← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

هُوَ الصَّحِيحُ. مسنونا؛ أي: واجبًا. الجواب عن الأول: أنه أراد بقوله: كل ذلك واجب غير القعدة الثانية؛ إذ التخصيص شائع، فإن ذكره شائعا أنها فرض دليل على أنها غير مراد، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، مع تيقننا [أنها] (١) لم تؤت كثيرا من الأشياء (٢). وقيل في جوابه: يحمل تركها على تأخيرها، وهو فاسد؛ لأنه أراد حقيقة الترك في غيرها، ولو أراد به التأخير فيها لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز. فإن قيل: يجوز الجمع بينهما عند اختلاف المحل عند البعض، فيحتمل أنه ذكره بناءً على قوله، قلنا: نعم؛ لكن يأبى قوله: وكل ذلك واجب لهذا التأويل. وفي النهاية: والأوجه فيه أنه يحمل على رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه تجوز الصلاة بدون القعدة الأخيرة. ذكره في الأسرار (٣). وأما الجواب عن الثاني: فقد مرَّ في أول باب صفة الصلاة، وعن الثالث: فلأن المستحيل اجتماعهما مرادين، وهو ما تعرض للإرادة؛ بل قال يحتمل ذلك، ولا فساد فيه، ألسنا نقول: القرء يحتمل الحيض والظهر، وهو الجواب عن الرابع. قوله: (وهو الصحيح): احتراز عن جواب القياس في التشهد بأنه سنة. وفي المحيط: قال الكرخي والطحاوي، وبعض المتأخرين: القعدة الأولى واجبة، وقراءة التشهد فيها سنة عند بعض المشايخ، وهو الأقيس، وعند بعضهم واجبة، وهو الأصح (٤)، وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة واجبة بالاتفاق، واحتراز أيضًا عن إحدى الروايتين عن أبي يوسف؛ في ترك قراءة

стр. 1087

(وَلَوْ جَهَرَ الإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ أَوْ خَافَتْ فِيمَا يُجْهَرُ، تَلْزَمُهُ سَجْدَنَا السَّهْوِ) لِأَنَّ الجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الوَاجِبَاتِ. التشهد في القعدة الثانية؛ أنه لا يجب السهو في رواية عنه. كذا في جامع قاضي خان (١). وقال القاضي الأَسْتَرَوْشَنِيُّ: قراءة التشهد في القعدة الأولى سنة (٢)، وهذا أقيس، إلا أنه خلاف ظاهر الرواية؛ فإن محمدًا أوجب بتركها سجود السهو. قوله: (ولو جهر … ) إلى آخره: سوى بين الجهر والمخافتة في ظاهر الرواية، وفصل الجواب في النوادر؛ فقال: إن جهر فيما يخافت؛ لزمه السهو، قل ذلك أو كثر، وإن خافت فيما يجهر، فإن كان ذلك في أكثر الفاتحة، أو في ثلاث آيات من غير الفاتحة، أو آية قصيرة على مذهب أبي حنيفة؛ يلزمه السهو، وإلا؛ فلا. ووجه الفرق: أن حكم الجهر فيما يخافت أغلظ من المخافتة فيما يجهر؛ لأن الصلاة التي يجهر فيها لها حظ من المخافتة، فإنه يخافت في القراءة في الأخيرتين، وكذلك المنفرد يخير فيها، حتى لا يلزمه السهو بترك الجهر، بخلاف الصلاة التي يخافت فيها في ذينك الحكمين. ثم اعتبر من الفاتحة أكثرها وإن كانت قرآنا حقيقة؛ لقيامها مقام الدعاء في الأخيرتين، ولو كانت دعاء على الحقيقة؛ لما وجبت السجدة بتغير صفتها كلها، فوفرنا على الشبهين حظهما. كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وقال الشافعي ﵀: لا يجب السهو بترك الجهر والمخافتة؛ لأنه لم يترك الذكر المقصود في المحل، وإنما ترك صفته (٣)، وقال مالك: إن جهر في موضع الإسرار؛ يسجد للسهو بعد السلام، وإن أسر في موضع الجهر؛ يسجد قبل السلام (٤).

стр. 1088

وَاخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ فِي المِقْدَارِ، وَالأَصَحُ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الفَصْلَيْنِ، لِأَنَّ اليَسِيرَ مِنْ الجَهْرِ وَالإِخْفَاتِ لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَعَنْ كَثِيرٍ مُمْكِنٌ، وَمَا تَصِحُ بِهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ الإِمَامِ دُونَ المُنْفَرِدِ، لِأَنَّ الجَهْرَ وَالمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الجَمَاعَةِ- وقال أحمد: إن سجد؛ فحسن، وإن ترك؛ فلا بأس (١). وقلنا: إنهما في موضعهما من الواجبات؛ لمواظبة النبي ﵊، فبتركها يلزم السهو. قوله: (والأصح … ) إلى آخره؛ احتراز عما اختاره قاضي خان، والحلواني، وشيخ الإسلام: يجب السهو إذا جهر فيما يخافت، قل أو كثر كما بينا (٢). (وهذا)؛ أي: وجوب سجدة السهو بترك الجهر والمخافتة في حق الإمام؛ ولهذا خص الإمام. (لأن الجهر والمخافتة)؛ أي: وجوبهما. فإن قيل: تجب المخافتة على المنفرد فيما يخافت كالإمام، فكيف يستقيم هذا؟. قلنا: هذا جواب ظاهر الرواية، فأما في رواية النوادر: يجب عليه السهو إذا ترك المخافتة فيما يخافت (٣). وروى الناطفي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يجب على المنفرد السهو إذا جهر فيما يخافت (٤).

стр. 1089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الفتاوى الظهيرية: روى أبو سليمان أن المنفرد إذا ظن أنه إمام، فجهر كما يجهر الإمام؛ يلزمه سجود السهو (١). وجه ظاهر الرواية: أن المنفرد لم يترك واجبًا عليه؛ لأن المخافتة إنما تجب لنفي المغالطة، وإنما يحتاج إلى هذا في صلاة تؤدى على سبيل الشهرة، والمنفرد يؤدي على سبيل الخفية، فلم تكن المخافتة واجبة عليه. كذا في الذخيرة، والمحيط (٢). وقال أبو اليسر: المنفرد مخير بين الجهر والمخافتة، قالوا هذا إذا كان يجهر قليلًا، أما إذا كان يسمع الناسُ؛ يلزمه السهو؛ لأنه منهي عن ذلك، وقد مر حد الجهر والمخافتة (٣). وفي الْمُجْتَبى: سها الإمام، فخافت بالفاتحة، ثم ذكر فجهر بالسورة، ولا يعيد الفاتحة (٤). وقال شرف الدين العقيلي: لا خلاف أنه إذا جهر بأكثر الفاتحة ثم ذكرها؛ يتمها مخافتة، ولو خافت بأكثر الفاتحة فيما يجهر؛ قيل: يتمها ولا يعيد الفاتحة (٥). وقال شمس الأئمة: وقياس مسائل الجامع، أن يؤمر بالإعادة جهرًا، وفي ترك الولاء في القراءة سهوا؛ اختلاف بين أبي يوسف ومحمد (٦). سها عن قراءة البسملة في أول كل ركعة، فعن أبي محمد الجويني: يلزمه السهو (٧).

стр. 1090

قَالَ: (وَسَهْوُ الإِمَامِ يُوجِبُ عَلَى المُؤْتَمُ السُّجُودَ) لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ المُوجِبِ فِي وَفي المُنْتَقى وغريب الرواية: لو أمَّ في النفل؛ يجهر، فإن خافت؛ فعليه (١) السهو، ولو سلم على ظن أنها ترويحة أو جمعة؛ استقبل، بخلاف ظن التمام؛ فإنه يتم. وعن أبي حنيفة: يتم فيهما. وفي المحيط: زاد في التشهد الأول حرفًا؛ يجب السهو عند أبي حنيفة ﵀ (٢). وقال أبو شجاع: إنما يجب إذا قال: اللهم صل على محمد. وقال الشيخ أبو منصور الماتريدي: إنما يجب إذا قال معه: وعلى آل محمد (٣). وقال المرغيناني: المعتبر قدر ما يؤدَّى فيه ركن. وعن أبي يوسف، ومحمد: لا سهو عليه (٤). وقال الشافعي ﵀: لو ترك الصلاة على النبي في التشهد الأول؛ يسجد للسهو (٥). قوله: (يوجب على المؤتم)؛ لتصور السبب في حقه، ولحديث عبد الله بن بُحَينة، أنه ﵊ سها عن القعدة الأولى في العصر، فلما كان قبل أن يسلم؛ سجد سجدتين والقوم معه، ولقوله ﵊: «إذا سجد الإمامُ فاسْجُدُوا»، ولأنه تبع لإمامه؛ فيلزمه حكم فعله، كالمفسد، ونية الإقامة؛ يعني: لو كان الإمام والقوم مسافرين، فنوى الإمام الإقامة في الصلاة، يكون القوم مقيمين معه في حق الأصل، وهو الإمام، والسبب الموجب في حق الإمام؛ الأمر الموجب لوجوب السهو عليه.

стр. 1091

حَقِّ الأَصْلِ، وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الإِقَامَةِ بِنِيَّةِ الإِمَامِ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدُ الإِمَامُ لَمْ يَسْجُد المُؤْتَم) قوله: (إن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم)، وبه قال المزني، وبعض أصحاب الشافعي (١)، وأحمد في رواية (٢). وقال أكثر أصحاب الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد في رواية أخرى (٥): يسجد المأموم؛ لأن صلاته كملت بالاقتداء، فإذا تطرق نقص في صلاة الإمام تعداه، وقد أساء الإمام بترك الجبران، فلا يرخص المأموم. وقلنا: إن المؤتم لو سجد وحده كان مخالفًا، وقد قال ﵊: «إنَّما جعل الإمام إمامًا ليؤتم فلا تختلِفُوا عليه» (٦). فإن قيل: يشكل عليه المسائل التسع التي ذكرت في الخلاصة والخزانة؛ أنها إذا لم يفعلها الإمام يفعلها المؤتم، وقد مرَّت المسائل في آخر باب الإمامة. قلنا: هذه المسائل أحكام لا تثبت في ضمن شيء باشره الإمام؛ بل تثبت ابتداء على كل واحد من الإمام والمقتدي، ولا تجزئ فيها النيابة، فلما لم يفعلها الإمام؛ يفعلها المقتدي؛ لأنها تثبت ابتداء، كما لو كان المقتدي منفردا (٧). وأما وجوب سجدة السهو؛ فإنما ثبت في ضمن فعل باشره الإمام، فلما لم يأت به المباشر لا يجب على غيره؛ لأن الفائز بالحكم هو الفائز بالسبب،

стр. 1092

لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَمَا التَزَمَ الأَدَاءَ إِلَّا مُتَابِعًا. (فَإِنْ سَهَا المُؤْتَمُّ لَمْ يَلْزَم الإِمَامَ وَلَا المُؤْتَمَّ السُّجُودُ) لِأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ وَحْدَهُ كَانَ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَلَوْ تَابَعَهُ الإِمَامُ يَنْقَلِبُ الأَصْلُ تَبَعًا. والسبب يثبت في حق الإمام، ولو وجب على غيره؛ إنما يجب بسبب متابعته، والمتابعة إنما تكون أن لو كان موافقا لإمامه، وفي الإتيان بها وحده مخالفة، فلا يجب. أما في تلك المسائل: فيأتيه عليه بعد الشروع، فلا يتوقف الإتيان بها على إتيان الإمام. وقد أورد على المصنف ﵀ في قوله: (لأنه يصير مخالفا لإمامه) إشكال؛ وهو ما إذا قام المسبوق لقضاء ما سبق، بعد فراغ الإمام. والمقيم إذا اقتدى بالمسافر؛ يتم ركعتين بعد فراغ الإمام؛ علم بهما: أن المخالفة بعد الفراغ لا تعد مخالفة. وفي النهاية: جوابه: أن هاهنا يصير مخالفًا، وهناك لا؛ وذلك لأن المقتدي لو سجد، فلا يخلو إما أن يسجد في الحالة التي مع الإمام أو بعدها، ففي الأول: مخالفة صورة ومعنى. وفي الثانية: معنى لا صورة؛ لأن سجود السهو لجبر النقصان في صلاة أداها مع الإمام فهاهنا، فصار كأنه سجدها في تلك الحالة التي مع الإمام، فكانت مخالفة معنى، بخلاف تيك المسألتين؛ فإنهما يتحققان بعد فراغ الإمام، ولم يتعلقا بصلاة الإمام، فلا تكون مخالفة صورة ولا معنى (١). وفي مبسوط أبي اليسر: ويسجد المسبوق مع الإمام للسهو، سواء أدركه في القعدة، أو في وسط الصلاة؛ لقوله ﵊: «فلا تختلفوا عليه» (٢)، ولو لم يسجد معه، وقام إلى قضاء ما سبق، ثم سلم الإمام؛ لا يلزمه سجدتا السهو في القياس؛ لأنه خرج عن صلاة الإمام، ودخل في صلاة نفسه، والسجدتان إنما كانتا واجبتين عليه؛ جبرًا لما وقع من النقصان في تلك الصلاة،

стр. 1093

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإذا خرج عنها؛ لا يبقى عليه، كما إذا دخل في صلاة أخرى. وفي الاستحسان يلزمه؛ لأن السجدتين وجبتا عليه لوجوبها على الإمام، فإذا لم يسجدهما مع الإمام؛ بقيتا واجبتين عليه لقدرته على أدائهما، فإن هذه كلها صلاة واحدة من حيث التحريمة، فإنه يأتي بالكل بتحريمة واحدة، فلا تسقط السجدتان عنه (١). وقال الشافعي: لو سها الإمام فيما أدركه معه؛ يسجد مع إمامه إذا سجد قبل السلام (٢). وعن ابن سيرين: أنه لا يتابعه، وإن سجد الإمام بعد السلام؛ لم يتابعه فيه، وعندنا يتابعه؛ لأن محل سجود السهو بعد السلام، ولو سجد مع الإمام قبل السلام، وقضى ما عليه؛ يعيد سجود السهو في آخر صلاته في قوله الجديد، وفي القديم: لا يعيد (٣). ولو سها الإمام فيما لم يدركه المسبوق؛ يلزمه حكم سهو إمامه؛ لأنه يتعدى نقصان صلاة الإمام إلى صلاته. وقيل: لا يلزمه، ولو قام المسبوق في قضاء ما سبق، ولم يسجد إمامه للسهو؛ فعليه أن يسجد بلا خلاف، ينقلب الأصل تبعا، وهذا قلب الموضوع ونقض المشروع. وروي عن ابن عمر ﵄ أنه ﵊ قال: «ليس على من خلف الإمام سهو» (٤). فإن قيل: سجود السهو يؤتى في آخر الصلاة بعد السلام، فهلا قلتم يصير

стр. 1094

(وَمَنْ سَهَا عَنْ القَعْدَةِ الأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَهُوَ إِلَى حَالَةِ القُعُودِ أَقْرَبُ، عَادَ وَقَعَدَ إلى أن يسلم الإمام، فيخرج عن متابعته ثم يسجد؟. قلنا: لا يمكن ذلك؛ لأن السنة أن يسلم المأموم عقيب سلام الإمام عند الشافعي، فإذا اشتغل بالسهو؛ تفوته هذه السنة عنده، وعندنا: تقع السجدة بعد الخروج من الصلاة؛ لأنه يخرج بسلام الإمام. كذا قيل، وفيه تأمل؛ بل الأولى فيه التمسك بما روى ابن عمر ﵄. قوله: (ومن سها عن القعدة الأولى)؛ أي: في ذات الأربع أو الثلاث من الفرض، فإنه وضع المسألة في مبسوط شيخ الإسلام (١)، وفي المحيط في الظهر، ولأن القعدة الأولى من التطوع فرض، وكانت كالقعدة الأخيرة، حتى يعود إليها لا محالة، وإن استوى قائما وهو إلى حالة القعود أقرب؛ عاد وقعد؛ لحديث المغيرة، أنه ﵊ قال فيه: «إذا اسْتَتَمَّ أَحدُكم قائما فليصل، وليسجد سجدتي السهو، وإن لم يَسْتَتِم فليجلس، ولا سهو عليه» (٢)، ولأنه ما لم يقرب إلى القيام، فهو أشبه إلى القاعد، فيأخذ حكم القاعد؛ لأن ما يقرب للشيء يأخذ حكمه كفناء المصر له حكم المصر في حق صلاة العيد والجمعة، وحريم البئر له حكم البئر، وما قرب إلى العامر له حكم العامر في المنع من الإحياء. كذا في المحيط (٣)، ولم يذكر حد القرب في عامة الشروح. وفي عمدة الفتاوى: قام على ركبتيه لينهض قبل التشهد الأول والثاني؛ قعد وعليه السهو (٤). وفي صلاة ابن عبدك: رفع إليته وركبتاه على الأرض؛ قعد ولا سهو عليه (٥).

стр. 1095

وَتَشَهَّدَ)؛ لِأَنَّ مَا يَقْرُبُ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ، ثُمَّ قِيلَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِلتَّأْخِيرِ. وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ كَمَا إِذَا لَمْ يَقُمْ (وَلَوْ كَانَ إِلَى القِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يَعُدْ)؛ لِأَنَّهُ وقال نجم الدين الحفصي: العبرة للركبتين، فما دامتا على الأرض؛ فهو إلى القعود أقرب، وإن رفعهما؛ فهو إلى القيام أقرب. قلت: وحديث المغيرة يقتضي عكس هذا، ويتخالج في قلبي أن يكون اعتباره باعتبار المسافة إلى القعود والقيام. وظاهر ألفاظ عامة الشروح يدل عليه، مع أن نجم الأئمة البخاري؛ ذكر في جمعة قام إلى الثالثة، ولم يستو قائما؛ عاد وقعد، وسجد سجدتين، وإن قام على إليتيه لينهض؛ قعد وعليه السهو. كذا في المجتبى (١). وفي الكافي: ويعتبر في ذلك بالنصف الأسفل، فإن كان النصف الأسفل مستويا؛ كان إلى القيام أقرب، وإلا فلا (٢). وفي الخبازية، والكافي: وعلامة الأقرب؛ بأن لم يرفع ركبتيه من الأرض (٣). قوله: (والأصح: أنه لا يسجد)، وهو اختيار الفضيلي، وبعض أصحاب الشافعي (٤)؛ لأنه صار كأن لم يقم؛ ولهذا قعد. وقال الولوالجي، وأبو نصر السرخسي، وغيرهما من المشايخ، والشافعي (٥)، وأحمد (٦): إنه يسجد؛ لأنه بقدر ما اشتغل من القيام، صار

стр. 1096

كَالقَائِمِ مَعْنَى (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الوَاجِبَ. مؤخرًا واجبًا وجب وصله بما قبله من الركن، فصار تاركًا للواجب، فيجب عليه السهو. وعن مالك: لو رفع إليتيه عن الأرض لا يعود (١). وقال أحمد: لو ذكر بعد ما انتصب قائمًا قبل أن يقرأ؛ كان مخيرًا، والأولى أن لا يرجع (٢). وقال النخعي: يرجع ما لم يشرع في القراءة. وقال الحسن البصري: ما لم يركع كالقائم معنى، وفي حقيقة القيام لم يرجع باتفاق الحنفي، والشافعي، ومالك ﵏؛ لأن القيام فرض، والقعدة الأولى واجبة عندنا، سنة عند الشافعي، فلا يترك الفرض لأجل الواجب أو السنة، وسجد للسهو بالإجماع؛ لأنه يترك الواجب عندنا، وعند الشافعي: لا يتعلق السهو [بترك] (٣) السنة سوى التشهد الأول، والقنوت، والصلاة على النبي ﵊ في التشهد الأول. فإن قيل: يشكل هذا بما لو قرأ آية السجدة في القيام؛ فإنه يترك القيام قصدًا، وهو فرض لأجل سجدة التلاوة، وهي واجبة. قلنا: قال شيخ الإسلام: القياس هناك أنه لا يترك القيام، [إلا] أنه جوز ذلك بالأثر؛ لأنه ﵊ والصحابة ﵃ يسجدون ويتركون القيام لأجلها، فترك القياس به (٤). والمعنى فيه: أن المقصود من سجدة التلاوة: إظهار التواضع، ومخالفة

стр. 1097

(وَإِنْ سَهَا عَنْ القَعْدَةِ الأَخِيرَةِ، حَتَّى قَامَ إِلَى الخَامِسَةِ رَجَعَ إِلَى القَعْدَةِ مَا لَمْ الكفرة كما عرف في الأصول، فجوز ترك القيام [به] (١) تحقيقا لمخالفتهم. وفي الْمُجْتَبى: قال الحسن: لو عاد بعد الانتصاب مخطئا؛ قيل: يتشهد؛ لنقضه القيام والصحيح: أنه لا يتشهد ويقوم، ولا ينتقض قيامه بقعوده؛ لأنه لم يؤمر به، كمن قرأ الفاتحة والسورة وركع، ثم نقض الركوع بسورة أخرى؛ لا ينتقض ركوعه (٢). ولو سها عن بعض التشهد؛ فعليه السهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما-. ولو ذكر في ركوع الثالثة أنه لم يسجد الثانية في الثانية؛ يعود فيسجد ويتشهد، ثم يصلي الثالثة بركوعها، ولو ذكر بعد السجود؛ يقضي السجدة ويتشهد، ولا يعيد الركوع؛ لأنه لم يقض القعدة الأخيرة بالعود إلى سجدة الثانية، في اختيار السرخسي (٣). وفي شرح الوجيز: إن عاد عمدًا وهو عالم بأنه لا يجوز العود؛ بطلت صلاته، وإن عاد ناسيًا لم تبطل، وعليه أن يقوم إذا تذكر، وإن عاد جاهلا؛ ففي عدم الجواز وجهان ذكره في التهذيب، أحدهما: أنه لا يعذر وتبطل صلاته؛ لتقصيره بترك التعلم. وأصحهما: أنه يعذر ولا تبطل صلاته كالناسي؛ لأنه مما يخفى على العوام، ولا يمكن تكليف كل أحد تعلمه، وعلى هذا سجد للسهو؛ لأنه زاد في صلاته، وكذا في صورة النسيان (٤). قوله: (وإن سها عن القعدة الأخيرة … ) إلى آخره، وروي أنه عليه الصلاة

стр. 1098

يَسْجُدْ لِأَنَّ فِيهِ إِصْلَاحَ صَلَاتِهِ، وَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ. قَالَ: (وَأَلْغَى الخَامِسَةَ لِأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى شَيْءٍ مَحَلُّهُ قَبْلَهَا فَتَرْتَفِضُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا. (وَإِنْ قَيَّدَ الخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ بَطَلَ فَرْضُهُ) عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ والسلام قام إلى الثالثة فسبح فلم يرجع (١)، وقام إلى الخامسة فسبح به فرجع وسجد للسهو (٢)، ولأن القعدة الأخيرة فرض، والقيام إلى الخامسة بدعة، وما دون الركعة محل الرفض؛ لأنه ليس حكم الصلاة؛ ولهذا لا يحنث به في يمينه لا يصلي فريضة لإصلاح صلاته، ولأنه لما أمر بالرجوع في المسألة الثانية - وهو ما إذا قعد في الرابعة، ثم قام إلى الخامسة ساهيًا؛ يرجع إلى القعدة لأجل الواجب؛ وهو إصابة لفظ السلام، فلأن يرجع لأجل الفرض كان أولى. كذا في المحيط (٣). (إلى شيء وهو القعدة محله)؛ أي: محل ذلك. (قبله)؛ أي: قبل القيام، وفي بعض النسخ: قبلها؛ أي: قبل الخامسة آخر واجبًا. في المحيط: هو إصابة لفظ السلام (٤)، وكذا في شرح المجمع (٥). وفي الكافي: أراد بالواجب الواجب القطعي وهو الفرض؛ يعني القعدة الأخيرة، لأن يتأخر الفرض يجب السهو (٦). قوله: (وإن قيد الخامسة بسجدة؛ بطل فرضه)؛ لأنه انتقل إلى النفل قبل

стр. 1099

اسْتَحْكَمَ شُرُوعَهُ فِي النَّافِلَةِ قَبْلَ إِكْمَالِ أَرْكَانِ المَكْتُوبَةِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ خُرُوجُهُ عَنْ الفَرْضِ، وَهَذَا لِأَنَّ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ صَلَاةٌ حَقِيقَةٌ، حَتَّى يَحْنَثُ بِهَا فِي يَمِينِهِ لَا يُصَلِّي إكمال الفرض؛ إذ الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقة وحكمًا، حتى يحنث في يمينه لا يصلي، خلافًا للشافعي؛ فإنه لا يبطل فرضه، [ويرجع] (١) ويقعد، ويتشهد ويسلّم (٢)،، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)؛ لما روي أنه ﵊ صلّى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: «وما ذلك؟» قالوا: صليت خمسا؟ فسجد سجدتين بعدها ثم سلم (٥)، ثم لا يخلو إما إن كان قعد في الرابعة أم لا؟ فإن قعد؛ لم يضم إلى صلاته ركعة أخرى، وإن لم يقعد؛ لم يعد الصلاة؛ لأنه زاد في صلاته ما ليس بصلاة ساهيا، فلا تفسد صلاته، كما لو أتى بما دون الركعة. وقلنا: إنه اشتغل بالنفل قبل إكمال الفرض، ومن ضرورة استحكام شروعه في النفل؛ خروجه عن الفرض، والشروع في النافلة قبل إكمال الفرض مفسد له، كما لو صلَّى ركعتين؛ بخلاف ما قيل تقييد الخامسة بالسجدة؛ لأن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة، بدليل مسألة اليمين. وتأويل الحديث: أنه ﵊ قعد على الرابعة، بدليل أنه قال: صلى الظهر خمسا، والظهر اسم لجميع الأركان ومنها القعدة، وإنما قام إلى الخامسة على ظن أن هذه القعدة هي الأولى؛ حملا لفعله ﵊ على ما لو قرب إلى الصواب، وفرق بين العمد والسهو لا يصح؛ لأن ما هو المفسد يستوي فيه العمد والسهو، والشروع في النافلة على وجه

стр. 1100

(وَتَحَوَّلَتْ صَلَاتُهُ نَفْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (*) عَلَى مَا مَرَّ (فَيَضُمُّ إِلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةَ وَلَوْ لَمْ يَضُمَّ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ، ثُمَّ إِنَّمَا يَبْطُلُ الاستحكام قبل إتمام الفرض مفسد فلا يتوقف إلى العمد. كذا في المبسوطين (١). قوله: وما ذاك؛ ليس في الروايات المشهورة، ولئن كان ذلك حين أباح الكلام في الصلاة. قوله: (وتحولت صلاته نفلا عندهما)، وذكر التمرتاشي: أن ترك القعدتين على الركعتين في التطوع؛ لا يفسد الصلاة عندهما. وهل يسجد للسهو عندهما؟ اختلفوا فيه، والأصح: أنه لا يسجد؛ لأن النقصان الفساد لا يجبر بالسهو على ما مرَّ في باب قضاء الفوائت؛ وهو أنه إذا فسدت الفرضية تبطل أصل الصلاة عنده، خلافًا [لهما] (٢). (ركعة سادسة)؛ لأن النفل شرع شفعًا لا وترا؛ للنهي عن البتيراء؛ لأنه مظنون، والمظنون غير مضمون عندنا خلافًا لزفر، وقد مر. ولكن لو اقتدى به إنسان فيهما، ثم قطعهما المقتدي؛ يلزمه قضاء ست ركعات عندهما، ولا يلزمه شيء عند محمد. وعند محمد: يرفعه. وفي جامع فخر الإسلام، والكافي: المختار للفتوى: قول محمد، بنى عند محمد؛ لأن عنده تتم السجدة بالرفع، والرفع وجد مع الحدث فلا يعتبر، فبطلت السجدة في نفسها، فصار كأن لم يسجد، ولو لم يسجد؛ يتوضأ ويبني بالاتفاق، وعند أبي يوسف: فسد فرضه بالوضع، فلا يمكنه البناء. كذا في جامع الكردري (٣).

стр. 1101

فَرْضُهُ بِوَضْعِ الجَبْهَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ سُجُودٌ كَامِلٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِرَفْعِهِ (*)، لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ، وَهُوَ الرَّفْعُ، وَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الحَدَثِ، وَثَمَرَةُ الخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إِذَا سَبَقَهُ الحَدَثُ فِي السُّجُودِ، بَنَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. (وَلَوْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، عَادَ إِلَى القَعْدَةِ مَا لَمْ يَسْجُدْ لِلْخَامِسَةِ وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي حَالَةِ القِيَامِ غَيْرُ مَشْرُوعِ، وَأَمْكَنَهُ الإِقَامَةُ عَلَى وَجْهِهِ قال فخر الإسلام وقول محمد أقيس ووافق؛ لأن السجود لو تم قبل الرفع وجعل دوامه كتكراره؛ لم ينقضه الحدث يعني بالاتفاق، فإن الحدث ينقض كل ركن وجد فيه حتى لو توضأ وبنى؛ يجب إعادة ذلك الجزء الذي فيه الحدث، ولو تم؛ لما احتيج إلى إعادته، كما لو وجد الحدث بعد الرفع (١). قيل: فوقها، وهي كلمة استعجاب؛ لما بلغ قول محمد أبا يوسف فقال: زه صلاة فسدت يصلحها الحدث. وفي الفوائد الظهيرية: (زه) بزاي مكسورة، منقوطة من فوقها، وهي كلمة استعجاب، إلا أنها هاهنا استعجاب بطريق التهكم، وإنما قال أبو يوسف هذا؛ لغيظ لحقه من محمد؛ وهو أنه روي أن محمدًا مرَّ بمسجد خراب قد رئيت فيه الدواب، وبالت فيه الكلاب فقال: هذا مسجد أبي يوسف؛ لأن مثل هذا يبقى مسجدًا إلى يوم القيامة عنده؛ لكون الوقت تحريرًا عنده، وعند محمد: يعود إلى ملك الواقف أو إلى ورثته بعد وفاته (٢). قال الإمام قاضي خان: يقطع في صلاة الفجر، سواء قعد على رأس الثانية أو لا؛ لأن التنفل بعد الفجر مكروه (٣). قوله: (ولو قعد في الرابعة ثم قام ولم يسلم عاد إليها ما لم يسجد للخامسة)؛ لأنه ﵊ قام إلى الخامسة فسبح به، فعاد وسلم وسجد للسهو؛ إذ السلام في حالة القيام غير مشروع في الصلاة المطلقة. (على وجهه)؛ أي: على وجه المشروع؛ وهو أن يسلم قاعدًا، ومع ذلك

стр. 1102

بِالقُعُودِ، لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ. (وَإِنْ قَيَّدَ الخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ، ضَمَّ إِلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى، وَتَمَّ فَرْضُهُ) لِأَنَّ البَاقِيَ إِصَابَةُ لَفْظَةِ السَّلَامِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا يَضُمُّ إِلَيْهَا أُخْرَى لِتَصِيرَ الرَّكْعَتَانِ نَفْلًا، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الوَاحِدَةَ لَا تُجْزِئُهُ لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ «البتيراء»، لو سلم قائما لا تفسد صلاته، ثم إذا عاد لا يعيد التشهد، وكذا لو قام عامدًا. وقال الناطفي: يعيد، ثم قيل القوم يتبعونه، فإن عاد عادوا معه، وإن مضى في النافلة اتبعوه؛ لأن صلاتهم تمت بالقعدة، والصحيح: ما ذكره البلخي عن أصحابنا وعلمائنا أنهم لا يتبعونه؛ لأنه اتباع في البدعة، لكن ينتظرونه قعودًا، فإن عاد قبل أن يقيد الخامسة بالسجدة اتبعوه بالسلام، فإن قيد سلموا في الحال. كذا ذكره صاحب المحيط، والتمرتاشي (١). قوله: (بمحل الرفض)؛ كما لو أقام المؤذن وهو في الركعة الأولى ولم يقيدها بالسجدة؛ فإنه يرفضها. قوله: (ضم إليها)؛ هذا لفظ الجامع الصغير (٢)، ولم يذكر على معنى التخيير أو الاستحباب أو الإيجاب. وفي المبسوط ما يدل على الوجوب، فإنه قال عليه أن يضيف، وكلمة على للإيجاب وإنما وجب الضم؛ للنهي عن التنفل بركعة واحدة (٣). وعند الشافعي: لا يضم؛ لأن الركعة الواحدة مشروعة عنده (٤). (البتراء): تأنيث الأبتر، والبتيراء تصغيره. فإن قيل: النهي يدل على المشروعية عندكم كما عرف في الأصول.

стр. 1103

ثُمَّ لَا تَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ، وهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ المُوَاظَبَةَ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ قلنا: النهي يذكر ويراد به النفي والنسخ، والمراد به هاهنا: النسخ؛ بدليل قول ابن مسعود: ما أخرت ركعة قط (١). كذا قيل، وفيه نوع تأمل. وفي جامع الكردري: وكل جواب عرفته في الظهر فكذا في العصر والعشاء، إلا أنه لا يضيف أخرى بعد العصر؛ لكراهة النفل بعده (٢). وفي جمع النوازل: ولا سهو عليه؛ لفوات موضعه. وعن محمد: يضيف السادسة في العصر؛ لأنه وقع فيه لا عن قصد، فلا يكره، كمن صلى ركعة من النفل ثم طلع الفجر (٣). قال الصدر الشهيد: الفتوى على قول محمد (٤)، ولو اصفرت الشمس وعليه سهو لا يسجد، ولو طلع عليه الفجر يسجد؛ لأنه وجب بإيجاب الشرع فيجوز بعد طلوع الفجر. وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ: إنهما ينوبان عن سنة الظهر؛ لأنه أتى بالركعتين في موضع السنة فينوبان عنهما، كما لو صلى آخر الليل ركعتين بنية التطوع على ظن أن الفجر لم يطلع، ثم ظهر أنه طلع عند افتتاحهما، فظاهر الجواب أنهما يجزيان عن ركعتي الفجر. ذكره الحلواني (٥). وفي جامع الإسبيجابي: وهو الأصح (٦).

стр. 1104

(وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ اسْتِحْسَانًا) لِتَمَكَّنِ النُّقْصَانِ فِي الفَرْضِ بِالخُرُوجِ لَا عَلَى الوَجْهِ المَسْنُونِ. وَفِي النَّفْلِ بِالدُّخُولِ لَا عَلَى الوَجْهِ المَسْنُونِ، وَلَوْ قَطَعَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ وقيل: هو قولهما. وقال أبو عبد الله الْخَيْزَاخَزِيُّ، وشمس الأئمة، وفخر الإسلام، وقاضي خان لا ينوبان، وهو الأصح؛ لأن السنة تثبت بالمواظبة، والمواظبة عليها بتحريمة مبتدأة (١). وقيل: هو قول أبي حنيفة استحسانًا، والقياس: أنه لا يلزمه السهو؛ لأن هذا سهو وقع في الفرض، وقد انتقل عنه إلى النفل، ومن سها في صلاته لا يجب عليه أن يسجد في صلاة أخرى. وفي الاستحسان يسجد؛ لأنه وإن انتفل من الفرض إلى النفل لكن النفل بني على التحريمة الأولى، فيجعل في حق وجوب السهو كأنهما صلاة واحدة، وهذا كمن صلى ست ركعات تطوعًا بتسليمة واحدة وسها في الشفع الأول؛ سجد للسهو في آخر الصلاة، وإن كان كل شفع صلاة على حدة، لكن كلها في حق التحريمة صلاة واحدة. أما عند محمد: لتمكن النقصان في الفرض بترك السلام، وأما عند أبي يوسف: وجوبه لنقصان تمكن في النفل وهو دخوله فيه لا على الوجه المسنون؛ إذ المسنون: الشروع بالتكبير؛ بل هو واجب فبترك الواجب يجب السهو، فكان على قياس قوله واجبًا قياسًا واستحسانًا. كذا في المحيط (٢). فكان قول المصنف: (بالخروج لا على الوجه المسنون) قول محمد. وفي النفل بالدخول إلى آخره قول أبي يوسف، وقد قدم قول محمد على قول أبي يوسف؛ لأنه المختار والمعتمد في الفتوى، ذكره فخر الإسلام في جامعه (٣)؛ لأن من قام من الفرض إلى النفل من غير تسليم ولا تكبير عمدًا؛ لا

стр. 1105

القَضَاءُ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ، وَلَوِ اقْتَدَى بِهِ إِنْسَانُ فِيهِمَا يُصَلِّي سِرًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ المُؤَدَّى بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ، وَعِنْدَهُمَا: رَكْعَتَيْنِ (*)، لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ خُرُوجُهُ عَنِ الفَرْضِ، وَلَوْ أَفْسَدَهُ المُقْتَدِي، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِالإِمَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ (**)، لِأَنَّ السُّقُوطَ بِعَارِضِ يَخُصُّ الإِمَامَ. يعد ذلك نقصانا في النفل؛ لأنه أحد وجهي الشروع في النفل، وإنما هو نقص في الفرض لا يلزمه القضاء. وقال زفر: يلزمه؛ لأن المظنون مضمون عنده، وقد مر من قبل. (ولو أفسده)؛ أي: أفسد ما شرع فيه وهو الركعتان. قوله: (اعتبارًا بالإمام)؛ لأنه لو صار مضمونًا على المقتدي لصار كاقتداء المفترض على المتنفل، وأنه باطل. كذا في جامع فخر الإسلام، وقاضي خان (١)، وعند أبي يوسف، وينبغي أن يقول: وعند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ بدليل ما تقدم في قوله: (وعندهما: ركعتين). وفي جامع قاضي خان، والكردري: وعندهما يقتضي ركعتين (٢). (لأن السقوط)؛ أي: سقوط القضاء عن الإمام يعارض وهو ظنه الركعة الثالثة، مع أن مقتضى الوجوب ثابت في حقه وهو الشروع، فمن كان أهلًا لتوجه الخطاب نحوه بالنهي عن الإبطال، ومتى قام المقتضى في حق الإمام يجب إظهار حكمه في حق المقتدي، وإن لم يظهر حكمه في حق الإمام بعارض يخصه وهو ظنه، ويجعل هذا العارض معدومًا في حق المقتدي؛ إذ ظنه لا يعد وغيره، فكان بناء المضمون على المضمون في حقه. ونظيره ما ذكره شمس الأئمة في مبسوطه في باب التيمم: أن المتوضئ إذا اقتدى بالمتيمم، ثم أبصر الماء بقرب الإمام والإمام لا يعلم به؛ فسدت صلاة المقتدي دون صلاة الإمام؛ لقيام المقتضي لفساد صلاة الإمام، وهو كون الماء.

стр. 1106

قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَسَهَا فِيهِمَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أُخْرَيَيْنِ لَمْ يَبْنِ) لِأَنَّ السُّجُودَ يَبْطُلُ لِوُقُوعِهِ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ المُسَافِرِ إِذَا سَجَدَ السَّهْوَ ثُمَّ نَوَى الإِقَامَةَ، حَيْثُ يَبْنِي، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْنِ يُبْطِلُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، على قرب منه، ولم يظهر في حق الإمام بعارض وهو جهله بمكان الماء، وظهر في حق المقتدي عملا بالمقتضى بقدر الإمكان (١). وكذا لا يجوز اقتداء الصحيح بالجريح الذي لا يرقأ جرحه، إلا أنه لم يظهر حكم الناقض في حق الإمام، وظهر في حق المقتدي؛ بخلاف ما لو اقتدى بصبي؛ حيث لا يجوز اقتداؤه به عنده؛ لانعدام ما ذكرنا من المقتضى في حق الإمام؛ لانعدام توجه الخطاب نحوه بالنهي عن إبطال العمل. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). ثم فرق أبو يوسف بين هذا الفصل وبين الفصل الأول؛ وهو ما إذا لم يقعد في الرابعة، فإنه قال هناك: يقضي ست ركعات. وفرقه: أنه لما قعد في الرابعة تَمَّ فرضه وصار شارعا في النفل، ومن ضرورته خروجه عن الفرض، فإذا اقتدى به إنسان فإنما التزم ركعتين لا غير، فلا يلزمه بالإفساد إلا قضاء ركعتين. وهناك لم يتم فرضه حتى يصير شارعًا في النفل ويخرج عن الفرض ضرورة؛ بل بطلت الفريضة بترك القعدة، وصارت كلها نفلا، وانعقد إحرامه ابتداء كست ركعات. فإذا اقتدى به إنسان في تحريمة انعقدت للست يصير ملتزمًا لست بالاقتداء؛ فيلزمه بالإفساد قضاء الست. إليه أشار في المحيط (٣)؛ لأن السجود يبطل، يعني على تقدير البناء تقع سجدة السهو في وسط الصلاة وهو غير مشروع. قوله: (بخلاف المسافر): إنما ذكر نية الإقامة بعد سجدة السهو، فإنه لو نوى الإقامة بعد السلام لأجل السهو قبل السجدة؛ لا تصح نيته عندهما خلافًا

стр. 1107

وَمَعَ هَذَا لَوْ أَدَّى صَحَّ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ ويَبْطُل سجود السهو، وهو الصحيح. لمحمد، وهي المسألة التي تلي هذه المسألة، ثم هاهنا تصح نية الإقامة، وإن وقع سجود السهو في وسط الصلاة بخلاف بناء المتطوع؛ لأنه لزمه أربع ركعات حكمًا لنية الإمامة، وفي تركها فساد جميع المأتي به، وفي الاشتغال بها نقض السجود، وهذا أدنى فكان أولى. وأما هاهنا فالركعتان بتحريمتين مستقبلية، وليس في الجمع إلا إحراز فضيلة الدوام، وفيه نقض الواجب، والاحتراز عن نقض الواجب؛ أولى من إحراز غير الواجب. كذا في الفوائد الظهيرية (١). وفي المبسوط: وحقيقة الفرق: أن السلام مُحَلّل، ثم بالعود إلى سجود السهو يعود إلى حرمة الصلاة للضرورة، وهذه الضرورة فيما يرجع إلى إكمال تلك الصلاة لا في صلاة أخرى (٢). ونية الإقامة عملها في وجوب كمال تلك الصلاة، فظهر عود الحرمة في حقها، فأما كل شفع من التطوع فصلاة على حدة، ولم تعد الحرمة في حق صلاة أخرى؛ فلهذا لا يمكنه أن يبني عليها ركعتين، وهذا التعليل يشير إلى أنه لو بنى عليها ركعتين لا يصح، فكان مخالفا لقوله في الكتاب. (ومع هذا)؛ أي: مع كونه لم يبن لو أدى صح لبقاء التحريمة، ولكن شيخ الإسلام والإمام المرغيناني ذكرا ما يوافق رواية الكتاب؛ فقالا: وإن بني على ذلك ينبغي أن يعيد سجدتي السهو؛ لأنه لما بنى حصلت السجدتان في وسط الصلاة، فلا يعتد بهما، فكان عليه الإعادة (٣). وفي جامع البرهاني: اختلف المشايخ فيه، والمختار: أنه يعيد؛ لما ذكرنا (٤).

стр. 1108

(وَمَنْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَنَا السَّهْوِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ سَجَدَ الإِمَامُ كَانَ دَاخِلًا وَإِلَّا فَلَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ دَاخِلٌ سَجَدَ الإِمَامُ أَوْ لَمْ يَسْجُدُ (*)، لِأَنَّ عِنْدَهُ سَلَامُ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ لَا وعن الفقيه أبي جعفر: أنه يجوز أن يبني ولا يعيد السجدة ثانيا؛ لأن الجبر قد حصل. قوله: (ومن سلم … ) إلى آخره: الأصل في هذه المسألة: أن سلام من عليه السهو لا يخرجه عن الصلاة عند محمد وزفر، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يخرجه خروجًا موقوفًا، إن عاد إلى سجود السهو تيين أنه لم يخرجه، وإن لم يعد تبين أنه أخرجه. احتج محمد وزفر: بأنه سلم وقد بقي عليه شيء، والسجدة شرعت لجبر النقصان، وذا لا يكون إلا ببقاء التحريمة، وهما يقولان: السلام محلل في الأصل، قال ﵊: «تحليلها التسليم» (١)، فإذا كان محللا يبقى التحريم الذي يضاده؛ فلذلك لم يبطل عمله إلا للحاجة والضرورة. والضرورة عند أداء السجدة لا عند عدمها، فيتوقف عمله في الحال ثم لما لم يسجد لم توجد الحاجة فعمل المحلل عمله من وقت وجوده، وهو معنى قوله: فلا يظهر دونها؛ أي: دون الحاجة. فإن قيل: ينبغي أن لا يصح الاقتداء وإن عاد إلى السجدة؛ لأن بقاء التحريمة عندهما لضرورة حاجتهم إلى السجدة، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، فلا يظهر في غير ذلك. قلنا: هذه معارضة في موضع الإجماع؛ لأنه جاز الاقتداء بعد العود إجماعًا، وكذا انتقاض الطهارة بعد العود؛ دليل كون السجدة مطلقة لا ضرورة، وفيه تأمل.

стр. 1109

يُخْرِجُهُ عَنْ الصَّلَاةِ أَصْلًا، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي إِحْرَامِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَهُمَا: يُخْرِجُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُفِ، لِأَنَّهُ مُحَلِّلٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَعْمَلُ لِحَاجَتِهِ إِلَى أَدَاءِ السَّجْدَةِ فَلَا يَظْهَرُ دُونَهَا، وَلَا حَاجَةَ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ العَوْدِ، وَيَظْهَرُ الاخْتِلَافُ فِي هَذَا وَفِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِالقَهْقَهَةِ وَتَغَيُّرِ الفَرْضِ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ. أو نقول: سلمنا أن بقاء التحريمة بطريق الضرورة؛ وهو تمكنه من السجود، فيظهر عود التحريمة فيما هو من ضرورات عود التحريمة، وصحة الاقتداء من ضرورات عود التحريمة، وهذا كالحرة تحت عبد، لو قالت لمولاه: أعتق عبدك عني بألف فأعتقه؛ يعتق العبد على المرأة، وينقلب الملك لها فيه اقتضاء، ثم يفسد النكاح ويثبت الولاء لها؛ لأن فساد النكاح من لوازم الملك، وثبوت الولاء لها من لوازم العتق، والشيء متى يثبت بلوازمه، ثم إذا سجد الإمام حتى صار الرجل داخلا في صلاته. فلو سجد مع الإمام ثم قام يقضي ما عليه؛ لم يكن عليه أن يعيد السهو، وإن كان ذلك السهو في وسط الصلاة؛ لأن هذا آخر صلاته حكمًا؛ لأنه آخر صلاة الإمام حقيقة، فيكون آخر صلاته حكمًا تحقيقا للمتابعة، فإن سها الرجل فيما يقضي؛ فعليه أن يسجد للسهو، وسجود الأول مع الإمام لا يجزئه عن سهوه؛ لأن المسبوق فيما يقضي منفرد فالسجود مع الإمام لا ينفع المنفرد عن السهو في صلاته كذا في شرح الطحاوي (١). قوله: (وَتَغَيَّرِ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ)؛ يعني: المسافر إذا نوى الإقامة في هذه الحالة قبل سجود السهو؛ فعنده يتغير فرضه، وعندهما لا يتغير فرضه سواء سجد للسهو أو لا؛ لأنه لو يتغير بالسجود لصحت نيته قبل السجود، ولو صحت لوقعت السجدة في وسط الصلاة ولا يعتد بها، فصار كأنه لم يسجد أصلا، فلو صحت لصحت بلا سجود. ولا وجه له عندهما؛ لأنه يحصل بعد الخروج فلا يتغير فرضه، وكذلك

стр. 1110

(وَمَنْ سَلَّمَ يُرِيدُ بِهِ قَطْعَ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ سَهْوٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِسَهْوِهِ) لِأَنَّ هَذَا السَّلَامَ غَيْرُ قَاطِعٍ، وَنِيَّتُهُ تَغْيِيرُ المَشْرُوعِ فَلَغَتْ. تظهر ثمرة الاختلاف فيمن اقتدى به بنية التطوع، ثم تكلم هذا المقتدي قبل أن يسجد الإمام للسهو؛ لا قضاء على المقتدي، وإن عاد الإمام إلى سجود السهو قبل ضمه. وعند محمد: يلزمه ما بنى. كذا في جامع قاضي خان (١). قوله: (ومن سلم يريد القطع) إلى آخره؛ هذا استبراء تناقضا لحكم المسألة المتقدمة على قولهما؛ لأنه لما ثبت الخروج عن حرمة الصلاة بالسلام بدون نية القطع فبنية القطع أولى. وهاهنا لم يكن السلام قاطعًا، فما وجه الجمع بينهما؟ قلنا: سلام من عليه السهو يخرجه عن حرمة الصلاة بالسجود للسهو؛ ما لم يأت بشيء مناف للصلاة، وتلك الفرضية والصلاحية لا ترتفع بالنية ولا بدون النية، وهي المغنية من التوقف. ثم ذكر في المسألة الأولى الخروج عن حرمة الصلاة عند عدم نية القطع، وذكرها هنا أيضًا انعدام ارتفاع فرضية العود، وصلاحيته عند وجود القطع، فكان فيهما جميعًا ذكر عدم ارتفاع فرضية العود، وصلاحيته إلى حرمة الصلاة بالسجود، فكأنهما متفقان معنى. يؤيد هذا ما ذكر في المحيط: وتبطل نية القطع عندهم جميعًا، أما عند محمد؛ فلأن هذا لم يشرع محللا، فلا يصير محللا بقصده؛ إذ ليس إلى العبد تغير المشروع. وأما عندهما هذا السلام اعتبر محللا على سبيل التوقف، فمتى قصد أن يجعلهما محللا على سبيل الثبات؛ بحيث لو أتى بالسجود لا يعود إلى حرمة الصلاة؛ فقد قصد بغير المشروع، فيرد عليه قصده (٢). وقد ذكر في أنه يسجد للسهو مطلقا، ولكن شرط في الأصل شرطًا زائدا؛ فقال: إذا سلم وهو لا يريد أن يسجد للسهو؛ لم يكن تسليمه ذلك

стр. 1111

(وَمَنْ شَكٍّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا عَرَضَ لَهُ قطعًا، حتى لو بدا له أن يسجد للسهو وهو في مجلسه ذلك، قبل أن يقوم وقبل أن يتكلم؛ فإنه يسجد للسهو (١)، فكان هذا إشارة إلى أنه متى قام عن مجلسه فاستدبر القبلة؛ لا يأتي بسجود السهو وإن لم يخرج عن المسجد. وذكر بعد هذه المسألة في الأصل: أنه يأتي بهما قبل أن يتكلم ويخرج من المسجد (٢)، وإن مشى وانحرف عن القبلة، وبه قال مشايخنا، ونيته تغيير المشروع فكفت. فإن قيل: نيته الشرك يصير مشركًا من ساعته، وإن كانت نيته مغيرة لا شرع المشروعات. قلنا: النية بوصف التجرد لا تأثير لها في إبطال ما يتوقف تحققه على النية وعمل الجوارح، والصلاة بهذه المثابة، بخلاف الإيمان؛ فإنه لا يفتقر إلى عمل الجوارح على اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي ﵀؛ فإن عنده التصديق بالجنان يكفي لذلك، ولكن بقي فيه نوع إشكال؛ وهو أن النية هاهنا لم توجد مجردة من عمل الجوارح؛ لاقترانها بالتسليم الذي هو تحليل، لا سيما على قولهما؛ بل الجواب: أن النية المقرونة بالعمل إنما تعمل؛ إذا لم يكن ذلك المقرون به النية مستحقا عليه زمان اقترانها به، والسلام زمان اقتران النية مستحق عليه؛ لأنه يجب عليه أن يسلم حتى يتمكن من سجود السهو، فلا يعمل إن كانت النية مجردة عن العمل على هذا التقدير. كذا في الفوائد الظهيرية (٣). قوله: (أول ما عرض له): اختلف المشايخ فيه؛ قال الفضيلي: أول ما سها في هذه الصلاة، وقال أكثر المشايخ: أول ما سها في عمره. كذا في فتاوى الظهيرية (٤).

стр. 1112

اسْتَأْنَفَ) لِقَوْلِهِ ﵊: وفي المبسوط: المراد أن السهو ليس بعادة له، لا أنه لم يَسْهُ في عمره (١). (استأنف)؛ أي: الصلاة للحديث المذكور، ولأن بالاستقبال يخرج عن العهدة بيقين، كما لو شك في أصل الصلاة أنه صلى أو لم يصل وهو في الوقت، وكما لو ترك صلاة واحدة من يوم وليلة ولا يدري أي صلاة هي؛ فإنه يصلي خمسا حتى يخرج عن العهدة بيقين، وإن كان يعرض له كثيرًا -أي غالب أحواله - ذلك؛ فكلما أعاد شك. كذا قاله الكرخي (٢). وقال شيخ الإسلام: معناه أن يسهو في صلاة واحدة مرتين (٣). وقيل: مرتين في عمره. وقيل: مرتين في سنة. التحري: طلب أحرى الأمرين وهو أولاهما ينقل منه. وقال الشافعي (٤)، ومالك (٥): يبني على الأقل ولا يستقبل في هذه الأحوال كلها، وبه قال مالك وأحمد في المنفرد. وعن أحمد ﵁ في الإمام روايتان: أحدهما: أن يبني على الأقل. والثانيه: أنه يبني على غالب الظن ويسجد للسهو (٦). احتج الشافعي بما روى أبو سعيد الخدري ﵁، أنه ﵊

стр. 1113

«إِذَا شَكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْتَقْبِل الصَّلَاةَ» (وَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ كَثِيرًا بَنَى عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ شَكٍّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ» (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ بَنَى عَلَى اليَقِينِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ شَكٍّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا … ... … .. قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا فليُلْقِ الشك وليبن على اليقين» (١)، فقد أمرنا بالبناء على اليقين ولم يفصل، والمعنى: أن هذا سهو لو تكرر منه لم يوجب الاستقبال؛ فكذا إذا وجد أول مرة، ولأن الإجماع في هذه المسألة يبني على اليقين. أما عندكم فيستأنف؛ لأن فيه خروج بيقين، فالبناء على الأقل أولى؛ لأن فيه صيانة الصلاة عن القطع، وفي الاستقبال قطع، والصلاة تصان عن القطع ما أمكن مع أن فيه إبطال العمل. ولنا: الحديث المذكور في الكتاب، والمعنى فيه: أنه قدر على إسقاط ما عليه بيقين بلا مشقة؛ فلزمه ذلك قياسًا على ما ذكرنا من المسألتين. وإنما قلنا: أنه قدر على إسقاط ما عليه بيقين؛ لأنه متى استقبل يتحقق الإسقاط يقينا، ومتى بنى على الأقل لا يصير خارجًا عما عليه بيقين؛ لأنا نفرض الكلام فيما إذا شك أنه صلى أربعًا أو خمسًا أو كم صلى، فلو قلنا بأنه يبني على الأقل لا يخرج عما عليه بيقين؛ لاحتمال أنه صلى خمسا، وبترك القعدة الأخيرة والاستئناف يخرجه بيقين وهو قادر عليه بلا مشقة؛ لأنه لم يعتد هذا، فالظاهر: أنه إذا استقبل لا يقع له هذا الشك في المرة الثانية، وكان القياس فيما تكرر منه السهو أن يستقبل ولا يتحرى حتى يخرج عما عليه بيقين، إلا أنا لو أمرناه بالاستقبال يقع له هذا الشك في الاستقبال؛ لأن الشك صار عادة له، فيتعذر عليه المضي في الصلاة؛ فلهذا يتحرى ويسقط عنه الاستقبال. وحديث ابن مسعود محمول على ما إذا تكرر منه؛ بدليل ما روينا، نفيًا للتناقض وجمعا بين الأحاديث بقدر الإمكان.

стр. 1114

بَنَى عَلَى الأَقَلِّ وَالِاسْتِقْبَالُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ عُرِفَ مُحَلِّلًا دُونَ الكَلَامِ، وأما قوله: فإن البناء على الأقل صيانة للصلاة عن القطع، ولكن مع وهم الفساد كما ذكرنا، وفي الاستقبال: يزول وهم الفساد فكان أولى. وقوله: هذا سهو لو تكرر منه لم يوجب الاستقبال. قلنا: القياس فيما يتكرر، واعتاد ذلك، لكن لو قلنا بأنه يستقبل ربما يعجز عن ذلك كما ذكرنا. كذا في المبسوطين (١). وقوله: مع أن فيه إبطال العمل؛ فيه إصلاح العمل بيقين، ففي الاستقبال: إصلاح لا إبطال، مع أن الإبطال يجوز للإكمال كما مر. (بني على الأقل)؛ صورته: شك في ركعة وركعتين؛ بنى على ركعة، ولو شك في الثلاث والأربع؛ بنى على الثلاث ويتم صلاته على ذلك، وعليه أن يتشهد عقيب الركعة التي يقع شكه فيها؛ لأنها آخر صلاته احتياطا، ثم يقوم ويضيف إليه أخرى، ويتشهد ويسجد للسهو بعد السلام. وفي الْمُجْتَبى: بنى على الأقل؛ أي: يأخذ بالأقل، لكن يقعد حتمًا في كل موضع توهم أنه آخر صلاته، وفي القعدة الأولى اختلاف المشايخ، حتى إن من شك في قيام ذوات الأربع أنها الثالثة أو الرابعة؛ يأتي بركعتين بقعدتين، ولو شك أنها الثانية أو الثالثة أو الرابعة؛ فثلاث ركعات بثلاث قعدات. ولو شك أنها الأولى أم الثانية أم الثالثة أم الرابعة؛ فأربع ركعات بأربع قعدات، ولو شك في الخمس؛ يجلس بعد الركوع فيتشهد ثم يسجد سجدتين، ثم يتشهد، ثم ثلاث ركعات بثلاث قعدات، ولو كان الشك في الخمس بعد السجود فسدت، وكذا في الرابع والخامس إلا إذا ذكر أنه ترك سجدتين من ركعة وركوعًا (٢). ولو سلم المصلي عمدًا؛ قيل: تفسد، وقيل: لا حتى يقصد به خطاب آدمي.

стр. 1115

ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ يَلْغُو، وَعِنْدَ البِنَاءِ عَلَى الأَقَلِّ يَقْعُدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَتَوَهَّمُ آخِرَ صَلَاتِهِ كَيْ لَا يَصِيرَ تَارِكًا فَرْضَ القَعْدَةِ. ولو سلم في الفجر بعد ما سجد للسهو، ثم ذكر أن عليه سجدة صلبية من الركعات الأولى؛ فسدت، ومن الثانية لا تفسد؛ لأن الأولى وجدت دينا في الذمة، فلا ينوب السهو عنها إلا بالنية بخلاف الثانية. وعند أبي يوسف: لا ينوب في الحالين. والاستقبال بالسلام؛ أي: في صورة الاستقبال قطع صلاته بالسلام أولى. لأنه؛ أي: السلام عرف محللا شرعًا لا الكلام. (ومجرد النية)؛ أي: نفس النية لقطع الصلاة بلا اقتران السلام غير كافية؛ لما ذكرنا قبل هذا؛ أن النية بوصف التجرد لا تأثير لها في الشيء الذي يتوقف تحققه على النية وعلى عمل الجوارح، وقطع الصلاة من هذا القبيل، فلا يثبت بمجرد النية. فروع شك في صلاته أنه صلاها أم لا؛ فإن كان في الوقت يعيد، ولو شك خارج الوقت؛ لا يعيدها. شك في ركوع وسجود؛ إن كان قعد يأتي بهما وبعد الخروج منها؛ فالظاهر أنه لم يتركهما. شك في الحدث وأيقن بالطهارة؛ فهو متطهر، وبالعكس؛ محدث. شك في بعض وضوءه وهو أول ما عرض له؛ غسل ذلك الموضع، وإن كان يعرض له كثيرا؛ لا يلتفت إليه. وكذا لو شك أنه كبر للافتتاح، فإن كان أول ما عرض له؛ استقبل، وإن كثر وقوعه؛ يمضي. صلى بقوم شهرًا، ثم قال لهم: صليت على غير وضوء لا يصدق، ولو غلب على ظنهم صدقه؛ يجب عليهم القضاء. قام المسبوق لقضاء ما سبق، ثم تذكر الإمام أن عليه السهو فيسجد،

стр. 1116

باب صلاة المريض (إِذَا عَجَزَ المَرِيضُ عَنِ القِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فالمسبوق إن لم يقيد ركعته بالسجدة يتابعه. ولو قيد المسبوق ركعته بالسجدة، ثم تذكر الإمام أن عليه سجدة التلاوة فعاد فسجدها، فإن عاد المسبوق إلى متابعته؛ فسدت صلاته، وإن مضى على صلاته؛ ففي فسادها روايتان. وفي الروضة: فالواجب على المسبوق بعد صلاة الإمام القعود، ولم يقم إلى قضاء ما سبق؛ حتى يوجد من الإمام ما يفسد صلاته من الانحراف والكلام، والشروع في صلاة أخرى؛ كيلا يقع المسبوق فيما ذكرنا. كذا في شرح المجمع (١). باب صلاة المريض ذكرها عقيب سجود السهو؛ لأن كل واحدٍ منهما من العوارض السماوية، إلا أن الأول أكثر وقوعًا وأعم موقعًا؛ لأنه يتناول صلاة المريض والصحيح فقدمه؛ لشدة مساس الحاجة إلى بيانه. وإما لأن السهو تقصير، وله جبر بقدر الإمكان، فأتبعه صلاة المريض؛ لأنها صلاة مع قصور شرعت بقدر الإمكان، وأنه من باب إضافة الفعل إلى فاعله أو إلى محله كتحرك الخشب، وأنه شائع كقولهم: جرح زيد لا يندمل. كذا في البدرية (٢). وتفسير المرض مذكور في الأصول. قوله: (إذا عجز المريض … ) إلى آخره؛ لم يرد بهذا العجز؛ العجز أصلا، بحيث لا يمكنه القيام بأن يصير مقعدًا؛ بل عجزًا يقدر على القيام، إلا أنه يضعفه ضعفًا شديدًا، أو يجد وجعًا. كذا في المحيط (٣). وقيل: بحال لو قام سقط من ضعف، أو دوران رأس.

стр. 1117

وَالسَّلَامُ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: وقيل: بحيث يصير صاحب فراش. وقيل: ما يبيح الإفطار به. وقيل: ما يبيح التيمم به. وقيل: ما يعجزه عن القيام بحوائجه. وأصح الأقاويل: أن يلحقه بالقيام ضرر. كذا ذكره التمرتاشي (١). وفي الفتاوى الظهيرية: وعليه الفتوى (٢). وعن أبي جعفر الهندواني: لو قدر على بعض القيام ولو قدر آية أو تكبيرة؛ يقوم ذلك القدر، وإذا عجز قعد، وإن لم يفعل ذلك خفت أن تفسد صلاته، هذا هو المذهب ولا يروى عن أصحابنا خلافه. وكذا إن عجز عن القعود وقدر على الاتكاء أو الاستناد إلى إنسان أو حائط أو وسادة؛ لا تجزيه إلا كذلك، ولو استلقى لا يجزيه خصوصًا على قولهما؛ فإنهما يجعلان قدرته على الوضوء بغيره كقدرته بنفسه، فكذا هنا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣). وفي المبسوط: فرق بين هذا وبين الصوم، فإن المريض إذا كان قادرا على الصوم في بعض اليوم ثم عجز؛ فإنه لا يصوم أصلا، وهاهنا يصلي قائما بقدر ما قدر. والفرق: أنه لما أفطر في آخر اليوم؛ لم يكن فعله معتدًا به في أول اليوم فلا يشتغل به، وفي الصلاة قيامه في أولها؛ يكون معتدًا به وإن قعد في آخرها (٤). وفي المحيط، والمجتبى: لو تكلف المريض الخروج إلى الجماعة، فعجز

стр. 1118

«صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الجَنْبِ تُومِيُّ إِيمَاءً»؛ وَلِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَا إِيمَاءَ) يَعْنِي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ عن القيام؛ قيل: لا يخرج؛ مخافة فوت الركن (١). والأصح: أن يخرج؛ لأن الغرض القدرة على الاقتداء. وفي الخلاصة: وعليه الفتوى (٢). والأصل فيه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، قال ابن مسعود، وجابر، وابن عمر ﵃: الآية نزلت في الصلاة؛ أي: قياما إن قدروا، أو قعودا إن عجزوا عنه، وعلى جنوبهم إن عجزوا عن القعود. وقوله ﵊ لعمران بن حصين: «صل قائما … » الحديث (٣)، روي أنه كان به باسور، فدخل عليه النبي ﵊ ليعوده فقال: «صل قائما … » الحديث (٤). وروي أنه لما مرض كانت الملائكة يحضرونه ويصافحونه (٥)، فلما صح انقطع عنه حضورهم، فتأسف من ذلك، ولأن الطاعة بحسب الطاقة، والشرع رفع عن المتعسر؛ كما رفع عن المتعذر. (أومى) أصله (أومأ) بالهمز، لينت همزته. ولم تذكر في الأصل ما إذا قدر على القعود مستويا وقدر عليه متكئًا أو مستندا إلى إنسان أو حائط؛ قال مشايخنا ينبغي أن يصلي قاعدًا مستندا، ولا يجزئه أن يصلي مضطجعًا، وهو نظير ما ذكرنا في القيام. كذا في المحيط (٦). فإن قيل: إذا قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود؛ ينبغي أن لا

стр. 1119

مِثْلُهُ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا (وَلَا يَرْفَعُ إِلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنْ قَدَرْت أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ وَإِلَّا فَأَوْمِي بِرَأْسِكَ» فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ يَخْفِضُ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ، لِوُجُودِ الإِيمَاءِ، فَإِنَّ وَضْعَ ذَلِكَ عَلَى جَبْهَتِهِ لَا يُجْزِئُهُ لِانْعِدَامِهِ (فَإِنْ لَمْ يسقط عنه فرض القيام ويصلي قائمًا، يومئ بالركوع والسجود، وهو قول الشافعي (١)؛ لحديث عمران بن حصين؛ فإنه نقل الحكم من القيام إلى القعود بشرط العجز عن القيام. قلنا: ذلك محمول على ما إذا كان قادرًا على الركوع والسجود حالة القيام؛ بدليل أنه ذكر الإيماء حال ما يصلي على الجنب؛ دل أن المراد بحالة القيام القدرة على الأركان. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). (لأنه)؛ أي: الإيماء. (فأقيم مقامهما)؛ أي: الركوع والسجود، فأخذ حكمهما، فيكون السجود أخفض من الركوع، وبه قال الشافعي (٣)؛ لقوله ﵊، روي أنه ﵊ دخل على مريض يعوده، فوجده يصلي كذلك؛ فقال له: «إن قدرت». وروي أن ابن مسعود دخل على أخيه عقبة يعوده، فوجده يصلي، ويرفع إليه عود يصلي عليه ويسجد عليه، فنزع ذلك من يد من كان في يده، وقال: هذا شيء عرض لكم الشيطان، فأَوْمِ بسجودك. (أجزأه)؛ أي: يخفضه للركوع والسجود، لا توضع الرأس على العود. (لانعدامه)؛ أي: لانعدام الإيماء. وفي الْمُجْتَبى: كيفية الإيماء بالركوع والسجود مشتبهة علي؛ في أنه يكفي

стр. 1120

يَسْتَطِعِ القُعُودَ بعض الانحناء أم أقصى ما يمكن، فظفرت على الرواية؛ فإنه ذكر شيخ الإسلام: المومئ إذا خفض رأسه للركوع شيئًا ثم للسجود؛ جاز، ولو وضع بين يديه وسائد فألصق جبهته بها، فإن وجد أدنى الانحناء؛ جاز، وإلا فلا. وكذا في التحفة (١). وفي المبسوط: لو كانت الوسادة على الأرض وسجد عليها؛ جازت صلاته؛ لأن أم سلمة فعلت هكذا، ولم يمنعها النبي ﵊ (٢). وقال أبو بكر: إذا كان بجبهته أو أنفه عذر؛ يصلي بالإيماء، ولا يلزمه تقريب الجبهة إلى الأرض بأقصى ما يمكنه، وهذا نص في الباب (٣). وفي المحيط: لو كان على جبهته عذر دون الأنف؛ لم يجزه الإيماء، ويسجد على أنفه؛ لأنه كالجبهة (٤). ثم اختلف في قعود المريض؛ فعن أبي حنيفة ﵀: يتربع، وهو قولهما رواه الحسن عنه، وبه قال مالك (٥)، وأحمد (٦)، والشافعي في قول (٧)، فإذا أراد الصلاة والركوع جلس كجلوسه في الصلاة. ووجهه: أن الركوع والسجود ركنان مختلفان، فإذا انتقل إلى بدلهما وجب أن [لا] (٨) يخالف بين البدلين في الهيئة كما يختلفان في الأصل. كذا في شرح الإرشاد، وفيه نوع تأمل.

стр. 1121

اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى القِبْلَةِ وَأَوْمَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يُصَلِّي المَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، … ... … ... … ... والأولى: أن يتمسك فيه بما روي أنه ﵊ لما صلّى جالسًا تَرَبَّع (١). وعن أبي حنيفة: أنه يجلس كجلوس الصلاة، وهو قول زفر؛ لأن هذه جلسة في الصلاة، فتعتبر بجلسة الصحيح، وبه أفتى أبو الليث. وفي الأصل: يقعد كيف يشاء (٢)، وبه قال الشافعي في قول؛ لأن المرض سبب التخفيف له في القعود بترك هيئته. وعنه أنه يحتبي، وعند الشافعي: الاحتباء مكروه (٣). وعن الشافعي -وهو قول عمر، وابنه، وسعيد ابن جبير، وآخرين-: أنه يفترش (٤)، وهو رواية عن زفر. قوله: (استلقى على ظهره)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٥). وفي البدرية: أراد بهذا أن يوضع له وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد؛ ليتمكن من الإيماء بالركوع والسجود؛ إذ حقيقة الاستلقاء تمنع الأصحاء عن الإيماء فكيف بالمرضى؟ (٦). وقال الشافعي: يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع استلقى على ظهره ويستقبل القبلة برجليه (٧)، … ... … ... … ...

стр. 1122

فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إِيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ وبه قال مالك (١)، وأحمد (٢)؛ لحديث عمران بن الحصين، ولأنه لو اضطجع على جنبه يكون وجهه إلى القبلة فهو أولى، كما إذا احتضر وجه إلى القبلة على شقه الأيمن، وكذا في القبر. وقال علماؤنا، وأبو علي من أصحاب الشافعي (٣): استلقى؛ لما روي عن عبد الله بن عمر، أنه ﵊ قال: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قفاه» (٤)، ولأن الشرط أن يصلي إلى القبلة، والصلاة بالإيماء حالة فعل من الإيماء، والإيماء إنما يقع إلى الكعبة فيما قلنا؛ ألا ترى أنه لو حققه كذلك كان سجودًا إلى القبلة، وعلى ما قاله الخصم لو حققه كان إلى يسار الكعبة. وإنما يقع توجه البدن إلى الكعبة، والشرط أداء الصلاة إلى الكعبة لا البدن بدون الأداء، فالخصم مال إلى ظاهر التوجه ببدنه كما في الميت، ونحن إلى التوجه مصلّيًا، وهذا أولى؛ لأنه شرط الصلاة وما به من العجز على شرف الزوال، بخلاف ما إذا احتضر وما بعد الموت؛ لأنه ليس حالة الصلاة. وحديث عمران ابن الحصين؛ قيل: كان به باسور فلا يمكنه أن يستلقي على قفاه. وقيل: معنى قوله ﵊: «فَعلَى الجَنْبِ» (٥)؛ أي: ساقطا على الأرض، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: سقطت، والمستلقي ساقط على الأرض. كذا في المبسوطين والأسرار (٦)؛ لما روينا، وهو حديث عمران ابن الحصين، إلا أنّ الأولى، أي: الرواية أو الهيئة أو

стр. 1123

العُذْرِ مِنهُ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَلْقَى عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إِلَى القِبْلَةِ فَأَوْمَا جَازَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، إِلَّا أَنَّ الأُولَى هِيَ الأَوْلَى عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ إِشَارَةَ المُسْتَلْقِي تَقَعُ إِلَى هَوَاءِ الكَعْبَةِ، وَإِشَارَةَ المُضْطَجِعِ عَلَى جَنْبِهِ إِلَى جَانِبِ قَدَمَيْهِ، وَبِهِ تَتَأَدَّى الصَّلاة. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ أُخْرَتِ الصَّلَاةُ عَنْهُ، وَلَا يُؤْمِيُّ بِعَيْنِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) خِلَافًا لَزُفَرَ (*) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَلِأَنَّ نَصْبَ الإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ الفعلة الأولى أولى؛ يعني: لما تعارض النصّان والحالة حالة العذر؛ جاز كل منهما، إلا أن الاستلقاء أولى؛ لما ذكر في الكتاب، ولأن ما روينا محكم، وحديث عمران محتمل كما ذكرنا، والعمل بالمحكم أولى. قوله: (خلافا لزفر)؛ فإنه قال: يومئ بحاجبيه، فإن عجز فبعينيه، فإن عجز فبقلبه؛ لوجود فهم الخطاب، وسبب الوجوب، وصلاحية الذمة، وهو وسع مثله (١). وقال الحسن: بحاجبيه وقلبه؛ لأنه وسع مثله. وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣): يومئ بعينيه، فإن عجز فبقلبه؛ لأنه وسع مثله، ولما روي عن علي ﵁، أنه ﵊ قال: «فإن لم يستطع القُعود أومأ، وجعل سجودَهُ أخفض من الركوع» (٤)، فإن لم يستطع؛ فعلى جنبه الأيمن مستقبل القبلة وأومأ بطرفه، ويعيد إذا صح في قول الكل. ولنا: حديث عمران بن حصين وابن عمر ﵃، وهو قوله ﵊: «فالله تعالى أحقُّ بقبولِ العُذْرِ مِنهُ» (٥)، ولأن فرض السجود تعلق

стр. 1124

مُمْتَنِعٌ، وَلَا قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنُ الصَّلَاةِ دُونَ العَيْنِ وَأُخْتَيْهَا. وَقَوْلُهُ: «أُخْرَتْ عَنْهُ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ العَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِذَا كَانَ مُفِيقًا، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يَفْهَمُ مَضْمُونَ الخِطَابِ، بِخِلَافِ بالرأس دون العين والقلب والحاجب؛ فلا ينتقل إليهم كاليد، واعتبارًا بالصوم والحج حيث لا ينتقلان إلى القلب بالعجز، ولأن الإيماء بالرأس إنما عرف صلاة شرعًا بخلاف القياس؛ بدليل أن التطوع حالة الاختيار لا يوجد به، والتطوع أصل الصلاة، وما شرع بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره. ولا إيماء بالعين؛ بل إيحاء؛ أي: إشارة بالقلب نية، والصلاة لا تتأدى بمجرد النية. وعن أبي يوسف: أنه يومئ بعينيه عند عجزه ولا يومئ بقلبه. وسئل محمد عن ذلك؛ فقال: لا أشك أن الإيماء بالرأس يجوز، ولا أشك أن الإيماء بالقلب لا يجوز، وأشك أن الإيماء بالعينين هل يجوز. كذا في المبسوطين، والمحيط (١)، وما رويناه شاذ ومعارض بما روينا من الحديثين. قوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول شيخ الإسلام، وفخر الإسلام، وقاضي خان؛ فإنهم قالوا: الصحيح أنه يسقط (٢)، وبه قال مالك (٣). وفي الفتاوى الظهيرية: وهو ظاهر الرواية، وعليه الفتوى؛ لأن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب، [فإنّ محمدا ذكر في النوادر (٤): من قطعت يداه إلى المرفقين ورجلاه إلى الساقين؛ لا صلاة عليه، فعلم أن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب] (٥).

стр. 1125

المُغْمَى عَلَيْهِ. قَالَ: (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى القِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لَمْ يَلْزَمُهُ القِيَامُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إِيمَاءً) لِأَنَّ رُكْنِيَّةَ القِيَامِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إِلَى السَّجْدَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ وفي المحيط: قال بعض المشايخ لو كانت أكثر من يوم وليلة لا يجب عليه القضاء، وإن كان أقل من ذلك فعليه القضاء كالجنون والإغماء (١)، وهو الصحيح. فعلى هذا: معنى قوله ﵊: «أحق بقبول العذر» (٢)؛ أي: عذر السقوط. وفي مختصر الكرخي: لا يسقط عنه الفرض؛ لوجود فهم الخطاب، وسبب الوجوب، وصلاحية الذمة، واختاره صاحب الكتاب؛ فقال: (وهو الصحيح) إلى آخره، فعلى هذا: معنى قوله ﵊: «أحقُّ بقبولِ العُذْرِ» (٣)؛ أي: عذر التأخير (٤). وفي مسألة: من قطعت يداه ورجلاه؛ في ظاهر الرواية يجب عليه الصلاة، ويجب في الوضوء غسل موضع القطع في اليدين والرجلين. كذا في فتاوى الولواجي (٥). قوله: (يصلي قاعدا يومئ إيماء)، هذا لبيان الأفضلية؛ فإنه قال أبو بكر: لو صلّى قائما؛ يومئ بالركوع والسجود كما قال زفر، والشافعي أجزأه (٦)؛ لحديث عمران بن الحصين وابن عمر (٧)؛ لأن القيام ركن فلا يسقط بالعجز عن أداء ركن آخر.
следующие страницы →