. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحد؛ لأن الأكثرية على المذكور تحصل به، فيقتضي اشتراط السبع دون التسع (١).
وقيل: دخل اللام في الجمع والمراد الجنس، فلا يشترط الثلاث.
فإن قيل: الكثرة المسقطة صيرورة الفوائت خمساً في رواية ابن شجاع عن محمد، أو دخول وقت السادسة مع ذلك في رواية أخرى عن محمد، أو صيرورتها ستاً بخروج وقت السادسة كما هو مذهبهما، والظاهر من مذهب محمد، فمن أين اشتراط السبع الذي لا يتحقق إلا بدخول وقت السابعة في الأغلب؟
قلنا: لا يشترط لسقوط الترتيب الذي بين الفوائت والوقتية؛ أكثر من الست، باتفاق الروايات عن أصحابنا.
فأما الترتيب الواجب في الفوائت نفسها، فكذلك في ظاهر الرواية، وفي بعض الروايات - وهو مختار القدوري-: يشترط لسقوطه أن تزيد الفوائت على ست (٢).
ووجهه: أن سقوط هذا الترتيب مستفاد من سقوط الترتيب الأول، ثم يشترط للسقوط فيه؛ أن يكون بين الوقتية وبين آخر صلاة صلاها ست من الفوائت، فكذا يشترط أن يكون بين الفائتة التي يقضيها، وبين آخر صلاة صلاها، ست من الفوائت أيضاً؛ ليكون نظير الوقتية.
وجه الظاهر: ظاهر؛ فإن الفوائت قد كثرت بصيرورتها ستاً، وأثرت في سقوط الأول من غير توقف على السابعة، ويسقط الترتيب من غير توقف على السابعة (٣) أيضاً؛ لأنه مبني على الأول.
وحمل بعض الشارحين لفظ الكتاب على وجه يوافق ظاهر الرواية، وقال:
стр. 1052
(إِلَّا أَنْ تَزِيدَ الفَوَائِتُ عَلَى سِتْ صَلَوَاتٍ) لِأَنَّ الفَوَائِتَ قَدْ كَثُرَتْ (فَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ فِيمَا بَيْنَ الفَوَائِتِ) نَفْسِهَا كَمَا سَقَطَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الوَقْتِيَّةِ، وَحَدُّ الكَثْرَةِ: أَنْ تَصِيرَ الفَوَائِتُ سِنًّا بِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالمَذْكُورِ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَإِنْ فَاتَتْهُ أَكْثَرُ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَجْزَأَتْهُ الَّتِي بَدَأَ بِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَصِيرُ سِئًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ اعْتَبَرَ دُخُولَ وَقْتِ السَّادِسَةِ (*)، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الكَثْرَةَ بِالدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَذَلِكَ.
المراد من الصلاة: أوقاتها كما ذكرنا؛ ليوافق ظاهر المذهب من اشتراط صيرورة الفوائت ستا، بخروج وقت السادسة المستلزمة لدخول وقت السابعة في الأغلب، وإنما يحتاج إلى هذا الحمل؛ إذا لم يثبت اشتراط السبع صريحًا عنه، فأما على تقدير ثبوته؛ فلا حاجة إليه، ولا يصح أن يحمل على مذهب أبي حنيفة ﷺ بأن يقال: الوتر فرض عنده عملا، حتى منع تذكره صحة الفجر، فتكون فوائت اليوم والليلة ستا على أصله، فلابد من السابعة للدخول في حد الكثرة؛ لأنا نقول: الوتر غير محسوب من الفوائت في باب الكثرة بالإجماع.
أما عندهما؛ فظاهر، وأما عنده؛ فلأنه وإن كان فرضًا لا تحصل به الكثرة؛ لأنه من تمام وظيفة اليوم والليلة، والكثرة لا تحصل إلا بالزيادة عليها من حيث الأوقات، أو من حيث الساعات، ولا مدخل للوتر في ذلك بوجه، فيكون المراد بالفوائت: الصلوات الموقتة؛ ألا ترى أن المعتبر في سقوط الترتيب بين الفوائت والوقتية عدد الست باتفاق الروايات، ولو كان للوتر مدخل؛ لاعتبر عدد السبع على أصله، فعلم أن الوتر غير معتبر، والحمل على هذا الوجه غير صحيح.
وفي النهاية: تفسير قوله: (أن تزيد الفوائت على ست)؛ أنه إذا قضى فائتة ثم فائتة، وبينهما صلوات أخر، فإن كان مجموع الفوائت زائدا على الست؛ جازت الباقية وإلا؛ فلا (١)، وإنما شرطت الزيادة على الست؛ لتكون بين الفائتة التي يقضيها وبين آخر صلاة قضاها ست، فتكون نظير الوقتية.
стр. 1053
فِي الأَوَّلِ، … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... .
وذكر شيخ الإسلام، وصاحب المحيط: إذا كثرت الفوائت حتى سقط الترتيب لأجلها في المستقبل؛ سقط الترتيب في نفسها أيضًا، حتى قال أصحابنا فيمن كان عليه صلاة شهر، فصلى ثلاثين فجرًا، ثم صلى ثلاثين ظهرا، وهكذا إلى آخرها؛ أجزأه، ولم يوجد هاهنا الترتيب في نفسها؛ لأن فجر اليوم الثاني حصل قبل الظهر والعصر، وهذا مروي عن أصحابنا، بخلاف ما يقوله العوام: إنه يراعي الترتيب في الفوائت، وليس كذلك؛ لما أن الفوائت لما كثرت، أسقط الترتيب عن اعتبارها، فلأن يسقط في نفسها كان أولى (١).
وشبهه الإمام بدر الدين الكردري ﵀ بالضرب؛ لما أثر في غير موضع الضرب إيلامًا، فلأن يؤثر في موضع الضرب بالطريق الأولى (٢).
فإن قيل: كثرة الفوائت علة السقوط فتعمل في نفسها؛ لئلا يصير الشيء الواحد علة ومعلولا.
قلنا: العلة الكثرة، ولحكم سقوط الترتيب، وهما متغايران.
فإن قيل: الكثرة صارت علة لسقوط الترتيب تحرزًا عن فوات الوقتية، وهذا المعنى عدم فيما بين الفوائت نفسها، فلم توجد علة السقوط.
قلنا: جاز أن تكون الكثرة علة للسقوط فيما بين الفوائت والوقتية، بما ذكرنا من المعنى، ويكون علة للسقوط في الفوائت لمعنى آخر، وهو دفع حرج مراعاة الترتيب بعد ما كثرت الفوائت، فإن مراعاة الترتيب فيما تعسرت أو تعذرت، على أن ما ذكرتم حكمه حكم سقوط الترتيب، وحكمة الحكم لا تراعى في كل الأفراد على ما عرف. كذا في الخبازية (٣).
وفي المبسوط: كان بشر المريسي يقول: من ترك صلاة؛ لم تجز صلاته في عمره، ما لم يقضيها إذا كان ذاكرًا لها؛ لأن كثرة الفوائت تكون عن كثرة تفريط؛ فلا يستحق التخفيف (٤).
стр. 1054
وَلَوِ اجْتَمَعَت الفَوَائِتُ القَدِيمَةُ وَالحَدِيثَةُ، قِيلَ: تَجُوزُ الوَقْتِيَّةُ مَعَ تَذَكَّرِ الحَدِيثَةِ لِكَثْرَةِ الفَوَائِتِ، وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ وَيُجْعَلُ المَاضِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ زَجْرًا لَهُ عَنْ
وقال ابن أبي ليلى: مراعاة الترتيب في صلاة سنة، فجعل حد الكثرة ما زاد على ستة (١).
وقال زفر: لا يسقط الترتيب إلا بمضي شهر؛ لأن ما دونه قليل؛ ألا ترى أنه لا يجوز السلم إلى أجل دون الشهر، وما فوق الشهر كثير، فيسقط الترتيب به، وعنه أنه لا يسقط، قلت الفوائت أو كثرت؛ لأن ما كان شرطًا يستوي فيه القليل والكثير. كذا في الإيضاح (٢).
وقلنا: حد الكثرة أن يزيد على يوم وليلة، والكثرة في معنى ضيق الوقت كما بينا، وعند ضيق الوقت لو اشتغل بالمتروكة؛ تفوت الوقتية عن وقتها، فكان أداء الوقتية أولى؛ لأنه عمل بالكتاب.
وعن محمد: أنه اعتبر دخول وقت السادسة؛ لأن بدخوله تصير الفوائت خمسًا، والكثير من كل جنس: ما يستغرق جنسه وجنس المكتوبة: الخمس، والأول وهو خروج وقت السادسة، وهو قولهما، وظاهر [قول محمد] (٣) بالأول، وهو خروج السادسة؛ لأن الشيء إنما يستحق اسم الكثرة بالتكرار، كالكثرة في المقسوم لا يظهر إلا بزيادة أحد القسمين على الآخر. وأدنى التكرار في خروج وقت السادسة؛ لأن به تصير الفوائت ستّا، والواحدة من الصلوات تتكرر، فثبت لها وصف الكثرة، والفائتة ما يفوت فعلها عن وقتها. كذا في جامع الكردري (٤).
قوله: (ولو اجتمعت الفوائت) إلى آخره في الجامع صورته: ترك رجل صلاة شهر مجانة، أو فسقا، ثم ندم واشتغل بالصلاة الوقتية، فقبل أن يقضي تلك الفوائت ترك الصلاة، ثم صلى صلاة أخرى، وهو ذاكر لهذه المتروكة، قال بعض المتأخرين من مشايخنا: لا تجوز هذه الصلاة، ويجعل الماضي كأن
стр. 1055
التَّهَاوُنِ وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ، عَادَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ البَعْضِ وَهُوَ الأَظْهَرُ (*)، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَجَعَلَ يَقْضِي مِنْ
لم يكن؛ احتياطا، وزجرا له عن التهاون، وأن لا تصير المعصية سببًا للتخفيف (١).
وبعضهم قال: يجوز، وإليه مال أبو حفص الكبير، وعليه الفتوى؛ لأن الاشتغال بهذه الفائتة، ليس بأولى من الاشتغال بتلك الفوائت، والاشتغال بالكل يُفَوِّتُ الوقتية (٢).
وفي محيط الصدر الشهيد: القول الأول هو الصحيح (٣).
وفي الْمُجْتَبى: الثاني هو الأصح، والقول الأول أحوط (٤).
وقيل: يجب الترتيب استحسانًا لا قياسًا؛ لأن المعصية لا تصير سببًا للتخفيف.
وفي الذخيرة: لا يجب الترتيب عند أبي حنيفة، خلافًا لهما (٥).
وسئل ظهير الدين المرغيناني، عن امرأة فاتتها الظهر، ثم حاضت وصلت الوقتية، ذاكرة للفائتة؛ فقال: لا تصح (٦).
قوله: (هو الأظهر)؛ لأن تسقط سقوط الترتيب كان لعلة مفضية إلى الخروج، فلما قلت الفوائت؛ لم يبق الحرج، فعاد الحكم الذي قبله.
فإن قيل: لما سقط بالكثرة لا يعود؛ لأن الساقط لا يعود.
стр. 1056
الغَدِ مَعَ كُلِّ وَقْتِيَّةٍ فَائِتَةٌ، فَالفَوَائِتُ جَائِزَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالوَقْتِيَّاتُ فَاسِدَةٌ إِنْ قَدَّمَهَا، لِدُخُولِ الفَوَائِتِ فِي حَدِّ القِلَّةِ،
قلنا: هذا من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، وثبوت الحكم عند زوال المانع، كحق الحضانة إذا ثبت للمحرم من النساء فيسقط بالتزوج، ثم إذا ارتفعت الزوجية؛ يعود الحق، وكما إذا سقط بالنسيان، وضيق الوقت؛ فإنه يعود بالتذكر، وسعة الوقت بالاتفاق.
ولكن قال شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصاحب المحيط، وصاحب المغني، وقاضي خان وغيرهم والأظهر أنه لا يعود، وعليه الفتوى، وبه قال أبو حفص الكبير؛ لأن الساقط لا يتصور عوده، كماء قليل نجس، إذا دخل عليه الماء الكثير، وجرى حتى سال، ثم إذا عاد الماء إلى القلة؛ لا يصير نجسا (١)، وهذا بخلاف ما لو نسي، أو ضاق الوقت، ثم تذكر، أو اتسع الوقت؛ حيث يعود الترتيب؛ لأن بهما لا يسقط الترتيب، لكن بعذر العجز عن مراعاة الترتيب، وجواز الوقتية للعجز عن مراعاة الترتيب لا يسقط.
أما عجز الناسي؛ فظاهر، وأما العجز عند ضيق الوقت؛ فَلئلا يلزم إبطال الحكم الثابت بالكتاب والخبر المتواتر، بسبب الاشتغال بموجب خبر الواحد.
وأجيب عن مسألة الماء: أن عدم نجاسته بعد عوده إلى القلة؛ لوقوع الشك في أن الباقي الماء النجس أم لا؟ وقد كانت الطهارة ثابتة بيقين بدخول الماء الكثير؛ فلا ينجس بالشك.
وفي المبسوط: وهذا إذا خرج الوقت، ولم يكن أدى بعضها في الوقت، أما إذا كان أدى بعضها في الوقت، بأن غربت الشمس في العصر، وعليه صلاة أو صلاتان قبلها فائتة، وهو ذاكر لها؛ قال شمس الأئمة في نوادر المبسوط: فإنه يتمها، وطعن عيسى في هذا، وقال: الصحيح أنه يقطعها بعد الغروب، ثم يبدأ بالظهر، ثم بالعصر؛ لأن ما بعد الغروب الوقت قابل للظهر، والمعنى المسقط للترتيب ضيق الوقت، وقد انعدم بالغروب؛ لأن الوقت قد اتسع، فهو
стр. 1057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمنزلة ما لو افتتح العصر في أول الوقت، وهو ناس للظهر ثم تذكر، وهناك يلزمه الترتيب؛ فكذا في هذا الموضع؛ وهذا لأن ما يعرض في خلال الصلاة، يجعل كالموجود عند افتتاحها، كالمتيمم إذا وجد الماء، والعاري إذا وجد الثوب في خلال الصلاة (١).
ثم قال: وما ذكر عيسى قياس، ولكن محمد استحسن؛ فقال: لو قطع صلاته بعد الغروب؛ كان مؤديا جميع العصر في غير وقتها، ولو أتمها؛ كان مؤديا بعضها في وقتها، وكما يسقط الترتيب لحاجته إلى أداء العصر في وقتها؛ يسقط لحاجته إلى أداء بعضها في وقتها، يوضحه: أن في الابتداء كان مأمورًا بالشروع في العصر، وإن كان يعلم يقينا أن الشمس تغرب قبل فراغه منها، ولو كان هذا المعنى مانعًا من إتمام العصر؛ لكان تيقنه به عند الشروع مانعًا له من افتتاح العصر.
وأحد لا يقول: إنه لا يفتتح العصر عند ضيق الوقت، وإن كان الحال هكذا؛ تلخيصه: أن عند ضيق الوقت يسقط عنه الترتيب في حقها، وبعدما سقط لا يعود في تلك الصلاة، بخلاف حالة النسيان، فإن الترتيب غير ساقط، ولكن يعذر بالجهل، فإذا زال العذر قبل الفراغ منها؛ بقي عليه مراعاة الترتيب كما كان؛ لأنه لما زال العذر في خلال الصلاة، صار كأن لم يكن (٢).
وكذا لو تذكر الظهر بعد شروعه في العصر بعد الغروب؛ فإنه يفسد عصره، وإن افتتح العصر في أول وقتها، وهو ناس للظهر، فلما صلى ركعة احمرت الشمس، ثم تذكر الظهر؛ فإنه يمضي فيها؛ لأن شروعه في العصر قد صح في الابتداء، ومراعاة الترتيب ساقط بعدما احمرت الشمس، فكان تذكره وعدمه بمنزلة؛ لأنه لو قطعها لكان يستقبلها، ولا يقضي الظهر، فلا فائدة في القطع ثم الشروع؛ إذ الشروع كان صحيحًا، بخلاف ما لو افتتحها، وهو ذاكر للظهر على ما مر على كل حال.
стр. 1058
وَإِنْ أَخَّرَهَا فَكَذَلِكَ إِلَّا العِشَاءَ الأَخِيرَةَ لِأَنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَائِهَا.
أي: سواء قدّمها على الوقتيات، أو أخرها عنها في حد القلة، فإنه متى أدى صلاة من الوقتيات؛ صارت هي سادسة المتروكات، إلا أنه لما قضى متروكة بعدها، عادت المتروكات خمسا، ثم لا يزال هكذا، فلا يعود إلى الجواز.
(وإن أخرها)؛ أي: الوقتيات من الفوائت.
(فكذلك)؛ أي: لا يجوز الوقتيات أيضًا، إلا العشاء الأخيرة؛ لأنه كلما صلى فائتة، عادت الفوائت أربعًا، ففسدت الوقتية ضرورة.
أما العشاء الأخيرة؛ فلما ذكر من الجواب أنها جائزة، محمول على ما إذا كان الرجل جاهلا؛ لأنه صلاها، وعنده أنه لم تبق عليه الفوائت، فصار كالناسي.
أما لو كان عالما؛ لا تجزئه العشاء الأخيرة أيضًا؛ لأنه صلاها، وعنده أن عليه أربع صلوات، وهذه الرواية دليل على ما ذكره من الأظهر في الرواية؛ وهو أن الترتيب يعود عند عود الفوائت إلى القلة بعد سقوطه بالكثرة. كذا في المحيط (١).
فإن قيل: لا يصح الاستدلال بهذه الرواية على الأظهر من وجهين:
أحدهما: أن الكثرة المسقطة لا تثبت بأداء الوقتية؛ لأنها وإن وقعت غير جائزة، لم تصر فائتة قبل خروج الوقت، وقد ذكرنا قبلها أن الفوائت تصير ستّا بخروج وقت السادسة، ولما قضى فائتة قبل خروج الوقت؛ بقيت الفوائت أربعًا، وصارت خمسا بخروج الوقت، فكان العود من الخمس إلى الأربع، ومن الأربع إلى الخمس، فلا تتحقق الكثرة، ولا يمكن أن يحمل على ما روي عن محمد من اعتبار دخول وقت السادسة؛ لأن الوقتيات فاسدة، وعلى تلك الرواية تكون صحيحة.
والثاني: أن المعتبر في باب الترتيب ما هو فائتة بيقين، فإنه لو فاته الظهر،
стр. 1059
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصلى العصر مع تذكرها على ظن الجواز؛ لم يجز العصر؛ لأنها فائتة بيقين، فتمنع صحة العصر، فإنه لو فاته الظهر، وصلى العصر مع تذكرها على ظن الجواز؛ لم يجز العصر؛ لأنها فائتة بيقين، فتمنع صحة العصر، ولو قضى الظهر، ولم يعد العصر، ثم صلى المغرب ذاكراً للعصر على ظن الجواز؛ جازت المغرب؛ لأن العصر ليست بفائتة بيقين، فلا يمنع تذكرها صحة المغرب عند ظن الجواز، فتبين بهذا أن المؤداة بصفة الفساد؛ ليست كالفائتة بيقين في باب الترتيب، وإذا كان كذلك: لا تتحقق الكثرة المسقطة بالوقتية، المؤداة بصفة الفساد؛ لأنها ليست بفائتة بيقين.
قلنا: قال المشايخ في جوابه: المسألة مفروضة فيمن مد الوقتية التي شرع فيها إلى آخر الوقت، ثم قضى الفائتة بعد خروج الوقت، ولابد وأن يكون الشروع في سعة الوقت؛ إذ لو كان عند الضيق، لكان الوقتية صحيحة (١).
فإن قيل: قال في الكتاب: صلى مع كل وقتية فائتة، ومع القرآن.
فقلنا: القرآن غير مراد بالإجماع، فإن الصلاتين لا يؤدى بهما معًا، فيكون المراد: أن كل فائتة تقضى مع ما يجانسها من الوقتية، من غير اشتراط البيان في وقت (٢).
قال شيخي العلامة ﵀: الأصح في الجواب: أنه لا حاجة إلى هذا التأويل، فإنه لو أداهما في سعة الوقت، تثبت الكثرة المسقطة قبل خروج الوقت؛ لأن توقف صيرورة الفائتة على خروج الوقت في حق من يتوهم منه الأداء في الوقت، وقد انقطع التوهم في حق هذا المصلي؛ لأنه لما صلاها ظانًا للجواز، لا يتوهم منه الأداء بعد؛ لعدم الداعي إليه، فكان هذا بمنزلة خروج الوقت في حقه.
(التحقق الفوات)؛ يعني: لتحققه بخروج الوقت، وإذا كان كذلك: تتحقق الكثرة المسقطة بهذه الوقتية، كما لو فاتت عن الوقت.
стр. 1060
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجواب عن الثاني: أن المؤداة بصفة الفساد فائتة ظاهرا، ولكن فيه جهة عدم الفوات؛ لأن فسادها مجتهد فيه، فعملنا بهذه الجهة.
قلنا: إنها لا تساوي الفائتة اليقينية في إيجاب الترتيب، عند ظن صحة المؤداة، فلم نحكم بفساد المغرب، وعملنا بكونها فائتة ظاهرا في تحقق الكثرة، المسقطة عملا بالجهتين.
والحاصل: أن وجوب الترتيب ثبت بالسنة على خلاف القياس، فيما هو فائتة بيقين، فلا يمكن إثباته فيما في كونه فائتة، بشبهة عند ظن الجواز، الذي هو في موضع الاجتهاد، فأما في سقوط الترتيب فيمكن أن يجعل فائتة كما هو الظاهر؛ لأن السقوط على وفاق القياس؛ ألا ترى أنها لو لم تجعل فائتة في حق السقوط، لأدَّى إلى أنه لو فاتته صلاة بالنوم أو النسيان، ثم صلى مع تذكرها سننا كثيرة؛ لا تجوز المؤديات جميعًا، ووجب قضاؤهما؛ لعدم الكثرة المسقطة للترتيب، وهذا قول مخالف للإجماع.
فلهذا اعتبرت في تحقق الكثرة المسقطة؛ لأنه لا فائتة عليه في ظنه حال أدائها؛ أي: حال أداء العشاء الأخيرة الوقتية، والظن متى كان في موضع مجهد فيه، يقع معتبرًا، فإن عند الشافعي جائزة؛ لعدم وجوب الترتيب عنده، فيحكم بالصحة وإن كان وقع خطأ، كما تقول في القصاص: إذا كان بين اثنين، فعفا أحدهما، وظن صاحبه أن عفو أخيه لا يؤثر في حقه، فقتل القاتل؛ فإنه لا يقاد منه.
ومعلوم أن هذا قتل بغير حق، ولكن لما كان متأوّلًا ومجتهدا فيه؛ فإن عند البعض لا يسقط القصاص بعفو أحدهما، صار ذلك التأويل مانعا وجوب القصاص. كذا في المحيط (١).
فإن قيل: ولو صلى الظهر على غير وضوء ناسيًا، ثم صلى العصر على وضوء ذاكرًا للظهر، أو صلى العصر ذاكرًا أنه لم يصل الظهر، وهو يظن أنه
стр. 1061
(وَمَنْ صَلَّى العَصْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ، فَهِيَ فَاسِدَةٌ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي آخِرِ الوَقْتِ) وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ
يجزئه؛ فعليه أن يعيدهما جميعًا عند علمائنا، خلافًا لزفر؛ لما أن زفر يعتبر الظن في فصل مجتهد فيه، فعلى قياس ما ذكر هاهنا: ينبغي أن يجب قضاء العصر؛ لأنه لما قضى الظهر، قد وقع في زعمه أنه قضى جميع ما عليه، ولم يبق عليه شيء من الفائتة، والترتيب غير واجب على مذهب الشافعي ﵀، فكان ظنه هاهنا أيضًا موافقا لمذهبه، كما لو أعاد الظهر وحدها، ثم صلى المغرب وهو يظن أن العصر جائز؛ فإن المغرب يجزئه، ويعيد العصر فقط.
وقال زفر ﵀: لا تجزئه المغرب؛ لأنه تذكر العصر وهي فاسدة؛ لأنه صلاها مع تذكر الظهر، فلا يجوز مغربه كالعصر.
قلنا: قال الإمام البزدوي، وصاحب المحيط: الأصل أن المتروكة إذا كانت بيقين؛ لا يعتبر ظنه، وفساد الصلاة بترك الظهر فساد قوي مجمع عليه، فيظهر أثره فيما يؤدي بعده، فأما فساد العصر بسبب ترك الترتيب ضعيف مختلف فيه، فلا يتعدى حكمه إلى صلاة أخرى، وهو كمن جمع بين حر وعبد في البيع بثمن واحد، يبطل العقد فيهما؛ بخلاف ما لو جمع بين قن ومدبر، حيث صح العقد في القن؛ لعدم محلية الحر للبيع، فيكون فساد العقد فيه بيقين، ووجود المحلية في المدبر من وجه؛ لأنه مختلف فيه، ففساد البيع فيه ضعيف (١).
وفي الْمُجْتَبى: لو علم أن عليه إعادة العصر؛ لم يجز مغربه، ولم يفصل في المبسوط فيما إذا كان عالما أو جاهلا في جواز مغربه (٢).
قوله: (ومن صلى العصر إلى آخره) وحاصل ذلك: ما ذكره شمس الأئمة في المبسوط: وهو أنه إن أمكنه أداء الظهر والعصر قبل تغير الشمس؛ فعليه مراعاة الترتيب، وإن لم يمكنه أداؤهما قبل غروب الشمس؛ فعليه أداء العصر، وإن كان أداء الظهر يقع قبل التغير، وأداء العصر كلها أو بعضها بعد التغير؛
стр. 1062
(وَإِذَا فَسَدَت الفَرْضِيَّةُ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ
فعليه مراعاة الترتيب، إلا على قول الحسن بن زياد؛ فإن عنده بعد تغير الشمس ليس بوقت العصر (١).
ثم ذكر ما يحكي عن الهندواني كما ذكرنا إلى قوله: وعندهما يلزمه الترتيب.
ثم قال: وأكثر مشايخنا على أنه يلزمه إعادة الترتيب هاهنا عند علمائنا الثلاثة.
والفرق لمحمد: أن الجمعة أقوى من الفجر، فإنها أذعن للشرائط؛ ولهذا لو صلى الظهر، ثم أدرك الجمعة؛ كان فرضه الجمعة، والأضعف لا يكون مفسدا للأقوى، وهاهنا الظهر والعصر يستويان في القوة؛ فلا يسقط مراعاة الترتيب إلا لخوف فوت الوقت (٢).
وفي جامع قاضي خان لو تمكن من أداء الظهر قبل تغير الشمس، ويقع كل العصر أو بعضها بعد تغيرها؛ يلزمه الترتيب، ولو تمكن من أدائهما قبل غروب الشمس، لكن لا يتمكن من أن يفرغ من الظهر قبل تغيرها؛ لا يلزمه الترتيب؛ لأن بعد التغير ليس لأداء شيء من الصلوات إلا عصر يومه (٣).
قوله: (وإذا فسدت الفرضية)؛ يعني: لو صلى العصر ذاكرًا أنه لم يصل الظهر؛ فسدت الفرضية، ويبقى نقلا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف.
وعند محمد، وزفر، ورواية عن أبي حنيفة ﵀: تبطل أصلا.
وفائدة الخلاف: أنه لو قهقه قبل أن يخرج من الصلاة، بفعل مناف؛ تنتقض طهارته عندهما؛ لبقاء التحريمة، وعنده: لا ينتقض؛ لعدم بقاء التحريمة.
وكذا لو صلى من الفجر ركعة، ثم طلعت الشمس، أو تذكر فائتة في وقته؛
стр. 1063
مُحَمَّدٍ: يَبْطُلُ) (*) لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ، فَإِذَا بَطَلَت الفَرْضِيَّةُ بَطَلَت التَّحْرِيمَةَ أَصْلاً. وَلَهُمَا: أَنَّهَا عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِ الفَرْضِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الوَصْفِ بُطْلَانُ الأَصْلِ (ثُمَّ العَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا،
بطلت صلاته أصلا عنده.
وعندهما: تبقى نفلًا، فتمكث كما هو في طلوع الشمس، فإذا ارتفعت؛ يتمها نفلا. كذا في المغني (١).
وعلى هذا الخلاف: إذا خرج وقت الجمعة وهو فيها، وبعض أهل النظر من أصحابنا لم يثبت هذا الاختلاف؛ لأنهم لما أجمعوا أن من شرع في صوم الكفارة، ثم أيسر فيه؛ أنه يبقى نفلا، كان حكم الصلاة كذلك، وعلى القول الأول عامة المشايخ، فلم يكن من ضرورة بطلان الوصف بطلان الأصل؛ لأنه لم يعترض ما ينافي لأصل الصلاة، وتذكر الظهر لا ينافي أصل الصلاة، وإنما يمنع أداء العصر، فيفسد الأداء، ويبقى أصل الصلاة، كما إذا شرع في صوم الكفارة، ثم أيسر في بعض النهار؛ لا يقع صومه عن الكفارة، ولكن يبقى تطوعًا بالاتفاق. كذا في المبسوط (٢).
وفي فوائد الظهيرية، وجامع الكردري: فمحمد محجوج بما روى ابن عمر، أنه ﵊ قال: «من نام عن صلاة … » (٣) الحديث، وقد بيناه (٤).
ثم عند أبي حنيفة ﵀: إذا فسد العصر؛ يبقى موقوفا، ولا يصير نفلًا، فإذا أدى ست صلوات مع العصر؛ انقلب الكل جائزا، ولو لم يصل الست؛ يصير نفلا، فالنفلية عنده موقوفة إلى عدم أداء ست مع العصر.
стр. 1064
حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ، وَلَمْ يَعُدِ الظُّهْرَ، انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا: يَفْسُدُ فَسَادًا بَاتًّا، لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ (*) وَقَدْ عَرَفْتَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
وعند أبي يوسف: يصير نفلا في الحال. كذا في الكافي (١).
قوله: (حتى لو صلى ست صلوات … ) إلى آخره: وفي المحيط: قال مشايخنا: وإنما لا يجب عليه إعادة الفوائت عند أبي حنيفة؛ إذا كان عند المصلي أن الترتيب ليس بواجب، وإن صلاته جائزة، وأما إذا كان عنده فساد الصلاة بسبب وجوب الترتيب؛ فعليه إعادة الكل كما قالا؛ لأن العبد مكلف بما عنده (٢)، ثم ما قالا قياس، وما قاله أبو حنيفة رحمة الله استحسان.
وفي المبسوط: تفسيره: لو صلى المتروكة قبل السادسة؛ فسد الكل عنده (٣).
قال شمس الأئمة: هذه هي التي يقال لها: واحدة تفسد خمسا، وواحدة تصحح خمسا (٤).
وجه قولهما: أن الترتيب شرط بالاتفاق، [أ/ ١٦٢] فوقعت الخمس فاسدة؛ لعدم الترتيب، فلا تنقلب جائزة، كما لو قضاها قبل بلوغ ما أدى ذاكرا خمسا، وقياسا على ما إذا افتتحها في سعة الوقت، ومدها حتى ضاق الوقت؛ لم تنقلب جائزا بالإجماع.
وجه قوله: أن الترتيب يسقط بكثرة الفوائت، والكثرة تثبت بالسادسة، فإذ ثبت بها استند إلى أولها؛ لأن الكثرة صفة قائمة بالمجموع، فثبت سقوط الترتيب، الذي هو حكمها مضافا إلى أول الصلاة؛ ليكون الحكم مقارنا لعلته، كما في تصرف المريض، وتعجيل الزكاة، وأداء الظهر قبل الجمعة، وانقطاع
стр. 1065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدم قبل العادة، حتى لو اغتسلت وصلت، ثم عاود الدم في العادة؛ نحكم بفساد الكل بالاتفاق، وإن لم يعاود؛ نحكم بجواز الكل بالاتفاق.
وهذا لأن الترتيب لما سقط عن اعتبارها بسبب الكثرة؛ فالأولى أن يسقط عن كل واحدة من أحادها؛ لاستناد سقوط الترتيب إلى أولها كما ذكرنا، وفيه نوع تأمل.
ولأن المقتضي لجواز هذه الصلوات، وهو الكتاب أو الخبر المتوتر قائم، والمانع من الجواز؛ وهو وجوب الترتيب، يرتفع باستناد كثرة الفوائت؛ إذ الكثرة تقع بالكل، فيرتفع المانع في حق الكل.
والأصل: أنه متى وجد السبب، وتحقق المانع من عمل السبب، ثم ارتفع المانع بسبب الاستناد إلى وقت وجوده، يظهر حكم السبب، كما في البيع بشرط الخيار، يثبت الجواز بصفة الاستناد إلى وقت وجود البيع، حتى يثبت الملك في الزوائد المتصلة والمنفردة.
ولا يبعد أن يتوقف حكم الصلوات المؤداة، على ما يتبين أمرها في تأني الحال، كما توقف ظهر المقيم الصحيح؛ لإمكان إدراك الجمعة إن راح إليها قبل فراغ الإمام؛ تنقلب نفلا، وإن راح بعد فراغه؛ تقع فرضًا، وكمن صلى المغرب بعرفات يتوقف، فإن أفاض إلى المزدلفة في وقت العشاء؛ ينقلب نفلا، ويلزمه إعادتها مع العشاء في المزدلفة، وإن لم يأت المزدلفة، وتوجه إلى مكة من طريق آخر إلى المزدلفة بعد ما أصبح؛ جاز المغرب، وكما في تعجيل الزكاة.
وحاصل كلام أبي حنيفة: أن هذه صلوات مؤداة في أوقاتها، والفساد بسبب ترك الترتيب ضعيف، فلا يبقى حكمه بعد سقوط الترتيب، وهما يقولان: لما حكم بفسادها لمراعاة الترتيب؛ لا تصح لسقوط الترتيب، كمن افتتح الصلاة في أول الوقت ذاكرًا للفائتة، ثم مدها حتى ضاق الوقت؛ لم نحكم بجوازها. هذا حاصل ما ذكر في المبسوط وغيره (١).
стр. 1066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي فوائد شيخي العلامة ﵀: قال فخر الإسلام: الحكم بفساد ما أدى ليس بمتقرر؛ بل شيء يفتى به في الوقت ليعيده ثانيًا فيه؛ ليحصل العمل بخبر الواحد والكتاب بقدر الإمكان، فمتى مضى الوقت، لو حكمنا بفساد الوقتية؛ لزم ترك العمل بالكتاب بخبر الواحد، وذا لا يجوز؛ بل يجب القول بالجواز مطلقا (١).
واستدل بمسألة [على] (٢) هذا الخلاف؛ وهي: الحاج إذا صلى المغرب في الطريق؛ فإنه يعيده، ولو لم يعد حتى طلع الفجر؛ أجزأه؛ لأنها صلاة أديت في وقتها، فحكمها الجواز، ولكن أمر بالإعادة في وقت العشاء؛ مراعاة للجمع الذي جاء به الحديث، فمتى فات الجمع؛ عاد حكم الأصل، كذا هذا، فعلى هذا: لا يتوقف صحته على الكثرة؛ بل يثبت بخروج الوقت.
ثم اعلم أن الشرط لتصحيح الخمس؛ صيرورة الفوائت ستا بخروج وقت الخامسة؛ التي هي سادسة الفوائت، لا أداء السادسة قبل قضاء المتروكة لا محالة، إلا أنهم ذكروا السادسة التي هي سابعة الفوائت؛ لصيرورة الفوائت ستا بيقين، لا أنه شرط البتة.
فإن قيل: تصحيح السادسة للخمس ظاهر على أصله، ولكن إفساد قضاء المتروكة الخمس بعد أداء الخامسة، لا يخلو عن اشتباه؛ لأنه لما أدى الخامسة، ووقعت غير جائزة؛ صارت الفوائت ستا، وتحققت الكثرة؛ فيجب أن تنقلب الخمس جائزة؛ لسقوط الترتيب، فبعد ذلك لو قضى المتروكة؛ لا تفسد الخمس، كما لو قضاها بعد أداء السادسة.
قلنا: وإن وقعت غير جائزة؛ لكنها لم تصر فائتة بعد؛ لبقاء الوقت، واحتمال الأداء على وجه الصحة، فإذا قضى المتروكة في وقت الخامسة؛ فقد قضاها قبل صيرورة الفوائت ستا، وبقيت الفوائت أربعًا، وبخروج الوقت تصير
стр. 1067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خمسا، ثم لا تصير ستا بأداء السادسة؛ لأنها أديت على ظن الجواز؛ إذ في زعمه أن لا فائتة عليه، وهو ظن في موضع الاجتهاد فيعتبر، وإذا كان كذلك؛ بقيت الفوائت خمسا.
فإن قيل: إنما يتوقف صيرورة المؤداة فائتة على خروج الوقت، في حق من يتوهم منه الأداء بعد كما مر، فكان هذا لخروج الوقت في حقه، فتتحقق الكثرة بالفراغ من الخامسة؛ كما تتحقق بخروج الوقت، فتنقلب المؤديات صحيحة.
قلنا: هذا وجه اعتباري ذهب إليه بعض المشايخ في بعض المسائل؛ نظرا إلى ظاهر الحال، ولكن في الحقيقة احتمال الأداء على وجه الصحة لا ينقطع إلا بخروج الوقت، فلا تصير المؤديات فائتة حقيقة مع بقاء الوقت، وإن أمكن أن تجعل فائتة بذلك الاعتبار، ثم العمل بهذا الوجه؛ وهو أنه لا تصير فائتة أولى هاهنا احتياطا؛ لأنها لو جعلت فائتة بذلك الاعتبار؛ لسقط الترتيب، ولم يجب عليه إعادة الخمس، ولو لم تجعل فائتة عملا بالحقيقة وبقاء الوقت؛ لوجب عليه إعادة الخمس، وفيه خروج عن العهدة بيقين، فكان الأخذ به أولى؛ لتعين الاحتياط.
والجواب لأبي حنيفة عمن صلى الفائتة قبل السادسة؛ أن العلة المسقطة للترتيب، وهو كثرة الفوائت لم توجد، وعمن صلى العصر، ذاكرا أنه لم يصل الظهر، ومدها إلى ضيق الوقت؛ أن ضيق الوقت يثبت مقتصرا لا مستندا؛ بخلاف ما نحن فيه. كذا في جامع الكردري (١).
وفي المجتبى: الأصح: أن تأخير قضاء الفوائت بعذر السعي على العيال، وفي الحوائج؛ يجوز (٢).
وقيل: إن وجب على الفور؛ يباح له التأخير، وعن أبي جعفر: سجدة
стр. 1068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التلاوة، والنذر المطلق، وقضاء رمضان؛ موسع، وضيق الحلواني، والطحاوي، والعامري؛ خلافهما (١).
وفي الحاوي: لا يدري كمية الفوائت؛ يعمل بأكبر رأيه، فإن لم يكن له رأي؛ يقضي متى يستيقن (٢).
واختلف فيما يقضي احتياطا؛ فقيل: يقرأ السورة في الأخيرتين.
وقيل: لا يقرأ، ولو فاتته صلاة من يوم وليلة، ولا يدري بها؛ يقضي الخمس احتياطا.
وفي صلاة الجلابي: نسي صلاة من يوم وليلة، ولا يدري أيتها هي؟ يتحرى، فإن لم يكن له رأي؛ أعاد صلاة يوم وليلة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف (٣)، والشافعي (٤)، ومالك (٥) ﵏.
وقال محمد، والثوري: يعيد ثلاث صلوات، ركعتان ينوي بهما الفجر إن كانت عليه، وأربعًا ينوي ظهرًا أو عصرًا أو عشاء إن كانت عليه، وثلاثًا بنية المغرب.
وقال زفر، وبشر المريسي، والمزني: يصلي أربعًا، يقعد في الثانية والثالثة والرابعة، ينوي الصلاة التي عليه (٦).
وقال عمرو ابن أبي عمرو: سألت محمدًا عمن نسي سجدة صلاتية، ولم يدر أنها من أية صلاها؟؛ قال: يعيد الخمس (٧).
стр. 1069
(وَلَوْ صَلَّى الفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ، فَهِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) خِلَافًا لَهُمَا (*)، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الوِتْرَ وَاجِبَةٌ عِنْدَهُ، سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا، وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا بَيْنَ
قلت: فإن نسي خمس صلوات من خمسة أيام أو أكثر؟
قال: يعيد صلاة خمسة أيام، وذكر القدوري قول محمد مع أبي حنيفة، والرازي، والنسفي مع الثوري (١).
وفي جامع الكردري: نسي صلاة من يوم وليلة، أو ركنا من صلاة، ولا يدري أيتها هي؛ يقضي صلاة يوم وليلة؛ لأن تعيين النية في القضاء شرط، وأنه متعذر لجهله بها، فيقضي صلاة يوم وليلة؛ ليخرج عن العهدة بيقين، وبه ظهر بطلان قول محمد، وزفر، والمريسي، والمزني (٢).
ولو نسي خمس صلوات من خمسة أيام، أو ستا من ستة أيام، أو سبعًا من سبعة أيام، أو ثمانية من ثمانية أيام؛ قضى صلاة ثمانية أيام، أو سبعة أيام، أو ستة؛ لما بينا من تعيين نية القضاء.
وقيل: هذا على قولهما، أما على قول أبي حنيفة: فلا؛ لأن عنده إذا صارت ستا، عادت المفعولات صحيحة (٣).
ولو مات وعليه صلوات؛ لم تقض عنه.
وعن عصام، وإبراهيم بن يوسف: أنه تقضى عنه، وقال محمد ابن سلمة، ومحمد ابن مقاتل، ومحمد ابن الأزهر: يطعم لكل صلاة نصف صاع من بر، فإن كان أوصى بالصلوات، أو بأن يطعم عنه للصلوات؛ فهو واجب، وإلا؛ لا يلزم الورثة ذلك في قول أصحابنا.
وإن أوصى أن يطعم عنه كذا وكذا صاعًا من بر، لكذا صلاة؛ لزم الورثة ذلك في قول أصحابنا؛ لأنه وصية بالمال.
стр. 1070
الفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا صَلَّى العِشَاءَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى السُّنَّةَ وَالوِتْرَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى العِشَاءَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، فَعِنْدَهُ: يُعِيدُ العِشَاءَ وَالسُّنَنَ دُونَ الوِتْرِ، لِأَنَّ الوِتْرَ فَرْضٌ عَلَى حِدَةٍ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الوِتْرَ أَيْضًا لِكَوْنِهِ تَبَعًا لِلْعِشَاءِ (*)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
باب سجود السهو
(يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ سَجْدَتَيْنِ … ... … ... … ... ..
قوله: (وعلى هذا … ) إلى آخره؛ أي: على الاختلاف، وهو أن الوتر واجب عنده، سنة عندهما.
وفي المبسوط: أوتر في وقت العشاء قبل أن يصلي العشاء، وهو ذاكر لذلك؛ لم يجزه بالاتفاق؛ لأنه أداها قبل وقتها، أو ترك الترتيب المأمور به؛ من بناء الوتر على العشاء، فلو صلّى العشاء بغير وضوء، ثم جدد الوضوء فأوتر، ثم علم أن العشاء وقع بلا وضوء؛ فعليه إعادة العشاء دون الوتر عند أبي حنيفة؛ لأن الترتيب ساقط عنه بعذر النسيان وعندهما يلزمه إعادة الوتر؛ لأن وقتها بعد العشاء، فصلاها في غير وقتها.
وعنده وقته وقت العشاء، وعليه مراعاة الترتيب، وقد سقط ذلك بعذر النسيان (١).
(باب سجود السهو)
لما ذكر أداء الفرائض؛ أتبع النوافل؛ لأنها من الأداء والقضاء؛ لأنه خلف شرع في بيان جابر نقصان يتمكن فيهما، وإضافة السجود إلى السهو من قبيل إضافة الحكم إلى السبب، وهو الأصل في الإضافة، ثم الأصل فيه: ما روي أن النبي ﷺ «سها في صلاته فسجد»، وفي حديث ثوبان أنه ﵊ قال: «لِكُلِّ سهو سجدتان بعد السلام» (٢).
стр. 1071
بَعْدَ السَّلَامِ، … ... ..
وما قيل في حديث ثوبان، ومصعب ابن شيبة؛ وهو منكر الحديث؛ ضعيف لأن مسلما احتج بحديثه.
وقال يحيى بن معين: مصعب ثقة.
وقيل: الفقه فيه: أن المكلف مأمور بأداء الصلاة بصفة الكمال، وقد نقص أو زاد والزيادة نقصان، كالأصبع الزائدة في المبيع؛ فإنها عبث، ولطف الله تعالى بعباده ومكَّنهم من الجبر بسجدتي السهو.
قوله: (بعد السلام)؛ هذا بيان محلهما، وفيه نفي قول مالك (١)؛ فإنه يقول: إن كان سهوه عن نقصان؛ سجد قبل السلام؛ لأنه جبر للنقصان، وإن كان عن زيادة؛ سجد بعد السلام؛ لأنه ترغيم للشيطان، وبقوله قال الشافعي في القديم (٢)، وأحمد في رواية (٣)، واختاره المزني؛ لما روي أنه ﵊ سجد قبل السلام. رواه [ابن] (٤) بحينة (٥).
وروي في قصة ذي اليدين أنه سجد بعد السلام (٦)، ولا وجه للجمع بينهما إلا بهذا الوجه؛ لأن سهوه في قصة ذي اليدين بزيادة؛ فإنه ﵊ زاد سلامًا وقيامًا.
وفي قصة [ابن] (٧) بحينة: كان يترك التشهد الأول. كذا في تتمتهم (٨).
стр. 1072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المبسوطين: روي أن أبا يوسف كان جالسًا مع هارون الرشيد، فجاء مالك، فسأله أبو يوسف عن هذه المسألة، فأجاب مثل مذهبه، فقال له أبو يوسف: ما قولك لو وقع السهو في الزيادة والنقصان جميعًا؟ فسكت مالك، فقال أبو يوسف: الشيخ تارة يخطئ، وتارة لا يصيب، فظن أنه قال يصيب، فقال: هكذا أدركنا مشايخنا (١).
وقال الشافعي في الجديد - وهو قول الزهري -: يسجد قبل السلام مطلقا (٢)؛ لحديث [ابن] (٣) بحينة، وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه ﵊ قال: «إذا شك أحدكم في صلاتِهِ، فلم يَدْرِ ثلاثًا صلَّى أم أربعًا … » الحديث، إلى أن قال في آخره ﵊: «فليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم» (٤).
وأما قصة ذي اليدين؛ فقد صارت منسوخة كما ذكرنا، ولأن سجود السهو مؤدى في حرمة الصلاة؛ ولهذا لو أدرك الإمام فيها؛ فيصح اقتداؤه به، والسلام يحلل، فينبغي أن يؤخر السلام عن كل ما يؤدى في حرمتها، قياسًا على سجدة التلاوة.
وقال أحمد: يسجد قبل السلام في الموضع الذي ورد فيه الأثر (٥)، واختاره ابن المنذر.
ولنا: ما روي أنه ﵇ قال: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» (٦)، وما روى ابن مسعود، وعائشة، وأبو هريرة ﵃، أنه ﵊ سجد
стр. 1073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِلسَّهو بعد السلام، وما روي أنه ﵊ سجد قبل السلام. والمراد منه: قبل السلام الثاني، فإنه عندنا يسلم بعد سجود السهو أيضًا، جمعًا بين الأحاديث، أو لما وقع الاختلاف في فعله ﵊؛ يصار إلى قوله، وهو حديث ثوبان كما ذكرنا، وحمل الخصم هذا الحديث على السلام الذي يقع مكررًا غير صحيح؛ لأن مطلق كلامه ينصرف إلى المعهود المتعارف، وهو السلام بعد الفراغ من التشهد؛ ولأن سجود السهو مؤخر عن محله، فلو كان مؤدى قبل السلام؛ لكان الأولى أن يؤديه في محله كسجدة التلاوة، وإنما كان مؤخرًا؛ ليتأخر أداؤها عن كل حالة يتوهم فيها السهو، وما قبل السلام يتوهم فيه السهو، حتى ذكر أصحابنا: يجب سجود السهو بتأخير السلام ساهيًا؛ بأن شك في صلاته، ولم يدر كم صلى، فشغله بفكره حتى أخر السلام، ثم ذكر أنه صلَّى أربعًا؛ لزمه سجود السهو؛ فلذلك يؤخر عن السلام، ولكنه جبر لنقصان الصلاة، فبالعود إليه يكون عائدًا إلى حرمة الصلاة ضرورة؛ فلهذا يسلم بعده. كذا في المبسوط، وجامع [الكاثي] (١).
وفي الأسرار: تأويل ما رواه؛ أن الراوي دخل في صلاته ﵊ في سجدتي السهو، وعاين السلام بعدهما، فروي كذلك، أو كان ذلك منه ﵊؛ لبيان الجواز قبل السلام، لا لبيان المسنون (٢).
وأما جواب قوله: إن الجبر شرع في الصلاة، فقلنا به؛ لأن حرمة الصلاة لا تنقطع بالسلام، وإنما قدمنا السلام؛ ليمتاز الخبر عن نفس الصلاة، وأما سجدة التلاوة؛ فإن التكرار شرع فيها؛ ولهذا يؤمر بها كما يلي، ولم يشرع تأخيرها من وقت الوجوب، فصارت هي شاهدة لنا من حيث عدم التأخير، من الجزء الذي وجبت فيه عملا بالأصل، وهو أن لا يتأخر إلى وقت السلام بالإجماع؛ لئلا يلزم التكرار.
стр. 1074
ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ). ....
وفي الْمُجْتَبى: رواية بحينة شهادة على النفي، وهو أنه لم يسلم، ويجوز إن سلم، ولا يسمعه لبعده أو لقربه مع الغفلة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: المراد بقبل السلام: قبل السلام الثاني؛ وهو سلام السهو، فإن عندنا يعود بعد سجود السهو، ويتشهد ويسلم أيضًا (١).
وفائدته: أنه لما يسجد لا يقوم؛ كما بعد سجدة التلاوة؛ بل يجلس، ويتشهد، ويسلم.
وفي قوله: (ثم يتشهد)؛ إشارة إليه، وإشارة إلى أن سلام الساهي يرفع التشهد لا القعدة؛ لأن الأقوى لا يرفع بالأدنى، بخلاف الصلبية؛ فإنها أقوى من القعدة فيرفعها، وبخلاف سجدة التلاوة؛ فإنها إثر القراءة المفروضة، فألحقت بها.
وفي المحيط: ارتفاع القعدة بالصلبية والتلاوة؛ إنما كان باعتبار أنه عاد إلى شيء موضعه قبل القعدة، فيصير رافضًا للقعدة، بخلاف سجود السهو؛ فإنه يؤتى بها بعد القعدة، وهو الأصح (٢).
وفيه: وفي ارتفاض القعدة بالعود إلى سجدة التلاوة روايتان، في رواية: لا ترتفع، وهو اختيار شمس الأئمة (٣)، وإنما قلنا: إنه يتشهد ويسلم بعد سجود السهو؛ لما روى ابن مسعود ﵁ أنه ﵊ قال: «إذا صلى أحدُكُم فلم يدر أثلاثا صلَّى أم أربعًا؛ فليتحرَّ الصواب، فَلْيُتِمَّه، ثم يُسَلِّمْ، ثم يسجد للسهو ويُسلّم» (٤).
وفي شرح الآثار: أجمعت الأمة على هذا.
стр. 1075
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ» وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «لِكُلِّ سَهْوِ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ» … ... .
وقال الحسن بن زياد، والشافعي (١)، ومالك في رواية (٢): لا يتشهد بعده.
كذا في الْمُجْتَبى (٣).
وفي الحلية: لو سلم قبل أن يسجد، ولم يتطاول الفصل؛ سجد، وإن تطاول الفصل؛ فيه قولان: أصحهما: أنه لا يسجد فمن قال بسجود السهو بعد السلام؛ سجد للسهو، ثم يتشهد ويسلم، ومن قال: محله قبل السلام، فإذا نسيه حتى سلم؛ فإنه يسجد ويسلم في أصح الوجهين (٤)، وهو رواية عن مالك (٥).
وفيه وجه آخر: أنه يتشهد ثم يسلم (٦)، وهو الرواية الثانية عن مالك (٧).
وفي تتمتهم: إذا قلنا بسجود السهو قبل السلام؛ يُسلّم بعد السجود، ولا يحتاج إلى إعادة التشهد؛ لما روي في قصة [ابن] (٨) بحينة.
وأما إذا قلنا بقول القديم، إذا كان السهو بزيادة؛ يُسلّم، ثم يكبر، ويسجد، ثم يرفع مكبرًا، ويتشهد ثانيًا كمذهب أبي حنيفة ﵀ (٩).
стр. 1076
فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَا فِعْلِهِ فَبَقِيَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ سَالِمًا، وَلِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مِمَّا لَا
قوله: (فتعارضت).
فإن قيل: هذا ترجيح بكثرة الأدلة.
قلنا: ليس كذلك؛ بل هو رجوع إلى ما هو دليل بلا شبهة، عما فيه شك؛ فإن التعارض بين الدليلين يوجب الشك والتوقف فيهما، فالعمل بما بعدهما من الدليل السالم عن المعارض عمل بما هو دليل بلا شبهة، ومثل هذا مذكور في شرح الآثار، وفيه نوع تأمل، ويمكن أن يرجح بفقه الراوي؛ فإن راوي حديثه [ابن] (١) بحينة، وراوي حديثنا ابن مسعود، وهو من الفقهاء، وبالمروي، فإن ما رواه يحتمل قبل السلام الثاني، وما رويناه لا يحتمل القبلية بوجه. كذا قرره شيخي العلامة ﵀.
وعن العلامة مولانا حميد الدين ﵀ أنه قال: القول ليس من جنس الفعل، والترجيح بالدليل إنما لا يجوز؛ إذا كان الدليلان من جنس واحد، وفيه نوع تأمل أيضًا.
فإن قيل: في التعارض بين الحجتين، يصار إلى ما بعدهما لا إلى ما فوقهما، والقول فوق الفعل؛ لأن القول موجب، والفعل لا، فكيف صير إلى القول؟
قلنا: المعارضة تقتضي المساواة، ولا معارضة بين القول والفعل؛ لما ذكرنا من قوة الفعل، وإنما احتججنا بالأقوى؛ لأن بعد المعارضة صرنا إلى ما فوقهما، وهذا الجواب لا يخلو عن تمحل.
وأورد على المصنف: بأن الأصل في الدلائل الإعمال لا الإهمال، فلم يعمل بحديثي الفعلين؟
أجيب فيما قال: إعمال الأصل؛ وهو أن الأصل في التعارض التوقف؛ لما أن موجب التعارض التوقف، كما أن العمل بموجب الدليل عند عدم المعارض.
стр. 1077
يَتَكَرَّرُ، فَيُؤَخَّرُ عَنْ السَّلَامِ حَتَّى لَوْ سَهَا عَنْ السَّلَامِ يَنْجَبِرُ بِهِ، وَهَذَا خِلَافٌ فِي الأَوْلَوِيَّةِ، وَيَأْتِي بِتَسْلِيمَتَيْنِ، هُوَ الصَّحِيحُ،
قوله: (في الأولوية): وهكذا ذكره في الأسرار (١).
وفي المحيط: لو سجد قبل السلام؛ أجزأه عندنا (٢).
قال القدوري: هذه رواية الأصول (٣).
وروي عنهم: أنه لا يجزئه؛ لأنه أدى قبل وقته.
ووجه رواية الأصول: أن فعله وقع في فصل مجتهد فيه؛ فلا يحكم بفساده، ولأنه لو أمر بالإعادة لتكرر سجود السهو، وهذا قول لم يقل به، فلأن يكون فعله على وجه، قاله البعض أولى.
وفي شرح الوجيز وهذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور من أصحابنا، وعن قاضي كج، وإمام الحرمين أنه في الأفضلية، في قول: الأفضل التقديم، وفي قول: الأفضل التأخير، وفي قول: هما سواء (٤)، وبه قالت المالكية.
قوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما اختاره فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وصاحب الإيضاح؛ حيث قالوا: يسلم تسليمة واحدة (٥).
ثم اختار فخر الإسلام أن تكون تلك التسليمة تلقاء وجهه، ولا ينحرف عن القبلة؛ لأن ذلك بمعنى التحية دون التحليل، وليس في هذا السلام معنى التحية (٦).
стр. 1078
صَرْفًا لِلسَّلَامِ المَذْكُورِ إِلَى مَا هُوَ المَعْهُودُ.
وقال شيخ الإسلام: لو سلم تسليمتين؛ لا يأتي بسجود السهو بعد ذلك؛ لأنه كالكلام (١).
ولكن شمس الأئمة، وأبو اليسر، والإمام ظهير الدين المرغيناني؛ اختاروا ما اختار المصنف ﵀، حتى قال الإمام ظهير الدين حين سئل عن هذا: لم يجزه ملك الشمال حتى يترك السلام عليه ذكره في فتاواه، وبه قال الثوري، وأحمد، ونسب أبو اليسر القائل بالتسليمة الواحدة إلى البدعة (٢).
قال فخر الإسلام: إنما اخترنا ما اخترناه؛ بإشارة محمد في كتاب الصلاة، فتقصينا عن عهدة البدعة، وإنما العهدة على من قصر في طلبه (٣).
(فالسلام المذكور)؛ أي: في الحديث أو في الرواية، وفي بعض النسخ: (السلام المذكور إلى ما هو المعهود)؛ وهو السلام من الجانبين.
وفي الخبازية والفقه فيه أن التسليمة الأولى تحليلة وتحية، والثانية تحية؛ لأنه يقع بعد الأولى؛ ولهذا لا يصح الاقتداء بعد الأولى، ولو قهقه بعد الأولى؛ لا تنتقض طهارته، فكان الأحوط قبل السلام الثاني (٤).
ولمعنى التحليل لا التحية؛ قال فخر الإسلام: يسلم تلقاء وجهه، ويكون فرقا بين سلام القطع وسلام السهو (٥). وفي الْمُجْتَبى: وهو الأصح (٦).
وفي المحيط: على قول عامة المشايخ يكتفي بتسليمة واحدة، وهو
стр. 1079
وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ وَالدُّعَاءِ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَوْضِعُهُ آخِرُ الصَّلَاةِ.
الأضمن؛ للاحتياط (١).
وقيل: عند أبي حنيفة ﵀، وأبي يوسف؛ يسلم تسليمتين؛ لأنه سلام محلل، إلا أنه يعود إلى حرمة الصلاة، إلا أنه يعود إلى حرمة الصلاة بالعود إلى سجود السهو، فوجب العمل بهذا الأصل حتى يثبت غيره.
وعند محمد: هذا السلام غير محلل أصلا كما يجيء؛ فلا يصح تحليله بالثاني.
قوله: (ويأتي بالصلاة): في المحيط: اختلفوا في الصلاة على النبي ﷺ ، وفي الدعوات (٢). قال الطحاوي: كل قعدة فيها سلام ففيها صلاة، فعلى هذا: يصلي في القعدتين جميعًا عنده (٣).
وقال الكرخي: يصلي في قعدة السهو؛ لأنها هي القعدة الأخيرة، والفراغ من الصلاة تحصل بها (٤)، وهو اختيار المصنف، وفخر الإسلام.
وقيل: عند أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ يصلي، ويدعو في الأولى دون الثانية؛ بناء على أن سلام من عليه السهو يخرجه عن الصلاة عندهما.
وعند محمد: في الأخيرة خاصة؛ لأن السلام لا يخرجه عنده.
وفي الفتاوى الظهيرية: والأحوط: أن يصلي في القعدتين (٥).
قوله: (إذا زاد)، وإنما وجب سجود السهو بالزيادة، مع أنه لجبر النقصان والزيادة ضده؛ لما أن الزيادة في غير موضعه نقصان، كما بينا في الأصبع الزائدة بعد الكمال نقصان، ولأنه لا يخلو عن تأخير ركن أو تأخير واجب.
стр. 1080
قَالَ: (وَيَلْزَمُهُ السَّهْوُ إِذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا لَيْسَ مِنهَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ وَاجِبَةٌ، وهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهَا تَجِبُ لِجَبْرِ نَقْصٍ تَمَكَّنَ فِي العِبَادَةِ، فَتَكُونُ وَاجِبَةٌ كَالدِّمَاءِ فِي الحَجِّ، … ... … ... .
ولما روي أنه ﵊ قام إلى الخامسة في العصر، فسبح به، فرجع وسجد للسهو.
وفي الفتاوى الظهيرية: واستدل الكرخي بما قال محمد: وإذا سها الإمام وجب على المؤتم نص على الوجوب (١).
وفي قوله: (ويلزمه السهو)؛ إشارة إليه، وهو اختيار الكرخي، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لأنه لجبر النقصان، فيكون واجبًا كجبرانات الحج.
وفي المحيط: أداء العبادة بصفة الكمال واجب، والكمال لا يحصل إلا بجبر النقصان؛ فيكون واجبًا (٤).
وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عما قال الجرجاني، والقدوري؛ فإنهما قالا: إنها سنة عند عامة أصحابنا (٥)، وبه قال الشافعي (٦)، استدلالاً بما قاله محمد: أن العود إلى السجود لو كان واجبًا؛ لكان رافعًا للتشهد، كسجدة التلاوة، ولأنه يجب بترك بعض السنن، والخَلَف لا يكون فوق الأصل. كذا في المحيط (٧).
قوله: (كالدماء في الحج): عن العلامة مولانا حميد الدين ﵀: إنما جبر
стр. 1081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النقصان في باب الحج بالدم، وفي باب الصلاة بالسجدة؛ لأن الأصل أن الجبر من جنس الكسر، وللمال مدخل في باب الحج، فيجبر نقصانه بالدم، ولا مدخل للمال في باب الصلاة، فجبر النقصان بالسجدة.
وفي الْمُجْتَبى: سجدة السهو فريضة على قول مالك؛ حتى تبطل الصلاة بتركه (١).
وفي الحلية: واجبة على قوله إذا كان لنقصان (٢)، ثم سجدة السهو واجبة بترك الواجب أو تأخيره سواء عندنا؛ لأنه ﵊ علق إيجابها بالسهو، بقوله: لكل سهو سجدتان، وأيضًا يضاف إلى السهو في الشرع إضافة لازمة، فلو أوجبناها في العمد؛ لما لزمتها الإضافة إلى السهو.
وقال الشافعي: إذا تعمد الخطأ فيما تجب فيه السجدة؛ تجب سجدة السهو؛ لأنها لجبر النقصان، والنقصان يحصل فيها حالة العمد؛ كما يحصل حالة السهو، فيجبر بها. كذا في السهيلي (٣).
وفي الْمُجْتَبى: وفي العمد لا يجب السهو خلافًا للشافعي، إلا في المسألتين، ذكرهما البديعي، فلو ترك القعدة الأولى عمدًا، أو شك في بعض أفعال الصلاة، فتفكر عمدًا حتى شغله ذلك عن ركن؛ تجب السجدة، فقلت له: كيف تجب السجدة للسهو بالعمد؟
قال: ذاك سجود العذر لا سجود السهو (٤)، وإنما قال فعلا من جنسها ليس منها؛ لأن غير ذلك إما مفسد، كالأكل والشرب، أو غير موجب للسهو، كالالتفات، والحركة، والخطوة، إلا إذا شك في صلاته التي هو فيها، فشغله فكره عن الركن، كالركوع، والسجود، وإن تفكر في العصر أنه هل صلى الظهر
стр. 1082
وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ وَاجِبِ أَوْ تَأْخِيرِهِ أَوْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ سَاهِيًا، هَذَا هُوَ الأَصْلُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا لَا تَعْرَى عَنْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ.
قَالَ: (وَيَلْزَمُهُ إِذَا تَرَكَ فِعْلًا مَسْنُونًا)
أم لا؟؛ لا يجب، فهذه المسألة تدل على أن الموجب للسهو؛ هو الشك الذي تعلق بهذه الصلاة التي هو فيها. كذا عن العلامة مولانا حميد الدين الله (١).
قوله: (هذا)؛ أي: وجوب سجود السهو بترك الواجب، أو تأخيره هو الأصل.
وفي المحيط: تكلم المشايخ في الموجب لسجود؛ فقيل: يجب بستة أشياء، بتقديم ركن؛ كتقديم الركوع على الفاتحة أو السورة، وبتأخير ركن؛ كتأخير الصلبية، وفي تأخير سجدة التلاوة روايتان، وبالقيام إلى الخامسة أو الثالثة، وبتكرار التشهد، وبتكرار ركن؛ كركوعين، أو ثلاث سجدات، ويتغير الواجب كالجهر فيما يخافت أو عكسه، وبترك الواجب كالقعدة الأولى، وبترك سنة تضاف إلى جميع الصلاة؛ كالتشهد في القعدة الأولى (٢).
قال أبو اليسر: وجوبها بشيء واحد؛ وهو ترك الواجب.
قال صاحب المحيط: وهذا أجمع ما قيل فيه (٣)؛ لأن جميع ما ذكر من مراعاة الترتيب، والأفعال، والأذكار واجبة، وكذا القعدة الأولى عندنا، وعليه المحققون من أصحابنا، وهو الأصح؛ ولهذا قال المصنف: (أراد)؛ أي: محمد.
(به)؛ أي: بقوله، أو ترك فعلا مسنونا، فعلا واجبًا وسماه مسنونا؛ لثبوت وجوبه بالسنة، وهذا حسن، لكن عطفه الواجبات بقوله: (أو ترك) قراءة الفاتحة إلى آخره، يأتي حمله عليه؛ لكن الظاهر أنه أراد بقوله: (مسنونا)؛ ما ذكره
стр. 1083
كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فِعْلًا وَاجِبًا، إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِتَسْمِيَتِهِ سُنَّةٌ، أَنَّ وُجُوبَهَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ. قَالَ: (أَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ الفَاتِحَةِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ (أَوْ القُنُوتَ أَوْ التَّشَهَّدَ أَوْ تَكْبِيرَاتِ العِيدَيْنِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَاتٌ فَإِنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكِهَا، مَرَّةً وَهِيَ أَمَارَةُ الوُجُوبِ، وَلِأَنَّهَا تُضَافُ إِلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ
صاحب المحيط؛ وبترك سنة تضاف إلى جميع الصلاة وتجب (١).
ثم قوله: (ويلزمه)؛ أي: إلى آخره، بان تعداد المسائل.
(بتسميته)؛ أي: بتسمية الفعل.
(أن وجوبها)، أي: وجوب الفعل على تأويل القعدة، أو سنية الفعل؛ لأن القعدة واجبة بالسنة.
(لأنها)؛ أي: القنوت وتكبيرات العيد، والتشهد؛ تضاف إلى جميع الصلاة.
وفي المبسوط: ترك التشهد في القعدة الأولى، أو قنوت الوتر، أو تكبيرات العيد؛ ففي القياس: لا يسجد للسهو؛ لأن هذه الأذكار سنة، فبتركها لا يتمكن كثير من النقصان، كما إذا ترك الثناء والتعوذ.
وفي الاستحسان: يجب؛ لأن هذه السنن تضاف إلى جميع الصلوات، يقال: تكبيرات العيد وقنوت الوتر، وتشهد الصلاة، فبتركها يتمكن النقصان والتغيير في الصلاة، فأما ثناء الافتتاح: فغير مضاف إلى جميع الصلاة، فبتركه لا يتمكن النقصان فيها (٢).
قال شيخ الإسلام لو ترك بعض هذه الأذكار؛ يجب السهو، حتى لو ترك تكبيرة من تكبيرات العيد، أو آية من الفاتحة؛ يجب السهو (٣).
وعند أبي يوسف ومحمد: إذا قرأ أكثر الفاتحة؛ لا يجب، ولو ترك تكبير القنوت، وتكبير ركوع العيد، والقعدة الأولى والتشهدين؛ يجب السهو.
стр. 1084
خَصَائِصُهَا، وَذَلِكَ بِالوُجُوبِ، ثُمَّ ذِكْرُ التَّشَهُدِ يَحْتَمِلُ القَعْدَةَ الأُولَى وَالثَّانِيَةَ، وَالْقِرَاءَةَ فِيهِمَا، … ...
قيل: التشهد الأول سنة، والثاني فريضة. وبالسهو عن القومة والجلسة بين السجدتين؛ اختلاف؛ ذكر البقالي، والجلابي، والناصحي: لا يجب؛ لأنه غير مقصود ولا ذكر فيه.
وذكر السرخسي، وأبو اليسر: يجب (١). ولو كرر الفاتحة في الآخرين؛ لا سهو عليه، وكذا في الأوليين إذا فصل بينهما بسورة على الأصح.
وفي الولاء؛ يجب، ولو قرأ الفاتحة والسورة؛ لا يجب على الأصح، وفي رواية الحسن: يجب.
وفي غريب الرواية: قرأ آية في الركوع أو السجود أو قاعدًا؛ فعليه السهو، ولو قرأ التشهد قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا؛ لا سهو عليه؛ لأنها محل الثناء. وعن أبي إسحاق الحافظ: يجب بالتشهد قائما في الأوليين دون الآخرين. قلت: وقيل: لا يجب في الأولى أيضًا قبل الفاتحة؛ لأنها محل الثناء. كذا في الْمُجْتَبى (٢).
وفي فتاوى الظهيرية: قرأ التشهد قائمًا، إن كان في الركعة الأولى؛ لا يلزمه شيء، وإن كان في الثانية؛ اختلف المشايخ فيه، والصحيح: أنه لا يجب (٣).
ولو قرأ القرآن في ركوعه أو سجوده أو قعدته؛ يلزمه السهو. ولو سها عن القعدة، أو القنوت، أو الفاتحة، أو السورة، فذكره في الركوع؛ فالأصح في الفاتحة والسورة أن يعود، وفي القنوت أن لا يعود.
стр. 1085
وَكُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَفِيهَا سَجْدَةٌ،
وعن أبي حنيفة ﵀ في رواية: يعود ويقنت، ولكن يسجد في الوجهين جميعًا، ولو نسي الفاتحة في الأولى أو الثانية، وبدأ بالسورة ثم ذكر؛ يبدأ بالفاتحة، ثم يقرأ السورة وسجد للسهو.
وإن قرأ من السورة حرفًا ولو كرر السورة؛ فعليه، ولو أعاد السورة التي قرأها في الأولى؛ فعليه السهو عند أبي يوسف، وفي قراءة سورة قبلها وتحتها؛ اختلاف المشايخ.
وفي زلة القارئ لصدر القضاة: قرأ سورة واحدة في ركعتين؛ لا يكره.
(وذلك)؛ أي: الاختصاص بالوجوب؛ لأن الاختصاص دليل السنية، فيلزم وجود هذه الأفعال من الصلاة، لكن لا يمكن فصرنا إلى الوجوب. كذا قاله شيخي العلامة ﵀.
وفي الخبازية: والخصائص لابد من أن تكون موجودة، ولا ذلك إلا بالوجوب (١)؛ لأن السنن نوافل، وهي زوائد بمنزلة العدم؛ ألا ترى أنه ﵊ علم الأعرابي (٢) الفروض والواجبات لا السنن.
قوله: (وكل ذلك واجب).
وفي الكافي: يتوجه عليه وجوه من الإشكال؛
أحدها: أن القعدة الثانية فرض، وذكر أنها واجب.
والثانية: أن قراءة التشهد في القعدة الأولى عنده سنة، وذكر أنه واجب.
وثالثها: الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ إذ التشهد للقراءة فيهما حقيقة، وللقعدة مجاز؛ إطلاقا لاسم الحال على المحل.
ورابعها: أنه لو كانت القعدة مراده لزم التكرار؛ لأنه ذكر قبله إذا ترك فعلا
стр. 1086
هُوَ الصَّحِيحُ.
مسنونا؛ أي: واجبًا.
الجواب عن الأول: أنه أراد بقوله: كل ذلك واجب غير القعدة الثانية؛ إذ التخصيص شائع، فإن ذكره شائعا أنها فرض دليل على أنها غير مراد، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، مع تيقننا [أنها] (١) لم تؤت كثيرا من الأشياء (٢).
وقيل في جوابه: يحمل تركها على تأخيرها، وهو فاسد؛ لأنه أراد حقيقة الترك في غيرها، ولو أراد به التأخير فيها لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
فإن قيل: يجوز الجمع بينهما عند اختلاف المحل عند البعض، فيحتمل أنه ذكره بناءً على قوله، قلنا: نعم؛ لكن يأبى قوله: وكل ذلك واجب لهذا التأويل.
وفي النهاية: والأوجه فيه أنه يحمل على رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه تجوز الصلاة بدون القعدة الأخيرة. ذكره في الأسرار (٣).
وأما الجواب عن الثاني: فقد مرَّ في أول باب صفة الصلاة، وعن الثالث: فلأن المستحيل اجتماعهما مرادين، وهو ما تعرض للإرادة؛ بل قال يحتمل ذلك، ولا فساد فيه، ألسنا نقول: القرء يحتمل الحيض والظهر، وهو الجواب عن الرابع.
قوله: (وهو الصحيح): احتراز عن جواب القياس في التشهد بأنه سنة.
وفي المحيط: قال الكرخي والطحاوي، وبعض المتأخرين: القعدة الأولى واجبة، وقراءة التشهد فيها سنة عند بعض المشايخ، وهو الأقيس، وعند بعضهم واجبة، وهو الأصح (٤)، وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة واجبة بالاتفاق، واحتراز أيضًا عن إحدى الروايتين عن أبي يوسف؛ في ترك قراءة
стр. 1087
(وَلَوْ جَهَرَ الإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ أَوْ خَافَتْ فِيمَا يُجْهَرُ، تَلْزَمُهُ سَجْدَنَا السَّهْوِ) لِأَنَّ الجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الوَاجِبَاتِ.
التشهد في القعدة الثانية؛ أنه لا يجب السهو في رواية عنه. كذا في جامع قاضي خان (١).
وقال القاضي الأَسْتَرَوْشَنِيُّ: قراءة التشهد في القعدة الأولى سنة (٢)، وهذا أقيس، إلا أنه خلاف ظاهر الرواية؛ فإن محمدًا أوجب بتركها سجود السهو.
قوله: (ولو جهر … ) إلى آخره: سوى بين الجهر والمخافتة في ظاهر الرواية، وفصل الجواب في النوادر؛ فقال: إن جهر فيما يخافت؛ لزمه السهو، قل ذلك أو كثر، وإن خافت فيما يجهر، فإن كان ذلك في أكثر الفاتحة، أو في ثلاث آيات من غير الفاتحة، أو آية قصيرة على مذهب أبي حنيفة؛ يلزمه السهو، وإلا؛ فلا.
ووجه الفرق: أن حكم الجهر فيما يخافت أغلظ من المخافتة فيما يجهر؛ لأن الصلاة التي يجهر فيها لها حظ من المخافتة، فإنه يخافت في القراءة في الأخيرتين، وكذلك المنفرد يخير فيها، حتى لا يلزمه السهو بترك الجهر، بخلاف الصلاة التي يخافت فيها في ذينك الحكمين.
ثم اعتبر من الفاتحة أكثرها وإن كانت قرآنا حقيقة؛ لقيامها مقام الدعاء في الأخيرتين، ولو كانت دعاء على الحقيقة؛ لما وجبت السجدة بتغير صفتها كلها، فوفرنا على الشبهين حظهما. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وقال الشافعي ﵀: لا يجب السهو بترك الجهر والمخافتة؛ لأنه لم يترك الذكر المقصود في المحل، وإنما ترك صفته (٣)، وقال مالك: إن جهر في موضع الإسرار؛ يسجد للسهو بعد السلام، وإن أسر في موضع الجهر؛ يسجد قبل السلام (٤).
стр. 1088
وَاخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ فِي المِقْدَارِ، وَالأَصَحُ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الفَصْلَيْنِ، لِأَنَّ اليَسِيرَ مِنْ الجَهْرِ وَالإِخْفَاتِ لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَعَنْ كَثِيرٍ مُمْكِنٌ، وَمَا تَصِحُ بِهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ الإِمَامِ دُونَ المُنْفَرِدِ، لِأَنَّ الجَهْرَ وَالمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الجَمَاعَةِ-
وقال أحمد: إن سجد؛ فحسن، وإن ترك؛ فلا بأس (١).
وقلنا: إنهما في موضعهما من الواجبات؛ لمواظبة النبي ﵊، فبتركها يلزم السهو.
قوله: (والأصح … ) إلى آخره؛ احتراز عما اختاره قاضي خان، والحلواني، وشيخ الإسلام: يجب السهو إذا جهر فيما يخافت، قل أو كثر كما بينا (٢).
(وهذا)؛ أي: وجوب سجدة السهو بترك الجهر والمخافتة في حق الإمام؛ ولهذا خص الإمام.
(لأن الجهر والمخافتة)؛ أي: وجوبهما.
فإن قيل: تجب المخافتة على المنفرد فيما يخافت كالإمام، فكيف يستقيم هذا؟.
قلنا: هذا جواب ظاهر الرواية، فأما في رواية النوادر: يجب عليه السهو إذا ترك المخافتة فيما يخافت (٣).
وروى الناطفي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يجب على المنفرد السهو إذا جهر فيما يخافت (٤).
стр. 1089
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الفتاوى الظهيرية: روى أبو سليمان أن المنفرد إذا ظن أنه إمام، فجهر كما يجهر الإمام؛ يلزمه سجود السهو (١).
وجه ظاهر الرواية: أن المنفرد لم يترك واجبًا عليه؛ لأن المخافتة إنما تجب لنفي المغالطة، وإنما يحتاج إلى هذا في صلاة تؤدى على سبيل الشهرة، والمنفرد يؤدي على سبيل الخفية، فلم تكن المخافتة واجبة عليه. كذا في الذخيرة، والمحيط (٢).
وقال أبو اليسر: المنفرد مخير بين الجهر والمخافتة، قالوا هذا إذا كان يجهر قليلًا، أما إذا كان يسمع الناسُ؛ يلزمه السهو؛ لأنه منهي عن ذلك، وقد مر حد الجهر والمخافتة (٣).
وفي الْمُجْتَبى: سها الإمام، فخافت بالفاتحة، ثم ذكر فجهر بالسورة، ولا يعيد الفاتحة (٤).
وقال شرف الدين العقيلي: لا خلاف أنه إذا جهر بأكثر الفاتحة ثم ذكرها؛ يتمها مخافتة، ولو خافت بأكثر الفاتحة فيما يجهر؛ قيل: يتمها ولا يعيد الفاتحة (٥).
وقال شمس الأئمة: وقياس مسائل الجامع، أن يؤمر بالإعادة جهرًا، وفي ترك الولاء في القراءة سهوا؛ اختلاف بين أبي يوسف ومحمد (٦).
سها عن قراءة البسملة في أول كل ركعة، فعن أبي محمد الجويني: يلزمه السهو (٧).
стр. 1090
قَالَ: (وَسَهْوُ الإِمَامِ يُوجِبُ عَلَى المُؤْتَمُ السُّجُودَ) لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ المُوجِبِ فِي
وَفي المُنْتَقى وغريب الرواية: لو أمَّ في النفل؛ يجهر، فإن خافت؛ فعليه (١) السهو، ولو سلم على ظن أنها ترويحة أو جمعة؛ استقبل، بخلاف ظن التمام؛ فإنه يتم.
وعن أبي حنيفة: يتم فيهما.
وفي المحيط: زاد في التشهد الأول حرفًا؛ يجب السهو عند أبي حنيفة ﵀ (٢).
وقال أبو شجاع: إنما يجب إذا قال: اللهم صل على محمد.
وقال الشيخ أبو منصور الماتريدي: إنما يجب إذا قال معه: وعلى آل محمد (٣).
وقال المرغيناني: المعتبر قدر ما يؤدَّى فيه ركن.
وعن أبي يوسف، ومحمد: لا سهو عليه (٤).
وقال الشافعي ﵀: لو ترك الصلاة على النبي في التشهد الأول؛ يسجد للسهو (٥).
قوله: (يوجب على المؤتم)؛ لتصور السبب في حقه، ولحديث عبد الله بن بُحَينة، أنه ﵊ سها عن القعدة الأولى في العصر، فلما كان قبل أن يسلم؛ سجد سجدتين والقوم معه، ولقوله ﵊: «إذا سجد الإمامُ فاسْجُدُوا»، ولأنه تبع لإمامه؛ فيلزمه حكم فعله، كالمفسد، ونية الإقامة؛ يعني: لو كان الإمام والقوم مسافرين، فنوى الإمام الإقامة في الصلاة، يكون القوم مقيمين معه في حق الأصل، وهو الإمام، والسبب الموجب في حق الإمام؛ الأمر الموجب لوجوب السهو عليه.