← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(وَالتِقَاءُ الخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَتَوَارَتِ الحَشَفَةُ … ... … ... … وقيل: إن وقع طولًا فمن الرجل وإلا فمنها، وكذا لو استيقظ ورأى ماءً رقيقا يخرج من إحليله ولم يتذكر الاحتلام لا يجب الغسل عند أبي يوسف لأنه مذي، ولا يوجب الغسل في حالة اليقظة فبالأحرى لا يوجبه في المنام، وعندهما يجب لإمكان أنه كان منيًا قد انفصل عن شهوة ورق بطول المكث، والاحتياط لازم في باب العبادات كما لو تذكر احتلامًا ورأى ماءً رقيقا. قوله: (والتقاء الختانين) أي مع تواري الحشفة فإن نفس الملاقاة لا توجب الغسل ولكن توجب الوضوء عندهما خلافًا لمحمد، فكان ذكره في الحديث لإزالة ذلك الوهم، والختان موضع القطع من الذكر والأنثى، والتقائهما كناية عن الإيلاج كذا في المغرب (١). وذكر الختانين بناء على عادة العرب فإنهم يختنون النساء، قال ﵇: «الخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَلِلنِّسَاءِ مَكْرُمٌ» (٢)، أي في حق الزوج فإن جماع المختونة ألذ، أو يكون على طريق التغليب كالعمرين والقمرين. وفي نظم الفقه: الختان سنة فيهما غير أنه لو تركه يجبر، ولو تركته لا تجبر. وفي فوائد القدوري: قوله: (وتوارت الحشفة) ليس بقيد بل ذكر تأكيدا لأن التقاء الختانين مستلزم لتواريها (٣). قال شيخي ﵀: يحتمل أن ذكره للإشارة إلى المعنى المؤثر في إيجاب الغسل كما أن ذكر، ذُكر في قوله ﵇ ما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر إشارة إلى علة العصوبة أو نفي لقول الشافعي فإن عنده يجب الغسل

стр. 142

وَجَبَ الغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» إذا تحاذى الفرجان، ولكن ذكر في كتبهم أن إيلاج الحشفة يوجب الغسل (١). وفي النهاية الشامية: إنما قال وتوارت الحشفة كيلا يظن أن المراد من الالتقاء القرب أو الوصول. وقوله: (من غير إنزال) (٢): لبيان أن نفسه كاف لا أنه قيد، إذ الالتقاء مع الإنزال موجب أيضًا، أو لرد قول من يشترط الإنزال مع الالتقاء من الصحابة. وفي المبسوط: التقاء الختانين يوجب الغسل أنزل أو لا، وهو قول المهاجرين: عمر، وعلي وابن مسعود، وأما الأنصار كأبي بن كعب، وحذيفة، وزيد بن ثابت قالوا: لا يجب الغسل بالإكسال ما لم يُنزل لظاهر قوله ﵇: «الماءُ مِنَ الماءِ»، وبه أخذ سليمان الأعمش، وهشام بن عروة، وابن عينية، وداود الظاهري (٣). وقيل: إنهم رجعوا عن ذلك، وقال داود الالتقاء لا يوجب بحال (٤)، ولا فرق فيه بين فرج البهيمة والآدمي الحي والميت عند الشافعي لأنه إيلاج في الفرج فيتناول الحديث. وعندنا: لا يجب الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة أو الميت أو صغيرة لا تجامع بلا إنزال؛ لأن في هذه المواضع سببية الإيلاج ناقصة، فإن استطلاق وكاء المني لا يحصل في المواضع ظاهرًا، ووصف الجنابة متوقف على خروجه تحقيقا أو تقديرًا، ولا تقدير هاهنا لنقصان السببية، فعلم أن المراد إيلاج يفضي إلى خروج المني. وفي المبسوط: الأصح أن عمر ﵁ لم يوسع للأنصار هذا الاجتهاد حتى قال لزيد: أي عَدُوٌّ نفسِهِ ما هذه الفتوى التي تتشعب (٥) عنك؟ فقال: سمعت

стр. 143

وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الإِنْزَالِ وَنَفْسُهُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ، فَيُقَامُ مَقَامَهُ، وَكَذَا الإِيلَاجُ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ، عمومتي من الأنصار يفعلن هكذا، فجمعهن عمر وسألهن، فقلن: كنا نفعل على عهد النبي ﷺ ولا نغتسل، فقال عمر ﵁: أو كان يعلم به رسول الله؟ فقلن: لا، فقال: هذا ليس بشيء. وبعث إلى عائشة فسألها، فقالت: فعلت ذلك مع رسول الله ﷺ فاغتسلنا، فقال عمر لزيد: لئن عدت إلى ذلك لأدبتك (١). واحتج علي على الأنصار فقال: توجبون الرجم ولا توجبون صاعا من الماء. (ولأنه) أي الالتقاء سبب للإنزال. (ونفسه) أي نفس الخروج، أو نفس المني. (فيقام) أي الالتقاء، (مقامه) أي مقام الخروج أو (الإنزال) يعني على تقدير انحصار وجوب الغسل من المني، فالمني ثابت في الالتقاء تقديرا، والغالب في مثله الإنزال، وقد يخفى عليه أثر الإنزال لقلته فأقيم السبب الظاهر مقامه، فيكون الماء موجودًا تقديرًا فيجب الغسل بالحديث فكان هذا ماء قولا بموجب العلة، ولأنه لما قام الالتقاء مقام الإنزال في وجوب الحد لأن يقوم مقامه في حق وجوب الاغتسال أولى، كذا في المستصفى (٢). وقوله: (قد يخفى) جواب السؤال وهو أن يقال: يعلم المرء خروج المني وإن كان غائبا عن بصره، يقال: قد يخفى يعني يحتمل أن لا يعلم لفرط الشبق، أو لقلة المني. قوله: (لكمال السببية) فإن الدبر مثل القبل في الحرارة واللين حتى رجح الفسقة قضاء الشهوة من الدبر على قضاء الشهوة من القبل، وذكر المرغاسوني (٣)

стр. 144

وَيَجِبُ عَلَى المَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ البَهِيمَةِ وَمَا دُونَ الفَرْجِ، لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ نَاقِصَةٌ. قَالَ: (وَالحَيْضُ)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بِالتَّشْدِيدِ (وَ) كَذَا (النَّفَاسُ) لِلْإِجْمَاعِ. في نوادر الصلاة عن محمد: إذا حاذى الأمرد رجلا في الصلاة تفسد صلاة غير الأمرد لأنه يخطر بباله الشهوة، وفي ظاهر الرواية لا تفسد لا لاعتبار عدم الشهوة بل باعتبار أن الفساد بالمحاذاة ثبت بخلاف القياس فلا يتعدى إلى غير المرأة، حتى إن محاذاة عجوز تنفر الطباع عنها مفسدة مع عدم الشهوة، وكذا لو حاذت ابنها أو أباها كذا في جامع المحبوبي (١). (احتياطا): لأنه يحتمل أن يتلذذ بذلك ويخرج الماء ولا يعلم به. (وما دون الفرج): أي التفخيد؛ لأن السببية ناقصة، يعني في هذين الموضعين لا يجب الغسل بنفس الالتقاء لأنه ناقص في كونه سببًا للإنزال لأنهما ليسا نظير الفرج في استطلاق وكاء المني. وفي المحيط: أتى امرأته وهي بكر لا غسل عليه ما لم ينزل؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت فعليها الغسل لوجود الإنزال لأنه لا حبل بدونه وإنزالها يوجب الغسل (٢). قوله: (والحيض) أي الخروج منه؛ لأن الحيض إذا حصل نقض الطهارة الكبرى ولم يجب الغسل مع سيلان الدم لأنه ينافيه، والشيء لا يبقى مع منافيه، فإذا انقطع وجب الغسل بالحدث السابق؛ لأن الانقطاع طهارة فلا يوجب الطهارة، كذا في الإيضاح (٣). قال مولانا حميد الدين: الخروج عن الحيض مستلزم له فوجد الاتصال فصحب الاستعارة.

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجه التمسك: أن حرمة القربان مؤقت إلى غاية الاغتسال، والاغتسال لو لم يكن واجبًا عليها تصير الحرمة مطلقة، وهو نقض المشروع فلا يجوز. وجه آخر: أن حق الزوج ثابت في الحال، أي حال انقطاع الحيض، وهو ممنوع عن التصرف في ملكه للاغتسال، فلو لم يكن الاغتسال واجبًا لما صح المنع لأن بالمباح والتطوع لا يصير ممنوعًا، ألا ترى أنه حق نقض صومها إذا كان تطوعًا، وليس له حق نقض الصوم إذا كان فرضًا، وهاهنا قد منع من القربان فعلم أنه واجب. واستدل مولانا حميد الدين به من حيث إنه إخبار، وإخبار الشارع أكد من الأمر؛ لأن وجود المأمور به ليس بشرط لصحة الأمر، ووجود المخبر به شرط لصحة الأخبار، ولأنه أنهى حرمة القربان إلى غاية فيقتضي وجود الغاية ليتحقق كونه مغيًا إليها، فقلنا بالوجوب ليحمله على الوجود. وجه آخر: أن الزوج لما منع عن القربان إلى غاية فيحرم عليها التمكين ضرورة، ويجب عليها التمكين إذا طلبه منها، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب لوجوبه، وإذا ثبت هذا فيما دون العشرة ثبت في العشرة لأنا نعلم أن وجوب الاغتسال هاهنا باعتبار خروج الدم، وقد وجد فيها فيثبت الحكم في العشرة بدلالة النص. ثم لما صار الاغتسال شرطًا لحل القربان لهذه الآية مع أن طهارة المرأة ليست بشرط لحل القربان سوى الطهارة عن الحيض والنفاس في صورة من الصور فلأن يشترط الاغتسال لحل قربان الصلاة بالطريق الأولى، مع أن الحال أن الطهارة عن جميع النجاسات الحكمية والحقيقية شرط دائم للصلاة. فإن قيل: إنما وجب الاغتسال فيما دون العشرة لتتأكد به صفة الطهارة عن الحيض وزوال الأذى ليثبت الحل للزوج، ولهذا يثبت الحل بمضي وقت صلاة عليها وإن لم تغتسل لوجود التأكيد بصيرورة الصلاة دينا عليها، وفي العشرة قد تأكد صفة الطهارة بنفس الانقطاع فانعدم المعنى الموجب؛ فلا يمكن الإلحاق

стр. 146

قَالَ: (وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ وَالْإِحْرَامِ)، نَصَّ بطريق الدلالة كما لا يمكن إثبات الحد في اللواطة، وشرب البول بمعنى الحرمة لانعدام المعنى الموجب للحد بعد الحرمة وهو كثرة الوقوع. قلنا: ليس كذلك، بل المعنى الموجب موجود لأنه إما الحدث أو أداة الصلاة على حسب ما اختلفوا فيه كلاهما ثابت هاهنا، فأما الفرق الذي يدعيه فإنما يثبت إذا كان وجوب الاغتسال لثبوت الحل وليس كذلك، ألا ترى أنها لو لم تكن ذات زوج يجب عليها الاغتسال مع انعدام المعنى الذي يدعيه، ولكنه وإن وجب بسبب آخر جعل غاية للحرة فيما دون العشرة فإن الحيض به ينتهي فتنتهي الحرمة المبنيّة عليه، فعرفنا بعبارة النص في القراءة بالتشديد حرمان القربان معنى إلى الاغتسال فيما دون العشرة، وبإشارته، وجوبه، وبدلالته وجوبه في العشرة، كذا قرره شيخي ﵀. يؤيده قوله ﵇ لفاطمة بنت حبيش: «إذا أقبلَتِ الحيضة فدَعِي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصَلّي» (١)، أمرها بالغسل، والأمر للوجوب. فإن قيل: لما علّق حل الوطء بالاغتسال ينبغي أن لا يحل بمضي وقت الصلاة بلا غسل أو تيمم. قلنا: علقه بالأطهار وهو الاغتسال، أو ما قام مقامه من مضي وقت الصلاة أو التيمم. قوله: (وسن رسول الله ﷺ ) إلى آخره، اعلم أن الغسل أحد عشر نوعًا، خمسة فريضة: من التقاء الختانين، ومن الإنزال، ومن الحيض والنفاس، ومن الاحتلام، وأربعة سنة: غسل يوم الجمعة، والعيدين، ويوم عرفة، وعند الإحرام، وواحد واجب وهو غسل الميت، وآخر مستحب وهو غسل الكافر إذا أسلم، وقال مالك (٢) وأحمد (٣) رحمهما الله: هو واجب. وفي المحيط، والمبسوط: هذا إذا لم يكن جنبًا، فإن كان يجب في ظاهر

стр. 147

عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَقِيلَ: هَذِهِ الأَرْبَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَسَمَّى مُحَمَّدٌ الغُسْلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَسَنًا فِي الأَصْلِ. وَقَالَ مَالِكُ الله: هُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَتَى الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ»، وَبِهَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ عَلَى الاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى النَّسْخِ، … . الرواية وهو الأصح، وقال بعض مشايخنا: لا يلزمه لأن الكفار لا يخاطبون بالشرائع (١). وفي مبسوط شيخ الإسلام: غسل يوم الجمعة والعيدين مستحب، وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤)، وقال الحسن البصري: واجب (٥). وفي التحفة: ويستحب غسل الصبي والمجنون عند البلوغ والإفاقة، وفي أمالي قاضي خان بلغت الصبية بالحيض عليها الغسل، وفي الصبي إذا بلغ بالاحتلام اختلاف المشايخ، والأصح هو الوجوب (٦). قوله: (وقال مالك: هو واجب) بالحديث المشهور المذكور في المتن بقوله: «غسل الجمعة واجب على كلِّ مُحتَلِم»، ذكره في الصحيح، وفي شرح المجمع: ليس المراد بالوجوب ما يعاقب تاركه، بل المراد به تأكيد السنة؛ فإن مشاهير كتب أصحاب مالك ناطقة بالسنة والأفضلية. قوله: (أو على النسخ) فدليل النسخ ما ذكر في المبسوط: روي عن عائشة ﵂ وابن عباس قالا: كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يلبسون الصوف ويعرقون فيه والمسجد قريب السمك، وكان يتأذى بعضهم برائحة البعض فأمروا بالاغتسال لهذا، ثم انتسخ هذا حين لبسوا غير الصوف وترك العمل بأيديهم (٧). (فبها ونعمت): أي فبالسنة أخذوا، نعمت هذه الخصلة.

стр. 148

ثُمَّ هَذَا الغُسْلُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: هُوَ الصَّحِيحُ، لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهَا عَلَى الوَقْتِ وَاخْتِصَاصِ الطَّهَارَةِ بِهَا، وَفِيهِ خِلَافُ الحَسَنِ، وَالعِيدَانِ بِمَنْزِلَةِ الجُمُعَةِ، لِأَنَّ فِيهِمَا الاجْتِمَاعَ، فَيُسْتَحَبُّ الاِغْتِسَالُ دَفْعًا لِلتَّأَنِّي بِالرَّائِحَةِ. وَأَمَّا فِي عَرَفَةَ وَالإِحْرَامِ فَسَنُبَيِّنُهُ فِي المَنَاسِكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وقيل: فيها أي بالرخصة أخذوا نعمت الخصلة هذه، وهذا أولى أي الأول؛ لأنه قال: «وإن اغتسل فالغسل أفضل»، فتبين أن الوضوء سنة لا رخصة، كذا في الطلبة. والضمير في (فيها) يعود إلى غير المذكور، ويجوز ذلك إذا كان مشهورًا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ [ص: ٣٢] أي الشمس على الاختلاف. (ثم هذا): أي غسل يوم الجمعة لأجل الصلاة عند أبي يوسف لأنها مؤداة بجمع عظيم فلها من الفضيلة ما ليس لغيرها. وعند الحسن بن زياد، وداود، وفي الكافي عند محمد لليوم إظهارًا لفضيلة اليوم كما قال ﵇: «سَيِّدُ الأيام يوم الجمعة»، كذا في المبسوط (١). وفائدة الخلاف تظهر فيمن اغتسل بعد الجمعة، أو أول اليوم ونقض وتوضأ وصلّى يكون مستنا عنده خلافًا لأبي يوسف. وفي المحيط: رواية عن أبي يوسف: لهما. وفي صَلَاةِ الْجَلَّائِيِّ: لو اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استن بالسنة لحصول المقصود وهو قطع الرائحة، ولو اتفق يوم الجمعة ويوم العيد أو عرفة وجامع ثم اغتسل ينوب عن الكل، والمراد بالنسخ نسخ صفة الوجوب دون شرعيته كما في صوم يوم عاشوراء، وحملنا على الاستحباب عملا بالحديثين بقدر الإمكان فإنه محتمل قوله: (فليغتسل)، ولئلا يلزم مخالفة الكتاب بخبر

стр. 149

قَالَ: (وَلَيْسَ فِي المَدْيِ وَالوَذْيِ غُسْلٌ، وَفِيهِمَا الوُضُوءُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّ فَحْلٍ يُمْنِي، وَفِيهِ الوُضُوءُ» الواحد؛ لأنه يوجب غسل الأعضاء الأربعة عند كل قيام إلى الصلاة مطلقا، فلو وجب الغسل لكان زيادة عليه بخبر الواحد فلا يثبت الوجوب، ولا يثبت السنية لمعارضة حديث آخر. قوله: (وليس في المذي والودي) إلى آخره، وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية، وقال أحمد في رواية: يجب الغسل، وقال مالك: يغسل ذكره من المذي، كذا في الحلية (١). إنما ذكرهما هاهنا لا في فصل نواقض الوضوء لأنهما يشابهان المني كما ذكر في تفسيرهما. قوله: (كُلُّ فحل يُمْذِي) رواه أبو داود بإسناد صحيح، وحديث مقداد معروف رواه البخاري ومسلم وفيهما الوضوء. فإن قيل: استفيد وجوب الوضوء بقوله: (كل ما خرج من السبيلين)، فما فائدة إعادته؟ قلنا: هذا إثبات بعد النفي لتأكيد النفي الأول كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] كذا في البدرية، وفيها والمجتبى: فيه احتراز عن قول مالك حيث لا يوجب [الوضوء] (٢) فيهما (٣). وفي الكاثي: إنما قاله اتباعًا للأثر فإنه قال فيه هكذا. فإن قيل: لما وجب الوضوء بالبول، فما فائدة وجوبه بالودي؟ قيل: في جوابه وجوه، أحدها: ما ذكره الحلواني أن المراد به نفي الاغتسال، والثاني: وجوب الوضوء به لا ينافي في وجوبه بالودي، فقد ذكر الحلواني أن من بال، ثم بال، ثم بال يجب الوضوء لكل مرة، إلا أن الوضوء

стр. 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الواحد يكفي للكل؛ لأن الموجبات إذا اجتمعت تداخلت بدليل ما ذكر في نوادر ابن سماعة: أن من حلف لا يتوضأ من الرعاف فبال ثم رعف وتوضأ حنث، وكذا لو حلف لا يغتسل من فلانة فجامع امرأة غيرها، ثم جامعها، ثم اغتسل حنث، ويكون الاغتسال منهما، وعن أبي حنيفة هكذا، وقال الجرجاني: الاغتسال من الأول دون الثاني مطلقا (١). وقال الهندواني: إن اتحد الجنس بأن بال، ثم بال فالوضوء من الأول، وإن اختلف الجنس بأن بال، ثم رعف فالوضوء منهما جميعا، وعلى ظاهر الجواب الوضوء والغسل منهما جميعًا، كذا في الذخيرة (٢). والثالث: ما ذكر في مبسوط فخر الإسلام: ولا يظهر حكمه بعد البول إلا أن يتخلل بينهما وضوء بأن بال فتوضأ، ثم خرج الودي يجب فيه الوضوء. والرابع: تظهر فائدته فيمن به سلس البول إذا أودى في الوقت يتوضأ. وفي القنية: لا ينقض وضوء من به سلس البول بالودي في الوقت (٣). وقال شهاب الإمامي: ينقض لأنه حدث آخر، والخامس: أن الإشكال يرد على هذا التفسير، فأما على ما فسره في الخزانة والحصائل (٤) ونظم الزندويستي (٥): لو جامع وبال ثم اغتسل فخرج منه شيء لزج بعده فهو الودي لا يرد، وفي الْمُجْتَبى: وهذا الكلام حسن يجب حفظه (٦). والسادس: ما ذكره في البدرية أن الوضوء يجب في الودي لو تصور الانتقاض به كما يقول في بعض مسائل المزارعة، ويجوز في قياس قول أبي

стр. 151

وَالوَذْيُ: الغَلِيظُ مِنْ البَوْلِ، يَتَعَقَّبُ الرَّقِيقَ مِنْهُ خُرُوجًا، فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِهِ، وَالمَنِيُّ: خَائِرٌ أَبْيَضُ يَنْكَسِرُ مِنْهُ الذَّكَرُ، وَالمَدْيُ: رَقِيقٌ يَضْرِبُ إلَى البَيَاضِ يَخْرُجُ عِنْدَ مُلَاعَبَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ. وَالتَّفْسِيرُ مَأْثُورٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. حنيفة، أي يجوز لو كان يرى جوازها. وفي المستصفى: في الوجهين الآخرين نوع ضعف لكن تتبعنا السلف في إيرادهما (١). وفي قوله: (والودي) كذا، تنبيه على أن الغسل لا يجب به، أو إشارة إلى أنه من توابع البول فيأخذ حكمه، وإليه أشار في الزيادات وغيره من الشروح. (والخاثر): الغليظ، يقال خثر بفتح الثاء والرفع والكسر فيه لغات. فروع: قيل: يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف وفي الاستسقاء، وفي كل ما كان في معنى ذلك لاجتماع الناس، ويستحب أيضًا لدخول مكة والمدينة، وللوقوف بمزدلفة، ولا يستحب الغسل من غسل الميت، ومن الحجامة، وعن أبي يوسف: إذا كان في بيت إنسان رجل فاحتلم فيستحي من أهل البيت أو يخاف أن يقع في قلبه ريبة بأن طاف حول أهل بيته لا يجب الغسل، ولا بأس بأن ينام وهو جنب من غير غسل ووضوء؛ لما روى عن عائشة ﵂: أنه ﵇ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء (٢)، وللأحاديث التي فيها أمره ﵇ بالوضوء وفعله يحمل على الاستحباب. احتلم في المسجد وأمكنه الخروج من ساعته خرج واغتسل، وقيل يتيمم ويخرج، ولو كان في وسط الليل ولم يمكنه يستحب له التيمم. ولا يجبر المسلم زوجته الذمية على غسل الجنابة، فقال أصحابنا: الغسل من الجنابة والحيض والنفاس لا يخاطب به الكفار (٣)، ويمنعها من الخروج إلى

стр. 152

بَابُ المَاءِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الوُضُوءُ وَمَا لَا يَجُوزُ (الطَّهَارَةُ مِنْ الأَحْدَاثِ … ... .. الكنائس، وقال بعض مشايخنا: غسله بعد الإسلام مستحب، هذا إذا لم يجنب قبله، فإن أجنب ينبغي أن [يجب] (١) بعد إسلامه؛ لأن وجوب الغسل بإرادة الصلاة وهو جنب إذ صفة الجنابة مستدامة بعد إسلامه، ولهذا لو انقطع دم حيض الكافرة ثم أسلمت لا يلزمها الغسل؛ لأن الانقطاع لا دوام له فلم يوجد سبب الغسل لا حقيقةً ولا حكمًا في حقها بعد الإسلام. بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ لما بين الطهارة من الوضوء والغسل فاحتاج إلى بيان ما تحصل به الطهارة وهو الماء المطلق. ثم تقييده بقوله: (والطهارة من الأحداث) ليس للاختصاص؛ فإن الأخباث تشاركه في هذا المعنى. واللام للعهد أي (الطهارة من الأحداث) التي سبق ذكرها، بل باعتبار سبق الوضوء والغسل، أو كون الماء مطهرا للحدث، مستلزم كونه مطهرا للنجس، ولا ينعكس، ثم الخبث يطلق على النجاسة الحقيقية، والحدث على الحكمي، والنجس يشملهما، والماء المطلق إذا لم يخالط نجاسة ولم يغلب عليه شيء كماء السماء، والأودية، والعيون، والآبار، وماء البحار يزيل الكل لقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال ﵇: «المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، الحديث، وقال ﵇ في البحر: «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ، اَلْحِلُّ مَيْتَتُهُ»، رواه مالك في الموطأ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال البخاري في غير صحيحه: حديث صحيح، وهكذا قال الترمذي. ثم وجه التمسك بالآية في حق ماء السماء والأودية ظاهر، وأما في حق ماء العين والبئر فإما أن يقال: أصل المياه كلها من السماء لقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنبِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزُّمَر: ٢١].

стр. 153

جَائِزَةٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ، وَالأَوْدِيَةِ، وَالعُيُونِ، وَالآبَارِ، وَالبِحَارِ)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وَقَوْلُهُ ﵊: «وَالمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ»، وَقَوْلُهُ ﵊ فِي البَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالحِلُّ مَيْتَتُهُ وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَنْطَلِقُ عَلَى هَذِهِ المِيَاهِ. قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]، أو يصرف وجه التمسك بها إلى ماء السماء، ووجه التمسك بالحديث إلى الكل. وقيل: الطهور لغة البليغ في الطهارة، وذلك بكونه مطهرا لغيره، يعلم ذلك بسبب العدول عن صيغة الطاهر إلى صيغة الطهور التي هي للمبالغة؛ كالشكور، والصبور، ويجيء هذا البحث بتمامه. ثم المطلق في الأصول هو المتعرض للذات دون الصفات، والمراد هاهنا ما يسبق إلى الأفهام بمطلق قولنا: الماء. وقال مولانا حميد الدين: المطلق ما لا يحتاج في تعريف ذاته إلى شيء آخر، والمقيد ما لا تعرف ذاته إلا بالقيد، وفي شرح الوجيز: المطلق هو الباقي على أوصاف خلقته (١). وقيل: هو العاري عن القيود والإضافات في كل ما يسمى ماء، وهذا لا ينافي وقوع اسم الماء عليه مضافًا كماء العين والبئر، والنهر؛ فإن إضافته إليها إضافة تعريف لا إضافة تقييد لأنه يتعرف ماهيته بدون هذه الإضافة، ويفهم بمطلق قولنا: الماء، وهو معنى قوله: (ومطلق الاسم) أي اسم الماء ينطلق على هذه المياه. قوله: (لا ينجسه شيء)، أي: شيء نجس؛ لأن الطاهر لا ينجس الطاهر، لكن يخرجه عن طبع الماء إذا غلب إلا ما غير طعمه. قيل: معناه إلا ما غير المغير النجس فيكون معناه: لا ينجسه شيء إلا مغير نجس؛ لأن النص عندنا ورد في الماء الجاري، والحكم فيه أنه لا يجوز

стр. 154

قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بِمَا اعْتُصِرَ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ)، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُعْلَقٍ، وَالحُكْمُ عِنْدَ فَقْدِهِ … ... … ... … .. استعماله حيث ترى فيه النجاسة، أو يوجد طعمها، أو ريحها، فإن هذه المعاني تدل على قيام النجاسة وإن لم يتنجس الماء بالنجاسة فالنجاسة بعينها لا تطهر بالماء إلا أن يتلاشى فيسقط حكمها دفعًا للحرج، إليه أشير في الأسرار، كذا في المستصفى (١). وفي النهاية: هذا إذا كان الماء كثيرًا، أو جاريًا، أما إذا كان قليلًا ينجسه بدون التغير. قوله: (بما اعتصر)، وفي المستصفى: بالقصر، وكذا سمعت عن شيخي ﵀، والتقييد بالاعتصار يدل على أنه لو انعصر بنفسه يجوز التوضؤ به، وفي النهاية: بالقصر لأنها موصولة، وإن كان يصح معنى الممدود، ولأن فيه وهم جواز التوضي بما انعصر هو بنفسه وليس الأمر كذلك. ثم الأصل في هذا أن التوضؤ بالماء المطلق جائز ما دامت صفة الإطلاق باقية ولم تخالطه نجاسة، فإذا زالت صفة الإطلاق لا يجوز التوضؤ به؛ لأن الحكم عند فقده منقول إلى التيمم وزوالها بغلبة الممتزج، أو بكمال الامتزاج، وغلبة الممتزج بكثرة الأجزاء، وكمال الامتزاج بطبخ الماء بالمخلوط الطاهر، أو بتشرب النبات الماء حتى يبلغ الامتزاج مبلغًا يمتنع خروج الماء منه إلا بعلاج. والامتزاج بالطبخ إنما يمنع التوضؤ إذا لم يكن ذلك الامتزاج مقصودًا للغرض المطلوب وهو التنظيف، أما إذا كان كالأشنان إذا طبخ بالماء فإنه يجوز التوضؤ به. والامتزاج الاختلاط بين الشيئين بحيث يشبع أحدهما في الآخر حتى يمتنع التمييز، فإذا عرف هذا لا يجوز التوضؤ بما اعتصر؛ لأنه ليس بماء مطلق إذ لا يفهم بمطلق قولنا الماء. و (عند فقده) أي: فقد الماء المطلق، الحكم منقول إلى التيمم بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣].

стр. 155

مَنْقُولُ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَالوَظِيفَةُ فِي هَذِهِ الأَعْضَاءِ تَعَبُّدِيَّةٌ، فَلَا تَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا المَاءُ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الكَرْمِ، فَيَجُوزُ التَّوَضُأُ بِهِ، لِأَنَّهُ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ عِلَاجِ، ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وقوله: (والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية) جواب سؤال يرد على قوله: (والحكم عند فقده منقول إلى التيمم) بأن يقال: ما اعتصر من النبات ليس بماء مطلق، ولكن هو في معناه من حيث إزالة النجاسة الحكمية فيلحق به كما ألحقه أبو حنيفة، وأبو يوسف بالمطلق في إزالة النجاسة الحقيقية، فيجب أن يكون في الحكمية كذلك. فأجاب بقوله: (والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية) يعني شرط صحة القياس أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن القياس وأنه معدول؛ فإن النص جعل الماء مطهرا للحدث غير معقول المعنى لأنه لا توجد عين النجاسة حقيقةً في الأعضاء لتزال، وشرعًا لأن المحدث إذا أدخل يده في الإناء لا يتنجس، وكذا لو صلى حامل محدث أو جنب تصح صلاته، ولو كان نجسًا لما جاز كما لو كان معه دم. وتطهير الطاهر محال؛ لأن التطهير إثبات الطهارة وإزالة النجاسة وهي حاصلة فلا يمكن إثباتها، والنجاسة زائلة فلا يمكن إزالتها؛ لأن إزالة المزال محال. وإذا كان كذلك فيقتصر على مورد النص ولا يلحق به غيره، إلا إذا كان في معناه من كل وجه، وليس في معناه لأن الماء المطلق لا يعزّ وجوده ويوجد مجانا. والمقيد يعزُّ وجوده ويبالي بخبثه ولا يوجد مجانا فلا يلحق به في إزالة الحدث بخلاف النجاسة الحقيقية فإن جواز استعمال المطلق فيها بسبب الإزالة لا غير، وتوجد الإزالة بسائر المائعات الطاهرة فيجوز بها. فإن قيل: لو كان الغسل في هذه الأعضاء تعبدية يلزم أن تكون النية شرطًا في الوضوء، وقد قلتم: إن الماء مزيل للحدث بالطبع فيلزم أن يكون كل مائع كذلك لأنه مزيل بالطبع.

стр. 156

وَفِي الكِتَابِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ حَيْثُ شَرَطَ الاعْتِصَارَ. قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ (بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ طَبْعِ المَاءِ، كَالأَشْرِبَةِ وَالخَلِّ وَمَاءِ البَاقِلَاء وَالمَرَقِ وَمَاءِ الوَرْدِ وَمَاءِ الزَّرْدَحِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا، قلنا: إنما كان مزيلًا بالطبع إذا كان المزال نجاسة حقيقية، فأما لو كانت نجاسة حكمية فلا يكون كذلك، ولكن يلزم عليه الوضوء فإن المزال فيه حكمي فينبغي أن يشترط النية فيه، وهكذا البحث مذكور في شرح المنار، وشرح البزودي (١). (وفي الكتاب): أي مختصر القدوري؛ فإنه ماء خرج بلا علاج فأشبه ماء العين. والفاء في (فأخرجه) لتفسير قوله: غلب عليه غيره، وطبع الماء كونه مشروبًا، وقيل قوة نفوذه وغوصه وكونه غير ملوث. وقيل: هو ما يبقى له أثر بالغليان. والإخراج عن طبعه أن لا يبقى له أثر بالغليان (كالأشربة) إلى آخره، ذكر أصلين وذكر بعدهما أمثلة بعضها للأصل الأول وهو ما اعتصر كالأشربة والخل وماء الورد. والثاني الذي غلب عليه غيره، وهو اللف والنشر إذا كان المراد من الأشربة والخل ما يتخذ من الشجر كشراب الديباس، والإجاص، ومن الثمر كالرمان والعنب، ومن الخل الخالص. أما لو كان المراد منهما الحلو المخلوط بالماء كالدبس، والشهد المخلوط به، ومن الخل الخل المخلوط بالماء كان الكل نظير الماء الذي غلب عليه غيره. (الباقلاء): إذا اشتدت اللام قصرت، وإذا خففت مددت، الواحدة باقلاة، كذا في الصحاح (٢). وفي المغرب: ماء الزردج ما يخرج من العصفر المنقوع فيطرح ولا يصبغ

стр. 157

وَالمُرَادُ بِمَاءِ البَاقِلَاء وَغَيْرِهِ مَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِدُونِ الطَّبْخِ يَجُوزُ التَّوَضُّو بِهِ. قَالَ: (وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، كَمَاءِ المَدِّ به (١)، لأنه: أي لأن كل واحد لا يسمى ماءً مطلقا؛ لأن مطلق الشيء ما يتبادر إليه الفهم عند ذكره، والفهم لا يتبادر إلى هذه المياه عند ذكر الماء. (ما تغير بالطبخ) عنى بالتغير بالطبخ الثخونة والغلظ، حتى إذا طبخ ولم يثخن بعد ورِقَةُ الماء فيه باقية جاز الوضوء به، ذكره الناطفي، وفي فتاوى قاضي خان (٢). قوله: (فغير أحد أوصافه)، وهي اللون والطعم والريح، وفيه إشارة إلى أنه إذا غير اثنين أو الثلاثة لا يجوز التوضؤ وإن كان المغير شيئًا طاهرا، لكن صحت الرواية بخلافه كذا عن الكردي (٣). وفي الْمُجْتَبى: لا يفيد التقييد به حتى لو غير الأوصاف الثلاثة بالأشنان أو الصابون أو الزعفران أو الأوراق أو المكث ولم يسلب اسم الماء عنه ولا معناه فإنه يجوز التوضؤ به (٤). وفي القنية: وقع الزعفران في الماء، إن أمكن الصبغ فيه فليس بماء مطلق، وفي الزاد: الماء المغلوب بالخلط الطاهر ملحق بالماء المقيد غير أنه تعتبر الغلبة أولا من حيث اللون، ثم من حيث الطعم، ثم من حيث الأجزاء، فإن كان لونه يخالف لون الماء كاللبن والعصير، والخل، وماء الزعفران فالعبرة للون، فإن غلب لون الماء يجوز، وإلا فلا. وإن توافقا لونا لكن تفاوتا طعما كماء البطيخ، والأشجار، والثمار، والأنبذة فالعبرة للطعم، إن غلب طعم الماء يجوز، وإلا فلا، وإن توافقا لونا وطعما كماء الكرم فالعبرة للأجزاء؛ فيجوز التوضؤ بما يتقاطر بقطع الكرم منه. وفي النهاية: سمعت الأساتذة أنه يجوز التوضي بماء تغير بكثرة أوراق

стр. 158

وَالمَاءِ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ اللَّبَنُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ أَوْ الصَّابُونُ أَوْ الأَشْنَانُ)، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: أَجْرَى فِي المُخْتَصَرِ مَاءَ الزَّرْدَجِ مَجْرَى المَرَقِ، وَالمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَاءِ الزَّعْفَرَانِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا اخْتَارَهُ النَّاطِفِيُّ وَالإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ ﵀. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ التَّوَضُّو بِمَاءِ الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ الشجر وقت الخريف، وقد يتغير طعمه ولونه وريحه، وفي التتمة ما يوافق الأشياء المذكورة. فقيل: سئل الميداني (١) عن الماء الذي يتغير لونه بكثرة الأوراق حتى يظهر لون الأوراق في الكف إذا رفع منه هل يجوز التوضي به؟ قال: لا، ولكن يجوز شربه وغسل الأشياء به؛ لأنه لما غلب عليه لونها صار كالماء المقيد (٢). وفي فتاوى قاضي خان: إذا طبخ بالماء ما يقصد به المبالغة في التنظيف كالسدرِ والحَرَضِ؛ فإن تغير لونه ولكن لم تذهب رقته يجوز التوضي به، ولو صار ثخينا مثل السويق لا يجوز، ويجوز بماء السيل وإن خالطه التراب إذا كان غالبا رقيقا فراتا وأجاجا، أما إذا كان ثخينا كالطين لا يجوز (٣). (وهو الصحيح): أي المروي عن أبي يوسف؛ لأنه ماء خالطه طاهر فغير أحد أوصافه كماء الزعفران (٤). (وقال الشافعي) إلى آخره (٥)، وفي شرح الوجيز: ما تفاحش تغيره بمخالطة ما يستغني الماء عنه حتى زايله اسم الماء المطلق وإن لم يستجد اسما آخر كالمتغير بالصابون والزعفران الكثير وأجناسهما إذا بلغ تغير الماء حدا يسلب به اسم الماء عنه لم تجز الطهارة به.

стр. 159

جِنْسِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ، «مَاءُ الزَّعْفَرَانِ»، بِخِلَافِ أَجْزَاءِ الأَرْضِ، لِأَنَّ المَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهَا عَادَةً، وَلَنَا: أَنَّ اسْمَ المَاءِ بَاقِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وفي الحلية: وبه قال مالك (١)، وأحمد (٢). (عنها): أي عن أجزاء الأرض ذكره بالنظر إلى اللفظ، وعند الشافعي طرح فيه التراب فتغير به جاز الوضوء على الأظهر، وحكى فيه قولان، ولو طرح فيه الملح فتغير به جاز، وعن بعض أصحابه لا يجوز. ولو تغير بعود أو دهن طيب، فقال المزني: يجوز الوضوء به، وقال البويطي: لا يجوز، ولو وقع فيه الكافور فتغير به ريحه فيه وجهان. ولو وقع فيه قطران فغيره قال الشافعي في "الأم": لا يجوز الوضوء به، وقال بعده بأسطر: يجوز (٣)، ولو تغيَّر بطول المكث يجوز الوضوء به (٤)، وعن ابن سيرين، لا يجوز (٥). ولا يكره الاغتسال والوضوء بماء زمزم، وقال أحمد يكره في رواية (٦)، كذا عنه في الحلية (٧)، وفي شرح الوجيز: لو تغير بكثرة الأوراق فيه ثلاثة أوجه، أظهرها أنه لا يسلب عنه الطهوريه كالمتغير بالطين والطحلب. والثاني: يسلب كسائر المائعات، وقال المروزي: لا يسلب في

стр. 160

أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الزَّعْفَرَانِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى البِئْرِ الخريف لغلبة التناثر فيه بخلاف الربيع؛ فإن فيها رطوبة ولزوجة تقتضي الامتزاج فيسلب هذه الوجوه فيما تناثرت بنفسها، فلو طرحت فيه قصدًا ففيه وجهان: أحدهما: القطع بالسلب والثاني: طرد الوجوه الثلاثة. وفي القنية: وتكره الطهارة بالماء المشمس، لقوله ﵇ لعائشة حين سخنت الماء بها: «لا تَفْعَلِي يَا حُميراء فإِنَّهُ يورِثُ البرَصَ» (١)، وعن عمر ﵁ مثله (٢)، وفي رواية: لا يكره، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، وعند الشافعي يكره إن قصد تشميسه (٥). وفي الغاية: وكره بالمشمس في قطر حار في أواني منطبقة، واعتبار القصد ضعيف لأنه ﵇ لما أشار إلى العلة الطبية كان اعتبار القصد وعدمه غير مؤثر، وقال مجاهد: يكره بالماء المسخن بالنار (٦)، وكره أحمد الماء المسخن بالنجاسة (٧). قوله: (وإضافته إلى زعفران) يعني إضافة تعريف لا إضافة تقييد، وعلامة إضافة التقييد قصور الماهية في المضاف كأن قصورها قيده كي لا يدخل تحت المطلق. تشريحه: حلف لا يصلي فصلى الظهر يحنث لأنها صلاة مطلقة، وإضافتها إلى الظهر للتعريف، ولا يحنث بصلاة الجنازة؛ لأنها ليست بصلاة مطلقا،

стр. 161

وَالعَيْنِ، وَلِأَنَّ الخَلْطَ القَلِيلَ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، كَمَا فِي أَجْزَاءِ الأَرْضِ، فَيُعْتَبَرُ الغَالِبُ، وَالغَلَبَةُ بِالأَجْزَاءِ لَا بِتَغَيَّرِ اللَّوْنِ هُوَ الصَّحِيحُ، (فَإِنْ تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ بَعْدَمَا خُلِطَ بِهِ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ)، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَعْنَى الْمُنَزَّلِ مِنْ السَّمَاءِ، إذ النَّارُ غَيَّرَتْهُ، إِلَّا إِذَا طُبِخَ فِيهِ مَا يُقْصَدُ بِهِ المُبَالَغَةُ فِي النَّظَافَةِ كَالأَشْنَانِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ المَيِّتَ قَدْ يُغْسَّلُ بِالمَاءِ الَّذِي أُغْلِيَ بِالسِّدْرِ، بِذَلِكَ وَرَدَت السُّنَّةُ، إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ ذَلِكَ عَلَى المَاءِ، فَيَصِيرَ كَالسَّوِيقِ المَخْلُوطِ، لِزَوَالِ اسْمِ المَاءِ عَنْهُ. (وَكُلُّ مَاءٍ دَائِمٍ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَمْ يَجُز الوُضُوءُ بِهِ، قَلِيلًا كَانَتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثِيرًا) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يَجُوزُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ. وإضافتها إليها للتقييد. ثم قصور الماهية في الماء بجعله مقيدا يكون بطريقين: إما بغلبة الممتزج، أو بكمال الامتزاج كما بيَّنا، وقد عدم كماله في ماء الزعفران حتى لو غلب أجزاء الزعفران لا يجوز الوضوء به لغلبة الممتزج، ولأن السنة قد وردت في غسل الميت بالماء الذي أغلي بالسدر والحرض. وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عن قول محمد فإنه يعتبر الغلبة بتغير اللون، والطعم، والريح لأن به يستدل على غلبة غيره عليه (١). وقال أبو يوسف: الغلبة بالأجزاء غلبة حقيقية إذ وجود الشيء بالمركب بأجزائه فكان اعتباره أولى من اعتبار اللون، ولأن بتغير اللون قد لا تتغير الصفة الأصلية وهي الرقة، كذا في المحيط (٢)، فعلم من ذلك أن المراد بغلبة الأجزاء أن يخرجه عن صفته الأصلية بأن يثخن لا أن يكون من حيث الوزن أكثر. قوله: (بعدما خلط به غيره)، قد به فإنه لو طبخ الماء وحده وتغير يجوز التوضي به. قوله: (قليلا كانت النجاسة أو كثيرًا) وفي بعض النسخ: (قليلا كان أو كثيرًا). وفي البدرية: إن كان لفظ القليل صفة للماء كان الخلاف مع الشافعي، وإن

стр. 162

لِمَا رَوَيْنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوزُ إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ، لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَلَنَا: حَدِيثُ المُسْتَيْقِظُ مِنْ مَنَامِهِ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ كان صفته النجاسة كان الخلاف مالك فإن عنده لا ينجس الماء القليل بوقوعها إذا لم ير لها أثر. وعن بعض أصحاب مالك: القليل ينجس بالنجاسة وإن لم يتغير (١)، والقليل الكافي للوضوء والغسل، ويجوز أن يكون القليل والكثير صفة للنجاسة الواقعة مع ترك علامة المؤنث؛ لأن الفعيل إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، والفعيل بمعنى الفاعل يشبه الفعيل بمعنى المفعول، كقولهم: ملحفة جديد، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]. (لما روينا)، وهو قوله ﵇: " الماء طهور … " (٢)، الحديث. وروي أنه ﵇ توضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الجيف ومحايض النساء، فلما ذكر له ﵇ قال: «الماء طهور … »، الحديث. القُلَّة: الجرة تُحمَل من اليمن، تسع فيها قربتان وشيء. والقُلتان: خمس قُرَبِ، كل قربة خمسون مَنَّا. وقيل: جَرَّةٌ يسع فيها مائة وخمس وعشرون منا. وفي الحلية: القلتان خمسمائة رطل بالبغدادي، وقيل القلتان: خمس مائة مَنٌ، وقال الزبيري (٣): ثلاثمائة مَنٌ، واختاره القفال، وبقول الشافعي أخذ أحمد وأبو ثور، وبقول مالك قال داود (٤). ويروى عن ابن عباس، وعن عمرو بن العاص (٥): الماء الكثير أربعون

стр. 163

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ» قلة، وهو قول محمد بن المنكدر، وقال ابن سيرين ووكيع الكثير مقدار الكر، والكر أربعون قفيزا عندهم وهو اثنان وثلاثون رطلا (١). وقوله: (كل) في الماء المراد منه غير الماء الجاري، وغير ما هو في معناه كحوض وهو عشر في عشر. وفي الْمُجْتَبى: والظاهر أنه ﵇ أراد به القليل؛ فإن الاغتسال في الغدران والحياض الكبار والبحار يجوز بالإجماع، وأما البول فيه مكروه قليلا كان أو كثيرًا، دائمًا أوجاريًا، وسمى أبو حنيفة ﵁ من يبول في الماء الجاري جاهلا (٢). وفي جامع أبي اليسر، وأبي الليث: البول في الماء مباح بالإجماع. وجه التمسك بحديث المستيقظ أنه لما ورد النهي عن الغمس لأجل احتمال النجاسة فتحقيقها أولى أن يكون نجسا. ووجه التمسك بقوله ﵇: «لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الدائم»، هو ما قال في الأسرار، ومبسوط شيخ الإسلام أن مطلق النهي يوجب التحريم وفساد الفعل (٣)، خصوصا إذا كان مؤكدًا بنون الثقيلة، ولأنه لو كان باعتبار الماء والتنزيه يلزم خلو قيد الدائم على الفائدة؛ فإن الجاري يشاركه في هذا المعنى لأن البول في الجاري غير أدب أيضًا. وفي الخبازية: فيكون مطلقه طلبًا للإعدام بأبلغ الجهات، وإنما ينعدم به إذا صار الماء نجسًا، والامتناع بتقدير تنجس الماء أكثر من الامتناع بتقدير عدم تنجسه، فثبتت نجاسته بموجب النهي على الكمال، والذي يمكن الاغتسال فيه يكون قلتين أو أكثر، ولا يتغير أيضًا لونه وطعمه بالاغتسال، أو البول فيكون الحديث حجة على الفريقين، ولا يجوز أن يحمل النهي على حرمة البول في

стр. 164

مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ، وَالَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ ﵀ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ، الماء؛ لأن البول في الماء غير محرم بالإجماع، ذكره في جامع أبي الليث. ولا يجوز أن يحمل على نفرة الطباع؛ لأنه ﵇ بعث لبيان الأحكام لا لبيان الحقائق، أو لأن النهي إن لم يوجب تنجس الماء بقي مأمورًا بالاغتسال في ذلك الماء، لا سيما عند تعين الاغتسال فيه طريقا لحصول الطهارة، فيلزم اجتماع الأمر والنهي في آن واحد وذلك محال. أو نقول: البول في الماء منجس لموضع الوقوع بالإجماع، فكذا كل الماء إذا كان قليلا على حسب ما اختلفوا في حد القلة، ولولا أن الاغتسال منجس لما عطفه عليه، ولما قيده بكونه من الجنابة؛ إذ الاغتسال للتبرد لو كان طاهرا لما كان منجسًا، وفيه تأمل. وفي المستصفى: لو كان النهي باعتبار الماء والتنزيه لم يقع الفرق بين توهم النجاسة وبين حقيقتها بأن المستيقظ إذا أدخل يده في الإناء قبل الغسل يكره ولا يتنجس الماء ولهذا كان غسله قبل الإدخال سُنة، فلو قلنا بعدم التنجس هاهنا لاستوت النجاسة الحقيقية والمتوهمة، ولأنه لما نهاه عن الاغتسال فيه مع شدة الحاجة إليه لأنه مأمور به ينبغي أن يتأثر الماء إذ لو لم يتأثر لما كان في النهي فائدة (١)، وفيه تأمل. قوله: (ورد) في بئر بضاعة: البضاعة بكسر الباء وضمها كذا في الصحاح (٢)، وفي المغرب: بالكسرة لا غير (٣). وفي المبسوط: كان ماء بئر بضاعة جاريًا يسقى منه خمس بساتين، وعندنا الماء الجاري لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه. وقيل: كان يلقى فيها الجيف في الجاهلية، ففي الإسلام نهوا عن ذلك، وكان النبي ﷺ يمنع من التقذر والتنزه ما يمنعه في التوضئ، والشرب من بئر

стр. 165

وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي البَسَاتِينِ، … ... … ... … ... … يلقى فيها ذلك في وقته، وإنما أشكل عليهم ما كان في الجاهلية هل يسقط اعتباره بتطهير البئر في الإسلام فأزال إشكالهم (١). فإن قيل: هذا كلام مستقل بنفسه، وفي مثله العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف اختص الحديث بسببه وهو بئر بضاعة؟ قلنا: إنما لم يخص بسببه إذا لم يرد ما يخصصه في القوة، وقد ورد هاهنا وهو حديث المستيقظ، والأمر بغسل الإناء عن ولوغ الكلب، والنهي عن البول في الماء الدائم، وما ورد من الأحاديث في تنجس البئر بوقوع الحيوان فيها فيكون خصوصه بها لدفع التناقض، فكان هذا من باب الحمل. فإن قيل: لما تبين أنه ورد في بئر بضاعة لا يستقيم التمسك بعمومه في أول الباب حيث أثبت طهارة المياه المذكورة بهذا الحديث. قلنا: الحديث مشتمل على قضيتين: أحدهما: الماء الطهور، والثانية: لا ينجسه شيء، إلى آخره، فالتخصيص يلحق بالقضية الثانية دون الأولى لاختصاص الدلائل المخصصة بها، فتمسك المصنف في أول الباب بالقضية الأولى التي بقيت على العموم دون الثانية؛ إذ لا حاجة إليها هناك، وبين التخصيص في الثانية إذ النزاع وقع في هذا الحكم دون الأول، فكان تمسكه صحيحًا، وكان معنى الكلام جميع ما يسمى ماءً طهورًا، قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجسه شيء إذا كان جاريًا، أو في حكمه إلا ما غير طعمه. فإن قيل: الماء المذكور في أول الحديث عام لوجود اللام المستغرقة للجنس الموجبة للعموم، فالضمير الراجع إليه في تنجسه لو كان خاصا يلزم اختلاف المعنيين. قلنا: ذاك جائز، فإن اللفظ إذا احتمل معنيين وأريد به أحدهما، ثم أريد بضميره محتمله الآخر جاز، ويسمى ذلك استخداما كما في قول

стр. 166

وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ يَضْعُفُ عَنِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ. الشاعر (١): إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمِ … رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا أريد بالسماء المطر، وبضميره النبات، ونظيره قوله ﵇: «لا يبولن أحدُكُم في الماء الدائم، ولا يغتَسِلُنَّ فِيهِ مِنَ الجَنابة»، فإن القضية الأولى على العموم حتى حرم البول في الماء القليل والكثير جميعًا، وهذا مخالف لما ذكر في جامع أبي الليث. واختصت الثانية بالقليل بدليل يوجب تخصيصها حتى لم يحرم الاغتسال بالماء الدائم الكثير مثل الغدير العظيم ونحوه، فيثبت أن حمل الحديث هاهنا على الماء الجاري لا يمنع التمسك به في أول الباب بعمومه، كذا قرره شيخي ﵀. قوله: (وما رواه الشافعي) إلى آخره، في المبسوط: فقد قال الشافعي في كتابه: بلغني بإسناد لا يحضرني من ذكره: «إذا بلغ الماء قلتين … » الحديث، وفي بعض النسخ: «لَمْ يَحْمِل»، وهو أصح؛ لأنه موافق للفظ الحديث، ومثل هذا دون المرسل. والمراسيل عنده لا تكون حجة فما دونها كيف تكون حجة؟ أو نقول: معناه لا يحتمل النجاسة لضعفه وقلته فيتنجس به، كما يقال: مال فلان لا يحتمل السرف لقلتِهِ. وقد تكلم الناس في القلة، فقيل أنها قامة الرجل. وقيل: رأس الجبل، فيكون معناه: إذا بلغ ماء الوادي قدر القامتين، أو رأس الجبلين لا يحمل خبثا؛ لأنه يصير بحرًا، أو غديرا عظيما، وبه نقول (٢). وفي الخبازية: ومعنى قوله ﵇: «إذا بلغ الماءُ قُلَّتين»، يعني

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . انتقاصًا لا ازديادًا، فإن قيل: فما فوق القلتين ما لم يبلغ عشرًا في عشر فهو أيضًا ضعيف عن احتمال النجاسة، فما الفائدة في تخصيصه بالقلتين؟ قيل له: من الجائز أنه كان يوحى إليه بأن مجتهدًا سيجيء ويقول بأن الماء إذا بلغ قلتين لم يحتمل النجاسة، فقال: «إذا بلغ الماء قلتين» ردًا لذلك القول، على أنه أوّل البعضُ القلتين برأس الجبلين، وإذا بلغ رؤوس الجبال لا ينجسه شيء، وفيه تأمل. وسمعت عن شيخي ﵀ أنه قال: ما ذكر في الأسرار من تأويل القلتين بالقامتين، وبرأس الجبلين بعيد، خصوصًا في ديار الحجاز لقلة الماء فيها. وقيل: حديث القلتين مدني ولم يعلمه إمام أهل المدينة. وقال الشافعي: بلغني بإسناد لم يحضرني أنه ﵇ قال ذلك (١)، فقال أصحاب الحديث: ما حضره ولم يحضره أبدًا فيكون الحديث مطعونا، أي في كونه حديثا، فقد قيل: هو أثر أبي هريرة وابن عمر، وليس بحديث. قال أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: مداره على مطعون عليه، أو مضطرب في الرواية، أو موقوف، حسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير، وهو إباضي منسوب إلى عبد الله بن إباض، من غلاة الروافض، واضطرابه (٢) في الرواية أنه روى قلتين أو ثلاثة (٣). وروي: «أربعون قلة»، وروي: «أربعون غربًا»، أو مضطربًا فلا يصير حجة علينا، ولئن صح فهو محمول على ما ذكرنا. وقد ترك جماعة من أصحابه مذهبه فيه لضعفه؛ كالغزالي، والروياني وغيرهما، ولأن حديثا القلتين حديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة برواية

стр. 168

(وَالمَاءُ الجَارِي إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَازَ الوُضُوءُ مِنهُ إِذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ)، لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ المَاءِ وَالْأَثَرُ: هُوَ الرَّائِحَةُ أَوْ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ، وَالجَارِي: مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقِيلَ: مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ. مسلم، وإسلامه متأخر وإسلام ابن عمر متقدم، والمتأخر ناسخ للمتقدم لو ثبت. (إذا لم ير) أي: لم يعلم (لها): أي للنجاسة أثر. وفي المستصفى: فيه إشارة إلى أنها لو كانت مرئية لا يتوضأ من جانب الوقوع (١). قوله: (والجاري) كذا، وقيل في حده: ما يعده الناس جاريًا. وقيل: ما يطيق حمل شيء وإن قل، وقيل: ما لا يمتنع جريه بعرض يده. ومعنى قوله: (لا يتكرر استعماله) أن لو غسل يده وسال من يده إلى النهر، ثم يأخذه ثانيًا لا يكون الماء الثاني عين الأول، أو فيه من الماء الأول. وفي المحيط: وقعت نجاسته في الجاري إن كانت غير مرئية كالبول لا ينجس ما لم يتغير طعمه، أو لونه، أو ريحه، ولو كانت مرئية كالجيفة والعذرة، فإن كان النهر كبيرًا لا يتوضأ من أسفل الجانب الذي فيه الجيفة، ويتوضأ من جانب آخر، وإن كان صغيرًا فإن لاقاها أكثر الماء فهو نجس، وإن كان أقل فهو طاهر، وإن كان النصف جاز الوضوء به في الحكم، والأحوط أن لا يتوضأ. والعذرة إن كانت على السطح عند الميزاب فإن كانت متفرقة لا ينجس الماء عن محمد، ولو مر المطر على النجاسة ولا يوجد أثرها فيه يتوضأ ولو سد فم النهر فتوضأ فيما بقى جريه تحته جاز، ولو اعترض النهر جيفة فلاقاها أكثر الماء أو نصفه فهو نجس وإلا فهو طاهر، وعلى هذا ماء المطر إذا كانت العذرات عند الميزاب أو في السطح أو في الطرقات والأقنية (٢). وفي الصغرى: كلب مُسَيَّب سد عرض الساقية فجرى الماء عليه

стр. 169

قَالَ: (وَالغَدِيرُ العَظِيمُ - الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ - لا بأس بالتوضي تحته، وفي شرح الطحاوي خلافه. وفي الكبرى (١): ماء الثلج جرى على طريق فيه نجاسات إن لم ير أثرها فيه يتوضأ منه لأنه في معنى الماء الجاري، ولو توضأ في الماء الضعيف جريه ووجهه إلى مورد الماء يجوز وإلا فلا حتى يمكث بين كل غرفتين قدر ما تذهب الغسالة، كذا في الْمُجْتَبى (٢). وفي الخبازية: فالحاصل أن كل ما تيقنا بحصول النجاسة، أو غلب على ظننا لا يجوز الوضوء به، قليلًا كان أو كثيرًا، جاريًا أو راكدًا؛ لأن غلبة الظن تجري مجرى اليقين في وجوب العمل، كخبر الواحد بنجاسة الماء يوجب العمل وإن لم يفد اليقين. وفي الحلية: نجاسة جارية في الجاري إن كان الماء الذي يحيط بها يبلغ قلتين ولم يتغير فهو طاهر، وإن نقص عن القلتين فهو نجس ولو اجتمع بعد ذلك في موضع وبلغ قلتين وهو غير متغير يتوضأ به، وفي القديم: الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير وإن كان قليلا، ولو كانت النجاسة راسبة في أسفل الماء والماء يجري عليها فالذي يلاقيها الطبقة السفلى من الماء وهي أقل، من قلتين فهي نجسة، وفي الطبقة العليا وجهان: أحدهما: أنها نجسة، والثاني: أنها طاهرة، ولو كانت النجاسة طافية والذي يلاقيها أقل من قلتين فهو نجس، وما في القرار فيه وجهان. وذكر أبو نصر: إذا تغير أحد جانبي النهر قياس المذهب أن ينجس ما يحاذيه من الجانب الآخر وإن لم يتغير حتى ينفصل عن محاذاته فيطهر، ويجيء فيه تخريج الوجه الآخر فإنه مثله (٣). قوله: (والغدير العظيم)، وفي البدرية: الغدير فعيل من غدر أي ترك،

стр. 170

إِذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَحَدٍ جَانِبَيْهِ بمعنى مفعول أي متروك من ماء المد، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل، أي التارك له أو البحر. وفي المبسوط: وقعت نجاسة فيه فإن كان صغيرًا فهو كالأواني يتنجس والأصل فيه حديث ولوغ الكلب، وإن كان كثيرًا فهو على قياس البحر لا يتنجس لقوله ﵇ في البحر: "هُوَ الطهور ماؤه الحل ميتته "، والفصل بين الصغير والكبير يعرف بالخلوص، فإذا كان بحال لو ألقى فيه صبغ فظهر أثره في الجانب الآخر فهو صغير لعلمنا أن النجاسة تخلص إلى الجانب الآخر كما يخلص اللون هكذا نقل عن أبي حفص الكبير. وتفسير الخلوص إلى ظاهر المذهب أنه لو حُرّك جانب يتحرك الجانب الآخر فيكون صغيرًا، وإن كان لا يتحرك كان كبيرًا (١). والمراد من تحرك أحد طرفيه أن يتحرك بالارتفاع والانخفاض ولا يعتبر موج الماء لأن ذلك يكون وإن كثر الماء، إليه أشير في المحيط (٢). وفي الأسرار: يعنون تحركه بالاستعمال لا بطبعه؛ فإن الماء سيال يخلص بعضه إلى بعض بالاضطراب الذي يقع فيه وإن كان كثيرا. وعن الحلواني: والمراد بالتحريك أن ينخفض ويرتفع من غير حده، ويتكدر الماء، أما إذا تراكمت الحباب وطال حتى تحرك الجانب الآخر فليس بشيء، وفي مختلفات قاضي عيني: وتفسير هذا الكلام أنه إذا كان كبيرا يرد الطاهر على النجس بطبعه فيطهر كما يطهر الثوب النجس، وإن كان يخلص بعضه إلى بعض فالنجس يرد عليه أوّلا لأن خلوص هذا الواقع المتحرك أسرع من الخلوص بطبعه. وقيل: مسألة الحوض بناء على الجزء الذي لا يتجزأ، فإنه عند أهل السنة موجود في الخارج فتصل أجزاء النجاسة إلى جزء لا يمكن تجزئته فيكون باقي

стр. 171

جَازَ الوُضُوءُ مِنْ الجَانِبِ الآخَرِ)، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ إِذْ أَثَرُ التَّحْرِيكِ فِي السِّرَايَةِ فَوْقَ أَثَرِ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، أَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّحْرِيكَ == الحوض طاهرًا، وعند المعتزلة والفلاسفة هو معدوم فيكون كل الماء مجاورا للنجاسة فيكون الحوض نجسًا عندهم، قال الكاثي في هذا التقرير نظر. قوله: (جاز الوضوء من الجانب الآخر)، وفي فتاوى الولوالجي: إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه فحينئذ لا يجوز. وفي المبسوط والمروي عن أبي حنيفة أنه اعتبر تحريك المتوضئ، وعن أبي يوسف تحريك المنغمس فيه وهو رواية عنه (١). وفي فتاوى قاضي خان: اختار التحريك بالاغتسال؛ لأن الاغتسال يختص بالحوض فيعتبر به، أو تغلب فيه المبالغة (٢). وإليه أشار بقوله: (لأن الحاجة إليه) أي إلى الاغتسال إلى آخره، وعن بعض المتأخرين من مشايخنا اعتبروه بالكدرة، وعن أبي حفص أنه اعتبره بالصبغ بأن يلقى زعفران في جانب منها. وقيل: يعتبر التحريك برفع القلال، وبعضهم قدره بالمساحة عن أبي سليمان الجوزجاني بأن كان عشرا في عشر، وعامة المشايخ أخذوا بقوله توسعة للأمر على الناس وعليه الفتوى. وفي المبسوط: قال أبو عصمة: كان محمد يؤقت في ذلك عشرة في عشرة، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال: لا أؤقت شيئًا، والمشهور عن محمد لما سئل عن هذا قال: إذا كان مثل مسجدي هذا فهو كبير، فلما قام مسحوا مسجده فروي أنه كان ثمان في ثمان، وروي اثنا عشرة في اثنا عشرة، وكأن من روى ثمان في ثمان مسحه من داخله، ومن روى اثنا عشرة مسحه من خارجه (٣).

стр. 172

بِالِاغْتِسَالِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَعَنْهُ التَّحْرِيكُ بِاليَدِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ بِالتَّوَضُوِ (*). وَوَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى الاغْتِسَالِ فِي الحِيَاضِ أَشَدُّ مِنهَا إِلَى التَّوَضُّةِ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالمِسَاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرِ بِذِرَاعِ الكِرْبَاسِ تَوْسِعَةٌ لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، وفي الْمُجْتَبى: عن محمد: عشر في عشر، وعن أبي يوسف: ثمان في ثمان، وعن أحمد بن حرب: سبعة في سبعة (١). والصحيح عن أبي حنيفة أنه لم يقدر في ذلك شيئًا، وإنما قال: هو موكول إلى غلبة الظن في خلوص النجاسة من طرف إلى طرف، وهذا أقرب إلى التحقيق وهو الأصح، وهو ظاهر الرواية عنه، وبه أخذ الكرخي؛ لأن المعتبر عدم وصول النجاسة وغلبة الظن في ذلك يجرى مجرى اليقين في وجوب العمل كما إذا أخبر واحد بنجاسة الماء وجب العمل بقوله، وذلك مختلف بحسب اجتهاد الرائي وظنه، كذا في شرح المجمع. ثم اختلفت ألفاظ الكتب في تعيين الذراع فجعل الصحيح هنا ذراع الكرباس (٢) وهو سبع مشتات ليس فوق كل مشت أصبع قائمة، ذكره في فتاوى الولوالجي، والمجتبى (٣). وجعل الصحيح في فتاوى قاضي خان ذراع المساحة لأنه أليق بالممسوحات وهو سبع مشتات، فوق كل مشت أصبع قائمة (٤). وفي المحيط: الأصح أن يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم ولم يتعرض ذراع الكرباس والمساحة، وإنما اعتبر عدد العشرة دون غيره من الأعداد لأن

стр. 173

وَعَلَيْهِ الفَتْوَى، وَالمُعْتَبَرُ فِي العُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالِ لَا يَنْحَسِرُ بِالاغْتِرَافِ، هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: «وَجَازَ الوُضُوءُ مِنْ الجَانِبِ الْآخَرِ»، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ مَوْضِعُ الوُقُوعِ، … ... … ... … ... .. العشرة أدنى ما ينتهي إليه نوع الأعداد (١). وقيل: عدد خطر في الشرع ولهذا اعتبر في نصاب السرقة والمهر. قوله: (والمعتبر في العمق)، بضم العين المهملة وفتحها، وسكون الميم، واختلفوا في مقدار العمق، قيل: بقدر ذراع، وعن البزدوي: ما يبلغ الكعب، وقيل: قدر شبر. وقيل: بقدر ما لو ألقي فيه درهم أبيض وقام رجل يبصره لم يبصره، وقيل: بحال لا تنحسر الأرض - أي لا تنكشف - بالاغتراف حتى لو انحسر ثم اتصل بعد ذلك لا يتوضأ منه، وعليه الفتوى، كذا في الفتاوى الظهيرية (٢). وإليه أشار في الكتاب بقوله: (وهو الصحيح). وفي الكاثي: وقدره البعض بأربع أصابع مفتوحة. قوله: (إشارة إلى أنه يتنجس موضع الوقوع)، ثم مشايخ العراق لم يفرقوا بين النجاسة المرئية وغيرها، ومشايخ بلخ وبخارى فرقوا بين المرئية وغيرها، قالوا في غير المرئية: يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة بخلاف المرئية؛ لأنه بمنزلة الماء الجاري. وينبني على هذا ما إذا غسل وجهه في حوض كبير تسقط غسالة وجهه في الماء فرفع الماء من موضع الوقوع قبل التحريك، قالوا: على قول أبي يوسف لا يجوز ما لم يحرك الماء، وعن هذا قالوا: لو استنجى لا يجزيه أن يتوضأ من ذلك الموضع قبله، وبه قال أبو جعفر الأسْتَرُوشَنِي وغيره من مشايخ بخارى

стр. 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جوزوا ذلك لعموم البلوى، كذا في المحيط (١). وفي الْمُجْتَبى: وعليه الفتوى (٢). وفي المبسوط: والأصح أن الموضع الذي وقعت فيه النجاسة يتنجس (٣)، وإليه أشار في الكتاب. وفي الفتاوى الظهيرية: الماء إذا كان له طول ولا عرض له إن كان بحال لو جمع يصير عشرا في عشر وصار عمقه بقدر شبر جاز الوضوء فيه عند الميداني، وبه أخذ الزندويستي، وقال بكر طرخان: لا يجوز إذا كان طوله من بخارى إلى سمرقند. فقيل: كيف الحيلة؟ فقال: يحفر حفرة، ثم يحفر نهرة إلى الحفيرة حتى يسيل الماء إليها، ثم يتوضأ فيما بين ذلك، وفي التنجيس ما له طول وعمق ولا عرض له لو قدر يصير عشرا في عشر فلا بأس بالوضوء منه تيسيرًا على المسلمين. خندق طوله أربعون ذراعا وعرضه ذراع، قال أبو سليمان: يجوز الوضوء منه، قيل: لو وقعت فيه نجاسة؟ قال: يتنجس من كل جانب عشرة أذرع. وفي الْمُجْتَبى: حوض كبير تنجس فدخل فيه ماء طاهر حتى كثر فهو نجس، وقيل: يطهر إذا خرج منه شيء وإن قل - وفي المحيط: وهو الأصح (٤)، وقيل: إذا خرج مثله، وقيل: ثلاثة أمثاله، وقيل يطهر وإن لم يخرج، قال الترجماني: وبه يفتى، ولو انبسط حتى صار حكميًا، ثم اتصل بنجس فهو طاهر حال وقوع النجاسة، ولا يعتبر حكمه بالانبساط والاجتماع، وفي جمع العلوم: اغترف الماء من النهر بالكوز فدخل فيه بعرة أو بعرتان تنجس عند البعض.

стр. 175

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِظُهُورِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَالمَاءِ الجَارِي (*) حوض الحمام بمنزلة الماء الجاري عند أبي يوسف، قيل على الإطلاق، والأصح أنه إن كان يدخل الماء من الأنبوب والغرف متدارك فهو كالجاري - وتفسير الغرف المتدارك: أن لا يسكن وجه الماء فيما بين الغرفتين، ولو تنجس حوض الحمام فدخل فيه ماء حتى خرج مثله يطهر، وقيل: ثلاثة أمثاله. ولو خاض في ماء الحمام يجب غسل قدميه، وقيل: لا يجب، والأصح أنه إن علم أن في الحمام خبثًا لا يجب، وإلا فالأول أحوط، كذا في المجتبى (١). (إلا بظهور أثر النجاسة) أي: أثرها، وفي جميع التفاريق: المروي عن أبي يوسف في المياه أنه لا ينجس شيء منها إلا بظهور أثر النجاسة فيها، وعن محمد: اجتمع رأي ورأي أبي يوسف على أن البئر لا ينجس كالماء الجاري. حوض صغير يدخل فيه الماء من جانب، ويخرج من آخر يجوز التوضي فيه إن كان أربعًا في أربع، وإن زاد لم يجز، وفي الصغرى يفتي بالجواز مطلقا لأنه جاري، ولو توضأ في أرض فيها زرع متصل، أو حوض فيه طحلب متصل، أو قطع جمد أو خشب إن كان يتحرك الماء بتحريكه يجوز وإلا فلا، كذا في الْمُجْتَبى (٢). وفي المحيط: الحوض المدور يعتبر فيه ثمانية وأربعون ذراعا (٣). وقيل: أربعة وأربعون، وعند الحساب إذا كان دوره ستة وثلاثين، تكون مساحته مائة ذراع، قيل: والأول أحوط وأليق بالفقه. حوض كبير فيه عصير فوقع البول فيه لا يفسده.

стр. 176

قَالَ: (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي المَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ، كَالبَقُّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ … ... … ... حوض له مشارع، والماء متصل بالواجهة لا يضطرب فتوضأ رجل في مشرعه لا يجوز، وإن كان الماء أسفل من الألواح قليلا جاز، هذا كله مذهبنا، والشافعي اعتبر القلتين، ومالك التغير. وفي المبسوط: يتوضأ الرجل من حوض وخاف أن يكون فيه قذر ولا يستيقنه، قيل: إن سأل عنه جاز؛ لأن الأصل في الماء الطهارة، والتمسك به وخوفه بناء على الظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا، ولا يسأل لأن السؤال للحاجة عند عدم الدليل والأصل دليل، ألا ترى أن عمر أنكر على عمرو بن العاص سؤاله بقوله: يا صاحب الحوض لا تخبرنا (١). قوله: (نَفْسٌ سَائِلَةٌ): دم سائلة، وفي المستصفى: النفس بسكون الفاء الدم (٢). وفي النهاية: إما دم، أو الدم محل النفس على حسب اختلاف الحكماء، فكان إطلاق الاسم الحال على المحل (٣). وذكر (الزنابير) بلفظ الجمع دون غيره لأن فيها أنواعًا شتى. وقال الشافعي: يفسده - في قول - لأنه ميتة، وهو حرام بالنص، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، والتحريم آية النجاسة إلا السمك لقوله ﵇: «أُحِلَّتْ لَنا مِيتَتَانَ» (٤)، الحديث.

стр. 177

لَا بِطَريقِ الكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ دُودِ الخَلِّ وَسُوسِ الثِّمَارِ، لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ فِيهِ: «هَذَا هُوَ الحَلَالُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ مِنهُ»، وَلِأَنَّ المُنَجَّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ المَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، حَتَّى حَلَّ المُذَكَّى. وفي قول: لا يفسده، وهو الأصح، كذا في شرح الوجيز (١). وقوله: (لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ): احتراز عن الآدمي فإنه حرام لكرامته، قال القاضي أبو زيد: حرمة الشيء مع صلاحيته للغذاء دليل النجاسة كالكلب والخنزير. (وَلَنَا قَوْلُهُ ﵇ فِيهِ): أي في مثل هذه الحالة، روى سلمان: أنه ﵇ سئل عن إناء فيه طعام أو شراب يموت فيه ما ليس له دم سائل؟ قال ﵇: «هُوَ الحلال أكلُهُ وشُربُهُ» (٢)، الحديث، وكذا في مختصر السهيلي. روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «إذا وقع الذباب في طَعامِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، ثُمَّ انْقُلُوهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمَّا وَفِي الآخَرِ شِفاءً، وإنه لَيُقَدِّمُ السُّمَّ على الشفاء» (٣)، كذا في صحيح البخاري، والمبسوط. وفي النافع: «فإنّ في أحد جناحيه داءً، وفِي الآخر دواءً»، ومعلوم أنه بالمقل في طعام حار يموت من ساعته، ولو كان موته به يوجب تنجيسًا لكان هذا أمرًا بالتضييع وقد نهينا عنه، والحديث وإن ورد في الذباب لكن يثبت الحكم في أخواتها بدلالة النص، أو بحديث آخر، أو بالإجماع. (وَلِأَنَّ الْمُنَجَّسَ هو اخْتِلَاطُ الدَّمِ)، إلى آخره، ولهذا لو صلى مع فأرة أو عصفورة حية لم تفسد صلاته. وفي المبسوط: الحيوان إنما يتنجس بالموت لما فيه من الدم المسفوح بدليل أن المذكى طاهر، والدم حرام بالنص قال تعالى: ﴿أَوْ دَمَا مَّسْفُوحًا﴾.

стр. 178

لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ، … ... … ... … ... … [الأنعام: ١٤٥]، فما ليس له دم لا يتنجس بالموت؛ كالزروع، والأشجار بالقطع، فلا يتنجس ما مات فيه قياسًا على ما خلق منه (١). قوله: (لإنعدام الدَّمِ فِيهِ)، فإن قيل: يلزم على هذا التعليل مذبوح المجوسي والوثني ومتروك التسمية عامدًا فإن الدم زال عنه ولم يحل، ومذبوح المسلم بالتسمية الذي لا يعلم حياته يقينا، ولم يسل الدم بعارض بأن أكل ورق العناب فإنه يحل، مع أن الدم لم يسل. قلنا: أما ذبيحة المجوسي والوثني، وتارك التسمية عمدًا طاهر على الأصح، وإن لم يؤكل لعدم أهلية الذابح شرعًا، ذكره في الْمُجْتَبى (٢). ولأن الشرع جعل مذبوحه كالمنخنقة لعدم الأهلية، وتعلق الحكم بالسبب المُرِيق وهو الزكاة الشرعية لا نفس الإراقة فسقطت الإرادة، ودار الحكم مع سببه. وأما فيما ذبحه مسلم ولم يسل الدم بعارض فجعل الدم كأنه سال شرعًا لقيام سببه، وربما لا يريق لعارض والعوارض لا تدخل في القواعد، كذا في النهاية (٣). فإن قيل: لو كان المنجس هو الدم يلزم أن يكون الدموي من الحيوان نجسا سواء كان قبل الحياة أو بعدها؛ لأنه يشمل على الدم في كلتا الحالتين. قلنا: الدم حال الحياة في معدنه لا يكون نجسا، بخلاف الذي بعد الموت؛ لأن الدماء بعده تنصب على مجاريها فلا تبقى في معدنها فيتنجس اللحم بتنشره إياها، ولهذا لو قطعت العروق بعد الموت لا يسيل الدم منها، كذا في الفوائد الظهيرية (٤).

стр. 179

وَلَا دَمَ فِيهَا، وَالحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ كَالدِّينِ. قَالَ: (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي المَاءِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ، كَالسَّمَكِ وَالضِفْدِعِ وَالسَّرَطَانِ) (وَلَا دَمَ فِيهَا)، أي: في هذه الأشياء، وهو البقُّ والذباب ونحوهما، وفي صلاة البقالي: لو مص البق الدم لم ينجس عند أبي يوسف لأنه مستعار، وعند محمد ينجسه، وفي جميع التفاريق: الخلاف على العكس، والأصح في العلق إذا مص الدم أنه يفسد الماء، قال صاحب الْمُجْتَبَى: ومن هذا يعرف حكم القراد والحلم (١). وقوله: (وَالحُرْمَةُ لَيْسَتْ)، إلى آخره جواب عما قال الخصم إن التحريم لا بطريق الكرامة آية النجاسة كالطين، وفي جامع الكردري: وخص من الآية السمك والجراد باعتبار عدم الدم والمتنازع فيه بمعناهما فيلحق بها، والأتان طاهر ولا تؤكل، وكذا لحوم السباع إذا ذبحت طاهرة ولا تؤكل. وفي الحاوي: جازت الصلاة مع لحم البازي المذبوح وكذا كل شيء، لم يؤمر بإعادة الصلاة في سؤر مثل الحية والفأرة، وجميع الطيور تجوز الصلاة مع لحمها إذا كانت مذبوحة، وقال نصير: إذا ذبح شيء من السباع فجلده طاهر، ولحمه، نجس، بخلاف الطيور، والحية، والفأرة. قوله: (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ) أي في الماء. وقوله: (فِي الْمَاءِ)، ظرف لـ (يَعِيش)، وقوله: (فيه) ظرف للموت، وفي بعض النسخ لم يذكر كلمة (فيه)، وشمس الأئمة الكردري أثبتها لتكون المسألة مجمعًا عليها؛ لأنه إذا مات في غير الماء قيل: يفسده، وقيل: لا يفسده (٢). وفي البدرية: قدم السمك لأنه مجمع عليه، وهذا إذا مات حتف أنفه، أما إذا قتل في الماء جرحًا فعند أبي يوسف يفسده على ما روى المعلا عنه. وفي المُجْتَبَى: عن أبي يوسف إن ماتت حية عظيمة مائية، أو سمك في الماء يفسده (٣).

стр. 180

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ إِلَّا السَّمَكُ، لِمَا مَرَّ. وَلَنَا: أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ، فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُكَّهَا دَمًا، وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا، إِذِ الدَّمَوِيُّ لَا وفي الحاوي: مات الضفدع في العصير، قال نصير: لا يُصَبُّ، وقال أبو الليث: هذا على قياس قول أبي يوسف فإنه اعتبر الدم السائل حتى إن صبَّهُ الماء لو ماتت في الماء عنده لو كانت بحال لو خرجت يسيل منها الدم فسد الماء، والضفدع لا دم له فلا يُصَبُّ، على قياس أبي حنيفة لا يفسد (١). وقوله: (لِمَا مَرَّ) إشارة إلى قوله: (لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ) فحينئذ كل ما حرم أكله ينجس الماء عنده، كذا في الحلية. قال الكاثي: قوله: (لا يفسده) أقوى من قوله (لا ينجسه)؛ لأن قوله (لا يفسده) يؤذن بأنه يبقى طاهرًا وطهورًا، وقوله (لا ينجسه) يفيد طهارته لا طهوريته؛ كالتراب طاهر وليس بطهور إلا عند الضرورة حكما لا حقيقة. (كَبَيْضَةٍ حَالَ) أي تغير مُحُها أي صفرتها دمًا، يعني لو صلى وفي كمه تلك البيضة تجوز صلاته؛ لأن النجاسة في معدنها لا تعطى له حكم النجاسة، بخلاف ما لو صلى وفي كمه قارورة دم حيث لا يجوز؛ لأنها في غير معدنها (٢). وعند الشافعي البيضة إذا استحالت دما فهي نجسة في أصح الوجهين، ولو صارت مذرة وهي التي اختلط بياضها بصفرتها فهي طاهرة بلا خلاف (٣). وعموم قوله: (مَاتَ فِي مَعْدِنِهَا) يقتضي أن لا يعطي للوحوش والطيور حكم النجاسة إذا مات في معدنها؛ لأن معدنها البر، ولهذا جعل شمس الأئمة تعليل قوله: (لا) دم فيها أصح، قال: ليس لهذه الحيوانات دم سائل فإن ما فيها يبيض بالشمس، والدم إذا شُمِّس يَسْوَدُّ، ولهذا قال في الكتاب: وهو الأصح (٤). وفي الخبازية: سئل محمد عن ضفدع مات في الخل؟ قال: لا ينجسه. قيل له: من أين تقول؟ قال: أرأيت لو مات في الماء ثم صب في الخل
следующие страницы →