← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

(وَإِذَا أَرَادُوا غَسْلَهُ وَوَضَعُوهُ عَلَى سَرِيرِ) لِيَنْصَبَّ المَاءُ عَنْهُ (وَجَعَلُوا عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةً) إِقَامَةً لِوَاجِبِ السَّتْرِ، وَيُكْتَفَى بِسَتْرِ العَوْرَةِ الغَلِيظَةِ هُوَ الصَّحِيحُ - تَيْسِيرًا قوله: (وضعوه على سرير): واختلف في كيفية الوضع؛ قال الإسبيجابي، وصاحب شرح الطحاوي: يوضع مستلقيًا على قفاه نحو القبلة كالمحتضر، ومثله قال بعض أئمة خراسان، واختار بعض أصحابنا أنه يوضع عرضًا كما يوضع في القبر (١). وقال شمس الأئمة والأصح: أنه يوضع كما تيسر (٢)، وإنما وضع على السرير لينزل الماء عنه، فيكون أقرب إلى النظافة، ولا اختصاص للغسل بالقبلة. وأما وضع الخرقة: فيجب أن توضع من السرة إلى الركبة، وهو رواية النوادر (٣)، وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)؛ لأن عورة الميت لا يجوز النظر إليها كعورة الحي؛ قال ﵊ لعلي: «لا تنظر إلى فَخِذِ حَيَّ وَلَا مَيِّت» (٧). وفي المحيط، والمبسوط، وشرح أبي نصر: هو الصحيح، وفي ظاهر الرواية وهو اختيار صاحب الكتاب، وصاحب الْمُجْتَبى (٨). (يكفي ستر العورة الغليظة تيسيرًا)؛ لأنه يشق على الغاسل غسل تحت

стр. 1367

(وَنَزَعُوا ثِيَابَهُ) لِيُمَكِّنَهُمُ التَّنْظِيفُ. الإزار، وبطلت الشهوة بالموت، فكان قوله هو الصحيح، احترازًا عن رواية النوادر. قوله: (ونزعوا ثيابه): وعن مالك مثله (١)، وهو ظاهر رواية أحمد، وقال الشافعي (٢)، وأحمد في رواية (٣): المستحب أن يغسل في قميص واسع الكمين، وإن كان ضيق الكمين خرقهما؛ لأنه ﵊ غسل في قميصه، فما كان سنة في حقه سنة في حقنا. ولنا: أن عائشة قالت: اختلف الصحابة في غسله ﵊، فأرسل الله عليهم النوم، فما منهم أحد إلا نام وذقنه على صدره، فنودوا: أن اغسلوا نبيكم وعليه ثيابه ولا تجردوه؛ ففيه دليل أن الصحابة أجمعوا على أن السنة في سائر الموتى التجريد، وغسله ﵊ في قميصه من خصائصه الدالة على شرفه، فلا يكون النص الوارد في حقه بخلاف القياس واردًا في حق غيره؛ لأنه ليس لغيره من الحرمة ما له ﵊. ولأن المقصود من الغسل التطهير، وهو لا يحصل إذا غسل مع ثيابه؛ لأن الثوب متى تنجس بالغسالة تنجس بدنه ثانيًا فلا يطهر، وغسله ﵊ لا يكون للتطهير؛ لأنه ﵊ كان طاهرًا حيًا وميتًا، ولكن الغاسل يلف على يده خرقة ويغسل السوءة، وبه قال الشافعي (٤)؛ لأن مس العورة حرام كالنظر، حتى لو ماتت امرأة بين الرجال الأجانب؛ يتممها أجنبي بخرقة ضرورة. كذا في فتاوى قاضي خان (٥). وفي شرح صدر القضاة: إن كان يُطَهَّر فرجه؛ يصب الماء تحت الخرقة أو فوقها من غير مس لا يمسه (٦).

стр. 1368

(وَوَضَّؤُوهُ مِنْ غَيْرِ مَضْمَضَةٍ وَلَا اسْتِنْشَاقِ)؛ لِأَنَّ الوُضُوءَ سُنَّةُ الاغْتِسَالِ، غَيْرَ أَنَّ إِخْرَاجَ المَاءِ مِنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَيُتْرَكَانِ. قوله: (وَوضَّؤوه)؛ لقوله ﵊ لغاسلات ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» (١)، ولأن الغسل بعد الموت معتبر بغسل حالة الحياة، وفي حالة الحياة يقدم الوضوء، فكذا بعد الممات. ولم يذكر محمد في الكتاب الاستنجاء، وفي صلاة الأذان على قول أبي محمد يستنجى، وعلى قول أبي يوسف لا يُستَنْجَى؛ لأن المسألة تزول، والمفاصل تسترخي بالموت، فربما يزداد الاسترخاء به، فتخرج زيادة نجاسة، فلا يفيد الاستنجاء، وقالا: موضع الاستنجاء قلما يخلو عن نجاسة حقيقية فتجب إزالتها، كما لو كانت النجاسة على موضع آخر من البدن (٢). وفي مبسوط شيخ الإسلام: الفرق بين هذا الوضوء، والوضوء في غسل الجنب من أربعة أوجه: أحدها: أن الميت لا يمضمض ولا يستنشق، وهو قول أكثر أهل العلم، بخلاف الجنب. والثاني: أنه يبدأ بغسل يديه إلى الرسغ أولًا، وفي الميت يغسل وجهه لا يديه. والثالث: أن الميت لا يمسح رأسه بخلاف الجنب. والرابع: أنه يؤخر غسل رجليه، وللميت يغسل عند الوضوء، هذا كله على رواية صلاة الأثر (٣). والصحيح: أن يكون الجواب فيهما واحدًا إلا في المضمضة والاستنشاق؛ لما روي أنه ﵊ قال: «الميت يوضأ وضوءه للصلاة إلا في المضمضة والاستنشاق وغسل الرّجلين فإنه لا يؤخر» (٤). وهكذا في المحيط، إلا

стр. 1369

(ثُمَّ يُفِيضُونَ المَاءَ عَلَيْهِ) اعْتِبَارًا بِحَالِ الحَيَاةِ. أنه ذكر فيه بداية غسل الوجه وترك المسح (١). قال الحلواني: هذا الذي ذكرنا من الوضوء في حق البالغ والصبي العاقل، فأما في حق صبي غير عاقل للصلاة؛ لا يُوَضَّأُ وضوءه للصلاة؛ لأنه لو كان في حياته لا يصلي (٢). وفي الخلاصة، وبعض الجوامع: يغسل قدميه قبل يديه. قال الحلواني: يجعل الغاسل على أصبعه خرقة رقيقة، ويدخل الإصبع في فمه، ويمسح بها أسنانه ولهاته وشفتيه، وينقيها ويدخلها في منخريه أيضًا، وعليه عمل الناس اليوم (٣)، وبه قال الشافعي، لكن قال: يمضمض ويستنشق؛ لقوله ﵊ لغاسلات ابنته: «ابدأن بمواضع الوضوء منها» (٤)، وموضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء (٥). ولنا: ما رويناه محكم فيحمل المحتمل عليه. (ثم يفيضون الماء عليه)؛ أي: ثلاثا، ويجمر. في المغرب: جمَّرَ الثوبَ وأجمره بَخّره، والمَجْمَر: ما يبخر به الثياب من عود ونحوه (٦)، ومنه قوله ﵊ في صفة أهل الجنة: «وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ (٧) (٨)» أي: بخورهم العود الجيد، ويقال لما يوقد فيه العود مجمر أيضًا. وفي مبسوط شيخ الإسلام: الإخمار: التطيب (٩)؛ يعني: يلقى على

стр. 1370

(وَيُجَمَّرُ سَرِيرُهُ وِتْرًا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ المَيِّتِ، وَإِنَّمَا يُوتَرُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ». (وَيُغْلَى المَاءُ بِالسِّدْرِ أَوْ بِالحُرْضِ) مُبَالَغَةٌ فِي التَّنْظِيفِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالمَاءُ القَرَاحُ) لِحُصُولِ أَصْلِ المَقْصُودِ (وَيُغْسَلُ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ بِالخِطْمِي) لِيَكُونَ أَنْظَفَ لَهُ. المجمر العود، ويدار المجمر حول السرير مرة أو ثلاثا أو خمسا أو سبعًا. وفي الْمُجْتَبى: والمراد من الجنازة فيجمر السرير والكفن، وقد ترك الناس التجمير على الجنازة في زماننا وديارنا، وبقي التجمير مقصورًا على الكفن (١). وفي الكافي: معنى قوله: ويجمر بوي خشن كنديد تحته مردة، وهذا وسياق كلام المصنف يدل على أن المراد من السرير التخت الذي يغسل عليه الميت، وقد صرّح في المجمع بقوله: وغُسل على سرير مُجمَّر، ويغلى من الإغلاء لا من الغلي والغليان؛ لأنه لازم. والسدر: شجرة النبق، والمراد ورقه وهو غسول، ويقال لها كنار، والحرض أشنان، والقراح الخالص الذي لا يشوبه شيء. كذا في المغرب (٢). وعندنا: الماء الحار أفضل على كل حال. وعند الشافعي (٣)، وأحمد (٤): الماء البارد أفضل، إلا أن يكون عليه وسخ أو نجاسة لا تزول إلا بالماء الحار أو البرد الشديد؛ لأن البارد يشد بدنه، والحار يرخيه والميت استرخى، فلو غسل بالحار ازداد استرخاؤه، ويفضي إلى خروج النجس، وينجس الأكفان، فكان البارد أولى. وقلنا: المقصود التطهير، وبالحار أولى، ثم ما ذكر من الترتيب يوافق رواية مبسوط شمس الأئمة، ولا يوافق مبسوط فخر الإسلام والمحيط؛ لأنه ذكر

стр. 1371

(ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ، فَيُغْسَلُ بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ حَتَّى يُرَى أَنَّ المَاءَ قَدْ وَصَلَ إِلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنهُ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ حَتَّى يُرَى أَنَّ المَاءَ قَدْ وَصَلَ إِلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنهُ)؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ هُوَ البُدَاءَةُ بِالمَيَامِنِ (ثُمَّ يُجْلِسُهُ فيهما يغسل أولا بالماء القراح، ثم بالماء الذي يطرح فيه السدر، وفي الثالثة يجعل الكافور في الماء ويغسل، هكذا روي عن ابن مسعود ﵁ (١). وإنما يبدأ أولا بالقراح حتى يبتل ما عليه من الدرن والنجاسة ثم بالسدر؛ حتى يزول ما به من الدرن والنجاسة، فإن السدر أبلغ في التنظيف، ثم بماء الكافور تطييبا لبدن الميت كذا فعلت الملائكة بآدم ﵊ حين غسلوه بالخطمي -هو خطمي العراق؛ لأنه مثل الصابون في التنظيف. وللشافعي في استعمال السدر والخطمي في غسل لحيته ورأسه وجهان؛ قال أبو إسحاق المروزي: المقصود من الغسل التنظيف، فيستعان بما يزيد فيه التطهير، وأظهرهما: أنه لا يستعان بهما؛ لأن التغير به فاحش سالب للطهورية. كذا في شرح الوجيز (٢). وقلنا: سلب الطهورية غير مسلم، وعلى تقدير حصوله لا يغسل به، قد خلص؛ أي: وصل إلى ما يلي التخت منه، وهو الجنب المتصل به. والتخت: بالخاء المعجمة لا بالحاء المهملة؛ لأن به توهم أن غسل ما يلي التخت تحت من الجنب، لا الجنب المتصل بالتخت، أما بالخاء المعجمة يفهم الجنب المتصل منه؛ أي: من الميت. رفيقًا: صح بالفاء من رفق به يرفق يلطف به من الرفق، خلاف الخرق والعنف. كذا في المغرب (٣). وروي أن عليا وعباسًا ﵄ مسحا بطن النبي ﷺ فلم يجدا شيئاً، فقالا: طبت حيا وميتا، وفي رواية أخرى: فاح ريح المسك في البيت لما في بطنه. كذا

стр. 1372

وَيُسْنِدُهُ إِلَيْهِ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ مَسْحًا رَقِيقًا) تَحَرُّزًا عَنْ تَلْوِيثِ الكَفَنِ. في المبسوط (١). وقيل: وانتشر في المدينة. قوله: (تَحَرُّزًا عَنْ تَلْوِيثِ الْكَفَنِ): والسرير أيضًا، وفي المحيط: إذا غسل مرتين، مرة من جانب الأيمن، ومرة من جانب الأيسر؛ يمسح بطنه رفيقا حقا للميت (٢). وعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: أنه يمسح بطنه أولا ثم يغسله؛ لأن المسح قبل الغسل أولا، حتى يخرج ما في بطنه من النجاسة، فيقع الغسل ثلاثًا بعد خروجها (٣). وجه ظاهر الرواية: أن المسح بعد الغسل مرتين أقدر على إخراج النجاسة؛ لا يرد بما يكون في بطنه نجاسة مقعدة، لا يخرج بالمسح قبل الغسل، ويخرج بعد الغسل مرتين، فكان أولى. وفي الْمُجْتَبى: السنة أن يغسل ثلاثًا؛ أولا بالماء الحار أو القراح، ثم بالماء والسدر (٤). وفي البدائع: الواجب منه مرة وما زاد سنة (٥).، وبه قال الشافعي (٦)، ومالك مع الدلك (٧). قال ابن حزم الظاهري: غسله ثلاثًا، فرض، ثم يمسح بطنه رفيقا، فإن خرج منه شيء غسله، ثم يضجع على شقه الأيسر، فيغسل بالماء وشيء من الكافور (٨). وكذا ذكره الكرخي (٩).

стр. 1373

(فَإِنْ خَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ وَلَا يُعِيدُ غُسْلَهُ وَلَا وُضُوءَهُ)؛ لِأَنَّ الغُسْلَ عَرَفْنَاهُ والمختار قوله. ولو غسله غسلة واحدة أو غمره في ماء أجزأه. قال بعض الشارحين: ذكر المصنف المرة الثالثة بقوله: يفيضون الماء عليه، وهذا بعيد؛ لأنه قال بعد ذلك: ويغسل رأسه ولحيته بالخطمي، ثم يضجع على شقه الأيسر، وغسل الرأس بعد الوضوء قبل الغسل بالإجماع (١). ولا يلزم أن يكون الإضجاع على شقه الأيسر في المرة الثانية هو السنة، وليس كذلك بالإجماع، بل أجمل في قوله: ثم يفيضون الماء عليه، ثم ذكر كيفية صب الماء والغسل، لكنه يحتمل أن يكون اختياره هذا، وجعل التثليث في الصب عند كل إضجاع سنة، فإنه قال شيخ الإسلام: يغسل أولا بالماء الحار ثلاث مرات، ثم بالماء والسدر، ثم بالماء وشيء من الكافور (٢)، وفيه إشارة إلى أن صب الماء عند كل إضجاع ثلاث مرات، وإن زاد على الثلاث جاز. قوله: (غسله)؛ أي: ذلك الموضع. (ولا يعيد غسله): بضم الغين، وقال الشافعي في قول (٣)، وأحمد (٤): يعيد الغسل لتكون خاتمة أمره على أكمل الطهارتين، [وفي صحيح قوله: لا يعيد الغسل والوضوء، ويغسل موضع النجاسة، وهو قولنا، ومالك (٥)، واختيار المزني (٦)] (٧)؛ لحصول التنقية وسقوط الفرض، وبعد ذلك خروج الحدث لا يوجب الغسل كما في حالة الحياة. وأما الوضوء؛ فلأن الخارج وإن كان حدثًا فالموت حدث أيضًا؛ لأنه يزول به التمييز ويحصل به الاسترخاء التام أكثر ما يزول بالإغماء، وهو موجود

стр. 1374

بِالنَّصِّ وَقَدْ حَصَلَ مَرَّةً (ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ) كَيْ لَا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ (وَيَجْعَلُهُ) أَيْ: المَيِّتَ (فِي أَكْفَانِهِ، وَيَجْعَلُ الحَنُوطَ عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَالكَافُورَ عَلَى مِسْاجِدِهِ)؛ لِأَنَّ التَّطَيبَ سُنَّةٌ وَالمَسَاجِدُ أَوْلَى بِزِيَادَةِ الكَرَامَةِ. في الغالب، ولا يوجب الوضوء فكذا هذا الحدث. كذا في شرح الأقطع (١). قوله: (بالنص): وهو قوله ﵊: «للمُسلِمِ عَلَى المُسلم ست حقوق» وذكر منها: «الغُسْلُ بعد الموت» (٢)، فإذا غسله مرة فقد أدّى ما عليه وسقط الواجب عنه، فلا يعيده. (ثم ينشفه)؛ أي: يأخذ ما عليه بثوب، وقد مرّ في باب المسح معنى التنشيف. (الحنوط): عطر مركب من أشياء طيبة. وفي الكاثي بالفارسية: يرى مرد كان رُوي أن آدم ﵊ لما توفي غسلته الملائكة وحنطوه، وقال ﵊ في ماعز: «اصْنَعوا به ما تصنعون بموتاكُم مِنَ الغَسْلِ والحَنوط» (٣). والمساجد جمع مسجد، بفتح الجيم وهو موضع السجود من البدن، يعني بها: جبهته ويديه وقدميه وركبتيه، ولم يذكر الأنف والقدمين. عن ابن مسعود: يتتبع مساجده بالطيب؛ يعني: الكافور، تعظيما للمساجد وصيانة للميت عن سرعة الفساد، وبه جرى التوارث كذا في الْمُجْتَبى (٤)، وبه قال الشافعي (٥). وعن زفر: أنه يجعل الكافور على عينيه وأنفه وفمه؛ لأن المقصود تباعد

стр. 1375

(وَلَا يُسَرَّحُ شَعْرُ المَيِّتِ وَلَا لِحْيَتُهُ وَلَا يُقَصُّ ظُفُرُهُ وَلَا شَعْرُهُ) لِقَوْلِ الدود من هذه المخارج يكون عليها الكافور (١). (ولا يسرح): التسريح: تخليص بعض الشعر. وقيل: تخليله بالمشط. وقيل: مشطه. كذا في المغرب (٢). وقال الشافعي: يسرح شعره ولحيته بمشط واسع إذا كان ملبدا (٣). قوله: (ولا يقص ظفره … ) إلى آخره وكذا لا يؤخذ من شاربه وشعر عانته وإبطه، وبه قال الشافعي في القديم (٤)، ومالك (٥)، واختاره المزني (٦)، وعن مالك: لو حلق حَيٌّ شارِبهُ يُعزَّر. وقال في الجديد، وأحمد (٧): يؤخذ إلا في محرم مات. قال النواوي: المذهب والصواب أن هذه الشعور والأظفار تترك، وهو مذهب جمهور العلماء، ذكره في شرح المهذب (٨). له: قوله ﵊: «اصْنَعوا بموتاكم ما تصنعونَ بعَروسِكُم» (٩)، ولأنه يتنظف لهذه الأشياء كما في الحياة. ولنا: ما روت عائشة ﵂: «علامَ تَنْصُون ميتكم» رواه مسلم (١٠)؛ أي: على ما تأخذون من ناصيته شيئاً، من نَصَوْتُ الرجُلَ نصوا أخذت ناصيته ومددتها، وقالت: هذا حين رأت قوما يسرحون ميتا، كأنها كرهت تسريح رأس

стр. 1376

عَائِشَةَ ﵂: عَلَامَ تَنْصُّونَ مَيِّتَكُمْ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لِلزِّينَةِ، وَقَدِ اسْتَغْنَى المَيِّتُ عَنْهَا، وَفِي الحَيِّ كَانَ تَنْظِيفًا لِاجْتِمَاعِ الوَسَخِ تَحْتَهُ وَصَارَ كَالخِتَانِ. الميت، فجعلته بمنزلة الأخذ بالناصية، واشتقاقه من منصة العروس خطأ. كذا في المغرب (١). والمراد بما روي: النظافة التي لا توجب آثار جزء من أجزائه، نحو إزالة الدرن والطيب والكفن وغيره. وفي الإيضاح (٢): ولا بأس بسائر الطيب غير الزعفران؛ لأنه ﵊ نهى الرجل عن التزعفر (٣). وقوله: (وفي الحي) جواب عن قول الشافعي: إنه يتنظف بها كالحي؛ يعني: الحي يحتاج إلى الزينة، ولا يعتبر في حقه زوال الجزء، بخلاف الميت فإنه لا يحتاج إليها، ولا يسن فيه إزالة الجزء كما في الختان، ودفن الأجزاء معه أولى؛ يعني: لو قص الأظفار والأشعار؛ فالسنة أن تدفن معه، فلا فائدة في القص، فوجب أن يفرق بينهما. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٤). وفي الإيضاح: يفعل هذه الأشياء للزينة، والقبر ليس للزينة بل للبلى (٥). وفي فتاوى قاضي خان: ليس في غسل الميت استعمال القطن في الروايات الظاهرة (٦). وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يجعل القطن في منخريه وفمه؛ لئلا يخرج منه شيء (٧)، وبعضهم قال: في صماخ أذنيه، وبعضهم قال: يجعل في دبره أيضًا،

стр. 1377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو قول الشافعي (١)، وهو قبيح. مسائل تتعلق بالغسل وفي الْمُجْتَبى: الغسل من فروض الكفاية كالدفن والصلاة (٢)، وبه قال الشافعي (٣). وقال النواوي: لا خلاف فيه، حتى لو تركه أهل بلدة قوتلوا على تركه كما فيهما (٤). ولو صلى عليه قبل الغسل غسلوه وأعادوا الصلاة، وكذا لو ذكروا قبل أن يهال التراب عليه؛ يخرج ويُغسل ويصلى عليه. ولو بقي عضو فذكروه بعدها وبعد التكفين؛ يغسل ذلك العضو وتعاد الصلاة، ولو بقي أصبع أو نحوها بعد الكفن؛ لا يغسل، وقال محمد: على كل حال (٥). وفي فتاوى الظهيرية: الأفضل أن يغسل الميت مجانًا، ولو طلب الغاسل الأجر، فإن كان في البلد غيره؛ يجوز له أخذ الأجرة، وإن لم يكن لا يجوز (٦). وأما أجرة خائط الكفن وأجرة الحامل والدفان؛ من رأس المال. وفي الْمُجْتَبى: الآدمي ينجس بالموت عندنا، فإذا غُسَلَ طَهُرَ، حتى لو وقع في ماء لم ينجسه، ولو غسل الكافر ثم وقع فيه ينجسه كالخنزير (٧)، وعند الشافعي: لا ينجس به، حتى لو مات في الماء لم ينجسه (٨)، ويغسل كل من مات بعد الولادة وله حكم الإسلام.

стр. 1378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار يغسلون إن كان المسلمون أكثر، وقال مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣): يصلى عليه بالنية؛ أي: بالتحري، ومن لا يدري أنه مسلم أو كان، فإن كان عليه سيما المسلمين أو في بقاع دار الإسلام؛ يغسل، وإلا فلا. ولو سُبي صبي مع أحد أبويه ثم مات؛ لا يُغسل حتى يقر بالإسلام وهو يعقل، أو يُسلم أحدهما، وفي الأجداد اختلاف. ولو سبي وحده غُسل وصلّي عليه تبعًا للدار، ولو وجد أكثر الميت أو نصفه مع الرأس؛ غسل وصلي عليه، وإلا فلا، وبه قال مالك (٤). وقال الشافعي (٥)، وأحمد (٦): يُغسل القليل أيضًا ويُصلّى عليه، وقال عبد العزيز الماجشون: ينوي الصلاة على الميت، وقال ابن جني: لا يصلى إلا على البدن الكامل. لا يُغسل الخنثى المشكل أو المراهق رجلًا ولا امرأة، ولو مات الخنثى تيمم وراء الثوب. وقيل: يغسل في ثيابه، وبه قال الشافعي إن لم يكن مَحْرَمُ، ويكون موضع غسله مظلمًا (٧). وقيل: يجعل في كواره ويُغسّل في ثيابه، وقال شيخ الإسلام: الظاهر أنه يتيمم (٨).

стр. 1379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي التجنيس: مات في السفينة؛ يغسل ويكفن ويثقل ويصلى عليه، ويرمى في البحر لتعذر الدفن (١)، وبه قال أحمد (٢). وقال الشافعي (٣)، ومالك (٤): إن كان الساحل قريبًا؛ يحمل إلى الساحل، وإلا فالمستحب أن يربط بين لوحين، حتى لا ينتفخ ويفرش على رأس الماء فيأكله حيوان البحر؛ إذا كان في الساحل مسلمون، وإن كان فيه كافرون؛ يثقل ويرمى في البحر فيحصل في قراره. ماتت امرأة بين الرجال؛ يُيَمّمها ذو محرم منها، وإن لم يكن؛ فالأجنبي يلف على يديه خرقة وييممها، وبه قال الشافعي (٥)، ومالك (٦). وعن أحمد روايتان؛ في رواية: يغسلها ولكن يلف خرقة على يده (٧)، وبه قال الشافعي في قول. وقال الأوزاعي: تُدفن بغير غسل وتيمم. ولو كان زوجها معها لا يغسلها عندنا، ويغسلها عند الشافعي (٨)، ومالك (٩)، وأحمد (١٠). ولو ماتت أم ولده، أو مدبرته، أو جاريته؛ لا يغسلها المولى، وكذا على العكس، وعن أبي حنيفة: يغسل أم الولد مولاها (١١)، وهو قول زفر،

стр. 1380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومالك (١)، وأحمد (٢)؛ لبقاء العدة عليها، وقال: يغسل الكل مولاها. وفي البدائع: عن أبي حنيفة في أم الولد روايتان؛ في قوله الأول: يغسله، وفي رواية: لا يغسله (٣)، وبه قال الشافعي في الأصح (٤). ولو مات رجل بين النساء؛ تيممه ذات محرم منه، أو زوجته أو أمته بغير ثوب وغيرها. وقال الشافعي: يُكفّن ويصلى عليه بلا غسل وتيمم. مات صبي لا يُجامع ولا يشتهى، أو صبية لا تشتهى؛ غسلها الرجال والنساء، وبه قال الشافعي (٥). وعن أبي يوسف: يغسل الرضيعة ذو رحمها، وكره غيره. ويستحب أن يكون الغاسل أقرب الناس إليه، وقال الشافعي: إن لم يكن له زوجة فكذلك (٦)، ولو كان الميت امرأة ولا زوج لها؛ فالنساء أحق بغسلها، فيقدم ذات الرحم المحرم، ثم ذات الرحم غير المحرم، ثم الأجنبية. وإن لم يكن للميت أقرب الناس إليه، أو كان ولا يعلم الغسل؛ يغسله أهل الأمانة والورع؛ لأن عائشة روت أنه ﵊ قال: «يُغسل الميت أدنى أهله، فإن لم يُعلَم فأهل الأمانة والورع» (٧)، ولو كان الغاسل جنبًا أو

стр. 1381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حائضا أو كافرا؛ جاز ولكن يكره. واليهودية والنصرانية كالمسلمة في غسل زوجها، والمسلمة تغسل زوجها بالإجماع، دخل بها أو لا. يشترط بقاء الزوجية عند الغسل حتى لو كانت مبانة بالطلاق وهي في العدة، أو محرمة بردة أو رضاع أو مصاهرة؛ لم يغسله. ولا بد من النية في غسل الميت، وبه قال الشافعي (١)، حتى لو وجد في الماء لابد من غسله؛ لأن الخطاب لبني آدم، إلا أن يحركه في الماء بنية الغسل وقت الإخراج. كذا في التنجيس (٢). وفي فتاوى قاضي خان: لو غسله أهله من غير نية الغسل؛ يجوز عندنا (٣)، خلافا للشافعي (٤). وعن محمد: لو وجد ميت في الماء، فذلك غسله مرة، فيغسل مرتين، ويسن تكرار الغسل في الميت كالحي (٥). وفي الإيضاح: لا غسل على غاسله ولا وضوء (٦). وقال أكثر أهل العلم: وما روي أنه ﵊ قال: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمل جنازة فليتوضأ (٧)»؛ فضعيف عند المحدثين. وقال أصحابنا: إن ثبت فهو محمول على ما إذا أصابه من مائه، والأمر في الوضوء للصلاة عليه.

стр. 1382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال مالك (١)، والشافعي (٢): يستحب الغسل. وقال البويطي بوجوبه إن صح الحديث. كذا في الحلية (٣). والميتُ المُحرم في الغسل وغير المحرم فيه سواء عندنا؛ لانقطاع الإحرام؛ لقوله ﵊: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث … » (٤) الحديث. وعن مالك مثله (٥)، وقال الشافعي (٦)، وأحمد (٧)، وعطاء، وداود: لا يغطى رأسه، وإن كانت امرأة لا يغطّى وجهها ولا يُلبس المخيط ولا يقرب الطيب؛ لما روي أن مُحرِمًا وقصت ناقته به، فاندقت عنقه، فقال ﵊: «لا تَمسُّوه طيبًا ولا تُخمّروا رأسه، واغسلوه بالماء والسدر؛ فإنه يبعث ملبيا يوم القيامة». (٨) ولنا: عموم قوله ﵊: غطوا رؤوس موتاكم ولا تتشبهوا باليهود (٩)، وروي أنه ﵊ سئل عن مُحرِم مات، وقال ذلك. وسئلت عائشة ﵂ فقالت: اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم (١٠)، وعن ابن عمر أنه فعل كذلك؛ يعني: عمته، ولأن إحرامه ينقطع لما روينا. وما روي مختص بذلك المُحرِم؛ لإخبار الصادق ﵊ ببقاء إحرامه.

стр. 1383

فَصْلٌ فِي التَّكْفِينِ فصل في تكفينه أطلق صاحب التحفة لفظ السُّنَّة على التكفين، والصحيح: أنه فرض على الكفاية كالصلاة والغسل، ولفظ الكتاب في كيفيته لا أصلي، ويجوز أن يكون الشيء واجبًا في نفسه، وله سنن في هيئاته. السحولية: منسوب إلى سحول بلد باليمن، وبالفتح هو المشهور، وعن [الأزهري] (١) والقُتَبِيِّ: بالضم، إلا أن القني قال: جمع سحل وهو الثوب الأبيض، وفيه نظر. كذا في المغرب (٢). وفي النهاية لابن الأثير: بالفتح ثياب منسوبة إلى سحول وهو القصار؛ لأنه يسحلها؛ أي: يغسلها (٣). وفي جامع البزدوي: وقيل: هي أخلاق، يقال: ثوب سحلي؛ أي: خَلِق. وفي الإيضاح: قال محمد: أحب الأكفان الثياب البيض (٤)؛ لما روي أنه ﵊ قال: «البسوا هذه الثياب البيض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم» (٥). وفي رواية أنه ﵊ قال: «إن الله تعالى خلق الجنة بيضاء، وإن أحب الثياب إلى الله تعالى البيض، فلبسوها أحياءكم وكفنوا بها موتاكم» (٦). قال الكرخي: لما أمر النبي ﵊ بالكفن البيض، وأحبها الله تعالى؛ فلا فضل في العدول عليها إلى غيرها.

стр. 1384

(السُّنَّةُ أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ، إِزَارٍ وَقَمِيصِ وَلِفَافَةِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ وقال الشافعي: يستحب أن يكفن الرجل في ثلاثة لفائف، لا قميص فيها ولا عمامة؛ لما روت عائشة أنه ﵊ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، لا قميص فيها ولا عمامة، ولو زاد على ذلك قميصا وعمامة لا يكره؛ لأن ابن عمر يكفن أهله في خمسة أثواب، ولو زاد عليها كره؛ لما روي أنه ﵊ قال: «لا تُغالوا في الكفن فإنه يُسلَبُ سلبًا سريعًا» (١) كذا في تتمتهم (٢). ولنا: حديث ابن عباس أنه ﵊ كفن في ثلاثة أثواب فيها قميص (٣). وروى عبد الله بن المغفل أنه ﵊ كفن في قميصه الذي مات فيه (٤). وروى البخاري ومسلم (٥) أن عبد الله بن أبي بن سلول سأل النبي ﵊ أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه، فكفن فيه. وفي الموطا: وروى [البراء] (٦) أنه ﵊ كفن في سبعة أثواب؛ يعني: ثلاثًا سحولية: قميص وعمامة وسراويل، والقطيفة التي جعلت تحته (٧).

стр. 1385

﵊ كُفْنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ بِيضِ سَحُولِيَّةِ» وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَلْبَسُهُ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: الميت يقمّص ويؤزر (١)؛ لأن لباسه بعد الموت معتبر بلباسه حال حياته، إلا أن في حياته يلبس السراويل، حتى إذا مشى لم تنكشف عورته، ولا حاجة إليه بعد موته، فالإزار قائم مقام السراويل. ولكن في حياته الإزار تحت القميص لتيسر المشي له، وبعد الموت الإزار فوق القميص من المنكب إلى القدم؛ لأنه لا يحتاج إلى المشي، ولم يذكر محمد العمامة في الكفن فذكره بعض مشايخنا؛ لحديث ابن عمر أنه كان يعمم الميت يمينا، ويجعل ذَنَب العمامة على وجهه، بخلاف حالة الحياة؛ فإنه يرسل ذنب العمامة على قفاه للزينة، وبالموت ينقطع ذلك. كذا في المبسوط (٢). وقال بعضهم: لا يعمم؛ لما روينا، وحتى لا يصير الكفن شفعًا، فإنه تعالى وتر يحب الوتر. كذا في جامع البزدوي (٣). ورواية عائشة متعارضة؛ لأنها قالت في ثلاثة أثواب، والزيادة ليست فيها، فيعمل برواية ابن عباس، وابن المغفل؛ لأنهما حضرا تكفينه ﵊، وعائشة لم تحضره على أن معنى قولها: (ليس فيها قميص جديد)؛ إذ لم يجدد له قميص جديدًا، وقميص كامل له كمان ودخاريص. وفي شرح الآثار: أنه ﵊ كفن في حلة يمانية وقميص (٤)، والحلة ثوبان، مع أن الحال أكشف على الرجال؛ لأنهم هم المباشرون، ومع أن المثبت أولى من النافي عند البعض. كذا في المستصفى (٥). وفي المختلف: تأويل حديث عائشة: أنه ليس فيها قميص الأحياء (٦).

стр. 1386

عَادَةٌ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَإِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَوْبَيْنِ جَازَ، وَالثَّوْبَانِ إِزَارٌ وَلِفَافَةٌ وَهَذَا كَفَنُ الكِفَايَةِ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: «اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا»، وفي المستصفى: ولا جيب ولا دخريص (١) ولا كُمَّين فيه، ولا يَكُفُّ أطرافه؛ لأن الحي إنما يحتاج إليها للخزانة، والدخريص يحتاج إليه الأحياء؛ ليتسع أسفله للمشي (٢). (وهذا)؛ أي: الاقتصار على الثوبين. (كفن الكفاية)؛ لأنه أدنى ما يلبس حال حياته، وكفنه كسوته بعد الوفاة، فيعتبر بكسوته في الحياة؛ ولهذا تجوز صلاته فيهما بلا كراهة. (لقول أبي بكر … ) إلى آخره: فإنهما للمهل والصديد، والحي أحوج من الميت في الجديد، فعلم أن الغسيل والجديد سواء بعد أن يكون نظيفًا من الوسخ والخبث، حتى قال ابن المبارك: أحب إليَّ أن يكفن في ثيابه التي يصلي فيها. ذكره في جمع النوازل (٣). وعن مالك: ليس للكفن حد. وعنه أنه قال: يستحب في الكفن خمسة أثواب للرجال والنساء، وإلى التسعة مباح، وما زاد سرف (٤). وعن أحمد في رواية: يكره الزيادة على الثلاثة والنقص منه. وفي رواية: لا تكره الزيادة إلى خمس كقولنا (٥). وفي فتاوى الظهيرية: ويكفن الميت كفن مثله (٦). وتفسيره: أن ينظر في ثيابه حال حياته لخروجه الجُمَعَ والأعياد، وفي

стр. 1387

وَلِأَنَّهُ أَدْنَى لِبَاسِ الأَحْيَاءِ، وَالإِزَارُ مِنْ القَرْنِ إِلَى القَدَمِ، وَاللَّفَافَةُ كَذَلِكَ، وَالقَمِيصُ مِنْ أَصْلِ العُنُقِ إِلَى القَدَمِ (فَإِذَا أَرَادُوا لَفَّ الكَفَنِ ابْتَدَؤُوا بِجَانِبِهِ الْأَيْسَرِ فَلَقُوهُ عَلَيْهِ ثُمَّ بِالأَيْمَنِ) كَمَا فِي حَالِ الحَيَاةِ، وَبَسْطُهُ أَنْ تُبْسَطَ اللّفَافَةُ أَوَّلًا، ثُمَّ المرأة ما يلبسها لزيارة أبويها. وليس فيها عمامة عندنا، وكرهها بعض المشايخ؛ لأنه لو فعل كان الكفن شفعًا، والسنة فيه الوتر، واستحسنه المتأخرون؛ لحديث ابن عمر. وقال بعض العلماء: إن كان عالمًا معروفًا أو من الأشراف يعمم، وإن كان من الأوساط لا يعمم. وفي الْمُجْتَبى: ويكره العمامة في الأصح (١). (ولأنه)؛ أي: الاقتصار على الثوبين أو لبسهما. (ثم بالأيمن كما في حال الحياة): أو لأن لليمين فضلا على اليسار، فإذا قدم عطف اليسار، تكون اليمين فوقه؛ أي: فوق الأكفان بخلاف العكس. وفي الكافي: الدرع: قميص النساء (٢). وفي المنافع: [الخرقة: ثوب يأخذ من بين ركبتيها إلى صدرها، ويكون فوق الأكفان حتى لا ينتشر الكفن عليها (٣). وفي المبسوط، والمجتبى:] (٤) الخرق تشد فوق الأكفان على الثديين والبطن؛ لئلا ينتشر الكفن عليها (٥). وقيل: على الثديين إن عظمتا، ولأعلى البطن، وعن زفر: على فخذيها؛ كيلا تضطرب إذا حملت على السرير (٦).

стр. 1388

يُبْسَطَ عَلَيْهَا الإِزارُ، ثُمَّ يُقَمَّصَ المَيِّتُ وَيُوضَعَ عَلَى الإِزَارِ، ثُمَّ يُعْطَفَ الْإِزَارُ مِنْ قِبَلِ اليَسَارِ ثُمَّ مِنْ قِبَلِ اليَمِينِ، ثُمَّ اللُّفَافَةُ كَذَلِكَ (وَإِنْ خَافُوا أَنْ يَنْتَشِرَ الكَفَنُ عَنْهُ عَقَدُوهُ بِخِرْقَةٍ) صِيَانَةٌ عَنِ الكَشْفِ. (غسلن ابنته)؛ وهي رُقَيَّة. كذا في جامع الكردري (١). وفي الْمُجْتَبى: وهي أم كلثوم، وليلى الثقفية مكان أم عطية (٢). (وهي ثوبان)؛ أي: الدرع واللفافة. كذا في المبسوط (٣)، ويكره أقل من ذلك لغير عذر. (وهذا)؛ أي: الثوب الواحد، روي أن حمزة ﵁ استشهد يوم أحد وعليه نمرة، إذا غطي بها رأسه بدت قدماه وإذا غطي بها قدماه بدا رأسه، وقال ﵊: «ضعوها مما يلي الرأس واجعلوا على رِجْلِيهِ الإذخر» (٤)، وكذا في حق مصعب ابن عمير (٥). كذا في المحيط، والمبسوط (٦). الدرع أولاً، ويكون الخمار فوق القميص تحت اللفافة كحال الحياة، ثم يجعل شعرها ضفيرتين. وقال الشافعي: يسرح شعرها، ويجعل ثلاث ضفائر، ويلقى خلف ظهرها (٧)؛ لأن اللاتي غسلن ابنة النبي ﵊ فعلن كذلك، والظاهر أنهن فعلن بأمر النبي ﵊. وقلنا: هذا للزينة، والميت مستغن عنها، وما رواه محتمل، والحكم لا يثبت بالمحتمل.

стр. 1389

(وَتُكَفَّنُ المَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابِ؛ دِرْعِ وَإِزَارٍ وَخِمَارِ وَلِفَافَةٍ وَخِرْقَةٍ تُرْبَطُ فَوْقَ ثَدْيَيْهَا) لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى اللَّوَاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ خَمْسَةَ أَثْوَابٍ» وَلِأَنَّهَا تَخْرُجُ فِيهَا حَالَةَ الحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ المَمَاتِ. ثُمَّ هَذَا بَيَانُ كَفَنِ السُّنَّةِ، (وَإِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ جَازَ) وَهِيَ ثَوْبَانِ وَخِمَارٌ، وَهُوَ كَفَنُ الكِفَايَةِ، وَيُكْرَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الرَّجُلِ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَوْبِ وَاحِدٍ إِلَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ لِأَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ﵁ حِينَ اسْتُشْهِدَ كُفِّنَ فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ وَهَذَا كَفَنُ الضَّرُورَةِ (وَتُلْبَسُ المَرْأَةُ الدِّرْعَ أَوَّلاً ثُمَّ يُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَ الدِّرْع، ثُمَّ الخِمَارُ فَوْقَ ذَلِكَ، ثُمَّ الْإِزَارُ تَحْتَ اللّفَافَةُ). قَالَ: (وَتُجْمَرُ الأَكْفَانُ قَبْلَ أَنْ يُدْرَجَ فِيهَا المَيْتُ وِتْرَا) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ قوله: (وَتُجْمَرُ الْأَكْفَانُ) إلى آخره: وفي الْمُجْتَبى: يدرج في الكفن بعد جعل الحنوط على رأسه، ولحيته والكافور على مساجده؛ لما روي أن ماعزا [لما رجم قال أهله: ما يصنع به؟ فقال ﵇: «اصنعوا (١) به ما تصنعوا بموتاكم من الغسل والكفن] (٢) والحنوط» (٣) وبه جرى التوارث (٤)، والإجمار: هو الطيب. وفي المجتبى: قيل: يحتمل أن يراد بالتجمير: جمع الأكفان وترا هاهنا قبل الغسل يقال: أجمر كذا إذا جمعه، ويحتمل أن يراد به: التطيب بعود يحرق في مجمر (٥). وعن أسماء بنت أبي بكر: أجمروا ثيابي إذا مت ثم حنطوني، ولا تذروا على كفني حنوطا، ولا تتبعوني بنار (٦). وفي الوجيز وشرحه تبخير الكفن بالعود مستحب إذا لم يكن الميت

стр. 1390

وَالسَّلَامُ أَمَرَ بِإِجْمَارِ أَكْفَانِ ابْنَتِهِ وِتْرًا، وَالإِجْمَارُ هُوَ التَّطْبِيبُ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنهُ صَلَّوْا عَلَيْهِ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ. محرمًا، ويُدَرُّ عليه حنوط وكافور إكراما له، ويوضع على منافذ البدن من المنخرين والأذنين والعينين والجراحات النافذة الحنوط والكافور؛ دفعا للهوام، ويجعل على مساجده إكراما له (١). مسائل تتعلق بالتكفين يجوز التكفين بما يجوز أن يلبسه في حياته من القطن والكتان والصوف وغيرها. وفي حق النساء: الديباج والحرير والمعصفر والمزعفر، ويكره ذلك في حق الرجل كما في حال حياته. وقال الشافعي: يكره لها الديباج والحرير؛ لأنه سرف غير لائق بحاله (٢). وعن أحمد (٣)، ومالك (٤) روايتان في الحرير والمعصفر والمزعفر في حق النساء. ويجب الكفن من جميع المال قبل الديون والوصايا والميراث بإجماع الفقهاء. وحكي عن طاووس أنه قال: إن كان ماله كثيرًا فمن الكل، وإن كان قليلا فمن ثلثه. وعن خلاس بن عمر: ومن ثلثه على كل حال إلا الزوجة؛ فإن كفنها على زوجها عند أبي يوسف (٥)، والشافعي في الأصح (٦)، ومالك (٧)، وإن ترك مالا.

стр. 1391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الخلاصة: وعليه الفتوى (١). وفي المحيط، وفتاوى الظهيرية: إن لم يترك مالًا فعليه (٢)، وعليه الفتوى. وقال محمد: لا يجب كفنها على زوجها، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد (٣)؛ لانقطاع الزوجية، ولا رواية فيه عن أبي حنيفة. وفي شرح فرائض السراحية لمصنفها: قول أبي حنيفة كقول أبي يوسف، وهو الأصح (٤). ومن لم يكن له مال؛ فكفنه على من تجب نفقته وكسوته في حياته، ومن لا تجب عليه [نفقته حال حياته؛ لا يجب عليه كفنه بعد الوفاة وإن كان وارثًا كابن العم. وفي المرغيناني، والروضة] (٥) وغيرهما: يجب الكفن على قدر المواريث كما لو ترك أبا أو ابنا؛ فعلى الأب السدس، والباقي على الابن، ولو لم يكن من يجب عليه نفقته وكسوته في حال حياته؛ فكفنه في بيت المال، فإن لم يكن فيه مال؛ فكفنه على المسلمين؛ اعتبارًا بكسوته حال حياته، ولو سألوا الناس وفضل شيء من الكفن؛ رد إلى المتصدق، فإن لم يعلم تصدق به على الفقراء، فإن سرق كفنه وهو طري كُفّن كفنًا ثانيًا تاما من جميع ماله، فإن قسم؛ فعلى الورثة دون الغرماء وأصحاب الديون والوصايا، وإن تفسخ كفاه ثوب واحد (٦). وفي المفيد والمزيد: يلف في خرقة. وإن أكله السبع وبقي الكفن؛ عاد إلى التركة، ولو كفنه أجنبي أو قريبه من مال نفسه يعود إلى المكفن (٧)، لا خلاف للشافعي في ذلك كله (٨)، ولو لم تفضل التركة من الدين، فإن لم يقبض

стр. 1392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الغرماء ديونهم بدئ به، وإن قبضوا لا يسترد منهم شيء. ولو وجد بعض الميت أو عظمه؛ يلف في خرقة ويدفن تكريما له، والصبي والصبية المراهقون كالبالغ، وإن لم يراهق؛ فالأحسن أن يكفن كالبالغ، وإن كفن في ثوب واحد؛ يجوز. والسقط المولود ميتًا يلف في خرقة، وإن كان في المال كثرة وبالورثة قلة فكفن السنة أولى، وإن كان بالمال قلة فكفن الكفاية أولى، وكفن العبد على سيده، والمرهون على الراهن، والمبيع في يد البائع على البائع، ولو مات معتق وله خالة موسرة، ومولاه الذي أعتقه؛ فكفنه على خالته عند محمد (١). عريان وميت معهما ثوب واحد، إن كان ملكا للحي يلبسه، وإن كان الحي وارثة يكفن به، ولا يلبسه الحي إلا لضرورة برد أو ثلج، أو سبب آخر يخشى التلف، فحينئذ يقدم الحي. مات رجل وله ثلاثة أثواب هو لابسها، وعليه ديون؛ يكفن فيها ولا يباع ثوباه للدين، كما في حالة الحياة. مات في السفر، فأخذ صاحبه ماله وأنفقه في التجهيز والتكفين؛ لا يضمن استحسانًا. ولا بأس بتقبيل الميت؛ لحديث عائشة: أنه ﵊ قبل عثمان بن مظعون وهو يبكي، وقبل أبو بكر ﵁ النبي ﵊ بعد موته. وفي فتاوى الظهيرية (٢): ويحسن الأكفان؛ لما روى جابر أنه ﵊ قال: «حسِّنوا أكفانَ المَوتَى ولا تُغالوا، فإنهم يتزاورون فيما بينهم ويتفاخرون بحسن الأكفان» (٣).

стр. 1393

فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى المَيِّتِ قال الإِسْبِيجَابِيُّ: في ظاهر الرواية: يُؤَزَّرُ الميتُ أولاً، ثم يُقَمَّصُ كحال الحياة، وعن محمد: يُقَمَّصُ أولاً، ثم يُؤَزَّرُ فوق القميص، ثم اللفافة، والأصح: بَسْطُ الإزارِ طُولاً، وقيل: عَرْضًا (١). وفي صلاة الجُلَّابِيِّ: يُكَفَّنُ الخُنْثَى المُشْكِلُ كما تُكَفَّنُ الجارية، ويُنْعَشُ ويُسَجَّى قبره (٢). فصل في الصلاة على الميت وهي فرض على الكفاية عند الكل، إلا عند أَصْبَغَ من أصحاب مالك؛ فإنها سنة عنده (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والأمر للوجوب. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وعامة الجوامع (٤)، ولكن ذكر أئمة التفسير أن المراد هاهنا الدعاء عند أخذ الصدقة. وفي تفسير العتابي: المراد: صلاة الجنازة (٥)، فحينئذ يتم الاستدلال. ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]. في المنافع: فالنهي عن الصلاة على المنافق يشعر بثبوتها على المسلم (٦). ولقوله ﵊: «صَلُّوا على كُلِّ بَرٍّ وفاجرٍ» (٧)، وقوله ﵊: «صلُّوا على صاحبكم» (٨)، وقوله ﵇: «صَلُّوا عَلَى من

стр. 1394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (١)، وقوله ﵊: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى [الْمُسْلِمِ] (٢) سِتُّ حُقُوقٍ»، وذكر منها: الصلاة عليه إذا مات (٣)، ولأنها سنة ماضية من وقت آدم ﵊ كما روينا؛ لكن إذا قام بها البعض سقط عن الباقين؛ لأن حقه صار مؤدى بإقامة البعض، فيسقط عن الباقين كالتكفين. كذا في الإيضاح، ومبسوط شيخ الإسلام (٤). روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الإمام الأعظم وهو الخليفة أولى بها إن حضر، فإن لم يحضر فإمام المصر، وإن لم يحضر فالقاضي، فإن لم يحضر فصاحب الشرط - بالسكون، والحركة: خفار الجند، والمراد: أمير البلدة كأمير بخارى -، فإذا لم يحضر فإمام الحي، فإن لم يحضر؛ فالأقرب من ذوي قرابته، وبهذه الرواية أخذ كثير من المشايخ (٥). وذكر محمد في كتاب الصلاة: أن إمام الحي أولى من غيره؛ لأنه رضيه إماما في صلاته حال حياته، فكذا بعد وفاته، حتى قال الإمام العتابي: إمام مسجد الجامع أولى من إمام المحلة، وقال بعض المشايخ: لا اختلاف بين الروايتين؛ لأن ما ذكر محمد محمول على ما إذا لم يحضر واحد مما ذكرنا، وإنما قدم محمد إمام الحي في كتاب الصلاة؛ لأن الخليفة والسلطان لا يوجدان في كل بلد. كذا في الذخيرة (٦). وفي الخلاصة: فلو حضروا إلى المصر والقاضي؛ فالوالي أولى، فإن لم يحضر الوالي ولكن حضر خليفته؛ فخليفته أحق من القاضي وصاحب الشرط (٧).

стр. 1395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمختار: أن الإمام الأعظم أولى، فإن لم يحضر فسلطان المصر، فإن لم يكن فإمام المصر أو القاضي، فإن لم يكن فإمام الحي، والحاصل: أن إمام الحي أولى من الأولياء عند أبي حنيفة، ومحمد. وفي الفتاوى: إنما يستحب تقديم إمام الحي على الولي إذا كان أفضل من الولي، وعند أبي يوسف - وهو رواية الحسن عنه -: الولي أحق، وفي غريب الرواية: الحق للولي وهو تقديم السلطان وغيره (١)، وبه قال الشافعي في الجديد، وقال في القديم: الوالي أولى من إمام الحي (٢). والحاصل: أن إمام الحي أولى من الولي، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، وهو قولنا. وجه قول أبي يوسف، والشافعي: قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] مطلقا من غير فصل بين الحياة والممات، والاعتبار بولاية الإنكاح، ولأن معظم الفرض هاهنا الدعاء على الميت، فمن يختص بزيادة الشفقة دعاؤه أقرب إلى الإجابة، بخلاف سائر الصلوات. ولنا: ما روي أن الحسن بن علي ﵁ لما مات خرج الحسين والناس لصلاة الجنازة، فقدم الحسين ﵁ سعيد بن العاص وكان أميرا بالمدينة من جهة معاوية، فأبى سعيد أن يتقدم، فقال له الحسين: تقدم، ولولا السنة ما قدمتك (٥). ولأن هذه صلاة تقام بالجماعة غالبا، فيكون السلطان أولى بإقامتها، ولأن الوالي نائب الرسول ﵊، وهو الذي كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فينوب نائبه منابه في التقدم، ولأن ولايته وولاية القاضي عامة.

стр. 1396

(وَأَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى المَيِّتِ السُّلْطَانُ إِنْ حَضَرَ) لِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ ازْدِرَاء بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَالقَاضِي) لِأَنَّهُ صَاحِبُ وِلَايَةٍ (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ إمَامِ الحَيِّ) لِأَنَّهُ رَضِيَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. قَالَ: (ثُمَّ الوَلِيُّ وَالْأَوْلِيَاءُ عَلَى التَّرْتِيبِ المَذْكُورِ فِي النِّكَاح). وأما الآية فقلنا: هي محمولة على المواريث وعلى ولاية الإنكاح، وليس ولاية الإمامة كولاية الإنكاح؛ لأن ولاية الإنكاح مما لا يتصل بالجماعة، فكان القريب أولى، كالتكفين والغسل. وأما قولهم: (دعاء القريب أولى بالإجابة)؛ فقلنا: لا؛ بل دعاء الإمام أقرب؛ لما روي أنه ﵊ قال: «ثلاث لا يُحجَبُ دُعاؤهم … » (١) وذكر منهم الإمام. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (٢). قوله: (على الترتيب المذكور في النكاح) فلو اجتمع الأب والابن؛ ذكر في كتاب الصلاة: الأب أولى من مشايخنا من قال: هذا قول محمد، فأما على قول أبي حنيفة: الابن أولى (٣)، وبه قال مالك (٤). وقال أبو يوسف: الولاية لهما؛ لكن الابن يقدم الأب تعظيما له، كما في النكاح. وقيل: لا، بل الأب أولى قول الكل، وبه قال الشافعي (٥)، وأحمد (٦). وفي المحيط: وهو الأصح؛ لأنه أكثر شفقة وأرق قلبًا، فكان هو أولى بالدعاء (٧)، لكن أبو حنيفة يقول: الاعتبار للولاية، فكان الابن أولى كما في

стр. 1397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عصوبة الميراث. ولو اجتمع أخوان لأب وأم، أو لأب؛ فأكبرهم سنًا أولى، وبه قال الشافعي في قول؛ لأنه ﵊ أمر بتقديم الأسن، ولو أراد الأسن أن يقدم الأجنبي؛ ليس له ذلك إلا برضا الآخر؛ لأن الحق لهما، لكن قدمناه بالسنة، ولا سنة في تقديم من قدمه. وفي قول منه: الأعظم الأتقى أولى، وهو الظاهر من قوله (١). وفي فتاوى العتابي: الزوج كالأجنبي، وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣). وعن أصحابنا: الزوج أولى منه، وكذا الجار. وفي مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط: أن عم المرأة أولى من زوجها إذا لم يكن لها ابن من الزوج؛ لأن النكاح انقطع بموت المرأة، فصارت كالأجانب، والقرابة لا تنقطع إلا أن يكون للزوج منها ولد، فحينئذ يكون الزوج أحق (٤)، خلافًا للشافعي، ومالك. وقال القدوري: وسائر القرابات أولى من الزوج، وكذا مولى العتاقة وابنه؛ لأنهما عصبة (٥). وقال الشافعي: الزوج أولى منهما (٦). وفي الْمُجْتَبى: المولى أحق بالصلاة على عبده من عصبة العبد لولايته، ولا ولاية للنساء والصغار من الذكور، ولو تركت المرأة أبا وزوجا وابنا؛ لا يقدم الابن أباه إلا برضا جده (٧).

стр. 1398

(فَإِنْ صَلَّى غَيْرُ الوَلِيّ وَالسُّلْطَانِ أَعَادَ الوَلِيُّ) … ... … ... … ... … ... .. ويستحب لابن الابن أن يقدم جده وإن تساويا في العصوبة، ولو لم يحضر أحد إلا النساء؛ صلين على الميت بالجماعة، وعند الشافعي له منفردات (١)، وبه قال مالك (٢). قوله: (فإن صلى غير الولي والسلطان): قيد بالسطان؛ لأنه لو صلّى السلطان فلا إعادة لأحد؛ لأنه هو المقدم على الولي، ثم هو ليس بمنحصر عليه؛ بل كل من كان مقدّمًا على الولي في ترتيب الإمامة في صلاة الجنازة على ما ذكر، فصلى هو؛ لا يعيدها الولي ثانيًا. كذا في فتاوى الولوالجي، والظهيرية (٣). وكذا لو صلّى إمام مسجد الجامع لا يعاد. كذا في فتاوي العتابي (٤)؛ لأن هؤلاء هم الأولون منه، وإن كان غيرهم فله الإعادة. وفي التجنيس، وفتاوى الظهيرية: ولو صلّى الإمام وحده جاز؛ لأن الجماعة ليست بشرط، ولو كان الواحد هو الولي؛ ليس للقوم الإعادة (٥)، ولو اقتدى بعض الأولياء مع رجل وصلّى؛ ليس للباقين ولاية الإعادة؛ [لأن لكل واحد ولاية متكاملة، فإذا سقط الحق بأداء أحدهم؛ لم يكن للباقين حق الإعادة، ولم يذكر في الكتاب أن للسلطان ولاية الإعادة،] (٦) ولكن ذكر في نوادر المبسوط مسألة يشهد عليها، وقال: وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز للإمام أن يصلي على الجنازة بالتيمم في المصر، قال عيسى: وهو الصحيح؛ لأن التيمم لا يكون طهارة إلا عند الضرورة؛ وهي خوف الفوت، وهذا لم يوجد في حق الإمام الذي يكون له حق الصلاة على الجنازة؛ لأن

стр. 1399

يَعْنِي: إِنْ شَاءَ، لِمَا ذَكَرْنَا: أَنَّ الحَقَّ لِلْأَوْلِيَاءِ (وَإِنْ صَلَّى الوَلِيُّ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ الناس ينتظرونه، ولو لم ينتظروا؛ لكان له حق الإعادة، فلا يجزئه الأداء بالتيمم؛ لعدم الضرورة (١). وقيد بقوله: (إن شاء)؛ لأنه لو لم يقيده بفهم الوجوب. وقيل: ذكر في التقويم: إن صلى غير الولي؛ كانت الصلاة باقية على الولي (٢). وفي الإيضاح: لو تقدم غير الولي؛ كان للولي أن يصلي عليه؛ لأن له حق التقدم (٣)، أما تقدم غيره بإذنه فقد أسقط حقه، فبقي الأول فرضا، وهاتان الروايتان تدلان على الوجوب. قوله: (وإن صلى الولي): تخصيص الولي غير مفيد؛ لما ذكرنا من رواية الولوالجي: أن كل من له حق الصلاة لو صلى؛ ليس لأحد أن يصلي بعده. وفي الْمُجْتَبى: هذا إذا لم يحضر من يقدم عليه وحق الصلاة للولي، أما لو حضر السلطان وصلى عليه الولي؛ يعيد السلطان (٤). ولكن ذكر في المنافع: ليس له ولاية الإعادة. وفي المستصفى: نقل عن شمس الأئمة الكردري: الصلاة في الأصل حق الأولياء؛ لأنهم أقرب الناس إليه وأولاهم به، غير أنه والإمام الأعظم يقدم لعارض الإمامة والسلطنة؛ فلهذا قيد بالشرط فقال: إن حضر فلان في التقديم عليه ازداد عليه، وفيه فساد أمر المسلمين (٥). وفي شرح القدوري: تقديمه على طريق الأفضل؛ فلهذا قال: فإن صلى الولي ليس لأحد أن يصلي بعده بطريق العموم (٦)، وكذا يستحب تقديم إمام

стр. 1400

يُصَلِّيَ بَعْدَهُ) لِأَنَّ الفَرْضَ يَتَأَدَّى بِالْأَوْلَى وَالتَّنَفُلَ بِهَا غَيْرُ مَشْرُوعِ، الحي بعارض أنه رضي بإمامته حال حياته، فعلم أن الحق للأولياء. ثم انظر كيف راعى الترتيب؛ حيث قال: (إن حضر)، (ويستحب)، (وإن صلى غير الولي)، وبهذا يظهر الفقه والمتانة والرعاية والإرشاد على العوارض، وهذا يؤيد رواية المنافع. ولو أوصى إلى رجل ليصلي عليه؛ لم تجز الوصية في ظاهر الرواية، وبه قال الشافعي (١)، وعليه الفتوى. وفي رواية النوادر: يجوز (٢)، وبه قال أحمد (٣)، فيؤمر أن يصلي عليه؛ لكن قال: هو لم يكن أولى من الأولياء. وقال أحمد: يقدم عليهم بحكم الوصية، وبه قال بعض مشايخنا. قوله: (والتنفل بها)؛ أي: بصلاة الجنازة (غير مشروع)؛ يعني: لو صلّى الولي يقع فرضًا، فلا يعيدها غيره؛ لأنه بها غير مشروع. وفي المبسوط: صلى قوم على جنازة جماعة، ثم حضر آخرون؛ لم يصلوا عليها ثانية جماعة وفرادى، إلا أن يصلي غير الولي؛ فله ولاية الإعادة (٤)، وبه قال مالك (٥)، والثوري، والأوزاعي، والليث، والحسن بن حي. وقال الشافعي: يصلون جماعة وفرادى، وصلاتهم تقع فرضًا كالأول، أما من صلى عليها منفردًا؛ فلا يستحب له إعادتها في جماعة على الأصح، وسواء حضر الآخرون قبل الدفن أو بعده؛ لأن الصلاة على القبر جائزة (٦)، وبه قال أحمد (٧)، لكن إلى شهر عنده؛ فإنه روي أن بن معرور مات والنبي عليه الصلاة

стр. 1401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والسلام غائب، فلما حضر صلّى عليه (١). وقيل: إنه كان بعد شهر. وروي أنه ﵊ مر بقبر جديد، فسأل، فقيل: قبر فلانة وهي امرأة من الأنصار. وقيل: هي المسكينة، فقال ﵊: «هلا آذنتموني بالصَّلاة»؟، فقالوا: دفنت ليلا فخشينا عليك هوام الليل، فقام وصلّى على قبرها (٢). وروي أنه ﵊ صلّى على حمزة ﵁ سبعين صلاة (٣)، ولأن الصحابة صلوا على النبي ﵊ فوجا فوجا (٤). ولنا: ما روي أنه ﵊ صلى على جنازة، فحضر عمر ﵁ وأراد أن يصلي عليها فيها، فنهاه، وقال: «إنا قد صلينا مرة»، وقال له: «إنَّ الصلاة عليها لا تعاد» (٥). وما روي عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ أنهما فاتتهما صلاة على الجنازة، فلما حضرا ما زادا على الاستغفار له، وعبد الله بن سلام فاتته صلاة على جنازة عمر ﵁ فقال: إن سبقت بالصلاة عليه لم أُسْبَق بالدعاء له. ولأن حق الميت يؤدى بالصلاة عليه من الفريق الأول، فيقع من الفريق الثاني نفلا، والتنفل بها غير مشروع، وإلا لتنفل الناس بالصلاة على قبر النبي ﵊، فإنه الآن في قبره كما وضع؛ لأن لحوم الأنبياء ﵈ حرام على هوام الأرض؛ تكريما لهم، بذلك ورد الخبر (٦).

стр. 1402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وما قيل: إن الصلاة على قبره لا تجوز؛ خوفًا أن يتخذ قبره ﵊ مسجدا؛ غير قوي؛ إذْ جوزوا أن يُصلَّى عند قبور أهل العلم والولاية، مع شدة اعتقاد العامة. وما قالت الحنابلة: لا يصلى على قبره بعد شهر؛ غير قوي أيضًا؛ إذ التقدير بشهر لا أصل له في السنة، وما قال به أحد؛ ولهذا لم يصلوا على النبي ﵊ بعد دفنه قبل شهر. فإن قيل: حق الميت وإن صار مقضيا بالصلاة مرة، فلا يوجب سقوطه أصلا؛ لأنها في الحقيقة دعاء الميت، وهو باق، كالوضوء شرع لإقامة الصلاة، والفرض يسقط بواحد، لكن لو أعاده لكل صلاة كان حسنًا. قلنا: الأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فينبغي على هذا أن لا ينتفع الميت بالصلاة عليه، وأن لا يقضي حقه بعمل غيره، وإنما عرف هذا بخلاف القياس شرعًا. ولما كان كذلك، وأنه سقط بالمرة الواحدة، فلم يتصور الثاني قضاء من عندنا بلا توقيف بخلاف الدعاء والاستغفار؛ بأن التوقيف فيه باق، كما بقي الأمر بالصلاة على النبي ﵊ على سبيل الدعاء. وأما تأويل فعله ﵊: أن الحق كان له؛ قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فكان هو الولي؛ فله الإعادة، وكذا فعل الصحابة؛ فإن أبا بكر ﵁ كان مشغولاً بتسوية الأمور، وتسكين الفتنة؛ ولهذا توفي ﵊ يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء، مع أن التأخير في غيره مكروه بالإجماع، فكان يصلون عليه فوجا فوجا قبل حضور أبي بكر ﵁، وكان الحق له؛ إذ هو الخليفة، فلما فرغ أبو بكر صلى عليه، ثم لم يصل بعده أحد. وتأويل ما روي من الصلاة على حمزة ﵁ سبعين مرة: أنه كان موضوعًا بين يديه، فيؤتى بواحد واحد، فظن الراوي أنه ﵊ صلى على

стр. 1403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حمزة في كل مرة، فقال: صلِّي على حمزة ﵁ سبعين صلاة. كذا في المبسوط (١). وفي الأسرار: يحتمل أن تكون الصلاة عليه، ﵊، فرض عين على الصحابة؛ لعظم حقه، كالدعاء اليوم على المسلمين مرة واحدة بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فكان التكرار الصلاة عليه من كل أحد لأداء الفرض عليه (٢). وفي الإيضاح: إنما كرر الصحابة الصلاة عليه ﵊ لإحراز فضيلته، فلم يبق في حق غيره مشروعًا، وإلا لم يبق فضيلة (٣). قيل: يجوز أن يكون المراد من قول الراوي: صلى على حمزة ﵁؛ دعاء، وهو حقيقة لغوية. وفي المبسوط: وعلى هذا الأصل قال علماؤنا: لا يصلى على ميت غائب (٤)، وبه قال مالك (٥). وقال الشافعي (٦)، وأحمد (٧): يصلى عليه بالنية، سواء كان الميت الغائب في جهة القبلة أو لا، والمصلي مستقبل القبلة بكل حال، إلا إذا كان في البلد؛ ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالغائب عن البلد، وأصحهما: أنه لا يجوز؛ لتيسر الحضور. كذا في شرح الوجيز (٨).

стр. 1404

وَلِهَذَا رَأَيْنَا النَّاسَ تَرَكُوا عَنْ آخِرِهِم … ... … ... … ... له: ما روي أنه ﵊ نعى الناس أن النجاشي مات بأرض حبشة، فخرج إلى المصلى وصلى عليه. وقلنا: تعلق الصلاة بالميت كتعلقها بالإمام؛ ولهذا لا يجوز التقديم على الجنازة بالإجماع كالتقدم على الإمام، وعند الشافعي: يجوز تقدمه عليه في قول، كما في الصلاة على الغائب، ولكن الصحيح عنده أنه لا يجوز. كذا في تتمتهم (١)، ولهذا شرطت طهارة الميت كطهارة الإمام. وبعد المسافة بين الإمام والمأموم تفسد الصلاة، فكذا بين الميت. وما روي أنه ﵊ صلى على النجاشي؛ فلأن الأرض طويت له، فكان البعيد قريبًا له، والغائب حاضرًا، وهو أولى للأولياء؛ لما روينا، فأعادها، ولا يوجد مثل ذلك في حق غيره. كذا في المبسوط والمختلفات (٢). ولا يلزم عليه فعل الصحابة ﵃؛ لأن حضور الجنازة شرط في حق الإمام، أو لأن فعلهم بطريق التبع. كذا قيل. وفي الإيضاح: وإنما خص النجاشي؛ فضيلة له، فلم يبق في حق غيره مشروعًا، وإلا لم يبق فضيلة؛ ولهذا لم يصل ﵊ على زيد بن حارثة، وعلى جعفر الطيار، ولا على أحد مات غائبا من المهاجرين والأنصار (٣). وقيل: وقع عند الناس أن النجاشي على غير الإسلام، فأراد النبي ﵊ أن يعلم [الناس] (٤) كلهم بإسلامه؛ حتى يرفع اللعن المتوجه إلى قومه؛ ولهذا لم يصل على أحد بعده. (من آخرهم)؛ أي: من أولهم إلى آخرهم، وتجيء الصلاة على قبر النبي

стр. 1405

الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﵊ وَهُوَ الْيَوْمَ كَمَا وُضِعَ. (وَإِنْ دُفِنَ المَيِّتُ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَسَّخَ وَالمُعْتَبَرُ ﵊ مفصلا عند الشافعي. قوله: (صُلِّيَ على قبره … ) إلى آخره وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، هذا إذا دفن بعد الغسل، أما لو دفنوه بعد ما صُلِّيَ عليه، ثم تذكروا أنهم لم يغسلوه، فإن لم يُهَلَّ التراب عليه؛ يُخرج ويُغسل ويصلى عليه، وإن أهالوا التراب؛ لم يخرج. وقال الشافعي: يُخرج ويُصلى عليه (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥). وقلنا: التسليم إلى الله تعالى، ثمّ وخرج من أيدي الناس؛ قال ﵊: «القبر أول منزل من منازل الآخرة» (٦) ما لم يهل التراب؛ لأنه لم يتم التسليم. كذا في المبسوط (٧). وفي الْمُجْتَبى، والمحيط: وكذا لو صلى عليه من لا ولاية له؛ أن يُصلَّى على قبره، وفيما دفنوه بعد الصلاة قبل الغسل ولم يُخرَج، هل يصلي عليه ثانيا؟ قال الكرخي: يصلي عليه ثانيًا. وفي النوادر عن محمد: القياس أن [لا] (٨) يصلي عليه؛ لأن طهارة الميت شرط جواز الصلاة ولم يوجد (٩).
следующие страницы →