(وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَنْوِيَ الإِقَامَةَ فِي بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ
فإن قيل: يشكل على هذا كله جواز صلاة الجمعة والعيدين في فناء المصر.
قال الإمام السرخسي: والصحيح: أن الفناء مقدر بالغلوة، وقدرها بعضهم بفرسخين، وبعضهم بثلاثة فراسخ. ذكره في المحيط (١)، ولا شك أن المصر شرط لجواز هذه الصلوات حتى لا تجوز في القرى، فلما أعطيت هذه المواضع حكم المصر في حق هذه الصلوات؛ فكيف أعطيت حكم غير المصر في حق القصر؟.
قلنا: فناء المصر إنما يلحق فيما كان من حوائج أهل المصر، فصلاة الجمعة والعيدين من حوائج أهل المصر، فأما قصر الصلاة فليس من حوائج أهل المصر، فلا يلحق بالمصر فناؤه في حقه، مع أن على قول بعض المشايخ لا تجوز الجمعة خارج المصر؛ إذا كان ذلك الموضع منقطعًا عن العمران، والفقيه أبو الليث يفتي بجوازها في الفناء (٢).
قوله: (ولا يزال على السفر … ) إلى آخره، وفي بعض نسخ القدوري: على حكم السفر، ثم عند الشافعي: إذا نوى إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج؛ يصير مقيمًا (٣)، وبه قال مالك (٤)، وعن أحمد: أنه لو نوى إقامة مدة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة؛ لم يقصر (٥)، وهو قريب من مذهب الشافعي ﵀.
وعن ابن عباس، وإسحاق: لو نوى إقامة تسعة عشر يوما لم يقصر.
стр. 1192
أَكْثَرَ، وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَصَرَ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مُدَّةٍ، لِأَنَّ السَّفَرَ يُجَامِعُهُ
وعن الحسن ابن صالح: لو نوى إقامة عشر أيام لم يقصر.
وعن الأوزاعي: لو نوى إقامة اثني عشر يوما أتم، وبه قال الثوري.
وعن الليث ابن سعد ﵁: لو نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يوما أتم، وإلا فلا.
وعندنا: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم، وبه قال النواوي، واختاره المزني (١).
واحتج الشافعي ﵀ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ [النساء: ٩٤]؛ فإنه تعالى أباح القصر بالضرب في الأرض، فمفهومه يقتضي أنه متى ترك الضرب والسير؛ لا يباح له القصر، إلا إنا تركنا مفهوم الآية في أقل من مدة أربعة أيام بالإجماع، فبقي الباقي على ظاهره.
وبما روي أنه ﵊ رخص للمهاجرين في المقام بمكة، بعد قضاء مناسك الحج، ثلاثة أيام غير يوم الدخول والخروج، فإنه ﵊ دخل بعد صبح الأحد، وخرج بعد صبح خميسه؛ فهذا دليل على أن بالزيادة يثبت حكم الإقامة.
وعن عمر ﵁ أنه لما أجلى اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ثم ضرب لمن يقدم منهم تاجرًا أن يقيم ثلاثة أيام، فعلم أن ثلاثة أيام مدة المسافر، فإذا زاد على ذلك؛ صار مقام المقيم.
وبما روي عن عثمان ﵁ أنه قال: من أجمع على إقامة أربعة أيام أتم الصلاة.
ولما اختلف الصحابة ﵃؛ كان الأخذ بقول عثمان أولى للاحتياط.
ولنا: ما روى مجاهد عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر، وفي عزيمتك أن تقيم بها خمسة عشر يومًا؛ فأكمل الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن؛ فاقصر. وعن عثمان مثله أيضًا، فدل على رجوعه.
стр. 1193
اللُّبْثُ، فَقَدَّرْنَاهَا بِمُدَّةِ الظُّهْرِ؛
وعن عطاء، وإبراهيم أنهما قالا: أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوما.
وسبيل ذلك التوقيف، فنزل منزلة المنصوص، وروى جابر أنه ﵊ دخل مكة صبيحة يوم الرابع من ذي الحجة، وخرج إلى منى يوم التروية، وكان يقصر الصلاة، وقد أقام أكثر من أربعة أيام.
فإن قيل: الحديث محمول على ما إذا لم ينو الإقامة، وبدون النية مقيمًا بأربعة أيام عنده.
قلنا: لا يصح هذا؛ لأنه ﵊ دخل مكة للحج، ومن دخل للحج لا بد أن ينوي الإقامة حتى يقضي حجه، وقضاء حجة فيما ذكرنا إن كان أكثر من أربعة أيام، ومع ذلك كان يقصر، وفيه نوع تأمل.
وأما تعلقه بالآية؛ فقلنا: لما ترك ظاهر الآية بالإجماع، فكان الأخذ بما قلنا أولى؛ بما روينا وللاحتياط، وأما الحديث: فإنه ﵊ إنما قدر هذا؛ لأنه علم أن حوائجهم كانت ترتفع في هذه المدة، لا لتقدير أدنى مدة الإقامة.
وأما ما روي عن عثمان؛ معارض بما روي عنه أنها مقدرة بخمسة عشر يوما، فدل على رجوعه كما قلنا.
وأما دعوى الاحتياط؛ فقلنا: هذا يشكل بما لو نوى الإقامة ثلاثة أيام أو أقل؛ فإنه لا يصير مقيمًا، وإن كان الاحتياط فيه، ولأن في التكميل ترك الاحتياط؛ فإنه متى ترك القعدة الأولى تجزئه صلاته، فالاحتياط أن يؤخذ فيه بالفساد، فكان معنى الاحتياط فيما يتعارض هاهنا، وفيه نوع تأمل.
وما قلنا أوفق للقياس؛ لأن الإقامة أصل كالظهر، والسفر عارض كالحيض، ثم ثبت أقل مدة الطهر خمسة عشر يوما بالاتفاق، فكذا مدة الإقامة، مع أن ما قاله الشافعي خلاف الإجماع. هكذا قال الطحاوي؛ لأنه لم ينقل عن أحد قبله بأن يصير مقيما بأربعة أيام. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).
стр. 1194
لِأَنَّهُمَا مُدَّتَانِ مُوجِبَتَانِ، وَهُوَ مَأثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَالْأَثَرُ فِي مِثْلِهِ كَالخَبَرِ، وَالتَّقْبِيدُ بِالبَلْدَةِ وَالقَرْيَةِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُ نِيَّةُ الإِقَامَةِ فِي المَفَازَةِ
ولأن الشارع سوى بين مدة الحيض على ما روينا، فقدرنا مدة الإقامة بمدة الظهر؛ لمضاتهما الحيض والسفر، فإن الظهر يعيد ما سقط من الصلوات والصوم، كما أن الإقامة تعيد ما سقط من شطر الصلاة، وهو معنى قوله: (مدتان موجبتان)، إلا أن الظهر إيجابها في الأصل، والإقامة في القدر بالتكميل، وألا ترى قول الصحابي.
(في مثله)؛ أي: المقدرات التي لا يهتدي إليها العقل.
(كالخبر)؛ أي: كالمروي عن النبي ﷺ .
فإن قيل: كيف قال هذا مع أنه قال: فيه معنى معقولا؛ وهو إلحاقها بالظهر بجامع الموجبية؟
قلنا: ذلك إظهار معنى بعد ثبوت أصله بالخبر، لا أن يثبت أصله بالدليل المعقول، فكان هذا من قبيل ترجيح أحد الأمرين بموافقة القياس، وما قلنا: إنه يصير بنية الإقامة مقيمًا إذا سار ثلاثة أيام، فأما إذا لم يسر فعزم على الرجوع، أو نوى الإقامة؛ يصير مقيمًا وإن كان في المفازة. كذا ذكره فخر الإسلام في العوارض المكتسبة، وكذا في الحميدية، والكاثي (١).
وفي الْمُجْتَبَى: لا يبطل السفر إلا بنية الإقامة، أو دخول الوطن، أو الرجوع إليه قبل الثلاثة (٢)، وبه قال الشافعي في الأظهر (٣).
ونية الإقامة إنما تؤثر بخمس شرائط: أحدها: ترك السير، حتى لو نوى الإقامة وهو يسير؛ لم تصح. وثانيها: صلاحية الموضع، حتى لو نوى الإقامة في بر أو بحر أو جزيرة؛ لم تصح واتحاد المدة والموضع، والاستقلال بالرأي، حتى لو نوى من كان تبعًا لغيره؛ لا تعتبر كالجندي، والزوجة،
стр. 1195
وَهُوَ الظَّاهِرُ (وَلَوْ دَخَلَ مِصْرًا … ... … ... … ...
والرقيق، والأجير، والتلميذ مع أستاذه، والغريم المفلس مع صاحب الدين، إلا إذا نوى متبوعه. ولو نوى المتبوع الإقامة ولم يعلم بها التابع؛ فهو مسافر حتى يعلم، كالوكيل إذا عزل، وهو الأصح.
وعن بعض أصحابنا: يصيرون مقيمين، ويعيدون ما أدوا في مدة عدم العلم.
وقوله: (وهو الظاهر)؛ أي: الظاهر من الرواية، احتراز عما روي عن أبي يوسف: أن الرعاة إذا نزلوا موضعا كثير الماء والكلأ، ونووا الإقامة مدة خمسة عشر يوما، والماء والكلأ يكفيهم لتلك المدة؛ صاروا مقيمين، وكذا التراكمية والأعراب.
وفي ظاهر الرواية: لا تصح نية الإقامة إلا في موضعها؛ وهو العمران، والبيوت المتخذة من الحجر والمدر والخشب، لا الخيام والأخبية والوبر. كذا في فتاوى قاضي خان (١).
قوله: (ولو دخل مصرًا) إلى آخره: ثم للشافعي فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقصر أربعة أيام.
والثاني: أنه يقصر ثمانية عشر يوما؛ لما روى أن ابن عباس قال: أنه ﵊ أقام عام الفتح لحرب هوازن سبعة عشر يوما، أو ثمانية عشر وهو يقصر، فإذا زاد على ذلك يتم؛ [لما روي أن ابن عباس ﵄ قال: أنه ﵇ أقام لحرب هوازن ثمانية عشر (٢)، فمن أقام أكثر من ذلك؛ يتم] (٣)، فبقي ما زاد على الأصل؛ إذ القصر عارض، فلم يثبت إلا بقدر ما نقل، ولأنه تعالى قال: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ [النساء: ٩٤]، وهو ليس بضارب في الأرض.
والثالث: أنه يقصر أبدًا (٤). وهو مذهبنا؛ لما روى جابر ﵁ أنه عليه
стр. 1196
عَلَى عَزْمِ أَنْ يَخْرُجَ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ وَلَمْ يَنْوِ مُدَّةَ الإِقَامَةِ حَتَّى بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ
الصلاة والسلام أقام بتبوك عشرين يوما وهو يقصر (١)، ولما روى ابن عباس ﵄ أنه ﵊ أقام على خيبر أربعين يوما وهو يصلي ركعتين (٢)، ولإجماع الصحابة ﵃، فإنه روي عن سعد ابن أبي وقاص ﵁ أنه أقام بقرية من قرى نيسابور شهرين يقصر، وكذا علقمة بن قيس أقام بخوارزم سنين وهو يقصر الصلاة، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر، وكذا روي عن ابن عباس والصحابة ﵃، أنهم أقاموا بروس هر تسعة أشهر يقصرون، ولأنه لو خرج خلف غريم أو خرج صاحب جيش لطلب العدو ولم يعلم أين يدركه؛ لم يصر مسافرًا ما لم ينو السفر، وإن طاف جميع الدنيا. ذكره في فتاوى العتابي (٣).
فكذا لا يصير مقيمًا ما لم ينو المكث أدنى مدة الإقامة وإن طال مكثه؛ لأنه ضد السفر، فلما لم يثبت السفر بنية الإقامة؛ لم تثبت الإقامة بنية السفر، وما روي دليلنا؛ لأنه ﵊ كان يقصر عند عدم نية الإقامة.
وأما ما قال: يبقى ما زاد لي الأصل.
فقلنا: ترك ذلك بإجماع الصحابة، وبما روينا. كذا في المبسوطين (٤).
قال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم ينو إقامة وإن أتى عليه سنون (٥).
ذكر في العارضة: رواية قصره ﵊ بمكة خمسة عشر ضعيفة، وما قال: إنه ليس بضارب في الأرض غير مسلم؛ لأنه ضارب؛ إذْ قصده أن يخرج إذا أتم حاجته، وهذا المقدار لا يضره لتحققه فيما دون ثمانية عشر.
стр. 1197
سِنِينَ: قَصَرَ)؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَقْصُرُ. وَعَنْ جَمَاعَةٍ من الصَّحَابَةِ ﵃ مِثْلُ ذَلِكَ.
(وَإِذَا دَخَلَ العَسْكَرُ أَرْضَ الحَرْبِ، فَنَوَوْا الإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا قَصَرُوا، وَكَذَا إِذَا حَاصَرُوا فِيهَا مَدِينَةً أَوْ حِصْنَا) لِأَنَّ الدَّاخِلَ بَيْنَ أَنْ يُهْزَمَ فَيَقِرَّ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْهَزِمَ فَيَفِرَّ، فَلَمْ تَكُنْ دَارَ إِقَامَةٍ (وَكَذَا إِذَا حَاصَرُوا أَهْلَ البَغْيِ فِي دَارِ الإِسْلَامِ
قوله: (قصروا)، وبه قال مالك (١)، وأحمد (٢)، وقال زفر: يتمون، وهو رواية عن أبي يوسف، وعن أبي يوسف: إذا غلبوا على بعض البيوت يتمون.
وقال الشافعي في الجديد: يتمون إذا نووا إقامة أربعة أيام؛ لأنهم يتمكنون من الفرار ظاهرا باعتبار الشوكة، وقال في القديم: يقصرون كقولنا (٣)؛ لأنهم نووا الإقامة في غير موضعها ظاهرًا، لرجوعهم إن غلبوا أو صالحوا أو إن انهزموا، واستقرارهم إن استمر الحال على المحاصرة، والاحتمالات متعارضة، فالظاهر عدم القرار، فلم يكن موضع إقامة.
وفي المبسوط: سأل رجل ابن مسعود - وقيل: ابن عباس- وقال: إنا نطيل الثواء في دار الحرب، فكيف ترى الصلاة؟، فقال: صَلِّ ركعتين حتى ترجع إلى أهلك، ولأن نية الإقامة في غير موضعها؛ لما قلنا: إن فناء البلدة تبع لها، والبلدة لأهل الحرب، فموضع الإقامة كان في أيديهم أيضًا؛ فلا تصح نية الإقامة (٤)، بخلاف ما لو دخل المستأمن من دار الحرب ونوى الإقامة فيها؛ حيث يصير مقيمًا؛ لأن أهل الحرب لا يتعرضون له، فصار كلا الدارين سواء له. كذا في المحيط (٥).
(وكذا إذا حاصروا أهل البغي): إنما ذكره هذه مع أن حكمها يعلم بمسألة
стр. 1198
فِي غَيْرِ مِصْرٍ، أَوْ حَاصَرُوهُمْ فِي البَحْرِ)؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ مُبْطِلٌ عَزِيمَتَهُمْ، وَعِنْدَ
دار الحرب؛ لرفع شبهة وهي أن يقال: إنها لا تجوز نية الإقامة في دار الحرب؛ لأنها منقطعة، فصارت كالمفازة، بخلاف مدينة أهل البغي التي في دار الإسلام؛ فإنها في يد أهل الإسلام، فيجب أن تصح نية الإقامة، فقال: لا تصح؛ لأن حالهم يبطل عزيمتهم؛ لأنهم يقيمون لغرض، فإذا حصل انزعجوا، فلا تكون عزيمتهم مستقرة؛ ولهذا قال أصحابنا: في تاجر دخل مدينة لحاجة، ونوى أن يقيم خمسة عشر يوما لقضاء تلك الحاجة: لا يصير مقيما؛ لأنه متردد بين أن يقضي حاجته فيرجع وبين أن لا يقضي فيقيم، فلا تكون نيته مستقرة، كنية العسكر في دار الحرب، وهذا الفصل حجة على من يقول: من أراد الخروج إلى مكان، ويريد أن يترخص للسفر؛ ينوي مكانًا أبعد منه، وهذا غلط.
ذكره التمرتاشي (١).
ثم التقييد بقوله: (في غير مصر أو في البحر)؛ يوهم أنهم نزلوا مدينة أهل البغي وحاصروهم في الحصن؛ تصح نية الإقامة؛ لكن إطلاق ما ذكر في المبسوط يدل على أنه ليس كذلك؛ فإنه قال: وكذا إذا حاربوا أهل البغي في دار الإسلام (٢)، أما التعليل يشمل المفازة والمدينة، إلا أنه قيد في الجامع الصغير بغير المصر وبالبحر (٣)؛ لأنه أظهر في عدم الجواز، وأبعد عن توهم الجواز في غير المصر، أو البحر، فعلل بمعنيين:
أحدهما: أنه ليس بموضع إقامة حقيقة، فإنه يشمل دار الحرب والبغي والإسلام، ولكنه لا يتناول المدينة.
والثاني: أن حالهم يخالف عزيمتهم، أنه يشمل دار الحرب والبغي دون دار العدل، ولكنه يشمل المدينة والمفازة والبحر، فاختار المصنف التعليل بهذا المعنى؛ ليكون إشارة إلى عدم الجواز في المدينة؛ لأن مدينتهم كالمفازة فيه.
стр. 1199
زُفَرَ ﵀: يَصِحُّ فِي الوَجْهَيْنِ إِذَا كَانَتِ الشَّوْكَةُ (*) لَهُمْ، لِلتَّمَكُّنِ مِنْ القَرَارِ ظَاهِرًا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَصِحُّ إِذَا كَانُوا فِي بُيُوتِ المَدَرِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إِقَامَةِ.
(وَنِيَّةُ الإِقَامَةِ مِنْ أَهْلِ الكَلَا - وَهُمْ أَهْلُ الأَخْبِيَةِ - قِيلَ: لَا تَصِحُّ، وَالْأَصَحُّ
كذا قرره شيخي العلامة ﵀ (١).
(في الوجهين)؛ أي: محاصرة أهل البغي ومحاصرة أهل الحرب.
(لأنه)؛ أي: المذكور، وهو بيوت المدر موضع إقامة، ففرق أبو يوسف بين الأبنية والأخبية، فقال: البناء موضع الإقامة والقرار دون الصحراء، فلو حاصروا أهل الأخبية وفساطيط؛ لم يصيروا مقيمين بنية الإقامة، سواء نزلوا بساحتهم أو في أخبيتهم بالإجماع؛ لأن هذا لا يعد للإقامة؛ ألا ترى أنهم يحملونها على الدواب أينما قصدوا، ويستخفونها يوم ظعنهم ويوم إقامتهم، فإذا هي محمولة وليست بمنازل.
قال الحلواني: وهكذا إذا قصد عسكر المسلمين موضعا ومعهم أخبيتهم وفساطيطهم، فنزلوا مفازة وعزموا فيها على إقامة خمسة عشر يوما؛ لم يصيروا مقيمين على ما قلنا؛ لأنها حمولة وليست بمساكن. كذا في المحيط (٢).
(وهم أهل الأخبية)؛ كالأعراب، والأتراك، والرعاة.
(قيل: لا تصح)؛ لأنهم ليسوا في مواضع الإقامة، والأصح: أنهم مقيمون لا مسافرون؛ لوجهين:
أحدهما: أن الإقامة أصل، والسفر عارض، فحمل حالهم على الأصل أولى.
والثاني: أن السفر إنما يكون عند النية إلى مكان إليه مدة السفر، وهم لا ينوون ذلك قط؛ بل ينتقلون من ماء إلى ماء، ومن مرعى إلى
стр. 1200
أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (*)؛ لِأَنَّ الإِقَامَةَ أَصْلٌ فَلَا تَبْطُلُ بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَرْعَى إِلَى مَرْعَى (وَإِنْ اقْتَدَى المُسَافِرُ بِالمُقِيمِ فِي الوَقْتِ، أَتَمَّ أَرْبَعًا)
مرعى، فكانوا مقيمين باعتبار الأصل. كذا في المبسوط (١).
وفي التحفة: الأعراب والأكراد والتراكمة والرعاة الذين يسكنون في بيوت الشعر والصوف مقيمون؛ لأن مقامهم المفازة عادة (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، وفي المحيط: وعليه الفتوى.
أما إذا ارتحلوا عن موضع إقامتهم في الصيف، وقصدوا موضعا آخر للإقامة في الشتاء، وبين الموضعين مسيرة ثلاثة أيام؛ فإنهم يصيرون مسافرين في الطريق عند أبي حنيفة. كذا في المحيط (٤).
وفي الْمُجْتَبى: ذكر البقالي: الملاح مسافر وإن كان أهله وماله في السفينة (٥)، وبه قال الشافعي (٦)، وسفينة ليست بوطن له إلا عند الحسن، وأحمد (٧)، وفي المحيط: صاحب السفينة والملاح لا يكون مقيمًا بإقامته؛ إلا أن يكون قريبا من وطنه (٨).
قوله: (في الوقت أتم)؛ يعني: سواء اقتدى به في جزء من صلاته أو كلها،
стр. 1201
لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ إِلَى أَرْبَعِ لِلتَّبَعِيَّةِ، كَمَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ لِاتِّصَالِ المُغَيْرِ بِالسَّبَبِ
وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وداود. وقال مالك: إن أدرك في صلاة المريض ركعة؛ لزمه الإتمام، وإن كان دون ذلك؛ لا يلزمه قياسًا على الجمعة (٣).
وقال إسحاق بن راهويه: يجوز للمسافر القصر خلف المقيم، ومذهبنا مروي عن ابن عمر وابن عباس؛ فقال ابن عباس: إن صلينا معكم صلينا أربعًا، وإن صلينا في بيوتنا صلينا ركعتين.
وقيد بالوقت؛ لأنه لا يقتدي المسافر بالمقيم خارج الوقت؛ للزوم اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة؛ لأن فرضه بعد خروج الوقت لا يتغير بنية الإقامة والاقتداء بالمقيم، فحينئذ لو صلى ركعتين وسلم؛ كان قد فرغ قبل إمامه، وإن أتم أربعًا؛ كان خالطًا للنفل بالمكتوبة قصدًا، وذا لا يجوز، وكذا القعدة الأولى فرض في حقه، نفل في حق الإمام. كذا في المبسوط (٤).
(للتبعية)؛ أي: لالتزامه المتابعة، [أما لو أفسد صلاته بعد الاقتداء هو أو إمامه؛ صلى ركعتين؛ لأنه مسافر، والإتمام لزمه ضرورة المتابعة] (٥)، وقد زالت، بخلاف ما لو اقتدى به بنية النفل ثم أفسده؛ تلزمه الأربع؛ لأن بالشروع يصير ملتزما صلاة الإمام، وصلاة الإمام أربع، وهاهنا قصد بالشروع إسقاط الفرض عن ذمته وتغيير فرضه حكمًا للمتابعة، فإذا انعدمت صار كأنه لم يشرع في صلاته. كذا في المحيط (٦).
стр. 1202
وَهُوَ الوَقْتُ (وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي فَائِتَةٍ لَمْ تُجْزِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الوَقْتِ، لِانْقِضَاءِ السَّبَبِ، كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ فَيَكُونُ اقْتِدَاءَ المُفْتَرِضِ بِالمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ القَعَدَةِ أَوْ القِرَاءَةِ.
وقال الشافعي (١)، وزفر، ومالك (٢)، وأحمد (٣): يقضي أربعًا ويتم؛ لأنه التزم صلاة الإمام.
فإن قيل: لو اقتدى المقيم بالمسافر، ثم أحدث المسافر واستخلف المقيم؛ لا يتغير فرض المسافر، وإن صار بمنزلة المقتدي للخليفة المقيم.
قلنا: لما صار المقيم خليفة للمسافر؛ صار كأن المسافر هو الإمام، فيأخذ الخليفة صفة الإمام الأول، حتى يجب عليه أن يأتي بما على الإمام الأول، فلو ترك القعدة الأولى؛ تفسد صلاة الكل من المقيمين والمسافرين، وإذا كان مقام الأول من كل وجه؛ صار في التقدير اقتداء المسافر بالمسافر، فلا تتغير صلاته وإن كان في الوقت.
(فإن دخل)؛ أي: المسافر.
(معه)؛ أي: مع المقيم هذا إذا خرج الوقت ودخل في صلاة المقيم بعد خروجه، أما لو دخل في صلاته في الوقت ذهب الوقت؛ لم تفسد صلاته؛ لأن الإتمام لزمه بالشروع مع الإمام في الوقت، فالتحق بالمقيم، بخلاف ما لو اقتدى به بعد خروج الوقت؛ فإن الإتمام لم يلزمه بالاقتداء.
(في حق القعدة)؛ أي: فيما إذا كان اقتداؤه في أول الصلاة.
(أو القراءة)؛ أي: فيما إذا كان اقتداؤه في الأخريين، فإن القراءة فيهما نفل على الإمام، فرض على المقتدي.
فإن قيل: لو ترك الإمام القراءة في الأولين وقضاهما في الأخريين؛ ينبغي أن يجوز.
стр. 1203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: لا يجوز أيضًا؛ لأن القضاء يلتحق بمحل الأداء، فتخلو الركعتان عن القراءة، فكان فيه بناء الموجود على المعدوم.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يصح اقتداء المتنفل بالمفترض في الشفع الثاني، فإن القراءة فيه نفل على الإمام، فرض على المقتدي، والحال أنه جائز.
قلنا: صلاة المتنفل تأخذ حكم الفرض بالاقتداء تبعًا لصلاة الإمام؛ ولهذا لو أفسد المتنفل صلاته بعد الاقتداء؛ يجب قضاؤها أربعًا. كذا في الجامع الكبير للصدر الحميد (١).
وفي بعض نسخ القدوري: لو دخل المسافر في صلاة المقيم مع بقاء الوقت؛ أتم صلاته (٢).
وفي الْمُجْتَبى: قوله: (مع بقاء الوقت)؛ يعني: قدر التحريمة، وهو الأصح (٣).
وفي المحيط: صلى المقيم ركعة من العصر، فغربت الشمس، فاقتدى به المسافر؛ لا يصح، ولو كان مسافرًا فنوى الإقامة بعد الغروب؛ يقصر فيه (٤)، ولو صلى المسافر الظهر ركعتين بغير قراءة، ثم نوى الإقامة في القعدة، أو بعد ما قام إلى الثالثة، أو في ركوعهما، أو بعد الرفع منه؛ يتم أربعًا، ويقرأ في الأخريين، ويعيد بعد النية القيام والقراءة والركوع، وإن قيدهما بالسجدة؛ فسدت.
وقال محمد، وزفر: فسدت في الكل. ولو نوى الإقامة ليتم هو؛ فهو مسافر.
стр. 1204
(وَإِنْ صَلَّى المُسَافِرُ بِالمُقِيمِينَ رَكْعَتَيْنِ سَلَّمَ وَأَتَمَّ المُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ) لِأَنَّ المُقْتَدِيَ التَزَمَ المُوَافَقَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَيَنْفَرِدُ فِي البَاقِي كَالمَسْبُوقِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِي الأَصَحّ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ تَحْرِيمَةٌ لَا فِعْلًا، … ... … ... … ...
قوله: (وإن صلى المسافر)؛ أي: أم المقيمين.
وقوله: (في الأصح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ؛ حيث قالوا: يقرأ لأنه كالمسبوق؛ ولهذا يتابع الإمام في سجود السهو، ولو سها فيما يتم؛ [يسجد؛ لأنه غير مقتد، فيقرأ السورة مع الفاتحة.
وقال الكرخي: لا يتابع الإمام في سجود السهو، ولو سها فيما يتم] (١)؛ لا سهو عليه؛ لأنه كاللاحق، فإنهم أدركوا أول الصلاة، وقد تم فرض القراءة، وهو الأصح. كذا في المحيط (٢).
وفي الإيضاح: وجوب سجدة السهو عليهم دليل على أن لا قراءة عليهم؛ لأنهم صاروا بمنزلة المنفردين في الباقي، حيث وجب عليهم السهو، فلم تجب القراءة عليهم في الباقي؛ لأن حكم المنفرد كذلك، فإنه إذا أدى الفرض من ذوات الأربع؛ يقرأ في الأولين دون الأخرين فهذا كذلك؛ لأنه قرأ عليهم في الأوليين (٣).
(لأنه)؛ أي: المقتدي بالمسافر إذا قام لإتمام الباقي.
(مقتد بتحريمة لا فعلًا)؛ أي: مقتد من وجه دون وجه، فبالنظر إلى كونه مقتديا؛ تحرم القراءة عليه، وبالنظر إلى كونه منفردًا؛ تستحب القراءة عليه، فحينئذ دار حكم القراءة بين كونه حرامًا وبين كونه مستحبا، فكان الاحتياط في الترك؛ لأن الشيء إذا دار بين كونه بدعة وكونه سنة؛ فتركه أولى؛ لئلا يلزمه ارتكاب البدعة، أما لو دار بين كونه فريضة وبين كونه بدعة؛ فالإتيان به أولى كما في المسبوق.
стр. 1205
وَالفَرْضُ صَارَ مُؤَدَّى فَيَتْرُكُهَا احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ المَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ قِرَاءَةً نَافِلَةً فَلَمْ يَتَأَدَّ الفَرْضُ فَكَانَ الإِتْيَانُ أَوْلَى، قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِذْ سَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ قَالَهُ حِينَ صَلَّى بِأَهْلِ مَكَّةَ … ...
فإن قيل: لما أدرك المسبوق قراءة النافلة ولم يتأدَّ به الفرض؛ فكان الإتيان به واجبًا أولى.
قلنا: الأولوية لا تنافي الوجوب، كما أن الإباحة والندب لا ينافيه، والمراد بالأولوية: ترجيح جانب الوجود على الترك، وهذا موجود في الوجوب وزيادة، وكأنه اختار المصنف هذا اللفظ؛ ليمكن جهة عدم الوجوب فيه؛ من حيث إن المسبوق مقيد تحريمه، حتى لم يجز الاقتداء به، ولا قراءة على المقتدي وإن ترجحت جهة الوجوب بتفرده في الأداء حقيقة، أو لأنه ذكره في مقابلة قوله: (فيتركها احتياطًا). كذا قرره شيخي العلامة (١).
وفي الخبازية، والكاثي: أن قوله: (فكان الإتيان به أولى)؛ للمطابقة بينه وبين قوله: (فيتركها احتياطًا)؛ لكن مراده: أن جعله منفردًا أولى من جعله مقتديا، حتى تلزمه القراءة، ولو تركها فسدت صلاته (٢)، وفيه تعسف كما ترى. (صلى بأهل مكة)؛ أي: بعرفات كما روينا، وكذا عمر.
وحكي أن أبا يوسف صلّى بمكة ركعتين عام حجه مع الرشيد، فلما سلم قال: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، فقال رجل منهم: نحن أفقه بهذا منك.
فإن قيل: ذكر في فتاوى قاضي خان وغيره: أن العلم بحال الإمام شرط لصحة أداء الصلاة بالجماعة (٣)، ورواية الكتاب تدل على صحة الاقتداء بدون العلم بحاله أنه مقيم أو مسافر؛ لأنهم لو كانوا عالمين بكونه مسافرًا؛ كان قول
стр. 1206
وَهُوَ مُسَافِرُ
الإمام: أتموا صلاتكم عبثًا؛ لاشتغاله بما لا يفيد، وإن كانوا عالمين بكونه مقيما؛ كان هذا القول منهه كذبا عندهم، فتعين أنهم لم يعلموا بحاله، فما وجه التوفيق بينهما؟
قلنا: تلك الرواية محمولة على ما إذا بنوا أمر الإمام على ظاهر حالة الإمامة، والحال أنه ليس بمقيم، وسلّم على رأس الركعتين، وتفرقوا على ذلك؛ لاعتقادهم فساد صلاة الإمام، وأما لو علموا بعد الصلاة بحال الإمام؛ كان اقتداؤهم جائزا؛ وإن لم يعلموا حاله وقت الاقتداء.
والدليل عليه: ما ذكر في نوادر المبسوط: رجل صلى بالقوم الظهر ركعتين في مصر أو قرية، وهم لا يدرون أمسافر هو أو مقيم؟! فصلاة القوم فاسدة، سواء كانوا مقيمين أو مسافرين؛ لأن الظاهر من حال من كان في موضع الإقامة أنه مقيم، والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه، وإذا كان الإمام مقيما باعتبار الظاهر؛ فسدت صلاته وصلاة القوم حين سلّم على رأس الركعتين، فإن سألوه فأخبرهم أنه مسافر؛ جازت صلاة القوم إن كانوا مسافرين، أو مقيمين فأتموا صلاتهم بعد فراغه؛ لأنه أخبر بما هو من أمور الدين بما لا يعرف إلا من جهته، فيجب قبول خبره في ذلك (١).
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجب قوله: «أَتْمُّوا صَلَاتَكُم فَإِنَّا قَومُ سَفَرٍ» (٢)؛ لما فيه إصلاح صلاة المقتدي من جانب الإمام، فيجب عليه رعايته، فلم قال: (ويستحب)؟.
قلنا: إصلاح صلاة القوم غير متوقف على هذا القول؛ لما أن القوم إذا كانوا مسافرين سلموا بسلامه، وإن كانوا مقيمين فأقاموا وأتموا صلاتهم، ثم سألوه، فإن أخبر أنه مسافر؛ جازت صلاة الكل، فكان ذلك زيادة إعلام أنه مسافر، واقتداء بالنبي ﵊ أمرًا واجبًا، فكان مستحبا.
وفي شرح الإرشاد وينبغي أن يخير الإمام القوم قبل شروعه أنه مسافر،
стр. 1207
(وَإِذَا دَخَلَ المُسَافِرُ فِي مِصْرِهِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ المُقَامَ فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ وَأَصْحَابَهُ ﵃ كَانُوا يُسَافِرُونَ وَيَعُودُونَ إِلَى أَوْطَائِهِمْ مُقِيمِينَ مِنْ غَيْرِ عَزْمِ جَدِيدٍ.
(وَمَنْ كَانَ لَهُ وَطَنٌ فَانْتَقَلَ عَنْهُ وَاسْتَوْطَنَ غَيْرَهُ، ثُمَّ سَافَرَ وَدَخَلَ وَطَنَهُ الأَوَّلَ قَصَرَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ وَطَنَا لَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ بَعْدَ الهِجْرَةِ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَكَّةَ مِنْ المُسَافِرِينَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ الوَطَنَ الْأَصْلِيَّ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ دُونَ
فإذا لم يخبر؛ أخبر بعد السلام (١).
قوله: (وإذا دخل المسافر مصره أتم الصلاة): وفي المبسوط، والمحيط: هذا في حق مسافر أكمل مدة السفر، فإذا لم يكمل؛ فبمجرد العزم على دخوله يصير مقيمًا وإن لم يدخل مصره، والمعنى في المسألة: إن مكثه في مصر غيره متردد بين أن يكون [للسفر وبين أن يكون] (٢) للمقام فيه، فاحتيج إلى النية؛ ليتعين المكث في المقام.
فأما مكثه في مصره فيتعين عادة للإقامة؛ لأنها قبل سفره متعينة، فكذا بعد السفر، ولا يحتاج إلى النية (٣).
(عد)؛ أي: النبي ﵊، حيث قال بعد فراغه: «أتموا صلاتُكُم فَإِنَّا قوم سفر» (٤).
قوله: (لأن الأصل) إلى آخره: قال عامة المشايخ ﵃: الأوطان ثلاثة: وطن أصلي؛ وهو مولد الرجل ومنشأه، وما توطن فيه بأهله، وسمي وطن القرار. ووطن الإقامة؛ وهو بلد ينوي المسافر فيه إقامة خمسة عشر يوما أو أكثر، ويُسمّى وطن مستعار. ووطن السكنى؛ وهو ما نوى فيه أن يقيم أقل من خمسة عشر يومًا، ويسمى وطن السفر، فالأصلي ينتقض بالأصلي؛ لأنه مثله،
стр. 1208
السَّفَرِ، وَوَطَنَ الإِقَامَةِ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ وَبِالسَّفَرِ وَبِالْأَصْلِيِّ.
(وَإِذَا نَوَى المُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ وَمِنَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ)؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ فِي مَوْضِعَيْنِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهَا فِي مَوَاضِعَ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؛ … ...
ولا ينتقض بالمستعار ولا بوطن السكنى؛ لأنهما دونه، ولا ينتقض بإنشاء السفر؛ لأنه ﵊ كان يخرج مع أصحابه إلى الغزوات من المدينة، ولا ينتقض وطنه بالمدينة، ولم يجدد نيته بعد رجوعه (١).
والمستعار ينتقض بالأصلي، وبمستعار مثله، وبالسفر، ولا ينتقض بوطن السكنى؛ لأنه دونه، ووطن السكنى ينتقض بالكل.
ومن مشايخنا من قال: الوطن وطنان وطن أصلي، ووطن مستعار.
ولم يعتبر وطن السكنى؛ لأنه لم يثبت فيه حكم الإقامة، بل حكم السفر فيه باق؛ ولهذا لم يذكره في الكتاب، وهو اختيار المحققين، وهو الصحيح. كذا في النهاية (٢).
ولكن ذكر في الفتاوى الظهيرية: ليس الأمر كما زعم البعض (٣)؛ فإن الإمام السرخسي ذكر في مبسوطه مسألة تدل على أن وطن السكني معتبر؛ فقال: كوفي خرج إلى القادسية في حاجة، ثم خرج منها إلى الحيرة يريد الشام، وله بالقادسية ثقل يريد أن يحمله منها، من غير أن يمر بالكوفة؛ يقصر؛ لأن القادسية وطن السكنى في حقه، سواء عزم على الإقامة بها مدة أو لم يعزم؛ لأنها من فناء الوطن الأصلي؛ لما بينها وبين الكوفة دون مسيرة سفر، فلما خرج من الحيرة انتقض وطنه بالقادسية؛ لأن وطن السكني ينتقض بمثله، وقد ظهر له بالحيرة وطن السكنى؛ فالتحق بما لم يدخل في القادسية؛ فلهذا يقصر.
وشرطه أن لا يمر بالكوفة؛ لأنه لو مر بها؛ فقد عزم على الرجوع إلى وطنه
стр. 1209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصلي، وبينه وبين الوطن الأصلي دون مسيرة سفره، فكان مقيما من ساعته، ولو لم يأت الحيرة ولكنه خرج من القادسية، فإذا كان قريبا من الحيرة، بدا له أن يرجع إلى القادسية لحمل الثقل، وينتقل إلى الشام، ولا يمر بالكوفة يتم حتى يرتحل من القادسية استحسانًا (١).
وفي القياس: يقصر؛ لأن وطنه السكني الذي بالقادسية قد انتقض بخروجه منها على قصد الحيرة، كما لو دخلها.
وفي الاستحسان: وطنه بالقادسية للسكنى، ولم يظهر له بقصد الحيرة وطن سكن آخر ما لم يدخلها، فبقي وطنه بالقادسية، كما لو خرج منها لبول أو غائط أو لتشييع جنازة أو استقبال؛ فلهذا يتم بالقادسية حتى يرتحل منها، فتبين بهذه المسألة صحة ما قلنا، وفيه تأمل.
ثم يقدم من السفر ليس بشرط؛ لثبوت الوطن الأصلي بالإجماع، وهل يشترط لثبوت وطن الإقامة؟
لم يذكره محمد في الأصل، وذكره الكرخي في جامعه: أن فيه روايتين عن محمد، مثاله ما ذكر في الإيضاح: خراساني قدم الكوفة، ونوى الإقامة بها شهرا، ثم خرج إلى الحيرة لحاجة، ونوى الإقامة بها مدة الإقامة، ثم خرج من الحيرة يريد خراسان، ومرّ بالكوفة وليس له بها وطن؛ يقصر؛ لأن وطنه بالكوفة قد بطل بوطنه بالحيرة؛ لأنه مثله، فإذا مر بالكوفة وليس له بها وطن؛ يقصر، ولو لم ينو الإقامة بالحيرة مدة الإقامة؛ أتم الصلاة بالكوفة، ولم يبطل وطنه بها بالخروج إلى الحيرة؛ لأنه ليس بسفر ولا هو مثله، فبقي كما كان (٢).
ولو أن خراسانيًا قدم الكوفة ونوى الإقامة فيها، ثم ارتحل منها يريد مكة، فقبل أن يسير ثلاثة أيام ذكر حاجة له بالكوفة فعاد؛ قال: يقصر؛ لأن وطنه بالكوفة قد بطل بإنشاء السفر، كما يبطل بوطن مثله.
стр. 1210
لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَعْرَى عَنْهُ، … ... … ... … ... … ... … ...
وفي المحيط: تأهل ببلدتين فيهما أصليتان؛ لما روي أن لعثمان أهلا بمكة وأهلا بالمدينة، وكان يتم بهما جميعا (١).
ولو انتقل بأهله ومتاعه إلى بلد، وبقي له دور وعقار في الأول؛ قيل: بقي الأول وطنا له، وإليه أشار محمد في الكتاب؛ حيث قال: باعه ونقل عياله. وقيل: لم يبق.
وفي الأجناس: سأل هشام محمدًا عن كوفي توطن ببغداد، وله بالكوفة دار، فاجتاز إلى مكة بها، أيقصر؟
قال محمد: هذا حالي، وأنا أرى القصر إن نوى ترك وطنه بها، إلا أن أبا يوسف كان يُتِمُّ، فيحمل على أنه لم ينو ترك توطنه بها.
وفي الْمُجْتَبى: هذا جواب واقعة ابتلينا به، وكثير من المسلمين المتوطنين في البلاد لهم دور وعقار في القرى البعيدة منها، يصيفون بها مع أهلهم ومتاعهم، فلابد من حفظها أنهما وطنان له؛ لا يبطل أحدهما بالآخر (٢).
قوله: (لأن السفر لا يعرى عنه؛ أي: عن قليل اللبث، وهذا مذكور معنى لا لفظا؛ لأنه المفهوم من مجموع الكلام.
وفي المبسوط: الإقامة ما تكون في موضع واحد، فإن الإقامة ضد السفر، والانتقال من أرض إلى أرض تكون ضربًا في الأرض، فلا تكون إقامة، ولو جوزنا نية الإقامة في موضعين؛ جوزنا فيما زاد على ذلك، فيؤدي إلى القول بأن السفر لا يتحقق؛ لأنك إذا جَمَعْتَ إقامة المسافر في المراحل؛ ربما يزيد ذلك على خمسة عشر يوما، فلا يكون مسافرًا في عمره، وشرط عدم الايجاد في الموضعين، فإنه لو اتحدا بأن قال: نويت الإقامة في النهر في كلابادو في الليالي بدر وأنه حاجبان) (٣).
стр. 1211
إِلَّا إِذَا نَوَى المُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِاللَّيْلِ فِي أَحَدِهِمَا، فَيَصِيرَ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ المَرْءِ مُضَافَةٌ إِلَى مَبِيتِهِ.
(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ قَضَاهَا فِي الحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَنْ فَاتَتْهُ فِي الحَضَرِ
(يصير مقيما)؛ لاتحاد المكان.
(بدخوله فيه)؛ أي: في موضع قال: أبيت فيه.
وفي المبسوط: إلا أن بينهما تفاوتا، فإنه لو دخل الموضع الذي عزم على المقام فيه بالنهر أولا؛ لا يصير مقيمًا، ولو دخل الموضع الذي عزم على الإقامة فيه بالليالي؛ يصير مقيمًا، ثم بالخروج إلى موضع آخر لا يصير مسافرًا؛ لأن موضع إقامة المرء حيث يثبت فيه؛ ألا ترى أنك إذا قلت للسوقي: في أي موضع تسكن؟، يقول: في محله كذا، وهو بالنهار في السوق (١).
وفي هذه المسألة حكاية لعيسى بن أبان، وكانت سبب تفقهه؛ فإنه كان مشغولاً بطلب الحديث، حيث قال: دخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي، وعزمت على الإقامة شهرًا في مكة ومنى، فجعلت أتم الصلاة، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: أخطأت؛ لأنك تخرج من منى وعرفات، فلما رجعت إلى منى بدأ الصحابي أن يخرج، وعزمت على أن أصحبه، فجعلت أقصر الصلاة فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت؛ فأنك مقيم بمكة، فما لم تخرج منها لا تكون مسافرًا، فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين، فدخلت مجلس محمد واشتغلت بالفقه.
قوله: (ومن فاتته صلاة) إلى آخره: فهذا قول مالك (٢)، والشافعي في القديم.
وقال في الجديد: لا يقصر في الحضر، واختاره المزني (٣)، وبه قال
стр. 1212
قَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا)؛ لِأَنَّ القَضَاءَ بِحَسَبِ الأَدَاءِ، وَالمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ آخِرُ الوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ المُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الأَدَاءِ فِي الوَقْتِ.
أحمد (١)، وداود (٢)؛ لأن المرخص وهو السفر زال، فيزول القصر.
قلنا: وجوب القضاء على حسب وجوب الأداء، فيعتبر حالة وجوب الأداء.
(قضاها في السفر أربعًا): بالإجماع، قال ابن المنذر: لا أعرف فيه خلافًا، إلا ما حكي عن الحسن البصري (٣).
وروى الأشعث عنه: أن الاعتبار لحال الفعل فيقصر، وكذا حكي عن المزني.
(في ذلك)؛ أي: في وجوب القضاء آخر الوقت.
(لأنه)؛ أي: آخر الوقت هو المعتبر في السببية عند عدم الأداء.
فإن قيل: هذا مشكل؛ لأن السبب عند عدم الأداء في الوقت؛ كل الوقت، لا الأخير.
قلنا: المعتبر في تقرر القضاء الجزء الأخير، والاعتبار لغيره، حتى إذا سافر يلزمه قضاء ركعتين، ولو أقام فيه يلزمه قضاء الأربع، فإنما الإضافة إلى كله في حق من لم يختلف حاله بالكفر والإسلام والحيض والطهر، والسفر والإقامة.
ولا يظهر أثر هذه الإضافة في عدم جواز القضاء في الأوقات المكروهة، وأما في حق تقرر القضاء؛ فالمعتبر هو، وإن كان الوجوب مضافًا إلى كله. إليه أشار شمس الأئمة في أصوله، على أن مختار البعض عدم الإضافة إلى كله، ويتقرر على الجزء الأخير على كل حال، فلعل المصنف ﵀ اختار مذهب
стр. 1213
(وَالعَاصِي وَالمُطِيعُ فِي سَفَرِهِمَا فِي الرُّخْصَةِ سَوَاءٌ)
أولئك البعض. كذا قرره شيخي العلامة ﵀ (١).
فإن قيل: يشكل على هذا؛ ما إذا أدخل المسافر في صلاة المقيم، ثم ذهب الوقت، ثم أفسد الإمام أو المقتدي صلاته على نفسه؛ فعلى المسافر أن يقصر، مع أنه وجب عليه الصلاة أربعًا عند آخر الوقت بسبب الاقتداء، وعلى قياس ما ذكر في الكتاب؛ ينبغي أن لا يتغير فرضه كما إذا فات الوقت عن المقيم.
قلنا: لم يكن مقيمًا فيها، وإنما لزمه الإتمام متابعة للإمام، وقد زال ذلك بالإفساد، فعاد إلى أصله؛ ألا ترى أنه لو أفسد الاقتداء في الوقت؛ فإن عليه ركعتان، فكذا هذا. والسؤال والجواب في المبسوط (٢)، وفيه: وجوب صلاة السفر على من سافر في آخر الوقت مذهبنا.
وقال ابن شجاع: يصلي صلاة المقيم، وقال الشافعي: إذا مضى من الوقت قدر ما يصلي فيه أربع ركعات، ثم خرج مسافرًا؛ صلى أربعًا (٣)، وهو بناء على أن وجوب الصلاة عندهما بأول الوقت، فيعتبر حال المصلي فيه (٤).
وعندنا: وجوبها يتعلق بآخر الوقت؛ فيعتبر حاله فيه.
وعند زفر: لو بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه صلاة السفر، فخرج للسفر يقصر، وإن كان الباقي دون ذلك؛ يلزمه الإتمام.
وذكر شيخ الإسلام: قول الشافعي مثل قول زفر.
وفي الخلاصة الغزالية ما يوافق ما ذكر شيخ الإسلام، وهكذا في عامة كتب أصحابه؛ فإن فيها: أن المسافر في آخر الوقت، إذا بقي من الوقت مقدار
стр. 1214
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: سَفَرُ المَعْصِيَةِ لَا يُفِيدُ الرُّخْصَةَ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ تَخْفِيفًا، فَلَا
فعل الصلاة؛ يجوز له القصر؛ لأن استقرار الوجوب عنده بآخر الوقت، حتى لو فات في الوقت؛ لا يقضي (١).
وما ذكر في المبسوط؛ قول المزني من أصحابه (٢).
وعندنا: لو بقي من الوقت مقدار ما يسع فيه التحريمة فسافر؛ يقصر؛ اعتبارًا لجانب الإقامة، فإنه لو دخل مصره، وبقي من الوقت مقدار التحريمة؛ فإنه يتم، وهذه المسألة بأبحاثها مذكورة في الأصول.
ثم يشكل على قوله: بحسب الأداء مريض لا يقدر على الأفعال، ويقدر على الإيماء، فاتتة صلوات في المرض؛ فإنه يقضي بالصحة قائمًا، ويقضي بالإيماء ما يفوته في الصحة.
قيل في جوابه: الواجب في ذمة المقيم الأربع، وفي ذمة المسافر ركعتان في الوقت، وتقرر ذلك بالفوات، فلا يمكن تغييره، فيجب القضاء على حسب ما يجب عليه من الأداء، فأما الواجب على المريض والصحيح؛ مراعاة كيفية الصلاة على حسب وسعه، زمان اشتغاله بالأداء لا قبله ولا بعده، فيجب القضاء أيضًا على هذه الصفة، ولأنا لو اعتبرنا حالة الأداء؛ يلزم أن يقضي الصحيح مع قدرته على القيام مستلقيًا، والمريض مع عجزه عن القيام قائمًا، وهو شنيع جدا، ويستقبحه العقل، وأحكام الشرع مصونة عن الشناعة. كذا في الفوائد الحميدية، والخبازية (٣).
قوله: (وقال الشافعي: سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ … ) إلى آخره: صورته: من سافر بنية قطع الطريق، أو البغي على الإمام العادل، أو التمرد على المولى؛ بأن أبق العبد، أو خرجت المرأة بغير محرم، أو نساء ثقات حاجًا وما أشبه ذلك، ولو كان السفر واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا يفيد الرخصة بالإجماع. وقال مالك (٤)،
стр. 1215
تَتَعَلَّقُ بِمَا يُوجِبُ التَّغْلِيظَ، وَلَنَا: إِطْلَاقُ النُّصُوصِ،
وأحمد (١)؛ كقول الشافعي (٢).
احتج بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ولأنه لما سافر للبغي وغيره؛ كان ابتداء خروجه معصية؛ لأنه نوى معصية بهذا السفر، والمعاصي لا تفيد الرخصة؛ لأنها تثبت تخفيفًا، فلا تتعلق بما يوجب التغليظ؛ ألا ترى أن زوال العقل يوجب سقوط الخطاب، ومتى كان بسبب السكر؛ لم يسقط به خطاب.
وكذا قطاع الطريق متى خافوا الإمام العدل؛ لم تحل لهم صلاة الخوف؛ لأنهم خافوا بسبب معصيتهم، ويعتبر هذا الخروج بقصده.
فإن من خرج للحج صار ابتداء خروجه طاعة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾ [النساء: ١٠٠]. وإذا خرج للمعصية؛ صار ابتداء خروجه معصية، فصار شرط المعصية في ابتدائه؛ وهو أن يخرج لغرض المعصية لا أن يعصي فيه؛ إذ قل ما يوجد سفر بلا معصية، أما لو سافر مباحًا ثم نوى إتمامه بمعصية؛ ينقطع الترخيص على أظهر أقواله.
وقال ابن مسعود، وداود: يجوز الترخص في سفر الواجب فقط.
وقال عطاء: في سفر الطاعة. كذا في الحلية (٣).
قوله: (ولنا إطلاق النصوص)؛ وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقوله ﵊: «فرضُ المُسافِرِ رَكْعَتان» (٤).
وقوله ﵊: «يَمْسَحُ المُقيم … » الحديث (٥)، ثم نص الكتاب وإن ورد في الصوم؛ لكن يثبت الحكم في الصلاة بنتيجة الإجماع؛ لأن
стр. 1216
وَلِأَنَّ نَفْسَ السَّفَرِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَإِنَّمَا المَعْصِيَةُ مَا يَكُونُ بَعْدَهُ أَوْ يُجَاوِرُهُ فَصَلُحَ مُتَعَلَّقُ الرُّخْصَةِ.
الخلاف في الكل واحد، فكان زيادة قيد الإباحة فيه يجرى مجرى النسخ.
(ولأن نفس السفر … ) إلى آخر ما ذكره في الكتاب ما يكون بعده، كما في السرقة وقطع الطريق، أو يجاوزه كما في الإباق ونحوه.
(فيصلح)؛ أي: نفس السفر.
(متعلق)؛ أي: موضع تعلق الرخصة؛ لأن نفسه نقل الخطوات إلى مكان بعيد، وهو مباح في نفسه، فلم يكن في ذاته معصية.
وفي الإيضاح: السفر إنما صار مبيحًا للترخص؛ لمشقة تلحقه من نقل الأقدام، والغيبة عن الوطن، وهذا لا حظر فيه، وإنما الحظر فيهما يكون بعد انقطاع السفر، فجرى ذلك مجرى المقصود لا مجرى معنى الفعل؛ لأن معنى الشيء ما يأتي مع صورته (١).
وثمرة الشيء تكون بعد تمام صورة الشيء، فثبت أن الفساد هاهنا راجع إلى المقصود، وذلك مما يقبل الفصل عنه، فبقي السفر من حيث إنه يفيد الرخصة مباحًا لا حظر فيه.
وأما الجواب عن الآية: أن تأويلها: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد؛ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: فحلق ففدية؛ لأن الكفارة لا تجب بالعذر، بل بالحلق بسبب العذر.
وأما الجواب عن المعنى: أن هذه رخصة علقت بصيرورة الخطى سفرًا، لا بنفس الخطى، فإن من طاف جميع الدنيا ولا يقصد مكانًا يصلح للسفر؛ لا يصير مسافرًا، فإذا كان كذلك؛ كان خطاه سفرًا بالنية، فلما وجد القصدان في مسألتنا: قصد السفر وقصد المعصية؛ جعلنا الخطى سفرًا، وألغينا قصد المعصية؛ لأنه لا تأثير للسفر في المعصية، وإنما تصير الخطى معصية بقصد المعصية، والسفر سبب باعتبار المشقة، فلا تتتغير أحكام السفر بنية المعصية؛
стр. 1217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما لا تتغير بنية الطاعة، وهذا كمن غصب خُفّاً ولبس؛ رُخّص له المسح عليه؛ لأن المعصية في الغصب دون ما يسقط به غسل الرّجل من استتارها بالخف.
وكذا يجوز الصلاة في أرض مغصوبة؛ لأن الغصب ليس نفس الصلاة وإن وجد مع الصلاة، بخلاف زوال العقل بالسكر؛ فإن السكر حدث من شرب ما يُسْكَرُ بِهِ.
فلو قلنا بسقوط الخطاب عنه؛ يلزم إضافة العذر إلى الخطاب الحرام؛ لأنه هو العلة، بخلاف نية المعصية؛ لأنها ليست بعلة للرخصة على ما بينا، وكذا الخوف لحقه بسبب معصيته في سفره.
فلو قلنا بجواز الصلاة في حقه؛ كانت المعصية هي المجوزة لصلاة الخوف، وذلك لا يجوز. كذا في الأسرار (١)، والمسألة مستقصاة في الأصول.
وقيل: هذه الرخصة كرامة شرعت للمسافر لإيمانه، والعاصي لا يخرج عن إيمانه؛ فاستحقه كالمطيع.
وفي بعض نسخ القدوري: والجمع بين الصلاتين للمسافر؛ يجوز فعلا لا وقتا، كالجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وبه قال النخعي، والمزني.
وعند الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤)، وأبو ثور ﵏: يجوز الجمع بينهما وقتًا للمسافر، وكذا للمقيم بعذر المطر، إلا عند مالك (٥) وأحمد (٦): يجوز الجمع بعذر المطر بين المغرب والعشاء.
стр. 1218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويعذر الوحل بلا مطر لا يجوز الجمع عند الشافعي (١). وعند مالك (٢)، وأحمد (٣): يجوز.
وبعذر المرض والخوف لا يجوز الجمع عند الشافعي (٤)، وقال أحمد: يجوز (٥).
وبغير العذر يجوز الجمع عند أحمد، وبه قال أشهب من أصحاب مالك، وابن سيرين، واختاره ابن المنذر، وأما الحجاج يجمعون بين الظهر والعصر بعرفات، والمغرب والعشاء بمزدلفة بالإجماع. كذا في الحلية (٦).
وصورة الجمع فعلا: أن يصلي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، والمغرب في آخر وقتها، والعشاء في أول وقتها.
ثم عند الشافعي في السفر مخير، إن شاء قدم العصر إلى وقت الظهر، والعشاء إلى وقت المغرب، وإن شاء أخر الظهر إلى وقت العصر، والمغرب إلى وقت العشاء، والأول أفضل (٧).
وفي شرح الوجيز: الأفضل للسائر في وقت صلاة الأولى تأخيرها إلى الثانية، والنازل في وقت الأولى تقديم الثاني، ثبت ذلك بفعله ﵇ (٨).
وفي المطر في الحضر؛ يقدم العصر والعشاء قولا واحدًا.
احتجوا بحديث معاذ أنه ﵊ جمع بين الظهر والعصر،
стр. 1219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمغرب والعشاء، في سفر إلى تبوك (١).
وعن عائشة ﵂ أنه ﵊ يجمع بين الصلاتين إذا جَدَّ به السفر (٢)، وكذا روي عن ابن عمر ﵄ (٣). وعنه أنه ﵊ جمع بينهما بعذر المطر. وعن ابن عباس ﵄ أنه ﵊ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير عذر (٤).
ولنا قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أي: في مواقيتها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أي: فرضًا.
وما روي عن ابن مسعود ﵄، أنه ﵊ قال: «من جمَعَ بين الصلاتين في وقت واحد فقد أتى بابا من الكبائر» (٥). وفي الصحيحين (٦) عن ابن مسعود قال: «والذي لا إله غيرُهُ ما أنه ﵇ صلى صلاة إلا لوقتها، إلا المغرب والصبح بمزدلفة». وقال عمر ﵁ (٧): من أكبر الكبائر الجمع بين الصلاتين، وحديث المواقيت.
وعن ابن عمر قال: ما جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء قط في السفر إلا مرة واحدة. رواه أبو داود (٨)؛ فنحمله على الجمع فعلا.
стр. 1220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأن الجمع بين الفجر والظهر والعصر والمغرب لا يجوز بالإجماع؛ لاختصاص كل منهما بوقت منصوص عليه، وكذا الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء؛ إذ وقتهما منصوص عليه أيضًا.
والجمع بعرفات ومزدلفة يثبت بخلاف القياس، فلا يتعدى إلى غيره.
وتأويل ما رووا؛ الجمع بينهما فعلا لا وقتا؛ لحديث نافع: خرجنا مع ابن عمر ﵂ فاستصرخ - أي أخبر بموت امرأته-، فجعل يسير حتى غربت الشمس، ونودي بالصلاة، فلم يلتفت حتى دنا في غيبوبة الشفق نزل فصلى المغرب، فوقف ساعة حتى غاب الشفق، ثم صلى العشاء، ثم قال: هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ إذا جد به السير.
وروي عن علي ﵁ مثله في أسفاره، والجمع على هذا الوجه سُنّة عندنا للمسافر، فيحمل كل ما روي في الجمع على هذا الوجه؛ جمعا بين الأحاديث.
قال أبو داود، والترمذي: ليس في تقديم الوقت حديث ثبت، وفي الحقيقة تبتني هذه المسألة على أصل؛ وهو أن بين وقت الظهر والعصر تداخل عنده، حتى إذا بلغ الصبي، أو أسلم الكافر في وقت العصر؛ يلزمهما قضاء الظهر عنده، وكذا بين المغرب والعشاء.
وعندنا: لا تداخل؛ لقوله ﵊: «لا يدخل وقتُ [صلاة] (١) حتى يخرج وقت صلاة أخرى» (٢) كذا في المبسوط، وفي الإيضاح (٣).
وقد قيل: الجمع بين الصلاتين فعلا بعذر المطر والسفر يجوز؛ إحرازًا لفضيلة الجماعة، وذلك بتأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل
стр. 1221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العشاء، والرخصة في المطر والطين والبرد الشديد؛ التخفيف بالصلاة في الرحال دون الجمع، كما قال ﵊: «إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال» (١).
قال محمد: النعال جمع نعل، وهو ما غلظ من الأرض.
وعن ابن عمر أنه ﵊ كان في سفر في ليلة ذات ظلمة ورعد، أو برد ومطر، فنادى منادي رسول الله ﷺ : «أن صَلُّوا في رحالكم».
رواه البيهقي في سننه الكبير (٢).
فروع
صبي وكافر سافرا، ثم أسلم الكافر وبلغ الصبي، فإن بقي إلى مقصدهما مسيرة سفر؛ قصرا، وإن لم يبق؛ فالكافر يقصر دون الصبي؛ لأن نية الكافر صحيحة؛ لأنه من أهله، بخلاف الصبي، وقال الفضيلي: حكمها حكم المقيم.
وقال بعض المشايخ: حكمهما حكم المسافر، والمختار: الأول.
ولو طهرت الحائض في السفر، وبينها وبين المقصد أقل من مسيرة سفر؛ تتم، هو الصحيح.
ارتد في السفر، ثم أسلم من ساعته، وبينه وبين المقصد أقل من مسيرة سفر؛ يقصر، وكذا المرأة لو طلقها زوجها بائنا أو رجعيا، وانقضت عدتها، وبينها وبين المقصد أقل من مدة السفر، فأما قبل انقضاء العدة؛ فحكمها في الرجعي حكم الزوج.
مسلم أسره العدو، إن كان مسيرة العدو مدة سفر؛ يقصر، وإلا فلا، وإن لم يعلم؛ يسأله، فإن سأله ولم يخبره؛ ينظر: إن كان العدو مسافرًا؛ يقصر،
стр. 1222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإلا فلا، وكذا العبد يسأل سيده.
مسافر دخل مصرًا، فحبسه غريمه، فإن كان معسرًا؛ يقصر، وإن كان موسرًا؛ إن عزم على الأداء أو لم يعزم شيئاً يقصر، وإن عزم أن لا يقضي دينه يتم.
وفي نوادر هشام: قال محمد: إن كان المحبوس يقدر على الأداء؛ فالنية إليه، وإلا فالنية للحابس، فإن نوى أن لا يخرجه خمسة عشر يوماً؛ يتم المحبوس (١).
ولا يكره الخروج للسفر يوم الجمعة قبل الزوال أو بعده، وقال الشافعي: يكره بعده قبل الجمعة. وقبل الزوال؛ له قولان أصحهما: أنه يكره (٢)، وهو قول أحمد (٣).
وقال في القديم: لا يكره، وهو قول مالك (٤).
ولو سافر في رمضان لا يكره، وإن كان يعلم أنه لا يخرج من مصره إلا بعد مضي الوقت؛ يلزمه أن يشهد الجمعة، ويكره له الخروج قبل أدائها.
ولو دخل دار الحرب مستأمناً، ونوى الإقامة في دارهم في موضع الإقامة؛ صحت نيته في حقه.
والأسير إذا انفلت من أيدي الكفار، وتوطن في غار أو سرب، ونوى الإقامة خمسة عشر يوماً؛ يقصر.
عبد أم مولاه مع جماعة مسافرين، فلما صلى ركعة نوى مولاه الإقامة؛ صحت نيته في حقه وفي حق عبده، ولا تظهر في حق القوم في قول محمد؛ فيصلي العبد ركعتين، ويقدم واحدًا من المسافرين ليسلم لهم، ثم يقوم والمولى ويتمان، فبماذا يعلم العبد بنية مولاه؟.
стр. 1223
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
قيل: يقوم المولى بإزاء العبد فينصب أصبعه أولا ويشير بأصبعيه، ثم ينصب أربع أصابع ويشير بأصابعه.
والعبد المشترك إذا سافر مع مولييه، ثم نوى أحدهما الإقامة؛ قيل: لا يصير العبد مقيما؛ لوقوع الشك في كونه مقيمًا.
وقيل: يصير مقيمًا؛ ترجيحا للإقامة احتياطا.
والغريم المفلس، يصير مقيمًا بنية صاحب الدين، والأعمى إن كان له قائد في السفر، فإن كان أجيرًا؛ تعتبر نية الأعمى، وإن متطوعًا؛ تعتبر نيته.
صلى الظهر في الوقت وسافر، ثم صلى العصر في وقته، ثم ترك السفر قبل الغروب، ثم علم أنه صلاهما بغير وضوء؛ يصلي الظهر ركعتين، والعصر أربعًا، ولو صلاهما في وقتهما ثم سافر قبل الغروب، ثم علم أنه صلاهما بغير وضوء؛ يصلي الظهر أربعًا، والعصر ركعتين.
(باب الجمعة)
تناسب البابين من حيث إن كلا منهما يتصف بواسطة؛ الأول: بواسطة السفر، والثاني: بواسطة الخطبة، إلا أن الأول شامل في كل ذوات الأربع. والثاني خاص في الظهر، والخاص بعد العام.
وفي المغرب: الجمعة من الاجتماع، كالفرقة من الافتراق، والنجعة من الانتجاع، وهو طلب الكلأ، والجمعة - بسكون الميم- في استعمال أهل اللسان، والقراء يضمون الميم، فيقرأون بعضهم بضمها، ثم أضيف إليها اليوم والصلاة، ثم كثر الاستعمال حتى حذف منها المضاف (١).
وصلاة الجمعة فريضة محكمة، جاحدها كافر بالإجماع، وهي فرض عين؛ إلا عند ابن كج من أصحاب الشافعي؛ فإنه يقول: فرض كفاية، وهو غلط. ذكره في الحلية، وشرح الوجيز (٢).
стр. 1224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتثبت فرضيتها بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى.
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاوةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، والمراد من الذكر في الآية: الخطبة باتفاق المفسرين، والأمر للوجوب، فإذا فرض السعي إلى الخطبة التي هي شرط جواز الصلاة؛ فإن أصل الصلاة كان أوجب.
ثم أكد الوجوب بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فحرّم البيع بعد النداء، وتحريم المباح لا يكون إلا من واجب.
وأما السنة؛ فحديث جابر وأبي سعيد قالا: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أَيُّها النَّاسُ، تُوبوا إلى ربِّكُم قبل أن تموتوا، وتقرَّبوا إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة قبل أن تَشغَلُوا، وتَحبَّبوا إليه بالصدقة في السِّرِ والعلانية؛ تُجْبَرُوا وَتُنْصَرُوا وتُرْزَقُوا، واعلموا أنَّ الله تعالى فرض عليكم الجمعة في يومي هذا، في شهري هذا، في مقامي هذا، فمن تركها تهاونا بها واستخفافا بحقها وله إمام عادل أو جائرٌ؛ ألا فلا جَمَعَ الله شمله، ولا بارك لَهُ في أمره، وإلا فلا صلاة له، ألا فلا زكاة له، ألا فلا صوم؛ إلَّا أن يتوب، فمن تاب تاب الله عليه» (١) وفي رواية: قال: «فريضة واجبة إلى يوم القيامة» (٢)(٣).
وروى ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وأبو قتادة، وأبو هريرة، وجابر،
стр. 1225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأنس ﵃ أنه قال: «من ترك ثلاث جمع متواليات من غير عذر؛ طبع الله على قلبه، ومن يطبع الله على قلبه؛ يجعله في أسفل درك جهنم» (١).
وبرواية أسامة: «من ترك الجمعة ثلاثا من غير علة؛ كتب من المنافقين» (٢).
وقال ابن عباس، وابن عمر: سمعنا رسول الله ﷺ يقول على أعواد المنبر: «لينتهين أقوام عن ترك الجمعة، أو ليختمن الله على قلوبهم، وليكونن من الغافلين» (٣).
وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا على فرضيتها من غير إنكار أحد، ولكن اختلفوا في أصل الفرض في هذا الوقت على ما يجيء.
وأما المعنى؛ فلأنا أمرنا بترك الظهر لإقامة الجمعة، والظهر فريضة، ولا يجوز ترك الفرض إلا لفرض هو آكد وأولى منه؛ فدل على أن الجمعة آكد من الظهر في الفريضة. كذا في المبسوطين (٤).
اختلف العلماء في أصل الفرض في هذا الوقت؛ فقال الشافعي في
стр. 1226
(لَا تَصِحُ الجُمُعَةُ إِلَّا فِي مِصْرِ جَامِعٍ، أَوْ فِي مُصَلَّى المِصْرِ، وَلَا تَجُوزُ فِي القُرَى) لِقَوْلِهِ
الجديد (١)، وزفر، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، ومحمد في رواية: فرض الوقت الجمعة، والظهر بدل عنه. وقال أبو يوسف، والشافعي في القديم: فرض الوقت الظهر، وإنما أمر غير المعذور بإسقاطه بأداء الجمعة.
وقال محمد في رواية: فرضه أحدهما غير عين، والتعيين إليه، ولكن رخص في أداء الظهر.
وفائدة الخلاف: تظهر في حرمتهم، أدى الظهر في أول الوقت؛ يجوز مطلقا، حتى لو خرج بعد أداء الظهر إليها أو لم يخرج إليها؛ لم يبطل فرضه، وعندهم: لا يجوز الظهر، سواء أدرك الجمعة أو لا، خرج إليها أو لا، والمسألة مستقصاة في الأصول.
وإنما ذكر قوله: (ولا تجوز في القرى) مع أنه مستفاد من قوله: (لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع)؛ نعتا لمذهب الشافعي ﵀؛ فإنه لا يشترط المصر، بل يجوزها في كل موضع إقامة يسكنه أربعون رجلاً أحرارًا، لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا (٤)، وبه قال أحمد (٥). وقال مالك: تقام مع أقل من أربعين (٦).
وعن الحسن بن زياد ولو نزل الخليفة أو أمير العراق في المنازل التي بطريق مكة كالثعلبية ونحوها جمع.
стр. 1227
﵊: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا فِطْرَ وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» وَالمِصْرُ الجَامِعُ: كُلُّ مَوْضِعِ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ … ... … ... … ... … ... .
وعن ابن عمر: أنه كان يرى أهل المياه والمناهل يجمعون، فلا يعيب ذلك.
احتجوا بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، فإنه لم يُفَصِّل. وبما روي أن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد المدينة بجواثاء؛ قرية من قرى عامر ابن عبد القيس بالبحرين.
وكتب أبو هريرة إلى عمر يسأله عن الجمعة بها، فكتب إليه أن جمع بها وحيث ما كنت.
وروى أبو داود وابن ماجه (١)، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره عن أبيه - عن كعب ابن مالك: أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زيادة، فقلت له: مالك إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زيادة؟، قال: لأنه أول من جمع بنا في هذا البيت من حرة بني بياضة.
قلت له: كم أنتم؟ قال: أربعون.
وقال أبو ثور: الجمعة كسائر الفرائض؛ إلا أنه يعتبر فيها الخطبة، فإن كان هناك مأموم وخطيب؛ أقيمت الجمعة لما روينا (٢).
ولنا: الحديث المذكور في الكتاب، ولأن الصحابة حين فتحوا الأمصار والقرى؛ ما اشتغلوا بنصب المنابر وبناء الجمع إلا في الأمصار، وذلك اتفاق منهم على أن المصر شرطها.
وروي أنه ﵊ قال: «فُرِضَتِ الجُمعَةُ عَلى أَهلِ الأمصار
стр. 1228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دون أهل القرى إلا على أربعة: المريض، والخائف، والمسافر، والمرأة» (١)، وفي رواية: «العبد» أيضا.
وأما الآية ليست بحجة له؛ لأن المكان مضمر فيها بالإجماع، حتى لا يجوز إقامة الجمعة في البوادي بالإجماع، فنحن نضمر المصر وهو موضع إقامة أربعين أحرارًا، وتسميته جمعة يرجح قولنا؛ لأنها جامعة للجماعات، حتى وجب ترك الجماعات يوم الجمعة، وفي قرية يسكنها أربعون رجلا لا يتصور جمع الجماعات؛ لأن جماعتهم واحدة غالبًا.
وأما جواثاء فمصر بالبحرين، واسم القرية ينطلق على البلدة كما قال الله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]. ومعنى قول عمر ﵁: (حيث ما كنت)؛ أي: من مثل جواثاء من الأمصار.
وأما حديث أسعد بن زرارة؛ فالظاهر: أنه جمع بهم بعد رسول الله ﷺ ؛ لأن في زمانه ﵊ لم تقم جمعة إلا في مسجده ﵊.
يؤيد هذا: أن عائشة قالت: كان الناس يأتون الجمعة من منازلهم من العوالي، وأقرب العوالي من المدينة على ثلاثة أميال، وهزم النبيت على ميل، فإذا جاؤوا من العوالي، فمن هزم النبيت أولى، ولا يقال: لم لم تقم في قرى المدينة لينالوا فضيلة الجماعة مع النبي ﷺ ؟ لأنه لا يجوز؛ لأنا نقول: لأنه ﵊ لم يأمر بها في القرى النائية عن المدينة، مع تعذر الحضور والمشقة فيه، ولو جاز لأمر بها كما أمر بالجماعة في مساجد المدينة، مع فوات فضيلة الصلاة معه ﵊، وبقولنا قال سحنون من أصحاب مالك (٢).
стр. 1229
يُنَفِّذُ الأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الحُدُودَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ إِذَا
ثم اختلف في تفسير المصر؛ فعن أبي يوسف: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود؛ فهو مصر، مع أنه يستفاد من قوله: (ينفذ الأحكام)؛ لزيادة خطر الحدود وعلو شأنها، أو لأنه لا يلزم من تنفيذ الأحكام إقامة الحدود؛ لجواز قضاء المرأة في كل شيء إلا الحدود.
(وعنه)؛ أي: عن أبي يوسف (أنهم)؛ أي: من تجب عليهم الجمعة، لا كل من يسكن في ذلك الموضع من الصبيان والنسوان، فإنه نسب في المبسوط هذا القول إلى ابن شجاع؛ أحسن ما قيل فيه: أنه إذا كان أهلها بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يُسمِعْهُم، حتى احتاجوا إلى بناء مسجد آخر للجمعة (١).
وإنما يكون هذا الاحتياج غالبًا عند اجتماع من عليه الجمعة؛ لأنهم هم الذين يجتمعون عادة.
اختيار البلخي؛ قال أبو عبد الله البلخي: هذا أحسن ما قيل فيه (٢).
وفي الْمُجْتَبى: وعليه أكثر الفقهاء، وروى أبو بكر عن أبي حنيفة: أن المصر الجامع؛ ما يجتمع فيه مرافق أهلها دينا ودنيا (٣).
وقال سفيان الثوري: ما يعده الناس مصرا.
وقيل: ما له رساتيق.
وقيل: ما لا ينسب إلى غيره.
وقيل: ما يمكن كل صانع أن يعيش بصنعته فيه، ولا يحتاج إلى التحول إلى صنعة أخرى.
وفي المستصفى: وأحسن ما قيل فيه: إذا يوجد فيه حوائج الدين؛ وهو القاضي، والمفتي، والسلطان، ويوجد فيه عامة حوائج الدين؛ فهو مصر جامع،
стр. 1230
اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ لَمْ يَسَعْهُمْ، وَالأَوَّلُ اخْتِيَارُ الكَرْخِي وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الثَّلْجِيِّ (*)، وَالحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى المُصَلِّي، بَلْ تَجُوزُ فِي
وإلا فلا. كذا قاله فخر الإسلام (١).
وفي شرح الإرشاد: روى ابن شجاع عن أبي يوسف: كل قرية اجتمع فيها عشرة آلاف رجل أو أكثر؛ فهو مصر جامع (٢).
وظاهر المذهب مأخذه الكتاب، ثم إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين لا تجوز عند أبي حنيفة، ولو صلوا فالجمعة لأسبقهم، وإن وقعتا معًا؛ فسدت صلاتهم، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤). كذا في المحيط (٥)، والحقائق.
وفي واقعات قاضي خان، وشرح الإرشاد: لا رواية عن أبي حنيفة (٦).
وجهه: أنه ﵊ والخلفاء بعده ما أقاموها إلا في مسجد واحد، مع امتداد الزمان واختلاف الأوقات، ولو كان جائزا لفعلوها في بعض الأوقات؛ تعليمًا للجواز.
وعن ابن عمر أنه قال: لا جمعة إلا في المسجد الأكبر الذي فيه الإمام، ولأن المقصود من الجمعة جمع الجماعات، حتى يظهر لأعداء الدين اجتماع كلمة المسلمين، فإذا أديت في موضعين؛ ربما أدى إلى الفتنة ووقوع العداوة بين المسلمين.