← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولنا: ما روى ابن عمر (١)، والنعمان بن بشير (٢)، وأبي بكرة (٣)، وسمرة بن جندب (٤)، بألفاظ مختلفة: أنه ﵊ صلّى ركعتين في الكسوف، ركعتين كأطول صلاة يصليها، فانحلت الشمس مع فراغه منها، وذكر في حديث إبراهيم أنه ﵊ صلى ركتعين في الكسوف، ثم كان الدعاء حتى انجلت الشمس، وقد كان مقدمًا في باب الأخبار، وإنما يعتمد على ما يصح منها؛ فدلّ أن الصحيح أنها كسائر الصلوات. وروى عن ابن عمر؛ الترمذي والنسائي، وأبو داود وابن ماجه (٥)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ولأنها صلاة كالمكتوبات والنوافل فلا يشرع فيها تكرار الركوع، ولو جاز الأخذ بما روي عن ابن عباس؛ لجاز بما روى جابر ﵁ أنه ﵊ صلى في الكسوف ركعتين، بست ركعات وست سجدات (٦)، وبما روي أنه ﵊ صلى في الكسوف بثمان ركعات وأربع سجدات (٧)، وهذا غير مأخوذ بالإجماع لمخالفته المعهود، فكذلك ما روت عائشة، وابن عباس ﵃. وتأويل ما رواهما: أنه ﵊ طوّل الركعة فيها، فإن الجنة والنار عرضتا عليه فيها، فمن بعض القوم رفعوا رؤوسهم، فظن من خلفهم أنه ﵊ رفع رأسه فرفعوا رؤوسهم، ثم عاد الصف الأول إلى الركوع اتباعًا للنبي ﵊ فركع من خلفهم أيضًا، وظنوا أنه

стр. 1332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ﵊ ركع ركوعين، ومثل هذه الأشياء تقع لمن كان في آخر الصفوف. وعائشة ﵂ كانت واقفة في صف النساء، وابن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت، فنقلا كما وقع عندهما، ولو كان هذا صحيحًا؛ لكان الأمر واقعًا بخلاف المعهود، فتنقله الكبار من الصحابة الذين كانوا يلون النبي ﵊، وحيث لم يروها أحد منهم؛ دل أن الأمر كما قلنا. كذا في المبسوط (١). وفي شرح المجمع: ولقائل أن يقول: إن كان هذا الظن صادف الركعة الأولى، والظاهر ذلك، فكيف عادوا إلى ذلك في الركعة الثانية، ولم يتنبهوا على أنه ﵊ قصد إطالة الركوع، مع ما فيه من نسبة مخالفة الإمام ومسابقته، ونسبة الغفلة في الركعة الثانية مع النسبة في الركعة الأولى [إلى أجلاء الصحابة، وفي ذلك ما فيه، وإن كان هذا الظن صادف الركعة الثانية؛ فينبغي أن تكون الركعة الأولى] (٢) بركوع واحد، والثانية بركوعين، ولم يقل به أحد. على أنا نقول: لا يستقيم مثل هذا التأويل مع تصريح الرواية عن عائشة في الصحيحين: كسفت الشمس على عهد النبي ﵊، فقام بالناس وأطال القراءة، ثم ركع فأطال القراءة وهي دون الأولى، ثم ركع فأطال الركوع دون ركوعه الأول، ثم رفع رأسه فسجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ولكن معتمدنا: ما رواه البخاري عن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند النبي ﵊ فانكسفت الشمس، فقام فصلى بهم ركعتين حتى انجلت الشمس (٣).

стр. 1333

(وَيُطَوِّلُ القِرَاءَةَ فِيهِمَا وَيُخْفِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَجْهَرُ) (*) وَعَنْ مُحَمَّدٍ قيل: حديث أبي بكر الأول لا يدل على أنها بركوع واحد؛ لأنه قال: صلى ركعتين، ولم يتعرض أن كل ركعة بركوع واحد أو بركوعين. وأجيب: أن ما ذكر المشايخ من التأويل بيان الاحتمال، فيرجح حديثنا لعدم الاحتمال، على أن ما رواه البخاري عن عائشة؛ يمكن أن عائشة ﵂ روت بناء على ظنها فبقي فيه الاحتمال كما كان، ومثل هذا لا يوجب قدحًا في الراوي. وفي المستصفى: وإذا تعارض الخبران؛ يصار إلى القياس وهو معنى (١). ثم إنها ركعتين باتفاق الروايات والخلاف في ركوع واحد أو ركوعين، وروى الحسن عن أبي حنيفة تخلله: إن شاءوا صلوا ركعتين وإن شاءوا أربعًا، وإن شاؤوا أكثر، كل ركعتين بتسليمة، أو كل أربع، وإن شاءوا طولوا وإن شاؤوا خففوا، فيصلون حتى تنجلي الشمس (٢). وعند أبي يوسف (٣)، والشافعي (٤)، مالك (٥): ركعتان. قوله: (وَيُخْفِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ): وبه قال الشافعي (٦)، ومالك (٧). (وقالا: يجهر): به قال أحمد (٨)، ومالك في رواية. وفي المحيط: قول محمد مضطرب (٩).

стр. 1334

مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَمَّا التَّطْوِيلُ فِي القِرَاءَةِ فَبَيَانُ الأَفْضَلِ، وَيُخَفِّفُ إِنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ المَسْنُونَ اسْتِيعَابُ الوَقْتِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ، فَإِذَا خَفَّفَ أَحَدَهُمَا طَوَّلَ الْآخَرَ. وَأَمَّا الْإِخْفَاءُ وَالجَهْرُ فَلَهُمَا رِوَايَةُ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ جَهَرَ فِيهَا»، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ قال شمس الأئمة: الظاهر أنه مع أبي حنيفة، وذكره الحاكم مع أبي يوسف؛ لأنهما حديث علي وعائشة ﵂ أنه ﵊ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف (١)، ولأنها صلاة مخصوصة تقام بجمع عظيم، فيجهر فيها بالقراءة كالجمعة والعيدين (٢). ولأبي حنيفة حديث ابن عباس، والنعمان بن بشير، وسمرة بن جندب (٣): أنه ﵊ لم يسمع من قراءته فيها حرف، ولأنها صلاة النهار. وفي الحديث: «صلاة النهار عجماء» (٤)؛ أي: ليس فيها قراءة مسموعة، وتأويل حديث علي: أنه وقع اتفاقًا أو تعليمًا للناس أن القراءة فيها مشروعة. كذا في المبسوط (٥). وفي الْمُجْتَبى: ويحمل حديثه على الخسوف والجهر مشروع في صلاة الليل (٦). وفي المستصفى: وإذا تعارض الخبران يصار إلى القياس، وهو أن صلاة النهار عجماء (٧). فإن قيل: قد خص من قوله ﵊: «صلاةُ النهارِ عَجْمَاءُ» (٨) صلاة الجمعة والعيد.

стр. 1335

ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَمُرَةَ ﵃، وَالتَّرْجِيحُ قَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، كَيْفَ وَأَنَّهَا صَلَاةُ النَّهَارِ وَهِيَ عَجْمَاءُ. (وَيَدْعُو بَعْدَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَفْزَاعِ شَيْئًا فَارْغَبُوا إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ»، (وَالسُّنَّةُ فِي الْأَدْعِيَةِ تَأْخِيرُهَا عَنْ الصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ الإِمَامُ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ الجُمُعَةَ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى تَحَرُّزًا عَنِ الفِتْنَةِ. وَلَيْسَ فِي خُسُوفِ القَمَرِ جَمَاعَةٌ) لِتَعَذُّرِ الاجْتِمَاعِ فِي قلنا: فحقهما الإخفاء أيضًا، لكنهما من الشعائر، وفي الشعائر الإظهار أولى، أما صلاة الكسوف للتضرع والدعاء، والأصل فيهما الإخفاء. وفي الإيضاح: وأما قدر القراءة فيها؛ فروي أنه ﵊ قرأ في الركعة الأولى بقدر سورة البقرة، وفي الثانية بقدر سورة آل عمران، ولو طوّل القراءة خفف الدعاء، أو على العكس (١). قوله: (ويصلي بهم الإمام) إلى آخره: وفي المبسوط: لا يقيمها إلا إمام الجمعة والعيدين، فأما أن يكون يصلي كل قوم في مسجدهم فلا؛ لأن النبي ﵊ أقامها، فيقيمها من هو قائم مقامه، ولو لم يُقِمْهُما الإمام؛ صلى الناس فرادى ركعتين وإن شاءوا أربعًا، وذلك أفضل (٢). وإن شاؤوا طولوا القراءة وإن شاؤوا خففوا، والأفضل: تطويل القراءة. وفي مبسوط بكر: عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعته في مسجده، وكذا في المحيط (٣). وقال الإسبيجابي: لكن بإذن الإمام الأعظم (٤). قوله: (وليس في خسوف القمر): وفي بعض النسخ: كسوف القمر، والأول أصح.

стр. 1336

اللَّيْلِ أَوْ لِخَوْفِ الفِتْنَةِ، (وَإِنَّمَا يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ)؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وفي المبسوط: عاب أهل الأدب على محمد في هذا اللفظ، وقالوا: إنما يستعمل في القمر الخسوف لا الكسوف، قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾. قلنا: الخسوف ذهاب [دائرته، والكسوف: ذهاب ضوءه، ومراد محمد هذا النوع، فكذا ذكر الكسوف، فإذا لا طعن عليه (١). وفي] (٢) المغرب: عن العورفي: يقال: كسفت الشمس والقمر جميعا (٣)، وكيف ما كان قول محمد؛ كسوف القمر صحيح. وفي تتمتهم: قال الأزهري: يقال: كسفت الشمس وخسفت إذا ذهب ضوءها، وكذا يقال في القمر (٤). وقال أبو حاتم الرازي: لو ذهب بعض الضوء فهو كسوف، وإن ذهب جميعه فهو خسوف. وقال الجوهري: الأفصح في الشمس الكسوف، وفي القمر الخسوف (٥). وعند الشافعي: يصلي صلاة الخسوف بالجماعة كما في الكسوف (٦)؛ لما روي عن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس بالبصرة، فصلى بنا ركعتين، في كل ركعة ركوعان، فلما فرغ خطب وقال: صليت بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا وتقام في الجماعة لا في الصحراء. وقال مالك: لا صلاة فيه؛ لعدم شهرة النقل (٧). وقلنا: الصلاة حسنة؛ لقوله ﵊: «إذا رأيتم … »

стр. 1337

وَالسَّلَامُ: «إِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ … ... .. الحديث (١)، ولكن لا يصلي بالجماعة؛ لتعذر الاجتماع بالليل، ولخوف الفتنة، ولم ينقل أنه ﵇ صلاها بالجماعة، [مع أن الخسوف في عهده ﵇ أكثر من الكسوف. وفي مبسوط شيخ الإسلام: الأصل في التطوع ترك الجماعة] (٢) ما خلا قيام رمضان وكسوف الشمس باتفاق الصحابة، فكان القياس يأبى جوازها، إلا أنا تركناه في الكسوف بالنص الظاهر، ولم يرد مثله في الخسوف، ولا يمكن الإلحاق بالدلالة؛ لأن القول في الكسوف فوق الهول في الخسوف (٣). وما روي عن ابن عباس شاذ فيما تعم به البلوى، فإن الخلفاء الراشدين لم يصلوها بالجماعة مع وقوع الخسوف في عهدهم. وقيل: الجماعة جائزة عندنا؛ لكنها ليست بسنة. قوله: وليس في الكسوف خطبة: وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥). وقال الشافعي: يخطب خطبتين كما في العيدين والجمعة (٦)؛ لأن عائشة ﵂ روت أنه ﵊ لما صلى انجلت الشمس، فانصرف فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يَنْخَسفان لموت أحد ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى بالصلاة، وادْعُوا وكبروا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (٧)، ولأنها صلاة نافلة تفردت بوقت، وشرعت لها الجماعة؛ فكانت من سننها الخطبة كصلاة العيد.

стр. 1338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولنا: ما روي في المتن من الحديث، وعدم النفل، ولأنها شرعت لأحد الأمرين: إما شرط الجواز كما في الجمعة، وإما للتعليم كما في العيدين، والتعليم هاهنا يحصل من حديث الفعل، وأما تعلقه بحديث عائشة ﵂؛ فيحمل أنه ﵊ احتاج إلى الخطبة بعد الصلاة؛ لأن الناس كانوا يقولون: إنها كسفت لموت إبراهيم، فأراد أن يخطب حتى يرد عليهم ذلك، لا للصلاة. أو المراد من قولها: (خطب) دعا؛ إذ الدعاء يسمى خطبة، ثم الإمام في هذا الدعاء بالخيار، إن شاء جلس مستقبل القبلة، وإن شاء قام، وإن شاء استقبل الناس بوجهه، ودعا ويؤمن القوم. قال الحلواني: هذا حسن، ولو قام واعتمد على عصاه أو على قوس له ودعا؛ كان حسنًا أيضًا. كذا في المحيط، ومبسوط شيخ الإسلام (١). وقال شيخ الإسلام: الصلاة في الأهوال مثل: الريح الشديد والظلمة، والزلزلة والخوف الغالب؛ حسنة؛ لقوله ﵊: «إذا رأيتم … » الحديث (٢)، وعن ابن عباس أنه صلى الزلزلة بالبصرة كهيئة الكسوف (٣)، وكذا روي عن أحمد أنه يصلي بالجماعة في كل آية، والمشهور عنه أنه لا يصلي لغير الزلزلة (٤)، وعند الشافعي (٥)، ومالك (٦): لا يسر في كل آية، وعند الشافعي، ومالك غير الكسوفين. وفي الحاوي: حكى الشافعي في اختلاف على أنه يصلي في زلزلة، وعن الشافعي أنه قال: إن صح قلت به (٧)، والأصح الأول، ولكن يستحب أن يصلي

стр. 1339

فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ» (وَلَيْسَ فِي الكُسُوفِ خُطْبَةٌ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ. بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي الاسْتِسْقَاءِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ، فَإِنْ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانَا جَازَ، وَإِنَّمَا الاِسْتِسْقَاءُ الدُّعَاءُ وَالاسْتِغْفَارُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ كل واحدٍ في بيته عنده، ويشتغل بالدعاء والتضرع. (فافزعوا)؛ أي: النجاد إليها، يقال: فزع إليه النجا، والمفزع الملجأ. وفي رواية: فارغبوا. باب الاستسقاء والاستسقاء: طَلَبُ السَّقي، والسقي: مصدر طلب الماء تكون في ضمنه؛ كالاستغفار: طلب المغفرة، وغفر الذنوب في ضمنه. وفي الْمُجْتَبى: الاستسقاء طلب السقي من الله تعالى؛ بالثناء عليه والفزع إليه والاستغفار (١). وقد ثبت ذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى حكاية عن موسى ﵊: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾، وعن نوح ﵊ حين أصاب قومه القحط والموت: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾. وأما السنة: [فقد صح في الآثار الكثيرة أنه ﵊] (٢) استسقى كثيرًا، وكذا الخلفاء بعده. وأجمعت الأمة عليه خلفا عن سلف من غير نكير. قوله: (صلاة مسنونة في جماعة): فإنه ﵊ لم يواظب عليه. وجه التمسك بالآية: أن الله تعالى أمر بالاستغفار دون الصلاة، فعلم أن الاستسقاء شرع به لا الصلاة.

стр. 1340

﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] الآية، «وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى وَلَمْ تُرْوَ عَنْهُ الصَّلَاةُ» (وَقَالَا: يُصَلِّي الإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ) (*) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ العِيدِ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قُلْنَا: فَعَلَهُ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى فَلَمْ يَكُنْ (أنه ﵊ استسقى)؛ أي: مرارًا من غير أن يصلي، وقد زعم البعض أنه لا يرى الصلاة سنة، فتكون بدعة، معتقدًا أن نفي السنة إثبات البدعة، وليس كذلك؛ لأن نفي السنة أعم من البدعة، فإنه قد يكون حسنًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون بدعة؛ إذ السنة ما واظب ﵊، ولم ينقل المواظبة على ذلك. (فقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (١). وفي المبسوط، والمحيط: قول أبي يوسف مع قول أبي حنيفة (٢). وفي شرح الطحاوي، ومبسوط شيخ الإسلام، والأسرار، والتحفة مع محمد كما ذكر في الكتاب (٣). (كصلاة العيد)؛ أي: بجماعة، وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، إلا أن عندهما، ومالك، وفي رواية عن أحمد: لا يكبر. وعند الشافعي، ورواية عن محمد، وأحمد: يكبر كما في العيد. وفي الْمُجْتَبى: الإمام مخير عند أبي حنيفة؛ إن شاء صلّى، وإن شاء دعا، والأولى أن يخرج الإمام بالناس (٧). ثم عندنا: يقرأ فيهما ما شاء، ولو قرأ في الأولى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ

стр. 1341

سُنَّةٌ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الأَصْلِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ. الأعلى، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؛ فحسن. وعند الشافعي: يقرأ في الأولى ﴿ق﴾، وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ وقال بعض أصحابه: يقرأ في الثانية سورة نوح (١)، والأول أصح. وجه قولهم: ما روي عن ابن عباس أنه قال: صنع النبي ﵊ في الاستسقاء ما صنع في العيد (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ خرج إلى الاستسقاء فصلى ركعتين وخطب (٣). ولأبي حنيفة: ما روى البخاري، ومسلم عن أنس، أنه ﵊ كان يخطب، فقام أعرابي وقال: يا رسول الله، هلك البهائم وجاع العيال فادع لنا، فرفع النبي ﵊ يديه فدعا، وما نرى في السماء قزعة، فثار السحاب كأمثال الجبال، فلم ينزل عن منبره حتى رأينا السحاب يتحادر عن لجته، فمطرنا حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي وقال: يا رسول الله، تهدم البنيان وغرق المال فادع لنا، فرفع يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» (٤)، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انقرضت، وصارت المدينة مثل الجوبة (٥). وفي رواية: لما سئل، فقال ﵊: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا» (٦)، فعلم أنه استسقى، ولم يصل ولم يخطب.

стр. 1342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وما روي أنه ﵊ صلَّى فيه؛ شاذ فيما تعم به البلوى خصوصًا في ديارهم، وما يحتاج فيه الخاص والعام لا يقبل فيه قول الشاذ. كذا في المبسوط (١). وفي ملتقى البحار وغيره: فعله ﵊ مرة وتركه بعد ذلك (٢)، والمعتبر ما وجد منه آخرًا وهو الترك، فجعل المتقدم منسوخا، كما روي أنه ﵊ قنت شهرًا في الفجر ثم ترك (٣). وفي الخلاصة الغزالية: يستحب للإمام أن يأمر الناس أولا بصيام ثلاثة أيام وما أطاقوا من الصدقة، والخروج من المظالم والتوبة من المعاصي، ويخرج بهم الإمام يوم الرابع، وبالعجائز والصبيان أيضًا، متنظفين في ثياب بذلة واستكانة، متواضعين لله تعالى، وإخراج الدواب مستحب، ويصلي بهم كصلاة العيد، ثم يخطب خطبتين، ولكن معظم الخطبتين؛ الاستغفار (٤). وقريب من هذا في مذهبنا ما ذكره الحلواني، وفي المحيط: يخرج الناس إلى الاستسقاء مشاة لا على دوابهم، في ثياب خلق أو غسيل أو مرقع، متذلّلين خاضعين ناكسي رؤوسهم، ثم في كل يوم يقدمون الصدقة قبل الخروج. هذا تفسير قول محمد (٥). وفي المبسوط، والمحيط: وإنما يخرج ثلاثة أيام لا أكثر؛ إذ الأكثر لم ينقل (٦). وفي الإيضاح: ولو أمر الإمام الناس بالخروج ولم يخرج بنفسه؛ خرجوا فعله مرة (٧).

стр. 1343

(وَيَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) اعْتِبَارًا بِصَلَاةِ العِيدِ (ثُمَّ يَخْطُبُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ ثُمَّ هِيَ كَخُطْبَةِ العِيدِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ (وَلَا خُطْبَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) (*)؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْجَمَاعَةِ وَلَا جَمَاعَةَ عِنْدَهُ (وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالدُّعَاءِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. قال شيخ الإسلام: في هذا دليل الجواز (١). وعندنا: لو صلوا بجماعة جاز، ولكن الخلاف في أنها سُنَّة أم لا؟ لا أنه بدعة كما ظنه البعض؛ إذ السنة ما واظب عليه، ولم يواظب؛ لما روينا، بخلاف التراويح؛ فإنه سنة ولم يواظب عليه؛ لأنه ﵊ بين العذر في تركها. كذا في الحميدية (٢). أو عند تعارض الروايات يتمسك بالقياس؛ وهو أن لا يؤدي النوافل بالجماعة. (كخطبة العيد عند محمد): وبه قال الشافعي (٣). (وعند أبي يوسف: خطبة واحدة)؛ لأن المقصود منها الدعاء فلا يقطعها بالجلسة، وقد روي عنه ﵊ كل منهما. (ولا خطبة عند أبي حنيفة): وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥). وفي الحلية: لم يذكر أحمد الخطبة؛ لعدم النقل، ولعدم الجماعة عنده (٦). قوله: (ويستقبل القبلة) وفي المبسوط، والمحيط: عن أبي يوسف: إن شاء رفع يديه بالدعاء، وإن شاء أشار بأصبعيه؛ لأن رفع اليد بالدعاء سنة، فإنه

стр. 1344

وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ» (وَيَقْلِبُ رِدَاءَهُ) لِمَا رَوَيْنَا. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي ﵊ كان يدعو بعرفات باسطا يديه كالمستطعم المسكين (١). وفي النهاية: علم بهذا أن رفع اليدين في الأدعية كلها جائز سوى المواضع السبعة؛ لأن الاستسقاء غيرها، ولو أشار بظهر كفه إلى السماء يجوز؛ لما روى أنس ﵁ أنه ﵊ استسقى وأشار بظهر كفه (٢). وفي شرح الوجيز: قال العلماء: وهذه السنة لمن دعا لدفع البلاء، وإذا سأل شيئًا من الله تعالى يجعل باطن كفه إلى السماء (٣)، وكذا في المبسوط (٤). (حول رداءه): في المبسوط: إذا مضى صدر من خطبته قلب رداءه (٥)، ويقلب الإمام. قلبت بالتخفيف، ويقلب أيضًا بالتشديد مبالغة؛ إذ القلب متعمد، وباب التفضيل للمبالغة والتنكير، كما يقال فتح الباب وفتح الرداء شيء لا ذيل له، ولا كم كالمئزر والفوطة. وفي المبسوط: صفة القلب: أنه إن كان مربعًا جعل أعلاه أسفله، وإن كان مدورًا كالجبة جعل الجانب الأيمن على الأيسر، والجانب الأيسر على الأيمن (٦). (هذا هو قول محمد)؛ أي: تقليب الرداء، وقول أبي يوسف مضطرب، ذكر الحاكم قوله مع أبي حنيفة، وذكر الكرخي قوله مع محمد. وبقول محمد قال الشافعي (٧)، ومالك (٨)، وأحمد (٩)؛ لأنه روي أنه ﵊ فعله.

стр. 1345

حَنِيفَةَ فَلَا يَقْلِبُ رِدَاءَهُ (*)؛ لِأَنَّهُ دُعَاءُ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ. وَمَا رَوَاهُ كَانَ تَفَاؤُلًا (وَلَا يَقْلِبُ القَوْمُ أَرْدِيَتَهُمْ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ. لأبي حنيفة: حديث ابن عباس، وحديث الوليد بن عقبة؛ أنه ﵊ استسقى، وليس فيه قلب الرداء (١)، ولأنه دعاء فيعتبر بسائر الأدعية، وفي التقليب ليس معنى الثناء والعبادة فلا يفيد. (وما رواه)؛ أي: محمد كان تفاؤلا. وفي المبسوط: ولا تأويل لما رواه سوى أنه ﵇ يُعان: بتغير الهيئة لتغير الهواء (٢)، يعني: غيرنا ما كنا عليه فغير اللهم الحال، قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. وفي المحيط: رواية التقليب محمول على التسوية، والمنع من السقوط عند رفع اليدين في الدعاء؛ ليكون أثبت على عاتقه عند الرفع، أو عرف ﵊ من جهة الوحي تغير الحال بتغير ردائه (٣). وفي الخبازية: يحتمل أنه ﵊ تحول رداءه فأصلحه، فظن الراوي أنه قلبه (٤). قوله: (ولا يقلب القوم أرديتهم): وقال الشافعي (٥)، ومالك (٦): يقلبون أرديتهم كالإمام؛ لما روي أن الناس فعلوه حين فعله ﵊، ولم ينكر عليهم أحد. ولنا: أنه لم ينقل أنه ﵊ أمرهم بذلك، ولم ينقل في

стр. 1346

(وَلَا يَحْضُرُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الاِسْتِسْقَاءَ)؛ لِأَنَّهُ لِاسْتِنْزَالِ الرَّحْمَةِ، وَإِنَّمَا تَنْزِلُ عَلَيْهِم اللَّعْنَةُ. المشاهير أنهم فعلوه، ولو كان كما روي؛ فتأويله: أنهم اقتدوا على ظن أنه سنة، كما خلعوا نعالهم حين خلع ﵊ نعليه في الصلاة، ولم يأمرهم ﵊. كذا في المبسوط (١). ولا يحضر أهل الذمة للاستسقاء، وبه قال الشافعي (٢)، حتى يمنعون من الخروج، وقال مالك: لو خرجوا لم يمنعوا (٣)، وقد ورد به أثر؛ أنهم خرجوا في عهد بعض الخلفاء، ولأن الشدة عامة والكفار يسمع دعاؤهم. وقلنا: الخروج لاستنزال الرحمة، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، وإنما ينزل عليهم اللعنة والسخط، فلا يصلح حضورهم في وقت استنزال الرحمة، وقد أمر النبي ﵊ بتبعيد المشركين بقوله: «أنا بريء من كل مسلم مع مشركِ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» (٤)، فلهذا لا يمكنون من الخروج مع المسلمين. كذا في المبسوط (٥). وفي المحيط: لا يخرج المنبر للاستسقاء (٦)، بل يقوم الإمام والقوم قعود، وإن أخرج المنبر لاستسقاء الإمام جاز. ولو خرج أهل الذمة مع أنفسهم إلى بيعهم وكنائسهم أو إلى الصحراء؛ لم يمنعوا من ذلك، فلعل الله يستجيب دعائهم استعجالا لحظهم في الدنيا على ما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]. والمستحب أن يصلي صلاة

стр. 1347

بَابُ صَلَاةِ الخَوْفِ (إِذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ جَعَلَ الإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ إِلَى وَجْهِ العَدُوِّ، وَطَائِفَةٌ الاستسقاء في مصلى العيد؛ لما روي أنه ﵊ خرج إلى المصلى. ويستحب إخراج الأطفال والشيوخ الكبار، والعجائز اللاتي لا هيئة لهن؛ لما روي أنه ﵊ قال: «لولا شيوخ ركع، وصبيان رضع، وبَهَائِمَ رُتَّع، لَصُبَّ عليكم العذاب صبا» (١)، ولعل الله تعالى ينظر إلى ضعفهما فيرحم. كذا في تتمتهم (٢). باب صلاة الخوف مناسبة هذا الباب بالاستسقاء من حيث إنهما شرعا بالعارض، لكن قدم الاستسقاء؛ لأن العارض فيه سماوي، وهو انقطاع المياه، وفيه اختياري؛ وهو الجهاد الذي سببه كفر الكافر، فيقدم السماوي. قوله: (وإذا اشتد الخوف): اشتداد الخوف ليس بشرط عند عامة المشايخ، فإنه جعل في التحفة سبب جوازها نفس قرب العدو من غير ذكر خلاف، ومن غير ذكر الاشتداد. وكذا في المبسوط، والمحيط (٣). وفي مبسوط شيخ الإسلام: المراد بالخوف: حضرة العدو لا حقيقة الخوف؛ لأن حضرة العدو أقيم مقام الخوف على ما عرف من أصلنا في تعليق الرخص بنفس السفر (٤). قوله: (جعل الإمام … ) إلى آخره ثم اعلم أن هذا الفعل المذكور في صلاة الخوف إنما يحتاج إليه؛ أن لو تنازع القوم في الصلاة خلف إمام واحد فأما إذا

стр. 1348

خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِهَذِهِ الطَّائِفَةِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مَضَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إِلَى وَجْهِ العَدُوِّ وَجَاءَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ، فَيُصَلِّي بِهِمْ الإِمَامُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسَلِّمُوا، وَذَهَبُوا إِلَى وَجْهِ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُولَى فَصَلُّوا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ وُحْدَانَا بِغَيْرِ قِرَاءَةِ)؛ لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ (وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا وَمَضَوْا إِلَى وَجْهِ العَدُوِّ، وَجَاءَت الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، وَصَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ بِقِرَاءَةِ)؛ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ (وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا) وَالأَصْلُ فِيهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قُلْنَا. لم يتنازعوا؛ فالأفضل للإمام أن يجعل القوم طائفتين، فتصلي كل طائفة بإمام راغبون إليه. كذا في المبسوط، ومبسوط شيخ الإسلام (١). وإنما قال: (ركعة وسجدتين)؛ احترازًا عن قول بعض العلماء: إنه إذا سجد سجدة واحدة؛ يجوز الانصراف؛ عملًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. وقلنا: السجدة المطلقة تنصرف إلى الكامل المعهود وهو السجدتين. كذا قاله شيخي العلامة (٢). وقيل: قوله: (سجدتين) تأكيد وإلا قوله (ركعة) كاف؛ إذ الركعة تتم بسجدة، فرفع هذا الاحتمال، وهذا أحسن. قوله: (والأصل فيه … ) إلى آخره: وفي المبسوط (٣): روى سالم عن ابن عمر (٤) ﵃ أنه ﵊ صلى بالطائفتين، كما روى ابن مسعود (٥). وقال مالك: يجعل الناس طائفتين، فيصلي بالطائفة الأولى بركعة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية انتظر حتى تصلي هذه الطائفة الركعة الثانية،

стр. 1349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويسلمون ويذهبون، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعته الثانية، فإذا رفع رأسه من السجدة منها يتشهد ويسلّم ولا ينتظرهم، فيصلون بهم ركعتهم بعد تسليمة (١). وعند الشافعي: انتظر لهم حتى يصلوا ركعتهم الثانية وتشهد وسلّم وسلموا معه (٢). وفي المستصفى: للشافعي في صلاة الخوف ثلاثة أقوال: في قول مثل قولنا. وفي قول: يصلي بالطائفة التي معه تمام الصلاة، ثم تجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم مرة أخرى، فإن عنده اقتداء المفترض بالمتنفل جائز. وفي قول -وهو المشهور عنه-: يصلي بالطائفة الأولى ركعة، فيقوم ويقف ولا يقرأوا هذا القيام في انتظار الطائفة الأخرى. كذا ذكره المزني (٣)، وتصلي هذه الطائفة تمام صلاتهم؛ لكن ينبغي أن ينووا مفارقته ويسلمون، ثم تجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا يسلّم، بل يمكث جالسًا حتى تصلي هذه الطائفة تمام صلاتهم من غير نية المفارقة، ثم يسلّم الإمام ويسلمون معه. كذا في خلاصتهم، والوجيز، والمختلفات (٤). وفي المحيط: لو كانت الطائفة الثانية قضوا ركعتهم في مكانهم حين سلّم الإمام جاز، ولكن الأفضل أن ينصرفوا. وفي الحلية: مذهب أحمد (٥)، وابن أبي ليلى مثل مذهب الشافعي. واستدلوا برواية [أبو عياش] (٦) الزرقي (٧)، واستدل مالك برواية صالح بن

стр. 1350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خوات (١)، وروايتنا أرجح؛ لعدم مخالفتها الأصل، فإن سبق الموهم في التحليل عن الصلاة وانتظار الإمام للمأموم خلاف موضوع الإمامة، وأما المشي في الصلاة فقد ورد الشرع به في سبق الحدث، ولأن ما ذكرنا أولى؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، والفاء للوصل مع التعقيب، فدل على أن الطائفة الأولى ينصرفون عقيب السجدة الثانية من الركعة الأولى كما هو مذهبنا، وعند الشافعي، ومالك: تنصرف الطائفة الأولى بعد تمام صلاتهم، فيكون المراد من السجود الصلاة، وهو خلاف ظاهر الكتاب. وذكر في شرح أبي نصر البغدادي: والكل جائز، والكلام في الأولى والأقرب من ظاهر القرآن. كذا في المستصفى (٢). وفي الْمُجْتَبى: قال أبو الحسن - بعد ما حكى المذاهب-: فالآثار تدل على جواز الكل، وإنما الكلام في الأولى، فظاهر القرآن يدل على أولوية ما

стр. 1351

وَأَبُو يُوسُفَ وَإِنْ أَنْكَرَ شَرْعِيَّتَهَا فِي زَمَانِنَا فَهُوَ مَحْجُوجٌ عَلَيْهِ ذكرنا (١). قوله: (وأبو يوسف وإن أنكر) إلى آخره: قال أبو يوسف أولا مثل ما قالا، ثم رجع، وقال: كانت صلاة الخوف في حياة النبي ﵊، ولم يبق مشروعًا بعده، وبه قال الحسن بن زيادة (٢)، والمزني (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فقد شرط كونه ﵊ فيهم لإقامتها، ولأن الناس كانوا يرغبون في الصلاة خلفه ما لا يرغبون خلف غيره، فشرعت بصفة الذهاب والمجيء على خلاف القياس؛ لينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه، وقد ارتفع هذا المعنى بعده، فلا يجوز أداؤها بصفة الذهاب والمجيء. وحجتنا في ذلك: أن الصحابة أقاموها بعد النبي ﵊، فإنه روي أن سعد بن أبي العاص [حارب المجوس بطبرستان، ومعه الحسن بن علي، وحذيفة، وعبد الله بن عمرو بن العاص صلى بهم صلاة الخوف، ولم ينكر عليه أحد، وروي عن سعيد بن أبي وقاص] (٤)، وأبي عبيدة بن الجراح، وأن سعيد بن العاص سأل عنها أبا سعيد الخدري فعلمه، فأقامها بأصبهان ولم ينكر عليه أحد، فحلّ محل الإجماع، وسنة الخوف تتحقق بعده ﵊ كما في حياته، ولم يكن ذلك لنيل فضيلة الصلاة خلفه؛ لأن ترك المشي وترك الاستدبار فريضة، والصلاة خلفه فضيلة، فلا يجوز ترك الفريضة لإحراز الفضيلة، ثم الآن يحتاجون إلى فضيلة تكثير الجماعة، فإنها كلما كانت أكثر كانت أفضل. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] معناه: أنت أو من يقوم مقامك في الإمامة، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]،

стр. 1352

بِمَا رَوَيْنَا. وقد يكون الخطاب مع النبي ﵊ ولا يختص هو به، كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] كذا في المبسوط المحيط (١)، مع أن الأصل عندنا أن تعليق الحكم بالشرط لا يوجب عدمه عند عدم الشرط؛ بل هو موقوف إلى قيام الدليل، وقد قام الدليل وهو فعل الصحابة بعد وفاته ﵊ على وجود الحكم. (بما روينا): وهو أنه ﵊ صلى صلاة الخوف، لما أن الأصل قيام نائبه مقامه، فيكون ﵊ بين أمته، يكون نائبه بينهم، وإقامته للصلاة فيهم، فيتحقق الشرط عملا بالأصل، وفعله ﵊ يوجب شرعيتها، فيكون مشروعًا عاما، وكونه ﵊ شرطًا بالنص يقتضي جوازها، ولا يقتضي عدم الجواز عند عدم الشرط كما بينا، لما جاز للنبي ﵊ لعذر؛ فجاز لغيره بذلك العذر كصلاة المريض. وفي شرح الأقطع: كان أبو يوسف يقول بهذا أولا، وقد رجع عنه لغيره بذلك العذر لصلاة المريض (٢). وقال المزني: يستحب صلاة الخوف في عهد النبي ﵊؛ لأنه ﵊ لم يصلها في حرب الخندق، فلو لم ينسخ لما أخر الصلاة عن وقتها (٣). ولنا: ما ذكرنا من فعل الصحابة، وقال أبو سعيد الخدري: نزلت آية صلاة الخوف بعد حرب الخندق، ولا يؤثر الخوف في نقصان عدد الركعات إلا عند ابن عباس، والحسن البصري، وطاووس؛ حيث قالوا: إنها ركعة، واستدلوا بما روي أنه ﵊ صلّى صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع بكل

стр. 1353

قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ مُقِيمًا صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ طائفة ركعة، فكان له ركعتان، ولكل طائفة ركعة. وقلنا: لكل طائفة ركعة مع النبي ﵊، وركعة أخرى صلوها وحدها. كذا في المبسوط (١). قوله: (وإن كان الإمام مقيمًا) إلى آخره: وإنما اختص الإمام؛ لأنه لو كان مقيمًا تصير صلاة من اقتدى به أربعًا، ولأن الإمام هو الخليفة أو السلطان، وفي الأداء يعتبر نيته لا نية الجندي. كذا في الخبازية (٢)، وبقولنا قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد في المشهور (٥). وعن مالك: لا تجوز صلاة الخوف في الحضر؛ لأن الشرع ورد بانتظار القوم معه مقدار ما يصلون ركعتين، وهاهنا تحتاج أن ينتظر مقدار ما يصلون ركعتين (٦). ولنا: إطلاق الآية. وقال أصحاب مالك: يجوز (٧)، وعند الشافعي: جعلهم أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة، وانتظر حتى أتموا لأنفسهم ثلاث ركعات (٨). قال الإسْبِيجابي: لو كان الإمام مسافرًا والقوم مقيمين؛ فالحال في الفجر والمغرب لا يتفاوت، وفي ذوات الأربع: يصلي بكل طائفة ركعة ويسلّم، ثم تجيء الطائفة الأولى فيصلون ثلاث ركعات بغير قراءة، والثانية ثلاثًا بقراءة (٩). قال أبو بكر: وجعلهم أربع طوائف يؤدي إلى فساد صلاة الطوائف الثلاث

стр. 1354

رَكْعَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى الظَّهْرَ بِالطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» (وَيُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الأُولَى مِنْ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ تَنْصِيفَ الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَجَعْلُهَا فِي الأُولَى أَوْلَى بِحُكْمِ السَّبْقِ. (وَلَا يُقَاتِلُونَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ فَعَلُوا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ)؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ الأول دون الرابع؛ لانفرادهم في موضع الابتداء وهو مفسد للصلاة، إلا أن لا يكون مفسداً عندهم. كذا في الْمُجْتَبى (١). قوله: (ركعتين من المغرب) وبه قال أكثر أهل العلم، وقال الثوري: يصلي بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين، وبه قال الشافعي في قول (٢)، وأصح قوليه كقولنا، وبه قال مالك (٣). وجه قول الثوري: ما روي عن علي ﵁ أنه صلى ليلة كذلك بأصحابه في حرب صفين، ولأن فرض القراءة في الركعتين الأوليين، فينبغي أن يكون لكل طائفة في ذلك حظ. وقلنا: مبنى صلاة الخوف على التخفيف لا التطويل، وفيما ذكر يلزم ذلك؛ لأنه يزيد في الطائفة الثانية تشهد غير محسوب؛ لاحتياجهم إلى الجلوس مع الإمام في الركعة الثانية وهو غير محسوب لهم؛ لأنها الركعة لهم، ورواية عليٍّ شاذ، فلا يعتبر في مقابله الرواية المعتبرة المشهورة، ولأنه يصلي بكل طائفة شطر الصلاة، وشطر المغرب ركعة ونصف، فثبت حقهم في كلها بالسبق؛ لأن الركعة الثانية الواحدة لا تتجزأ. كذا في المبسوط (٤). قوله: (فإن فعلوا بطلت صلاتهم): وقال مالك (٥)، وأحمد (٦)، والشافعي (٧): لا تبطل؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]،

стр. 1355

وَالسَّلَامُ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَلَوْ جَازَ الأَدَاءُ مَعَ القِتَالِ لَمَا تَرَكَهَا. (فَإِنْ اشْتَدَّ الخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا فُرَادَى يُؤْمِنُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى أَيْ جِهَةٍ والأمر بأخذ السلاح لا يكون إلا للقتال؛ ولهذا يجب أخذ السلاح في صلاة الخوف عنده في قول، إن كان في وضعه خطر، وإن كان الظاهر السلامة يستحب، وهو قول داود، وأصح قوليه أنه يستحب، وبه أخذ أحمد، وعلماؤنا. ولنا: ما ذكر في المتن حديث الخندق؛ إذ لو جاز الأداء مع القتال لما تركها، وفيه تأمل؛ لأنه ذكر قبل أن صلاة الخوف نزلت بعده. وفي المبسوط: القتال عمل كثير ليس من أعمال الصلاة، فكان مفسدًا كسائر الأعمال، والأمر بأخذ الأسلحة؛ لكيلا يطمع فيهم العدو، وإذا رأوهم مستعدين للقتال أو ليقاتلوا عند الحاجة، وهذه المصلحة تحصل للأخذ قبل الشروع في الصلاة، فلا يحتاج إليه فيها، وأخذها عمل مناف لها فتبطل به (١). وفي المختلفات: لو كانوا في المسابقة قبل الشروع وكاد الوقت يخرج؛ يؤخرون الصلاة إلى أن يفرغوا من القتال (٢)، وعند الشافعي: يصلّون بها ويعيدون (٣). وقال ابن شريح: لا يعيدون، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥). قوله: (فإن اشتد الخوف … ) إلى آخره: معنى اشتداد الخوف: هو أن لا يدعهم العدو بأن يصلّون نازلين، بل يهجمون هم بالمحاربة فرجالا، قيل: مشاة على أرجلكم. (أو ركبانًا)؛ أي: على ظهور دوابكم، ولأن الصلاة على الدابة تجوز بعذر دون هذا العذر، فلأن يجوز بهذا العذر أولى، ثم إنما يجزئه ذلك إذا كانت

стр. 1356

شَاؤُوا إِذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى التَّوَجْهِ إِلَى القِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وَسَقَطَ التَّوَجُهُ لِلضَّرُورَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ بِجَمَاعَةٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِانْعِدَامِ الاتِّحَادِ فِي المَكَانِ. الدابة تسير سير نفسها، أما إذا كانت سيرها صاحبها لا يجزئه هذا في الفرائض، أما في النوافل يجوز كيف ما كان سواء قدر على النزول أو لا، وقد مر. ولو كان الرجل ماشيًا هاربًا من العدو فحضرته الصلاة، ولم يمكنه الوقوف؛ لا يصلي ماشيًا عندنا، وعند الشافعي: يصلي بالإيماء في تلك الحالة ويعيد (١). وفي الْمُجْتَبى: الراكب إذا كان مطلوبًا فلا بأس بأن يصلي وهو يسير، ولو كان طالبا فلا (٢). وعن عطاء، وطاووس، والحسن، ومجاهد، وحماد، وقتادة: أنه تكفيه ركعة واحدة بالإيماء عند اشتداد الخوف. ولا تجوز الجماعة ركبانًا، وكذا راجلًا إلا إذا كان المقتدي على دابة الإمام. وقال محمد (٣)، والشافعي (٤): يجوز، فقال محمد: استحسن ذلك؛ لينال فضيلة الجماعة، ولهذا جوزنا لهم ما هو أعظم من ذلك وهو الذهاب والمجيء، ولإحراز فضيلة الجماعة. وقلنا: ما أثبتنا من الرخصة أثبتناه بالنص، ولا مدخل للرأي في إثبات الرخص، ولأن بينهم وبين الإمام طريقا فيمنع الاقتداء، بخلاف ما لو كان المقتدي على دابة الإمام؛ إذ لا مانع بينهما. كذا في المبسوط (٥).

стр. 1357

بَابُ الجَنَائِزِ والخوف من سُبُعٍ يعاينوه كالخوف من العدو؛ لأن الرخصة لدفع سبب الخوف، ولا فرق في هذا بين السَّبع والعدو، ولو صلوها من غير معاينة العدو جازت صلاة الإمام، ولا تجوز صلاة القوم إذا صلوها بصفة الذهاب والمجيء. ولو رأوا سوادًا فظنوا عدوًا فصلوا صلاة الخوف، ثم بان غيره أعادوا، وبه قال الشافعي في قول (١)، وأحمد (٢)، واختاره المزني (٣)، وفي قول: لا يجب عليهم الإعادة، وبه قال مالك (٤). ويسجد للسهو في صلاة الخوف؛ لعموم الحديث، ويتابعه من خلفه، ويسجدون اللاحقون في آخر صلاتهم. كذا في الْمُجْتَبى (٥)، والله أعلم بالصواب. بَابُ الجَنَائِزِ الجنائز: جمع جنازة، وفي جمل الغرائب: الجنازة بكسر الجيم: السرير. وبالفتح: الميت (٦). وقيل: هما لغتان، وعن الأصمعي: لا يقال بالفتح (٧). ثم للإنسان حالتان: حالة الحياة وحالة الممات؛ ولهذا قال ﵊: «تعلموا الفرائض فإنَّها نصفُ العِلم» (٨)، ولما فرغ من بيان صلوات حالة الحياة شرع في بيان صلاة حالة الممات.

стр. 1358

(إِذَا احْتُضِرَ الرَّجُلُ وُجْهَ إِلَى القِبْلَةِ عَلَى شِقْهِ الْأَيْمَنِ) وقيل: الصلاة مطلقة؛ أي: كاملة ومقيدة، فلما بين المطلقة شرع في بيان المقيدة، وقيل: المأمور به نوعان حسن لمعنى في عينه، وحسن لمعنى في غيره، فالصلوات الخمس مع توابعها، حسن لمعنى في عينها، وصلاة الجنازة حسن لمعنى في غيرها، فلما بين الحسن لمعنى في عينها؛ شرع فيما هو حسن المعنى في غيره. وقيل: لما بين الصلوات المتعلقة بالعوارض؛ ضمنها بعارض هو آخر أحوال المكلف، كما ضم بالوصايا في المعاملات. وقيل: الخوف قد يفضي إلى الموت، كما قال محمد في الزيادات: وجد قتيل في معركة والدم يسيل من أنفه أو فيه؛ يغسل؛ لأنه عسى مات من شدة الخوف (١)؛ فلذا ألحقها بها. ثم قال المطرزي: احتضر الرجل: مات، والمراد هاهنا: قُرب إلى الموت، يقال: فلان محتضر؛ أي: قريب إلى الموت، فإن الموت أو ملائكته حضرة (٢)، فكان هذا من قبيل إطلاق اسم الشيء باسم ما يؤول إليه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَبَنِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]. وقيل: إن صاحب التعرف لما وصل إلى هذا عند قراءته القدوري على شيخه، محمد بن الفضل غشي عليه ثلاث مرات، فقال له شيخه: ينبغي أن تطوف ديار العراق؛ فإنها موضع أصحاب القلوب، فطاف وبلغ أمره إلى ما بلغ. (على شقه الأيمن): وعليه نص الشافعي وأكثر أصحابه (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥)، وكرهه مالك في رواية ابن القاسم؛ لأن ابن المسيب أنكر على من فعل ذلك.

стр. 1359

اعْتِبَارًا بِحَالِ الوَضْعِ فِي القَبْرِ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَيْهِ، وَالمُخْتَارُ فِي بِلَادِنَا الاِسْتِلْقَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ لِخُرُوجِ الرُّوحِ وَالأَوَّلُ هُوَ السُّنَّةُ وللجمهور: ما روى البيهقي أنه ﵇ لما قدم المدينة، سأل عن البراء بن معرور، فقالوا: توفي وأوصى [بثلثه] (١) لك يا رسول الله، وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر، فقال ﵊: «أصابَ الفِطرة، وقد رددت [ثلثه] (٢) على ولده» (٣)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح، ولا أعلم في توجيه المحتضر غيره. وروي عن فاطمة بنت النبي ﵊ أنها أوصت بذلك، وما روي أنه ﵊ قال: «إذا نام أحدكم توسد يمينه» (٤). (واعتبارا بحال الوضع في القبر؛ لأنه أشرف عليه)؛ أي: على القبر، والإشراف على الشيء: الدنو منه، ويقال: أشرفت نفسه على الشيء إذا اشتدّ حرصه عليه. (لأنه أيسر)؛ أي: لخروج الروح، وبه قال الشافعي في قول. وفي الوجيز: ويلقى على قفاه (٥). وفي الْمُجْتَبى: الأول هو السنة (٦). قال أبو بكر الرازي: هذا إذا لم يشق عليه، فإن شق عليه ترك على حاله، والمرحوم لا يوجه (٧). ثم المستحب لكل أحد أن يكثر ذكر الموت، ويكون مستعدا له بالتوبة

стр. 1360

(وَلُقِّنَ الشَّهَادَتَيْنِ) … ... … ... … ... والخروج عن المظالم. ويستحب لأقربائه وجيرانه أن يدخلوا عليه ويتلون عنده سورة (يس)؛ لما روي أنه ﵊ قال: «اقرؤوا على موتاكم سورة يس» (١)، أي: الذي قرب الموت، واستحسن بعض التابعين قراءة سورة الرعد. (ولقن الشهادتين): وفي التحفة والمنافع والينابيع، والمفيد، والمزيد: ولقن الشهادتين (٢)، وهذا أصح؛ لأن شهادة الأول لا تقبل بدون الشهادة الثانية، ولكن الشهادة المتعارف ما يدل على التوحيد ليشمل كلامهما، وفي كتب الشافعية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥): لقن قول لا إله إلا الله؛ لأنه موافق للحديث. روى أبو سعيد الخدري أنه ﵊ قال: «لقنوا … » (٦) الحديث، وقال ﵊: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٧)، وفي رواية: قال: «من ختم بِلا إله إلا الله» (٨). ومعنى التلقين: أن يذكر بين يديه كلمة الشهادة، ولا يقال له: قل. وفي شرح الوجيز: ولا يلح عليه ولا يواجهه؛ بل يذكر بين يديه، وإذا قال

стр. 1361

لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَالمُرَادُ: الَّذِي قَرُبَ مِنْ مرة لا يعاد عليه إلا أن يتكلم بعدها (١). وفي الْمُجْتَبى: وإذا قالها مرة يكفيه، ولا يكثر عليه ما لم يتكلم بعد ذلك، ولما أكثر عليّ ابن المبارك عند الوفاة قال: إذا قلت مرة فإنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام؛ لأن الغرض من التلقين أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله (٢)، وهذا التلقين مستحب بالإجماع. أما التلقين بعد الموت فلا يلقن عندنا في ظاهر الرواية، وعند الشافعي: يستحب أن يلقن بعد الدفن فيقال: يا عبد الله، أو يا أمة الله، اذكر ما خرجت من الدنيا عليه من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا، وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلةً وبالمؤمنين إخوانا، فالظاهر قوله ﵊: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُم … » (٣). كذا في شرح الوجيز (٤). وقلنا: التلقين حقيقة ما يطاوعه المتلقن، وحصول ذلك من الميت محال، فالأمر به حقيقة يكون أمرًا للعاجز عنه، والعقل يأباه، فوجب حمل قوله: «موتاكم»؛ على جواره، وهو من شارف الموت وقرب منه؛ ليصح الأمر بالتلقين. كذا في الْمُجْتَبى (٥). وفي الخبازية، والكاثي: ذكر في تلخيص الأدلة للشيخ الزاهد الصفار على قول المعتزلة: التلقين لا يكون بعد الموت؛ لأن الإحياء بعده عندهم مستحيل أما عند أهل السنة هذا الحديث محمول على حقيقته؛ لأن الله تعالى يحييه على ما جاءت به الآثار (٦).

стр. 1362

المَوْتِ (فَإِذَا مَاتَ شُدَّ لَحْيَاهُ وَغُمِّضَ عَيْنَاهُ)، بِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُتُ، ثُمَّ فِيهِ تَحْسِينُهُ فَيُسْتَحْسَنُ. وقد روي عنه ﵊ أنه أمر بالتلقين بعد الدفن، فيقول: «يَا فلان ابن فلانة، أو يا فلانة بنت فلانة، اذكر دينك الذي كنت عليه … » إلى آخر ما ذكره في شرح الوجيز، فقيل: يا رسول الله، لو لم يعرف اسم أبيه؟، قال: «ينسبه إلى [حواء] (١) (٢)». وفي خيرة الفتاوي، وفتاوى الظهيرية: جوّز بعض المشايخ التلقين، وأراه لا يفعل (٣). وقال الحلواني: لا ينهى ولا يؤمر به (٤). قال قاضي خان: إن كان التلقين لا ينفع فإنه لا يضر أيضًا، فيجوز (٥). وحكي عن ظهير الدين المرغيناني: أنه لقن بعض الأئمة بعد دفنه، وأوصى في تلقينه بعد ما دفن. كذا في عباب المفتي (٦). قوله: (بذلك جرى التوارث): روي أنه ﵊ دخل علي أبي سلمة بعد الوفاة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قُبض تبعه البصر»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه واجعله من الفائزين، واغفر لنا وله يارب العالمين، وأفسح له في قبره ونور له فيه (٧)»، وينبغي أن يحفظه كل مسلم فيدعو به عند الحاجة، وإذا لزم تغميض عينيه لزم شد لحيته؛ بل أولى. وفي النتف: يصنع بالمحتضر عشرة أشياء: يوجّه إلى القبلة على قفاه أو

стр. 1363

فَصْلٌ فِي الغُسْلِ على يمينه، وتمد أعضاؤه، وتغمض عيناه، ويقرأ يس، ويحضر عنده من الطيب، ويلقن كلمة الشهادة، ويخرج من عنده الحائض والنفساء والجنب، ويوضع على بطنه السيف أو مرآة لئلا ينتفخ، ويقرأ عنده القرآن إلى أن يرفع (١)، وهكذا في كتب أصحاب الشافعي (٢)، وكره مالك قراءة القرآن عنده (٣)، وأصحابنا كرهوا القراءة بعد موته حتى يغسل (٤)، ويجعل على سرير أو لوح حتى لا يغيره نداوة الأرض. وفي فتاوى قاضي خان: لا بأس بجلوس الحائض والجنب عند موته (٥). ثم المستحب أن يعجل في جنازه ولا يؤخر؛ لقوله ﵊: «عَجِّلوا موتاكم، فإن يكن خيرًا قدمتموه إليه، وإن يكن شرًا فَبُعدًا لأهل النار». ولا بأس بإعلام الناس بموته؛ لأن فيه تحريض الناس على الطاعة، وحثًا على الاستعداد لها، فيكون دالا على الخير، والدال على الخير كفاعله. كذا في التحفة (٦)، وكتب الشافعية (٧). فصل في الغسل هو واجب على الأحياء بالسنة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى؛ أما السنة: فما روي عن أبي بن كعب عن النبي ﵊ أنه قال: «إن آدم ﵊ لما حضرته الوفاة نزلت الملائكة بحنوطه وكفنه من الجنة، فلما مات غسلوه بالماء والسِّدِر ثلاثًا، وكفنوه في وتر من الثياب، وصلوا عليه عند البيت، وأمهم جبريل ﵊، وقالوا: هذه سُنَّةُ ولد

стр. 1364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . آدم من بعده» (١). وما روي أنه ﵊ قال لأم عطية حين توفيت ابنته رقية: «اغسِلْنَها وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر إن رأيتُنّ ذلك» (٢) وقال: «بماء وسدر» (٣). وقوله ﵊: «للمسلم على المسلم ستّ حقوق» (٤)، وذكر منها: «إذا مات أن يُغَسّله» (٥)، وأجمعت الأمة على هذا. وأما المعنى: أن الميت في الصلاة بمنزلة الإمام، حتى لا تجوز الصلاة بدونه؛ ولهذا شرط تقديمه على القوم، وطهارة الإمام شرط لصلاة القوم، فكذا طهارته، ولأن ما بعد الموت حال العرض على الرب والرجوع إليه، فوجب تطهيره بالغسل تعظيما للرب. وفي شرح الوجيز: الغسل والتكفين والصلاة فرض الكفاية بالإجماع (٦). ثم اختلف مشايخنا في سبب وجوبه؛ قال أبو عبد الله البلخي: وجب لأجل الحدث لا لنجاسة الميت؛ إذ التنجيس في كل حيوان له دم سائل لا يزول بالغسل، والحدث مما يزول بالغسل، والحدث في الحياة فكذا بعد الممات (٧). والآدمي لا ينجس بالموت كرامة له، ولكن يصير محدثًا لاسترخاء المفاصل وزوال العقل قبل الموت، وأنه حدث، وينبغي أن يقتصر الغسل على أعضاء الوضوء كما في الحياة، إلا أن القياس في حالة الحياة غسل جميع البدن

стр. 1365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في الحدث كما في الجنابة، فاكتفى بغسل الأعضاء، فكذا الحدث بالموت لا يتكرر في كل يوم عادة، فم يكتف فيه بغسل الأعضاء، فكذا الحدث بالموت لا يتكرر فيجب غسل جميعه؛ لانتفاء الحرج. وقال أبو عبد الله الجرجاني وغيره من مشايخ العراق: وجوب الغسل بسبب نجاسة الموت لا بسبب الحدث؛ لأن الآدمي له دم سائل، فيتنجس بالموت قياسًا على سائر الحيوانات؛ بدليل أنه لو مات في البئر يجب نزح ماء البئر كله كالشاه، ولذا لو حمل ميتًا قبل الغسل وصلى معه لا تجوز صلاته، ولو قرئ عليه القرآن قبل غسله يكره، وبعده لا، ولو كان الغسل لأجل حدثه ينبغي أن تجوز صلاته كما لو حمل محدثًا، وكذا لا يمسح برأسه، ولو كان للمحدث ينبغي أن يسن المسح كما في الجنب، وهذا القول أقرب إلى القياس؛ لأنه قول بثبوت النجاسة بعد عليها، وهي احتباس الدم في العروق ونزول هذه النجاسة بالغسل؛ لأن للغسل أثرًا في إزالتها كما في حالة الحياة، وإن لم يكن له أثرًا في إزالة نجاسة الموت في سائر الحيوانات غير الآدمي، فكان موافقا للقياس في الثبوت من كل وجه، وفي الزوال بالغسل من وجه (١). فأما ما قاله البلخي؛ فمخالف للقياس من كل وجه، وهو منع ثبوتها مع قيام علتها، ولم نجد نجاسة لا تعمل في التنجس في الآدمي حال الحياة كرامة له، فكذا بعد الممات، فدلّ أن ما قاله الجرجاني أولى. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (٢). وفي الخزانة، ومبسوط فخر الإسلام: إن الغسل سنة واجبة؛ أي: مؤكدة (٣). وفي التنجيس: هكذا توارثنا من مشايخنا.

стр. 1366

(وَإِذَا أَرَادُوا غَسْلَهُ وَوَضَعُوهُ عَلَى سَرِيرِ) لِيَنْصَبَّ المَاءُ عَنْهُ (وَجَعَلُوا عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةً) إِقَامَةً لِوَاجِبِ السَّتْرِ، وَيُكْتَفَى بِسَتْرِ العَوْرَةِ الغَلِيظَةِ هُوَ الصَّحِيحُ - تَيْسِيرًا قوله: (وضعوه على سرير): واختلف في كيفية الوضع؛ قال الإسبيجابي، وصاحب شرح الطحاوي: يوضع مستلقيًا على قفاه نحو القبلة كالمحتضر، ومثله قال بعض أئمة خراسان، واختار بعض أصحابنا أنه يوضع عرضًا كما يوضع في القبر (١). وقال شمس الأئمة والأصح: أنه يوضع كما تيسر (٢)، وإنما وضع على السرير لينزل الماء عنه، فيكون أقرب إلى النظافة، ولا اختصاص للغسل بالقبلة. وأما وضع الخرقة: فيجب أن توضع من السرة إلى الركبة، وهو رواية النوادر (٣)، وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)؛ لأن عورة الميت لا يجوز النظر إليها كعورة الحي؛ قال ﵊ لعلي: «لا تنظر إلى فَخِذِ حَيَّ وَلَا مَيِّت» (٧). وفي المحيط، والمبسوط، وشرح أبي نصر: هو الصحيح، وفي ظاهر الرواية وهو اختيار صاحب الكتاب، وصاحب الْمُجْتَبى (٨). (يكفي ستر العورة الغليظة تيسيرًا)؛ لأنه يشق على الغاسل غسل تحت

стр. 1367

(وَنَزَعُوا ثِيَابَهُ) لِيُمَكِّنَهُمُ التَّنْظِيفُ. الإزار، وبطلت الشهوة بالموت، فكان قوله هو الصحيح، احترازًا عن رواية النوادر. قوله: (ونزعوا ثيابه): وعن مالك مثله (١)، وهو ظاهر رواية أحمد، وقال الشافعي (٢)، وأحمد في رواية (٣): المستحب أن يغسل في قميص واسع الكمين، وإن كان ضيق الكمين خرقهما؛ لأنه ﵊ غسل في قميصه، فما كان سنة في حقه سنة في حقنا. ولنا: أن عائشة قالت: اختلف الصحابة في غسله ﵊، فأرسل الله عليهم النوم، فما منهم أحد إلا نام وذقنه على صدره، فنودوا: أن اغسلوا نبيكم وعليه ثيابه ولا تجردوه؛ ففيه دليل أن الصحابة أجمعوا على أن السنة في سائر الموتى التجريد، وغسله ﵊ في قميصه من خصائصه الدالة على شرفه، فلا يكون النص الوارد في حقه بخلاف القياس واردًا في حق غيره؛ لأنه ليس لغيره من الحرمة ما له ﵊. ولأن المقصود من الغسل التطهير، وهو لا يحصل إذا غسل مع ثيابه؛ لأن الثوب متى تنجس بالغسالة تنجس بدنه ثانيًا فلا يطهر، وغسله ﵊ لا يكون للتطهير؛ لأنه ﵊ كان طاهرًا حيًا وميتًا، ولكن الغاسل يلف على يده خرقة ويغسل السوءة، وبه قال الشافعي (٤)؛ لأن مس العورة حرام كالنظر، حتى لو ماتت امرأة بين الرجال الأجانب؛ يتممها أجنبي بخرقة ضرورة. كذا في فتاوى قاضي خان (٥). وفي شرح صدر القضاة: إن كان يُطَهَّر فرجه؛ يصب الماء تحت الخرقة أو فوقها من غير مس لا يمسه (٦).

стр. 1368

(وَوَضَّؤُوهُ مِنْ غَيْرِ مَضْمَضَةٍ وَلَا اسْتِنْشَاقِ)؛ لِأَنَّ الوُضُوءَ سُنَّةُ الاغْتِسَالِ، غَيْرَ أَنَّ إِخْرَاجَ المَاءِ مِنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَيُتْرَكَانِ. قوله: (وَوضَّؤوه)؛ لقوله ﵊ لغاسلات ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» (١)، ولأن الغسل بعد الموت معتبر بغسل حالة الحياة، وفي حالة الحياة يقدم الوضوء، فكذا بعد الممات. ولم يذكر محمد في الكتاب الاستنجاء، وفي صلاة الأذان على قول أبي محمد يستنجى، وعلى قول أبي يوسف لا يُستَنْجَى؛ لأن المسألة تزول، والمفاصل تسترخي بالموت، فربما يزداد الاسترخاء به، فتخرج زيادة نجاسة، فلا يفيد الاستنجاء، وقالا: موضع الاستنجاء قلما يخلو عن نجاسة حقيقية فتجب إزالتها، كما لو كانت النجاسة على موضع آخر من البدن (٢). وفي مبسوط شيخ الإسلام: الفرق بين هذا الوضوء، والوضوء في غسل الجنب من أربعة أوجه: أحدها: أن الميت لا يمضمض ولا يستنشق، وهو قول أكثر أهل العلم، بخلاف الجنب. والثاني: أنه يبدأ بغسل يديه إلى الرسغ أولًا، وفي الميت يغسل وجهه لا يديه. والثالث: أن الميت لا يمسح رأسه بخلاف الجنب. والرابع: أنه يؤخر غسل رجليه، وللميت يغسل عند الوضوء، هذا كله على رواية صلاة الأثر (٣). والصحيح: أن يكون الجواب فيهما واحدًا إلا في المضمضة والاستنشاق؛ لما روي أنه ﵊ قال: «الميت يوضأ وضوءه للصلاة إلا في المضمضة والاستنشاق وغسل الرّجلين فإنه لا يؤخر» (٤). وهكذا في المحيط، إلا

стр. 1369

(ثُمَّ يُفِيضُونَ المَاءَ عَلَيْهِ) اعْتِبَارًا بِحَالِ الحَيَاةِ. أنه ذكر فيه بداية غسل الوجه وترك المسح (١). قال الحلواني: هذا الذي ذكرنا من الوضوء في حق البالغ والصبي العاقل، فأما في حق صبي غير عاقل للصلاة؛ لا يُوَضَّأُ وضوءه للصلاة؛ لأنه لو كان في حياته لا يصلي (٢). وفي الخلاصة، وبعض الجوامع: يغسل قدميه قبل يديه. قال الحلواني: يجعل الغاسل على أصبعه خرقة رقيقة، ويدخل الإصبع في فمه، ويمسح بها أسنانه ولهاته وشفتيه، وينقيها ويدخلها في منخريه أيضًا، وعليه عمل الناس اليوم (٣)، وبه قال الشافعي، لكن قال: يمضمض ويستنشق؛ لقوله ﵊ لغاسلات ابنته: «ابدأن بمواضع الوضوء منها» (٤)، وموضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء (٥). ولنا: ما رويناه محكم فيحمل المحتمل عليه. (ثم يفيضون الماء عليه)؛ أي: ثلاثا، ويجمر. في المغرب: جمَّرَ الثوبَ وأجمره بَخّره، والمَجْمَر: ما يبخر به الثياب من عود ونحوه (٦)، ومنه قوله ﵊ في صفة أهل الجنة: «وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ (٧) (٨)» أي: بخورهم العود الجيد، ويقال لما يوقد فيه العود مجمر أيضًا. وفي مبسوط شيخ الإسلام: الإخمار: التطيب (٩)؛ يعني: يلقى على

стр. 1370

(وَيُجَمَّرُ سَرِيرُهُ وِتْرًا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ المَيِّتِ، وَإِنَّمَا يُوتَرُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ». (وَيُغْلَى المَاءُ بِالسِّدْرِ أَوْ بِالحُرْضِ) مُبَالَغَةٌ فِي التَّنْظِيفِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالمَاءُ القَرَاحُ) لِحُصُولِ أَصْلِ المَقْصُودِ (وَيُغْسَلُ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ بِالخِطْمِي) لِيَكُونَ أَنْظَفَ لَهُ. المجمر العود، ويدار المجمر حول السرير مرة أو ثلاثا أو خمسا أو سبعًا. وفي الْمُجْتَبى: والمراد من الجنازة فيجمر السرير والكفن، وقد ترك الناس التجمير على الجنازة في زماننا وديارنا، وبقي التجمير مقصورًا على الكفن (١). وفي الكافي: معنى قوله: ويجمر بوي خشن كنديد تحته مردة، وهذا وسياق كلام المصنف يدل على أن المراد من السرير التخت الذي يغسل عليه الميت، وقد صرّح في المجمع بقوله: وغُسل على سرير مُجمَّر، ويغلى من الإغلاء لا من الغلي والغليان؛ لأنه لازم. والسدر: شجرة النبق، والمراد ورقه وهو غسول، ويقال لها كنار، والحرض أشنان، والقراح الخالص الذي لا يشوبه شيء. كذا في المغرب (٢). وعندنا: الماء الحار أفضل على كل حال. وعند الشافعي (٣)، وأحمد (٤): الماء البارد أفضل، إلا أن يكون عليه وسخ أو نجاسة لا تزول إلا بالماء الحار أو البرد الشديد؛ لأن البارد يشد بدنه، والحار يرخيه والميت استرخى، فلو غسل بالحار ازداد استرخاؤه، ويفضي إلى خروج النجس، وينجس الأكفان، فكان البارد أولى. وقلنا: المقصود التطهير، وبالحار أولى، ثم ما ذكر من الترتيب يوافق رواية مبسوط شمس الأئمة، ولا يوافق مبسوط فخر الإسلام والمحيط؛ لأنه ذكر
следующие страницы →