الفَجْرِ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ ثُمَّ يَدْخُلُ)
(وإن أخذ)؛ أي: المؤذن. (فيها)؛ أي: في الإقامة.
قوله: (عند باب المسجد)؛ لأنه لو صلاهما في المسجد؛ كان متنفلا فيه، مع اشتغال الإمام بالفريضة، وأنه مكروه؛ لقوله ﵊: «إذا أقيمت الصلاةُ؛ فلا صلاة إلا المكتوبة» (١)، وقد خصت سنة الفجر؛ لما روينا، ولكيلا يقع عند الناس أنه لا يرى الجماعة، هذا إذا كان عند باب المسجد موضع لذلك، فإن لم يكن يصليهما في المسجد، ولكن يقوم خلف الصفوف عند سارية. كذا في جامع قاضي خان (٢).
وذكر فخر الإسلام وأشدها كراهة أن يصلي مخالطا للصف مخالفًا للجماعة، والذي يلي ذلك: خلف الصفوف من غير حائل بينه وبين الصف (٣). ثم السنة فيهما: الأداء في البيت؛ لأنه ﵊ كان يصليهما في البيت، وأنكر على من صلاهما في المسجد.