← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

لِأَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالمَرْأَةَ. وَلَنَا: أَنَّ هَذِهِ رُخْصَةٌ، فَإِذَا حَضَرُوا يَقَعُ فَرْضًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَمَسْلُوبُ الأَهْلِيَّةِ، وَالمَرْأَةُ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ الجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَحُوا لِلْإِمَامَةِ فَيَصْلُحُونَ لِلاقْتِدَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. يوسف. ذكرها في جوامع الفقه (١)؛ لأنه أشبه الصبي والمرأة؛ في أنه لم يخاطب بالجمعة كهما، فلا يجوز الاقتداء به فيها، كما في الصبي والمرأة. ولأن أداء الجمعة منهم على سبيل التبع؛ إذ لا يفرض عليهم أداؤها؛ فلا يجوز أن يكون أصلا بالإمامة. وقلنا: الخطاب بأداء الجماعة عام فيتناولهم، إلا أنهم عذروا لدفع الحرج، فإذا حضروا زال الحرج كالمسافر إذا صام؛ زالت الرخصة، فوقعت جمعتهم فرضًا، وهم أهل الإمامة، فتجوز إمامتهم، بخلاف المرأة والصبي؛ لأنها لا تصلح لإمامة الرجال، وفعل الصبي لا يقع فرضًا، فلا يجوز بناء الفرض على النفل، وهذا معنى قوله: (وأما الصبي فمسلوب الأهلية) إلى آخره. قوله: (وتنعقد بهم الجمعة) إلى آخره؛ هذه مسألة مبتدأة، وعند الشافعي: لا تنعقد (٢)، وهو قول أحمد (٣)، ومالك في رواية (٤)؛ لأن من لا تلزمه الجمعة؛ لا تنعقد به الجمعة كالنساء. ونقل ابن كج عن الشافعي: أنها لا تنعقد بأربعين مرضى، كالمسافرين والعبيد، والمشهور منه أنها تنعقد بهم؛ لكمال أهليتهم، ولم يجب عليهم الحضور للتخفيف. كذا في شرح الوجيز (٥). (لأنهم)؛ أي: المسافر والمريض والعبد. (يصلحون)؛ لكمال أهليتهم، وعدم المانع، والسقوط عنهم رخصة، فإذا

стр. 1262

(وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَلَا عُذْرَ لَهُ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الجُمُعَةَ هِيَ الفَرِيضَةُ أَصَالَةٌ. وَالظُّهْرُ كَالبَدَلِ عَنْهَا، وَلَا مَصِيرَ إِلَى البَدَلِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الأَصْلِ. وَلَنَا: أَنَّ أَصْلَ الفَرْضِ هُوَ الظَّهْرُ فِي حَقِّ الكَافَّةِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، إِلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ حضروا زالت رخصتهم، فتقع جمعتهم، فرضًا، فكانوا كمن لا عذر له. قوله: (ومن صلى الظهر إلى آخره وبقولنا الشافعي في القديم (١)، وأحمد في رواية، وقال في الجديد، ومالك (٢)، وأحمد في رواية (٣)، وإسحاق، وزفر: لا يجوز ظهره قبل فعل الإمام الجمعة، وتجب عليهم الإعادة بعد أداء الإمام؛ لما أن الجمعة هي الفريضة في هذا اليوم، والظهر بدل عنها في حق غير المعذور؛ لأنه مكلف بها، فلا يجوز اشتغاله بالظهر قبل أداء الإمام؛ لأنه اشتغال بالبدل قبل فوات الأصل؛ ولهذا يكره الاشتغال بالظهر قبل فوات الجمعة بالإجماع، إلا عند زفر، وأحمد في رواية: فوات الجمعة بفراغ الإمام لاشتراط السلطان، وعند الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦): في فواتها بخروج الوقت لعدم اشتراط السلطان، ولكن عند مالك خروج وقتها بخروج وقت العصر؛ لأن وقت العصر وقتها عنده وقلنا: والشافعي في القديم. (أصل الفرض الظهر في حق الكافة، هذا هو الظاهر)؛ أي: ظاهر مذهب أصحابنا؛ لأن الوقت وقت الظهر كسائر الأيام، والله تعالى جعل زوال الشمس

стр. 1263

بِإِسْقَاطِهِ بِأَدَاءِ الجُمُعَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَدَاءِ الظَّهْرِ بِنَفْسِهِ دُونَ الجُمُعَةِ، لِتَوَقُّفِهَا عَلَى شَرَائِطَ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، وَعَلَى التَّمَكُنِ يَدُورُ التَّكْلِيفُ. (فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَحْضُرَهَا فَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا وَالإِمَامُ فِيهَا، بَطَلَ ظُهْرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سببًا للظهر، قال تعالى: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، إلا أن غير المعذور مأمور بإسقاطه بأداء الجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ولهذا لو خرج الوقت يقضي الظهر لا الجمعة، ولأن التكليف بحسب الوسع، وهو متمكن من أداء الظهر بنفسه لا الجمعة؛ لتوفقها على شرائط خارجة عن قدرته، ومدار التكليف على التمكن إلا أنه لما أمر بإسقاطه بأداء الجمعة، ويكره أداؤه عند رجاء إدراكها؛ إذ الجمعة أفضل لكونها مأمورًا بها، ويسقط الظهر بها ولا تسقط هي بالظهر. وأما الظهر لا يصلح بدلاً عنها؛ لأن بدل الشيء يكون مثله أو أقل منه، لا أكثر منه؛ لأنه الأخف والأقل للتوسعة. ذكره محمد في كتاب الحيض. والظهر أكثر منها بركعتين؛ فلا يكون بدلا عنها. كذا في الحميدية. وعن محمد قال: لا أدري ما أصل فرض الوقت في هذا اليوم، ولكن يسقط الفرض بأداء أحدهما والمشهور منه: أن الفرض هو الجمعة، وله إسقاطها بالظهر رخصة، ولكن الإتيان بالبدل قبل الأصل يجوز؛ إذا عجز عن إقامة الأصل بعد، كالممتنع إذا صام ثلاثة أيام وهو موسر، ثم أعسر وقت الذبح؛ يجوز ذلك عن الصوم الواجب. كذا في الخبازية. قوله: (بطل ظهره) إلى آخره في المحيط: ولو توجه إليها والإمام لم يؤدها إلا أنه لا يرجى إدراكها؛ لبعد المسافة؛ لم يبطل ظهره في قول أبي حنيفة عند العراقيين، ويبطل عند البلخيين، وهو الصحيح؛ لأنه توجه إليها ولم [تفت، ولو توجه إليها ولم] (١) يصلها الإمام بعذر أو لغير عذر؛ اختلفوا في بطلان ظهره، والصحيح أنه لا يبطل (٢).

стр. 1264

بِالسَّعْيِ، وَقَالَا: لَا يَبْطُلُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الإِمَامِ) (*)؛ لِأَنَّ السَّعْيَ دُونَ الظُّهْرِ، فَلَا يُنْقِصُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالجُمُعَةُ فَوْقَهَا فَيُنْقِصُهَا، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَوَجَّهَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ. وَلَهُ: أَنَّ السَّعْيَ إِلَى الجُمُعَةِ مِنْ خَصَائِصِ الجُمُعَةِ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهَا فِي حَقِّ ارْتِفَاضِ الظُّهْرِ احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الفَرَاغِ مِنهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَعْيِ إِلَيْهَا. وعن الحلواني: لو لم يخرج من البيت، ولكن أداها قبل الخروج، إذا كان البيت واسعًا؛ لا تبطل ما لم يجاوز العتبة. وقيل: تبطل إذا خطا خطوتين (١). وكذا الخلاف في المعذور، ولو صلى الظهر ثم توجه إليها. كذا ذكره التمرتاشي وشيخ الإسلام. وهذا إذا كان الإمام حين خرج في الصلاة ولم يدرك الصلاة، فإن لم يكن فيها حين خرج؛ لا يبطل ظهره بالاتفاق. وقوله: (حتى يدخل مع الإمام)؛ يشير إلى أن الإتمام مع الإمام غير شرط؛ لبطلان الظهر عندهما، وهو المشهور منهما، وبه قال الشافعي في القديم. أما إذا انتهى إلى الإمام، ولم يُحرم حتى سلم الإمام؛ يرتفض الظهر عندهما. كذا في الخلاصة (٢). وعنهما: ما لم يتمها مع الإمام؛ فقال شيخ الإسلام: يشترط الإتمام معه في حق ارتفاض الظهر على قولهما، حتى لو شرع فيها وقطعها؛ لا يرتفض عندهما. هكذا ذكره الحسن في كتاب صلاته. (فوقها)؛ أي: فوق صلاة الظهر؛ لأنها أكمل وأفضل في هذا اليوم بالإجماع. قوله: (ليس يسعى إليها)؛ أي: إلى الجمعة. وفي الأسرار: الجمعة اختصت بمكان لا يمكن إقامتها إلا بالسعي إليها، فصار السعي مخصوصا بها دون سائر الصلوات، فإنه يصح أداؤها في كل

стр. 1265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مكان، كالسفر في باب الحج شرط مخصوص؛ لتعلقه بمكان خاص، فصارت استطاعته للزاد والراحلة أمرًا مراعى لوجوب الحج، وإن أمكن أداؤها في الجملة بلا سفر كأهل مكة، فكذا السعي مع الجمعة (١). وإذا صار من خصائصها شرعًا اعتبر الاشتغال به، كالاشتغال بركن من أركانها؛ لأن الأركان لا تقع إلا مختصة بها، هذا هو الصحيح في بيان الاختصاص. ولما صار مختصًا بها، فشروعه في السعي الواجب بالنص؛ كشروعه فيها، فينقض ظهره ضرورة؛ لامتناع بقاء الظهر بالاشتغال؛ لأنه كالجزء منها. وفي مختلفات القاضي العيني: قال بعض المشايخ: هذه المسألة تبنى على مسألة أخرى، وهي أن بأداء بعض الجمعة يرتفض الظهر عنده خلافًا لهما، بأنه لو شرع فيها ثم تكلم؛ فإن الظهر يرتفض عنده خلافًا لهما (٢). وإذا ارتفع بأداء البعض يرتفض بالسعي؛ لأنه أدى بعض ما كان من خصائصها. والمراد من السعي المذكور في النص: نفس المشي، لا المشي بصفة الإسراع، [فإنه ﵊ نهى عن الإسراع] (٣) في قوله: ﴿إذا أتيتمُ الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون﴾ (٤). كذا في الفوائد الظهيرية (٥). وفي القنية: وسرعة المشي والعذر غير واجب عندنا، وعند عامة الفقهاء، واختلف في استحبابه، والأصح: أنه يمشي على السكينة والوقار (٦). فإن قيل: بعض الظهر إنما يثبت في ضمن أداء الجمعة؛ لأن بعض العبادة

стр. 1266

(وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ المَعْذُورُونَ الظُّهْرَ بِجَمَاعَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المِصْرِ، وَكَذَا قصدا حرام، أما إذا لم يؤدها ينبغي ألا ينتقض كما لو كان جالسا في المسجد فسمع الخطبة، فقام وصلى الظهر، ولم يتابع الإمام في الجمعة؛ جاز ظهره. قلنا: إنما لم ينتقض ظهره؛ لأنه لم يوجد منه السعي. كذا في جامع قاضي خان (١)، وبالسعي يبطل ضمنا؛ لأنه كالشروع فيها. فإن قيل: يرد على أصل أبي حنيفة مسألة القارن؛ فإنه إذا وقف بعرفات قبل أن يطوف بعمرته؛ يصير رافضًا عمرته، ولو سعى إلى عرفات لا يصير رافضا. قلنا: في القياس يرتفض بمجرد السعي كما في الجمعة. وفي الاستحسان: لا يرتفض؛ لأن السعي فيها منهي عنه قبل طواف العمرة، فضعف في نفسه، وهاهنا السعي مأمور به فكان قويا في نفسه. كذا في المبسوط (٢). فإن قيل: الظهر حسن لمعنى في عينه، والسعي حسن لمعنى في غيره، فكان الظهر أقوى منه، فينبغي أن لا ينتقض القوي بالضعيف. قلنا: لما قام مقام القوي وهو الجمعة؛ صار قويًّا في نفسه، كالتراب لما قام مقام الماء؛ يعمل عمله لا عمل نفسه. فإن قيل: السعي الموصل إليها مأمور به، والسعي الغير الموصل وهو الذي لا يدرك به الجمعة، فيجب أن لا يبطل به الظهر. قلنا: دار البطلان مع الإمكان يكون الإمام في الجمعة، والإدراك ممكن بإقدار الله تعالى إياه. قوله: (ويكره أن يصلي المعذورون) إلى آخره في الحلية: قال الشافعي: المستحب لأصحاب الأعذار أن يؤخروا الظهر إلى فوات الجمعة ثم يصلونها، ولكن وجب عليهم إخفاءها؛ لكيلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام (٣).

стр. 1267

أَهْلُ السِّجْنِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الإِخْلَالِ بِالجُمُعَةِ، إِذْ هِيَ جَامِعَةٌ لِلْجَمَاعَاتِ، وَالمَعْذُورُ قَدْ يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ بِخِلَافِ أَهْلِ السَّوَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ (وَلَوْ صَلَّى قَوْمٌ. وفي شرح الوجيز فيه وجهان، أحدهما: أنه لا يستحب؛ لأن الجماعة في هذا المقام شعار الجمعة (١)، وهو قول مالك (٢)، وأبي حنيفة، وأصحهما: أنه يستحب، وبه قال أحمد (٣)، والثوري؛ لعموم الرغبات الواردة في صلاة الجماعة. ولو صلّى المعذور ظهره في بيته، ثم حضر وصلى الجمعة؛ فجمعته تطوع في الجديد، وبه قال زفر، لما ذكرنا من الأصل. وقال الشافعي في القديم: يحتسب الله تعالى بأيهما شاء (٤). وعندنا: فرضه الجمعة لما بينا، وهكذا أهل السجن، وعلى هذا الخلاف المسافرون؛ فعندنا يكره، وعنده لا يكره؛ لكن ذكر التمرتاشي: لو صلى المريض الظهر بجماعة؛ فحسن، بخلاف المسجونين؛ حيث لا يباح لهم ذلك؛ لأن المرضى عاجزون، فيجوز أن يؤدون الصلاة على وجه الكمال، بخلاف المسجونين؛ لأنهم إن كانوا ظلمة قدروا على إرضاء الخصوم. وإن كانوا مظلومين أمكنهم الاستعانة، فكان عليهم الحضور للجمعة، وإليه أشير في المبسوطين (٥). وقيل: رخص مالك لأهل السجن وللمرضى والمسافرين أن يجمعوا (٦). (قد يقتدي به)؛ أي: بالمعذور. (غيره)؛ أي: غير المعذور، ولا يذهب إلى الجمعة، فيخل بالجمعة، بخلاف السواد؛ إذ لا جمعة عليهم.

стр. 1268

أَجْزَاهُمْ) لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ. (وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلَّى مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ وَبَنَى عَلَيْهِ الجُمُعَةَ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» (وَإِنْ كَانَ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، بَنَى عَلَيْهَا الجُمُعَةَ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَكْثَرَ وفي الْمُجْتَبى: من لا تجب عليه الجمعة لبعد المواضع؛ صلوا الظهر بالجماعة (١). أما المسافرون في المصر أو المعذورون، أو لم يجمع أهل المصر لمانع أو ظهر فساد جمعتهم؛ صلوا الظهر فرادى. واختلف قول مالك في قوم تفوتهم الجمعة؛ حكى ابن القاسم عنه: أنهم يصلون فرادى أربعًا (٢). وفي خزانة الأكمل: يصلي المعذور الظهر في بيته بأذان وإقامة (٣). وفي الولوالجي: بغير أذان وإقامة (٤). وفي المبسوط: صلى الإمام الظهر بأهل مصر؛ جاز وأساء (٥). قوله: (إن أدرك معه)؛ أي: مع الإمام أكثر الركعة الثانية، فإن أدركه في الركوع؛ لأن الركعة عبارة عن قيام وركوع وسجود، والركوع والسجود أكثرها. وإنما لم يقل: وإن أدرك الركعة الثانية؛ لئلا يتوهم أنه لو أدركه في القيام في الركعة الثانية من الجمعة، وإلا فلا. ويفهم من هذا ثلاث مسائل؛ أحدها: أنه لو أدركه في القيام في الركعة الثانية قبل القراءة أو بعدها؛ يكون مدركًا للجمعة. والثاني: أنه لو أدركه في الركوع؛ يكون مدركًا أيضًا.

стр. 1269

الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَيْهَا الجُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّهَا بَنَى عَلَيْهَا الظُّهْرَ) (*)؛ لِأَنَّهُ جُمُعَةٌ والثالث: أنه لو أدركه في القومة أو في السجود في الركعة الثانية؛ لا يبني الجمعة؛ لأنه لم يدرك الأكثر. (وإن أدرك أقلها)؛ أي: أقل الركعة الثانية. (بني عليها)؛ أي: على الجمعة أو الركعة الثانية، وبقول محمد قال الزهري، وزفر، والشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣) إلا أن الأربع ظهر محض عند الشافعي، حتى لو أدرك القعدة الأولى؛ لا يضره عنده، ويقعد لا محالة على رأس الركعتين؛ لما ذكر أنه ظُهْرُ من وجه وجمعة من وجه، فيقعد ويقرأ في الآخرتين احتياطا، هذا على رواية الطحاوي للزومها كما في حق الإمام. أما على رواية المعلا عنه: لا يلزمه القعدة الأولى؛ لأنه ظهر من وجه، فلا تكون القعدة الأولى واجبة. كذا في المبسوط (٤). لهم: ما روى الزهري بإسناده، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة ليضف إليها ركعة أخرى، وإن أدركهم جلوسًا صلى أربعًا» (٥). وفي رواية: «من أدرك دونها صلَّى أربعًا» (٦).

стр. 1270

مِنْ وَجْهِ، ظُهْرٌ مِنْ وَجْهِ لِفَوَاتِ بَعْضِ الشَّرَائِطِ فِي حَقِّهِ، فَيُصَلِّي أَرْبَعًا اعْتِبَارًا لِلظَّهْرِ، وَيَقْعُدُ لَا مَحَالَةَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، اعْتِبَارًا لِلْجُمُعَةِ، وَيَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ لِاحْتِمَالِ النَّفْلِيَّةِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ حَتَّى يَشْتَرِطَ وفي رواية: «من فاتته الركعتان صلَّى أربعًا» (١)، ولأنه جمعة من وجه؛ وهو أن تحريمته تحريمة الجمعة، وظُهْرُ من وجه؛ لفوات بعض شرائطه وهو الجماعة؛ لأن المسبوق منفرد فيما سبق، فيكون شبهة كون الظهر موجودا. (فيصلي أربعا)؛ أي: بنية الجمعة؛ ولهذا لو نوى الظهر لم يصح اقتداؤه، وجاز أن يؤدي الظهر بنية الجمعة؛ لأن الظهر ليس بأجنبي عن الجمعة، بدليل سقوط الظهر بنية الجمعة، فيصلي أربعًا احتياطا. وفي أصح قول الشافعي (٢)، وأحمد في رواية (٣): ينوي الظهر. (ولهما)؛ أي: لأبي حنيفة وأبي يوسف، قوله ﵊: «ما أدركتم فصلوا» الحديث، وهو عام في الصلوات كلها. وعن ابن مسعود ومعاذ ﵄ مثل قولهما. قال ابن المنذر: وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين (٤)، والمعنى: أنهما فرضان مختلفان لاختلاف شروطهما وقدرهما فلا يبنى أحدهما على الآخر. كذا في الإيضاح (٥). وفي المبسوط: ثم هو بإدراك التشهد مدرك للجمعة؛ بدليل أنه ينويها دون الظهر بالاتفاق، ثم الغرض بالاقتداء تارة إلى الزيادة، كما في حق المسافر إذا اقتدى بالمقيم، وتارة إلى النقصان، كما في الجمعة اقتداء المسافر بالمقيم، لا

стр. 1271

نِيَّةَ الجُمُعَةِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَبْنِي أَحَدَهُمَا عَلَى تَحْرِيمَةِ الْآخَرِ. فرق بين الركعة وما دونها في تغير الفرض به، فكذا هاهنا. وتأويل الحديث: وإن أدركتم جلوسا قد سلّموا، والقياس ما قالا. كذا في المبسوط (١)، مع أن ما رواه أبو حنيفة وأبو يوسف؛ وهو قوله ﵊: «ما أدركتم … » الحديث (٢) وهو مشهور، وما رواه محمد؛ غريب، وأن لفظ الجمع في قوله: «وإن أدركتهم جلوسًا صَلّى أربعًا» (٣)، نقله ضعفاء أصحابه. هكذا قال الحاكم الشهيد (٤). وأما الثقات من أصحاب الزهري؛ كعمر، والأوزاعي، ومالك، رووا عنه: من أدرك ركعته من الصلاة فقد أدركها، وأما إدراك ما دونها فما حكمه؟، فهو مسكوت عنه، فكان موقوفا على قيام الدليل، وقد قام؛ وهو قوله ﵊: «ما أدركتُم فصلوا» الحديث، وكل واحد من الفريقين ترك القياس. أما أبو حنيفة ﵀ فيقول بجواز الجمعة وإن كان عادمًا للشرائط، وأما محمد: فقد جمع بين الظهر والجمعة بتحريمة واحدة، وهما فرضان مختلفان كما ذكرنا، فلا يبني أحدهما على الآخر، إلا أن ما قاله أبو حنيفة مما يوجد له نظير، فإن جواز الشيء بدون شرائطه موجود حالة العذر، وكما لو أدرك الركعة الثانية، أو وجود الشرائط في حق الإمام يجعل موجودًا في حق المسبوق، كما تجعل القراءة وهي ركن، فهاهنا أولى. فأما الجمع بين صلاتين مختلفتين بتحريمة فيهما لا يوجد، فكان ما قاله أبو حنيفة أولى. وقيل: فيما روى محمد اضطراب؛ لأنه أسنده إلى الزهري، والزهري

стр. 1272

(وَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ تَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَالكَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: لَا بَأْسَ بِالكَلَامِ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ (*)، وَإِذَا نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ؛ لِأَنَّ الكَرَاهَةَ لِلْإِخْلَالِ بِفَرْضِ أسنده إلى رأيه؛ فإنه قال: أرى الجمعة من الصلاة، فمن أدرك ركعة من الجمعة؛ فقد أدركها، وإن أدرك ما دونها وفيها؛ يصلي أربعًا. كذا في جامع الكردري (١). وفي المبسوط: ولا معنى للاحتياط؛ لأنه إن كان ظهرا فلا يمكنه أن يبنيها على تحريمة عقدها للجمعة، وإن كان جمعة فلا تكون الجمعة أربعًا (٢). وفي المحيط: قال الشيخ الإمام أبو حفص الكبير: قلت لمحمد: يصير مؤديا الظهر بتحريمة الجمعة؛ قال: ما يصنع، وقد جاءت به الآثار (٣). قوله: (وإذا خرج الإمام): ثم المراد بخروجه صعوده على المنبر، وبقوله قال مالك (٤). (وقالا: لا بأس بالكلام): وبه قال الشافعي (٥)، وأحمد ﵏ (٦). وقيد بالكلام؛ لأن الصلاة في هذين الوقتين. (يكره بالإجماع)؛ أي: صلاة التطوع. ثم اختلف المشايخ على قوله؛ قال بعضهم: يكره كلام الناس، أما التسبيح وأمثاله فلا. وقال بعضهم: يكره الكل، والأول أصح. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٧).

стр. 1273

الاسْتِمَاعِ، وَلَا اسْتِمَاعَ هُنَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمْتَدُّ. وَلِأَبِي وعند الشافعي ﵀: يصلي تحية المسجد في حالة الخطبة (١)، وبه قال أحمد (٢). وعندنا، ومالك: يكره (٣). والكلام حرام في حالة الخطبة، والإنصات واجب عند الكل، وقال الشافعي في الجديد: مستحب (٤)، وهو قول الثوري. للشافعي: حديث سليك الغطفاني، أنه دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب، فجلس، فقال النبي ﵊: «أركعت ركعتين؟»، فقال: لا، فقال ﵊: «قم فاركعهما» (٥). ودخل أبو الدرداء المسجد ومروان يخطب، فركع ركعتين تحية المسجد، ثم قال: لا أتركهما بعد ما سمعت النبي ﵊ يقول فيما قال. كذا في تتمتهم (٦). وقلنا: تأويل حديث الغطفاني؛ أنه كان قبل وجوب الاستماع، وقبل نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. قيل: نزلت في الخطبة. وقيل: لما دخل وعليه هيئة رثة؛ ترك النبي ﵊ الخطبة لأجله، وانتظره حتى قام وركع ركعتين. والمراد: أن يرى الناس سوء حاله، ليعلموا حاله ويتصدقوا عليه، وفي زماننا لا يترك الخطيب الخطبة لأجل الداخل، ولا يستقبل الداخل الصلاة. كذا في المبسوط (٧).

стр. 1274

حَنِيفَةَ ﵀: قَوْلُهُ ﵊: «إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلِأَنَّ الكَلَامَ قَدْ يَمْتَدُّ طَبْعًا فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ. وروى الطحاوي عن عبد الله ابن بشر أنه قال: كنت جالسًا إلى جنبه يوم الجمعة، فقال: جاء رجل يتخاط رقاب الناس يوم الجمعة؛ فقال له النبي ﵊: «اجلس فقد آذَيْتَ» (١)، فقد أمره بالجلوس ولم يأمره بالصلاة. وعن عقبة ابن عامر أنه قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية، وأما فعل الصحابي؛ فليس بحجة عنده، خصوصا إذا وقع معارضًا للنص. ولهما: ما روى أنس عن النبي ﵊: كان إذا نزل عن المنبر يسأل الناس عن حوائجهم، وعن أسعار السوق، ثم يصلي. وعن عمر وعثمان ﵄: أنهما كانا إذا صعد المنبر يسألان الناس عن أسعار السوق. وقال ابن عمر ﵄ (٢): خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام (٣)، ولأن حرمة الكلام لإحلال فرض الاستماع؛ إذ الكلام في نفسه مباح، ولا خلاف عند شروعه في الخطبة، بخلاف الصلاة؛ لأنها قد تمتد، فلا يمكن قطعها حين أخذ الكلام في الخطبة، والكلام يمكن قطعه متى شاء. ولأبي حنيفة: حديث علي، وابن عباس ﵄، أنه ﵊ قال: «إذا خَرجَ الإمامُ فلا صلاة ولا كلام» (٤) من غير فصل. وقال عمرو بن عبد البر: كان ابن عباس، وابن عمر يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام، ولا مخالف لهما. وفي المبسوط: استدل أبو حنيفة بما روي أنه ﵇ قال:

стр. 1275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «إذا كان يوم الجمعة؛ بقيت الملائكةُ على أبواب المساجد يكتبون الناس، الأول فالأول إلى أن قال: فإذا خرج الإمامُ طَوَوُا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر» (١). وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس الكلام، فأما إذا كانوا يتكلمون؛ فهم يكتبون؛ قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وفيه نوع تأمل. ولأن الإمام إذا صعد المنبر ليخطب فكان مستعدا لها، فيجعل كالشارع فيها من وجه؛ ألا ترى في كراهية الصلاة جعل الاستعداد كالشروع فيها في كراهية الكلام (٢). ووجوب الإنصات غير مقصور على حال تشاغله بالخطبة، حتى يكره الكلام في حال الجلسة بين الخطبتين، ولكن ذكر في الْمُجْتَبى: حال الجلسة بينهما لا يكره عند أبي يوسف، ويكره عند محمد (٣). وأما الجواب عما رويا: فهو أنه كان في ابتداء الإسلام، كان الكلام مباحًا في الصلاة، فكان يباح في الخطبة أيضًا، ثم نهي بعد ذلك عن الكلام فيهما. ولأنه ﵊ كان إماما وخطيبًا؛ فلا بأس له أن يتكلم؛ لأنه يخطب، والخطبة من أولها إلى آخرها كلام. وأما ابن عمر، وعثمان، فمعارض بحديث ابن عمر، وابن عباس ﵄. وأما قولهما: (إنما حرم الكلام لأجل الاستماع)؛ قلنا: بلى، إلا أنه ألحق هذه الحالة بحالة الخطبة؛ تعظيما لأمر الخطبة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٤). فإن قيل: جاء في الحديث أن الدعاء يستجاب وقت الإقامة في يوم

стр. 1276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجمعة، فكيف يسكت عند أبي حنيفة؟ قلنا: يقرأ الدعاء بقلبه لا بلسانه، ثم إذا اشتغل بالخطبة؛ ينبغي للمستمع أن يجتنب مما يجتنب في الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (١)؛ ولهذا يكره له رد السلام، وتشميت العاطس، إلا في القول الجديد للشافعي؛ فإنه يرد ويشمت (٢). قال شيخ الإسلام والأصح: أن الاستماع إلى الخطبة من أولها إلى آخرها، وإن كان فيه ذكر الولاة والدنو من الإمام (٣). وفي الْمُجْتَبى: قيل: وجوب الاستماع مخصوص بزمان الوحي (٤). وقيل: في الخطبة الأولى دون الثانية؛ لما فيه من مدح الظلمة. وقيل: في الحمد والثناء. وقيل: التباعد من الخطيب في زماننا أولى، حتى لا يسمع مدح الظلمة. وعن أبي حنيفة: إذا سلم عليه يرد بقلبه. وعن أبي يوسف: يرد السلام، ويشمت العاطس فيها، وعن محمد: يرد ويشمت بعد الخطبة. وقيل: بالإشارة بيده ورأسه عند رؤية المنكر مكروه. والأصح: أنه لا بأس به؛ لأن عمر ﵁ كان يشير في خطبته لأمره ونهيه، ويصلي على النبي ﵊ في نفسه؛ عند ذكره ﵊.

стр. 1277

(وَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُونَ الأَذَانَ الأَوَّلَ، تَرَكَ النَّاسُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَتَوَجَّهُوا إِلَى واختلف المتأخرون فيمن كان بعيدًا لا يسمع الخطبة؛ قال محمد بن سلمة: المختار: السكوت، وهو الأفضل، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (١). وقال نصر بن يحيى: يسبح ويقرأ القرآن، وهو قول الشافعي (٢)، وأجمعوا على أنه لا يتكلم. وقيل: الاشتغال بالذكر وقراءة القرآن أفضل من السكوت. وأما دراسة الفقه، والنظر في كتب الفقه وكتابته؛ قيل: يكره. وقيل: لا بأس به. قال شيخ الإسلام: الاستماع إلى خطبة النكاح والختم وسائر الخطب واجب. وفي الكامل: ويقضي الفجر إذا ذكره في الخطبة، ولو تغدى بعد الخطبة أو جامع فاغتسل؛ يعيد الخطبة، وفي الوضوء في بيته لا يعيد (٣). ولو صلى ركعتين؛ فالأفضل أن يعيدها، ويستحسن ذكر الخلفاء الراشدين. وعن أبي حنيفة: أنه لا يستقبل الإمام، فإذا اشتغل بالخطبة انحرف إليه فاستقبله، ويستحب أن يقعد فيها كما يقعد في الصلاة؛ لقيامها مقام ركعتين، ولا بأس أن يقعد محتبيًا؛ لأنه منتظر للصلاة، يقعد كيف شاء، والنوم مكروه فيها إلا إذا غلب. قوله: (وإذا أذن المؤذنون): ذكر بلفظ الجمع، وإن كان لا يحتاج إليه؛ إخراجًا للكلام مخرج العادة، فإن التوارث اجتماع المؤذنين ليبلغ أصواتهم إلى أطراف المصر الجامع. وفي أذان المبسوط: اختلفوا في الأذان المعتبر الذي يحرم عنده البيع

стр. 1278

الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. والشراء ويجب السعي، فقال الطحاوي: هو الأذان عند المنبر بعد خروج الإمام، فإنه هو الأصل الذي كان للجمعة على عهد رسول الله ﷺ ، وكذا في عهد أبي بكر وعمر ﵄ (١). وفي فتاوى العتابي: هو المختار، وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وأكثر فقهاء الأمصار، ثم أحدث الأذان على الزوراء -أي: الصومعة- في عهد عثمان ﵁، وهو الذي يبدأ، ولم ينكره أحد من المسلمين. قال البخاري: الزوراء اسم موضع بالسوق في المدينة. وفي المحيط: اسم المأذنة (٤). وفي البدائع: اسم المنارة (٥). وقيل: اسم حجر كبير عند باب المسجد. وفي المغرب: الأَزْوَرُ من الرجال الذي مال أحد شقي صدره، وبمؤنثه سميت دار عثمان بالمدينة، ومنها قولهم: أحدث الأذان بالزوراء (٦). وعن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: هو أذان المنارة؛ لأنه لو انتظر الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة وسماع الخطبة، وربما يفوته أداء الجمعة إذا كان المصر بعيد الأطراف. والأصح: أن كل أذان يقع قبل الزوال فذلك غير معتبر، وما وقع بعد الزوال هو المعتبر، سواء كان على المنارة أو غيره. كذا في المبسوط (٧)، وهذا أوفق وأحوط. وقيل: وأما أذان السنة بدعة، أحدثه الحجاج بن يوسف.

стр. 1279

(وَإِذَا صَعِدَ الإِمَامُ المِنبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ المُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدِي الْمِنبَرِ) بِذَلِكَ جَرَى وإذا فرغ من خطبته أقاموا كسائر الصلوات المفروضات. ولو سمع النداء عند العشاء، إذا خاف فوت الجمعة يتركه كخروج وقت المكتوبات، بخلاف الجماعة في سائر الصلوات. قوله: يتعلق بصلاة الجمعة: وفي المجتبى: يستحب لمن حضر الجمعة أن يغتسل ويدهن ويمس طيبا إن وجده، ويلبس أحسن ثيابه إن كان له (١)؛ لما روى سلمان الفارسي ﵁ أنه ﵊ قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم يسكت إذا تكلم الخطيب؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري (٢). ويستحب الثياب الأبيض؛ لما روى ابن عباس أنه ﵊ قال: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من أحسن ثيابكم» (٣). ذكره الغزالي (٤)، وأبو طالب المكي لباس السواد، وخالفهما الماوردي في الحاوي؛ لما أنه ﵊ خطب وعليه عمامة سوداء، ودخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وعلى علي وابن عمر عمامة سوداء يوم قتل عثمان (٥). وأحدث بنو العباس لباس السواد شعارا لهم؛ لأن الراية التي عقدت للعباس يوم الفتح ويوم خيبر كانت سوداء، وقد مر الكلام في غسل يوم الجمعة. ويستحب أن يجلس في الصف الأول، وتكلموا في الصف الأول. قيل: هو الذي خلف الإمام في المقصورة.

стр. 1280

التَّوَارُثُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا هَذَا الْأَذَانُ، وَلِهَذَا قِيلَ: هُوَ المُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَحُرْمَةِ البَيْعِ، وَالأَصَحُ: أَنَّ المُعْتَبَرَ هُوَ الْأَوَّلُ إِذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِحُصُولِ الإِعْلَامِ بِهِ، (وإذا فرغ من خطبته أقاموا) وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقيل: مما يلي المقصورة، وبه أخذ أبو الليث. وفي خزانة الأكمل هذا في حق العامة؛ لأنهم كانوا ممنوعين من دخول المقصورة، أما في زماننا فلا منع، والصف الأول الصف الذي يلي الإمام (١). وفيه، وفي الينابيع، وفي جوامع الفقه: يستحب للإمام أن يقرأ في الأولى سورة الجمعة، وفي الثانية سورة المنافقين (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، وأحمد (٤). وقال مالك: أما الذي جاء به الحديث: هل أتاك حديث الغاشية مع سورة الجمعة، والذي أدركت عليه الناس (٥). ومن مات يوم الجمعة يُرجى له فضل، وكذا من مات بمكة. كذا في المحيط (٦). مصلي الجمعة سجد على ظهر آخر للزحام، إذا كان ركبتاه على الأرض؛ جاز، وإلا فلا. وعن صدر القضاة يجزئه وإن لم يكن ركبتاه على الأرض، وبه قال الشافعي (٧)، وأحمد (٨)؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: إذا زوحم أحدكم فليسجد على ظهر أخيه. وعن بعض أصحاب الشافعي أنه قال في القديم: إن شاء سجد على ظهره،

стр. 1281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإن شاء ترك حتى يزول الزحام (١)، وهو قول الحسن البصري. وقال مالك: يلزمه أن يؤخر السجود حتى يسجد على الأرض (٢)، وبه قال عطاء. وإن لم يتمكن من السجود انتظر حتى زال الزحام، فإذا زال الزحام والإمام في القيام في الثانية؛ سجد ويتبعه، ولو كان في الركوع في الثانية؛ يشتغل بقضاء ما فاته، وهو أحد قولي الشافعي. وفي قول منه: يتابعه في الركوع (٣). ولو سجد على ظهر الثالث؛ قيل: لا يجزئه إلا إذا سجد الثاني على الأرض، ولو وقف حتى سلم الإمام فهو لاحق، يمضي في صلاته بلا قراءة. وفي المبسوط: أحدث الإمام بعد الخطبة، فأمر آخر أن يصلي بالناس، فإن كان الرجل يشهد الخطبة؛ جاز ذلك، سواء كان الإمام مأذونا بالاستخلاف أو لا، بخلاف القاضي، فإنه إذا لم يكن مأذونا في الاستخلاف لا يستخلف؛ لأن القضاء غير مؤقت لا يفوت بتأخيره عند العذر، والجمعة مؤقتة تفوت بالتأخير (٤). وإن لم يكن المأمور يشهد الخطبة؛ لم يجز له أن يصلي بالناس الجمعة؛ لأن الخطبة من شرائط افتتاح الجمعة، وهو المفتتح لها، فلم يجز له افتتاحها كالأول إذا لم يخطب، بخلاف ما لو افتتحها ثم سبقه المحدث، فاستخلف من لم يشهد؛ حيث يجوز؛ لأن الخليفة ليس بمفتتح. وللشافعي في الاستخلاف بعد الشروع قولان؛ ففي الجديد: يجوز

стр. 1282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كمذهبنا (١)، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣). وعلى القديم: لا يجوز. ولو استخلف قبل الإحرام بعد الخطبة من حضر الخطبة؛ في الجديد: كقولنا (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وفي استخلاف من لم يسمع الخطبة؛ قال بعض أصحابه: فيه وجهين. ولو ذكر في الجمعة أن عليه الفجر، فإن كان لا يخاف فوت الجمعة يقطعها ويبدأ بالفجر، ولو خاف فوت الوقت يتم الجمعة؛ لسقوط الترتيب لضيق الوقت. أما لو خاف فوت الجمعة لا الوقت؛ فعندهما يبدأ بالفجر. وعند محمد: يتم الجمعة، وقد مرت المسألة. ولو خطب فقدم أمراً آخر، فإن صلى القادم بخطبة الأول صلى الظهر، وإن خطب خطبة أخرى صلى الجمعة. ولو عزل الأول انتقض حكم الخطبة، وإن لم يحضر الثاني وصلى الأول الجمعة مع علمه بقدوم الثاني؛ جاز ما لم يكن من الثاني جلوس في الحكم، أو ما يستدل به على العزل، ولو أمر رجلًا بالخطبة ثم أمر غيره بالصلاة؛ جاز كما لو أمر أحدهما بالخطبة والآخر بالصلاة. ولو قال: اخطب لهم ولا تصلّي بهم؛ له أن يصلي بهم. مات الخليفة، فالقاضي على قضائه، والوالي على ولايته حتى يعزله القادم بعده.

стр. 1283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَو مَاتَ أَمِيرُ نَاحِيَةٍ أَوْ قَاضِيهَا؛ انعَزَلَ خُلَفَاؤُه وَقُضَاتُهُ. خَطَبَ صَبِيٌّ لَهُ مَنشُورٌ لِلجُمُعَةِ، فَجَمَعَ بِهِمْ بَالِغٌ؛ جَازَ، وَيُعزَلُ القَاضِي وَلَا يَنعَزِلُ فِيهِ سُلطَانٌ فَاسِقٌ، وَتَعَذَّرَ التَّوَصُّلُ إِلَى استِئذَانِ الإِمَامِ؛ جَازَ لِأَهلِ المِصرِ أَنْ يَجتَمِعُوا عَلَى رَجُلٍ يَجمَعُ بِهِمْ. وَفِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: خَطَبَ وَحدَهُ أَوْ بِحَضرَةِ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ (١). وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لَو خَطَبَ وَحدَهُ يَجُوزُ، وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢). البَيعُ بَعدَ الزَّوَالِ قَبلَ الأَذَانِ المُعتَبَرِ لَا يُكرَهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَكرَهُ (٣)، وَبَعدَ الأَذَانِ وَظُهُورِ الإِمَامِ حَرَامٌ؛ لَكِنَّهُ يَصِحُّ. وَعِندَنَا، وَالشَّافِعِيُّ (٤)، وَالجُمهُورُ: مَكرُوهٌ. وَعِنْدَ مَالِكٍ (٥)، وَأَحمَدَ (٦)، وَدَاوُدَ ﵏: لَا يَصِحُّ البَيعُ. وَفِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: الرُّستَاقِيُّ سَعَى إِلَى المِصرِ يَومَ الجُمُعَةِ؛ يُرِيدُ بِهِ إِقَامَةَ الجُمُعَةِ وَإِقَامَةَ حَوَائِجِهِ، وَمُعظَمُ مَقصُودِهِ إِقَامَةُ الجُمُعَةِ؛ يَنَالُ ثَوَابَ السَّعيِ، وَلَو كَانَ مَقصُودُهُ إِقَامَةَ الحَوَائِجِ لَا غَيرَ، أَوْ مُعظَمُ مَقصُودِهِ إِقَامَةُ الحَوَائِجِ؛ لَا يَنَالُ ثَوَابَ السَّعيِ (٧). قَالَ شَيخُ الإِسلَامِ: قَالَ مَشَايِخُنَا: لَو تَلَا آيَةَ السَّجدَةِ فِي الجُمُعَةِ أَوْ العِيدِ لَا يَسجُدُهَا (٨)، وَكَذَا لَو وَجَبَ عَلَيهِ سَهوٌ مَخَافَةَ التَّشوِيشِ، وَالمَرِيضُ لَا يُصَلِّي

стр. 1284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الظهر قبل الجمعة؛ لرجاء البرء في كل زمان، وبه قال الشافعي (١). شرع في الأربع قبل الظهر، فافتتح الخطيب الخطبة؛ قال بعض المشايخ - منهم الإمام السرخسي والإسبيجابي -: يصلي ركعتين. وقال بعضهم - منهم عصام وأبو عاصم والحلواني -: أربعًا. وفي فتاوى البقري: وبه يفتي (٢). وفي شرح الطحاوي: يجهر بالخطبة الأولى، وفي الثانية يجهر دون ذلك (٣). وفي الجامع: يتقلد الخطيب السيف في كل بلدة فتحت بالسيف (٤). ويكره أن يخطب متكئًا على عصا، أو قوس مستقبل القبلة. أمر النصراني ثم أسلم؛ ليس له أن يصلي الجمعة حتى يؤمر بعد الإسلام. وكذا الصبي إذا أمر ثم أدرك؛ ليس له أن يصلي الجمعة [حتى يُؤمر بعد الإسلام، وكذا الصبي إذا أُمر ثم أدرك؛ ليس له أن يصلي] (٥) بلا تجديد الولاية. ولو استفتى صبي أو نصراني ثم أسلم وأدرك؛ لم يجز حكمهما. للمولى أن يمنع عبده عن الجمعة والجماعات والعيدين، وعلى المكاتب الجمعة، وكذا على معتق البعض إذا كان يسعى، والعبد الذي حضر مع مولاه باب المسجد، ولا يجب على العبد المأذون ولا على عبد يؤدي الضريبة. وقال أبو حفص: للمستأجر أن يمنع الأجير عن حضور الجمعة. وقال أبو علي الدقاق: ليس له منعه، ولكن يسقط منه الأجر بقدر اشتغاله بذلك إن كان بعيدًا، وإن كان قريبًا لا يحط عنه شيء.

стр. 1285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أصاب الناس المطر الشديد يوم الجمعة؛ فهم في سعة من التخلف. يباح للمختفي من السلطان الظالم ألا يخرج إلى الجمعة، وكذا في الوحل. ذكره المرغيناني (١). ولا يحل للرجل أن يعطي سواك المساجد. وفي فتاوى قاضي خان: قال أبو نصر العياضي: مَنْ أخرجهم من المسجد أرجو أن يغفر الله له (٢). وقال بعض العلماء: من تصدّق بفلس في المسجد، ثم تصدق بعد ذلك أربعين فلسا؛ لم يكن كفارة لذلك الفلس. وعن خلف بن أيوب: لو كنت قاضيًا لا أقبل شهادة من تصدق على هؤلاء في المسجد الجامع. وعن أبي بكر بن إسماعيل: هذا فلس يحتاج إلى سبعين فلسا كفارة له، ولكن تصدقوا قبل أن يدخلوا المسجد، أو بعد ما يخرج عنه. وعن ابن المبارك: يعجبني أن السائل إذا سأل لوجه الله لا يعطى له شيء؛ لأن الدنيا خسيسة، فإذا سأل لوجه الله تعالى فقد عظم ما حقره، فلا يعطى له زجرا. وعن الحسن البصري أنه قال: ينادي مناد يوم القيامة: ليقم بَغِيضُ اللَّهِ، فيقوم سُؤَال المساجد. وقال أبو مطيع: لا يحل للرجل أن يعطي سؤال المساجد. قال الصدر الشهيد: إن السائل إذا كان لا يمر بين يدي المصلي، ولا يتخطى رقاب الناس، ولا يسأل الناس إلحافًا، ويسأل لأمر لابد له منه؛ لا بأس بالسؤال، وإلا فلا (٣).

стр. 1286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حضر والمسجد الجامع ملآن، إن تخطى يؤذي الناس؛ لم يتخط، وإن كان لا يؤذي أحدًا، ولا يطأ ثوبًا ولا جسدًا؛ فلا بأس بأن يتخطى، فيدنوا من الإمام ما أمكن. كذا ذكره الهندواني: لا بأس بالتخطي ما لم يأخذ الإمام في الخطبة. وعن أبي يوسف: لا بأس ما لم يخرج الإمام. كذا في الخلاصة (١). والسنة أن يبكر ويدنو من الإمام ما أمكن من غير أن يؤذي أحدًا، وبه قال الشافعي (٢)؛ لما روي أنه ﵊ قال: «من بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا ولم يَلْغُ؛ كُتِبَ له بكل خطوة عمل سنة أجر قيامها وصيامها» (٣). وقال ﵊: «إذا كان يوم الجمعة؛ وقفت الملائكة على باب المسجدِ، فيكتبون الأول فالأولَ، فمثلُ المُهجر - أي مثل المبكر - كمثل المهدي بدَنَةً، ثم الذي يليه كالمُهدِي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي شاة، ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة، ثم الذي يليه كالمهدي بيضة، فإذا خرج الإمام؛ طَوَوُا صُحُفَهم وجلسوا يستمعون الذكر» (٤). كذا في الروضة، وجامع الكردري (٥). يكره السفر بعد الزوال يوم الجمعة لا قبله. وفي شرح الأقطع: لا يكره لا قبله ولا بعده (٦). وفي الذخيرة: ذكر محمد في السير الكبير: لا بأس قبل الزوال بلا خلاف؛ لعدم وجوبها، وبعد الزوال إن أمكنه الخروج من المصر قبل خروج وقت الظهر؛ لا بأس به قبل الصلاة وإقامة الجمعة، وإن كان لا يمكنه الخروج

стр. 1287

بَابُ صَلَاةِ العِيدَيْنِ قبل خروج وقت الجمعة؛ فلا ينبغي أن يخرج (١). وفي النوادر: لا بأس به قبل الصلاة من غير فصل (٢). قال الحلواني: لا ينبغي أن يخرج بعد الزوال قبل أداء الجمعة. وقال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥): لا يجوز إنشاء السفر بعد الزوال قبل أداء الجمعة (٦). ولو خطب واحد وصلى غيره؛ جاز، وبه قال مالك (٧)، والشافعي (٨) وأحمد في أحد قولهما (٩)، والله أعلم بالصواب. باب العيدين هذا من باب حذف المضاف؛ أي: صلاة العيدين وتناسب البابين ظاهر؛ لما أنهما يقاما بجمع عظيم، ويجهر فيهما بالقراءة، ويشترط لأحدهما ما يشترط للأخرى سوى الخطبة. العيد: يوم مجمع سمي بذلك؛ لأنه من العود، وهم يعودون إليه مرة بعد أخرى، وهو من الأسماء الغالبة على يوم الفطر والأضحى، وجمعه أعياد. في الصحاح: كان من حق جمعه أن يقال: أعواد؛ لأنه من العود، ولكن

стр. 1288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جمع بالياء؛ للزومها في الواحد، أو جمع بالياء؛ للفرق بينه وبين أعواد الخشبة (١). وفي المبسوط: الأصل فيه حديث أنس ﵁، قال: قدم النبي ﵊ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال ﵊: «قد بدَّلَ الله لكم بهما خيرا منهما: الفطر والأضحى» (٢). أشبه المذهب في صلاة العيد أنها واجبة أو سنة، فروى الحسن عن أبي حنيفة أنها تجب على من تجب عليه الجمعة (٣). وقال في الأصل: لا يصلي التطوع بجماعة ما خلا قيام رمضان وكسوف الشمس (٤)، فهو دليل على أنها واجبة، والمذكور في الجامع الصغير أنها سنة؛ حيث قال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فالأول سنة والثاني فريضة (٥). والأظهر أنها سنة، ولكنها من معالم الدين، أخذها هُدْيٌ وتركها ضلالة. وفي الْمُجْتَبى: ذكر محمد في الأصل: رأيت العيدين هل يجب الخروج فيهما على أهل القرى والجبال والسواد؟، قال: لا، إنما تجب على الأمصار والمدائن (٦)، فنص على الوجوب. وذكر الكرخي في مختصره وتجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة (٧). وفي المحيط: عن أبي يوسف: أنها سنة واجبة؛ أي: وجوبها طريقة

стр. 1289

قَالَ: (وَتَجِبُ صَلَاةُ العِيدِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الجُمُعَةِ) وَفِي مُستقيمة (١). وقال أبو موسى في مختصره: وهي فرض على الكفاية (٢)، وبه قال الإِصْطخري من أصحاب الشافعي (٣)، وأحمد (٤). ووجهه: أنها صلاة يتوالى فيها بالتكبيرات؛ فشابهت صلاة الجنازة. وقال أبو جعفر النسفي: هي واجبة على الأعيان؛ لأنها من الشعائر كالجمعة، فيكون فرضًا كهي. وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنها سنة مؤكدة، وبه قال الشافعي (٥)، ومالك (٦)، لكنها من الشعائر، فعبر عنها بالوجوب مبالغة. وقال الأكثرون: إنها واجبة، وهو الأصح؛ لظهور علامات الوجوب من الوقت المقصود، والجماعة والإمام، والمصر بوصف اللزوم، ويصح بما تصح به الجمعة، إلا الخطبة، فوجب القول بوجوبها قياسًا على الجمعة. ثم يفهم من قوله: وتجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة؛ أنها لا تجب على العبد والمسافر والمريض كالجمعة. فإن قيل: ينبغي أن تجب على العبد عند إذن المولى بالصلاة؛ لأن المانع حق المولى، وقد أسقطه بالإذن، وإنما قال: لا تجب الجمعة مع قيام الإذن؛ لقيام الظهر مقامها، وهاهنا ليس كذلك. قلنا: لا تجب صلاة العيد مع الإذن؛ لأن المنافع بالإذن لا تصير ملكا

стр. 1290

الجَامِعِ الصَّغِيرِ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمِ وَاحِدٍ، فَالأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي فَرِيضَةٌ، للعبد؛ لأنها غير مستثناة على المولى، فإذا لم يصر مملوكًا له بقي الحال بعد الإذن كما كان قبله؛ ألا ترى أن العبد لو حنث في يمينه، فكفر بالمال بإذن المولى؛ لا يجوز؛ لأنه لا يملكه بإذنه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). وقال الشافعي في الجديد: لا يشترط لها ما يشترط للجمعة، حتى يجوز أن يصلي العيد العبدُ والمسافرُ، والمرأة والمنفرد حيث شاء، وأهل القرى؛ لأنها نافلة، فأشبهت صلاة الاستسقاء والخسوف (٢). وقال في القديم وهو رواية عن أحمد (٣): كقولنا. وإنما ذكر المصنف رواية الجامع بعد رواية القدوري؛ لما فيها نوع مخالفة؛ فإنه أطلق لفظ الوجوب في رواية القدوري، ولفظ السنة في رواية الجامع، وتغليب لفظ العيد على لفظ الجمعة؛ إما لقلة الحروف كما في القمرين، أو لتغليب المذكر كما في القمرين، أو لأن الجمعة عيد المؤمنين، باعتبار ما لهم من وعد المغفرة والكفارة. وسمي يوم العيد بالعيد؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان إلى العباد، وكذلك في يوم الجمعة للمؤمنين عوائد من الله تعالى، أو تبركا بقول النبي ﵊؛ فإنه قال: «لكل مؤمن في كل شهر أربعة أعياد أو خمسة أعياد» (٤). كذا ذكره الإمام المحبوبي (٥). وفي جامع الكردري: سميت الجمعة يوم عيد؛ لأن العيد عند العرب يوم سرور، وسرور المؤمنين في الصلاة على ما قاله ﵊: «جُعِلَت قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» (٦)؛ إذْ مقصود المؤمن نيل الثواب والخلاص من العقاب،

стр. 1291

وَلَا يُتْرَكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. قَالَ ﵁: وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى السُّنَّةِ، وَالأَوَّلُ عَلَى الوُجُوبِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَجْهُ الأَوَّلِ مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الأَعْرَابِي عَقِيبَ سُؤَالِهِ قَالَ: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ فَقَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَالأَوَّلُ أَصَحُ، وَتَسْمِيَتُهُ سُنَّةٌ لِوُجُوبِهِ بِالسُّنَّةِ. وذلك في صلاة الجماعة أكثر، وإنما حملناه على ذلك توفيقا بين الروايتين، وهذا الحمل أولى من العكس، بقرينة قوله: (ولا يترك واحد منهما)؛ لأن مثل ذلك الكلام في الرواية يذكر في الواجب غالبًا (١). فإن قيل: كيف قال: (ولا يترك واحد منهما)، ومعلوم أن الجمعة فرض عين، وفرائض الأعيان لا تترك؟ قلنا: احترز به عن قول عطاء؛ حيث تجوز بصلاة العيد عن الجمعة عنده، ومثله عن علي، وابن الزبير. قال ابن عبد البر: سقوط الجمعة بالعيد قول مهجور (٢)، وتأويل ما روي عن علي؛ أن ذلك في حق أهل البادية، ومن لا تجب عليه الجمعة. (لوجوبه)؛ أي: لثبوته بالسنة؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبب. وجه الأول: أي: الوجوب: مواظبة النبي ﵊ من غير ترك؛ إذ نفس المواظبة لا تدل على الوجوب؛ ولهذا ذكر في بعض النسخ: من غير ترك. واستدل في الإيضاح بقوله: وإنما تقام على سبيل إظهار شعائر الإسلام بالجماعة في أعظم الجمع، وهي ملحقة بالجمعة في اعتبار شرائطها إلا الخطبة، فيلحق بها في صفة الوجوب (٣). فإن قيل: يلزم عليه الأذان والإقامة في سائر الصلوات، فإنها من الشعائر، وتقام على سبيل الإظهار مع أنها سنة.

стр. 1292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلنا: أصل صلاة العيد شعار شرعت مقصودة بنفسها، والأذان والإقامة والجماعة شرعت تبعًا لغيرها وهو الصلاة، فانحطت درجتها عن درجة صلاة العيد. كذا ذكره شيخ الإسلام (١). واستدل شيخ الإسلام على وجوبها بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقيل: المراد صلاة العيد، والأمر للوجوب. وفي الفوائد الظهيرية: الأمر باللام إنما يكون للمعاينة، وهذا مخاطبة؛ لكن روي في قراءة النبي ﷺ «فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» بتاء الخطاب، فيحمل هذا على ذلك (٢). أو جعل الإخبار من الأمر مجازًا؛ لأنه يستفاد معنى الوجوب من الإخبار أيضًا، وفيه تأمل؛ لأنه نقل عن ابن عباس: أن المراد به تكبيرات ليلة الفطر، بدليل عطفه على إكمال رمضان. وقيل: المراد بالآية التعظيم. وقيل: تكبيرات صلاة العيد. وقيل في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]؛ المراد: صلاة العيد. ذكره في أكثر التفاسير، فتجب بالأمر، ولأنها من الشعائر، فلو كانت سنة عسى لا تقام، فلا يحصل معنى الشعائر. كذا في المحيط (٣). وجه الثاني - وهو كونها سنة-: عقيب سؤاله - أي سؤال الأعرابي- وهو أن الأعرابي سأل النبي ﵊ وقال: هل غير الصلوات الخمس؟، قال: «لا، إلا أن تطوع» (٤)، وتأويله مر في باب الوتر، أو نقول: إن صلاة العيد لا تجب على البدوي، والسائل من الأعراب والبدوي.

стр. 1293

(وَيُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الفِطْرِ أَنْ يَطْعَمَ قَبْلَ الخُرُوجِ إِلَى المُصَلَّى وَيَغْتَسِلَ وَيَسْتَاكَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَطْعَمُ فِي يَوْمِ الفِطْرِ قَبْلَ أَنْ قوله: (ويستحب في يوم الفطر) إلى قوله: (ويتوجه إلى المصلى): وبه قال الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لما روي أنه ﵊ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى. وفي حديث أنس ﵁: حتى يأكل تمرات، ولأن الفطر ضد الصوم، والصوم من أول اليوم يكون، فكذا الفطر الذي هو ضده. فإن قيل: عند الاغتسال للعيدين هنا مستحبا، وفي الطهارة سنة. قلنا: اختلفت عبارات المشايخ؛ ففي بعضها جعله سنة، وفي بعضها مستحبا، والصحيح أنه سنة، وسماه مستحبا؛ لاشتمال السنة على المستحب، وعد سائر المستحبات هنا سنة في بعضها. وفي جمع النوازل: ويستحب يوم الفطر الاغتسال والسواك، ولبس أحسن الثياب، والتختم والتطيب والابتكار إلى المصلى، وتعجيل الإفطار قبل الصلاة، ولو لم يأكل قبلها لا يأثم، ولو لم يأكل في يومه ذلك ربما يعاقب، وأن يكون الإفطار بالحلو، ويؤدي صدقة الفطر، وأن يصلي الفجر في مسجد حيه، ويخرج إلى المصلي ماشيًا ولا يركب إلا لعذر (٤). وفي الذخيرة، والمرغيناني: لا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين، والمشي أفضل (٥)، وبه قال الشافعي (٦)، والثوري، وأحمد (٧). وينصرف في طريق آخر؛ كما فعل النبي ﷺ جميع ذلك.

стр. 1294

يَخْرُجَ إِلَى المُصَلَّى، وَكَانَ يَغْتَسِلُ فِي العِيدَيْنِ» وَلِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعِ فَيُسَنُّ فِيهِ الغُسْلُ وَالطَّيبُ كَمَا فِي الجُمُعَةِ (وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَتْ لَهُ جُبَّةٌ فَنَكِ أَوْ صُوفٍ يَلْبَسُهَا فِي الأَعْيَادِ (وَيُؤَدِّي صَدَقَةَ الفِطْرِ) إِغْنَاءَ لِلْفَقِيرِ لِيَتَفَرَّغَ وفي شرح الإرشاد: روي أن من كان لا يتختم من أصحاب النبي ﵊ في سائر الأيام؛ يتختم يوم العيد (١). وكان عليه أن يتطيب بطيب له ريح، لا لون له كالبخور والمسك، والمسك حلال للرجال، وقد غلط من قال بنجاسته. وروي أنه ﵊ كان يخرج ماشيًا (٢)، وعن علي ﵁ أنه خرج إلى المصلى ماشيًا، وراحلته تقاد إلى جنبه، وكان النبي ﵊ يقول عند خروجه: «اللَّهُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ إِلَيْكَ مُخْرِجَ العَبْدِ الذَّلِيلِ» (٣)، وفي غداة الأضحى يفعل ذلك كله أيضًا، غير أنه يترك الأكل، وهو سنة عند بعض علمائنا؛ لتواتر الأخبار عن النبي ﵊. وروي أن الصحابة يمنعون صبيانهم من الأكل، وأطفالهم من الرضاع، غداة الأضحى حتى ينصرفوا. وقال بعضهم: هذه سنة لمن أراد أن يضحي بعد الأضحى، حتى يكون أول أكله من لحم الأضحية، فأما من لم يضح؛ فقبل الصلاة وبعدها في حقه سواء. وقيل: في انصراف النبي ﵊ عن الطريق الذي خرج؛ أقوال، منها: أنه إنما فعل ذلك ليكون للطريق الآخر حظا من العبادة. وقيل: إنما فعل ذلك؛ لأن الناس يسألونه عن الشرائع، وما كانوا يقدرون له على الوقوف في الطريق الواحدة. وقيل: كل واحد يتمنى النظر إلى وجهه، ولا يتيسر له في طريق واحد.

стр. 1295

قَلْبُهُ لِلصَّلَاةِ (وَيَتَوَجَّهُ إِلَى المُصَلَّى، وَلَا يُكَبِّرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي طَرِيقِ المُصَلَّى، وقيل: ليتبين أن ذلك كله حسن مختار. وقيل: كان يفعله احتياطا وتحرزا من كيد الكفار. وفي جمع النوازل: يستحب أن يقرّب الإمام، وإن لم يخرج الإمام بعد ارتفاع الشمس قدر رمح؛ لئلا يحتاج إلى انتظار القوم، وفي عيد الفطر يؤخر الخروج عنه قليلا؛ لأنه ﵊ كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل الضحى وأخر الفطر، قيل: ليؤدي الفطرة ويعجل إلى الأضحية (١). قوله: (ولا يكبر)؛ أي: لا يكبر جهرًا. به صرّح المصنف في تجنيسه (٢). وفي مبسوط شيخ الإسلام، وتحفة الفقهاء، وزاد الفقهاء، والخلاصة: وفي تعليل الكتاب إشارة إليه، ففي مبسوط شيخ الإسلام يروي المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة؛ أنه لا يكبر جهرًا (٣). وروى الطحاوي عن أبي عمران البغدادي إسناده عن أبي حنيفة؛ أنه يكبر، وهو قولهما. وقال الشافعي: يكبر في العيدين، وأول وقته من غروب الشمس في آخر يوم من رمضان (٤)، وبه قال مالك (٥)، وأحمد (٦)، إلا أن أحمد يقول: لا يكبر ليلة الفطر. لهم: قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال ابن عباس: هذا ورد في عيد الفطر، بدليل عطفه على قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والمراد بإكمال العدة: إكمال صوم رمضان.

стр. 1296

وَعِنْدَهُمَا: يُكَبِّرُ) (*) اعْتِبَارًا بِالأَضْحَى وَلَهُ: أَنَّ الأَصْلَ فِي الثَّنَاءِ الإِخْفَاءُ، وعن ابن عمر ﵄، أنه ﵊ كان يخرج يوم الفطر والأضحى؛ رافعا صوته بالتكبير (١). واختلف أصحاب الشافعي في انقطاع هذا التكبير، فقال المزني: يكبرون حتى يخرج الإمام (٢). وقال البويطي: حتى يفتتح الصلاة (٣). وقال في القديم: حتى ينصرف من الصلاة (٤). وعندنا: إذا بلغ المصلى قطع. وفي رواية: إذا شرع في الصلاة. كذا في الكافي (٥). وعن أبي حنيفة: أن الأصل في الذكر والثناء الإخفاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وقال ﵊: «خيرُ الذكرِ الخَفي، وخير الرزق ما يَكْفِي» (٦). وقال ﵊ لمن رفع صوته بالذكر: «إنك لا تَدْعُ أَصَما ولا غائبا» (٧)، ولأنه أقرب من الآداب والتضرع، وأبعد من الرياء، ولأنها من الشعائر؛ فتكون على السكينة والوقار كالجمعة.

стр. 1297

وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ فِي الأَضْحَى؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ تَكْبِيرِ، وَلَا كَذَلِكَ يَوْمَ الْفِطْرِ ولما روي عن ابن عباس ﵄ أن قائده حمله يوم الفطر إلى العيد، فسمع الناس يكبرون، فقال لقائده: أخبر الإمام، قال: لا، قال: أَفَجُنَّ الناس، إلا أن الشرع ورد بالتكبير في الأضحى؛ لأنه يوم تكبير، ولا كذلك الفطر - أي يومه- فإنه ليس يوم تكبير؛ لعدم ورود يوم الشروع به فيه. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] في عيد الفطر، على ما قاله ابن عباس، وما روي عن ابن عمر ﵄ نص في الباب. قلنا: الآية محتملة للوجوه كما قلنا، فلا يدل على ذلك، وقول ابن عباس مخالف لتأويله، ولكن قيل فيه: يحتمل أن تجنبه الناس لتكبيرهم قبل الإمام، وغير مشروع باتفاق أصحابنا. وأما حديث ابن عمر؛ فمداره على الوليد بن محمد عن الزهري، والوليد متروك الحديث، ولأن هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، فلا يقبل لو كان طريقه صحيحًا، فكيف إذا كان فاسدًا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). وفي الْمُجْتَبى: قال الكرخي: يكبر في عيد الفطر لا في عيد الأضحى (٢). وقال قاضي خان عكسه (٣)، وعن أبي حنيفة أنه يكبر في عيد الفطر خفية. وفي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ: روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة؛ أنه لا يكبر في يوم الفطر (٤). [قال الرازي: والقول الصحيح من قول أصحابنا: ما ذكر ابن أبي عمران ولم يعرف عنهم ما رواه المعلى. وفي الخلاصة (٥): والأصح ما رواه المعلى؛ أنه لا يكبر في عيد الفطر] (٦).

стр. 1298

(وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي المُصَلَّى قَبْل صَلاةِ العِيدِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَفْعَلْ وفي جمع النوازل: قال أبو بكر: قال مشايخنا: التكبير جهرا في غير هذه الأيام لا يسن؛ إلا بإزاء العدو أو اللصوص مهيبا لهم (١). وقيل: وكذا في التحريق والمخاوف كلها. وفي جمع النوازل: ويكبر كلما لقي جمعًا أو هبط واديًا كالتلبية (٢). قوله: (ولا يَتَنَفَّلُ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ صلاة الْعِيدِ): قال الشافعي: يكره التنفل للإمام قبل الصلاة وبعدها دون القوم؛ بل يستحب للقوم كما في سائر الأيام؛ لقوله ﵊: «الصّلاةُ خيرٌ موضوع» (٣) الحديث، إلا أنه يكره للإمام مخافة التشويش ولما روي عن رافع ابن خديج، وسهل بن سعد، أنهما كانا يصليان قبل الصلاة وبعدها (٤). وقال مالك (٥)، وأحمد (٦): يكره للكل قبلها وبعدها، وعن مالك: لو صلّى العيد في المسجد روايتان (٧). وعندنا: يكره قبلها لا بعدها. لنا: ما روي عن علي (٨) ﵁، أنه رأى في المصلى قوما يصلّون قبل الإمام، فقال: ما هذه الصلاة، لم نكن نعرفها على عهد رسول الله ﷺ ، فقيل له: أفلا تنهاهم، فقال: أكره أن أكون من الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿أَرَوَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾.

стр. 1299

ذَلِكَ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ قِيلَ: الكَرَاهَةُ فِي المُصَلَّى خَاصَّةٌ، وَقِيلَ: فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ عَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَفْعَلْهُ. قيل: قال واحد منهم: أنا أعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدًا على الصلاة، فقال علي: أنا أعلم أن الله تعالى لا يثيب على مخالفة الرسول ﵊. وروى جابر ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «لا صلاة في العيدين قبل الإمام» (١)، ولأنه لا أذان فيه، فربما شرع الإمام في الصلاة، فيحتاج إلى قطعها أو ترك بعض صلاة العيد. وقال محمد بن مقاتل: يكره في المصلى؛ كيلا يشبه على الناس. كذا في المبسوط (٢). وفي المختلفات: قال أبو بكر الرازي: معنى قول أصحابنا: أنه لا يصلي قبل صلاة العيد؛ أي: ليس فيها صلاة مسنونة، لا أنها تكره؛ لأنه ﵊ لم يفعله. هذا دليل الكراهة؛ إذ لو جاز لفعل تعليمًا للجواز، مع حرصه على الصلاة (٣). وفي فتاوى الكبرى، والولواجي: وعليه الفتوى (٤). وقوله: (خاصة وعامة): نصب على الحال من الكراهة، والعامل فيهما: قيل. وفي الزاد، والخلاصة: يستحب أن يصلي بعد صلاة العيد أربع ركعات (٥)؛ لحديث علي ﵁ أنه ﵊ قال: «مَنْ صَلَّى بعد

стр. 1300

[وَقْتُ صَلاةِ العِيدِ] (وَإِذَا حَلَّت الصَّلَاةُ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ دَخَلَ وَقْتُهَا إِلَى الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ وَقْتُهَا) لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي العِيدَ وَالشَّمْسُ عَلَى قِيْدِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ»، العيد أربع ركعات؛ كتب الله له بكلٍّ بيت بيت في الجنة (١)، وبكل ورقة حسنة» (٢). وقيل: يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة؛ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة؛ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾ وفي الثالثة بعدها ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وفي الرابعة بعدها ﴿وَالضُّحَى﴾. وفي فتاوى قاضي خان، والتحفة: أطلق جواز التطوع في الجبانة بعد الصلاة بغير كراهية، ومن غير ذكر استحباب (٣). ومسألة خروج النساء في العيد مرت في باب الإقامة. قوله: (قيد رمح)؛ أي: قدره، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥)، وأكثر أهل العلم. وقال الشافعي: أول وقتها بطلوع الشمس، ويستحب تأخيرها قيد رمح (٦). ولنا: ما روي أنه ﵊ صلاها حين ترتفع الشمس قيد رمح
следующие страницы →