لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ.
تبعا لإمامه، فأولى أن تجب بعد سماعها.
(لتحقق السبب)؛ أي: من الأهل وهو السماع، وهو ليس من أفعال الصلاة، وتلك التلاوة ما صارت تلاوة للسامع؛ لعدم كونه مقتديًا، فلم تكن السجدة في حقه من أجزاء الصلاة، كما لو سمع ممن ليس بمصلي. كذا في جامع أبي المعين، وفي الكافي (١).
وقال مالك: لا يسجد (٢)؛ لأن السماع بناء على التلاوة، وهي وجدت في الصلاة، فكانت صلاتية فلا تؤدى خارجها، كما لو سمع المصلي ممن ليس معه في الصلاة؛ فإنه لا يسجدها في الصلاة.
قلنا: السماع وإن كان بناء على التلاوة؛ ولكن الوجوب بالسماع.
فإن قيل: الصحيح أن التلاوة سبب في حق السامع لا السماع، وهي في الصلاة، والسماع شرط، فكانت صلاتية.
قلنا: لما اختلفوا في أن السماع سبب في حقه أو التلاوة، فلو نظرنا إلى التلاوة فلم يؤدها، وإن نظرنا إلى السماع؛ يؤديها خارج الصلاة، فالاحتياط: أن يؤديها خارجها؛ صونًا للصلاة عن الزوائد، وفيما تقدم، لو نظرنا إلى الصلاة لم يؤدها خارجها، ولو نظرنا إلى السماع يؤديها فيها؛ فالاحتياط: أن لا يؤديها فيها صونًا لها عن الزوائد، وسلوكًا للاحتياط في المسألتين.
فإن قيل: ينبغي أن لا يتابع الإمام فيما إذا لم يسجدها حين شرع؛ لأن ما وجب ليس بصلاتية، فلم يؤدها فيها.
لنا: تلك السجدة وإن لم تكن صلاتية؛ لكنها صارت صلاتية بالاقتداء، إلا أن للاقتداء تأثيرًا في جعل غير الواجب واجبًا، وفي جعل الواجب غير واجب، فإن القعدة على رأس الركعتين واجبة للمسافر، وباقتدائه بالمقيم لم
стр. 1157
(وَكُلُّ سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا، … ...
تبق واجبة، وكذا لو يحرم للأربع نفلا يلزمه ركعتان، ولو اقتدى بمصلي الظهر؛ لزمه أربعًا، حتى لو أفسده يقضي الأربع؛ ألا ترى أنه لو تلاها خارج الصلاة ثم شرع فيها وأعادها؛ صارت صلاتية حتى يسقط تركها فيها، فما وجبت خارج الصلاة إذا صارت صلاتية بالتلاوة؛ فلأن تصير صلاتية بالاقتداء أو تأثيره في الاستتباع أقوى كان أولى.
وفي شرح المجمع: ليس الخلاف في ذلك راجعًا إلى كونها صلاتية؛ بل الخلاف في ذلك راجع إلى أن مطلق السماع، هل يوجب السجود؟ فالصحيح من مذهبه: أنه إذا قصد الاستماع سجد، وإلا فلا؛ فلهذا أوردت المسألة في المجمع بصيغة لا تفيد خلافًا (١).
قوله: (وكل سجدة)؛ أي: سجدة صلاتيه. قبل قوله (صلاتية) خطأ؛ لأن تاء التأنيث لا تثبت في النسب أصلًا؛ بل صوابه: صلاته.
أجيب بأن هذا خطأ مستعمل، فيكون خيرًا من صواب غير مستعمل، ويجب هذا التقييد، وإلا يلزم على إطلاقه ما ذكره قبله؛ وهو قوله: وإن سمعوا وهم في الصلاة إلى أن قال: وسجدوها بعدها.
والمعنى من الصلاتية: هو أن تكون التلاوة من أفعال الصلاة، على ما ذكرنا في المحيط (٢)، ولكن المصنف ترك هذا القيد لظهوره.
فإن قيل: كيف يتحقق عدم السجود فيها، حتى لو لم يقض خارج الصلاة، وأنها تؤدى بسجدة الصلاة وإن لم ينو؟.
قلنا: نعم، إذ قرأ آية السجدة وسجد، أما إذا لم يسجدها على الفور، حتى إذا قرأ مقدار ثلاث آيات وركع، أو سجد للصلاة ينوي بها سجدة التلاوة؛ لم يجز؛ لأن السجدة صارت دينا عليه؛ لفوات وقتها، فلا تتأدى في ضمن الغير.
стр. 1158
لَمْ تُقْضَ خَارِجَ الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّهَا صَلَاتِيَّةٌ وَلَهَا مَزِيَّةُ الصَّلَاةِ، فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ (وَمَنْ تَلَا سَجْدَةً فَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى دَخَلَ فِي صَلَاةٍ فَأَعَادَهَا وَسَجَدَ أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ عَنِ التَّلَاوَتَيْنِ)؛ … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... .
كذا في الكافي (١)، وفيه تأمل؛ فإنه ذكر في الفتاوى الظهيرية: وقت أدائه موسع، حتى لو أتى بها متى شاء؛ يكون مؤديا لا قاضيا (٢).
وفي الْمُجْتَبى: وجوبها على التراخي عند محمد، وهو رواية عن أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسف (٣). والمراد من قوله: (لم تقض)؛ لم يؤد.
قال الإمام قاضي خان الصلاتية أقوى من غيرها؛ لأنها وجبت بتلاوة تعلق بها جواز الصلاة؛ ألا ترى أنه لو ضحك في سجدة التلاوة في الصلاة تنتقض طهارته، ولو ضحك فيها خارجها لا ينتقض، فيكون لها مزية، فلا تتأدّى بالناقض (٤).
وفي الْمُجْتَبى: لم تقض خارجها؛ للعجز عن أدائها (٥).
(حتى دخل في صلاة)؛ أي: في مكان واحد.
فإن قيل: مجلس الصلاة غير مجلس التلاوة.
قلنا: بل واحد حقيقة وحكمًا، أما حقيقة؛ فظاهر، وأما حكمًا؛ فلأن مجلس التلاوة مجلس العبادة، فكان من جنس مجلس الصلاة.
(فأعادها)؛ أي: تلك الآية التي تلاها خارج الصلاة.
(أجزأته السجدة عن التلاوتين)، فأما لو تبدل مجلس الصلاة؛ فعليه لكل تلاوة سجدة؛ كما لو لم يدخل في الصلاة.
وفي النوادر والزيادات أيضًا: يسجد للأولى بعد الفراغ، سواء سجد في الصلاة، أو لأنه حين اشتغل بالصلاة تغيّر المجلس، كما لو اشتغل بالأكل
стр. 1159
لِأَنَّ الثَّانِيَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا صَلَاتِيَّةً فَاسْتَتْبِعَت الأُولَى. وَفِي النَّوَادِرِ: يَسْجُدُ أُخْرَى بَعْدَ الفَرَاغِ، لِأَنَّ لِلْأُولَى قُوَّةَ السَّبْقِ فَاسْتَوَيَا. قُلْنَا: لِلثَّانِيَةِ قُوَّةُ اتِّصَالِ المَقْصُودِ فَتَرَجَّحَتْ بِهَا (وَإِنْ تَلَاهَا فَسَجَدَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَاهَا سَجَدَ لَهَا)؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ المُسْتَتْبِعَةُ، وَلَا وَجْهَ إِلَى إِلْحَاقِهَا بِالأُولَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى سَبْقِ الحُكْمِ عَلَى
وعمل آخر، ولا يمكن جعل الأولى تبعًا للثانية؛ لأن السابق لا يكون تبعًا للاحق، فكان القول به خلاف موضوع التداخل؛ لأن التكرار بالسبب يقع لا بالأولى، ولا يمكن جعل الثانية تبعًا للأولى؛ لأنها أقوى، فكذا وجب اعتبار كل واحد؛ كما لو تلاها في مجلسين (١).
وجه ظاهر الرواية: أن السبب واحد؛ لأن المتلو واحد، والمجلس واحد، حقيقة وحكما كما بينا، والثانية أكمل من الأولى؛ لأن لها حرمتين، ولو كانت مثل الأولى لنابت عنهما، فإذا كانت أكمل كان أولى أن لا ينوب، والسابق قد يكون تبعًا للاحق؛ إذا كان اللاحق أقوى كالسنة قبل الفرض، ولأن التكرار قائم بهما، فكان إلحاق الأولى بالثانية ممكنا. كذا في شروح الجوامع، والمحيط (٢).
(اتصال المقصود)؛ يعني: اتصال السجدة بالتلاوة؛ يعني: لما اقترنت الثانية بالسجدة؛ صارت راجحة على الأولى بعد مساواتها فيما ذكر؛ وهو الصلاتية للثانية، والسبق للأولى، كحكم مجتهد فيه اتصل القضاء به؛ يصير بمنزلة المجمع عليه في القوة.
فتر جحت بها؛ أي: بقوة اتصال المقصود؛ لأن الأصل اتصال المسبب بالسبب.
قوله: (هي المستتبعة)؛ لما ذكرنا أنها صلاتية قوية.
(ولا وجه) إلى ذلك؛ أي: للاستتباع؛ لأنه حينئذ يلزمه تقدم الحكم على السبب؛ لأن معنى الاستتباع جعل التلاوتين بمنزلة تلاوة واحدة، فلو جعلنا
стр. 1160
السَّبَبِ (وَمَنْ كَرَّرَ تِلَاوَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَرَأَهَا فِي مَجْلِسِهِ فَسَجَدَهَا ثُمَّ ذَهَبَ وَرَجَعَ فَقَرَأَهَا سَجَدَهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَجَدَ لِلْأُولَى فَعَلَيْهِ السَّجْدَتَانِ) فَالْأَصْلُ: أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ،
كذلك؛ كانت التلاوة الأولى تبعًا للثانية لا العكس؛ لأن الثانية صلاتية قوية، فيلزم أن تكون السجدة التي سجدها قبل التلاوة تقديرًا؛ لأن الأولى التحقت بالثانية، فكان الحكم وهو السجدة؛ سابقًا على السبب وهو التلاوة تقديرًا، فلما لم يمكن القول بالتداخل هاهنا؛ وجبت لكل تلاوة سجدة على حدة على جميع الروايات، بخلاف المسألة الأولى.
وفي المحيط: قرأ آية السجدة في الركعة الأولى فسجد، ثم أعادها في الركعة الثانية؛ فلا سجود عليه في قول أبي يوسف في القياس.
وقال محمد: يسجد استحسانًا، وهذه من المسائل التي رجع أبو يوسف فيها من الاستحسان إلى القياس.
وجه الاستحسان: أن اتحاد التلاوتين غير ممكن هاهنا؛ لأنا لو قلنا به تفوت القراءة في إحدى الركعتين حكمًا، والقراءة في كل ركعة ركن، فاعتبر كل قراءة تلاوة على حدة.
وجه القياس: أن الاتحاد في حق سجدة التلاوة لا في حق الصلاة، أو في حق السنية لا في حق القراءة، كما إذا كان خارج الصلاة إذا سجد للتلاوة، وتلا في السجدة آية أخرى؛ لا تلزمه سجدة التلاوة، وكذا لو تلا في الركوع؛ لأن هذه التلاوة منهي عنها (١).
قوله: (فَالْأَصْلُ أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ) إلى آخره: ثم القول بالتداخل هاهنا جواب الاستحسان، وفي القياس: يجب لكل تلاوة سجدة؛ لأنها حكم التلاوة، فيتكرر بتكرر سببه؛ لأنه نتيجة السبب، ولا معنى للتداخل؛ لأنها عبادة، والعبادات يحتاط في الإتيان بها، ولا يحتال لدرئها، وبه قال
стр. 1161
وَهُوَ تَدَاخُلٌ فِي السَّبَبِ دُونَ الحُكْمِ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِالعِبَادَاتِ وَالثَّانِي بِالعُقُوبَاتِ،
الشافعي (١).
قال النواوي: إن لم يسجد للأولى؛ كفته سجدة واحدة، وإن سجد لها؛ فثلاثة أوجه: أصحها: أن يسجد، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣).
الثاني: يكفيه الأولى. قاله ابن سريج، ورجحه صاحب العدة، وقطع به أبو حامد.
الثالث: إن طال فصل (٤). (وإن قرأها فسجد ثم ذهب)؛ يعني: أنه مشى ثلاث خطوات على المختار، ورجع فقرأها؛ سجدها ثانية، وإن لم يسجد للأولى؛ فعليه سجدتان (٥).
وأما وجه الاستحسان ما روي أن جبريل ﵊ كان ينزل بآية السجدة على النبي ﵊، وكان يكرر عليه مرارا، وكان ﵇ يقرأها على أصحابه، ويسجد لها مرة واحدة. وعن أبي موسى الأشعري أنه كان يعلم الناس القرآن في مسجد الكوفة، وكان يكرر آية السجدة في مكان واحد، وربما يخطو خطوة أو خطوتين، ويسجد لذلك مرة واحدة.
وعن عبد الرحمن السلمي - معلم الحسن والحسين ﵄ أنه كان يعلمهما، ويكرر عليهما آية السجدة، ولا يسجد إلا مرة واحدة، وهو أخذ القراءة من عثمان وغيره من الصحابة ﵃، فدلّ أنه أخذ منهم أيضًا حكم القراءة، ولأنهم
стр. 1162
وَإِمْكَانُ التَّدَاخُلِ عِنْدَ اتِّحَادِ المَجْلِسِ
أجمعوا أن من تلاها يسجد مرة واحدة، ولا شك أنه يسمعها من نفسه أيضًا، ولو كانت لا تتداخل؛ لوجبت عليه سجدتان.
والمعنى: أن الحاجة ماسة إلى تكرار القرآن للتعلم؛ لمحافظة الشرائع والتعليم والتحفظ، فلو أوجبنا لكل مرة سجدة على حدة؛ يقع في الحرج، بخلاف ما إذا اختلفت الآية في مجلس واحد؛ لأنه لا حرج ثمة، فإن آيات السجدة محصورة.
أما التكرار للتعليم والتعلم والتحفظ غير محصور، ولأن الإنسان لا يقرأ جميع آيات السجدة في مجلس واحد غالبًا، وأما التكرار في مجلس واحد غالب؛ فلذا تقع التفرقة بينهما، وعلى هذا قالوا: لو عطس وحمد الله في مجلس مرارًا؛ ينبغي للسامع أن يشمته؛ لأنه حق العبد، وكذا الصلاة على النبي ﷺ .
والأصح: أنه إذا زاد على الثلاث لا يشمته. كذا في المبسوط (١).
وذكر فخر الإسلام في الجامع الكبير فرقًا بين السجدة والصلاة على النبي ﵊؛ فقال: يستحب تكرار الصلاة على النبي ﵊، بخلاف السجود؛ لأن العبد وإن عظمت منزلته لا يوازي حقه حق الله تعالى في موضع الحرج؛ فلذلك افترقا، فإذا ثبت أصل اتحاد السجدة بالحديث والأثر، وشيء من المعنى؛ فقلنا به، لا بمجرد نفس الحرج (٢).
وإنما جعلنا التداخل في السبب لا الحكم، ولو جعلناه في الحكم؛ لكانت الأسباب باقية حقيقتها للزم الشناعة وثبوت الحكم على خلاف وضع الشرع، وترك العمل بالاحتياط؛ لأنه يلزم وجود موجب العبادة ولا عبادة، والعبادة يحتاط في الإتيان بها؛ بل هذا أليق بموضع العقوبات؛ ليضاف تخلف الحكم عند وجود الموجب إلى الكرم والعفو، والله تعالى موصوف بشيوع الكرم
стр. 1163
لِكَوْنِهِ جَامِعًا، لِلْمُتَفَرِّقَاتِ فَإِذَا اخْتَلَفَ … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … .
والعفو؛ ولذا قال ﵊: «ادْرَؤوا الحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ» (١).
ثم لما ثبت التداخل بالحديث؛ قلنا: تتداخل الأسباب في العبادات؛ لتكون الأسباب عند دليل الجمع؛ وهو اتحاد المجلس بمنزلة سبب واحد، ولو قلنا بعكسه؛ تلزم الشناعة كما قلنا، فكان اللائق بالعقوبات التداخل في الأحكام، وفي العبادات في الأسباب؛ لما ذكرنا.
وتظهر ثمرة الخلاف: فيمن تلا آية سجدة فسجد، ثم قرأ تلك الآية في ذلك المجلس مرارًا؛ تكفيه تلك السجدة عن التلاوات التي وجدت بعد السجدة، خلافًا للبعض، فلو كان التداخل في الحكم؛ لما كفت عن التلاوات الموجودة بعدها، كما لا يكفي في الحدود؛ للزوم تقدم الحكم على السبب. كذا نقل عن شيخ شيخي ﵀ (٢).
قال شمس الأئمة: القول بالتداخل لا يليق في العبادات، والوجه الصحيح فيه أن يقال: سبب وجوبها حرمة المتلو، والقراءة الثانية والثالثة محض التكرار للتأمل والتفكر والحفظ، فلم يتجدد السبب، فيكون السبب واحدًا، وبالسبب الواحد لا تجب إلا سجدة واحدة، فالشرع جعل التلاوات المتكررة حقيقة متخذة حكمًا، والاتحاد الحكمي إنما يكون عند اتحاد المجلس؛ لأن له أثر في جميع المعدودات، كما في الإيجاب والقبول والأقارير (٣)، وفيه نوع تأمل.
(لكونه)؛ أي: لكون المجلس الواحد جامعًا للمتفرقات؛ ألا ترى أن من أقر بالزنا أربع مرات في مجلس واحد؛ يجعل مقرًا مرة واحدة، وفي المجالس المختلفة: يجعل مقرا أربع مرات، فكذا هاهنا. كذا في المبسوط، والمحيط (٤).
(فإذا اختلف)؛ أي: المجلس إلى الأصل، وهو أن لا يتحد المتفرقات،
стр. 1164
عَادَ الحُكْمُ إِلَى الأَصْلِ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِمُجَرَّدِ القِيَامِ بِخِلَافِ المُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِعْرَاضِ وَهُوَ الْمُبْطِلُ هُنَالِكَ.
والجامع: اتحاد المجلس، فإذا اختلفت لم يبق الجامع، فعاد الحكم إلى الأصل الذي هو التفرق.
(ولا يختلف)؛ أي: المجلس بمجرد القيام؛ ولهذا لو باع وهو قاعد فقام، ثم قبل المشتري؛ صح قبوله. كذا في الكافي (١)، بخلاف المخيرة؛ يعني لو قال لامرأته: اختاري وهي جالسة، فقامت وقالت: اخترت؛ لا يقع الطلاق؛ لأنه - أي الطلاق - دليل الإعراض، لا أن المجلس تبدل حقيقة.
(وهو)؛ أي: الإعراض.
(مبطل هناك)؛ أي: المخيرة.
ثم إنما يختلف المجلس إذا ذهب عن ذلك المجلس بعيدًا، فإن كان قريبًا لا يختلف، والفاصل بينهما ما ذكر في المحيط: إذا مشى خطوتين وثلاثا فهو قريب، وإن كان أكثر من ذلك فهو بعيد (٢).
وفي المبسوط: وفسر في رواية ابن رستم عن محمد، قال محمد: نحو عرض المسجد أو طوله فهو قريب (٣).
وفي المبسوط: فإن نام قاعدًا، أو أكل لقمة أو شرب شربة، أو عمل عملا يسيرًا، ثم قرأ؛ فليس عليه أخرى؛ لأن بهذا القدر لا يتبدل المجلس (٤).
وقال التمرتاشي: وفي الروضة بالأكل لا يختلف المجلس حتى يشبع، وبالشرب حتى يروى، وبالكلام والعمل حتى يكثر استحسانًا (٥).
وفي المبسوط: ولو أكل ونام مضطجعًا، أو أخذ في بيع وشراء، أو عمل
стр. 1165
وَفِي تَسْدِيَةِ الثَّوْبِ يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ، وَفِي المُنْتَقِلِ مِنْ غُصْنٍ إِلَى غُصْنٍ كَذَلِكَ فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا فِي الدِّيَاسَةِ لِلِاحْتِيَاطِ (وَلَوْ تَبَدَّلَ مَجْلِسُ السَّامِعِ دُونَ التَّالِي يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ على السَّامِع)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ وَكَذَا إِذَا تَبَدَّلَ مَجْلِسُ
عملا يعرف أنه قطع لما كان قبله؛ فقد اختلف المجلس (١).
وفي شرح المجمع: الأمكنة التي يتحد حكمها كالمسجد، والجامع، والبيت، والسفينة سائرة كانت أو واقفة، والحوض، والغدير، والنهر الواسعة، والدابة السائرة، وراكبها في الصلاة، فإن هذه الأماكن إذا كرر التلاوة؛ لا تلزمه إلا سجدة واحدة، وهو مخيّر إن شاء سجدها عند التلاوة الأولى، وإن شاء سجدها عند الأخيرة (٢).
والأمكنة التي تختلف حكمها بتعدد الوجوب كالدابة السائرة وراكبها ليس في الصلاة، والماشي في الصحراء، والسائح في البحر والنهر العظيم، وفي تسدية الثوب والمنتقل من غصن إلى غصن في أصح الأقوال، فإن في هذه الأماكن يتعدد الوجوب.
وفي مبسوط شيخ الإسلام في السفينة والمسجد: تكفيه سجدة واحدة وإن تحول من زاوية إلى زاوية، إلا أن يكون المسجد كبيرًا كالجامع (٣).
وقيل خلافه، وكذا لو تلاها في المسجد الداخل، ثم أعادها في المسجد الخارج؛ يكفيه سجدة، وكذا لو تلاها في كرم في أماكن مختلفة، وقيل: في الجامع تكفية سجدة عند أبي يوسف خلافًا لمحمد، وكذا لو تلاها في دار السلطان، والصحيح: في تكرارها في تسدية الثوب، ودوارة الكدس، ورحاء الطحن والسباحة في النهر والحوض، أو على أغصان الشجر؛ تكرار الوجوب؛ لأن تلك المجالس ليست بمجالس التلاوة، بخلاف المكتب؛ لأنه للتعليم، وكذا المسجد؛ لأنه معدّ للعبادة للاحتياط؛ يعني: لو نظر إلى اتحاد
стр. 1166
التَّالِي دُونَ السَّامِعِ عَلَى مَا قِيلَ، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ عَلَى السَّامِعِ لِمَا قُلْنَا.
(وَمَنْ أَرَادَ السُّجُودِ كَبَّرَ - وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ - وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ)
العمل والاسم لا يتكرر، ولو نظر إلى حقيقة اختلاف المكان؛ فيتكرر احتياطا. التسدية كرباس … وفي لفظ الكتاب إشارة إلى أنه لا خلاف في التسدية؛ لأن قطعها بالجواب من غير تردد.
ويدل على أن اختلاف المشايخ في المتنقل من غصن إلى غصن، وفي الدياسة، لكن قال التمرتاشي: واختلف في تسدية الثوب والدياسة، والذي حول الرحى، والذي يسبح في الحوض أو النهر، والذي ينتقل من غصن إلى غصن، والأصح: تكرار الوجوب؛ لأن المجلس ليس بمجلس التلاوة؛ ولهذا يعتبر مختلفًا في الغصنين في الحل والحرم، حتى لو كان الطير على غصن في الحرم، وأصل الشجرة في الحل؛ يجب الجزاء على ما قيل، وهو تكرر الوجوب على السامع وإن اتحد مجلسه؛ لما أن سماعه مبني على التلاوة، وهو اختيار الإسبيجابي، وعليه الفتوى (١).
قوله: (ولم يرفع يديه): مع التكبيرة الأولى إن كان في غير الصلاة، ولا يرفع في الصلاة.
وفي الخلاصة الغزالية: يكبر رافعًا يديه ناويًا، ثم يكبر للسجود ولا يرفع يديه، ثم يكبر للرفع ويسلّم، وأقلهما وضع الجبهة على الأرض بلا شروع وسلام ويتشهد، فيه قولان (٢).
قال البويطي: لا يتشهد ولا يجب ﵇، وإلا لما جاز في أثناء الصلاة؛ لأنه ليس بمحل للتحليل، ونقل المزني عليه أن يسلم (٣)، وبه قال أحمد قياسًا على صلاة الجنازة (٤)، وعندنا: لا يتشهد ولا سلام، وهو قول
стр. 1167
اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ المَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (وَلَا تَشَهُدَ عَلَيْهِ وَلَا
مالك (١).
وعن الحسن بن زياد: لا يُكبّر للانحطاط ويكبر للرفع. كذا في الحلية، والمحيط، والمجتبى (٢)، وعن أبي يوسف عكسه، وأنه لا يكبر فيها.
وقال شيخ الإسلام: روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: الركن في السجدة؛ وضع الجبهة، والتكبير عند الرفع، حتى لو تركه يعيد (٣).
وفي مبسوط فخر الإسلام: التكبير ليس بواجب كما في الصلاة (٤).
وفي المبسوط: لم يذكر محمد ماذا يقول في سجوده، والأصح: أن يقول في سجوده من التسبيح ما يقول في سجود الصلاة (٥)، وبه قال الشافعي ﵀ (٦) واستحسنوا أن يقوم فيسجد؛ لأن الخرور سقوط من القيام، والقرآن ورد به، وإن لم يفعل فلا يضر.
وفي الْمُجْتَبى: ولو أتى بغير تسبيح سجود الصلاة؛ جاز (٧).
وقالت عائشة ﵂: كان النبي ﵊ يقول في سجوده: «سجَدَ وجهي للذي خلَقَه، وشقَّ سمعه وبصره، بحوله وقُوَّتِه» (٨).
وفي المحيط: لو لم يذكر فيها شيئًا جاز؛ لأنها لا تكون أقوى من السجدة الصلبية، وهناك جائز بدونه، فهاهنا أولى (٩).
стр. 1168
سَلَامَ)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلتَّحَلُّلِ وَهُوَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ التَّحْرِيمَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيَدَعَ آيَةَ السَّجْدَةِ)؛ لِأَنَّهُ
وفي الفتاوى الظهيرية واستحسن بعض المتأخرين فيها قول: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا (١).
قوله: (وهي معدومة)؛ هذا عندنا، أما عند الشافعي، وأحمد: التحريمة شرط خارج الصلاة على المشهور.
فإن قيل: كيف تكون معدومة وقد ذكر: من أراد السجود كبر، والتكبير للتحريمة كما في الشروع في الصلاة.
قلنا: ذلك التكبير لا للتحريم؛ بل للمشابهة بينها وبين سجدة الصلاة، والتكبير بها ليس للتحريمة؛ بل للانتقال إلى السجود فكذا هاهنا.
قوله: (ويكره) إلى آخره قال الشافعي: تكره قراءة السجدة في الصلاة، سواء كانت صلاة السر أو الجهر (٢)، وقال مالك: تكره قراءتها في جميع الصلوات (٣)، وعندنا: يكره فيما يُسِرُّ، دون ما يجهر به، وبه قال أحمد (٤)؛ لسنة الاستنكاف، وحقيقة الاستنكاف كفر فما يشبه صوره مكروه، ولأن فيه ترك سنة القراءة، فإن السنة أن يقرأ السورة على نحوها، قال ﵊ لبلال: «إذا قرأت سورة فاقرأها على نحوها» (٥) وخلاف السنة مكروه. كذا في
стр. 1169
يُشْبِهُ الِاسْتِنْكَافَ عَنْهَا (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ وَيَدَعَ مَا سِوَاهَا)؛ لِأَنَّهُ مُبَادَرَةٌ إلَيْهَا. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ قَبْلَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ دَفْعًا لِوَهْمِ التَّفْضِيلِ
المحيط (١).
قال الحاكم الشهيد: إنما يكره لمعان؛ أحدها وثانيها: ما ذكر في المحيط (٢).
وثالثها: ترك الآية من بين السورة يقطع نظم القرآن، وبه يفوت إعجازه ويشبه تحريفه.
ورابعها: تركها من بين السورة يؤدي إلى هجران بعض القرآن فيكره، قال تعالى: ﴿يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
وخامسها: أن تركها يوهم فرارًا من لزوم السجدة فيكره، قال تعالى: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١].
وسادسها: أن تركها من بين السورة يؤدي إلى اللغو في القرآن، قال تعالى عن الكفار: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ويدع ما سواها؛ لأن له أن يقرأ ما يشاء من القرآن. ولأنه ﵊ كان يقرأ في خطبته أحيانا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وتارة ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]. كذا ذكره فخر الإسلام (٣).
(ولأنه مبادرة إليها)؛ لأن فيه الرغبة إلى الاستحباب ليتناول القربة حتى قيل: إن قرأ آية السجدة كلها في مجلس واحد فسجد لكل سجدة كفاه الله ما أهمه، ولا وجه لإحراز هذه الفضيلة إلا بهذا الطريق ولكن لا يستحب ذلك؛
стр. 1170
وَاسْتَحْسَنُوا إِخْفَاءَهَا شَفَقَةٌ عَلَى السَّامِعِينَ.
لما فيه وهم التفضيل.
قوله: (وإن استحسنوا … ) إلى آخره في المحيط: إذا كان التالي وحده يقرأ كيف شاء جهرًا وإخفاء، وإن كان معه جماعة؛ قال مشايخنا: إن كان القوم متهيئين للسجود، ويقع في قلبه أنه لا يشق عليهم أداؤها؛ ينبغي أن يقرأها جهرًا حتى يسجد القوم معه؛ لأن فيها حنا على الطاعة، وإن كانوا محدثين، ويظن أنهم لا يسجدون، أو يشق عليهم أداؤها؛ ينبغي أن يقرأها في نفسه ولا يجهر بها؛ تحرزًا عن تأثيم المسلم، وذلك مندوب إليه (١).
وفيه أيضًا ذكر في الرقيات: من قرأ آية السجدة إلا الحرف الذي في آخرها؛ لا يسجد، ولو قرأ الحرف الذي لا يسجد فيه وحده؛ لم يسجد إلا أن يقرأ أكثر من آية السجدة (٢).
وفي فوائد الكردري: لو تلا من أول الآية أكثر من نصف الآية، وترك الحرف الذي فيه يسجد؛ لم يسجد، وإن قرأ الحرف الذي فيه السجدة، إن قرأ ما بعده أو قبله أكثر من نصف الآية؛ يجب السجد، وما لا فلا (٣).
وعن أبي على الدقاق فيمن سمع سجدة من قوم، قرأ كل واحد منهم حرفًا: ليس عليه أن يسجد؛ لأنه لم يسمعها من تال (٤).
فروع
تلا جميع آي السجدة في مجلس واحد أو ركعة واحدة؛ يجب لكل سجدة.
تلا آية السجدة فسجد لها، ثم قرأ القرآن طويلا، أو اشتغل بالتسبيح والتهليل ثم عاد يقرأها؛ لا يجب عليه سجدة أخرى، ولو تلاها في الصلاة،
стр. 1171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن كانت في وسط كما في الرعد، والنحل، والنمل، و ﴿الم﴾ تنزيل، و ﴿حم﴾ السجدة؛ فالأفضل: أن يسجد ثم يقوم، ويختم بسورة.
ولو يسجد وركع ونوى السجدة؛ يجزئه قياسًا، وبه نأخذ، وخارج الصلاة لا يجزئه، خلافًا لمالك (١)، وقال الشافعي: لا يجزئه الركوع أصلًا (٢).
ولم لم يركع ولم يسجد وأتم السورة، ثم ركع ونوى السجدة؛ لا يجزئه ولا يسقط عنه بالركوع، وعليه قضاؤها بالسجود مادامت في الصلاة، ولو كانت تختم السورة كالأعراف، واقرأ؛ فالأفضل: أن يركع بها، فلو سجد ولم يركع؛ فلابد من أن يقرأ من سورة أخرى بعد ما رفع رأسه من السجود.
ولو رفع ولم يقرأ شيئًا وركع؛ جازت صلاته، ولو لم يركع ولم يسجد وتجاوز إلى سورة أخرى؛ فليس له أن يركع بها، وعليه أن يسجدها ما دام في الصلاة، ولو كانت السجدة في آخر السورة وبعدها آيتان أو ثلاث كبني إسرائيل، وإذا السماء انشقت؛ فهو بالخيار إن شاء ركع بها، وإن شاء سجد قبل ركوع على حدة، ويحتاج فيه إلى النية، أو سجود على حدة، والسجود أفضل.
وقيل: معناه إن شاء ركع للصلاة بنية سجدة التلاوة، وكذا روي عن أبي حنيفة ﵀، فلو أراد الركوع؛ جاز له أن يختم السورة ويركع بها، ولو سجدها ثم قام؛ يختم السورة ويركع، فإن وصل إليها شيئًا آخر من سورة أخرى؛ فهو أفضل.
وينبغي أن لا يقرأها الإمام في صلاة الجمعة؛ لأن السجدة لها توجب التشويش، ولو تلاها في الصلاة وركع للصلاة على الفور وسجد؛ تسقط سجدة التلاوة، نوى في السجدة أو لا، وكذا لو قرأ بعدها آيتين أو ثلاث آيات.
وأجمعوا أن سجدة التلاوة تتأدى بسجدة الصلاة وإن ينو للتلاوة، واختلفوا
стр. 1172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الركوع؛ فقال شيخ الإسلام: لا بد للركوع من النية حتى ينوب عنها، نص عليه محمد (١).
ولو قرأ بعدها ثلاث آيات وركع؛ قال شيخ الإسلام: ينقطع الفور ولا ينوب الركوع عنها، وقال الحلواني: لا ينقطع ما لم يقرأ أكثر من ثلاث آيات. كذا في الفتاوى الظهيرية (٢).
وفي المحيط: ولو كانت في آخر السورة أو قريبا منه وركع بها؛ أجزأه، وإن خرج إلى سورة أخرى؛ لم يجزه؛ لأنها صارت دينا عليه، وصارت مقصودة فلا ينوب الركوع عنها، كالسجدة الصلبية لا تنوب عنها (٣).
وقال شيخ الإسلام: مسألة لم يذكرها محمد في المبسوط والجامع، ولابد من معرفتها: لو تلا آية السجدة في الصلاة، أو سمعها من غيره فسجد لها، ثم أحدث فتوضأ وبنى [ثم سمعها منه] (٤)؛ وجبت عليه سجدة أخرى، ويسجد إذا فرغ من الصلاة، بخلاف ما إذا تلاها فيها ثم أحدث وتوضأ فبنى، ثم تلا تلك الآية؛ حيث يكفيه سجدة واحدة؛ لأن المجلس وإن تبدّل حقيقة لكنه لم يتبدل حكما؛ لأن التلاوة من أفعال الصلاة، والصلاة تتأدى في مكان واحد (٥)، ولو قرأها فيها، فسجد لها ثم فسدت صلاته؛ فعليه قضاؤها، ولا يلزم عليه إعادة تلك السجدة، والمرأة لو قرأتها فيها، فلم تسجدها حتى حاضت؛ يسقط عنها السجدة، ولو قرأ القرآن في الركوع والسجود؛ لا يلزمه سجود التلاوة، قال: وعندي أنها تجب ولكن تتأدى فيه، ولو قرأها بالفارسية؛ فعليه وعلى من سمعها سجدة، فهم أو لم يفهم إذا أخبر به عند أبي حنيفة ﵀.
стр. 1173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يجوز أداؤها في الأوقات المكروهة؛ إلا أن يقرأها في ذلك الوقت، ولو قرأها في وقت مكروه وسجد في وقت مكروه آخر؛ اختلف فيه: قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز.
وقيل: لو تلاها عند الطلوع وسجد عند الغروب يجوز؛ لأن الكراهة عند الطلوع أشد، ولو تهجى بالقرآن أو بها؛ لا يجب، وكذا بكتابته الكل.
في فتاوى الظهيرية، وفي المحيط ويشترط لأدائها جميع ما يشترط للصلاة، حتى لا تجوز بالتيمم مع القدرة على الماء، وكل ما يفسد الصلاة من الكلام ومن القهقهة؛ يفسد السجدة، ولو سبقه الحدث فيها؛ توضأ وأعاد (١).
قيل: هذا قول محمد، وعند أبي يوسف: لا يعيدها؛ لتمامها بالوضع عنده.
ولو قرأها على الدابة يومئ بها. قال الحلواني: هذا في خارج المصر، فإن كان في المصر فأومأ لتلاوته؛ لا يجزئه في قول أبي حنيفة ﵀ (٢).
ولو تلاها المصلي الراكب مرارًا، والدابة تسير ورجل يسوقها؛ فعلى التالي واحدة، وعلى السابق لكل تلاوة سجدة.
وفي المنتقى: لو كان كل واحد منهما على دابة تصلي، فقرأها كل واحد مرارًا؛ فعلى كل واحد منهما بتلاوته سجدة، وبتلاوة صاحبه تعددت (٣).
قرأها على الدابة ثم ينزل فقرأها، أو قرأها ثم ركب فقرأها؛ لا يلزمه ثانيًا؛ لأن الركوب والنزول عمل يسير.
ولو سارت الدابة ثم نزل فتلاها ثانيًا؛ تلزمه أخرى؛ لأن سير الدابة كمشيه.
تلاها عليها ثم نزل، ثم ركب وسجد عليها؛ يجوز عند أبي حنيفة ومحمد،
стр. 1174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يجوز عند زفر.
تلاها نازلا فأصابه خوف، فركب فسجدها؛ أجزأه في حالة الخوف، ولا يجزئه في حالة الأمن.
قرأها في الصلاة فسجدها، ثم سلم فتكلم، ثم قرأها ثانيًا؛ عليه أخرى.
وفي النوادر: لا سجدة عليه، وهو الصحيح (١).
ولو ضحك في سجدة التلاوة يكون حدثًا.
وفي الْمُجْتَبى: يعيدها ولا يعيد الوضوء (٢).
وأداؤها في الصلاة على الفور، وكذا خارجها عند أبي حنيفة، وعند محمد والكرخي: على التراخي، ثم على رواية الفور؛ قيل: يباح الاشتغال بالحوائج، ولا يباح التأخير عند الفراغ والاستطاعة، والصحيح خلافه.
وفي التجنيس: أخرها عن وقتها، ثم إن أدّاها يكون مؤديا لا قاضيًا عندنا، وهل يكره تأخيرها؟
قيل: إذا قرأها في الصلاة يكره، وخارج الصلاة لا يكره.
وذكر الطحاوي أن تأخيرها مكروه مطلقا (٣).
وفي النوازل: التالي يتقدم ويصطف الناس خلفه، فإن لم يسجد التالي؛ سجدها السامعون، ولا يرفع السامع رأسه قبل التالي (٤).
وقال شيخ الإسلام: لا يؤمر التالي بالتقدم ولا بالاصطفاف، ولكن يسجد ويسجدون معه حيث كانوا وكيف كانوا (٥).
стр. 1175
بَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِ
وذكر أبو بكر: والمرأة تصلح إماما للرجل فيها (١).
مسألة غريبة، ذكرها في عدة المفتي.
رجل صلى الفجر بعشرين سجدة، فكيف هذا؟
قال الشهيد: هذا رجل أدرك الإمام في سجدتي الركعة الثانية، وعلى الإمام سهو، فسجد سجدتين، ثم تذكر الإمام أنه ترك سجدة تلاوة فسجد لها، وقعد وسلم وسجد للسهو سجدتين، ثم تذكر سجدة صلبية من الركعة الأولى، فسجدها ثم سجد للسهو، ثم قام المسبوق وقرأ آية السجدة، ونسي أن يسجد لها، وسجد سجدتي الركعة الثانية، ثم تذكر أنه قعد بين الركعتين ناسيا، فسجد للسهو سجدتين، ثم تذكر سجدة تلاوة فسجد لها، ثم تشهد وسلم، وسجد للسهو سجدتين، ثم تذكر سجدة تلاوة فسجد لها، ثم تشهد وسلم، وسجد للسهو سجدتين، والله أعلم (٢).
(باب صلاة المسافر)
لما ناسب باب سجدة التلاوة بباب صلاة المسافر لما ذكرنا؛ ألحقه وقدم باب التلاوة؛ لأن تأثير التلاوة في أصل العبادة، وتأثير السفر في وصفها، فقدم الأصل على الوصف كما هو حقه، أو: لأن سبب السجدة التلاوة، وهي عبادة، وسبب صلاة المسافر، وهو من الأفعال المباحة؛ فقدم العبادة على المعاملة.
ثم السفر لغة: قطع المسافة، والجمع الأسفار، كذا في الصحاح (٣).
وشريعة: هو الخروج على قصد السير، إلى موضع بينه وبين ذلك الموضع ثلاثة أيام.
وفي الإحياء (٤): من آداب السفر قبله صلاة الاستخارة، ومتى عزم على
стр. 1176
(السَّفَرُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الأَحْكَامُ: أَنْ يَقْصِدَ الإِنْسَانُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا
الخروج صلى للسفر؛ لما روى أنس أنه ﵊ قال لرجل يريد السفر: «ما استخلف عبد من خليفة في أهله أحب إلى الله تعالى من أربع ركعات يصليهن في بيته، يقرأ فيهن فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، ثم يقول: اللهم إني أتقرب بهن إليك، فاخلفني بهن في أهلي ومالي، فهو خليفته في أهله وماله وحرز داره حتى يرجع» (١).
ويستحب أن يخرج أول النهار يوم السبت أو الخميس؛ لقوله ﵊: «اللهم بارك لأمتي في بكورها يومَ السَّبتِ» (٢)، وفي حديث آخر لأبي هريرة: «يوم الخميس» (٣).
قوله: (السفر) الذي يتغير به الأحكام قيد به؛ لأن السفر لغة: سير أدنى المسافة؛ لأنه عبارة عن الظهور؛ ولهذا حمل أصحابنا قوله ﵊: «ليس على الفقير والمُسافرِ أُضحية» (٤)؛ على الخروج من بلده أو قريته، حتى تسقط الأضحية بذلك القدر.
(أن يقصد): قيد بالقصد؛ لأنه لو طاف جميع الدنيا بلا قصد ثلاثة أيام؛ لا يكون مسافرًا، والاعتبار للقصد مع السير، لا السير المجرد والقصد المجرد.
والإقامة: ضد السفر، تثبت بمجرد النية؛ لأن الحاجة فيه إلى ترك الفعل، وفي الترك يكفيه مجرد النية.
أما السفر؛ فإنشاء فعل، فلا يكفيه مجرد النية. كذا في المبسوط (٥).
(مسيرة ثلاثة أيام)؛ أي: مع الاستراحات التي تتخللها، أي: من أقصر أيام
стр. 1177
بِسَيْرِ الإِبِلِ وَمَشْيِ الأَقْدَامِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يَمْسَحُ المُقِيمُ كَمَالَ يَوْمٍ
السُّنَّة. ذكره العتابي، وقاضي خان، وصاحب المحيط (١).
وفي المبسوط: وفسره في الجامع الصغير: بمشي الأقدام وسير الإبل؛ لأنه الوسط، فإنّ أعجل السير سير البريد، وأبطأه سير العجلة، وخير الأمور أوساطها، وهو مذهب ابن عباس، وإحدى الروايتين عن ابن عمر (٢).
وقوله: (سير الإبل): بالنصب على البدل من مسيرة، أو على عطف البيان منهما؛ لأن هذا تفسيرها، ولا يشترط في عطف البيان الإعلام؛ لأنه عبارة عن تابع غير صفة يوضح متبوعه، وهذا كذلك.
ثم الأصل في القصر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الآية، وقد انتسخ التعليق بخوف الفتنة بالإجماع، فبقي عاما، وبعمومه أخذ نقاد القياس؛ فلم يقدروه بمدة، وهو مذهب داود (٣).
والصحيح: أنه مقدر؛ لأن مطلق الضرب في الأرض غير مراد بالإجماع، فعند الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦): مقدر بمسيرة يومين، وهو ستة عشر فرسخا.
وقيل: بمرحلتين، كل مرحلة ثمانية فراسخ، وهما أربعة برد (٧).
واحتجوا بأن ابن عباس وابن عمر ﵄ كانا يقصران في أربعة بُرد. رواه البخاري (٨).
стр. 1178
وَلَيْلَةٍ، وَالمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» عَمَّتِ الرُّخْصَةُ الجِنْسَ. وَمِنْ ضَرُورَتِهِ عُمُومُ
وفي شرح الوجيز: السفر الطويل: ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمي، وهي ستة عشر فرسخا، وهي أربعة برد مسيرة يومين (١).
وأصل هذا الضبط: تحديد وتقريب وجهان أصحهما: تحديد، وفي قول: أقل مدته يوم وليلة، وفي قول: مقدّر بزمان يقطع فيه ستة وأربعون ميلا.
وجه هذه الأقوال: حديث مجاهد؛ أنه قال: سألت ابن عمر عن أدنى مدة السفر، فقال: أتعرف السويداء؟، قلت: قد سمعت قال: كنا إذا خرجنا إليها قصرنا (٢)؛ وهي موضع بينه وبين المدينة ستة وأربعون ميلًا. وقيل: ثمانية وأربعون ميلا.
وقيل: عشرون فرسخا، والميل ثلث الفرسخ.
وما روى ابن عباس ﵄، أنه ﵊ قال: «يا أهل مكة، لا تُقْصرُوا الصَّلاة في أدنى من أربعة بُرُدٍ من مكة إلى عَسَفَان» (٣)، وعندنا مقدر بمسيرة ثلاثة أيام؛ لقوله ﵊: «يمسحُ المقيم … » (٤) الحديث.
(ومن ضرورته)؛ أي: من ضرورة الجنس: عموم التقدير بثلاثة أيام في حق كل مسافر؛ لأن الألف واللام دخل في المسافر، وأنه لاستغراق الجنس حال عدم المعهود، فيكون لكل مسافر مسح ثلاثة أيام، فلو كانت مدة المسافر أقل من ثلاثة أيام؛ لا يتصور مدة هذه الرخصة لكل مسافر. كذا في الكافي (٥)، وفيه نوع تأمل.
ولأن الرخصة لمرارة الغربة ومشقة الوحدة، وكمالها: أن يكون الارتحال
стр. 1179
التَّقْدِيرِ، وَقَدَّرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ اليَوْمِ الثَّالِثِ، وَالشَّافِعِيُّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي قَوْلِ، وَكَفَى بِالسُّنَّةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا (وَالسَّيْرُ المَذْكُورُ هُوَ الوَسَطُ) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: التَّقْدِيرُ بِالمَرَاحِلِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الأَوَّلِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالفَرَاسِخِ، … ... …
من غير أهله، والنزول في غير أهله، وذلك في اليوم الثاني، ولأن الثلاثة أقل الكثير وأكثر القليل، ولا يجوز له القصر في قليل السفر؛ فوجب أن يكون في أقل الكثير؛ وهو الثلاثة؛ لأن أكثر الكثير لا حد له، وكذا أوسطه.
والجواب عما تمسكوا: أن ذلك فعلهما، والشافعي ﵀ لا يرى قول الصحابي حجة، فكيف يعمل به، ولأن غيرهما من الصحابة خالفهما، وهو مشهور، ولأن الرواية عنهما مختلفة؛ فإنه روي عن ابن عمر أنه لا يقصر في أقل من ستة وتسعين ميلا.
وفي الينابيع: المراد بالأيام في الكتاب: النهار دون الليالي (١).
وعن أبي يوسف: أنه قدّر بيومين وأكثر الثالث، وهو رواية عن أبي حنيفة ومحمد؛ لجواز أن يبلغ مقصده في اليوم الثالث بعد الزوال.
وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يعتبر بثلاث مراحل.
(وهو)؛ أي: التقدير بالمراحل قريب من الأول؛ لأن المعتاد في كل يوم من السير مرحلة واحدة، خصوصًا في أقصر أيام السنة. كذا في المبسوط (٢).
فإن قيل: على ما ذكر من التمسك بالحديث، يشكل بمسألة ذكرها في المحيط (٣)؛ وهو أن المسافر إذا بكر في اليوم الأول، ومشي إلى وقت الزوال، ونزل وبات فيها، ثم بكر في اليوم الثالث، ومشى إلى وقت الزوال، فبلغ إلى المقصد؛ قال شمس الأئمة: الصحيح: أنه يصير مسافرًا عند النية، ومعلوم أنه لا يتمكن من استيفاء مسح ثلاثة أيام في هذه المسألة؛ لأنها ليست بثلاثة أيام كاملة، ومع ذلك أنه مسافر.
стр. 1180
هُوَ الصَّحِيحُ … ... … ... … ... …
قلنا: إن لم يتمكن حقيقة، قد تمكن منه تقديرًا؛ أن النزول للاستراحة ملحق بالسير في حق تكميل مدة السفر؛ لأن المسافر لا بد له من الاستراحة، وليس الشروط ذهابه من الفجر إلى الفجر؛ لأن الآدمي لا يطيق ذلك، وكذا الدابة؛ فلهذا كان المشي في بعض النهار كافيًا. كذا في المحيط (١)، وإذا كان كذلك؛ كان نزوله في اليوم الثالث للاستراحة؛ كما في اليومين الأولين، فتلحق مدة الاستراحة بمدة السفر.
وقوله: (هو الصحيح): احتراز عن قول عامة المشايخ؛ فإنهم قدروها بالفراسخ، ثم اختلفوا فيما بينهم:
قيل: أحد وعشرون فرسخًا.
وقيل: ثمانية عشر.
وقيل: خمسة عشر، والفتوى على ثمانية عشر؛ لأنها أوسع الأعداد.
وفي الْمُجْتَبى: وفتوى أكثر أئمة خوارزم: على خمسة عشر (٢).
وفي الأربعين للبقالي: السفر اثنى عشر فرسخا (٣).
وفي جامع التاجري: قريب من هذا (٤).
[وفي المحيط:] (٥) وعن أبي حنيفة أنه اعتبر ثلاث مراحل، فعلى هذه الرواية: من بخارى إلى كرمسة مدة السفر، وبه أخذ مشايخ بخارى (٦).
وفي الأنساب: أن الكرمنية من بخارى ثمانية عشر فرسخًا (٧).
стр. 1181
(وَلَا يُعْتَبَرُ السَّيْرُ فِي المَاءِ) مَعْنَاهُ: لَا يُعْتَبَرُ بِهِ السَّيْرُ فِي البَرِّ، فَأَمَّا المُعْتَبَرُ فِي البَحْرِ فَمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ كَمَا فِي الجَبَلِ.
قَالَ: (وَفَرْضُ المُسَافِرِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَتَانِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا) وَقَالَ
وجه الصحيح: أن الفراسخ تختلف باختلاف الطريق في السهل والجبل، والبر والبحر، بخلاف المراحل. كذا في المبسوط (١).
(لا يعتبر به السير في البر)؛ يعني: لو كان للموضع طريقان، أحدهما في الماء، وهو يقطع بثلاثة أيام، والثاني في البر، وهو يقطع بيومين؛ يترخص في طريق البحر لا في طريق البر، ولو انعكس التقدير؛ لانعكس الحكم. وكذا لو اختلف الطريقان في البر؛ يثبت الحكم فيه بحسب ذلك أيضًا. كذا في المحيط (٢).
(وفي البحر ما يليق بحاله)؛ يعني: ينظر أن السفينة كم تسير في ثلاثة أيام ولياليها عند استواء الريح، يجعل ذلك أصلًا. كذا في جامع قاضي خان (٣).
وعن أبي حنيفة ﵀: سفر البحر مقدّر بقدر سفر البر. كذا في الْمُجْتَبى والعيون (٤).
قوله: (وفرض المسافر)؛ قيد بالفرض ليخرج السنن، فإنها لا تنتصف. وقيد بالرباعية؛ ليخرج الفجر والمغرب لا يزيد عليهما، ثم القصر للمسافر عزيمة عندنا، وهو رواية عن مالك، وأحمد (٥).
وقال الشافعي (٦)، وأحمد (٧)، ومالك في رواية القصر (٨): رخصة.
стр. 1182
الشَّافِعِيُّ ﵀: فَرْضُهُ الأَرْبَعُ: وَالقَصْرُ رُخْصَةٌ اعْتِبَارًا بِالصَّوْمِ.
وفائدة الخلاف: تظهر في افتراض القعدة على رأس الركعتين من الرباعية، حتى لو قام إلى الثالثة من غير قعدة؛ فسد فرضه عندنا، ولو أتم صلاته؛ فقد أساء لتأخر السلام.
احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ فإنه شرع القصر بلفظ: فليس عليكم جناح، وهو يذكر للإباحة لا للوجوب، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فدل أن القصر مباح، ولما كان مباحًا؛ كان المسافر فيه بالخيار.
وعن يعلى ابن أمية وقيل: علي ابن ربيعة: سألت عمر: ما بالنا نقصر الصلاة ولا نخاف، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾؟
فقال: أشكل علي ما أشكل عليكم، فسألت النبي ﵊؛ فقال: «هذه صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقْبلُوا صَدقَتُه» (١)، فعلّق القصر بالقبول، وسماه صدقة، والمتصدق عليه مخير في قبول الصدقة، فلا يلزمه القبول حتما.
وعن عائشة ﵂ قالت: سافرت مع النبي ﷺ ، فلما رجعت قال: «ما صنعتِ في سفرك»؟، قالت: أتممت الذي قصرت، وصمت الذي أفطرت، فقال: «أحسنت» (٢).
ولأن هذه الرخصة شرعت للمسافر، فيتخير فيه كما في الصوم، وكما في الجمعة مع الظهر، ولأنه لو اقتدى بالمقيم يصير فرضه أربعًا، ولو كان فرضه ركعتين؛ لا يتغير بالاقتداء بالمقيم كما في الفجر.
ولنا: ما روي أنه ﵊ قال: «إِنَّ اللهَ تعالى فرضَ عَليكُم الصَّلاة على لسان نبيكم للمقيم أربعًا، وللمسافر ركعتين» (٣)،، وروي أنه عليه
стр. 1183
وَلَنَا: أَنَّ الشَّفْعَ الثَّانِيَ لَا يُقْضَى وَلَا يَأْثَمُ عَلَى تَرْكِهِ،
والصلاة والسلام كان يقصر الصلاة في السفر إلا الفجر والمغرب (١)، وفيه تأمل.
وعن ابن عمر أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم، وفي رواية: تمام (٢).
وعن ابن عمر أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، وصلاة الفجر ركعتان، فمن خالف السنة فقد كفر؛ يريد كفران النعمة (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قد فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين. رواه مسلم (٤).
وعنه أنه قال حين سئل عن رجلين، أحدهما يقصر، والآخر يتم؛ فقال للذي يتم: قصرت، وللذي قصر: أكملت.
وعن عائشة ﵂: فرضت الصلاة في الأصل ركعتين، فلما قدم النبي صلى الله عليه والسلام المدينة؛ ضم إلى كل صلاة مثلها غير المغرب؛ فإنها وتر النهار، ثم زيدت في الحضر، وأقرت في السفر.
[وعنه ﵇: «إن الله تعالى وضع شطر الصلاة عن المسافر، وأرخص له الإفطار (٥)». أخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي (٦)] (٧).
والمعنى: أنه يجوز ترك الركعتين الأخيرتين بلا بدل يلزمه، ولا إثم يلحقه؛ فكان تطوعا كسائر التطوعات، وهو معنى قوله: إن الشفع الثاني لا يقضى ولا
стр. 1184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يأثم على تركه.
وأما الجواب عما تعلقه؛ فقلنا: المراد من القصر المذكور فيها: هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لخوف العدو؛ بدليل أنه علّق ذلك بالخوف؛ إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع، بل متعلق بالسفر.
وعندنا قصر الأوصاف عند الخوف مباح لا واجب، مع أن رفع الجناح في النص؛ لدفع توهم النقصان في صلاتهم، بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر، وذلك مظنة توهم النقصان، فرفع عنهم ذلك.
وأما تعلقه بحديث الصدقة؛ فقلنا: هو دليلنا؛ لأنه أمر بالقبول، والأمر للوجوب، ولأن هذه صدقة واجبة في الذمة؛ فليس له حكم المال، فيكون إسقاطا محضًا كما ذكر في الأصول، فلا يزيد بالرد؛ كالصدقة بالقصاص، والطلاق والعتاق يكون إسقاطا لا يرتد بالرد، فكذا هذا.
وأما تعلقه بقول عائشة ﵂ غير مستقيم؛ لأن الروايات تعارضت منها.
وقيل: إنها كانت تنتقل من بيت بعض أولادها إلى بعض، فلم تكن مسافرة شرعًا.
وفي شرح الإرشاد وهو محمول على إتمام الأركان، وكذا كل ما جاء في الأخبار من الإتمام؛ بدليل ما روي في حديث مشهور، أنه ﵊ صلّى الظهر بأهل مكة عام حجة الوداع ركعتين، ثم أمر مناديا ينادي: «يا أهل مكة، أتموا صلاتكم؛ فإنا قومٌ سَفَرٍ» (١)، ولو كان فرض المسافر أربعًا؛ لم يحرمهم فضيلة الجماعة معه (٢).
وأما اعتباره بالصوم؛ فقد بينا أن ترك الشيء لا إلى بدل دليل النقلية، وفيه
стр. 1185
وَهَذَا آيَةُ النَّافِلَةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُقْضَى (وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ
بدل، وهو القضاء بالنص، فلا يلزمنا، ولأن جهة اليسر فيه مترددة غير متعينة في القصر لما عرف في الأصول، فتخير جهة اليسر فيها متعينة في القصر؛ فلم يتوجه التخيير لما عرف في الأصول.
وأما قوله: لو كان فرضه ركعتين لا يتغير؛ ينتقض بظهر المقيم، فإن فرضه بدون القوم أربع، وبسبب القوم وهو الجماعة يصير ركعتين؛ وهو الجمعة. كذا ذكره شيخ الإسلام (١).
وفي المبسوط: لا يدخل القصر في غير الرباعية؛ لأن القصر عبارة عن سقوط شطر الصلاة، وفي الرباعية بعد سقوط شطرها؛ تبقى صلاة كاملة، بخلاف غير الرباعية؛ حيث لا تبقى بعد السقوط صلاة كاملة؛ فلهذا لا يدخله القصر (٢).
وقوله: (وهذا)؛ أي: كون الشفع الثاني لا يقضى ولا تأثم على تركه.
فإن قيل: يشكل هذا بالزائد على قراءة آية أو ثلاث آيات؛ فإنه لو أتى به يثاب ويقع فرضًا، ولو تركه لا يعاقب، ولو فعله يثاب ويقع فرضًا، وكذا [بالزائد على قدر الفرض في الركوع والسجود؛ فإنه بهذه المثابة، وبصوم المسافر؛ فإنه لو تركه لا يعاقب، ولو فعله يثاب ويقع فرضًا، وكذا] (٣) من له الاستطاعة على الحج؛ لو تركه لا يعاقب، ولو أتى به يثاب ويقع فرضًا.
قلنا: الزائد على آية أو ثلاث إنما يقع فرضًا بعد الإتيان به بدليل آخر؛ وهو أن الواجب في الأمر المطلق؛ ما ينطلق عليه اسم المأمور بحصول الامتثال به، ولكن لو أتى بالزيادة يقع فرضًا؛ لدخوله تحت الأمر، وتناول مطلق الأمر إياها على ما عرف تحقيقه في الأصول، فالأمر بالقراءة والركوع والسجود من هذا القبيل، فما وجد من هذه الأفعال يكون فرضًا، ولم يوجد مثله فيما نحن فيه؛
стр. 1186
التَّشَهُدِ أَجْزَأَتْهُ الأُولَيَانِ عَنْ الفَرْضِ، وَالأَخْرَيَانِ لَهُ نَافِلَةٌ) اعْتِبَارًا بِالفَجْرِ، وَيَصِيرُ
لأن الأمر بالظهر غير مطلق؛ بل هو مقيد بالأربع في حق المقيم، وبالركعتين في حق المسافر؛ ألا ترى أنه لو اكتفى بركعة لا يجوز مع أنها صلاة، ولو زاد على الأربع لا يجوز عن الفرض، ثم لما تعينت الركعتان للفرضية في حق المسافر؛ لخروجه عن العهدة بهما بالإجماع؛ لم يبق الأربع فرضًا؛ لأن الأمر لا يتناول إلا أحدهما.
أما الصوم، فقد دخل تحت الأمر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فالمأمور في حق المسافر والمقيم شيء واحد، إلا أنه رخص للمسافر بالإفطار؛ فلا يعاقب بالترك، ولو أتى به يقع فرضًا.
وأما الفقير، فإنما لا يعاقب على ترك الحج؛ لعدم شرطه وهو الاستطاعة، فأما إذا تحمل المشقة، وبلغ مكة، فقد حدثت له الاستطاعة؛ لأن الشرط عند قرب المسافة: الاستطاعة بالبدن وقد تحققت فيقع ما أداه فرضًا كما لو صار عينًا. كذا قرره شيخي العلامة (١)، وفيه نوع تأمل.
وفي المحيط: اختلف في السنن، ولا قصر فيها بالاتفاق؛ لأنه شرع تحقيقا وهو في الفرائض؛ بل هو مخير بين الفعل والترك، فقيل: الترك أفضل ترخصا (٢).
وقد روي عن أبي بكر وغيره من الصحابة ﵃ تركها.
وقيل: الفعل أفضل تقربا.
وقال الهندواني: حال النزول؛ الفعل أفضل، وحال السير؛ الترك أفضل (٣).
وقيل: يصلي سنة الفجر لفوتها.
стр. 1187
مُسِيئًا لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ (وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَهَا بَطَلَتْ) لِاخْتِلَاطِ النَّافِلَةِ بِهَا قَبْلَ إِكْمَالِ أَرْكَانِهَا.
وقيل: سنة المغرب أيضًا.
وفي المبسوط: لا بأس بترك السنن (١)، وهذا يدل على أن الفعل أفضل.
وتأويل ما روي عن بعض الصحابة: أنه حالة السنن على وجه لا يمكنه المكث لأدائها لتأخير السلام؛ إذ السلام واجب، ولأنه ترك واجب تكبيرة الافتتاح في الفعل.
بطلت لاختلاط إلى آخره: كما في الفجر.
وعند الشافعي، وأحمد، ومالك: لا تبطل؛ لما تقدم أن عندهم رخصة ترفيه.
وفي الْمُجْتَبى عن الحسن بن حي: لو افتتحها المسافر بنية الأربع؛ أعاد حتى يفتتحها بنية الركعتين (٢).
قال الرازي: وهو قولنا؛ لأنه إذا نوى أربعًا؛ فقد خالف فرضه، كنِيَّتِهِ الفجر أربعًا، ولو نواها ركعتين ثم نواها أربعًا بعد الافتتاح؛ فهي ملغاة، كمن افتتح الظهر ثم نوى العصر (٣).
فإن قيل: يشكل على هذه القراءة، فإن المسافر إذا لم يقرأ في الركعتين، وقام إلى الثالثة، ونوى الإقامة، وقرأ في الآخريين؛ تجوز صلاته عندهما خلافًا لمحمد، والمسألة في نوادر المبسوط، وركعتا المسافر كما تحتاجان إلى القعدة؛ تحتاجان إلى القراءة، ثم فسدت في حق القعدة هاهنا، ولم تفسد في حق القراءة.
قلنا: هذا لا يشكل؛ لما أنه لو ترك القعدة هنا، وقام إلى الثالثة، ونوى الإقامة فأتمها أربعًا؛ تجوز صلاته أيضًا؛ لبقاء التحريمة، فتؤثر النية. كذا في
стр. 1188
(وَإِذَا فَارَقَ المُسَافِرُ بُيُوتَ المِصْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الإِقَامَةَ تَتَعَلَّقُ … ... … .
نوادر المبسوط (١).
قوله: (فارق بيوت المضر صلى ركعتين)، وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣)، ومالك (٤) ﵃ في رواية، ولكن الشرط عندهم: أن لا يحاذيه عن يمينه أو يساره شيء من البنيان.
وفي رواية: أن يكون من المصر ثلاثة أميال، وحكي عن عطاء أنه قال: إذا دخل عليه وقت صلاة بعد خروجه من منزله، قبل أن يفارق بيوت المصر؛ يباح له القصر.
وقال مجاهد: إذا ابتدأ السفر بالنهار؛ لا يقصر حتى يدخل الليل، وإن ابتدأ بالليل؛ لا يقصر حتى يدخل النهار.
ولنا: ما روي أنه ﵇ صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُلَيْفَة ركعتين (٥).
وروي أن عليًا ﵁ خرج من البصرة يريد الكوفة؛ صلى الظهر أربعًا، ثم نظر إلى خُص وهو بيت من قصب أمامه فقال: لو جاوزنا هذا الخص لقَصَرْنا. كذا في المحيط (٦).
ولأن المسافر إذا وصل إلى عمارة بلده ترك الترخص، فالحصول في هذا الموضع لما قطع الترخص بالثانية، فلأن يمنع ابتداءه أولى، فهذا معنى قول المصنف: (لأن الإقامة تتعلق) إلى آخره.
стр. 1189
بِدُخُولِهَا فَيَتَعَلَّقُ السَّفَرُ بِالخُرُوجِ عَنْهَا. وَفِيهِ الأَثَرُ عَنْ عَلِيٌّ ﵁: «لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا
(بدخولها)؛ أي: بدخول بيوت المصر.
(بالخروج)؛ أي: بخروج بيوت المصر تحقيقا للمقابلة.
قال شيخ الإسلام: يعتبر مفارقة بيوت المصر من جانب خروجه، وإن كان بحذائه بيتان من الجانب الآخر؛ لأن المعتبر جانب الخروج (١).
وذكر الصدر الشهيد: مسافر خرج من بخار، فلما بلغ إلى [أزبكستان] (٢) قصر، أو إلى رباط وليان؛ اختلف المشايخ فيه، والمختار: أنه يقصر؛ لأنه جاوز الربط، ومتى جاوزه؛ فقد جاوز عمران البلد (٣).
والصحيح: أنه يعتبر مجاوزة عمران المصر، إلا إذا كان ثمة قرية أو قرى متصلة بربض المصر؛ فحينئذ يعتبر مجاوزة القرى. كذا في المحيط (٤).
وقال التمرتاشي: والأولى: أن ينفصل عن المصر قدر غلوة حتى يقصر (٥).
وفي المبسوط: لو كان من جانب خروجه محلة منفصلة، وكانت متصلة بالقديم؛ قيل: لا يقصر حتى يجاوزها (٦).
وفي المحيط: لا يقصر حتى يجاوزها؛ لأنها من المصر (٧).
قال صاحب الْمُجْتَبى: وهذه واقعة جرجانية خوارزم (٨)، فإنها بعد الغيبة العامة انقطعت بنيانها، والظاهر هو للقصر إذا انفصل المسافر عن جانبه؛ لأن النون بينهما أكثر من غلوة، واختيار صاحب المحيط ظاهراً؛ فيما إذا بقي أصل
стр. 1190
الخُصَّ لَقَصَرْنَا»
البلد وخرب طرف منه.
وجرجانية خربت بأسرها، ولم يبق فيها دار ولا ديار حتى التحقت بالموات، ثم عمرت بعد زمان، فكل قطعة منها منسوبة إلى وال وقوم، فكانت كل واحدة بمنزلة قرية على حدة.
وفي المبسوط: ولو كانت القرى متصلة بربض المصر؛ قصر بالخروج عن المصر (١).
وقيل: لا حتى يجاوزها ولو بفراسخ، إلا أن يكون بينهما انفصال، وحد الانفصال: مائة ذراع، قيل: قدر ما لا يسمع الصوت.
وقيل: قدر غلوة.
وقيل: قدر سكة، فإن جاوز القرى المتصلة قصر.
وقيل: لا حتى ينأى عنها، وحد النأي كحد الانفصال.
وقيل: حد فناء المصر قدر ميل.
وقيل: حد النأي وحد الفناء واحد، وهو قدر غلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع، وهو الأصح.
وفي الحاوي: سافر الرستاقي؛ يقصر إذا جاوز بيوت القرية وحيطانها، وإن لم يكن قرية فالبيوت. كذا في المجتبى (٢).
وعند الشافعي: القروي إذا جاوز البساتين والمزارع المحوطة يقصر، والبدوي إذا انفصل عن الحلة؛ إذ الحلة كالحي، ويعتبر مع ذلك مجاوزة مرافقها، كمطرح الرماد، وملعب الصبيان، ومعاطن الإبل (٣).
стр. 1191
(وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَنْوِيَ الإِقَامَةَ فِي بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ
فإن قيل: يشكل على هذا كله جواز صلاة الجمعة والعيدين في فناء المصر.
قال الإمام السرخسي: والصحيح: أن الفناء مقدر بالغلوة، وقدرها بعضهم بفرسخين، وبعضهم بثلاثة فراسخ. ذكره في المحيط (١)، ولا شك أن المصر شرط لجواز هذه الصلوات حتى لا تجوز في القرى، فلما أعطيت هذه المواضع حكم المصر في حق هذه الصلوات؛ فكيف أعطيت حكم غير المصر في حق القصر؟.
قلنا: فناء المصر إنما يلحق فيما كان من حوائج أهل المصر، فصلاة الجمعة والعيدين من حوائج أهل المصر، فأما قصر الصلاة فليس من حوائج أهل المصر، فلا يلحق بالمصر فناؤه في حقه، مع أن على قول بعض المشايخ لا تجوز الجمعة خارج المصر؛ إذا كان ذلك الموضع منقطعًا عن العمران، والفقيه أبو الليث يفتي بجوازها في الفناء (٢).
قوله: (ولا يزال على السفر … ) إلى آخره، وفي بعض نسخ القدوري: على حكم السفر، ثم عند الشافعي: إذا نوى إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج؛ يصير مقيمًا (٣)، وبه قال مالك (٤)، وعن أحمد: أنه لو نوى إقامة مدة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة؛ لم يقصر (٥)، وهو قريب من مذهب الشافعي ﵀.
وعن ابن عباس، وإسحاق: لو نوى إقامة تسعة عشر يوما لم يقصر.
стр. 1192
أَكْثَرَ، وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَصَرَ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مُدَّةٍ، لِأَنَّ السَّفَرَ يُجَامِعُهُ
وعن الحسن ابن صالح: لو نوى إقامة عشر أيام لم يقصر.
وعن الأوزاعي: لو نوى إقامة اثني عشر يوما أتم، وبه قال الثوري.
وعن الليث ابن سعد ﵁: لو نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يوما أتم، وإلا فلا.
وعندنا: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم، وبه قال النواوي، واختاره المزني (١).
واحتج الشافعي ﵀ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ [النساء: ٩٤]؛ فإنه تعالى أباح القصر بالضرب في الأرض، فمفهومه يقتضي أنه متى ترك الضرب والسير؛ لا يباح له القصر، إلا إنا تركنا مفهوم الآية في أقل من مدة أربعة أيام بالإجماع، فبقي الباقي على ظاهره.
وبما روي أنه ﵊ رخص للمهاجرين في المقام بمكة، بعد قضاء مناسك الحج، ثلاثة أيام غير يوم الدخول والخروج، فإنه ﵊ دخل بعد صبح الأحد، وخرج بعد صبح خميسه؛ فهذا دليل على أن بالزيادة يثبت حكم الإقامة.
وعن عمر ﵁ أنه لما أجلى اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ثم ضرب لمن يقدم منهم تاجرًا أن يقيم ثلاثة أيام، فعلم أن ثلاثة أيام مدة المسافر، فإذا زاد على ذلك؛ صار مقام المقيم.
وبما روي عن عثمان ﵁ أنه قال: من أجمع على إقامة أربعة أيام أتم الصلاة.
ولما اختلف الصحابة ﵃؛ كان الأخذ بقول عثمان أولى للاحتياط.
ولنا: ما روى مجاهد عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر، وفي عزيمتك أن تقيم بها خمسة عشر يومًا؛ فأكمل الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن؛ فاقصر. وعن عثمان مثله أيضًا، فدل على رجوعه.
стр. 1193
اللُّبْثُ، فَقَدَّرْنَاهَا بِمُدَّةِ الظُّهْرِ؛
وعن عطاء، وإبراهيم أنهما قالا: أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوما.
وسبيل ذلك التوقيف، فنزل منزلة المنصوص، وروى جابر أنه ﵊ دخل مكة صبيحة يوم الرابع من ذي الحجة، وخرج إلى منى يوم التروية، وكان يقصر الصلاة، وقد أقام أكثر من أربعة أيام.
فإن قيل: الحديث محمول على ما إذا لم ينو الإقامة، وبدون النية مقيمًا بأربعة أيام عنده.
قلنا: لا يصح هذا؛ لأنه ﵊ دخل مكة للحج، ومن دخل للحج لا بد أن ينوي الإقامة حتى يقضي حجه، وقضاء حجة فيما ذكرنا إن كان أكثر من أربعة أيام، ومع ذلك كان يقصر، وفيه نوع تأمل.
وأما تعلقه بالآية؛ فقلنا: لما ترك ظاهر الآية بالإجماع، فكان الأخذ بما قلنا أولى؛ بما روينا وللاحتياط، وأما الحديث: فإنه ﵊ إنما قدر هذا؛ لأنه علم أن حوائجهم كانت ترتفع في هذه المدة، لا لتقدير أدنى مدة الإقامة.
وأما ما روي عن عثمان؛ معارض بما روي عنه أنها مقدرة بخمسة عشر يوما، فدل على رجوعه كما قلنا.
وأما دعوى الاحتياط؛ فقلنا: هذا يشكل بما لو نوى الإقامة ثلاثة أيام أو أقل؛ فإنه لا يصير مقيمًا، وإن كان الاحتياط فيه، ولأن في التكميل ترك الاحتياط؛ فإنه متى ترك القعدة الأولى تجزئه صلاته، فالاحتياط أن يؤخذ فيه بالفساد، فكان معنى الاحتياط فيما يتعارض هاهنا، وفيه نوع تأمل.
وما قلنا أوفق للقياس؛ لأن الإقامة أصل كالظهر، والسفر عارض كالحيض، ثم ثبت أقل مدة الطهر خمسة عشر يوما بالاتفاق، فكذا مدة الإقامة، مع أن ما قاله الشافعي خلاف الإجماع. هكذا قال الطحاوي؛ لأنه لم ينقل عن أحد قبله بأن يصير مقيما بأربعة أيام. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).
стр. 1194
لِأَنَّهُمَا مُدَّتَانِ مُوجِبَتَانِ، وَهُوَ مَأثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَالْأَثَرُ فِي مِثْلِهِ كَالخَبَرِ، وَالتَّقْبِيدُ بِالبَلْدَةِ وَالقَرْيَةِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُ نِيَّةُ الإِقَامَةِ فِي المَفَازَةِ
ولأن الشارع سوى بين مدة الحيض على ما روينا، فقدرنا مدة الإقامة بمدة الظهر؛ لمضاتهما الحيض والسفر، فإن الظهر يعيد ما سقط من الصلوات والصوم، كما أن الإقامة تعيد ما سقط من شطر الصلاة، وهو معنى قوله: (مدتان موجبتان)، إلا أن الظهر إيجابها في الأصل، والإقامة في القدر بالتكميل، وألا ترى قول الصحابي.
(في مثله)؛ أي: المقدرات التي لا يهتدي إليها العقل.
(كالخبر)؛ أي: كالمروي عن النبي ﷺ .
فإن قيل: كيف قال هذا مع أنه قال: فيه معنى معقولا؛ وهو إلحاقها بالظهر بجامع الموجبية؟
قلنا: ذلك إظهار معنى بعد ثبوت أصله بالخبر، لا أن يثبت أصله بالدليل المعقول، فكان هذا من قبيل ترجيح أحد الأمرين بموافقة القياس، وما قلنا: إنه يصير بنية الإقامة مقيمًا إذا سار ثلاثة أيام، فأما إذا لم يسر فعزم على الرجوع، أو نوى الإقامة؛ يصير مقيمًا وإن كان في المفازة. كذا ذكره فخر الإسلام في العوارض المكتسبة، وكذا في الحميدية، والكاثي (١).
وفي الْمُجْتَبَى: لا يبطل السفر إلا بنية الإقامة، أو دخول الوطن، أو الرجوع إليه قبل الثلاثة (٢)، وبه قال الشافعي في الأظهر (٣).
ونية الإقامة إنما تؤثر بخمس شرائط: أحدها: ترك السير، حتى لو نوى الإقامة وهو يسير؛ لم تصح. وثانيها: صلاحية الموضع، حتى لو نوى الإقامة في بر أو بحر أو جزيرة؛ لم تصح واتحاد المدة والموضع، والاستقلال بالرأي، حتى لو نوى من كان تبعًا لغيره؛ لا تعتبر كالجندي، والزوجة،
стр. 1195
وَهُوَ الظَّاهِرُ (وَلَوْ دَخَلَ مِصْرًا … ... … ... … ...
والرقيق، والأجير، والتلميذ مع أستاذه، والغريم المفلس مع صاحب الدين، إلا إذا نوى متبوعه. ولو نوى المتبوع الإقامة ولم يعلم بها التابع؛ فهو مسافر حتى يعلم، كالوكيل إذا عزل، وهو الأصح.
وعن بعض أصحابنا: يصيرون مقيمين، ويعيدون ما أدوا في مدة عدم العلم.
وقوله: (وهو الظاهر)؛ أي: الظاهر من الرواية، احتراز عما روي عن أبي يوسف: أن الرعاة إذا نزلوا موضعا كثير الماء والكلأ، ونووا الإقامة مدة خمسة عشر يوما، والماء والكلأ يكفيهم لتلك المدة؛ صاروا مقيمين، وكذا التراكمية والأعراب.
وفي ظاهر الرواية: لا تصح نية الإقامة إلا في موضعها؛ وهو العمران، والبيوت المتخذة من الحجر والمدر والخشب، لا الخيام والأخبية والوبر. كذا في فتاوى قاضي خان (١).
قوله: (ولو دخل مصرًا) إلى آخره: ثم للشافعي فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقصر أربعة أيام.
والثاني: أنه يقصر ثمانية عشر يوما؛ لما روى أن ابن عباس قال: أنه ﵊ أقام عام الفتح لحرب هوازن سبعة عشر يوما، أو ثمانية عشر وهو يقصر، فإذا زاد على ذلك يتم؛ [لما روي أن ابن عباس ﵄ قال: أنه ﵇ أقام لحرب هوازن ثمانية عشر (٢)، فمن أقام أكثر من ذلك؛ يتم] (٣)، فبقي ما زاد على الأصل؛ إذ القصر عارض، فلم يثبت إلا بقدر ما نقل، ولأنه تعالى قال: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ [النساء: ٩٤]، وهو ليس بضارب في الأرض.
والثالث: أنه يقصر أبدًا (٤). وهو مذهبنا؛ لما روى جابر ﵁ أنه عليه