اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى القِبْلَةِ وَأَوْمَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يُصَلِّي المَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، … ... … ... … ...
والأولى: أن يتمسك فيه بما روي أنه ﵊ لما صلّى جالسًا تَرَبَّع (١).
وعن أبي حنيفة: أنه يجلس كجلوس الصلاة، وهو قول زفر؛ لأن هذه جلسة في الصلاة، فتعتبر بجلسة الصحيح، وبه أفتى أبو الليث.
وفي الأصل: يقعد كيف يشاء (٢)، وبه قال الشافعي في قول؛ لأن المرض سبب التخفيف له في القعود بترك هيئته.
وعنه أنه يحتبي، وعند الشافعي: الاحتباء مكروه (٣).
وعن الشافعي -وهو قول عمر، وابنه، وسعيد ابن جبير، وآخرين-: أنه يفترش (٤)، وهو رواية عن زفر.
قوله: (استلقى على ظهره)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٥).
وفي البدرية: أراد بهذا أن يوضع له وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد؛ ليتمكن من الإيماء بالركوع والسجود؛ إذ حقيقة الاستلقاء تمنع الأصحاء عن الإيماء فكيف بالمرضى؟ (٦).
وقال الشافعي: يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع استلقى على ظهره ويستقبل القبلة برجليه (٧)، … ... … ... … ...
стр. 1122
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إِيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ
وبه قال مالك (١)، وأحمد (٢)؛ لحديث عمران بن الحصين، ولأنه لو اضطجع على جنبه يكون وجهه إلى القبلة فهو أولى، كما إذا احتضر وجه إلى القبلة على شقه الأيمن، وكذا في القبر.
وقال علماؤنا، وأبو علي من أصحاب الشافعي (٣): استلقى؛ لما روي عن عبد الله بن عمر، أنه ﵊ قال: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قفاه» (٤)، ولأن الشرط أن يصلي إلى القبلة، والصلاة بالإيماء حالة فعل من الإيماء، والإيماء إنما يقع إلى الكعبة فيما قلنا؛ ألا ترى أنه لو حققه كذلك كان سجودًا إلى القبلة، وعلى ما قاله الخصم لو حققه كان إلى يسار الكعبة.
وإنما يقع توجه البدن إلى الكعبة، والشرط أداء الصلاة إلى الكعبة لا البدن بدون الأداء، فالخصم مال إلى ظاهر التوجه ببدنه كما في الميت، ونحن إلى التوجه مصلّيًا، وهذا أولى؛ لأنه شرط الصلاة وما به من العجز على شرف الزوال، بخلاف ما إذا احتضر وما بعد الموت؛ لأنه ليس حالة الصلاة.
وحديث عمران ابن الحصين؛ قيل: كان به باسور فلا يمكنه أن يستلقي على قفاه.
وقيل: معنى قوله ﵊: «فَعلَى الجَنْبِ» (٥)؛ أي: ساقطا على الأرض، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: سقطت، والمستلقي ساقط على الأرض. كذا في المبسوطين والأسرار (٦)؛ لما روينا، وهو حديث عمران ابن الحصين، إلا أنّ الأولى، أي: الرواية أو الهيئة أو
стр. 1123
العُذْرِ مِنهُ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَلْقَى عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إِلَى القِبْلَةِ فَأَوْمَا جَازَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، إِلَّا أَنَّ الأُولَى هِيَ الأَوْلَى عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ إِشَارَةَ المُسْتَلْقِي تَقَعُ إِلَى هَوَاءِ الكَعْبَةِ، وَإِشَارَةَ المُضْطَجِعِ عَلَى جَنْبِهِ إِلَى جَانِبِ قَدَمَيْهِ، وَبِهِ تَتَأَدَّى الصَّلاة.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ أُخْرَتِ الصَّلَاةُ عَنْهُ، وَلَا يُؤْمِيُّ بِعَيْنِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) خِلَافًا لَزُفَرَ (*) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَلِأَنَّ نَصْبَ الإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ
الفعلة الأولى أولى؛ يعني: لما تعارض النصّان والحالة حالة العذر؛ جاز كل منهما، إلا أن الاستلقاء أولى؛ لما ذكر في الكتاب، ولأن ما روينا محكم، وحديث عمران محتمل كما ذكرنا، والعمل بالمحكم أولى.
قوله: (خلافا لزفر)؛ فإنه قال: يومئ بحاجبيه، فإن عجز فبعينيه، فإن عجز فبقلبه؛ لوجود فهم الخطاب، وسبب الوجوب، وصلاحية الذمة، وهو وسع مثله (١).
وقال الحسن: بحاجبيه وقلبه؛ لأنه وسع مثله.
وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣): يومئ بعينيه، فإن عجز فبقلبه؛ لأنه وسع مثله، ولما روي عن علي ﵁، أنه ﵊ قال: «فإن لم يستطع القُعود أومأ، وجعل سجودَهُ أخفض من الركوع» (٤)، فإن لم يستطع؛ فعلى جنبه الأيمن مستقبل القبلة وأومأ بطرفه، ويعيد إذا صح في قول الكل.
ولنا: حديث عمران بن حصين وابن عمر ﵃، وهو قوله ﵊: «فالله تعالى أحقُّ بقبولِ العُذْرِ مِنهُ» (٥)، ولأن فرض السجود تعلق
стр. 1124
مُمْتَنِعٌ، وَلَا قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنُ الصَّلَاةِ دُونَ العَيْنِ وَأُخْتَيْهَا. وَقَوْلُهُ: «أُخْرَتْ عَنْهُ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ العَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِذَا كَانَ مُفِيقًا، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يَفْهَمُ مَضْمُونَ الخِطَابِ، بِخِلَافِ
بالرأس دون العين والقلب والحاجب؛ فلا ينتقل إليهم كاليد، واعتبارًا بالصوم والحج حيث لا ينتقلان إلى القلب بالعجز، ولأن الإيماء بالرأس إنما عرف صلاة شرعًا بخلاف القياس؛ بدليل أن التطوع حالة الاختيار لا يوجد به، والتطوع أصل الصلاة، وما شرع بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره.
ولا إيماء بالعين؛ بل إيحاء؛ أي: إشارة بالقلب نية، والصلاة لا تتأدى بمجرد النية.
وعن أبي يوسف: أنه يومئ بعينيه عند عجزه ولا يومئ بقلبه.
وسئل محمد عن ذلك؛ فقال: لا أشك أن الإيماء بالرأس يجوز، ولا أشك أن الإيماء بالقلب لا يجوز، وأشك أن الإيماء بالعينين هل يجوز. كذا في المبسوطين، والمحيط (١)، وما رويناه شاذ ومعارض بما روينا من الحديثين.
قوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول شيخ الإسلام، وفخر الإسلام، وقاضي خان؛ فإنهم قالوا: الصحيح أنه يسقط (٢)، وبه قال مالك (٣).
وفي الفتاوى الظهيرية: وهو ظاهر الرواية، وعليه الفتوى؛ لأن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب، [فإنّ محمدا ذكر في النوادر (٤): من قطعت يداه إلى المرفقين ورجلاه إلى الساقين؛ لا صلاة عليه، فعلم أن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب] (٥).
стр. 1125
المُغْمَى عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى القِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لَمْ يَلْزَمُهُ القِيَامُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إِيمَاءً) لِأَنَّ رُكْنِيَّةَ القِيَامِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إِلَى السَّجْدَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ
وفي المحيط: قال بعض المشايخ لو كانت أكثر من يوم وليلة لا يجب عليه القضاء، وإن كان أقل من ذلك فعليه القضاء كالجنون والإغماء (١)، وهو الصحيح.
فعلى هذا: معنى قوله ﵊: «أحق بقبول العذر» (٢)؛ أي: عذر السقوط.
وفي مختصر الكرخي: لا يسقط عنه الفرض؛ لوجود فهم الخطاب، وسبب الوجوب، وصلاحية الذمة، واختاره صاحب الكتاب؛ فقال: (وهو الصحيح) إلى آخره، فعلى هذا: معنى قوله ﵊: «أحقُّ بقبولِ العُذْرِ» (٣)؛ أي: عذر التأخير (٤).
وفي مسألة: من قطعت يداه ورجلاه؛ في ظاهر الرواية يجب عليه الصلاة، ويجب في الوضوء غسل موضع القطع في اليدين والرجلين. كذا في فتاوى الولواجي (٥).
قوله: (يصلي قاعدا يومئ إيماء)، هذا لبيان الأفضلية؛ فإنه قال أبو بكر: لو صلّى قائما؛ يومئ بالركوع والسجود كما قال زفر، والشافعي أجزأه (٦)؛ لحديث عمران بن الحصين وابن عمر (٧)؛ لأن القيام ركن فلا يسقط بالعجز عن أداء ركن آخر.
стр. 1126
نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لَا يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الإِيمَاءُ قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ.
(وَإِنْ صَلَّى الصَّحِيحُ بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ، يُتِمُّهَا قَاعِدًا
ولنا: أن ركنية القيام للتوسل إلى السجدة؛ لأن معنى الصلاة الخضوع والخشوع، وأصله يوجد في القيام، ويزداد بالركوع، ويتناهى بالسجود؛ ولهذا كان السجود معتبرًا بدون القيام كما في سجدة التلاوة، والقيام لم يشرع بدونه، فكان القيام كالتابع للسجود، فإذا سقط الأصل سقط التابع فيتخير، ولأن بالإيماء قاعدًا تصير رأسه أقرب إلى الأرض من الإيماء قائما.
وعن هذا قلنا: إن المومئ يجعل سجوده أخفض من الركوع؛ لأن ذلك أشبه بالسجود. كذا في المبسوط والإيضاح (١).
وفي الْمُجْتَبى: وحديث عمران وابن عمر؛ محمول على القدرة على القيام والركوع والسجود، والأفضل هو الإيماء قاعدًا؛ لأنه أشبه بالسجود (٢).
قال شيخ الإسلام: لو أومى بالركوع قائمًا يجوز، ولو أومى بالسجود قائما لا يجوز (٣).
قلت: وهذا أحسن وأقيس؛ كما لو أومى بالركوع جالسًا لا يصح على الأصح.
وفي الإيضاح: لو صلى قائمًا بإيماء أجزأه، ولا يستحب ذلك؛ لأن القيام بدون السجود غير مشروع (٤).
فإن قيل: قد جاء في الحديث: «أفضل الصلاة طول القنوت (٥)» يعني: القيام.
стр. 1127
يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، أَوْ يُومِئُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ، أَوْ مُسْتَلْقِيًا إِنْ لَمْ يَقْدِرُ) لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْأَدْنَى عَلَى الأَعْلَى فَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ.
(وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِمَرَضِ ثُمَّ صَحَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: اسْتَقْبَلَ) (*) بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الاقْتِدَاءِ
قلنا: إنه اسم مشترك، على أنا نقول: يحتمل أن فضله باعتبار قراءة القرآن، فيكون جامعًا بين الركنين، وذلك حاصل في القعود الذي يقوم مقام القيام. كذا في الخبازية (١).
قوله: (أو يومئ إن لم يقدر عليهما)، وفي فتاوى قاضي خان ما يخالف هذا؛ حيث قال: تفسد صلاته عند أبي حنيفة ﵀ في هذه الصورة، ذكره في النوادر؛ لأن تحريمته انعقدت للركوع والسجود، فلا تجوز بدونهما (٢).
(أو مستلقيا إن لم يقدر)؛ أي: على القعود.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يستقبل؛ لما ذكرنا أن تحريمته انعقدت لكذا واختلافهم في الاقتداء، فإن عند محمد لا يقتدي القائم بالقاعد، فكذا لا يبني في حق نفسه وعندهما يقتدي، فكذا يبني، ولا يلزم ما لو افتتح الصحيح التطوع قاعدًا وأدى بعضه، ثم بدا له أن يقوم فقام؛ أنه يجوز بالإجماع، مع أن اقتداء القائم بالقاعد لا يجوز عند محمد، وهاهنا يجوز بناء آخر الصلاة على أولها عنده؛ لأن المريض ما كان قادرًا على القيام وقت الشروع في الصلاة، كما انعقدت تحريمته للقيام، فلو أنه افتتح التطوع قائما، فلما جاء أوان الركوع قام وقرأ ما بقي من القراءة وركع؛ جاز، وهكذا ينبغي أن يفعل في التطوع؛ لأنه ﵊ كان يفعل كذلك، فدل أن ذلك جائز في التطوع. كذا في المحيط (٣)، وقد بيناه في النوافل.
стр. 1128
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ بِإِيمَاءِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ بِالمُومِئِ، فَكَذَا البِنَاءُ (وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَعْيَا، لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَكَّاً عَلَى عَصَا أَوْ حَائِطِ أَوْ يَقْعُدَ)؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ الاتِّكَاءُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إِسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ. وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ، فَكَذَا لَا يُكْرَهُ الاتِّكَاءُ، وَعِنْدَهُمَا: يُكْرَهُ (*)؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ القُعُودُ عِنْدَهُمَا: فَيُكْرَهُ الاتِّكَاءُ وَإِنْ
(عندهم)؛ أي: عند علمائنا الثلاثة.
وقال زفر، والشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣): يجوز أن يبني محافظة على عمله؛ لما أن اقتداء الراكع بالمومئ يجوز، فكذا البناء؛ لأنه يصير بناء القوي على الضعيف.
قوله: (ثم أعيا)، وفي الصحاح: الإعياء لازم ومتعد، يقال: أعيا الرجل في المشي إذا تعب، وأعياه الله كلاهما بالألف (٤)، والمراد هنا اللازم؛ لأن معناه بالفارسية مائدة سد.
وفي بعض النسخ: ثم يَعْيَ.
وفي المغرب الصواب: أعيى أو يعيي (٥).
فكذا لا يكره الاتكاء؛ لأن بالاتكاء ينتقص القيام، وبالقعود يترك كله. كذا في الكافي (٦).
стр. 1129
قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالاتِّفَاقِ) وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ النَّوَافِلِ.
(وَمَنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَجْزَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالقِيَامُ أَفْضَلُ. وَقَالَا: لَا يُجْزِتُهُ إِلَّا مِنْ عُذْرِ) (*)؛ لِأَنَّ القِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ إِلَّا
قوله: يكره بالاتفاق، ثم عندهما لا يجوز، فكيف يوصف بالكراهة؟
عن العلامة مولانا حميد الدين: يجوز أن يراد به أنه صلى ركعة قائما ثم قعد في الثانية ليقرأ لإعيائه، ثم قام وأتم الثانية؛ فإن هذه الصلاة جائزة مع صفة الكراهة (١).
وفي الخبازية، والكافي قوله: (يكره بالاتفاق)؛ يخالف ما ذكر قبل هذا بقوله: (لو قعد عنده يجوز) (٢)، فإن سوقه ينفي كراهة القعود بلا عذر، وكذا إطلاق ما ذكر في باب النوافل.
وذكر في مبسوط شيخ الإسلام، وجامع أبي المعين: لو قعد في النفل لا يكره عنده في الصحيح؛ لأن الابتداء على هذا الوجه مشروع بلا كراهة، فالبقاء أولى؛ لأن حكم البقاء أسهل من حكم الابتداء؛ ألا ترى أن الحديث يمنع ابتداء الصلاة ولا يمنع بقائها (٣).
قوله: (ومن صلى في السفينة) قيد بها؛ لأنه لو صلى على العجلة وهي على الدابة لا يجوز، أما لو كانت على الأرض يجوز.
وقيد بقوله: (قاعدًا)؛ لأنه لو صلى مسافرًا فيها بالإيماء لا يجوز، سواء كانت مكتوبة أو نافلة؛ لأنه يمكنه أن يسجد فيها فلا يعذر، والإيماء شرع عند العجز.
وقيد بقوله: (من غير عذر)؛ لأن عند العذر تجوز الصلاة قاعدًا بالاتفاق،
стр. 1130
لِعِلَّةٍ. وَلَهُ:
وينبغي للمصلي فيها أن يتوجه إلى القبلة كيف ما دارت السفينة؛ لأن التوجه فيها إلى القبلة فرض بالنص عند القدرة، وهذا قادر، بخلاف راكب الدابة؛ لأنه عاجز عن استقبالها، حتى إن الراكب يسير نحو القبلة فأعرض عن القبلة؛ لم تجز صلاته. كذا ذكره الإمام السرخسي (١).
ثم قولهما: وهو قول الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد قياس (٤).
ووجهه: أن السفينة كالبيت في حق راكبها؛ بدليل أنه يلزمه استقبال القبلة حال الابتداء وحال البقاء كيف ما دارت السفينة، ولا يجوز التطوع فيها بالإيماء مع القدرة على الركوع كما في البيت، وسقوط القيام للمكتوبة للعجز، وهو منتف لقدرته على القيام، وكذا روي عن ابن عمر أنه قال: سئل النبي ﷺ عن الصلاة في السفينة؟ قال: «صل فيها قائما إلا أن تخافَ الغَرَق» (٥)، وقال مثله لجعفر ابن أبي طالب ﵁ حين بعثه إلى الحبشة.
وقول أبي حنيفة استحسان، ووجهه أن الغالب من حال راكبها دوران الرأس واسوداد العينين إذا قام، والحكم يبنى على الغالب لا النادر، كنوم المضطجع جعل حدثًا؛ بناء على الغالب من حاله أنه يخرج منه لزوال الاستمساك، وسكوت البكر جعل رضًا بناء على الغالب، وكذا السفر علة للرخصة؛ لأن مبناه على المشقة غالبًا. كذا في المحيط (٦).
стр. 1131
أَنَّ الغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ وَهُوَ كَالمُتَحَقِّقِ، إِلَّا أَنَّ القِيَامَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ
(وهو)؛ أي: الغالب كالمتحقق.
وذكر الشيخ أبو المعين: الأصل في هذا: أن العلة متى دارت بين الوجود والعدم، فإن كان يمكن الوقوف على حقيقتها، لا يقام السبب الدال عليها مقامها؛ بل يدور الحكم معها، كما في خروج المني مع القبلة والمس؛ لانعدام الحاجة إلى إقامة السبب مقامها، وإن كان لا يمكن الوقوف عليها؛ تعلق الحكم بالسبب الدال عليها؛ لانعدام الوقوف عليها، كما في النوم مضطجعًا مع خروج النجس؛ فإنه يتعلق الحكم بالنوم مضطجعًا لا على الخارج حقيقية.
وإن كان السبب مما لا يخلو عن العلة في الأعم والأغلب، مع إمكان الوقوف على حقيقتها، وكان بحال يكون الانفكاك بينهما في حد الندرة بدون الحكم مع السبب؛ لأن عدمها مع وجود السبب نادر، فسقط اعتبار عدم المشقة، فألحق بالوجود، ودوران الرأس مع القيام في السفينة من هذا القبيل، فإن الدوران غالب، وعدمه نادر؛ فألحق النادر بالموجود، فجعل كالمتحقق.
وقال شيخ الإسلام: ما روي من حديث ابن سيرين، وحديث جنادة؛ لا يجيئان حجة لأبي حنيفة، وله طريق أخرى؛ أن السفينة تشبه الأرض من حيث إنه يباح الجلوس عليها للقرار، ولم يجز ترك الركوع والسجود في التطوع فيها.
ولو تلا آية سجدة مرتين؛ يكفيه سجدة واحدة، وكونها على الأرض لا يكون سببًا لدوران الرأس حتى يقوم مقام العجز.
وتشبه الدابة من وجه؛ لأنها تسير كالدابة، فوفرنا على الشبهين حظهما؛ فلشبهها بالأرض لا يسقط الركوع والسجود والاستقبال، ولشبهها بالدابة يسقط القيام؛ عملا بالشبهين بقدر الإمكان، أبعد عن شبهة الخلاف، فإن عندهما لا يجوز قاعدًا، ولو صلَّى قائمًا يخرج عن العهدة بيقين، فكان أفضل؛ لأنه أسكن لقلبه مع أن فيه خروجا عن العهدة بيقين.
وفي المحيط: ولو صلَّى مع إمكان الخروج منهما؛ جاز؛ لحديث ابن سيرين أنه قال: صلينا مع أنس ابن مالك في السفينة قعودًا، ولو شئنا لخرجنا
стр. 1132
عَنْ شُبْهَةِ الخِلَافِ، وَالخُرُوجُ أَفْضَلُ إِنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَالخِلَافُ فِي غَيْرِ المَرْبُوطَةِ، وَالمَرْبُوطَةُ كَالشَّطٌ، هُوَ الصَّحِيحُ.
إلى الجمد (١).
وقال قتادة: صلينا مع جنادة ابن أمية - وهو صحابي في السفينة قعودًا، ولو شئنا لقمنا.
وعن أبي سعيد الخدري، وحذيفة مثله، وحديث ابن عمر، وجعفر؛ محمول على الندب.
وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ؛ حيث قالوا: يجوز الصلاة فيها قاعدًا وإن كانت مربوطة؛ لأن الرباط تفتح ساعة فساعة، أو ينفتح بهيحان الريح؛ فكان في الخروج خطر عظيم (٢).
ولكن الصحيح: أنه لا يجوز على قولهم؛ لأن دوران الرأس غالبًا حالة الجري مع أنه يمكن الخروج؛ لأن المربوطة على الشط كالمستقرة على الأرض؛ لإمكان الخروج، فلا يجوز كما في الصلاة على الدابة.
وقال التمرتاشي: هذا إذا كانت مربوطة على الشط، فإن كانت موثوقة بالبحر في لجة البحر وهي تضطرب؛ قيل: تحتمل وجهين، والأصح: أنه إن كانت الريح تحركها تحريكا شديدًا فهي كالسائرة، وإن كان حركتها قليلًا فهي كالواقفة (٣).
وفي الْمُجْتَبى: والخلاف في السائرة.
وقيل: في الساكنة أيضًا؛ أما في المربوطة على الشط لا يجوز إلا قائما بالإجماع، وعند الدوران يجوز قاعدًا (٤).
стр. 1133
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ أَوْ دُونَهَا قَضَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ،
وفي المحيط: لا تجوز الفرائض والنوافل فيها بالإيماء إلا بعذر (١)، ومتى قدر على الخروج؛ فالمستحب أن يخرج، وإلا فلا، وتجوز الجماعة فيها، وكذا في السفينتين المقرونتين دون الدابة، والدابتين المربوطتين.
ولو اقتدى في الحدة بإمام في السفينة أو على العكس، وليس بينهما طريق أو طائفة من النهر؛ جاز، وإلا فلا.
ولو انفلتت السفينة وهو يصلي بالجمد، فخاف غرقها أو سرقة ماله، أو فوت شيء من متاعه، أو انقلبت دابته، أو خاف الراعي على غنمه من سبع أو عدو، أو رأى أعمى على شفير بئر؛ فله القطع.
وفي الكفاية: وأكثر المشايخ قدروا ذلك المال بدرهم فصاعدا، ولكن ذكر في الكفاية: الحبس بالدانق يجوز، فقطع الصلاة أولى (٢).
قال في شرح بكر: هذا في مال غيره، أما في مال نفسه؛ لا يقطع، والأصح: جواز القطع فيهما، ولو شدّ السفينة أو الدابة، أو أخذ المتاع بعمل يسير؛ لم تفسد صلاته (٣).
وفي المبسوط: رجلان في محمل، اقتدى أحدهما بالآخر في التطوع؛ يجوز؛ لعدم ما يمنع الاقتداء (٤). وعن محمد: استحسن أنه يجوز اقتدائهم؛ إذا كانت دوابهم بالقرب من دابة الإمام، على وجه لا تكون الفرجة بينهم وبين الإمام إلا بقدر الصف؛ بالقياس على الصلاة على الأرض (٥).
قوله: (وإن كان أكثر من ذلك لا يقضي)، وقال بشر: عليه القضاء وإن
стр. 1134
وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِذَا اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءُ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا، لِتَحَقُّقِ.
طالت مدة الإغماء؛ لأنه مرض، ولا تأثير للمرض في تساقط أصل الصلاة، وقاس الإغماء بالنوم (١).
(والقياس: ألا قضاء) إلى آخره، وبه قال الشافعي (٢)؛ لأن وجوب القضاء مبني على وجوب الأداء، ولم يجب الأداء للعجز؛ فلا يجب القضاء، بخلاف النوم؛ لأنه أمر اختياري، فكان كالقادر حكما؛ ولهذا قال أحمد: الإغماء لا يمنع وجوب القضاء بحال؛ لأنه كالنوم (٣).
وعند الشافعي: إذا كان بمعصية لم يمنع الوجوب أصلا، وإن كان بغير معصية واستوعب وقت صلاة؛ يمنع وجوب القضاء (٤)، وبه قال مالك (٥). كذا في الحلية (٦).
ولكنا استحسنا بحديث علي ﵁؛ أنه أغمي عليه في أربع صلوات فقضاهن، وعمار أنه أغمي يوما وليلة فقضاهن، وابن عمر أغمي عليه يومين.
وقيل: ثلاثة أيام فلم يقض، ولأن الإغماء إذا قصر؛ اعتبر بما قصر عادة وهو اليوم، فلا يسقط القضاء، وإن طال؛ اعتبر بما يطول عادة وهو الجنون والصغر.
وفرق ما بين الطويل والقصير: الزيادة على يوم وليلة؛ لتدخل بها الصلوات في حد التكرار. كذا في المبسوط (٧)؛ فأشبه الجنون. كذا في بعض الروايات.
والجنون إذا استوعب وقت صلاة كامل؛ يسقط القضاء، بخلاف الإغماء؛ لأن بالجنون يزول العقل الذي هو أصل الأهلية، وبالإغماء لا.
стр. 1135
العَجْزِ فَأَشْبَهَ الجُنُونَ. وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ المُدَّةَ إِذَا طَالَتْ كَثُرَتِ الفَوَائِتُ فَيَتَحَرَّجُ فِي الأَدَاءِ، وَإِذَا قَصُرَتْ قَلَّتْ فَلَا حَرَجَ، وَالكَثِيرُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ، وَالجُنُونُ كَالإِغْمَاءِ: كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ ﵀ بِخِلَافِ النَّوْمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ نَادِرٌ فَيَلْحَقُ بِالقَاصِرِ، ثُمَّ الزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ
ولهذا لا يجوز وصف الأنبياء ﵈ بالجنون، وواصفهم به كافر، وجاز وصفهم بالإغماء، فكأن المصنف سوّى بينهما في وجه القياس معتمدًا على هذه الرواية.
ثم فرّق بينهما في وجه الاستحسان والأصح: أنه لا فرق بينهما في الصلاة في اشتراط الامتداد للسقوط؛ لأن بالجنون لا تزول الأهلية كما لا تزول بالإغماء؛ لأنه ثبتت بالذمة على ما عرف، والسقوط مبني على الحرج، وذلك لا يحصل بدون الامتداد.
وقوله: (ثم الزيادة … ) إلى آخره؛ اختلف في الزيادة على يوم وليلة؛ فاعتبر الكرخي بالصلوات، وذكر الفقيه أبو جعفر اختلافًا بين أبي يوسف ومحمد؛ فعند أبي يوسف: من حيث الساعات، وعند محمد: من حيث الصلوات، فما لم تصر الصلوات ستا؛ لا يسقط عنه القضاء، وهو الأصح (١).
وثمرة الاختلاف: تظهر فيمن أغمي عليه عند الضحى، ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة؛ لا قضاء عليه عندهما؛ لأنه أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات.
وعند محمد: يجب عليه القضاء؛ لأن الصلوات لم تزد على خمس. هذا الذي ذكرنا: إذا دام الإغماء فلم يفق إلى تمام يوم وليلة، فإن كان يفيق ساعة ثم يعاوده الإغماء؛ لم يذكره محمد في الكتاب، وأنه على وجهين: إن كان لإفاقته وقت معلوم يجوز أن يخف مرضه عند الصبح؛ فهو إفاقة معتبرة يبطل حكم ما قبلها من الإغماء إن كان أقل من يوم وليلة.
стр. 1136
الأَوْقَاتُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ (*) هُوَ المَأْثُورُ عَنْ عَلِيٌّ وَابْنِ عُمَرَ ﵄.
وأما إذا لم يكن لإفاقته وقت معلوم، لكنه يفيق بغتة يتكلم بكلام الأصحاء ثم يغمى عليه؛ فهذه الإفاقة غير معتبرة؛ ألا ترى أن المجنون قد يتكلم في جنونه بكلام الأصحاء ولا يعد ذلك منه إفاقة. كذا في المحيط (١).
وذكر شيخ الإسلام: فمحمد اعتبر الكثرة بحقيقة التكرار، وحقيقة التكرار بفوات الست، وهما اعتبرا الأثر في ذلك، والعبرة في المنصوص عليه لعين النص لا للمعنى (٢).
فروع
إذا كان يغمى عليه ويفيق ساعة وساعة؛ يلزمه الصلوات، وإن دام أيامًا مريض وراكب لا يقدر على من ينزله؛ تجزئه المكتوبة راكبًا، وإن قدر؛ لم يجز.
عبد مريض لا يستطيع أن يتوضأ؛ يجب على مولاه أن يوضئه، بخلاف المرأة المريضة؛ حيث لا يجب على الزوج أن يوضئها (٣).
مريض إن صام في رمضان؛ صلّى قاعدًا، وإن أفطر صلى قائما.
يصلي قاعدًا؛ مريض تحته ثياب نجسة، إن كان بحال لا يبسط تحته شيء إلا ويتنجس من ساعته؛ يصلى على حاله، وكذا إن لم يتنجس، ولكن يزداد مرضه ويلحقه مشقة بالتحويل.
مريض عجز عن الإيماء فحرّك رأسه؛ عند أبي حنيفة: تجوز صلاته، وعند الفضلي: لا تجوز؛ لأنه لم يوجد منه الفعل.
رجل صلى ركعة بقيام وركوع وسجود، ثم مرض وصار إلى حالة الإيماء؛
стр. 1137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فسدت صلاته عند أبي حنيفة ويستقبلها، وكذا لو صلى بقراءة ثم نسي القراءة؛ فإنه يستقبلها عنده، وعندهما: يتمها.
ولو صلى أمي ركعة ثم تعلم سورة؛ فإنه يستقبلها بالإجماع.
مريض لا يستطيع التوجه إلى القبلة، ولم يجد أحدًا يحوله إلى القبلة، فصلى إلى غير القبلة؛ لا يعيد في ظاهر الرواية، وعن محمد: أنه يعيد.
مريض صلى قاعدًا، فلما رفع رأسه من السجدة الأخيرة من الركعة الرابعة ظن أنها ثالثة، فقرأ وركع بالإيماء؛ فسدت صلاته؛ لأنه قاعد حقيقة، وهو اختيار الولوالجي (١).
مريض يصلي جالسًا، فلما قعد في الثانية قرأ وركع قبل أن يتشهد؛ يمضي؛ لأن هذا بمنزلة القيام، ولو أنه نوى القيام حين رفع رأسه ولم يقرأ ثم تذكر؛ يعود ويتشهد. كذا في الفتاوى الظهيرية (٢).
رجل لو صلى قائمًا فسلس بوله، أو لا يقدر على القراءة، وإن قعد يقدر ولم يسلس؛ يصلي قاعدًا بركوع وسجود، ولو كان يسجد ينفلت بوله؛ يصلي بالإيماء، ولو كان قام أو قعد سال بوله، وإن استلقى لم يسل؛ يصلي قائمًا أو قاعدًا ولا يصلي مستلقيا.
وروى ابن رستم عن محمد: أنه يصلي مستلقيا.
جرح بحلقه لا يقدر على السجود ويقدر على القيام والركوع؛ صلى قاعدًا بالإيماء؛ لأن فرضية القيام والركوع للسجود؛ لأن كمال القربة به.
ولو شرب الخمر حتى ذهب عقله أكثر من يوم وليلة؛ لا يسقط عنه القضاء.
ولو شرب البنج أو الدواء حتى أغمي عليه أكثر من يوم وليلة؛ قال محمد: يسقط عنه القضاء.
стр. 1138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أبو حنيفة: لا يسقط؛ لأن النص ورد في إغماء سماوي، فلا يلحق به ما حصل بصنع العباد.
ولو أغمى عليه بفزع من سبع أو آدمي أكثر من يوم وليلة؛ لا يلزمه القضاء بالإجماع. كذا في المحيط (١).
وفي الْمُجْتَبى: يقضي المريض فوائت الصحة كصلاة المريض (٢).
وقيل: يؤخرها إن رجا الصحة، والنادر بالصلاة يؤخر إن رجا حتمًا، وله أن يصلي قاعدًا في الخباء والكلة إذا لم يستطع القيام؛ وكان خارجه طين، أو بق، أو مطر، أو خوف سبع، وعلى العجلة السائرة والدابة كذلك.
به وجع السن، فما دام الماء البارد في فمه يطيق الوجع، فما يصنع؟
قيل: يقتدي بإمام، وإن لم يجد؛ صلى بغير قراءة.
وفي فتاوى قاضي خان ولو كان طرف العجلة على الدابة، تسير أو لا تسير؛ فهي صلاة على الدابة تجوز حالة العذر، ولا تجوز في غيرها.
وإن لم يكن طرف العجلة على الدابة؛ جازت كالصلاة على السرير (٣).
ومن الأعذار: المطر الشديد، والوحل؛ بحيث لا يمكنه السجود، وخوف العدو، والسبع، وجموح الدابة.
وفي الخلاصة: مات رجل وعليه صلوات، وأوصى بأن يعطى كفارتها؛ يعطى لكل صلاة نصف صاع من بر كما في الصوم، ويعطى للوتر نصف صاع أيضًا، وإنما يعطى من ثلث ماله.
وإن لم يترك مالا؛ تستقرض ورثته نصف صاع ويدفع إلى مسكين، ثم يتصدق المسكين على بعض ورثته، ثم يتصدقون، ثم وثم حتى يكتمل لكل ما
стр. 1139
باب سُجُودُ التَّلَاوَةِ
قَالَ: (سُجُودُ التَّلَاوَةِ فِي القُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةَ: فِي آخِرِ الأَعْرَافِ، وَفِي
ذكرنا، ولو قضاها ورثته بأمره لا يجوز، وفي الحج يجوز، ولو تطوع به الوارث وتصدق لكل صلاة؛ جاز (١).
(باب سجود التلاوة)
من حق هذا الباب أن يلحق بباب سجود السهو؛ كما هو وضع شروح الجامع، والتتمة، وشرح الطحاوي، وغيرها؛ لمناسبة أن كل واحدٍ منهما بيان السجدة، إلا أنه لما ذكر بيان صلاة المريض بعد السهو لما قلنا: إنهما من العوارض السماوية، ألحق هذا الباب؛ لأنه في الحقيقة إلحاق بباب سجود السهو، أو بمناسبته أن في صلاة المريض سقوط بعض الأركان رخصه للحرج.
وفي سجدة التلاوة ثبت التداخل رخصة للحرج أيضًا، أو لأن في هذا الباب والباب الذي يليه -وهو باب صلاة المسافر - بيان حكم العوارض المكتسبة، ثم إضافة السجود إلى التلاوة؛ إضافة الحكم إلى سببه، وهو الأصل في الإضافة؛ لأنها للاختصاص، وأقوى وجوهه اختصاص المسبب بالسبب؛ لأنه حادث به.
قوله: (أربع عشر)، وبه قال الشافعي في الجديد، ولكن لا يقول بالسجدة في سورة (ص)، ويقول بالسجدتين في سورة الحج؛ فتكون أربعة عشر عنده أيضًا (٢)، وبه قال أحمد (٣)، ومالك في رواية (٤).
وقال الشافعي في القديم: سجود القرآن إحدى عشر سجدة، فلم يثبت
стр. 1140
الرَّعْدِ وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ وَالأُولَى فِي الحَجِّ، وَالفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ، والم تَنْزِيلٌ، وَصَ، وَحَمَ السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]
سجدات المفصل (١)، وبه قال مالك، إلا أن مالكًا عد سجدة (ص) ولم يعد السجدة الثانية في الحج (٢).
وقال ابن سريج -من أصحاب الشافعي (٣) -، وأحمد في رواية (٤): السجدة في القرآن خمسة عشر؛ لأن في الحج سجدتان، وفي (ص) سجدة؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس ﵃، أنه ﵊ قرأ خمسة عشر سجدة في القرآن (٥).
وجه قول مالك: حديث خارجة (٦) أنه قرأ عند النبي ﵊ والنجم، فلم يسجد أحد. وكذا روي عن زيد بن ثابت (٧).
وعن ابن عباس، أنه ﵊ لم يسجد في المفصل حين هاجر إلى المدينة (٨).
ولنا: حديث أبي الدرداء، وحديث الأسود، أنه ﵊ سجد بختم هذه السورة (٩).
стр. 1141
وَاقْرَأْ كَذَا كُتِبَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ المُعْتَمَدُ، وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي
وحديث أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] و ﴿اقْرَأْ﴾ (١)، وكان إسلام أبي هريرة بعد الهجرة بسنتين.
واحتج الشافعي: في أن في الحج سجدتان؛ بحديث عقبة ابن عامر، أنه ﵊ قال: «في الحج سجدتان» (٢)، وقال ﵇: «فُضْلَت الحج بسجدتين، من لم يسجُدُهما لم يقرأها» (٣)، وفي (ص) سجدة الشكر لا التلاوة؛ لما روي أنه ﵊ تلا في خطبته (ص) فَتَشَزَّنَ (٤) الناس للسجود، فقال ﵊: علامَ تَشَزَّنْتُمْ؛ إنها توبة نبي (٥).
وعن ابن مسعود ﵁، أنه ﵊ كان لا يسجد في (ص) (٦).
وقلنا: روي أن واحدًا من الصحابة قال: يا رسول الله، رأيت فيما يرى النائم كأني كتبت سورة (ص)، فلما انتهيت إلى موضع السجدة؛ سجد الدواة والقلم، فقال ﵊: «نحن أحق بها مِنَ الدواة والقلم» (٧)، فأمر حتى تكتب في مجلسه، وسجدها مع الصحابة ﵃.
فإن قيل: في الحديث زيادة؛ وهي أنه ﵊ قال: «سجدها
стр. 1142
الحَجُّ لِلصَّلَاةِ عِنْدَنَا،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
داود ﵊ توبة، ونحن نسجدها شكرا» (١).
قلنا: هذا لا ينفي كونه سجدة تلاوة، فما من عبادة يأتي بها العبد إلا وفيها معنى الشكر.
ومراده من هذا: بيان سبب الوجوب، وإنما لم يسجدها في خطبته؛ ليبين أنه يجوز تأخيرها؛ فإنه روي أنه ﵊ قرأها في خطبته مرتين وسجد لكل مرة، وهذا دليل على وجوبها وعلى أنها سجدة تلاوة؛ لأنه قطع الخطبة لها. كذا في المبسوط (٢).
وعن عثمان ﵁ أنه قرأ في صلاته سورة (ص)، وسجد وسجد الناس معه، وقال: سجد فيها سول الله (٣).
(للصلاة عندنا)؛ لقول ابن عباس ﵄ في سجدتي الحج: الأولى عزيمة، والثانية تعليم (٤)؛ ولهذا قرنها بالركوع بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، والسجدة المقرونة بالركوع سجدة الصلاة؛ لأنه يجمع بينهما في الصلاة.
وروي عن البراء بن عازب عدّ آي السجدة، وعدّ في الحج واحدة، وما روي من الفضيلة في السجدتين؛ لا يدل على أن كليهما سجدة تلاوة، وهو تأويل الحديث.
قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك (٥)، ولهذا ذهب إليه مالك (٦)، وسفيان الثوري.
وفي شرح المصابيح: حديث ضعيف الإسناد، لا يصح الاحتجاج به؛ فإنه
стр. 1143
وَمَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِي حم السَّجْدَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَا يَسْتَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] فِي قَوْلِ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ المَأْخُوذُ لِلِاحْتِيَاطِ، وَالسَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى التَّالِي
مخرج عن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر، وهو ضعيف عند النقلة (١). فكذا في المبسوط (٢).
(في السجدة)؛ أي: ﴿حم﴾ السجدة عند قوله: ﴿لَا يَسْتَمُونَ﴾، وبه قال الشافعي في الجديد (٣)، وأحمد (٤).
وقال في القديم (٥)، ومالك (٦) عند قوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. كذا روي عن علي ﵁.
وقولنا: مروي عن ابن مسعود، وعمر ﵄، وهو أقرب إلى الاحتياط؛ لأنه لا يجوز التعجيل قبل السبب، أما بجواز التأخير بعد السبب؛ لأن وقت أدائها موسع، فمتى أتى بها يكون مؤديا لا قاضيًا. ذكره في الفتاوى الظهيرية (٧).
قوله: (والسجدة واجبة)؛ أي: عندنا. وعند الشافعي (٨)، ومالك (٩)، وأحمد (١٠)، وجماعة؛ سنة؛ لما روي عن زيد بن ثابت، أنه قرأ عند
стр. 1144
وَالسَّامِعِ سَوَاءٌ قَصَدَ سَمَاعَ القُرْآنِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ) لِقَوْلِهِ ﵊: «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا وَعَلَى مَنْ تَلَاهَا» وَهِيَ كَلِمَةُ إِيجَابٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالقَصْدِ (وَإِذَا تَلَا الإِمَامُ آيَةَ السَّجْدَةِ سَجَدَهَا وَسَجَدَهَا المَأْمُومُ مَعَهُ).
رسول الله ﷺ سورة والنجم؛ فلم يسجد فيها (١).
وما روي أن عمر قرأ آية السجدة في الخطبة، فنزل وسجد وسجد الناس، فلما جاءت الجمعة الأخرى؛ قرأ آية السجدة، فتأهب الناس للسجود، فقال: أيها الناس، على رسلكم؛ فإن الله تعالى لم يكتبها عليكم إلا أن يشاء.
ولنا: الحديث المذكور في المتن.
(وهي)؛ أي: كلمة إيجاب.
(وهو)؛ أي: قوله ﵊: «السجدة … » الحديث (٢).
وفي المبسوط، والمحيط، والأسرار، وشروح الجامع الصغير: جعل هذا من ألفاظ الصحابة؛ فإنه قال في المبسوط عن عثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر ﵃ أنهم قالوا في السجدة: على من تلاها وعلى من سمعها (٣).
وإنما قال المصنف: (قصد سماع القرآن أو لا)؛ لأنه جاء في بعض الآثار: «وعلى من جلس لها»، وهذا اللفظ يوهم أنه إنما تجب على من هو قاصد للجلوس لها تلاوة أو سماعًا، وهو قول البعض، حتى إن عند الشافعي (٤)، ومالك (٥): قصد الاستماع شرط لتأكد الاستحباب، وحديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: «إِذَا تَلَا ابْنُ آدَمَ آيَةَ السَّجْدَةِ فَسَجَدَ؛ اعتزل الشيطان يبكي،
стр. 1145
لالتِزَامِهِ مُتَابَعَتَهُ (وَإِذَا تَلَا المَأمُومُ لَمْ يَسْجُد الإِمَامُ وَلَا المَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَ ..
فيقول: أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد؛ فله الجنّة، وأمِرتُ بالسجود فلم أسجد؛ فَلِي النار» (١)؛ ففيه دليل على أن ابن آدم مأمور بالسجدة، والأمر للوجوب، ولأنه تعالى وبخ من ترك السجود بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، والتوبيخ لا يكون إلا بترك الواجب، ولأن آيات السجدة كلها دالة على الوجوب؛ لأنها ثلاثة أقسام:
قسم هو أمر صريحًا، مثل: الذي في النجم، واقرأ باسم ربك، والأمر للوجوب، وقسم فيه ذكر طاعة الأنبياء والمرسلين والأولياء، وذلك يوجب الاقتداء؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
قيل: لا يجب الاقتداء فيما فعلوه على وجه الاستحباب.
أجيب: جهة الاستحباب غير معلومة، فيجب الاقتداء مطلقا، وقسم فيه استنكاف الكفار عن السجود، ومخالفتهم في ذلك واجب.
والمعنى: أنه يؤتى بها في الصلاة بالإجماع، فكانت واجبة كالسجدة الصلبية، ولأنها لو لم تكن واجبة؛ لما جاز ترك القيام بالانتقال إليها.
والجواب عن حديثه الأول: أنه ﵊ لم يسجد في فوره، وذلك جائز، أو كانت القراءة مكررة لم يشعر بالمرة الأولى؛ لأن السامع إنما يلزمه السجود على الفور إذا سجد التالي؛ ألا ترى أنه ﵊ قال: «لو سجدت لسجَدْنا» (٢)، وهذا يدل على سجدته لو سجد لا محالة، وعندكم لو سجدها التالي يخير السامع، وكان حجة عليكم.
ومعنى قول عمر: لم يكتب علينا التعجيل بها، فأراد بيان جواز التأخير
стр. 1146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للقوم. كذا في المبسوط (١).
وقيل في وجه الاحتجاج بحديث أبي هريرة: أنه ﵊ قرن هذه السجدة بالسجدة التي أمر بها إبليس، وتلك كانت واجبة، فكذا ما قرن بها، أو حكم المقرون حكم المقرون به.
فإن قيل: هذا احتجاج بقول إبليس.
قلنا: هذا احتجاج بقول النبي ﵊؛ حكى قوله، ولم يعقبه الإنكار، والحكم إذا حكى ولم يعقبه الإنكار؛ كان ذلك دليلا على الوجوب.
دليله: قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] لما كان قولهم باطلا؛ كيف أعقبه بالإنكار. كذا في جامع الإسبيجابي، والفوائد الحميدية (٢).
فإن قيل: لو كانت السجدة واجبة لما أديت؛ كسجدة الصلاة وركوعها، ولما تداخلت كالسجدة الصلبية وسجدتي السهو، ولما أديت بالإيماء حين قرأها راكبًا مع القدرة على النزول، كما لو أدركه وقت صلاة وهو راكب؛ حيث لا تجوز الصلاة راكبًا بدون العذر، وكما إذا نذر أن يصلي ركعتين وهو راكب؛ حيث لم يجز أن يؤدهما راكبًا بلا عذر.
قلنا: أداؤها ضمن شيء آخر لا ينافي وجوبها؛ كالوضوء؛ فإنه فرض في نفسه، ويتأدّى بغسل المتبرد، وكالسعي؛ فإنه يتأدّى بالسعي إلى التجارة، أو إلى أمر هو معصية.
والمعنى فيه: أن سجدة التلاوة ليست بمقصودة في نفسها؛ بل المقصود منها: إظهار الخشوع موافقة للمقربين، أو مخالفة للمشركين، وذلك يحصل في ضمن الركوع والسجود للصلاة؛ لأنها لإظهار الخضوع، فصارت كالسعي إلى الجمعة.
стр. 1147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما السجدة الصلبية: فمقصودة في نفسها، فلا تتأدَّى في ضمن شيء آخر مثلها، وكذا سجدة السهو؛ فإنها لجبر النقصان، فلو قلنا بالتداخل فيها؛ لكان الجابر والمجبور واحداً، وهو لا يصح.
وأما جواز أدائها بالإيماء لو قرأها راكباً؛ لأنه أداها كما التزمها، فتلاوته على الدابة مشروع فيما تجب به السجدة، فكان كالشروع على الدابة في التطوع، فكما يجوز هاهنا، بخلاف النذر؛ فإنه ليس بشروع في أداء الواجب، وكان الوجوب بالنذر مطلقاً، فيعتبر بما وجب بإيجاب الله تعالى، وكذلك إذا أدرك وقت صلاة وهو راكب؛ فإنه ليس بشروع في أداء الواجب، والوجوب فيها مطلق؛ فكان محمولاً على الكمال.
وبشر: وإن كان لا يجوز أداؤها راكباً كما لو قرأها عليها؛ فهو محجوج بما ذكرنا. إليه أشير في المحيط، والأسرار (١).
وفي المُجْتَبَى: قال القراء: إنما تجب السجدة في النمل على قراءة الكسائي بالتخفيف، وينبغي أن لا تجب بالتشديد؛ لأن معناها زَيَّنَ الشيطان أن لا يسجدوا (٢)، والأصح: هو الوجوب على القراءتين؛ لأنه كتب في مصحف عثمان ﵁.
وقيل: المعتبر الكلمة التي فيها السجود.
وقيل: الآية كلها. وعن محمد: أكثرها.
وعن أبي علي الدقاق: سمع سجدة من قوم، من كل واحد حرفاً؛ لا شيء عليه، وإنما تجب سجدة التلاوة على مَنْ هو أهل للخطاب طاهراً، حتى لا تجب على المرأة إذا كانت حائضَةً أو نفساء، تالية كانت أو سامعة (٣).
стр. 1148
الفَرَاغِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْجُدُونَهَا إِذَا فَرَغُوا) (*).
وفي الْمُجْتَبى: السجدات خمس صلبية؛ وهي فرض، وسجدة سهو، وسجدة تلاوة؛ وهما واجبتان، وعند الشافعي: هما سنتان.
وسجدة نذر؛ وهي واجبة؛ بأن قال لك: لله عليّ سجدة تلاوة، ولو لم يقيدها بالتلاوة؛ لم تجب عند أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسف، والفرض منها؛ يكفر جاحده، وتفسد الصلاة بتركها.
وأما سجدة الشكر؛ فقد ذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أراه شيئا (١).
قال أبو بكر الرازي: معناه: ليس بواجب ولا مسنون؛ بل هو مباح ولا بدعة (٢).
وعن محمد عن أبي حنيفة: أنه كرهها، وبه قال مالك (٣)، ولكن يستحبها إذا أتاه ما يسره من حصول نعمة، أو دفع نقمة متوقعة، وبه قال أبو يوسف، والشافعي (٤)، وأحمد (٥)، فيكبر مستقبل القبلة، ويسجد فيحمد الله ويشكره ويسبح، ثم يكبر فيرفع رأسه؛ لما روي أنه ﵊ إذا رأى مبتلى؛ سجد شكرًا، وإذا جاءه ما يسره؛ سجد لله شكرا.
وعندهم: لو سجد بغير سبب؛ فليس بقربة ولا مكروه.
وجه قول أبي حنيفة: أن نصب الأحكام بالرأي متعذر، وما روي أنه عليه
стр. 1149
لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَقَرَّرَ، وَلَا مَانِعَ بِخِلَافِ حَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى خِلَافِ وَضْعِ الإِمَامَةِ أَوِ التَّلَاوَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ المُقْتَدِيَ مَحْجُورٌ عَنِ القِرَاءَةِ لِنَفَاذِ تَصَرُّفِ
السلام كان يسجد إذا رأى مُبْتَلَى؛ فهو منسوخ، وأما ما يفعل عُقَيْبَ الصلوات من السجدة؛ فمكروه بالإجماع؛ لأن الجهال يعتقدونها واجبًا أو سنة، وكل مباح يؤدي إليه مكروه؛ فهو مكروه أيضًا.
وفي الحقائق: قال أبو حنيفة: لا أراها واجبة؛ لأنها لو وجبت لوجبت في كل لحظة؛ لأن نعم الله متواترة، وفيه تكليف ما لا يطاق (١).
قوله: سجدها المأموم معه وإن لم يسمعها؛ لإسرار، أو بعد، أو صمم؛ لالتزام متابعته، ولقوله ﵊: «إذا سجد الإمام فاسجدوا» (٢).
قوله: (ولا مانع)؛ أي: زال المانع، كما لو سمع من غيره وهو في الصلاة، وبه قال الشافعي؛ حيث قال: يستحب أن يسجد بعد الفراغ من الصلاة؛ لأنه خلاف موضوع الإمامة؛ يعني: على تقدير أن يسجد التالي ويتابعه الإمام؛ ينقلب المتبوع تبعًا، والتبع متبوعًا، وإن لم يتابعه الإمام كان هو مخالفًا لإمامه.
(أو التلاوة)؛ أي: على تقدير أن يسجد الإمام أولًا ويتابعه التالي؛ لأن هذا خلاف موضع سجدة التلاوة، فإن التالي إمام السامعين فيها، فيجب أن يتقدم سجود التالي، قال ﵊ للتالي: «كنت إمامنا» (٣)؛ ولهذا كانت السنة أن يتقدم التالي للسجدة، ثم يصطفون خلفه، أكثر ما في الباب أنه منهي عن القراءة بغيرها؛ وهو أن لا يكون مُخِلًّا بالاستماع والإنصات الواجبين، لكن تصرف المنهي عنه لغيره يفيد حكمه، كتلاوة الحائض والنفساء والجنب؛ فإنهم منهيون عن القراءة، ومع ذلك قراءتهم توجب السجدة، فكذا هذا.
(ولهما) إلى آخره؛ قيل: المحجور: هو الممنوع لحق العباد، والمنهي
стр. 1150
الإِمَامِ عَلَيْهِ، وَتَصَرُّفُ المَحْجُورِ لَا حُكْمَ لَهُ، بِخِلَافِ الجُنُبِ وَالحَائِضِ؛ لِأَنَّهُمَا
عنه: هو الممنوع لحق الشرع.
وقيل: المحجور: هو الممنوع عن التصرف على وجه يظهر نفاذ ذلك التصرف عليه من جهة غيره، كالصبي والعبد، والمقتدي محجور بالتفسيرين، ولنفاد تصرف الإمام عليه؛ قال ﵊: «من كان له إمام فقراءةُ الإمام له قراءة» (١)؛ وذلك دليل الولاية عليه، والولاية دليل الحجر على المولى عليه.
(وتصرف المحجور لا حكم له)؛ أي: لا ينفد حكمه، كتصرفات الصبي والمجنون والعبد؛ بخلاف الجنب والحائض؛ لأنهما منهيان، وأثر النهي في تحريم الفعل دون ترك الاعتبار، كالبيع الفاسد، والبيع وقت النداء، على أنهما ليسا بممنوعين عن قراءة ما دون الآية على ما ذكره الطحاوي (٢)، وذلك القدر كافٍ لتعلق وجوب السجدة، فأما المقتدي؛ فممنوع عن قراءة ما دون الآية، ومحجور عليه؛ لما مر، فوضح الفرق. إليه أشير في المحيط (٣).
ولأن الإمام يتحمل من المقتدي فرض القراءة؛ كما تحمل عنه موجب السهو، ثم سهو المقتدي معطل؛ فكذلك تلاوته، ولأن هذه السجدة صلاتية؛ لأن سببها تلاوة من يشاركهم في الصلاة.
والصلاتية إذا لم تؤد في الصلاة؛ لا تؤدى بعد الفراغ منها، كما لو تلاها الإمام ولم يسجد في الصلاة، بخلاف ما لو سمعوا ممن ليس معهم في الصلاة؛ لأنها ليست بصلاتية.
وأما قوله: (إن السبب قد وجد) فمُسَلَّم، لكنه عاجز عن أدائها في الصلاة
стр. 1151
مَنْهِيَّانِ عَنْ القِرَاءَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الحَائِضِ بِتِلَاوَتِهَا كَمَا لَا يَجِبُ بِسَمَاعِهَا؛ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الجُنُبِ.
وخارج الصلاة؛ لما ذكرنا. كذا في المبسوطين، والمحيط (١)، وبقولهما قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤).
فإن قيل: العبد المحجور إذا باع واشترى ينعقد، ويتوقف على إجازة المولى، ولو كان محجورًا للغا كالمجنون والمغلوب، وإذا أقر بحد أو قصاص ينفذ ويظهر في حق المولى.
قلنا: إنما انعقد عقده متوقفًا؛ لاحتمال وجود الإجازة من المولى، وإنما ظهر أثر الحجز في النفاذ لا في غيره، والعبد ليس بمحجور عن نفس التصرف، وإنما الحجر في لحوق العهدة، وقد ظهر أثره فيه حتى لا ترجع الحقوق إليه، ولا يمكن القول بالتوقف هنا؛ لعدم احتمال الإجازة من الإمام، والعبد ملحق بالأحرار في حق الدم، فلا يكون محجورًا فيه.
فإن قيل: إذا أقر العبد المحجور بمال لرجل يجب أداؤه بعد العتق، فهاهنا ينبغي أن تجب السجدة على السامع إذا فرغ من الصلاة؛ لأن الحجر قد زال كما في العتق.
قلنا: لا نسلم أن الإقرار تصرف، بل إخبار عن أمر كائن، ولكن ذلك الأمر لا يثبت لحق المولى، فإذا زال حقه ثبت بخلاف ما نحن فيه؛ لأنه إنشاء سبب وجوب السجدة، كما إذا باع واشترى، فبعد العتق لا ينعقد بيعه ولا شراؤه؛ لأنه إنشاء، وهو لا يملكه.
قوله: (لانعدام أهلية الصلاة)، وذلك لأن السجدة ركن من أركان الصلاة،
стр. 1152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحائض والنفساء لا تلزمهما الصلاة ولا القضاء، فلا يلزمهما السجدة أيضًا؛ بخلاف الجنب؛ فإنه تلزمه الصلاة فتلزمه السجدة. كذا في المبسوط (١).
وفي الإيضاح، والمحيط كل من لا تجب عليه الصلاة ولا قضاؤها؛ كالحائض والنفساء، والكافر، والصبي، والمجنون؛ فلا سجود عليهم؛ لأن السجدة من أركان الصلاة، وأما السامع منهم يجب عليه (٢).
قال شيخ الإسلام: ولو سمعها من مجنون أو نائم أو طير لا يلزمه؛ لأن سبب الوجوب سماع تلاوة صحيحة، وصحة التلاوة بالتفرقة والتمييز، ولم يوجد، فإذا لم يوجد شرط صحة التلاوة؛ لم يوجد السماع لتلاوة صحيحة، فلا يجب (٣).
وفي شرح المجمع: لو سمعها ممن هو من أهل الخطاب، ممن ليس من أهله؛ يلزمه السجدة وإن لم يجب على تاليها، ولو سمعها من النائم والطوطي والقرد المتكلم؟
قيل: لا يجب، وقيل: لا تجب (٤).
وهل يجب على النائم على هذا الخلاف؟، ولو سمعها من الصدي لا يجب، والصحيح أنها تجب على السامع من النائم.
وفي أحكام الصفار: لو أخبر النائم بعد ما استيقظ بها؛ لا تلزمه هو الصحيح، وكذا لو قرأ عند نائم فأخبر بها (٥).
وقال مالك: يشترط لوجوبها على السامع الذكورة والتكليف؛ لقوله ﵊: «كنت إمامنا لو سَجَدْتَ لسَجَدْنا معك» (٦)، ولهذا ينبغي أن لا
стр. 1153
(وَلَوْ سَمِعَهَا رَجُلٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ سَجَدَهَا) هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الحَجْرَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَعْدُوهُمْ (وَإِنْ سَمِعُوا وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَجْدَةً مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدُوهَا فِي الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةِ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ هَذِهِ السَّجْدَةَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (وَسَجَدُوهَا بَعْدَهَا) لِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا (وَلَوْ سَجَدُوهَا فِي
يرفع السامعون رؤوسهم قبل التالي إذا سجدوا معه (١).
والمرأة وغير المكلف لم يصلح إمامًا، وعندنا يلزم بتلاوتهما؛ لإطلاق ما روينا، والمراد بما رواه: كنت حقيقا بأن تسجد قبلنا لا حقيقة الإمامة؛ ألا ترى أن المتوضئ يسجد لتلاوة المحدث مع أنه لا يصلح إماما في الحال.
وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ، حيث قالوا: لا يسجدها على قولهما خلافا لمحمد؛ لما ذكرنا أن تصرف المحجور لا حكم له (٢).
وفي المحيط: في نوادر أبي سليمان: يلزمه (٣). قيل: هو قول محمد.
(لأن الحجر يثبت في حقهم)؛ أي: في حق الإمام ومن تبعه؛ تعظيما للإمام لما عرف.
(فلا يعدوهم)؛ أي: لا يثبت في حق غيرهم.
(لأنها)؛ أي: هذه السجدة ليست بصلاتية.
(لأن سماعهم)؛ أي: المصلين.
(ليس من أفعال الصلاة)؛ لأن هذا السمع غير مأمور به ولا سنة ولا نفل، وكذا تلاوة من هو خارج الصلاة لم يتعلق بها صلاح صلاتهم، فلم تكن صلاتية، بخلاف سماع المقتدي؛ لأنه صلاتي إذ هو مأمور بالسماع بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فيكون إدخالها في الصلاة منهيا لتحقق سنتها؛ وهو سماعها من الأولى غير محجور.
стр. 1154
الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِهِمْ)؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ لِمَكَانِ النَّهْي، فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الكَامِلُ. قَالَ: (وَأَعَادُوهَا) لِتَقَرُّرِ سَبَبِهَا (وَلَمْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ)؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ السَّجْدَةِ لَا يُنَافِي إِحْرَامَ الصَّلَاةِ. وَفِي النَّوَادِرِ: أَنَّهَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا فِيهَا مَا لَيْسَ مِنهَا، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ (فَإِنْ قَرَأَهَا الإِمَامُ وَسَمِعَهَا رَجُلٌ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَدَخَلَ مَعَهُ بَعْدَمَا سَجَدَهَا الإِمَامُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُدْرِكًا لَهَا … ... … ...
(لمكان النهي)، وهو منع الشرع عن خلط أفعال غير الصلاة بالصلاة، والصلاة مصونة عن الزوائد؛ ولهذا لم تشرع سجدة السهو إلا مرة احدة، وهي وجبت كاملة، فلا تتأدى بالناقص.
(لا ينافي إحرام الصلاة)؛ لأنها من أفعال الصلاة في ذاتها، فلا تكون منافية، فلا تفسد الصلاة بها، خلافًا للشافعي.
(ما ليس منها): قيل: ما ذكر في النوادر جواب القياس، وهو قول محمد، وما ذكر في ظاهر الرواية جواب الاستحسان، وهو قولهما، بناء على أن زيادة ما دون الركعة لا توجب فساد الصلاة، وعند محمد زيادة سجدة تفسد الصلاة؛ لأن السجدة الواحدة وهي سجدة الشكر مسنونة عنده، فتفسد بشروعه في التطوع قبل إكمال الفرض، وعند أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: غير مسنونة، فلا تكون قربة وعبادة مقصودة، وإنما هي بمنزلة الركوع والقيام.
والصحيح: أنه لا تفسد الصلاة؛ لأنهم ما تركوا الصلاة ولا أتوا بما ينقضها. كذا في جامع قاضي خان (١).
(صار مدركًا لها)؛ أي: للسجدة؛ لأنه لما كان مدركًا للقراءة فصار كأنه سجدها، فلا تجب عليه السجدة، ولأنه لو سجدها في الصلاة يصير مخالفًا، للإمام، ولا يسجد لها بعد الفراغ من الصلاة أيضًا؛ لأنه صار ساجدًا لها بإدراك تلك الركعة، قالوا: وتأويل هذه المسألة: أنه إذا أدرك الإمام في آخر تلك
стр. 1155
بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ (وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَهَا سَجَدَهَا مَعَهُ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْمَعْهَا سَجَدَهَا مَعَهُ، فَهَاهُنَا أَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ سَجَدَهَا وَحْدَهُ).
الركعة يصير مدركًا للقراءة] (١) مع توابعها، فحينئذ يصير مدركًا لتلك الركعة من أولها، فأما لو أدرك في الركعة الأخرى؛ لم يصر مدركًا للركعة التي قرأ فيها، فلم يصر مدركًا لتلك القراءة، ولما تعلق بتلك القراءة من السجدة.
وأشار المصنف إلى هذا في الكتاب بقوله: لأنه صار مدركًا لها إلى آخره.
ونظير هذا ما لو أدرك الإمام في الركعة الثالثة من الوتر في رمضان؛ يصير مدركًا للقنوت، حتى لا يأتي بالقنوت في الركعة الأخيرة.
فإن قيل: يشكل على هذا: ما لو أدرك الإمام في الركوع في صلاة العيد؛ لم يصر مدركًا لتلك الركعة، ويأتي بالتكبيرات في الركوع عندهما، خلافًا لأبي يوسف.
قلنا: لأنه يمكنه أن يأتي بالتكبيرات في الركوع؛ لما أن جنسها وهو تكبير الركوع يؤتى به في الركوع، فألحق به سائره من التكبيرات فأتى بها، بخلاف سجدة التلاوة والقنوت؛ حيث لا يمكن إتيانها، فصار الأصل في جنس هذه المسائل: أن كل ما لا يمكن يؤتى به في الركوع أو الركعة؛ فبإدراك الإمام في الركوع يصير مدركًا لتلك الركعة وما يتعلق بها، وكلما يمكن أن يؤتى به فيها؛ فبإدراك الإمام في الركوع لا يصير مدركًا. إليه أشير في المحيط (٢).
فإن قيل: السجدة من أفعال الصلاة ولا تجري فيها النيابة.
قلنا: الفعل إذا وجب بسبب تجري فيه النيابة وهو القراءة؛ لا نسلم أنه لا يجزئ فيه النيابة، والظاهر: أنه يجزي؛ لأنه لا يمكنه أن يسجدها بانفراده؛ كيلا يصير مخالفا لإمامه. كذا في الخبازية (٣).
قوله: (فهاهنا أولى): وجه الأولوية: أنه لو لم يسمعها؛ يجب أن يسجدها
стр. 1156
لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ.
تبعا لإمامه، فأولى أن تجب بعد سماعها.
(لتحقق السبب)؛ أي: من الأهل وهو السماع، وهو ليس من أفعال الصلاة، وتلك التلاوة ما صارت تلاوة للسامع؛ لعدم كونه مقتديًا، فلم تكن السجدة في حقه من أجزاء الصلاة، كما لو سمع ممن ليس بمصلي. كذا في جامع أبي المعين، وفي الكافي (١).
وقال مالك: لا يسجد (٢)؛ لأن السماع بناء على التلاوة، وهي وجدت في الصلاة، فكانت صلاتية فلا تؤدى خارجها، كما لو سمع المصلي ممن ليس معه في الصلاة؛ فإنه لا يسجدها في الصلاة.
قلنا: السماع وإن كان بناء على التلاوة؛ ولكن الوجوب بالسماع.
فإن قيل: الصحيح أن التلاوة سبب في حق السامع لا السماع، وهي في الصلاة، والسماع شرط، فكانت صلاتية.
قلنا: لما اختلفوا في أن السماع سبب في حقه أو التلاوة، فلو نظرنا إلى التلاوة فلم يؤدها، وإن نظرنا إلى السماع؛ يؤديها خارج الصلاة، فالاحتياط: أن يؤديها خارجها؛ صونًا للصلاة عن الزوائد، وفيما تقدم، لو نظرنا إلى الصلاة لم يؤدها خارجها، ولو نظرنا إلى السماع يؤديها فيها؛ فالاحتياط: أن لا يؤديها فيها صونًا لها عن الزوائد، وسلوكًا للاحتياط في المسألتين.
فإن قيل: ينبغي أن لا يتابع الإمام فيما إذا لم يسجدها حين شرع؛ لأن ما وجب ليس بصلاتية، فلم يؤدها فيها.
لنا: تلك السجدة وإن لم تكن صلاتية؛ لكنها صارت صلاتية بالاقتداء، إلا أن للاقتداء تأثيرًا في جعل غير الواجب واجبًا، وفي جعل الواجب غير واجب، فإن القعدة على رأس الركعتين واجبة للمسافر، وباقتدائه بالمقيم لم
стр. 1157
(وَكُلُّ سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا، … ...
تبق واجبة، وكذا لو يحرم للأربع نفلا يلزمه ركعتان، ولو اقتدى بمصلي الظهر؛ لزمه أربعًا، حتى لو أفسده يقضي الأربع؛ ألا ترى أنه لو تلاها خارج الصلاة ثم شرع فيها وأعادها؛ صارت صلاتية حتى يسقط تركها فيها، فما وجبت خارج الصلاة إذا صارت صلاتية بالتلاوة؛ فلأن تصير صلاتية بالاقتداء أو تأثيره في الاستتباع أقوى كان أولى.
وفي شرح المجمع: ليس الخلاف في ذلك راجعًا إلى كونها صلاتية؛ بل الخلاف في ذلك راجع إلى أن مطلق السماع، هل يوجب السجود؟ فالصحيح من مذهبه: أنه إذا قصد الاستماع سجد، وإلا فلا؛ فلهذا أوردت المسألة في المجمع بصيغة لا تفيد خلافًا (١).
قوله: (وكل سجدة)؛ أي: سجدة صلاتيه. قبل قوله (صلاتية) خطأ؛ لأن تاء التأنيث لا تثبت في النسب أصلًا؛ بل صوابه: صلاته.
أجيب بأن هذا خطأ مستعمل، فيكون خيرًا من صواب غير مستعمل، ويجب هذا التقييد، وإلا يلزم على إطلاقه ما ذكره قبله؛ وهو قوله: وإن سمعوا وهم في الصلاة إلى أن قال: وسجدوها بعدها.
والمعنى من الصلاتية: هو أن تكون التلاوة من أفعال الصلاة، على ما ذكرنا في المحيط (٢)، ولكن المصنف ترك هذا القيد لظهوره.
فإن قيل: كيف يتحقق عدم السجود فيها، حتى لو لم يقض خارج الصلاة، وأنها تؤدى بسجدة الصلاة وإن لم ينو؟.
قلنا: نعم، إذ قرأ آية السجدة وسجد، أما إذا لم يسجدها على الفور، حتى إذا قرأ مقدار ثلاث آيات وركع، أو سجد للصلاة ينوي بها سجدة التلاوة؛ لم يجز؛ لأن السجدة صارت دينا عليه؛ لفوات وقتها، فلا تتأدى في ضمن الغير.
стр. 1158
لَمْ تُقْضَ خَارِجَ الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّهَا صَلَاتِيَّةٌ وَلَهَا مَزِيَّةُ الصَّلَاةِ، فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ (وَمَنْ تَلَا سَجْدَةً فَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى دَخَلَ فِي صَلَاةٍ فَأَعَادَهَا وَسَجَدَ أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ عَنِ التَّلَاوَتَيْنِ)؛ … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... .
كذا في الكافي (١)، وفيه تأمل؛ فإنه ذكر في الفتاوى الظهيرية: وقت أدائه موسع، حتى لو أتى بها متى شاء؛ يكون مؤديا لا قاضيا (٢).
وفي الْمُجْتَبى: وجوبها على التراخي عند محمد، وهو رواية عن أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسف (٣). والمراد من قوله: (لم تقض)؛ لم يؤد.
قال الإمام قاضي خان الصلاتية أقوى من غيرها؛ لأنها وجبت بتلاوة تعلق بها جواز الصلاة؛ ألا ترى أنه لو ضحك في سجدة التلاوة في الصلاة تنتقض طهارته، ولو ضحك فيها خارجها لا ينتقض، فيكون لها مزية، فلا تتأدّى بالناقض (٤).
وفي الْمُجْتَبى: لم تقض خارجها؛ للعجز عن أدائها (٥).
(حتى دخل في صلاة)؛ أي: في مكان واحد.
فإن قيل: مجلس الصلاة غير مجلس التلاوة.
قلنا: بل واحد حقيقة وحكمًا، أما حقيقة؛ فظاهر، وأما حكمًا؛ فلأن مجلس التلاوة مجلس العبادة، فكان من جنس مجلس الصلاة.
(فأعادها)؛ أي: تلك الآية التي تلاها خارج الصلاة.
(أجزأته السجدة عن التلاوتين)، فأما لو تبدل مجلس الصلاة؛ فعليه لكل تلاوة سجدة؛ كما لو لم يدخل في الصلاة.
وفي النوادر والزيادات أيضًا: يسجد للأولى بعد الفراغ، سواء سجد في الصلاة، أو لأنه حين اشتغل بالصلاة تغيّر المجلس، كما لو اشتغل بالأكل
стр. 1159
لِأَنَّ الثَّانِيَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا صَلَاتِيَّةً فَاسْتَتْبِعَت الأُولَى. وَفِي النَّوَادِرِ: يَسْجُدُ أُخْرَى بَعْدَ الفَرَاغِ، لِأَنَّ لِلْأُولَى قُوَّةَ السَّبْقِ فَاسْتَوَيَا. قُلْنَا: لِلثَّانِيَةِ قُوَّةُ اتِّصَالِ المَقْصُودِ فَتَرَجَّحَتْ بِهَا (وَإِنْ تَلَاهَا فَسَجَدَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَاهَا سَجَدَ لَهَا)؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ المُسْتَتْبِعَةُ، وَلَا وَجْهَ إِلَى إِلْحَاقِهَا بِالأُولَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى سَبْقِ الحُكْمِ عَلَى
وعمل آخر، ولا يمكن جعل الأولى تبعًا للثانية؛ لأن السابق لا يكون تبعًا للاحق، فكان القول به خلاف موضوع التداخل؛ لأن التكرار بالسبب يقع لا بالأولى، ولا يمكن جعل الثانية تبعًا للأولى؛ لأنها أقوى، فكذا وجب اعتبار كل واحد؛ كما لو تلاها في مجلسين (١).
وجه ظاهر الرواية: أن السبب واحد؛ لأن المتلو واحد، والمجلس واحد، حقيقة وحكما كما بينا، والثانية أكمل من الأولى؛ لأن لها حرمتين، ولو كانت مثل الأولى لنابت عنهما، فإذا كانت أكمل كان أولى أن لا ينوب، والسابق قد يكون تبعًا للاحق؛ إذا كان اللاحق أقوى كالسنة قبل الفرض، ولأن التكرار قائم بهما، فكان إلحاق الأولى بالثانية ممكنا. كذا في شروح الجوامع، والمحيط (٢).
(اتصال المقصود)؛ يعني: اتصال السجدة بالتلاوة؛ يعني: لما اقترنت الثانية بالسجدة؛ صارت راجحة على الأولى بعد مساواتها فيما ذكر؛ وهو الصلاتية للثانية، والسبق للأولى، كحكم مجتهد فيه اتصل القضاء به؛ يصير بمنزلة المجمع عليه في القوة.
فتر جحت بها؛ أي: بقوة اتصال المقصود؛ لأن الأصل اتصال المسبب بالسبب.
قوله: (هي المستتبعة)؛ لما ذكرنا أنها صلاتية قوية.
(ولا وجه) إلى ذلك؛ أي: للاستتباع؛ لأنه حينئذ يلزمه تقدم الحكم على السبب؛ لأن معنى الاستتباع جعل التلاوتين بمنزلة تلاوة واحدة، فلو جعلنا
стр. 1160
السَّبَبِ (وَمَنْ كَرَّرَ تِلَاوَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَرَأَهَا فِي مَجْلِسِهِ فَسَجَدَهَا ثُمَّ ذَهَبَ وَرَجَعَ فَقَرَأَهَا سَجَدَهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَجَدَ لِلْأُولَى فَعَلَيْهِ السَّجْدَتَانِ) فَالْأَصْلُ: أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ،
كذلك؛ كانت التلاوة الأولى تبعًا للثانية لا العكس؛ لأن الثانية صلاتية قوية، فيلزم أن تكون السجدة التي سجدها قبل التلاوة تقديرًا؛ لأن الأولى التحقت بالثانية، فكان الحكم وهو السجدة؛ سابقًا على السبب وهو التلاوة تقديرًا، فلما لم يمكن القول بالتداخل هاهنا؛ وجبت لكل تلاوة سجدة على حدة على جميع الروايات، بخلاف المسألة الأولى.
وفي المحيط: قرأ آية السجدة في الركعة الأولى فسجد، ثم أعادها في الركعة الثانية؛ فلا سجود عليه في قول أبي يوسف في القياس.
وقال محمد: يسجد استحسانًا، وهذه من المسائل التي رجع أبو يوسف فيها من الاستحسان إلى القياس.
وجه الاستحسان: أن اتحاد التلاوتين غير ممكن هاهنا؛ لأنا لو قلنا به تفوت القراءة في إحدى الركعتين حكمًا، والقراءة في كل ركعة ركن، فاعتبر كل قراءة تلاوة على حدة.
وجه القياس: أن الاتحاد في حق سجدة التلاوة لا في حق الصلاة، أو في حق السنية لا في حق القراءة، كما إذا كان خارج الصلاة إذا سجد للتلاوة، وتلا في السجدة آية أخرى؛ لا تلزمه سجدة التلاوة، وكذا لو تلا في الركوع؛ لأن هذه التلاوة منهي عنها (١).
قوله: (فَالْأَصْلُ أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ) إلى آخره: ثم القول بالتداخل هاهنا جواب الاستحسان، وفي القياس: يجب لكل تلاوة سجدة؛ لأنها حكم التلاوة، فيتكرر بتكرر سببه؛ لأنه نتيجة السبب، ولا معنى للتداخل؛ لأنها عبادة، والعبادات يحتاط في الإتيان بها، ولا يحتال لدرئها، وبه قال