وَهُوَ الصَّحِيحُ (*)، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا، حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ. (وَهَذَا إِذَا قَاءَ مِرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً، فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا فَغَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو
قوله: (فإن قاء بلغماً) إلى آخره، وفي جامع المحبوبي: هذا الاختلاف راجع إلى اختلافهم البلغم طاهر أو نجس فعند أبي يوسف نجس، وعندهما لا (١).
قال أبو منصور الماتريدي (٢): ليس هذا اختلاف حجة بل اختلاف صورة فتصور لهما أن البلغم يهيج من الرأس فأجابا أنه طاهر، وتصور لأبي يوسف أنه يهيج من البطن فأجاب أنه نجس (٣).
وفي المبسوط: فأبو يوسف يقول البلغم إحدى الطبائع الأربع فكان نجسا كالمرة والصفراء، وقالا: البلغم بزاق والبزاق طاهر؛ فإن الرطوبة في أعلى الحلق ترق فتصير بزاقًا، وفي أسفله تثخن فيكون بلغما، وبهذا تبين أن خروجه ليس من المعدة بل من أسفل الحلق، وهو ليس بموضع النجاسة، هذا الاختلاف إذا كان البلغم خالصًا، فأما إن كان مختلطا بالطعام فينقض إذا ملأ الفم بالإجماع (٤).
وفي جامع الكردري: وهذا محمول فيما إذا كان الطعام غالبًا لأن المغلوب يأخذ حكم الغالب كالدم إذا خرج مع البصاق، فإن كان الدم غالبا ينقض، وإن كان مغلوبًا لا، وإن استويا يتوضأ احتياطا أخذا بالثقة، كذا ذكر في الأصل، والتمرتاشي (٥).
стр. 107
يُوسُفَ نَاقِضُ إِذَا كَانَ مِلْءَ الفَمِ) (*)، وَالخِلَافُ فِي المُرْتَقِي مِنْ الجَوْفِ. أَمَّا النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَغَيْرُ نَاقِضِ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ.
لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ نَجِسٌ بِالمُجَاوَرَةِ، وَلَهُمَا. أَنَّهُ لَزِجٌ لَا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ، وَالقَلِيلُ فِي القَيْءِ غَيْرُ نَاقِضِ. (وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَقٌ، يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الفَمِ) لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ
وذكر الإمام علاء الدين: من أكل خبزًا أو فاكهة وتراآى أثر الدم فيه من أصول أسنانه ينبغي أن يضع أصبعه أو طرف كمه على ذلك الموضع، فإن وجد فيه أثر الدم انتقض وضوءه وإلا فلا، ولأنه إذا كان طعامًا خالصا لا ينتقض ما لا يملأ الفم، فإذا كان مع غيره أولى لا تتخلله النجاسة لأن البلغم لزج ثقيل كالسيف فلا يحتمل النجاسة إلا القليل، والقليل غير ناقض فيه فإنه لا يحمل السيلان، والسيلان في غير السبيلين أقيم مقام الخروج ولم يوجد (١).
فإن قيل: ينتقض هذا ببلغم يقع في النجاسة ثم يرفع نحكم بنجاسته.
قلنا: لا رواية في هذا المسألة، ولئن سلّم فالفرق أنه ما دام في الباطن يزداد ثخانة فيزداد لزجة فإذا انفصل عن الباطن يقلُّ لزجه لقلة ثخانته، وإذا قل لزجه ازداد رقته فلوقته جاز أن يقبل النجاسة، وكان الطحاوي يميل إلى قول أبي يوسف حتى روى عنه أنه يكره الإنسان أن يأخذ بلغمه بطرف ردائه ويصلي معه، كذا في الفوائد الظهرية (٢).
(سوداء محترقة) وهي تخرج من المعدة، وما يخرج منها لا يكون حدثًا ما لم يكن ملأ الفم بسائر أنواعه وأنواعه خمسة: الطعام، والماء، والمرة، والصفراء، والسوداء، كذا ذكره المحبوبي (٣).
وفي المبسوط: أن أبا يوسف مضطرب في هذه المسألة، فمحمد يقول بأن الفم له حكم الباطن فيما بينه وبين الباطن فلا يكون الخارج إليه خارجًا، وقالا:
стр. 108
أَنْوَاعِهِ، وَعِنْدَهُمَا: إِنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا (*)، لِأَنَّ المَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الدَّمِ، فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الجَوْفِ (وَلَوْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ إِلَى مَا
إِنما جعل هكذا في حق ما يخرج من المعدة، والظاهر أن هذا شيء خرج من قرحة في الباطن فيتعلق الحكم بسيلانه كما لو خرج الدم من قرحة في الفم فسال تكون حدثًا فكذا هذا.
فإن قيل: لما اختص هذا الحكم بما خرج من المعدة فينبغي أن يكون عامًا ولا ينتقض الوضوء بخروج دم من قرحة في الفم ما لم يملأ الفم كالقيء.
قلنا: إنما اختص بالقيء لأن النص متعارض في القيء فإنه روى أنه ﵇ «قاءَ ولم يتوضأ»، وروى الترمذي من طريق حسين المعلم، عن أبي الدرداء: أنه ﵇ «قاء فتوضأ» (١) والمفهوم من إطلاق الوضوء الشرعي لا غسل الفم منه لأن ذلك يسمى مضمضة.
وروي أنه قال: «القَلَسُ حدثٌ» (٢)، فتعرفنا ذلك أن للفم حكم الباقي في قليل القيء، وحكم الظاهر في كثيره، فأما في حق الدم فلم يوجد دليل يدل على ذلك بل دل على أن المعتبر فيه التجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير، ولأن الفم له تعلق بالمعدة من حيث إن الوصول إليها منه فكان منها لاتصاله بها فيجوز أن يلحق بها في حق ما يخرج منها إذا كان قليلا بخلاف الدم لأن المعدة ليست بموضعه، ولا ضرورة في حق الدم فيكون له حكم الظاهر من كل وجه.
وفي الْمُجْتَبى عن الحسن إن تناول طعاماً أو ماء ثم قاء من ساعته لا ينقض لأنه ظاهر، وكذا الصبي إذا ارتضع ثم قاء من ساعته، قال الصباغي هو
стр. 109
لِاَنَّ مِنَ الأَنْفِ نَقَضَ بِالاتِّفَاقِ)، لِوُصُولِهِ إِلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَتَحَقَّقُ الخُرُوجُ. (وَالنَّوْمُ … ... … ... … ...
المختار (١).
وفي صلاة المحسن: قاء شيئين مختلفين دما وطعاما أو غيره ملأ الفم فالعبرة للغالب، ولو استويا تعتبر كل واحدة على حدة.
وقال بكر: إن غلب الطعام بحيث لو انفرد كان ملأ الفم نقض، وإلا فلا.
وعن أبي نصر: ماء فم النائم نزل من الرأس أو تحلب من اللهوات طاهر، وإن صعد من الجوف بأن كان أصفرا أو منتنا فكالقيء، وعن أبي الليث وهو كالبلغم.
وقيل: نجس عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وعن أبي حنيفة قاء طعاما أو ماء فأصاب إنسانا شبرا في شبر لا يمنع، قال الحسن: الأصح أنه لا يمنع ما لم يفحش (٢).
وفي القنية: قاء دودا كثيرا لا ينقض، وكذا لو قاء حية ملأت فاه.
وفي المحيط: الخنثى إن تبين أنه رجل أو امرأة فالفرج للآخر بمنزلة الجرح وإلا لا، حشى إحليله بقطنة أو تربط الجراحة إن نفذ البلل إلى خارجها نقض وإلا فلا، ولو نفذ إلى طاق ولم ينفذ إلى الآخر نقض.
احتشت المرأة فانبل خارجها إن كانت القطنة في الشفتين نقض، وإن كانت داخل الفرج لا ينقض، أخرجت القطنة وعليها بلة فهي محدث ساعة إخراج القطنة (٣).
ولو أدخلت إصبعها في فرجها انتقض وضوءها لأنها لا تخلو عن بلة.
قوله: (والنوم)، حكي عن أبي موسى الأشعري، وعمرو بن دينار،
стр. 110
مُضْطَجِعًا …
والإمامية: النوم ليس بحدث، وعن أحمد: النوم اليسير في حال القيام والقعود والركوع والسجود لا ينتقض، كذا في الحلية (١).
وفي القنية: ونوم النبي ﷺ ليس بحدث وهو من خصائصه، وفي السهيلي: النوم متكئاً ومضطجعاً ناقض في المذهبين والنوم قاعداً غير ناقض في المذهبين، ونوم القاعد والراكع والساجد في الصلاة عند أبي حنيفة وأصحابه ليس بحدث (٢)، وللشافعي قولان: لا ينقض في القديم، وينقض في الجديد، ولا فرق عنده بين أن يكون مستندًا أو غيره إذا كان المقعد متمكنا من الأرض، ولا فرق بين أن يكون المسند لو سُلَّ لتيقظ (٣).
وقال مالك: نوم القاعد إذا طال نقض وإلا فلا؛ لأن طوله مظنة الاسترخاء غالباً فأدير الحكم عليه لحق السبب، وأما الاضطجاع فمدار الانتقاض فيه عنده على كونه مستثقلا سواء أطال أو قصر (٤).
واختلف أصحابه في الاستناد فقيل هو كالجلوس.
وقيل: كالاضطجاع، واختلفوا في السجود في اعتبار الطول أو الاستثقال وأجمعوا على أن نوم القائم غير ناقض واختلفوا في الركوع فقيل هو كالقيام.
وقيل: كالسجود وقال بعض أصحابه إن كان على هيئة يتهيأ معه الطول وخروج الحدث فكالساجد نقض، وإن كان بالعكس فهما كالقائم والمحتبي فلم يؤثر، وإن انقسم الأمر فكان إمكان الطول مع عدم إمكان خروج الحدث غالبًا كالجالس مستندًا وعكسه كالراكع ففي كل منهما قولان بينهما تعارض موجب ومسقط، فالخلاف ينتصب مع أحد القولين في الطول مع الجلوس مستثقلا طويلا فإنه ناقض عنده بكل حال، وإنما كان الطول موجبا للانتقاض لما ذكرنا.
وفي المبسوط في كون نوم المضطجع ناقضا طريقان:
стр. 111
أَوْ مُتَّكِثًا أَوْ مُسْتَنِدًا .............
أحدهما: أن عينه حدث بالسنة المروية لأن كونه ظاهرا ثابت بيقين فلا يترك اليقين إلا بيقين مثله، وخروج شيء منه ليس بيقين فعرفنا أن عينه حدث.
والثاني: أن الحدث مما لا يخلو عنه النائم عادةً فإن نوم المضطجع مستحكم فتسترخي مفاصله به فيخرج منه شيء عادةً، وما ثبت عادةً كالمتيقن به فيثبت الحدث تقديرا لقيام النوم مقام الخروج (١).
وفي الأسرار النوم لا يكون حدثًا في حال من أحوال الصلاة عندنا، وكذلك قاعدًا خارج الصلاة إلا أن يكون متوركًا؛ لأن التورك جلسة تكشف عن مخرج الحدث.
في الذخيرة: النوم مضطجعاً إنما يكون حدثًا إذا كان الاضطجاع على غيره، فإن كان على نفسه لا يكون حدثًا حتى أن من نام واضعًا إليتيه على عقبيه وصار شبه المنكب على وجهه واضعًا بطنه على فخذيه لا ينتقض وضوءه، هكذا ذكره في صلاة الأثر عن محمد (٢).
قال صاحب النهاية: جَعْلُ المنكب من أنواع الاضطجاع لا يصح؛ لما أن المضطجع من وضع جنبه على الأرض لا أن يضع جنبه على فخذيه.
(متكئًا) أي على أحد وركيه، بمعنى التورك المذكور في الأسرار، والإيضاح.
والاتكاء افتعال من وَكَأَ، معتل الفاء مهموز اللام، أصله: اوتكأ، فأبدل الواو تاءً؛ لأن التاء تبدل من الواو في باب الافتعال.
وقوله: (أو مستندًا) مما اختاره الطحاوي لا من أصل رواية المبسوط.
ولو نام قاعداً فسقط، عن أبي حنيفة أنه قال: إن انتبه قبل أن يصل جنبه على الأرض لم ينتقض وضوءه لأنه لم يوجد شيء من النوم حالة الاضطجاع بخلاف ما لو انتبه بعد السقوط حيث ينتقض لأنه وجد شيء من النوم حالة
стр. 112
إِلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ) لِأَنَّ الاضْطِجَاعَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ المَفَاصِلِ، فَلَا يَعْرَى
الاضطجاع (١).
وعند أبي يوسف لو تعمد النوم في حالة السجود ينتقض وإن غلبه؛ لأن القياس أن يكون ناقضًا إلا أنا استحسناه في غير العمد؛ لأن من تكثر صلاته بالليل لا يمكنه الاحتراز عن النوم في السجود، فإذا تعمد بقي على أصل القياس (٢).
وجه ظاهر لرواية ما روى أنه ﵇ قال: «إذا نام العبد في سجودِهِ يباهي الله تعالى به مَلائِكَتَه فيقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي» (٣)، وإنما يكون جسده في الطاعة إذا بقي وضوؤه، وجعل هذا الحديث في الأسرار من المشاهير، ولأن الاستمساك باق فإنه لو زال لزال على أحد شقيه (٤).
وقوله: (لسقط) متعلق بقوله (مستندًا).
المسكة قوة التماسك الذي يكون لليقظان، وقيد بقوله: (في الصلاة وغيرها) (٥) لأن في ظاهر الرواية لا فرق بينهما لبقاء بعض الاستمساك، وقد رو ابن شجاع اختصاص ذلك فيها للحديث، والأصح ظاهر الرواية، وعند الشافعي ينقض الوضوء في هذه الهيئات في قول لأنه يؤمن معها من الحدث ففارقت هذه الهيئات هيئة القعود متمكنا.
ولنا: قوله ﵇: «لَا وُضوءَ علَى من نام» الحديث رواه أبو داود والترمذي، وأحمد، والدارقطني، والبيهقي، وقد ضعفه بعضهم لإرساله.
стр. 113
عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةٌ، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالمُتَيَقَّنِ بِهِ، وَالاتِّكَاءُ يُزِيلُ مَسْكَةَ اليَقَظَةِ لِزَوَالِ المَقْعَدِ عَنْ الأَرْضِ، وَيَبْلُغُ الاسْتِرْخَاءُ غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّقُوطِ بِخِلَافِ النَّوْمِ حَالَةَ القِيَامِ وَالقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا: هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ بَعْضَ الاِسْتِمْسَاكِ بَاقِ، إِذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ، فَلَمْ يَتِمَّ الاسْتِرْخَاءُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا، أَوْ قَاعِدًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ».
وقوله: (فإنه إذا نام استرخَتْ مفاصِلُهُ) من تتمة الحديث، أي بلغ الاسترخاء غايته فإنه قال أولاً: (ويبلغ الاسترخاء غايته)، وإنما علل بهذا الاسترخاء التام لأن الناقض منه لا يكون علةً ولا مرادا من قوله ﵇: «إذا نام استرخَتْ مفاصِلُهُ»، إذ لو كان مرادًا لوقع التناقض بين أول الحديث وآخره؛ لأن أصل الاسترخاء يوجد في النوم حالة القعود، والقيام، والركوع، والسجود فكأنه قال: لا وضوء على من استرخت مفاصله بالنوم، ولا يجوز حمل كلامه عليه كذا قيل (١).
ولأنه روي عطف النوم على البول في حديث، وهو يدل على أن مطلقه ناقض، وما رويناه يدل على اختصاصه بحال فحملنا مطلقه على مقيده لاتحاد الحكم، ولعدم إمكان الجمع بين المطلق والمقيد هاهنا، وحملنا الناقض على النوم التام، وغيره على النوم الغير التام كذا في شرح المجمع، وفي المبسوط (٢).
وفي سجود المرأة والرجل إذا ألصق بطنه بفخذه اختلاف المشايخ، في صلاة الجلابي: نوم الجالس المستند إلى شيء لو أزيل عنه لسقط لا ينتقض في الصحيح من الروايتين عن أبي حنيفة.
ونوم الجالس إذا سقط على الأرض أو عضو منه فانتبه، في بحر المحيط:
стр. 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهر الجواب عند أبي حنيفة إنه إذا انتبه قبل أن يزايل مقعده الأرض لا ينقض، وروى الحسن عنه: إن انتبه حين يضع جنبه على الأرض لا ينقض، وعند أبي يوسف: لا ينقض حتى يستقر نائمًا عليها بعد السقوط.
وذكر السَّرَخْسِي خلافه فقال: إن نام قاعدًا فسقط فعند أبي حنيفة إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض لا ينقض، وعند أبي يوسف ينقض حين سقط، وعن محمد: إن زايل مقعده الأرض ينقض، وعن محمد: إن استيقظ حال ما يسقط لا ينقض، وعند السقوط لو وضع يده على الأرض لا ينقض، ويستوي فيه الكف وظهر الكف (١).
وفي أمالي قاضي خان نام جالسًا وهو متمايل فيزول مقعده عن الأرض، قال الحلواني: ظاهر المذهب أنه ليس بحدث والنوم متوركًا كالنوم جالسًا بتمايل، ولم يفصل بين القليل والكثير (٢).
وفي الفتاوى الظهيرية: النوم متوركًا كالنوم مضطجعًا ولو محتبيا ورأسه على ركبتيه لا ينقض، ولو متربعًا ورأسه على فخذيه ينقض.
وذكر الحلواني: ولا ذكر للنعاس مضطجعاً، والظاهر أنه ليس بحدث لأنه نوم قليل، وقال أبو علي الرازي وأبو علي الدقاق: إن كان لا يفهم عامة ما قيل حوله كان حدثًا، وإن كان يسهو حرفًا وحرفين فلا.
وسجدة التلاوة كالصلبية وكذا سجدة الشكر عند محمد خلافا لأبي حنيفة وفي النوم في سجود السهو اختلاف المشايخ والكل في الْمُجْتَبى فإن سجدة الشكر مسنونة عند محمد خلافا لأبي حنيفة.
وفي فتاوى قاضي خان: نام خارج الصلاة في السجدة، قيل: إن سجد على وجه السنة لا يكون حدثًا، وعلى غير وجه السنة يكون حدثًا. وفي ظاهر الرواية يكون حدثا مطلقًا (٣).
стр. 115
(وَالغَلَبَةُ عَلَى العَقْلِ بِالإِغْمَاءِ، وَالجُنُونُ) لِأَنَّهُ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فِي الاسْتِرْخَاءِ،
وفي شرح الطحاوي: صلى المريض مضطجعًا فنام فاختلف المشايخ فيه (١).
قوله: (إنما الوضوء على كذا) (٢) قال فخر الدين الرازي: إنما لحصر الشيء في الحكم أو لحصر الحكم في الشيء؛ لأن (إنَّ) للإثبات، و (ما) للنفي فتقتضي إثبات المذكور ونفي ما عداه (٣).
واعترض عليه بأن ما في (إنما) كافة عند النحاة وليست بنافية لأنها قسمية، وقسيم الشيء لا يكون عينه ولا قسيمه، وبأن دخول (إن) على (ما) النافية لا يستقيم لأن كلا منهما له صدر الكلام فلا تجمع بينهما.
فإن قيل: لم ينحصر الحكم هاهنا لانتقاض الوضوء بغير النوم.
قلنا: حصر انتقاض الوضوء المتعلق بصفة الاضطجاع فإنه ﵇ علله باسترخاء المفاصل، وإنما وجب على المتكئ والمستند بدلالة النص لاستوائهما المنصوص في المعنى وهو الاسترخاء، كذا نقل عن مولانا حميد الدين (٤).
قوله: (والجنون) بالرفع عطف على (والغلبة)، وبالجر خطأ لأن العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي المجنون مسلوبًا، ولهذا جاز الإغماء على الأنبياء دون الجنون.
وفي المغرب: الإغماء ضعف القوى بالداء في الطب هو امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ (٥).
وعند المتكلمين: هو سهو يعتري الإنسان مع فتور الأعضاء، والجنون
стр. 116
وَالإِغْمَاءُ حَدَثٌ فِي الأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَهُوَ القِيَاسُ فِي النَّوْمِ، … ... .
زوال العقل وفساده (١).
وفي الفتاوى الظهيرية: السكر بحيث تختل مشيته ينقض الوضوء، هكذا فسره الحلواني (٢).
وفي الْمُجْتَبى: السكر حدث إذا دخل في مشيته تمايل وهو الأصح، وعند الشافعي ﵀ إذا لم يبق معه شعور ينقض وإلا لا.
وفي الكفاية والمبسوط وغيرهما: إنما كان الإغماء والغشي والجنون أحداثًا لزوال التحفظ والمسكة، وقليل الإغماء والجنون ناقض لأنه فوق النوم؛ فإن المضطجع إذا نبه انتبه، والمغمى عليه لا ينتبه، ولهذا يكون الإغماء حدثًا في الأحوال كلها (٣)، وهو قول الأئمة الأربعة وأكثر العلماء، وعن أحمد في رواية أنه يجب الغسل بالإغماء والجنون لحديث عائشة أنه ﵇ أغمي عليه فاغتسل (٤).
وقلنا: روي أنه ﵇ توضأ، والاغتسال مذكور في حديث عائشة يحمل على غسل الأعضاء، ويحمل على أنه اختار الأفضل فإنه مستحب.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: الجنون لم ينتقض لغلبة الاسترخاء؛ لأن المجنون أقوى من الصحيح، لكن باعتبار عدم مبالاته وتمييزه من الحدث يجعل في الأحوال كلها حدثًا (٥).
(وهو القياس في النوم) أي: كونه حدثًا في القيام والركوع والسجود لزوال المقعد عن الأرض، ووجود أصل الاسترخاء، لكنا تركناه بقوله ﵇: " لا وضوء "، الحديث، فلا يقاس الإغماء والجنون عليه؛ لأنهما فوق النوم لما ذكرنا، وبدليل أنه يسقط الفرض بدوامهما، ولا يسقط بدوام سائر الأحداث إذ
стр. 117
إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالأَثَرِ، وَالإِغْمَاءُ فَوْقَهُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَالقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَالقِيَاسُ: أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجِ
النوم فترة أصلية فلا يكون من أقسام المرض فلا يسقط به شيء، فلا يصح به القياس عند وضوح الفرق.
قوله: (ذات ركوع وسجود): احترز عن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة فإن القهقهة تبطلهما ولا تنقض الوضوء لأنها ناقضة بخلاف القياس، فيقتصر على مورد النص وهو صلاة كاملة فلا يلحق بها ما دونها.
روى الحسن عن أبي حنيفة أن القهقهة ما يسمع لضحكه صوت، سواء بدت أسنانه أو لا، وسواء كان عامدًا أو ساهيًا، متوضئا أو كان متيمما.
وفي المحيط: ولا يبطل الغسل وهل يبطل الوضوء في حق المغتسل حتى لا يجوز أن يصلي بعده بلا تجديد وضوء اختلف المشايخ فيه.
قيل: لا يبطله فلا يعيد الوضوء لأنه ثابت في ضمن الغسل فإذا لم يبطل المتضمّن لا يبطل المتضمَّن، والصحيح أنه يبطله ويعيده؛ لأن إعادة الوضوء واجبة بطريق العقوبة عند القهقهة لا أنه أحدث حقيقةً؛ لأنها ليست بخارج نجس، بل هي صوت كالبكاء والكلام كما قال الشافعي (١)، كذا في الأسرار (٢).
وبقول الشافعي قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، ومكحول، وعطاء، والزهري، والشعبي (٥).
وبقولنا قال أبو موسى، والحسن بن أبي الحسين، والنخعي، والأوزاعي، وعبيد الله، وابن سيرين (٦)، ولأنها حدث كسائر الأحداث، فإذا طرأ حدث بعد الغسل يجب الوضوء فكذا هذا.
стр. 118
نَجِسٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التَّلَاوَةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ. وَلَنَا:
فبعض المشايخ جعلها حدثًا فلا يجوز مس المصحف معها، وبعضهم أوجب الوضوء عقوبة فيجوز مس المصحف معها.
وذكر فخر الإسلام في أصوله: الصحيح أن قهقهة النائم في الصلاة لا تكون حدثًا ولا تفسد صلاته بها؛ لأنها جعلت حدثًا لقبحها في محل موضع المناجاة، وسقط ذلك بالنوم، ولا تبطل الصلاة أيضًا لأنه يبطل حكم الكلام (١).
وفي المحيط: وقع في بعض الكتب قهقهة النائم في الصلاة لا تنقض، وقال شداد بن أوس، قال أبو حنيفة: تفسد صلاته ولا يفسد وضوؤه، وهكذا أفتى الفقيه عبد الواحد، وقال أبو محمد الكوفيني: يفسد وضوؤه أيضًا، وبه أخذ عامة المتأخرين احتياطًا (٢).
وقهقهة الصبي في الصلاة لا تنقض، وذكر نجم الأئمة البخاري عن سلمة ابن شداد أنه يبطل الوضوء دون الصلاة. وعن أبي القاسم أنه يبطلهما. وفي قهقهة النائم والساهي في الصلاة عنه روايتان. وفي قهقهة الباني في الطريق بعد الوضوء روايتان، ولو نسي الباني المسح فقهقه قبل القيام إليها نقض، وبعده لا ينقض لبطلان الصلاة بالقيام إليها، وهو من مسائل الامتحان (٣).
احتج الشافعي بما روي عن جابر: أنه ﵇ قال: «الضَّحِكُ ينقض الصَّلاةَ ولا ينقض الوضوء» (٤)، وبالقياس كما ذكر في المتن.
(ولنا) حديث خالد بن معبد الجهني أنه ﵇ كان يصلي فدخل المسجد أعمى فتردّى في بئر أو حفرة فضحك بعض من خلفه، فقال عليه
стр. 119
قَوْلُهُ ﵊: «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنكُمْ قَهْقَهَةٌ فَلْيُعِد الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا» وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ القِيَاسُ.
وَالأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةِ مُطْلَقَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا. وَالقَهْقَهَةُ: مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ، وَالضَّحِكُ: مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ، وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ: يُفْسِدُ الصَّلَاةَ دُونَ الوُضُوءِ.
السلام: «ألا من ضَحِكَ منكُم قهقهةً فليُعِدِ الوضوء والصلاة جميعاً». وفي رواية: «ضَحِكَ قَرْقَرَةٌ». وفي رواية: «ضَحِكَ كَرْكَرَةً» (١).
(وبمثله): أي بمثل هذا الحديث الذي عمل به الصحابة والتابعون، وكان رواية من المعروفين بالفقه والاجتهاد كأبي موسى الأشعري، ولا يكون غريبًا بترك القياس لأن الخبر على القياس، وما قيل أنه مرسل فلا يقدم عليه عنده لما عرف غير قوي؛ لأن أبا حنيفة رواه عن منصور، عن الحسن، عن معبد الجهني مسندا، فقد قيل: لنا إحدى عشر حديثًا في الباب سبعة مسندة، وأربعة مرسلة رواه ثقات مع أن مثل هذا المرسل حجة عند الكل، ولو سلم كونه مرسلًا فالمراسيل كالمسانيد عندنا على ما عرف، خصوصا إذا رواه الأئمة، واشتهر في الصحابة والتابعين.
ثم الضحك في الصلاة ليس كالضحك في غيرها لأنها حالة المناجاة مع الرب فتعظم الجناية منه فلا يلحق غره به، بخلاف صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة فإنهما ليستا بحالة المناجاة، مع أن المخصوص عن القياس لا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه فكان الأخذ بالخبر أولى، وما رواه محمول على الضحك دون القهقهة لدفع التعارض بين الخبرين.
(صلاة مطلقة): أي كاملة في الماهية، وصلاة الجنازة دعاء للميت لا مناجاة مع الرب فلا تكون صلاة مطلقة.
стр. 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الهاروني: وأجمعوا على أن الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء، وهو أن يسمع نفسه، والتبسم لا ينقض الوضوء ولا الصلاة وهو أن لا يسمع نفسه ولا غيره؛ لأنه ورد التبسم عن النبي ﷺ في الصلاة، كذا في الينابيع، والمجتبى (١).
والمباشرة الفاحشة وهو أن تنتشر الآلة، وتماس الفرجان وليس بينهما حائل لا ينقض الوضوء عند محمد قياسًا لعدم خروج الناقض؛ فإن الاطلاع على الخروج ممكن، وعندهما ينقض استحسانًا لندرة عدم خروج بلة مع البلوغ إلى هذه الحالة وقد تخفى لقلتها فيدار الحكم على السبب احتياطا (٢).
وفي القنية: وكذا المباشرة بين الرجل والغلام وكذا بين الرجلين توجب الوضوء عليهما كما بين الرجل والمرأة (٣).
ومس المرأة والفرج بباطن الكف لا ينقض عندنا، وينقض [عند] (٤) الشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧) إن كانا بشهوة ينقض وإلا لا؛ لأن المس بالشهوة مظنة خروج ناقض، وربما يخفى لقلته فأدير الحكم عليه احتياطا.
وللشافعي قوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء﴾ فإنه معطوف على المجيء من الغائط وهو حقيقة في اللمس باليد، وقراءة ﴿لَمَسْتُمُ﴾ [النساء ٤٣] محمولة عليه، والمفاعلة تأتي من جانب واحد كطارقت النعل، وعاقبت اللص.
وقوله: (قول ابن عمر وابن مسعود): وفي المبسوط: هو اختلاف معتبر في الصدر الأول حتى قيل: ينبغي لمن يؤم أن يحتاط فيه (٨).
стр. 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله ﵇: «من مس ذَكَرَهُ فليَتَوَضَّأ» (١)، ولأن المس سبب لاستطلاق وكاء المذي فيكون سبباً لخروجه فيقام مقامه كالتقاء الختانين، ثم على قوله يشترط مس بشرتها حتى لو مس شعرها أو ظفرها لم يكن حدثا، وفي مس ذوات المحارم والصغيرة الأجنبية له قولان:
أظهرهما: أنه ينقض، وفي قول: لا ينقض في حق اللامس سواء كان رجلا أو امرأة حدث قولا واحدًا، وفي حق الملموس قولان:
أظهرهما: أنه في حكم اللامس والثاني: أنه ليس بحدث، كذا في السهيلي (٢).
ولنا: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ﴾ [النساء ٤٣] أي جامعتم لأنه هو المتعارف بين أهل اللغة وقراءة (لَمَسْتُم) محمولة عليه؛ فإنه حينئذ يتبين حكم الطهارة الصغرى والكبرى حال عدم الماء كما تبين حالهما في صدر الآية عند وجود الماء وبالعباد حاجة إلى أن يعرف هذا الحكم في الحالتين، والحمل على ما هو أشفى بيانًا وأعظم فائدة وأعم نفعًا أولى بخلاف ما لو لم يحمل عليه لأنه حينئذ يكون بيانا للطهارة الصغرى مرتين، وإهمالًا لبيان الكبرى حال عدم الماء مع عدم اهتداء العقل إلى قياس الكبرى.
وفي الآية أبحاث تعرف في الأصول مع ما روي عن عائشة ﵂ أنه عليه
стр. 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السلام كان يُقبل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة (١).
وقوله ﵇: «لا وُضوءَ إلّا عن صوتٍ أو ريح» (٢)، وظاهر قوله ﵇: «الوضوء مما خرج» (٣).
وما حمل الشافعي ما روي عن عائشة عن القبلة من وراء الثوب ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر، وما روي عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ أنه سأله رجل عن مس ذكره أفيه الوضوء؟ قال: «لا، هلْ هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ مِنْكَ» (٤)، ولأن السبب الخارج النجس أو ما هو سبب له غالبًا ولم يوجد، والسبب إنما يقام مقام المسبب إذا كان خفيًا يعسر الاطلاع عليه فيدار الحكم على سببه احتياطا، أما هاهنا الاطلاع على حقيقة ما هو حدثه ممكن غير متعسر بخلاف الالتقاء فإنه سبب لخروج المني وقد يخفى خروجه لقلته فأدير الحكم على سببه.
стр. 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما ما رواه فقد طعن فيه يحيى بن معين وهو من التابعين المشهورين من أئمة الحديث، وقال: ثلاث لا يصح فيه حديث عن رسول الله، منها حديث مس الذكر، قال: وما قاله ﵇ حيث لم يقله بين يدي كبار الصحابة وقاله بين يدي بسرة.
وعن جماعة من الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود مثل مذهبنا حتى قال بعضهم: إن كان شيء منك نجسا فاقطعه، وقال بعضهم: لا أبالي أمسسته أم أنفي.
وقد نقل عن جماعة من الصحابة ذلك وعن ربيعة أنه كان يقول: هل يأخذ بحديث بسرة أحد؟ والله لو أن بسرة على هذا النقل لما أخذت بشهادتها لأن قوام الدين بالصلاة وقوامها بالطهور، فلم يكن في الصحابة من يقيم هذا الدين إلا بسرة، قال ابن زيد على هذا أدركنا مشايخنا.
ووقعت هذه المسألة في زمن عبد الملك بن مروان فشاور الصحابة فأجمع من بقي منهم على أنه لا وضوء فيه، وقالوا: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أو كذبت ومعنى قولهم كتاب ربنا أنه تعالى بين الأحداث من دم، وحيض، وغائط، وشرع الاستنجاء وأنه لا يتصور بلا مس، والسنة حديث طلق.
وعن أبي أيوب: قلت لرسول الله ﷺ : مسَسْتُ ذكري في الصلاة، قال: «لا بأس به» كذا في الأسرار، وشرح الآثار (١).
ولأنه عضو من أعضائه فإما أن يكون نجسا أو طاهرًا، وليس في مس شيء من الطاهرات والنجاسات وضوء حتى لو مس ما يخرج منه لم ينتقض وضوءه، كذا في المبسوط (٢).
وما قيل: أن حديث طلق منسوخ لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق غير مسلم، ولئن سلّم فتاريخ القدوم لا يدل على تاريخ الرواية لجواز تساويهما في
стр. 124
(وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ رَأسِ الجُرْحِ، أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ لَا تَنْقُضُ) وَالمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودَةُ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا،
الرواية، أو تأخره في السماع وإن تقدم هجرة، واعتبار احتمال التقدم في حديث طلق لاحتمال النسخ غير مستقيم؛ لأن حديثه غير قابل للنسخ لأنه صدر هذا الكلام على سبيل التعليل فإنه ﵇ ذكر أن الذكر قطعة لحم فلا تأثير لمسه في الانتقاض، وهذا المعنى لا يقبل النسخ، كذا في شرح المصابيح (١).
ويحمل حديث أبي هريرة على الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين، أو على الكناية لأنه يمكن أنه ﵇ أطلق مس الذكر كناية عما يخرج من الذكر، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها حيث يسكتون عن ذكر لفظ شيء ويرمزون عليه بذكر ما هو من روادفه، فينبهون بتلك الرمزة عن مكانه فيقولون: عالم يغترف الناس منه، فينبهون بالاغتراف على البحر؛ لأنه من لوازم وصف البحر، فكذلك مس الذكر يرادف خروج الحدث منه ويلازمه غالبًا عبر عنه وهو اللائق بمنصب الرسالة في حسن التعبير عن مثل هذه المقاصد بالكنايات المتعدية، ويصار إلى التأويل ليندفع التناقض بين الحديثين إذ الجمع بينهما عند الإمكان أولى من الطعن في أحدهما.
والجواب عن كلام مالك وأحمد رحمهما الله أن الاطلاع على خروج الناقض ممكن فلا بد أن الحكم على السبب لأن ذلك عند خفاء المسبب، وفيه تأمل.
قوله: (والمراد بالدابة) كذا، وفائدة التفسير: أن الدابة اسم لما يدب على الأرض لئلا يتوهم أن المراد هو الدواب التي تطير في الدبر كالذباب والبق ثم تخرج حيث لا ينقض.
قوله: (لأن النجس ما عليها)، فإن قيل: قد سبق أن ما لا يكون حدثًا لا يكون نجسا وهو صحيح، ثم قال هاهنا بنجاسة ما عليها وهو ليس بحدث في غير السبيلين وهذا تناقض.
стр. 125
وَذَلِكَ قَلِيلٌ، وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ الجُشَاءَ وَالفُسَاءَ، بِخِلَافِ الرِّيحِ الخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ المَرْأَةِ وَذَكَرِ الرَّجُلِ، لِأَنَّهَا لَا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةً يُسْتَحَبُّ لَهَا الوُضُوءُ، لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنْ الدُّبُرِ. (فَإِنْ
قلنا: لعله ذكره بناء على قول محمد، كذا ذكره في الفوائد الظهيرية (١).
وعلى تقدير أنه قول الكل فمعناه بأن النجس لو كان لكان ما عليها من البلة لا نفس الدودة، ولهذا لو غسلت وصلى معها يجوز، والبلة بانفرادها حدث في السبيلين فكذا مع غيرها، وفي غير السبيلين قليل البلة بانفرادها ليس بحدث لأنه غير سائل والخروج بالسيلان، ولهذا قال: وذلك قليل لأنه لو كان كثيرا لسال، فإذا كان قليلا لا يكون خارجا بل ظاهر، وبهذا يندفع التناقض.
وقيل: في الفرق بينهما أن التي خرجت من الدبر متولدة من النجاسة، والنجاسة لو خرجت بنفسها تنقض، فكذا المتولدة منها، والتي سقطت من الجرح متولدة من اللحم، واللحم لو سقط لا ينقض، فكذا المتولد منه.
وقوله: (فأشبه الجشاء والفساء)، لف ونشر الجشا يشبه الدودة التي تخرج من الجرح، والفسا الدودة التي تخرج من الدبر.
وقيل: الجشا وإن كان نجسا إلا أنه لم يعتبر حدثا للضرورة؛ لأن الاحتراز غير ممكن، بخلاف الفسا فإن الاحتراز عنه ممكن، ثم اختلف المشايخ في الريح أن عينها نجس، أم نجس بسبب مرورها على النجاسة؟
وثمرة الاختلاف تظهر فيما لو خرج الريح وعليه سراويل مبتلة هل تنجس؟ من قال: عينها نجس يقول: تنجس السراويل، ومن قال: عينها طاهر يقول: لا ينجس، كما لو مرت الريح على نجاسة، ثم مرت على ثوب مبتل فإنه لا ينجسه، كذا ذكره التمرتاشي (٢).
قوله: (لاحتمال خروجها من الدبر): وأثر هذا الاحتمال يظهر في مسألة
стр. 126
قُشِرَتْ نَفْطَةٌ، فَسَالَ مِنهَا مَاءٌ، أَوْ صَدِيدٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا إِنْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الجُرْحِ نَقَضَ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ لَا يَنْقُضُ). وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَنْقُضُ فِي الوَجْهَيْنِ (*).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنْقُضُ فِي الوَجْهَيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَهَذِهِ الجُمْلَةُ نَجِسَةٌ: لِأَنَّ الدَّمَ يَنْضَجُ فَيَصِيرُ قَيْحًا، ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ صَدِيدًا، ثُمَّ يَصِيرُ مَاءً، هَذَا إِذَا قَشَرَهَا فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إِذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ لَا يَنْقُضُ، لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أخرى وهي أن المفضاة (١) إذا طلقها زوجها ثلاثًا وتزوجت بآخر ودخل بها الزوج الثاني لا تحل للأول ما لم تحبل لاحتمال أن يكون الوطء كان في دبرها لا في قبلها، كذا في الفوائد الظهيرية (٢).
فإن قيل: على تعليل الاحتمال ينبغي أن يجب عليها الوضوء احتياطا.
قلنا: كونها متوضئة كان ثابتًا بيقين واليقين لا يزول بالشك كالمتوضئ إذا شك أنه أحدث أم لا، لا يجب الوضوء عليه، وقال أبو حفص الكبير: يجب الوضوء في الريح الخارج من المفضاة، وهو رواية هشام عن محمد (٣).
وقيل: يجب في المنتنة دون غيرها.
وهذه الجملة أي (الماء، والصديد، والدم)، وفي المحيط: خرج من السرة ماء أصفر وسال ينقض الوضوء، وقد ذكرنا فيه خلاف الحسن.
قوله: (لأنه مخرج)، وفي النوازل، وفي فتاوى العتابي: عصرت القرحة فخرج منها شيء كثير، ولو لم يعصر لا يخرج لا ينقض، ولكن قال: وفيه نظر (٤).
وفي جامع الإمام السَّرَخْسِي: إذا عصرها فخرج منها الدم بعصرها انتقض،
стр. 127
فَصْلٌ فِي الغُسْلِ
(وَفَرْضُ الغُسْلِ: المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ وَغَسْلُ سَائِرِ البَدَنِ مَرَّةً) وَعِنْدَ
وهو حدث عمد كالفصد والحجامة ولا يبني على صلاتة، وفي الكافي: والأصح أن المخرج ناقض، وفي الفوائد الظهيرية مثل ما ذكر في الكتاب (١).
وقيل في الفرق أن فيهما بعد قطع الجلدة يخرج الدم بنفسه ولا كذلك في المخرج.
(فَصْلٌ فِي الْغُسْلِ)
الفصل مهما فصل لا ينوّن ومهما وصل ينوّن؛ لأن الإعراب يستحق بعد العقد والتركيب على ما عرف في المفصل، وقدم الوضوء على الغسل اقتداءً بكتاب الله تعالى فإنه ذكر فيه على هذا الترتيب، أو باعتبار شدة الحاجة إلى علم الوضوء لكثرة وقوعه حتى أنه تعالى ذكر الوضوء بكلمة ﴿إِذَا﴾ لأنه من الأمور الكائنة.
والجنابة بكلمة [إِنَّ] (٢) وهي تستعمل في الأمور المترددة على ما بينا أولا، ولأن محل الوضوء بعض البدن، ومحل الغسل كله، والبعض مقدم على الكل، ثم يعقب الغسل عليه باعتبار أنها طهارتان تعلقتا على البدن.
(الغُسل) بالضم اسم الاغتسال الذي هو مصدر، وبالفتح مصدر غسل، وبالكسر ما يغسل به الرأس من الخطمي ونحوه.
و (فرض): أي المفروض، ذكر المصدر وأراد به المفعول كما يقال: هذا الدرهم ضرب للأمير، أي مضروبه، وفي الكشاف: المصدر يذكر ويراد به الزمان والمكان والفاعل والمفعول.
و (السائر) الباقي، ومنه السؤر، والجنب يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الأجناب، كذا في
стр. 128
الشَّافِعِيِّ ﵀: هُمَا سُنَّتَانِ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «عَشْرٌ مِنْ الفِطْرَةِ» أَيْ مِنْ
الكشاف (١).
وأطلق اسم الفرض على المجتهد؛ فإن عند الشافعي ومالك سنتان في الجنابة والوضوء، وعند أحمد فرض فيهما، وقد مر؛ لأن ظاهر النص يتناول المضمضة والاستنشاق لأنه أمر بالمبالغة في التطهير، وذلك إنما يكون بإيصال الماء ما أمكن إيصاله إليه.
(عشر من الفطرة) أي السنة، خمس في الرأس: الفرق، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وخمس في الجسد: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، وقد جمعها الشاعر:
فهُنَّ فَرْقٌ وقَصٌّ ومَضْمَضَةٌ … والاستِيَاكُ والاستِنْشَاقُ فِي الرَّاس
قَلْمٌ وخَتْن ونتف الإبط رابعُها … أن يستَحِدَّ ويَستَنْجِي مِنَ الأرجاس
ولأنهما لا يجبان في غسل الميت، ولو وجبا في غسل الحي لوجبا في غسل الميت، ولأنهما لو وجب غسلهما لكانا من الوجه، ولو كانا منه لوجب غسلهما في الوضوء، كذا في شرح الوجيز.
ولنا: قوله جل وعلا: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والاطهار: الاغتسال ومعناه أبدانكم كذا في الكشاف (٢)، فالبدن اسم للظاهر والباطن وهو ساقط بالإجماع لعدم إمكان غسله فاستحال التكليف بما ليس في الوسع، كما يسقط الظاهر إذا كان به جراح أو عدم الماء، وباطن الأنف والفم يمكن غسلهما؛ فإنهما يغسلان عادةً وعبادة نفلًا في الوضوء، وفرضًا في النجاسة الحقيقية فيتناولهما الأمر.
ثم لا يجب إدخال الماء في العينين لتعسره، والمتعسر منفي كالمتعذر بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وفي غسلهما من الحرج ما لا يخفى فإن العين شحم لا يقبل الماء، وقد كف بصر من تكلف له من الصحابة كابن عمر، وابن عباس، ولهذا لا تغسل العين إذا تكحل بكحل نجس.
وقوله ﵇: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، ألا فبلُّوا الشعرة،
стр. 129
السُّنَّةِ، وَذَكَرَ مِنْهَا المَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَلِهَذَا كَانَا سُنَّتَيْنِ فِي الوُضُوءِ. وَلَنَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَهُوَ أَمْرٌ بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ البَدَنِ، إِلَّا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ النَّصّ، بِخِلَافِ الوُضُوءِ، لِأَنَّ الوَاجِبَ
وأنقوا البشرة» (١)، وفي الأنف شعرة، وفي الفم بشرة.
وروى أبو داود عن زاذان، عن علي: أنه ﵇ قال: «مَنْ ترك موضع شعرةٍ منَ الجنابة لم يُصِبْها الماءُ فعَلَ به كذا وكذا من النَّارِ»، قال علي: فمن ثم عاديت رأسي (٢)، وروى ذا الدارقطني عن ابن سيرين قال: أمر رسول الله ﷺ بالاستنشاق في الجنابة (٣).
وعنه عن ابن عباس أنه قال: إذا نسي المضمضة فيها أعادهما، [واستأنف] (٤) الصلاة، وكذلك قال ابن عرفة، والثوري (٥).
(خارج): أي عن النص مثل إدخال الماء في العينين.
قوله: (لأن الواجب) في الأسرار فاعتباره بالوجه ساقط لأنه اسم لما يواجه الناظر، وباطن الفم والأنف لا يواجهه أحد، ألا ترى أنه لا يجب غسل ما تحت الشعر في الحدث الأصغر، وفي الأكبر يجب، وكذلك الحدث الأصغر لا يحل بالرّجل بالخف وهذا يحل، فعلم أن ذلك مقصور على الظاهر، وهذا يعم الظاهر والباطن لغلظه إلا ما لا يمكن غسله.
стр. 130
فِيهِ غَسْلُ الوَجْهِ، وَالمُوَاجِهَةُ فِيهِمَا مُنْعَدِمَةٌ، وَالمُرَادُ بِمَا رَوَى حَالَهُ الحَدَثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊: «إِنَّهُمَا فَرْضَانِ فِي الجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الوُضُوءِ».
قَالَ: (وَسُنَّتُهُ: أَنْ يَبْدَأَ المُغْتَسِلُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ وَيُزِيلَ نَجَاسَةٌ … ... … ... … ... …
قوله: (منعدمة) انعدم خطأ عند أهل التصريف؛ لأن انفعل للمطاوعة، وهو يختص بالعلاج والتأثير وصوابه: معدومة.
(إنهما) لما روى أي الشافعي.
(حاله الحدث) أي: الوضوء وإنما لم يجبا في غسل الميت لتعذر إخراج الماء منهما ولهذا لم يسنا فيه أيضًا، وقال مالك: الدلك شرط فيه (١)، وهو اختيار المزني (٢)، ورواية عن أبي يوسف (٣)؛ لأن ملاقاة الماء جميع البشرة فرض فلا يتم ذلك إلا بالدلك عادة فكان من ضروراته.
وقلنا: ماهية الغسل الماء على البشرة والدلك من المتممات فكان مستحباً، وفي شرح الوجيز قال ﵇: "أنا أفيض الماء على رأسي ثلاث حثيات " فأنا إذا قد طهرت رتب الطهارة على الإفاضة ولم يتعرض للدلك فيغسل يديه فالسنة في غسلهما إلى الرسغ.
قوله: (ويزيل النجاسة)، وفي بعض النسخ: (ويزيل نجاسته)، واستحسنه صاحب الكتاب وهو الصحيح؛ لأن اللام تكون للعهد، ولا معهود هاهنا، أو للجنس أو للاستغراق وهو غير مراد بالإجماع، ولأن كون النجاسة كلها في بدنه محال ولا نفس الجنس؛ لأن الجنس يقع على الأدنى فيحتمل الكل والأدنى وهو مقدار الجزء الذي لا يتجزأ غير مراد أيضًا؛ لأنه علل ذلك بقوله: (لكيلا تزداد النجاسة بإصابة الماء)، وهذا القليل لا يزداد بإصابة الماء لما أنه ذكر التمرتاشي في جامعه: لو أصابه النجاسة مثل رؤوس الإبر ثم أصاب ذلك الموضع الماء لم ينجس، إلا أن الرواية اشتهرت باللام في النسخ فوجب حمل
стр. 131
إِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ..
اللام على تحسين النظم كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ [الجمعة: ٥] الآية (١).
وكقول الشاعر (٢):
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وقوله: (إن كانت على بدنه): جملة فعلية لا تصلح صفة للمعرفة وهي النجاسة؛ لأن الجمل نكرات.
ثم احترز بقوله: (وضوءه للصلاة) عما روى الحسن، عن أبي حنيفة: أنه يتوضأ ولا يمسح رأسه (٣)، لعدم فائدة المسح لوجود إسالة الماء من بعد، وذلك بعدم معنى المسح، بخلاف الغسل لأنه يسيل فلم يكن التسييل بعد معدما له، والصحيح ظاهر الرواية لما أنه ﵇ فعل هكذا.
وقال داود: يجب الوضوء والغسل في الجنابة المجردة بأن يأتي الغلام أو البهيمة أو لف ذكره بخرقة فأنزلت، وفي أحد قولي الشافعي ﵁ يلزم الوضوء في الجنابة مع الحدث، وفي قوله الآخر: يقتصر على الغسل لكن يلزمه أن ينوي الحدث والجنابة في قول، وفي قول: تكفي نية الغسل.
وقلنا: الوضوء يحصل بغسل جميع البدن فلا يحتاج إليه ولأن مبنى الأسباب الموجبة للطهارة على التداخل ألا ترى أن الحائض إذا أجنبت يكفيها غسل واحد، ومن العلماء من أوجب الوضوء بعد الإفاضة قياسًا على غسل الرجلين وهو غير صحيح، لأنه روي عن علي وابن مسعود إنكار ذلك، كذا في
стр. 132
إِلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضَ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَتَنَحَّى عَنْ ذَلِكَ
المبسوطين (١).
فكان قوله: (وإنما يؤخر غسل رجليه) جوابًا لرواية الحسن عن أبي حنيفة، ولقياس من أوجب الوضوء بعد الإفاضة.
قوله: (إلا رجليه): يعني يؤخر غسل رجليه، وهو رواية ميمونة عنه ﵇، وأكثر المشايخ أخذوا بها وعند بعض مشايخنا، والأصح من رواية الشافعي لا يؤخر غسلهما بل قدمه على الغسل، وهو رواية عائشة عنه ﵇، وفي شرح الغاية: وقول عائشة أرجح لطول الصحبة والضبط في الحديث (٢).
وفي شرح الوجيز: كلا الطرفين سنة والكلام في الأولى، وفي الْمُجْتَبى: والأصح أنه إن لم يكن في مستنقع الماء يقدم وهو التوفيق بين الروايتين، وفي المبسوط: إنما يؤخر غسلهما إلا إذا كانا فيه، حتى لو كان على حجر أو لوح أو آجر لا يؤخر (٣)، كما ذكر في المتن.
(ثم يفيض الماء على رأسه): قال الحلواني: كيفية الإفاضة أن يفيض الماء على منكبه الأيمن ثلاثًا، ثم الأيسر ثلاثًا، ثم على رأسه وسائر جسده ثلاثا (٤).
وقيل: يبدأ به ثلاثا، ثم بالرأس، ثم بالأيسر.
وقيل: يبدأ بالرأس كما أشار إليه في القدوري، وهكذا قال في كتب أصحاب الشافعي (٥).
وفي الْمُجْتَبى: ويحرك القرط الضيق والخاتم الضيق ليصل الماء إليه، ولو لم يكن فيه قرط لا يتكلف في إيصال الماء إليه إذا دخل الماء الثقبة عند
стр. 133
المَكَانَ فَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ)، هَكَذَا حَكَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ اغْتِسَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُمَا فِي مُسْتَنْقَعِ المَاءِ المُسْتَعْمَلِ، فَلَا يُفِيدُ الغَسْلُ، حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى لَوْحٍ لَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الحَقِيقِيَّةِ كَيْ لَا تَزْدَادَ بِإِصَابَةِ المَاءِ. (وَلَيْسَ عَلَى المَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ ضَفَائِرَهَا فِي الغُسْلِ إِذَا بَلَغَ المَاءُ أُصُولَ
المرور، ويدخل إصبعه في سرته، والماء في القلفة من الأقلف، وإن ترك جاز (١).
وفي النوازل: لا يجزؤه، ويجب غسل الفرج الخارج كالقلفة وكالفم عند أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن محمد. وعنه لا يجب كالقصبة. وعن الصفار: لا يجب عليها إدخال الإصبع في قبلها، وبه يفتى.
وفي شرح أبي ذر للصلاة: إذا انغمس الجنب في الماء الجاري جاز وترك السنة، وإن مكث فيه ساعة تسع الوضوء والغسل فقد أكمل السنة (٢).
ولو أراد الجنب أن يشرب مضمض أولا لأنه لو شرب قبل المضمضة يكون شاربًا للماء المستعمل، ولو شرب الماء غبا يغني عنها، ومصا لا.
وقيل: شرب الجاهل أو القروي يغني لأنه يعبه، بخلاف العالم أو المصري، وعن أبي يوسف: لا يجزئه ما لم يمجه.
ولو كان سنّه مجوفًا، أو بين أسنانه طعام أو درن رطب فغسله يجزئه على الأصح، والدرن اليابس في الأنف والخبز المصنوع والعجين وجلد السمك يمنع تمام الغسل، ودرن الأظفار لا يمنع، وقد بينا الاختلاف فيه في الوضوء.
قوله: (وليس على المرأة) إلى آخره، الضفر فتل بعض الشعر وإدخال بعضه في بعض، والضفيرة الذؤابة، ثم الأصل في النساء أن لا يذكرن لأن مبنى حالهن على الستر، ولهذا لم يذكر في القرآن حتى شكون فنزلت ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، إلا إذا كان الحكم مخصوصا بهن كهذه المسألة، وكما ذكر في الجامع: امرأة صلت وربع ساقها، وكما في مسألة المحاذاة، ثم
стр. 134
الشَّعْرِ)، لِقَوْلِهِ ﵊ لِأُمِّ سَلَمَةَ ﵂: «أَمَا يَكْفِيكَ إِذَا بَلَغَ المَاءُ
إنهن مخصوصات بالضفائر، ولهذا كره لهن الحلق، وشرع لهن القص في الحج وعن صاحب المنتخب في تخصيص المرأة إشارة إلا أن حكم الرجل بخلافها (١).
وفي المبسوط: الرجل إذا ضفر شعره كما يفعله العلويون والأتراك هل يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر فظاهر الحديث أنه لا يجب، وذكر الصدر الشهير أنه يجب، والاحتياط إيصال الماء.
لأم سلمة روي عنها أنها قالت: إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضها إذا اغتسلت قال ﵇: «لا، يكفيك إذا بلغ الماء أصول شعرك» (٢)، وفي رواية: «يكفيك أن تحثي الماء على رأسك وعلى سائر جسدك ثلاث حثيات» (٣)، وبلغ عائشة أن ابن عمر يأمر المرأة بنقض ضفيرتها، فقالت: لقد كَلَّفَهُنَّ شططًا - أي ذا شطط -، ألا أمر بجز نواصيهنَّ، كذا في المبسوط (٤).
وقال الشافعي: نعم يجب نقضها إذا كان الماء لا يصل إلى باطنها إلا بالنقض مع بل الشعر لقوله ﵇: «بُلُّوا الشعر» (٥)، وإن وصل بدون النقض فلا حاجة إليه (٦)، وعن مالك: أنه لا يجب نقض الضفائر ولا إيصال الماء إلى منابت الشعور الكثيفة وما تحتها لدفع الحرج (٧)، وعن أحمد: تنقض الحائض شعرها دون الجنب لكثرة وقوع الجنابة (٨).
وفي مبسوط بكر: في وجوب إيصال الماء إلى شعب عقاصها اختلاف
стр. 135
أُصُولَ شَعْرِكَ. وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَلُّ ذَوَائِبِهَا، هُوَ الصَّحِيحُ، بِخِلَافِ اللَّحْيَةِ، لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي إِيصَالِ المَاءِ إِلَى أَثْنَائِهَا.
المشايخ.
وقوله: (هو الصحيح): احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة أنها تبل ذوائبها ثلاثا مع كل بلة عصر ليبلغ الماء شعب قرونها كذا ورد في حديث أم سلمة.
وفي ظاهر الرواية لا يجب دفعًا للحرج، وفي المبسوط: يشهد للأول ظاهر قوله ﵇: "بُلُّوا الشعرَ " بخلاف اللحية وشعر الرجال، وعن الفقيه أبي جعفر: إذا كانت ذوائبها منقوضة يجب إيصال الماء إليه، وفي وجوب نقض ذوائب الرجال اختلاف الرواية والمشايخ، وذكر البزدوي والصدر الشهيد غسل ظاهر المسترسل من ذوائبها موضوع، وفي صلاة النعالي: الصحيح أنه يجب غسلها وإن تجاوزت القدمين.
وفي الإيضاح وأدنى ما يجزئ في الغسل صاع، وفي الوضوء مُد؛ لأن السنة هي الإسالة من غير تقتير وإسراف، وذلك يتأدى بهذا القدر، فإن زاد أو نقص جاز.
وفي المبسوط والتقدير في الوضوء إذا كان لا يحتاج فإن احتاج استنجى برطل ويتوضأ بِمُدِّ إن كان مع الخف ولا يحتاج إليه يكفيه رطل، ولو أراد تقديم الوضوء في الغسل زاد مدا، وكل هذه التقادير غير لازمة (١).
فإن قيل: في حديث أم سلمة نسخ الكتاب بخبر الواحد لأنها مأمورة بالإطهار وقد أمكنها النقض فيجب كالرجل.
قلنا: الأمر يتناول تطهير البدن والشعر ليس منه من كل وجه بل هو متصل بالبدن نظرًا إلى أصولها، وينفصل عنه نظرًا إلى رؤوسها فعملنا بالاتصال في حق من لم يلحقه حرج وهو الرجل، وبالانفصال في حق المرأة لأنه يلحقها الحرج، حتى قال بعضهم: لا يجب النقض على الأتراك والعلويين لهذا، كذا
стр. 136
قَالَ: (وَالمَعَانِي المُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ: إِنْزَالُ المَنِيّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ مِنْ
في المستصفى، وفي الخبازية (١).
وقيل: في جوابه خص من النص مواضع الضرورة كداخل العين فتخص ضفائر المرأة بالحديث لما أن النص عام خُص منه البعض.
قوله: (المعاني الموجبة للغسل)، قيل: هذه المعاني موجبة للجنابة على المذهب الصحيح من علمائنا وكانت ناقضة له لا موجبة إذ الناقض للشيء لا يكون مثبتا له، وفي مبسوط شيخ الإسلام: سبب وجوب الغسل إرادة الصلاة، أو إرادة ما لا يحل فعله بالجنابة عند عامة المشايخ فكان إضافة الوجوب إلى الشروط مجازا كما يقال صدقة الفطر، وعند بعضهم سببه الجنابة (٢).
وقيل: هذه المعاني موجبة للغسل بواسطتها كما في قوله ﵇: «شراء القريب إعتاق».
(على وجه الدفق): أي من الرجل.
(والشهوة) أي من المرأة سواء كان بجماع، أو بمس، أو تقبيل، أو نظر، أو فكر في اليقظة والنوم، وهذا يستقيم على قول أبي يوسف، أما عندهما لا يستقيم لأنهما لم يجعلا الدفق شرطًا، بل تكفي الشهوة حتى قالا بوجوبه إذا زايل المني عن مكانه بشهوة، وإن خرج بلا دفق، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣).
وبقول أبي يوسف قال مالك (٤)، وأحمد، وعن أحمد: لو انتقل المني عن الظهر إلى الإحليل وجب الغسل وإن لم يخرج (٥).
وقيل: إنما قال هاهنا (المعاني الموجبة)، وفي الوضوء: (المعاني الناقضة) بناءً على حال المسلم أن يكون على الطهارة دائما، فكانت الأحداث
стр. 137
الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، حَالَةَ النَّوْمِ وَاليَقِظَةِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: خُرُوجُ المَنِيِّ كَيْفَمَا كَانَ يُوجِبُ الغُسْلَ، لِقَوْلِهِ ﵊: «المَاءُ مِنْ المَاءِ» أَيْ: الغُسْلُ مِنْ المَنِي، وَلَنَا: أَنَّ الأَمْرَ بِالتَّطْهِيرِ يَتَنَاوَلُ الجُنُبَ، وَالجَنَابَةُ فِي اللُّغَةِ: خُرُوجُ المَنِيِّ
نواقضا لها، أما الغسل فإن المرء لا يكون على الجنابة دائما فكان الغسل كالأمر العارض.
(كيفما كان)، يعني سواء خرج بشهوة ودفق، أو بغيرهما لمرض، أو لحمل شيء ثقيل، أو طفرة، وفي النظم: وهو قول محمد وزفر لقوله ﵇: «الماء من الماء» (١).
(ولنا: أن الأمر بالتطهير)، يعني أن الله تعالى علق وجوب الاغتسال بالجنابة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] لا بخروج المني، ويقال: أجنب الرجل في اللغة إذا قضى شهوته من المرأة (٢).
قيل: قيد من المرأة ليخرج الأكل والشرب بالشهوة؛ فإن فيه قضاء الشهوة ولا تحصل الجنابة.
وفي المحيط: أجنب الرجل قضى شهوته، فقيل: ذكر المرأة خرج مخرج العادة لأنه ﵇ أوجبه عن الاحتلام فسقط اعتبار المرأة، وروي أن أم سليم قالت: يا رسول الله المرأة يجامعها زوجها في المنام هل تغتسل؟ قال: «هل تجد لذة؟» قالت: نعم، قال: «عليها الاغتسال إذا وجدت الماء» (٣)، بين ﵇ أن الشهوة والماء شرط يؤيده تفسير عائشة ﵂ المني أبيض ينكسر منه الذكر، والانكسار لا يكون إلا من شهوة.
وفي الخبازية: قيل الجنابة البعد، قال تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ، عَنْ جُنُبِ﴾
стр. 138
عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، يُقَالُ: أَجْنَبَ الرَّجُلُ إِذَا قَضَى شَهْوَتَهُ مِنْ المَرْأَةِ، وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ المَنِي عَنْ شَهْوَةٍ، ثُمَّ المُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ انْفِصَالُهُ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: ظُهُورُهُ أَيْضًا (*) اعْتِبَارًا لِلْخُرُوجِ بِالْمُزَايَلَةِ، … ... … ... … ... … .
[القصص: ١١] ومنه سمي الأجنبي والغريب جنبًا لبعد الأجنبي عن القرابة، والغريب عن وطنه، والبعد عن ذكر الله تعالى بسبب الاشتغال بهذه الشهوة هو الذي يوجب التطهير لا بعد آخر بالإجماع.
في الأسرار: إذا خرج من غير شهوة لا يعلم أنه مني أو رطوبة، وقد قيل في علم الطبائع: المني دم في الأصل لكنه يتبيض بتصعيد الشهوة كما يتبيض ماء الورد الأحمر بالنار، حتى إذا أكثر الجماع وفترت الشهوة خرج أحمر، فعلى هذا خروجه أبيض بغير شهوة يدل على أنه ليس بمني، والحديث محمول على الشهوة لما بينا من حديث أم سليم جمعًا بينهما، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وفي المستصفى والخبازية: قوله ﵇: «الماءُ مِنَ الماءِ» يتناول الودي، والمذي، والمني عن شهوة، وغير شهوة، ولا يمكن إجراؤه على العموم بالإجماع فيراد به أخص الخصوص، والمني عن شهوة يراد بالإجماع فلا يبقى غيره مرادًا، وفيه نوع تأمل (١).
(بالمزايلة): يعني وصف الجنابة يتعلق عن الانفصال والخروج والشهوة شرط في الجنابة فيشترك فيهما أنه أي الغسل متى وجب من وجه يعني خروج من الشهوة باعتبار الانفصال، وإنما عدم الدفق والشرط مطلق الشهوة لا كماله، فباعتبار ما وجد يجب الغسل، وباعتبار ما عدم لا يجب، فرجح جانب الوجوب احتياطا لأمر العبادة.
فإن قيل: يلزم على هذا الريح الخارج من قبل المفضاة فينبغي أن يجب الوضوء احتياطا لأمر العبادة.
стр. 139
إذ الغُسْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَلَهُمَا: أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ مِنْ وَجْهِ فَالِاحْتِيَاطُ فِي الإِيجَابِ.
وحيث لم يجب قلنا: جاء الشك هناك من الأصل بتعارض الدليل الموجب مع الدليل الغير الموجب لتساويهما في القوة فتساقطا، فعملنا بالأصل الذي كان ثابتا بيقين كما في مخبر النجاسة والطهارة.
وأما هاهنا جاء دليل عدم الوجوب من الوصف وهو الدفق، ودليل الوجوب من الأصل وهو نفس وجوده، أما الموصوف بالشهوة فكان في الإيجاب ترجيح لجانب الأصل على جانب الوصف وهو صحيح، وفيه تأمل.
ولأن دليل الوجوب قد سبق هاهنا وهو الانفصال بشهوة، والخروج بالدفق بقاء ذلك، والسبق من أسباب الترجيح، وأما هناك فاقترن الدليلان على سبيل التدافع فلا يثبت بل يبقى ما كان على ما كان، وفيه تأمل أيضًا.
وفي الْمُجْتَبى: ثمرة الخلاف تظهر في خمس مسائل: أحدها: ما أمنى بكفه، والثانية: جامع امرأته فيما دون الفرج والثالثة: احتلم، فلما انفصل المني عن مكانه بشهوة أخذ إحليله حتى سكنت شهوته ثم خرج المني فعندهما يجب الغسل، وعنده لا، والرابعة: اغتسل بعد الجماع قبل النوم أو البول، ثم أمني يعيد الغسل عندهما خلافًا له (١).
وفي المبسوط، والسير الكبيرة: بعد البول أو النوم لا غسل عليه بالاتفاق، وعند الشافعي يجب في الحالين، وعن مالك: لا يجب في الحالين (٢)، وقال أحمد: إن خرج قبل البول يجب، وبعده لا (٣) كمذهبنا، كذا في شرح الوجيز.
والخامسة: أن المستيقظ يجد بفخذه أو ثوبه بللا لا يتذكر الاحتلام، فإن تيقن أنه مذي أو ودي لا غسل عليه، وإن تيقن أنه مني عليه الغسل، وإن شك أنه مني أو مذي يجب الغسل عندهما خلافًا له؛ لاحتمال خروجه عن غير شهوة (٤).
стр. 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لهما ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «مَنْ أصبح فوجد ماءً وَلَمْ يتذكر الاحتلام عليه الغُسلُ، ومَن احتلم ثم أصبح على جفاف فلا غُسل عليه».
ثم إن أبا حنيفة في هذه المسألة ومسألة المباشرة الفاحشة، ومسألة الفأرة المنتفخة أخذ بالاحتياط، وأبا يوسف وافقه في الاحتياط في مسألة المباشرة الفاحشة لوجود فعل هو سبب خروج المذي، وخالفه في الفصلين الآخرين لانعدام الفعل منه، ومحمد وافقه في الاحتياط في مسألة النائم لأنه غافل عن نفسه، فكان موضع الاحتياط بخلاف الفصلين الآخرين فإن المباشر ليس بغافل عن نفسه فنجس بما يخرج منه، كذا في المبسوط (١).
وفي الذخيرة: بقول أبي يوسف أخذ أبو الليث، وخلف بن أيوب في المني، وفي نوادر هشام عن محمد: إن كان ذَكَرُهُ منتشرًا قبل النوم لا يجب وإلا فيجب، قال الحلواني: هذه يكثر وقوعها والناس غافلون عنها.
ولو تذكر الاحتلام ولذة الإنزال ولم ير بللا لا يجب الغسل، وعن محمد في المرأة يجب، وفي ظاهر الرواية لا يجب؛ لأن خروج منيها إلى فرجها الخارج شرط لوجوب الغسل عليها وعليه الفتوى.
وفي المحيط: احتلمت ولم يخرج الماء إلى ظاهر فرجها عليها الغسل، ولو أفاق السكران والمغمى عليه فوجد مذيًا لا غسل عليه، ولو وجد الزوجان منيا بينهما ولم يذكران الاحتلام قال الفضلي: يجب عليهما الغسل احتياطا (٢).
وقيل: إن كان غليظا أبيض فمن الرجل، وإن كان رقيقا أصفر فمن المرأة.
وفي القنية: منيها أصفر ومنيه أبيض هكذا جاء في الحديث، وفائدته تظهر فيما لو اغتسلت عن جماع ثم خرج منيا، فإن كان أصفر فعليها الغسل، وإن كان أبيض فلا غسل عليها (٣).
стр. 141
(وَالتِقَاءُ الخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَتَوَارَتِ الحَشَفَةُ … ... … ... …
وقيل: إن وقع طولًا فمن الرجل وإلا فمنها، وكذا لو استيقظ ورأى ماءً رقيقا يخرج من إحليله ولم يتذكر الاحتلام لا يجب الغسل عند أبي يوسف لأنه مذي، ولا يوجب الغسل في حالة اليقظة فبالأحرى لا يوجبه في المنام، وعندهما يجب لإمكان أنه كان منيًا قد انفصل عن شهوة ورق بطول المكث، والاحتياط لازم في باب العبادات كما لو تذكر احتلامًا ورأى ماءً رقيقا.
قوله: (والتقاء الختانين) أي مع تواري الحشفة فإن نفس الملاقاة لا توجب الغسل ولكن توجب الوضوء عندهما خلافًا لمحمد، فكان ذكره في الحديث لإزالة ذلك الوهم، والختان موضع القطع من الذكر والأنثى، والتقائهما كناية عن الإيلاج كذا في المغرب (١).
وذكر الختانين بناء على عادة العرب فإنهم يختنون النساء، قال ﵇: «الخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَلِلنِّسَاءِ مَكْرُمٌ» (٢)، أي في حق الزوج فإن جماع المختونة ألذ، أو يكون على طريق التغليب كالعمرين والقمرين.
وفي نظم الفقه: الختان سنة فيهما غير أنه لو تركه يجبر، ولو تركته لا تجبر.
وفي فوائد القدوري: قوله: (وتوارت الحشفة) ليس بقيد بل ذكر تأكيدا لأن التقاء الختانين مستلزم لتواريها (٣).
قال شيخي ﵀: يحتمل أن ذكره للإشارة إلى المعنى المؤثر في إيجاب الغسل كما أن ذكر، ذُكر في قوله ﵇ ما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر إشارة إلى علة العصوبة أو نفي لقول الشافعي فإن عنده يجب الغسل
стр. 142
وَجَبَ الغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ»
إذا تحاذى الفرجان، ولكن ذكر في كتبهم أن إيلاج الحشفة يوجب الغسل (١).
وفي النهاية الشامية: إنما قال وتوارت الحشفة كيلا يظن أن المراد من الالتقاء القرب أو الوصول.
وقوله: (من غير إنزال) (٢): لبيان أن نفسه كاف لا أنه قيد، إذ الالتقاء مع الإنزال موجب أيضًا، أو لرد قول من يشترط الإنزال مع الالتقاء من الصحابة.
وفي المبسوط: التقاء الختانين يوجب الغسل أنزل أو لا، وهو قول المهاجرين: عمر، وعلي وابن مسعود، وأما الأنصار كأبي بن كعب، وحذيفة، وزيد بن ثابت قالوا: لا يجب الغسل بالإكسال ما لم يُنزل لظاهر قوله ﵇: «الماءُ مِنَ الماءِ»، وبه أخذ سليمان الأعمش، وهشام بن عروة، وابن عينية، وداود الظاهري (٣).
وقيل: إنهم رجعوا عن ذلك، وقال داود الالتقاء لا يوجب بحال (٤)، ولا فرق فيه بين فرج البهيمة والآدمي الحي والميت عند الشافعي لأنه إيلاج في الفرج فيتناول الحديث.
وعندنا: لا يجب الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة أو الميت أو صغيرة لا تجامع بلا إنزال؛ لأن في هذه المواضع سببية الإيلاج ناقصة، فإن استطلاق وكاء المني لا يحصل في المواضع ظاهرًا، ووصف الجنابة متوقف على خروجه تحقيقا أو تقديرًا، ولا تقدير هاهنا لنقصان السببية، فعلم أن المراد إيلاج يفضي إلى خروج المني.
وفي المبسوط: الأصح أن عمر ﵁ لم يوسع للأنصار هذا الاجتهاد حتى قال لزيد: أي عَدُوٌّ نفسِهِ ما هذه الفتوى التي تتشعب (٥) عنك؟ فقال: سمعت
стр. 143
وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الإِنْزَالِ وَنَفْسُهُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ، فَيُقَامُ مَقَامَهُ، وَكَذَا الإِيلَاجُ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ،
عمومتي من الأنصار يفعلن هكذا، فجمعهن عمر وسألهن، فقلن: كنا نفعل على عهد النبي ﷺ ولا نغتسل، فقال عمر ﵁: أو كان يعلم به رسول الله؟ فقلن: لا، فقال: هذا ليس بشيء.
وبعث إلى عائشة فسألها، فقالت: فعلت ذلك مع رسول الله ﷺ فاغتسلنا، فقال عمر لزيد: لئن عدت إلى ذلك لأدبتك (١).
واحتج علي على الأنصار فقال: توجبون الرجم ولا توجبون صاعا من الماء.
(ولأنه) أي الالتقاء سبب للإنزال.
(ونفسه) أي نفس الخروج، أو نفس المني.
(فيقام) أي الالتقاء، (مقامه) أي مقام الخروج أو (الإنزال) يعني على تقدير انحصار وجوب الغسل من المني، فالمني ثابت في الالتقاء تقديرا، والغالب في مثله الإنزال، وقد يخفى عليه أثر الإنزال لقلته فأقيم السبب الظاهر مقامه، فيكون الماء موجودًا تقديرًا فيجب الغسل بالحديث فكان هذا ماء قولا بموجب العلة، ولأنه لما قام الالتقاء مقام الإنزال في وجوب الحد لأن يقوم مقامه في حق وجوب الاغتسال أولى، كذا في المستصفى (٢).
وقوله: (قد يخفى) جواب السؤال وهو أن يقال: يعلم المرء خروج المني وإن كان غائبا عن بصره، يقال: قد يخفى يعني يحتمل أن لا يعلم لفرط الشبق، أو لقلة المني.
قوله: (لكمال السببية) فإن الدبر مثل القبل في الحرارة واللين حتى رجح الفسقة قضاء الشهوة من الدبر على قضاء الشهوة من القبل، وذكر المرغاسوني (٣)
стр. 144
وَيَجِبُ عَلَى المَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ البَهِيمَةِ وَمَا دُونَ الفَرْجِ، لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ نَاقِصَةٌ.
قَالَ: (وَالحَيْضُ)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بِالتَّشْدِيدِ (وَ) كَذَا (النَّفَاسُ) لِلْإِجْمَاعِ.
في نوادر الصلاة عن محمد: إذا حاذى الأمرد رجلا في الصلاة تفسد صلاة غير الأمرد لأنه يخطر بباله الشهوة، وفي ظاهر الرواية لا تفسد لا لاعتبار عدم الشهوة بل باعتبار أن الفساد بالمحاذاة ثبت بخلاف القياس فلا يتعدى إلى غير المرأة، حتى إن محاذاة عجوز تنفر الطباع عنها مفسدة مع عدم الشهوة، وكذا لو حاذت ابنها أو أباها كذا في جامع المحبوبي (١).
(احتياطا): لأنه يحتمل أن يتلذذ بذلك ويخرج الماء ولا يعلم به.
(وما دون الفرج): أي التفخيد؛ لأن السببية ناقصة، يعني في هذين الموضعين لا يجب الغسل بنفس الالتقاء لأنه ناقص في كونه سببًا للإنزال لأنهما ليسا نظير الفرج في استطلاق وكاء المني.
وفي المحيط: أتى امرأته وهي بكر لا غسل عليه ما لم ينزل؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت فعليها الغسل لوجود الإنزال لأنه لا حبل بدونه وإنزالها يوجب الغسل (٢).
قوله: (والحيض) أي الخروج منه؛ لأن الحيض إذا حصل نقض الطهارة الكبرى ولم يجب الغسل مع سيلان الدم لأنه ينافيه، والشيء لا يبقى مع منافيه، فإذا انقطع وجب الغسل بالحدث السابق؛ لأن الانقطاع طهارة فلا يوجب الطهارة، كذا في الإيضاح (٣).
قال مولانا حميد الدين: الخروج عن الحيض مستلزم له فوجد الاتصال فصحب الاستعارة.
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجه التمسك: أن حرمة القربان مؤقت إلى غاية الاغتسال، والاغتسال لو لم يكن واجبًا عليها تصير الحرمة مطلقة، وهو نقض المشروع فلا يجوز.
وجه آخر: أن حق الزوج ثابت في الحال، أي حال انقطاع الحيض، وهو ممنوع عن التصرف في ملكه للاغتسال، فلو لم يكن الاغتسال واجبًا لما صح المنع لأن بالمباح والتطوع لا يصير ممنوعًا، ألا ترى أنه حق نقض صومها إذا كان تطوعًا، وليس له حق نقض الصوم إذا كان فرضًا، وهاهنا قد منع من القربان فعلم أنه واجب.
واستدل مولانا حميد الدين به من حيث إنه إخبار، وإخبار الشارع أكد من الأمر؛ لأن وجود المأمور به ليس بشرط لصحة الأمر، ووجود المخبر به شرط لصحة الأخبار، ولأنه أنهى حرمة القربان إلى غاية فيقتضي وجود الغاية ليتحقق كونه مغيًا إليها، فقلنا بالوجوب ليحمله على الوجود.
وجه آخر: أن الزوج لما منع عن القربان إلى غاية فيحرم عليها التمكين ضرورة، ويجب عليها التمكين إذا طلبه منها، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب لوجوبه، وإذا ثبت هذا فيما دون العشرة ثبت في العشرة لأنا نعلم أن وجوب الاغتسال هاهنا باعتبار خروج الدم، وقد وجد فيها فيثبت الحكم في العشرة بدلالة النص.
ثم لما صار الاغتسال شرطًا لحل القربان لهذه الآية مع أن طهارة المرأة ليست بشرط لحل القربان سوى الطهارة عن الحيض والنفاس في صورة من الصور فلأن يشترط الاغتسال لحل قربان الصلاة بالطريق الأولى، مع أن الحال أن الطهارة عن جميع النجاسات الحكمية والحقيقية شرط دائم للصلاة.
فإن قيل: إنما وجب الاغتسال فيما دون العشرة لتتأكد به صفة الطهارة عن الحيض وزوال الأذى ليثبت الحل للزوج، ولهذا يثبت الحل بمضي وقت صلاة عليها وإن لم تغتسل لوجود التأكيد بصيرورة الصلاة دينا عليها، وفي العشرة قد تأكد صفة الطهارة بنفس الانقطاع فانعدم المعنى الموجب؛ فلا يمكن الإلحاق