← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

(لَا تَصِحُ الجُمُعَةُ إِلَّا فِي مِصْرِ جَامِعٍ، أَوْ فِي مُصَلَّى المِصْرِ، وَلَا تَجُوزُ فِي القُرَى) لِقَوْلِهِ الجديد (١)، وزفر، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، ومحمد في رواية: فرض الوقت الجمعة، والظهر بدل عنه. وقال أبو يوسف، والشافعي في القديم: فرض الوقت الظهر، وإنما أمر غير المعذور بإسقاطه بأداء الجمعة. وقال محمد في رواية: فرضه أحدهما غير عين، والتعيين إليه، ولكن رخص في أداء الظهر. وفائدة الخلاف: تظهر في حرمتهم، أدى الظهر في أول الوقت؛ يجوز مطلقا، حتى لو خرج بعد أداء الظهر إليها أو لم يخرج إليها؛ لم يبطل فرضه، وعندهم: لا يجوز الظهر، سواء أدرك الجمعة أو لا، خرج إليها أو لا، والمسألة مستقصاة في الأصول. وإنما ذكر قوله: (ولا تجوز في القرى) مع أنه مستفاد من قوله: (لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع)؛ نعتا لمذهب الشافعي ﵀؛ فإنه لا يشترط المصر، بل يجوزها في كل موضع إقامة يسكنه أربعون رجلاً أحرارًا، لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا (٤)، وبه قال أحمد (٥). وقال مالك: تقام مع أقل من أربعين (٦). وعن الحسن بن زياد ولو نزل الخليفة أو أمير العراق في المنازل التي بطريق مكة كالثعلبية ونحوها جمع.

стр. 1227

﵊: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا فِطْرَ وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» وَالمِصْرُ الجَامِعُ: كُلُّ مَوْضِعِ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ … ... … ... … ... … ... . وعن ابن عمر: أنه كان يرى أهل المياه والمناهل يجمعون، فلا يعيب ذلك. احتجوا بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، فإنه لم يُفَصِّل. وبما روي أن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد المدينة بجواثاء؛ قرية من قرى عامر ابن عبد القيس بالبحرين. وكتب أبو هريرة إلى عمر يسأله عن الجمعة بها، فكتب إليه أن جمع بها وحيث ما كنت. وروى أبو داود وابن ماجه (١)، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره عن أبيه - عن كعب ابن مالك: أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زيادة، فقلت له: مالك إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زيادة؟، قال: لأنه أول من جمع بنا في هذا البيت من حرة بني بياضة. قلت له: كم أنتم؟ قال: أربعون. وقال أبو ثور: الجمعة كسائر الفرائض؛ إلا أنه يعتبر فيها الخطبة، فإن كان هناك مأموم وخطيب؛ أقيمت الجمعة لما روينا (٢). ولنا: الحديث المذكور في الكتاب، ولأن الصحابة حين فتحوا الأمصار والقرى؛ ما اشتغلوا بنصب المنابر وبناء الجمع إلا في الأمصار، وذلك اتفاق منهم على أن المصر شرطها. وروي أنه ﵊ قال: «فُرِضَتِ الجُمعَةُ عَلى أَهلِ الأمصار

стр. 1228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . دون أهل القرى إلا على أربعة: المريض، والخائف، والمسافر، والمرأة» (١)، وفي رواية: «العبد» أيضا. وأما الآية ليست بحجة له؛ لأن المكان مضمر فيها بالإجماع، حتى لا يجوز إقامة الجمعة في البوادي بالإجماع، فنحن نضمر المصر وهو موضع إقامة أربعين أحرارًا، وتسميته جمعة يرجح قولنا؛ لأنها جامعة للجماعات، حتى وجب ترك الجماعات يوم الجمعة، وفي قرية يسكنها أربعون رجلا لا يتصور جمع الجماعات؛ لأن جماعتهم واحدة غالبًا. وأما جواثاء فمصر بالبحرين، واسم القرية ينطلق على البلدة كما قال الله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]. ومعنى قول عمر ﵁: (حيث ما كنت)؛ أي: من مثل جواثاء من الأمصار. وأما حديث أسعد بن زرارة؛ فالظاهر: أنه جمع بهم بعد رسول الله ﷺ ؛ لأن في زمانه ﵊ لم تقم جمعة إلا في مسجده ﵊. يؤيد هذا: أن عائشة قالت: كان الناس يأتون الجمعة من منازلهم من العوالي، وأقرب العوالي من المدينة على ثلاثة أميال، وهزم النبيت على ميل، فإذا جاؤوا من العوالي، فمن هزم النبيت أولى، ولا يقال: لم لم تقم في قرى المدينة لينالوا فضيلة الجماعة مع النبي ﷺ ؟ لأنه لا يجوز؛ لأنا نقول: لأنه ﵊ لم يأمر بها في القرى النائية عن المدينة، مع تعذر الحضور والمشقة فيه، ولو جاز لأمر بها كما أمر بالجماعة في مساجد المدينة، مع فوات فضيلة الصلاة معه ﵊، وبقولنا قال سحنون من أصحاب مالك (٢).

стр. 1229

يُنَفِّذُ الأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الحُدُودَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ إِذَا ثم اختلف في تفسير المصر؛ فعن أبي يوسف: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود؛ فهو مصر، مع أنه يستفاد من قوله: (ينفذ الأحكام)؛ لزيادة خطر الحدود وعلو شأنها، أو لأنه لا يلزم من تنفيذ الأحكام إقامة الحدود؛ لجواز قضاء المرأة في كل شيء إلا الحدود. (وعنه)؛ أي: عن أبي يوسف (أنهم)؛ أي: من تجب عليهم الجمعة، لا كل من يسكن في ذلك الموضع من الصبيان والنسوان، فإنه نسب في المبسوط هذا القول إلى ابن شجاع؛ أحسن ما قيل فيه: أنه إذا كان أهلها بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يُسمِعْهُم، حتى احتاجوا إلى بناء مسجد آخر للجمعة (١). وإنما يكون هذا الاحتياج غالبًا عند اجتماع من عليه الجمعة؛ لأنهم هم الذين يجتمعون عادة. اختيار البلخي؛ قال أبو عبد الله البلخي: هذا أحسن ما قيل فيه (٢). وفي الْمُجْتَبى: وعليه أكثر الفقهاء، وروى أبو بكر عن أبي حنيفة: أن المصر الجامع؛ ما يجتمع فيه مرافق أهلها دينا ودنيا (٣). وقال سفيان الثوري: ما يعده الناس مصرا. وقيل: ما له رساتيق. وقيل: ما لا ينسب إلى غيره. وقيل: ما يمكن كل صانع أن يعيش بصنعته فيه، ولا يحتاج إلى التحول إلى صنعة أخرى. وفي المستصفى: وأحسن ما قيل فيه: إذا يوجد فيه حوائج الدين؛ وهو القاضي، والمفتي، والسلطان، ويوجد فيه عامة حوائج الدين؛ فهو مصر جامع،

стр. 1230

اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ لَمْ يَسَعْهُمْ، وَالأَوَّلُ اخْتِيَارُ الكَرْخِي وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الثَّلْجِيِّ (*)، وَالحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى المُصَلِّي، بَلْ تَجُوزُ فِي وإلا فلا. كذا قاله فخر الإسلام (١). وفي شرح الإرشاد: روى ابن شجاع عن أبي يوسف: كل قرية اجتمع فيها عشرة آلاف رجل أو أكثر؛ فهو مصر جامع (٢). وظاهر المذهب مأخذه الكتاب، ثم إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين لا تجوز عند أبي حنيفة، ولو صلوا فالجمعة لأسبقهم، وإن وقعتا معًا؛ فسدت صلاتهم، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤). كذا في المحيط (٥)، والحقائق. وفي واقعات قاضي خان، وشرح الإرشاد: لا رواية عن أبي حنيفة (٦). وجهه: أنه ﵊ والخلفاء بعده ما أقاموها إلا في مسجد واحد، مع امتداد الزمان واختلاف الأوقات، ولو كان جائزا لفعلوها في بعض الأوقات؛ تعليمًا للجواز. وعن ابن عمر أنه قال: لا جمعة إلا في المسجد الأكبر الذي فيه الإمام، ولأن المقصود من الجمعة جمع الجماعات، حتى يظهر لأعداء الدين اجتماع كلمة المسلمين، فإذا أديت في موضعين؛ ربما أدى إلى الفتنة ووقوع العداوة بين المسلمين.

стр. 1231

جَمِيعِ أَفْنِيَةِ المِصْرِ؛ وقال أبو يوسف: لا تجوز في موضعين في المصر، إلا أن يكون فيه نهر جار كبغداد؛ فيجوز في جانبيه، وجعل كالمصرين للحاجز، وقد كان يأمر بقطع الجسر ليتحقق الفصل (١). وعنه: إنما تجوز في موضعين إذا كان المصر عظيمًا، وبه قال أحمد (٢)، وثلاثة أيضًا في رواية؛ لأنا لو كلفناهم الاجتماع في مسجد واحد أدى إلى المشقة، وربما لا يحتملهم المكان فتفوتهم الصلاة. وقال محمد: يجوز في موضعين وأكثر، وبه قال أحمد، وهو رواية عن أبي حنيفة؛ لما روي عن علي ﵁ أنه كان يخرج إلى المصلى يوم العيد ماشيًا بالكوفة، ويستخلف بالكوفة من يصلي بضعفة الناس، فدل على جواز صلاة العيد في موضعين، والخلاف فيها وفي الجمعة واحد. ولأنه قد يكون المصر متباعد الأطراف، فينبغي أن يجوز في المواضع دفعًا للحرج. كذا في شرح الإرشاد (٣). وفي المبسوط: والصحيح من مذهب أبي حنيفة ومحمد؛ جواز إقامتها في المواضع، وبه يأخذ شمس الأئمة؛ لقوله ﵊: «لا جمعة ولا تشريق ولا أضحى إلا في مصر جامع» (٤)؛ شرط المصر لإقامتها، وهو موجود في حق كل فريق (٥). قال المحسن: لما ابتلى أهل مرو بإقامة الجمعة في الموضعين مع اختلاف العلماء في جوازها، والجمعة السابقة أو المسبوقة باطلة، وكذا لو وقعتا معًا

стр. 1232

لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي حَوَائِجِ أَهْلِهِ. فسدتا عند البعض، أُمِرَ أَئِمَّتُهُمْ بأداء الأربع بعد الجمعة حتما احتياطا (١)، ثم اختلفوا في نيتها؛ قيل: ينوي ظهر يومه. وقيل: آخر ظهر عليه، وهو الأحسن. والأحوط أن يقول: آخر ظهر أدركت وقته ولم أُصَلِّهِ بعد، ثم يصلي أربعًا بنية السنة. واختلفوا في قراءة السورة في الأخريين، وكذا في كل صلاة تقضى احتياطا؛ وقيل: يقرأ. وقيل: لا يقرأ، والمختار عندي: أنه يحكم برأيه. واختلفوا في مراعاة الترتيب بين الأربع بعد الجمعة وبين العصر؛ حيث اختلافهم في نيته. واختلفوا بماذا يعتبر سبق الجمعة؟ قيل: بالشروع، وبه قال الشافعي في قول (٢)، مالك (٣). وقيل: بالفراغ، وبه قال الشافعي في قول آخر، وأحمد (٤). وقيل: بهما، والأول أصح. كذا في القنية (٥). (لأنها)؛ أي: الأفنية. (بمنزلته)؛ أي: بمنزلة المُصلّى، وبه قال أحمد (٦).

стр. 1233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الشافعي: لا تجوز إقامتها في مصلى العيد، وفي الموضع الذي إذا انتهى إليه من ينشئ السفر من البلد؛ كان له القصر، قياسًا على الموضع البعيد من البلد (١). ثم اختلف أصحابنا في قدر الفناء؛ فقدره محمد في النوادر بالغلوة، وأبو يوسف بميل أو بميلين، وبعضهم بمنتهى حد الصوت، واختار شيخ الإسلام، وشمس الأئمة قول محمد (٢). والغلوة: مقدار ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع. كذا في المحيط (٣). وقال أبو بكر: لا يجوز في موضع يكون منقطعًا عن العمران. قال أبو الليث: وبه نأخذ (٤). أما القرى الخارجة عن المصر؛ فقال أبو حنيفة: يجب على القرى التي يجيء خراجها مع خراج المصر دون غيرها؛ للتبعية. وقال أبو يوسف: يجب على من هو في المصر دون غيرها للتبعية، ببعد ثلاثة فراسخ. وعنه: أنها تجب على كل من كان داخل الحد؛ الذي لو فارقه يثبت له حكم الفطر، ومن وصل إليه؛ يثبت له حكم الإقامة، وهو أصح ما قيل فيه؛ لأن الجمعة على أهل المصر بالنص، وأهله من كان في هذا الحد. وقال محمد: تجب الجمعة على أهل قرية، يسمعون أذان الجمعة من أعلى موضع في الجامع، وهو رواية عن أبي يوسف، وبه قال

стр. 1234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشافعي (١)، وأحمد (٢)؛ لعموم قوله ﵊: «الجمعة على من يسمع النداء» (٣). وقال مالك: تجب على من كان بقدر ثلاثة أميال من المصر (٤). وفي الحقائق: والفتوى على قوله. وعن الزهري: بقدر ستة أميال. وعن ربيعة: بقدر أربعة أميال. وعن أبي يوسف، وأبي ثور: تجب على من يبيت في أهله بعد أداء الجمعة، وإلا فلا، وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس ﵃. وقال بعض المشايخ: إذا كان بينه وبين الجامع مقدار فرسخين؛ تجب. وقال الحسن البصري ﵀: تجب من مقدار أربعة فراسخ. وفي فتاوى العصر: مصلي الجمعة في الرستاق لا ينوي الفرض؛ بل ينوي صلاة الإمام، ثم يصلي الظهر، وأيهما قدم؛ جاز في الرستاق الذي لا تجب فيه الجمعة بالاتفاق (٥). قال صاحب القنية: وفيه إشارة إلى أنه يؤخر الظهر فيما اختلف [منه] (٦) في وجوبها. قال: ويلزمه حضور الجمعة في القرى، ويعمل بقول علي ﵁: إياك وما

стр. 1235

(وَتَجُوزُ بِمِنَى إِذَا كَانَ الأَمِيرُ أَمِيرَ الحِجَازِ، أَوْ كَانَ الخَلِيفَةُ مُسَافِرًا عِنْدَ أَبِي يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكرًا يطيق أن يسمعه عذرًا. قوله: (أو كان الخليفة مسافرًا)؛ قيد به؛ إما للتنبيه على أنه لو كان مقيمًا كان الجواز بالطريق الأولى؛ لما أن المسافر لا جمعة عليه، وأما لنفي شبهة؛ وهي أن الخليفة إذا كان مسافرًا لا يقيم الجمعة، كما إذا كان أمير الموسم مسافرًا، فذكره ليعلم أن حكم الخليفة على خلاف حكم أمير الموسم؛ لكن شرط أن يكون الإمام مقيمًا أو خليفة، أو الخليفة والسلطان إذا طاق ولايته؛ يجب عليه الجمعة في كل مصر دخل؛ لأن إمامة غيره بأمره تجوز، فإمامته أولى وإن كان مسافرًا. وفيها وجه آخر: وهو أن من فناء مكة، فإنه من الحرم، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ سماه باسم الكعبة؛ لكونه تبعًا، لما أن الهدايا والضحايا تنحر بمنى لا بمكة. وإقامة الجمعة كما تجوز في المصر؛ تجوز في فنائه، وأما عرفات: فليس من فناء مكة، بل هي من الحلّ، وبينها وبين مكة أربعة فراسخ. ذكره في جامع قاضي خان، والفوائد الظهيرية (١)، فلا تجب الجمعة فيها بإجماع الأئمة الأربعة. وفي المحيط: من المشايخ من قال: إنما تجوز الجمعة بمنى عندهما؛ لأنها من أفنية مكة (٢)، وهو فاسد؛ إلا على قول مَنْ يُقَدِّر الفناء بفرسخين؛ [لأن بين مكة ومنى فرسخين] (٣). وقال محمد في الأصل: إذا نوى الإقامة بمكة ومنى خمسة عشر يومًا؛ لا يصير مقيمًا (٤)، فعلم بهذا أنهما موضعان، إنما الصحيح أنهما بمصر في أيام

стр. 1236

حنيفة وأبي يوسف، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا جُمُعَةَ بِمِنّى (*) لِأَنَّهَا مِنْ القُرَى، حَتَّى لَا يُعَيَّد بِهَا. وَلَهُمَا: أَنَّهَا تَتَمَصَّرُ فِي أَيَّامِ المَوْسِمِ، وَعَدَمُ التَّعْبِيدِ لِلتَّخْفِيفِ، وَلَا جُمُعَةَ بِعَرَفَاتٍ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهَا قَضَاءٌ وَبِمِنّى أَبْنِيَةٌ. وَالتَّقْبِيدُ بِالخَلِيفَةِ وَأَمِيرِ الحِجَازِ؛ لِأَنَّ الوِلَايَةَ لَهُمَا، أَمَّا أَمِيرُ المَوْسِمِ، فَيَلِي أُمُورَ الحَجِّ لَا غَيْرُ. (وَلَا يَجُوزُ إِقَامَتُهَا إِلَّا لِلسُّلْطَانِ أَوْ لِمَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ) لِأَنَّهَا تُقَامُ بِجَمْعِ الموسم، فلهذا اختاره المصنف. (وعدم التعييد)؛ أي: لا يصلي فيها صلاة العيد. (للتخفيف)؛ لاشتغال الحاج بأعمال المناسك؛ من الرمي، والذبح، والحلق في ذلك اليوم، فرفع عنهم صلاة العيد بخلاف الجمعة؛ لأنها لا يتفق كل سنة مجيء الجمعة في أيام الموسم بمنى. كذا في جامع البرهاني (١)، وبقول محمد قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣). قوله: (إلا للسلطان)؛ المراد من السلطان الخليفة؛ لأنه أراد به الوالي الذي ليس فوقه والي، وهو الخليفة. قال الشافعي: السلطان وإذنه ليس بشرط لصحتها، ولكن السنة لا تقام إلا بإذن السلطان (٤)، وبه قال مالك (٥)، وأحمد ﵏ في رواية. وفي رواية أخرى عن أحمد: أنه شرط (٦)، كمذهبنا.

стр. 1237

عَظِيمٍ، وَقَدْ تَقَعُ المُنَازَعَةُ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّقْدِيمِ، للشافعي: ما روي أن عليا ﵁ صلى الجمعة بالناس حين كان عثمان محصورا، ولم يرو أنه صلى بإذن عثمان ولأنها مكتوبة كسائر الصلوات؛ فلا يشترط لإقامتها السلطان كما في سائر الصلوات. ولنا: قوله ﵊: «أربع إلى الولاة: الفيء، والصَّدقَاتُ، والحدود، والجمعات» (١)، وفي رواية: ذكر العيدين. وما روي في حديث جابر أنه ﵊ قال: «من تركها استخفافا بها وله إمام عادل أو جائر» (٢)؛ ألحق الوعيد الشديد بتركها بشرط أن يكون له إمام، والمراد به: السلطان؛ لأنه وصفه بالعدل أو الجور، وذلك إنما يتحقق بالسلطان. وأما الاحتجاج بحديث علي؛ فلا يصح؛ لاحتمال أنه فعل ذلك بإذن عثمان ﵁ وإن لم ينقل، والمحتمل لا يصلح حجة، ولو فعل بغير إذنه إنما فعل؛ لأن الناس اجتمعوا عليه، وعند ذلك يجوز حتى روى ابن سماعة عن محمد مات والي المصر، فولى أهله رجلا يصلي بهم الجمعة والعيد حتى يقوم عليهم وال آخر؛ جاز ذلك، وكذا لو قهرهم رجل ظلمًا وجمع معهم؛ جاز، فإجماعهم على الحق، وتوليتهم عليا ﵁ أولى أن يجوز. كذا روي عن أبي موسى، والحسن البصري. وفي فتاوى الكبرى: صلاة الجمعة خلف المتغلب الذي لا منشور له من الخليفة؛ تجوز إن كانت سيرتة سيرة الأمراء، يحكم فيما بين رعيته بحكم الولاية؛ لأن بهذا يثبت السلطنة (٣). وفي فتاوى العتابي: لكن الأنكحة لا تجوز بتزويجه (٤). وفيه: اجتمع الناس على رجل يجمع بهم بغير أمر القاضي وصاحب الشرط؛ لا يجوز، وعن محمد: يجوز.

стр. 1238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الْمُجْتَبى: قال أبو بكر: لا يعرف جواز الجمعة خلف المتغلب عن أصحابنا، وإنما هو شيء ذكره الطحاوي، لكن السلطان إذا كان فاسقا؛ جاز أن يجتمعوا على رجل يجمع بهم بعد موته (١). قال الجلابي: ما ذكره من رواية ابن سماعة عن محمد موافق لقول الطحاوي. وقال أصحابنا: لو مات سلطان بلد، فولَّى أهله أميرًا ينفذ الأحكام والحدود، أو قاضيًا؛ جاز، وصار سلطانا أو قاضيا بإجماعهم. ولو غلب عليهم الخوارج، فولُّوا رجلا من أهل العدل للقضاء؛ جاز أحكامه. وفي فتاوى الحصري: لو أقدم أهل بلد مهملة على رجل يرفعون إليه الحوادث، ويلتمسون منه فصل الخصومات؛ صار قاضيًا وأميرًا، وهذا جواب واقعة ابتلي به المسلمون بعد هذا الاستيلاء العام؛ أن من يلي أمرهم ينفذ أحكامهم فيرفعون إليه الحوادث، واتفاقهم عليه يصير قاضيًا وأميرًا بإجماعهم، لا ينصب من ليس له ولاية النصب والتولية. وفي الملتقط: البلاد التي في أيدي الكفار؛ بلاد سلام لا بلاد حرب؛ لأنها غير مباحة بدار الحرب، ولأنهم لم يظهروا فيها حكم الكفر؛ بل القضاة مسلمون، والولاة مسلمون، يطيعونهم عن ضرورة، وإن كان عن غير ضرورة فكذلك أيضًا، وكل مصر فيه وال من جهتهم؛ يجوز له إقامة الجمعة والأعياد، وجمع الخراج وتقليد القضاة؛ لاستيلاء المسلم عليهم، وأما طاعتهم فموادعة ومخادعة. وأما بلاد عليها ولاة كفار؛ يجوز للمسلمين إقامة الجمعة، ويصير القاضي قاضيًا بتراضي المسلمين، ويجب عليهم أن يلتمسوا واليا مسلما (٢).

стр. 1239

وَقَدْ تَقَعُ فِي غَيْرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنهُ تَتْمِيمًا لِأَمْرِهِ. وفي المجرد عن أبي حنيفة: لو مات والي مصر، فاجتمعت العامة على تقديم رجل يصلي بهم الجمعة بلا أمر الخليفة والقاضي وصاحب الشرط، الخليفة ميت؛ فلا جمعة لهم (١). وفي نوادر ابن رستم: صحت جمعتهم. وفي المبسوط: هو الصحيح؛ لاجتماع الناس على علي ﵁ حين أحصر عثمان ﵁ (٢). وفي فتاوى الظهيرية: الإمام إذا منَعَ أهل المصر أن يجمعوا؛ لم يجمعوا (٣). قال الهندواني: هذا إذا منعهم بسبب من الأسباب، أما إذا منعهم تعتًّا أو إضرارًا بهم؛ يجوز أن يجتمعوا على رجل ليصلي بهم الجمعة. (في غيره)؛ أي: في غير أمر التقدم والتقديم؛ كالأداء في أول الوقت أو آخره، ونصب الخطيب. (فلا بدَّ منه)؛ أي: من الإمام. (تتميما لأمره)؛ أي: لأمر أداء الجمعة أو لأمر الإمام؛ لأنه فرض عليه إقامتها. وفي المبسوط: يشترط الإذن العام، حتى إن السلطان إذا صلى بحشمه في قصره، فإن فتح باب القصر وآذن للناس إذنًا عامًا؛ جازت الصلاة، شهدها العام أو لا، وقد أساء، فإن لم يفتح باب قصره، ولم يأذن لهم بالدخول؛ لا يجزئه؛ لأن اشتراط السلطان للتحرز عن تفويتها على الناس؛ بوقوع المنازعة في التقدم والتقديم، وذلك لا يحصل إلا بالإذن العام، فكما تحتاج العامة إلى السلطان في إقامتها؛ يحتاج السلطان إليهم بأن أذن لهم إذنًا عامًا، بهذا يعتدل النظر من الجانبين (٤). وذكر في الجامع، والتحفة: أمير جمع جنده في الحصن وغلق أبوابه، ولم

стр. 1240

(وَمِنْ شَرَائِطِهَا: الوَقْتُ، فَتَصِحُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَلَا تَصِحُ بَعْدَهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا مَالَت الشَّمْسُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ الجُمُعَةَ» (وَلَوْ خَرَجَ الوَقْتُ يأذن للعامة بالدخول؛ لا يجوز جمعته (١). وفي الْمُجْتَبى: لو أمر إنسانًا يجمع بهم في الجامع، وجمع هو في مسجد آخر؛ جاز لأهل الجامع دون المسجد، إلا إذا علم بذلك (٢). قوله: (ولا تصح بعده): وكان مالك يقول: تجوز إقامتها في وقت العصر؛ بناء على تداخل الوقتين على مذهبه (٣)، وعند أحمد: يجوز إقامتها قبل الزوال (٤). وقال بعض أصحابه: أول وقتها؛ وقت صلاة العيد (٥). وقال بعضهم: تجوز في الساعة السادسة؛ لما روى ابن مسعود أنه ﵊ أقام الجمعة ضحى (٦). ولنا، وللشافعي، وللجمهور: ما روي أنه ﵊ كان بعث مصعب بن عمير إلى المدينة قبل هجرته، وقال له: «إذا مالت الشمس صل بالنَّاسِ الجمعة» (٧). قيل: هذا الحديث ما وجد في كتب الحديث؛ بل روى البخاري عن أنس قال: إنه ﵊ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وهذا هو المشهور عن فعل السلف والخلف.

стр. 1241

وَهُوَ فِيهَا اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ وَلَا يَبْنِيهِ عليهِ) لِاخْتِلَافِهِمَا. أجيب: وجد أنه في كتب الحديث ليس بشرط، ويجوز النقل بالمعنى، ولأنه ظهر مقصود لقول عائشة ﵂: إنما قصرت الصلاة لمكان الخطبة، فيكون مؤقتا بوقته. وما روى ابن مسعود أنه ﵊ صلاها ضحى؛ معناه بالقرب منه؛ لأنه ﵊ يصليها بعد الزوال، وكذا أمر مصعبا، ومقصود الراوي: أنه ﵊ صلى بعد الزوال وما أخرها. كذا في المبسوطين (١). (وهو فيها)؛ أي: في الجمعة. (وَلَا يَبْنِيهِ عليهِ)؛ أي: لا يبني الظهر على الجمعة. (لاختلافهما)، أي: الظهر والعصر، فإن العبد إذا أذن له مولاه؛ يخير بين الظهر والجمعة، مع تعيين يسر القلة في الجمعة، ولو لم يكونا مختلفين؛ لما خير بين الكثير والقليل العبد، كما في جناية المدبر؛ حيث يجب على مولاه الأقل من الأرش والقيمة من غير خيار؛ لاتحادهما في المالية، ولأنهما يختلفان حالا؛ فإن الجمعة تتوقف على شروط لا يتوقف الظهر عليها، وقد علم في باب صفة الصلاة: أن الفرض لا يبنى على تحريم فرض آخر على أصح الروايات. وقال أحمد (٢)، ومالك (٣) - رحمهما الله-: يتمها جمعة؛ فإن ابتداءها يجوز في وقت العصر عندهما، فكذا بقاؤهما. وقال الشافعي: يتمها ظهراً؛ لأنها غير مقصورة، قصر كما يقصر في السفر، فجاز بناء أكملها على أقصرها فعلا، كما لو نوى المسافر الإقامة في الصلاة؛ يلزمه إتمامها (٤).

стр. 1242

(وَمِنهَا: الخُطْبَةُ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَلَّاهَا بِدُونِ الخُطْبَةِ فِي عُمُرِهِ (وَهِيَ وعلى قول آخر منه: تبطل وتنقلب نفلا كمذهبنا؛ لأنها فرض آخر؛ ولهذا لا يجوز له أن يصلي في الوقت أربعًا، وإذا كان كذلك؛ يجب الاستئناف؛ لأنه لا يجوز الانتقال من فرض إلى فرض قبل تمام الأول. كذا في تتمتهم (١). قوله: (ومنها)؛ أي: من شروط الجمعة الخطبة، وهو قول فقهاء الأمصار. وروي عن عبد الملك المالكي (٢)، والظاهرية (٣)، والحسن البصري: ليست بفرض، حتى يجوز الجمعة بدونها. فإن قيل: ينبغي أن تكون الخطبة ركنا لا شرطًا؛ لأنها أقيمت مقام ركعتين، والركعتان من الظهر ركن لا شرط، فكذا ما قام مقامه، وفائدة هذا: أنه هل تتأدى الخطبة بدون الطهارة أم لا؟ ولأنها لو كانت شرطا لشرط قيامها حال أداء الجمعة، كالطهارة وستر العورة. قلنا: إنها شرط؛ لأنه لم يشترط لإقامتها سائر شرائط الركن، فإنها تتأدى مستدبر القبلة. وأما قوله: يشترط قيامها حال الأداء؛ قلنا: الشرط كونها مؤداه بالقراءة قبل الأداء، لا بالقراءة حال الأداء، كما في الطهارة؛ الشرط حصول الطهارة لا فعل يحصل به الطهارة حالة الأداء، فكذا هذا كذا ذكره شيخ الإسلام. قوله: (بدون الخطبة في عمره): فإن قيل: هذا لا يدل على أنها شرط الجواز؛ فإنه ﵊ كما لم يصل الجمعة بلا خطبة، لم يصل صلاة بدون رعاية سننها، كرفع اليدين عند التحريمة، والتكبير عند كل خفض ورفع وغيره، فإنه لم ينقل عدم الرفع وعدم التكبير عند الانتقال أحد، ولم يدل ذلك على أنها شرط الجواز، فكذا هذا؛ فإنه ﵊ كما كان يواظب على الفرائض؛ يواظب على الواجبات والسنن.

стр. 1243

قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الزَّوَالِ) بِهِ وَرَدَت السُّنَّةُ (وَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةِ) بِهِ قلنا: بينهما فرق، وذلك أن سقوط الظهر من الأربع إلى الركعتين بالجمعة عرف بخلاف القياس، وفي مثله يراعى ما ورد به الشرع، فلو جازت بلا خطبة؛ لفعلها مرة تعليمًا للجواز ولإزالة الشبهة، أما الرفع كان لإعلام الأصم في الشروع، والتكبير للانتقال، وغالب أحواله ﵊ الإمامة، وما كان شرعيته لإعلام غيره لا يكون شرطًا للجواز في نفسه، كالأذان وجهر التكبيرات، ولأن المراد من الذكر في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ الخطبة باتفاق أئمة التفسير، فقد فرض بالسعي إلى الجمعة والذكر؛ فدل أنه لابد منها. كذا ذكره شيخ الإسلام (١)، وفيه نوع تأمل. قوله: (يفصل بينهما بقعدة): وفي المبسوط: هذه القعدة عندنا للاستراحة، وليس بشرط، ولكنه سنة (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤). وقال الشافعي: هي شرط حتى لا يكتفي بخطبة واحدة عنده وإن طالت؛ لمواظبة النبي ﵊، والتوارث كالتواتر (٥). ولنا: حديث جابر بن سمرة، أنه ﵊ كان يخطب في الابتداء قائما خطبة واحدة، فلما أسنّ جعلها خطبتين، وجلس بينهما جلسة، فدل أنه إنما فعل ذلك ليكون أروح عليه، لا لأنه شرط، ثم لفظ التوارث إنما يستعمل في أمر له خطر وشرف، يقال: توارثوا المجد كابرًا عن كابر. وقيل: هو حكاية العدل عن العدل.

стр. 1244

جَرَى التَّوَارُثُ (وَيَخْطُبُ قَائِمَا عَلَى طَهَارَةِ)؛ لِأَنَّ القِيَامَ فِيهِمَا مُتَوَارَثٌ، ثُمَّ هِيَ شَرْطُ الصَّلَاةِ، فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الطَّهَارَةُ كَالأَذَانِ (وَلَوْ خَطَبَ قَاعِدًا أَوْ عَلَى غَيْرِ قوله: (ويخطب قائما على الطهارة): والقيام فيها سنة، وبه قال أحمد (١)، وحكي ذلك عن مالك (٢)، وقال الشافعي (٣)، ومالك في رواية: شرط عند عدم العذر؛ لأن الخطبة قائم مقام ركعتين فيشترط فيها ما يشترط في الصلاة، وكذلك الطهارة شرط عنده في قوله الجديد، لما ذكرنا. وعندنا الطهارة فيها سنة، وبه قال في القديم (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦). وقلنا: إنها ذكر شرط للصلاة، فتسن فيها الطهارة؛ كالأذان، والإقامة، وتجوز قاعدًا، لكن السنة فيها القيام للتوارث. قوله: (كالأذان): وجه التشبيه بالأذان والخطبة: ذكر لها شبه بالصلاة؛ من حيث إنها أقيمت مقام شطرها، وتقام بعد دخول الوقت، والأذان أيضًا يقام بعد دخول الوقت؛ لحصول المقصود وهو الذكر والوعظ. وفي المحيط، والمبسوطين: الخطبة ذكر، والمحدث والجنب لا يمعنان، ما خلا قراءة القرآن للجنب، وليست الخطبة كالصلاة ولا كشطرها، بدليل أنها تؤدى غير مستقبل القبلة، ولا يفسدها الكلام (٧).

стр. 1245

طَهَارَةِ جَازَ) لِحُصُولِ المَقْصُودِ، إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَارُثَ، وَلِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ (فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً) (*)؛ لِأَنَّ الخُطْبَةَ هِيَ الوَاجِبَةُ، وَالتَّسْبِيحَةُ أَوْ التَّحْمِيدَةُ لَا تُسَمَّى خُطْبَةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ حَتَّى يَخْطُبَ خُطْبَتَيْنِ اعْتِبَارًا لِلْمُتَعَارَفِ. وَلَهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَأُرتِجَ عَلَيْهِ فَنَزَلَ وَصَلَّى. وتأويل الأثر: أنها في حكم الثواب كشطر الصلاة، لا في اشتراط سائر الشرائط، ولكن ينبغي أن تعاد خطبة الجنب استحبابا، كإعادة أذانه. وذكر البقالي: يخطب بالسيف في بلدة فتحت بالسيف (١). قوله: (ولو اقتصر على ذكر الله تعالى؛ جاز)؛ وبه قال مالك في رواية (٢). ثم إطلاق قوله: (على ذكر الله)؛ يقتضي أن تجوز بمجرد قوله: سبحان الله، والحمد لله، ولكن ذكر في المحيط، والمبسوط وغيرهما: إذا خطب بتسبيحة واحدة، أو تهليل، أو تحميد؛ أجزأه في قوله: سبحان الله، والحمد لله (٣). والمستحب عنده: ما قالا، ولكن الشرط عنده: أن يكون قوله: (الحمد لله) على قصد الخطبة، حتى لو قاله يريد الحمد على عطاسه؛ لا ينوب عن الخطبة. وقيل: ينوب، والأول أصح. ونظيره: التسمية على الذبيحة؛ فالحل لها إذا كان قاصدا للذبح. كذا في الخبازية (٤). وفي الكافي: التكرار شرط بالحمد لله يسمى خطبة (٥).

стр. 1246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال القاضي الإمام أبو بكر الرازي: أقل ما يسمى خطبة عندهما: مقدار التشهد من قوله: (التحيات لله)، إلى قوله: (عبده ورسوله)، وكذا في المنافع (١). وفي التجنيس: مقدار الجلوس بين الخطبتين، وعند الطحاوي: بمقدار ما يمس موضع جلوسه المنبر، وفي ظاهر الرواية: مقدار ثلاث آيات (٢). وعند الشافعي: يخطب خطبتين (٣)، وبه قال أحمد (٤)، ومالك في رواية (٥). وفي الخلاصة الغزالية: في الخطبة الأولى أربع فرائض: التحميد، والصلاة على النبي ﷺ ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية، وكذا في الثانية، إلا أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الثانية بدل قراءة الآية في الأولى (٦). وفي الحلية: قيل: تجب القراءة في أوّل الخطبتين. وقيل: لا تجب فيهما. وقيل: تجب في إحداهما، في أيهما قرأ جاز (٧)، والدعاء في الثانية مستحب، وقيل: واجب. وبقوله أخذ أحمد؛ لأنه ﵊ واظب عليه، وجرى التوارث كذلك من لدن رسول الله ﷺ . وجه قولهما: ما روي عن عمر وعائشة ﵄ أنهما قالا: إنما قصرت الصلاة لمكان الخطبة، ومعلوم أن قصر الصلاة لا يكون بالتسبيحة الفردة، ولا

стр. 1247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالتحميدة الفردة؛ فوجب إيجاب ما يسمى خطبة. كذا في الفوائد الظهيرية (١). (وله)؛ أي: لأبي حنيفة ﵁ قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، والمراد: الخطبة باتفاق أئمة التفسير، ولا فصل فيه بين ذكر وذكر. وما روي عن عثمان ﵁ أنه لما صعد المنبر في أول جمعة ولي، قال: الحمد لله فأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالا، وأنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إليّ إمام قوّال، وستأتي الخطب من بعد، الله أكبر ما شاء الله فعل، ونزل وصلى الجمعة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فحل محل الإجماع. وروي أن الحجاج أتى العراق وصعد المنبر، وقال: الحمد لله، فأرتج عليه، وقال: إن لي غنمًا في بني فلان، فإذا قضيتم الصلاة فانتهبوها، ونزل وصلى معه نفر من الصحابة كابن عمر، وأنس. ثم المراد من قوله: (وأنتم إلى إمام فعال) إلى آخره؛ أن الخطباء الذين يأتون بعد الخلفاء الراشدين يكونون على كثرة المقال مع قبح الفعال، وإنما لم أكن قوالا مثلهم، فإنا على الخير دون الشرفا، أما على أن يريد بهذا القول تفضيل نفسه على الشيخين؛ فلا. كذا في المحيط (٢). وفي المغرب: أرتج الباب: أغلقه إغلاقًا، والرتاج: الباب المغلق، ومنه قولهم: أرتج على الخطيب أو القارئ - مبنيا على المفعول - إذا استغلق عليه القراءة؛ ولهذا قال للمرشد: فتح على القارئ. والعامة تقول: ارتج بالتشديد، ولكن أولى بالتخفيف (٣). وقيل: هذه المسألة بناء على أن الحقيقة المستعملة عنده؛ أولى من المجاز المتعارف، وعندهما على العكس.

стр. 1248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المبسوط: الذكر يحصل بالحمد لله، فما زاد عيه شرط الكمال، وهو نظير ما قال أبو حنيفة: إن فرض القراءة يتأدى بآية واحدة، ثم قوله: (الحمد) كلمة وجيزة تحتها معان جمة، تشمل على قدر الخطبة وزيادة، فالقائل بها كالقائل كل ذلك، فتكون خطبة وجيزة (١). وقصر الخطبة مندوب إليه، قال ابن مسعود: طول الصلاة وقصر الخطبة مئنة فقه الرجل. والكلام الوجيز في مثل هذه الحالة يعد طويلا؛ لأن المكان أعد للخطبة، والوقت وقت الخطبة، والخطيب هيأ نفسه، فإذا جاء يذكر وإن قل؛ يكون خطبة، ولا يبعد أن يختلف الكلام باختلاف المحل؛ ألا ترى أن قوله: (نعم) ابتداء لغو، فإذا قال غيره: لي عليك كذا، فقال: نعم؛ كان ذلك منه إقرارًا ولزمه المال. كذا في المحيط (٢). وفي الْمُجْتَبى: الكلام الوجيز يسمى خطبة (٣)؛ لما روي أنه ﵊ قال لأصحابه: «ليقم كلُّ واحدٍ منكم وليخطب خُطبة»، فقام أبو بكر وعمر وغيرهما وتكلموا بكلمات وجيزة، وطول بعضهم وبالغ، فنهاه النبي ﵊، ثم قال لابن مسعود: قم فاخطب فقام خطيبًا فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا والسلام عليك، ثم جلس، فقال ﵊: «رضيتُ لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد» (٤)، فجعله ﵊ ممثلا أمره بالخطبة بهذا القدر. فإن قيل: لم وجبت الخطبة بالسنة، كما وجبت الفاتحة بالسنة؟. قلنا: الخطبة هنا شرط جواز الصلاة لا ركنها، والشرط أدنى رتبة من

стр. 1249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الركن، فلو جعلنا الخطبة الطويلة واجبة بالسنة؛ لكان الملحق بالشرط مساويًا للملحق بالركن. كذا في الخبازية، وفيه تأمل. والأولى أن يقال: إن السنة غير قطعية الدلالة؛ لتعارضها بخبر عثمان، فلا يثبت بها الوجوب لما عرف في الأصول. وفي الْمُجْتَبى: الكلام في الخطبة في أربعة مواضع: في الخطبة، والخطيب، وشهود الخطبة، والمستمع (١). أما الخطبة: تشتمل على فرض وسنة، والفرض بيان الوقت، وهو ما بعد الزوال قبل الصلاة، حتى لو قدّم الصلاة وأخرها؛ لا يعيد بها. والثاني: ذكر الله تعالى، وقد بينا الخلاف فيه. وأما سنتها: فخمسة عشر أحدها: الطهارة، حتى كره للمحدث والجنب، وقال أبو يوسف، والشافعي (٢): لا يجوز. وثانيها: القيام. وثالثها: استقبال القوم بوجهه ورابعها ما قال أبو يوسف في الجوامع: التعوذ قبل الخطبة. وخامسها: أن يُسمِعَ القوم الخطبة، وإن لم يسمع أجزأه. وسادسها ما روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يخطب خطبة خفيفة، وهو يشتمل على عشر سنن؛ إحداها: البداية بحمد الله وثانيها: الثناء بما هو أهله. وثالثها: الشهادتين. ورابعها: الصلاة على النبي ﵊ وخامسها: العظة والتذكر. وسادسها: قراءة القرآن، وتاركها مسيء. وقال الشافعي: لا يجوز، وقدرها بثلاث آيات (٣). وعنه ﵊ قرأ فيها سورة العصر، ومرة: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ﴾ إلى آخره، ومرة: ﴿وَنَادَوْا يَمْلِكُ﴾. وسابعها: الجلوس بين الخطبتين. وثامنها: أن يعيد في الخطبة الثانية الحمد والثناء، والصلاة على النبي عليه

стр. 1250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصلاة والسلام. وتاسعها: أن يزيد فيها الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. وعاشرها: تخفيف الخطبتين بقدر سورة من طوال المفصل، ويكره التطويل. وأما الخطيب فيشترط فيه: أن يتأهل للإمامة في الجمعة، وطهارته واستقباله بوجهه إلى القوم، وترك السلام من خروجه إلى دخوله في الصلاة، وترك الكلام، وبه قال مالك (١). وقال الشافعي (٢)، وأحمد (٣): السنة أن يسلم على القوم إذا استقبلهم بوجهه. كذا روى ابن عمر عن النبي ﵊. فالحجة عليه: قوله ﵊: «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام»، وما رواه يحتمل أن يكون قبل هذا القول، مع أن البيهقي قال: ليس بقوي (٤). قال عبد الحق في الأحكام الكبرى: هو مرسل، وليس بحجة عنده، وإن أسنده أحمد من حديث عبد الله ابن لهيعة، وهو معروف في الضعفاء؛ فلا يحتج به. وفي المبسوط: يستحب للقوم أن يستقبلوا الإمام عند الخطبة (٥)، وبه قال الشافعي (٦)، ومالك (٧)، وأحمد (٨).

стр. 1251

(وَمِنْ شَرَائِطِهَا: الجَمَاعَةُ)؛ لِأَنَّ الجُمُعَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنهَا (وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَاً سِوَى الإِمَامِ، وَقَالَا: اثْنَانِ سِوَاهُ) قَالَ: وَالأَصَحُ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ قال ابن المنذر: وهذا كالإجماع (١). قال النواوي: يكره في الخطبة: ما فعله الجهلة في الخطبة من الدق بالسيف على درج المنبر، وكذا المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم، وكذا كذبهم السلطان العالم العادل بلا خلاف (٢). وفي خزانة الفقه: الخطب ثمانية: يبدأ في ثلاث بالتحميد: خطبة الجمعة والاستسقاء، والنكاح. وفي الخمس يبدأ بالتكبير في خطبة العيدين، والخطب الثلاثة في الموسم (٣). وأما شهود الخطبة؛ فتشترط في حق الإمام دون المأموم، فلو أحدث الإمام بعد الشروع، فقدم من لم يشهد الخطبة؛ جاز. وقال الشافعي: شرط في استماع الخطبة؛ العدد المعتبر في الجمعة، حتى لو انفضوا في أثناء الخطبة وعادوا، وقد طال الفصل؛ يجب عليه استئناف الخطبة، وعليه جمهور أصحابه؛ لأن الخطبة ذكر واجب في الجمعة، فيشترط حضور العدد فيه، كما في تكبيرة الإحرام (٤). وقلنا: إنها ليست من الصلاة؛ فلا يشترط فيها ما يشترط في الصلاة. وأما المستمع؛ فيجيء أحكامه. قوله: (لأن الجمعة مشتقة منها)؛ أي: من الجماعة، ولما كانت مشتقة منها؛ لا يتحقق بدونها، كالضارب لما كان مشتقا من الضرب؛ لا يتحقق بدونه، وكذا في سائر المشتقات. وقوله: (والأصح)؛ احتراز عما وقع في عامة نسخ القدوري والمختصر،

стр. 1252

وَحْدَهُ (*). لَهُ: أَنَّ فِي المُثَنَّى مَعْنَى الاجْتِمَاعِ هِيَ مُنْبِئَةٌ عَنْهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الجَمْعَ الصَّحِيحَ إِنَّمَا هُوَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ تَسْمِيَةٌ وَمَعْنَى، وَالجَمَاعَةُ شَرْطُ عَلَى حِدَةٍ، وَكَذَا الإِمَامُ فَلَا يُعْتَبَرُ مِنْهُمْ. وبقول أبي يوسف قال الأوزاعي، والشافعي في القديم (١). (وهي)؛ أي: الجمعة منبية عن الاجتماع، وهو يتحقق بالمثنى؛ ولهذا يتقدم الإمام عليهما، وعن أبي سعيد الخدري أنه ﵊ قال: «إذا كانوا ثلاثة؛ فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرأهم». (ولهما)؛ أي: لأبي حنيفة، ومحمد، وهو قول الثوري (٢). (لأنه)؛ أي: الثلاث. (جمع تسمية)؛ أي: لغة. (ومعنى)؛ فإن الجمع يبعث بثلاث، يقال: رجال ثلاثة، ولا يقال: رجال اثنان، وفيه تأمل قد ذكر في الأصول. (فلا يعتبر)؛ أي: الإمام. (منهم)؛ أي: من الجماعة. وفي المبسوط: وجه قولهما: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ فإنها تقتضي مناديًا وهو المؤذن، وذاكرًا وهو الإمام، ثم قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾؛ خطاب جمع، وأقله المتفق عليه اثنان، فيثبت الثلاثة سوى الإمام بها، ثم يشترط في الثلاثة: أن يكونوا بحيث يصلحون للإمامة في صلاة الجمعة، حتى إن نصاب الجمعة لا يتم بالصبيان والنساء، ويتم بالعبيد والمسافرين؛ لصلاحيتهم للإمامة فيها (٣).

стр. 1253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الشافعي (١)، وعمر ابن عبد العزيز، وأحمد (٢)، ومالك في رواية أخرى (٣): لا تنعقد الجمعة بما دون الأربعين الرجال، الأحرار البالغين، غير المسافرين. وقال مالك في رواية أخرى: تنعقد بما دون الأربعين؛ إذا كانوا عددا بعد الموضع به قرية، ويمكنهم الإقامة فيه، وفيهم البيع والشراء (٤). وعن بعض أصحاب الشافعي: لا تصح الجمعة حتى يكون العدد زائد على الأربعين. وجه قول الشافعي ﵀: ما روي عن جابر أنه قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة. وما روي أن أبا هريرة أقام الجمعة بجواثاء بإذن عمر، وفيها أربعون رجلًا. وعن النبي ﵊ أنه قال: «إذا اجتمع أربعون؛ فعليهم الجمعة» (٥). وروي عن أبي أمامة أنه ﵊ قال: «لا جمعة إلا بأربعين» (٦). كذا في شرح الوجيز (٧). وأيضًا: لم ينقل على عهد النبي ﵊ والخلفاء بعده؛

стр. 1254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجمعة بأقل من أربعين نقلا ظاهرا، والجمعة قد عدل بها عن الأصل، فيتبع فيها ما ورد. ولأن الجمعة في الحقيقة جمع الجماعات، والمقصود منه: إظهار شعائر الإسلام؛ ليتبين للأعداء أن كلمة المسلمين واحدة ولهم شوكة، وذا لا يحصل بأقل من أربعين. وقال الحسن ابن صالح، وأبو ثور: تنعقد باثنين؛ إمام ورجل، كما في سائر الصلوات. وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا؛ لأن مصعب ابن عمير أقام الجمعة بالمدينة باثني عشر رجلا. وما ذكره الشافعي غير قوي؛ لما ذكرنا مما روي عن المصعب. وروي أن سعد بن زرارة أقامها بسبعة عشر رجلا. ولأنه ﵊ أقامها حين نفر الناس عنه إلى العير باثني عشر رجلا. رواه البخاري، ومسلم. وقيل: بستة عشر، وقيل: بثمانية والأخبار مختلفة فيها متعارضة، فيعمل بظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وبالقياس على سائر الصلوات، مع أن ما رواه من حديث جابر، وأبي هريرة -إن ثبت؛ لا يدل على نفي الجواز بما دون الأربعين. وحديث أبي أمامة وغيره يحتمل أن يكون في اعتبار عد الموضع الذي يجب عليهم الجمعة، وحديث أبي سعيد فيما سوى الجمعة؛ فإن الإمام من الجماعة، أما في الجمعة لا بالنص، ولا معنى لاشتراط الإقامة والحرية فيهم؛ لأن درجة الإمام أعلى، فإذا لم يشترط هذا في الصلاحية للإمامة؛ كيف يشترط فيمن يكون مؤتما؟ ولا وجه لمنع هذا؛ فإنه ﵊ أقام الجمعة بمكة وهو كان مسافرًا، حيث قال: «يا أهل مكة، أتموا صلاتكم؛ فإنا قوم

стр. 1255

(وَإِنْ نَفَرَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الإِمَامُ وَيَسْجُدَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ صَلَّى الجُمُعَةَ، فَإِنْ نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا رَكَعَ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَةً بَنَى عَلَى الجُمُعَةِ) خِلَافًا لِزُفَرَ. وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّهَا شَرْطُ فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا كَالوَقْتِ. وَلَهُمَا: أَنَّ سفر» (١) كذا في المبسوط (٢). قوله: (وقالا)؛ أي: أبو يوسف، ومحمد، وهو قول الشافعي (٣)، وأحمد (٤). ثم للشافعي فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: إن بقي بعد الانفضاض عدد أربعين؛ يتم جمعه في الأظهر، وهو قول أحمد. والثاني: إن بقي معه اثنان؛ أتمها جمعة. والثالث: إن بقي معه واحد؛ أتمها جمعة. وخرج المزني قولين آخرين؛ أحدهما: أنه يتمها جمعة وإن بقي وحده، وهو قول أبي يوسف، ومحمد. والثاني: أنه إن كان قد صلى ركعة ثم انفضوا؛ أتمها جمعة (٥)، وهو قول مالك (٦)، وعند أبي حنيفة: بعد أن سجد سجدة واحدة وقبلها يستقبل الظهر. وقال زفر: لو نفروا قبل قعوده قدر التشهد؛ لم يجمع، بل يستقبل الظهر. (أنها)؛ أي: المذكور، وهو الجماعة. (شرط)؛ أي شرط للأداء؛ بدليل أن القوم إذا أحرموا بعد

стр. 1256

الجَمَاعَةَ شَرْطُ الإِنْعِقَادِ، … ... … ... … تحريم الإمام جاز، فلو كانت المشاركة شرطًا للانعقاد لا للأداء؛ لكان يشترط التحريم منهم بصفة القرآن، فكان اشتراط الجماعة للجمعة كاشتراط الوقت لها، فيشترط دوامها كالوقت. وقالا: (الجماعة شرط للانعقاد)؛ بدليل أن الرجل إذا كان مسبوقًا بركعة في صلاة الجمعة؛ فإنه يتمها جمعة بالاتفاق، ولقوله ﵊: «من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فقد أدركها» (١)، فلو كان شرطًا للأداء كالوقت؛ لما جاز ذلك منه؛ لأنه لا يجوز أداء الجمعة من الجمعة إذا خرج الوقت في جزء منها. ولكن أبو حنيفة يقول: الجماعة شرط للأداء وللشروع في الصلاة، ولا يتم ذلك إلا بتمام الركعة؛ لأن ما دون الركعة معتبر من وجه، حتى لو تحرّم ثم قطع؛ يلزمه القضاء، وغير معتبر من وجه؛ فإنه لو أدرك الإمام في السجود؛ لا يصير مدركًا لتلك الركعة، وصلاة الجمعة تغيرت من الظهر إلى الجمعة، فلا يتغير إلا بيقين، ولا يتيقن إلا بأن توجد ركعة، وذلك لأن الجماعة شرط لصلاة الجمعة، ولا يصير مصليًا ما لم يقيد بالسجدة؛ لأنه إذا لم يقيد بالسجدة؛ فهو مفتتح لكل ركن، فكان ذهاب الجماعة قبل تقييدها بالجمعة بسجدة؛ كذهابها قبل التكبير، بخلاف ما بعد تقييدها؛ فإنه معيد للأركان لا مفتتح، وليس المقتدي كالإمام في حق شرط الجمعة؛ لما أن الإمام أصل في افتتاح الأركان، فلا بد من وجود شرط الجمعة عند كل ركن في حقه. كذا في المبسوطين وغيرهما (٢). وفي التجنيس: خطب وفرغ منها، فذهب القوم كلهم، فجاء آخرون وصلّى بهم؛ أجزأه؛ لأنه خطب والقوم، حضور، وصلّى والقوم حضور، فيتحقق شرط جواز الخطبة (٣).

стр. 1257

فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا كَالخُطْبَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الاِنْعِقَادَ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِتَمَامِ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا لَيْسَ بِصَلَاةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا إِلَيْهَا بِخِلَافِ الخُطْبَةِ فَإِنَّهَا تُنَافِي الصَّلَاةَ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ النِّسْوَانِ، وَكَذَا الصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الجُمُعَةُ فَلَا تَتِمُّ بِهِمْ الجَمَاعَةُ. (وَلَا تَجِبُ الجُمُعَةُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا امْرَأَةِ وَلَا مَرِيضِ وَلَا عَبْدِ وَلَا أَعْمَى)؛ لِأَنَّ المُسَافِرَ يُخْرَجُ فِي الحُضُورِ، وَكَذَا المَرِيضُ وَالأَعْمَى، وَالعَبْدُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ وعند الشافعي: يجب استئناف الخطبة، ولو عاد ذلك القوم ولم يطل الفصل؛ لم يجب استئنافها، ولو طال الفصل؛ ففيه خلاف بين أصحابه. قيل: يجب. وقيل: لا يجب. كذا في شرح الوجيز (١). وفي الأجناس: لو خطب وحده، أو بحضرة النساء؛ لم يجز (٢)، وبه قال الشافعي (٣). وقال أبو حنيفة: أجزأه وعندهما: فيه روايتان. ولا معتبر ببقاء النسوان [وكذا الصبيان] (٤)، وبه قال الشافعي (٥)، وأحمد (٦). وأما تغيير بقاء المسافرين وأصحاب الأعذار خلافًا للشافعي، وأحمد. قوله: (ولا تجب الجمعة على مسافر ولا امرأة) إلى آخره وبه قال

стр. 1258

المَوْلَى، وَالمَرْأَةُ بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ، فَعُذِرُوا دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالضَّرَرِ (فَإِنْ حَضَرُوا وَصَلَّوْا الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣). وقال النخعي، والزهري: يجب على المسافر؛ لإطلاق النص. ولنا: حديث جابر ﵁ أنه ﵊ قال: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فعليه الجمعة، إلا مسافر، أو مملوك، أو صبي، وامرأة أو مريض» (٤)، فمن استغنى عنها لهوا وتجارة؛ استغنى الله عنه، والله غني حميد. كذا في المبسوط (٥). وقال ﵊: «الجُمُعَة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد أو امرأةٌ، أو صبي أو مريض» (٦)، والمعنى ما ذكره في الكتاب، بخلاف الظهر؛ حيث يجب عليهم؛ لتمكنهم من أدائه حيث كانوا. أما للجمعة شرائط: من الإمام، والخطيب فيلزم الحرج في حضورهم. وقال داود: تجب الجمعة على العبد (٧). وعن أحمد فيه روايتان، والأصح: أنها لا تجب (٨).

стр. 1259

مَعَ النَّاسِ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الوَقْتِ)؛ لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوهُ فَصَارُوا كَالمُسَافِرِ إِذَا صَامَ. وقال الحسن البصري، وقتادة: يجب على عبد يؤدي الضريبة، وأما الأعمى لا تجب عليه الجمعة، سواء وجد قائدًا أو لا عند أبي حنيفة، وكذلك على المقعد والعاجزين عن الوضوء، والتوجه مع مساعد. وعندهما: تجب عليهم الجمعة مع وجود القائد والمساعد، وبه قال الشافعي (١)؛ لأنه إن كان عاجزا بنفسه؛ لكن يصير قادرًا بواسطة المساعد، فيتوجه عليه الخطاب حينئذ. وله: أنه عاجز بنفسه؛ فلا يكون قادرًا بغيره؛ لكون الغير مختارًا، فلا تتحقق القدرة؛ لإمكان ترك المساعدة فلا يتوجه الخطاب. وفي الْمُجْتَبَى: ولا تجب الجمعة على الأجير إلا بإذن المستأجر، أما العبد: لو أذنه مولاه؛ فهو مخير بين الجمعة والظهر (٢). قوله: (لأنهم تحملوه)؛ أي: الضرر والحرج، فإذا تحملوه جازت الجمعة؛ لأن السقوط عنهم للتيسير، لا لعدم الأهلية ورفع الحرج، والقول بعدم الجواز يؤدي إلى الحرج، فيعود إلى موضوعه بالنقض. وقوله: (فإن حضر)؛ قال: يتناول المرأة أيضًا، والتعليل عام أيضًا. وفي المبسوط: وإذا شهدوا الجمعة فأدوها؛ جازت (٣)، وبه قال الشافعي (٤). قال ابن المنذر، و [ابن] (٥) قدامة الحنبلي: لا يعرف فيه خلافًا (٦)؛ لحديث الحسن ﵁ في النساء يجتمعن مع رسول الله ﷺ ، ويقال لهن: لا تخرجن إلا تفلات؛ أي: غير متطيبات، وإليه أشير في الإيضاح أيضًا (٧).

стр. 1260

(وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَالعَبْدِ وَالمَرِيضِ أَنْ يَؤُمَّ فِي الجُمُعَةِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ وقال زفر: لا يجوز، حتى لم يسقط عنهم فرض الظهر، ولو أدوا الظهر ثم حضروا الجمعة؛ لا يبطل ظهرهم؛ لأنهم أتوا بما أمروا به، فلا ينتقض بها ما لم يؤمروا به، كما لو صلوا الظهر ثم دخلوا المسجد وصلوا الظهر بالجماعة. وعندنا: يبطل ظهرهم؛ لأن كل من خوطب بأداء الظهر جماعة في سائر الأيام؛ خوطب بأداء الجمعة في هذا اليوم، إلا أنهم سقط أداء الجمعة عنهم للحرج، فإذا تحملوا … إلى آخر ما ذكر في الكتاب. وفي المحيط: الجمعة فرض على المعذورين؛ كالظهر (١). وقال شيخ الإسلام يجتمع فرضان فيه في حق المسافر والمريض والعبد، إلا أنهما يسقطان بأداء أحدهما (٢). وفي النهاية: وما وقع في بعض حواشي الأصول: أنهم إذا أدوا الجمعة وحدها؛ لا يسقط فرض الوقت عند زفر؛ والشافعي لا يثبت صحته (٣). قوله: (أن يَؤُم في الجمعة)؛ أي: كل واحد، وبه قال الشافعي في أصح قوله، وفي قول آخر: إن كان صاحب العذر أحد من الأربعين رجلًا؛ لا تجوز (٤). وقال مالك: لا تصح إمامة العبد (٥). وقال أحمد: لا تصح الجمعة خلف العبد والمسافر (٦). وقال زفر: لا تصح خلف من لا يجب عليه الجمعة، وهو رواية عن أبي

стр. 1261

لِأَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالمَرْأَةَ. وَلَنَا: أَنَّ هَذِهِ رُخْصَةٌ، فَإِذَا حَضَرُوا يَقَعُ فَرْضًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَمَسْلُوبُ الأَهْلِيَّةِ، وَالمَرْأَةُ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ الجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَحُوا لِلْإِمَامَةِ فَيَصْلُحُونَ لِلاقْتِدَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. يوسف. ذكرها في جوامع الفقه (١)؛ لأنه أشبه الصبي والمرأة؛ في أنه لم يخاطب بالجمعة كهما، فلا يجوز الاقتداء به فيها، كما في الصبي والمرأة. ولأن أداء الجمعة منهم على سبيل التبع؛ إذ لا يفرض عليهم أداؤها؛ فلا يجوز أن يكون أصلا بالإمامة. وقلنا: الخطاب بأداء الجماعة عام فيتناولهم، إلا أنهم عذروا لدفع الحرج، فإذا حضروا زال الحرج كالمسافر إذا صام؛ زالت الرخصة، فوقعت جمعتهم فرضًا، وهم أهل الإمامة، فتجوز إمامتهم، بخلاف المرأة والصبي؛ لأنها لا تصلح لإمامة الرجال، وفعل الصبي لا يقع فرضًا، فلا يجوز بناء الفرض على النفل، وهذا معنى قوله: (وأما الصبي فمسلوب الأهلية) إلى آخره. قوله: (وتنعقد بهم الجمعة) إلى آخره؛ هذه مسألة مبتدأة، وعند الشافعي: لا تنعقد (٢)، وهو قول أحمد (٣)، ومالك في رواية (٤)؛ لأن من لا تلزمه الجمعة؛ لا تنعقد به الجمعة كالنساء. ونقل ابن كج عن الشافعي: أنها لا تنعقد بأربعين مرضى، كالمسافرين والعبيد، والمشهور منه أنها تنعقد بهم؛ لكمال أهليتهم، ولم يجب عليهم الحضور للتخفيف. كذا في شرح الوجيز (٥). (لأنهم)؛ أي: المسافر والمريض والعبد. (يصلحون)؛ لكمال أهليتهم، وعدم المانع، والسقوط عنهم رخصة، فإذا

стр. 1262

(وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَلَا عُذْرَ لَهُ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الجُمُعَةَ هِيَ الفَرِيضَةُ أَصَالَةٌ. وَالظُّهْرُ كَالبَدَلِ عَنْهَا، وَلَا مَصِيرَ إِلَى البَدَلِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الأَصْلِ. وَلَنَا: أَنَّ أَصْلَ الفَرْضِ هُوَ الظَّهْرُ فِي حَقِّ الكَافَّةِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، إِلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ حضروا زالت رخصتهم، فتقع جمعتهم، فرضًا، فكانوا كمن لا عذر له. قوله: (ومن صلى الظهر إلى آخره وبقولنا الشافعي في القديم (١)، وأحمد في رواية، وقال في الجديد، ومالك (٢)، وأحمد في رواية (٣)، وإسحاق، وزفر: لا يجوز ظهره قبل فعل الإمام الجمعة، وتجب عليهم الإعادة بعد أداء الإمام؛ لما أن الجمعة هي الفريضة في هذا اليوم، والظهر بدل عنها في حق غير المعذور؛ لأنه مكلف بها، فلا يجوز اشتغاله بالظهر قبل أداء الإمام؛ لأنه اشتغال بالبدل قبل فوات الأصل؛ ولهذا يكره الاشتغال بالظهر قبل فوات الجمعة بالإجماع، إلا عند زفر، وأحمد في رواية: فوات الجمعة بفراغ الإمام لاشتراط السلطان، وعند الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦): في فواتها بخروج الوقت لعدم اشتراط السلطان، ولكن عند مالك خروج وقتها بخروج وقت العصر؛ لأن وقت العصر وقتها عنده وقلنا: والشافعي في القديم. (أصل الفرض الظهر في حق الكافة، هذا هو الظاهر)؛ أي: ظاهر مذهب أصحابنا؛ لأن الوقت وقت الظهر كسائر الأيام، والله تعالى جعل زوال الشمس

стр. 1263

بِإِسْقَاطِهِ بِأَدَاءِ الجُمُعَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَدَاءِ الظَّهْرِ بِنَفْسِهِ دُونَ الجُمُعَةِ، لِتَوَقُّفِهَا عَلَى شَرَائِطَ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، وَعَلَى التَّمَكُنِ يَدُورُ التَّكْلِيفُ. (فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَحْضُرَهَا فَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا وَالإِمَامُ فِيهَا، بَطَلَ ظُهْرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سببًا للظهر، قال تعالى: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، إلا أن غير المعذور مأمور بإسقاطه بأداء الجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ولهذا لو خرج الوقت يقضي الظهر لا الجمعة، ولأن التكليف بحسب الوسع، وهو متمكن من أداء الظهر بنفسه لا الجمعة؛ لتوفقها على شرائط خارجة عن قدرته، ومدار التكليف على التمكن إلا أنه لما أمر بإسقاطه بأداء الجمعة، ويكره أداؤه عند رجاء إدراكها؛ إذ الجمعة أفضل لكونها مأمورًا بها، ويسقط الظهر بها ولا تسقط هي بالظهر. وأما الظهر لا يصلح بدلاً عنها؛ لأن بدل الشيء يكون مثله أو أقل منه، لا أكثر منه؛ لأنه الأخف والأقل للتوسعة. ذكره محمد في كتاب الحيض. والظهر أكثر منها بركعتين؛ فلا يكون بدلا عنها. كذا في الحميدية. وعن محمد قال: لا أدري ما أصل فرض الوقت في هذا اليوم، ولكن يسقط الفرض بأداء أحدهما والمشهور منه: أن الفرض هو الجمعة، وله إسقاطها بالظهر رخصة، ولكن الإتيان بالبدل قبل الأصل يجوز؛ إذا عجز عن إقامة الأصل بعد، كالممتنع إذا صام ثلاثة أيام وهو موسر، ثم أعسر وقت الذبح؛ يجوز ذلك عن الصوم الواجب. كذا في الخبازية. قوله: (بطل ظهره) إلى آخره في المحيط: ولو توجه إليها والإمام لم يؤدها إلا أنه لا يرجى إدراكها؛ لبعد المسافة؛ لم يبطل ظهره في قول أبي حنيفة عند العراقيين، ويبطل عند البلخيين، وهو الصحيح؛ لأنه توجه إليها ولم [تفت، ولو توجه إليها ولم] (١) يصلها الإمام بعذر أو لغير عذر؛ اختلفوا في بطلان ظهره، والصحيح أنه لا يبطل (٢).

стр. 1264

بِالسَّعْيِ، وَقَالَا: لَا يَبْطُلُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الإِمَامِ) (*)؛ لِأَنَّ السَّعْيَ دُونَ الظُّهْرِ، فَلَا يُنْقِصُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالجُمُعَةُ فَوْقَهَا فَيُنْقِصُهَا، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَوَجَّهَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ. وَلَهُ: أَنَّ السَّعْيَ إِلَى الجُمُعَةِ مِنْ خَصَائِصِ الجُمُعَةِ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهَا فِي حَقِّ ارْتِفَاضِ الظُّهْرِ احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الفَرَاغِ مِنهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَعْيِ إِلَيْهَا. وعن الحلواني: لو لم يخرج من البيت، ولكن أداها قبل الخروج، إذا كان البيت واسعًا؛ لا تبطل ما لم يجاوز العتبة. وقيل: تبطل إذا خطا خطوتين (١). وكذا الخلاف في المعذور، ولو صلى الظهر ثم توجه إليها. كذا ذكره التمرتاشي وشيخ الإسلام. وهذا إذا كان الإمام حين خرج في الصلاة ولم يدرك الصلاة، فإن لم يكن فيها حين خرج؛ لا يبطل ظهره بالاتفاق. وقوله: (حتى يدخل مع الإمام)؛ يشير إلى أن الإتمام مع الإمام غير شرط؛ لبطلان الظهر عندهما، وهو المشهور منهما، وبه قال الشافعي في القديم. أما إذا انتهى إلى الإمام، ولم يُحرم حتى سلم الإمام؛ يرتفض الظهر عندهما. كذا في الخلاصة (٢). وعنهما: ما لم يتمها مع الإمام؛ فقال شيخ الإسلام: يشترط الإتمام معه في حق ارتفاض الظهر على قولهما، حتى لو شرع فيها وقطعها؛ لا يرتفض عندهما. هكذا ذكره الحسن في كتاب صلاته. (فوقها)؛ أي: فوق صلاة الظهر؛ لأنها أكمل وأفضل في هذا اليوم بالإجماع. قوله: (ليس يسعى إليها)؛ أي: إلى الجمعة. وفي الأسرار: الجمعة اختصت بمكان لا يمكن إقامتها إلا بالسعي إليها، فصار السعي مخصوصا بها دون سائر الصلوات، فإنه يصح أداؤها في كل

стр. 1265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مكان، كالسفر في باب الحج شرط مخصوص؛ لتعلقه بمكان خاص، فصارت استطاعته للزاد والراحلة أمرًا مراعى لوجوب الحج، وإن أمكن أداؤها في الجملة بلا سفر كأهل مكة، فكذا السعي مع الجمعة (١). وإذا صار من خصائصها شرعًا اعتبر الاشتغال به، كالاشتغال بركن من أركانها؛ لأن الأركان لا تقع إلا مختصة بها، هذا هو الصحيح في بيان الاختصاص. ولما صار مختصًا بها، فشروعه في السعي الواجب بالنص؛ كشروعه فيها، فينقض ظهره ضرورة؛ لامتناع بقاء الظهر بالاشتغال؛ لأنه كالجزء منها. وفي مختلفات القاضي العيني: قال بعض المشايخ: هذه المسألة تبنى على مسألة أخرى، وهي أن بأداء بعض الجمعة يرتفض الظهر عنده خلافًا لهما، بأنه لو شرع فيها ثم تكلم؛ فإن الظهر يرتفض عنده خلافًا لهما (٢). وإذا ارتفع بأداء البعض يرتفض بالسعي؛ لأنه أدى بعض ما كان من خصائصها. والمراد من السعي المذكور في النص: نفس المشي، لا المشي بصفة الإسراع، [فإنه ﵊ نهى عن الإسراع] (٣) في قوله: ﴿إذا أتيتمُ الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون﴾ (٤). كذا في الفوائد الظهيرية (٥). وفي القنية: وسرعة المشي والعذر غير واجب عندنا، وعند عامة الفقهاء، واختلف في استحبابه، والأصح: أنه يمشي على السكينة والوقار (٦). فإن قيل: بعض الظهر إنما يثبت في ضمن أداء الجمعة؛ لأن بعض العبادة
следующие страницы →