← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والسلام غائب، فلما حضر صلّى عليه (١). وقيل: إنه كان بعد شهر. وروي أنه ﵊ مر بقبر جديد، فسأل، فقيل: قبر فلانة وهي امرأة من الأنصار. وقيل: هي المسكينة، فقال ﵊: «هلا آذنتموني بالصَّلاة»؟، فقالوا: دفنت ليلا فخشينا عليك هوام الليل، فقام وصلّى على قبرها (٢). وروي أنه ﵊ صلّى على حمزة ﵁ سبعين صلاة (٣)، ولأن الصحابة صلوا على النبي ﵊ فوجا فوجا (٤). ولنا: ما روي أنه ﵊ صلى على جنازة، فحضر عمر ﵁ وأراد أن يصلي عليها فيها، فنهاه، وقال: «إنا قد صلينا مرة»، وقال له: «إنَّ الصلاة عليها لا تعاد» (٥). وما روي عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ أنهما فاتتهما صلاة على الجنازة، فلما حضرا ما زادا على الاستغفار له، وعبد الله بن سلام فاتته صلاة على جنازة عمر ﵁ فقال: إن سبقت بالصلاة عليه لم أُسْبَق بالدعاء له. ولأن حق الميت يؤدى بالصلاة عليه من الفريق الأول، فيقع من الفريق الثاني نفلا، والتنفل بها غير مشروع، وإلا لتنفل الناس بالصلاة على قبر النبي ﵊، فإنه الآن في قبره كما وضع؛ لأن لحوم الأنبياء ﵈ حرام على هوام الأرض؛ تكريما لهم، بذلك ورد الخبر (٦).

стр. 1402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وما قيل: إن الصلاة على قبره لا تجوز؛ خوفًا أن يتخذ قبره ﵊ مسجدا؛ غير قوي؛ إذْ جوزوا أن يُصلَّى عند قبور أهل العلم والولاية، مع شدة اعتقاد العامة. وما قالت الحنابلة: لا يصلى على قبره بعد شهر؛ غير قوي أيضًا؛ إذ التقدير بشهر لا أصل له في السنة، وما قال به أحد؛ ولهذا لم يصلوا على النبي ﵊ بعد دفنه قبل شهر. فإن قيل: حق الميت وإن صار مقضيا بالصلاة مرة، فلا يوجب سقوطه أصلا؛ لأنها في الحقيقة دعاء الميت، وهو باق، كالوضوء شرع لإقامة الصلاة، والفرض يسقط بواحد، لكن لو أعاده لكل صلاة كان حسنًا. قلنا: الأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فينبغي على هذا أن لا ينتفع الميت بالصلاة عليه، وأن لا يقضي حقه بعمل غيره، وإنما عرف هذا بخلاف القياس شرعًا. ولما كان كذلك، وأنه سقط بالمرة الواحدة، فلم يتصور الثاني قضاء من عندنا بلا توقيف بخلاف الدعاء والاستغفار؛ بأن التوقيف فيه باق، كما بقي الأمر بالصلاة على النبي ﵊ على سبيل الدعاء. وأما تأويل فعله ﵊: أن الحق كان له؛ قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فكان هو الولي؛ فله الإعادة، وكذا فعل الصحابة؛ فإن أبا بكر ﵁ كان مشغولاً بتسوية الأمور، وتسكين الفتنة؛ ولهذا توفي ﵊ يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء، مع أن التأخير في غيره مكروه بالإجماع، فكان يصلون عليه فوجا فوجا قبل حضور أبي بكر ﵁، وكان الحق له؛ إذ هو الخليفة، فلما فرغ أبو بكر صلى عليه، ثم لم يصل بعده أحد. وتأويل ما روي من الصلاة على حمزة ﵁ سبعين مرة: أنه كان موضوعًا بين يديه، فيؤتى بواحد واحد، فظن الراوي أنه ﵊ صلى على

стр. 1403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حمزة في كل مرة، فقال: صلِّي على حمزة ﵁ سبعين صلاة. كذا في المبسوط (١). وفي الأسرار: يحتمل أن تكون الصلاة عليه، ﵊، فرض عين على الصحابة؛ لعظم حقه، كالدعاء اليوم على المسلمين مرة واحدة بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فكان التكرار الصلاة عليه من كل أحد لأداء الفرض عليه (٢). وفي الإيضاح: إنما كرر الصحابة الصلاة عليه ﵊ لإحراز فضيلته، فلم يبق في حق غيره مشروعًا، وإلا لم يبق فضيلة (٣). قيل: يجوز أن يكون المراد من قول الراوي: صلى على حمزة ﵁؛ دعاء، وهو حقيقة لغوية. وفي المبسوط: وعلى هذا الأصل قال علماؤنا: لا يصلى على ميت غائب (٤)، وبه قال مالك (٥). وقال الشافعي (٦)، وأحمد (٧): يصلى عليه بالنية، سواء كان الميت الغائب في جهة القبلة أو لا، والمصلي مستقبل القبلة بكل حال، إلا إذا كان في البلد؛ ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالغائب عن البلد، وأصحهما: أنه لا يجوز؛ لتيسر الحضور. كذا في شرح الوجيز (٨).

стр. 1404

وَلِهَذَا رَأَيْنَا النَّاسَ تَرَكُوا عَنْ آخِرِهِم … ... … ... … ... له: ما روي أنه ﵊ نعى الناس أن النجاشي مات بأرض حبشة، فخرج إلى المصلى وصلى عليه. وقلنا: تعلق الصلاة بالميت كتعلقها بالإمام؛ ولهذا لا يجوز التقديم على الجنازة بالإجماع كالتقدم على الإمام، وعند الشافعي: يجوز تقدمه عليه في قول، كما في الصلاة على الغائب، ولكن الصحيح عنده أنه لا يجوز. كذا في تتمتهم (١)، ولهذا شرطت طهارة الميت كطهارة الإمام. وبعد المسافة بين الإمام والمأموم تفسد الصلاة، فكذا بين الميت. وما روي أنه ﵊ صلى على النجاشي؛ فلأن الأرض طويت له، فكان البعيد قريبًا له، والغائب حاضرًا، وهو أولى للأولياء؛ لما روينا، فأعادها، ولا يوجد مثل ذلك في حق غيره. كذا في المبسوط والمختلفات (٢). ولا يلزم عليه فعل الصحابة ﵃؛ لأن حضور الجنازة شرط في حق الإمام، أو لأن فعلهم بطريق التبع. كذا قيل. وفي الإيضاح: وإنما خص النجاشي؛ فضيلة له، فلم يبق في حق غيره مشروعًا، وإلا لم يبق فضيلة؛ ولهذا لم يصل ﵊ على زيد بن حارثة، وعلى جعفر الطيار، ولا على أحد مات غائبا من المهاجرين والأنصار (٣). وقيل: وقع عند الناس أن النجاشي على غير الإسلام، فأراد النبي ﵊ أن يعلم [الناس] (٤) كلهم بإسلامه؛ حتى يرفع اللعن المتوجه إلى قومه؛ ولهذا لم يصل على أحد بعده. (من آخرهم)؛ أي: من أولهم إلى آخرهم، وتجيء الصلاة على قبر النبي

стр. 1405

الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﵊ وَهُوَ الْيَوْمَ كَمَا وُضِعَ. (وَإِنْ دُفِنَ المَيِّتُ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَسَّخَ وَالمُعْتَبَرُ ﵊ مفصلا عند الشافعي. قوله: (صُلِّيَ على قبره … ) إلى آخره وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، هذا إذا دفن بعد الغسل، أما لو دفنوه بعد ما صُلِّيَ عليه، ثم تذكروا أنهم لم يغسلوه، فإن لم يُهَلَّ التراب عليه؛ يُخرج ويُغسل ويصلى عليه، وإن أهالوا التراب؛ لم يخرج. وقال الشافعي: يُخرج ويُصلى عليه (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥). وقلنا: التسليم إلى الله تعالى، ثمّ وخرج من أيدي الناس؛ قال ﵊: «القبر أول منزل من منازل الآخرة» (٦) ما لم يهل التراب؛ لأنه لم يتم التسليم. كذا في المبسوط (٧). وفي الْمُجْتَبى، والمحيط: وكذا لو صلى عليه من لا ولاية له؛ أن يُصلَّى على قبره، وفيما دفنوه بعد الصلاة قبل الغسل ولم يُخرَج، هل يصلي عليه ثانيا؟ قال الكرخي: يصلي عليه ثانيًا. وفي النوادر عن محمد: القياس أن [لا] (٨) يصلي عليه؛ لأن طهارة الميت شرط جواز الصلاة ولم يوجد (٩).

стр. 1406

فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِاخْتِلَافِ الحَالِ وَالزَّمَانِ وَالمَكَانِ. وفي الاستحسان: يصلي عليه؛ لأن تلك الصلاة لم يعتد بها؛ لترك الطهارة مع الإمكان، والآن زال الإمكان وسقطت فرضية الغسل؛ فيصلي عليه. أو يقول: إن هذه الصلاة دعاء من وجه، فلو كانت صلاة من كل وجه لا تجوز بدون الطهارة، ولو كانت دعاء من كل وجه تجوز بدونها، فإذا كانت بينهما فقلنا بشرطيتهما حالة القدرة، ويقدم شرطيتهما حالة الضرورة. فأما إذا صلى عليه قبل الغسل ولم يدفن؛ فإنه يغسل وتعاد الصلاة، وكذا لو غسلوه وبقي عضوا وقدر لمعة. كذا في المبسوط، والمحيط (١). وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما روي عن أبي يوسف أنه يُصلّى عليه إلى ثلاثة أيام، وبعدها لا يُصلَّى، وهكذا روى ابن رستم في نوادره عن محمد عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن الصحابة كانوا يصلون على النبي ﵊ إلى ثلاثة أيام (٢). والصحيح: أن هذا ليس بتقدير لازم؛ لأنه يختلف باختلاف حال الميت من السمن والهزال، وباختلاف الزمان من الحر والبرد، وباختلاف المكان من الصلابة والرخاوة، فكان المعتبر فيه أكبر الرأي. وما روي أنه ﵊ صلّى على شهداء أحد بعد ثمان سنين؛ معناه: دعا لهم، ونقل أنهم كانوا كما دفنوا ولم تتفرق أعضاؤهم، وهكذا وجدوا حين أراد معاوية أن يحولهم فتركهم، وما روي من فعل الصحابة كان قبل الدفن كما ذكرنا، مع أنه لا يمكن التمزق على الأنبياء ﵈ لما ذكرنا. أما لو تمزق لا يُصلّى عليه؛ لأن الصلاة مشروعة على الميت لا على أعضائه، بخلاف ما إذا وجد أكثر الآدمي؛ فإنه في حكم الكل. كذا في المبسوط، والمحيط (٣).

стр. 1407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المجتبى: قيل: الصلاة على القبر مقدار ثلاثة أيام. وقيل: إلى عشرة أيام. وقيل: إلى شهر. والصحيح: أنه مفوض إلى الاجتهاد؛ لتفاوت الأشخاص والأزمنة والأمكنة كما ذكرنا (١). وبقولنا قال مالك (٢). وقال الشافعي (٣)، وأحمد (٤) ﵏: يصلي على القبر، سواء كان المصلي وليًا أو لا، ثم له في التقدير أربعة أوجه؛ أحدها: إلى شهر؛ لما روي أنه ﵊ صلى على قبر ابن المعرور بعد شهر كما روينا (٥)، وبه قال أحمد ﵀. والثاني: يصلي عليه ما لم ينفسخ؛ لأن الصلاة مشروع عليه لا على عضوه. والثالث: يصلي عليه من كان أهلًا على الصلاة عليه عند موته، حتى لو كان مجنونًا أو صبيًا عند موته وأفاق وبلغ بعده؛ لا يصلي عليه؛ لأن حكم الخطاب تعلق بمن هو أهل عند موته. والرابع: أنه تجوز الصلاة عليه أبدًا؛ لورود الصلاة على القبر، ولم ينقل زمان أولى من زمان آخر، فعلى طريقة من قال: إلى شهر؛ لا تجوز الصلاة على قبر النبي ﷺ في هذا الزمان، وعلى طريقة من قال: هو أقل عند موته كذلك، وعلى طريقة من قال: أبدًا؛ وجهان: أحدهما: أنه تجوز الصلاة على قبره ﵊؛ كما تجوز على سائر القبور. والثاني: لا تجوز؛ لأنه ﵊ قال في مرضه: «لعن الله اليهود

стр. 1408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١)، وإنما قال ذلك؛ تحذيرا لأمته على الصلاة على قبره. كذا في تتمتهم (٢). وفي شرح الوجيز وعلى طريقة من قال: [ما] (٣) لم ينفسخ، ليس امتناع الصلاة باعتبار أنه يبلى؛ لأن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ﵈ (٤)، لكن بما روي أنه ﵊ قال: «أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث» (٥). ووجه خامس: وهو إلى ثلاثة أيام، فعلى هذا لا يصلى على قبره بعده؛ لما روينا، فعلم من هذا التفصيل أن ما ذكر في الكتاب من قوله: (ولهذا لا يصلي على قبره)؛ لتوضيح عدم مشروعية التطوع بها مشكل؛ لأن الخصم لم يمنع عدم الصلاة على قبره ﵊ باعتبار عدم مشروعية التنفل؛ لجواز أن يكون عدم الصلاة على قبره لمعنى آخر كما ذكرنا. قوله: (يحمد الله تعالى): ولم يعين هاهنا في الثناء شيئًا، وفي سائر الصلوات: غير سبحانك اللهم، إلى آخره كما ذكرنا. [قال شمس الأئمة: اختلف المشايخ في هذا الثناء؛ قال بعضهم: يحمد الله تعالى كما في ظاهر الرواية، وقال بعضهم: يقول: سبحانك اللهم، إلى آخره] (٦) في سائر الصلوات، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ (٧). ولا يقرأ الفاتحة، وبه قال مالك (٨).

стр. 1409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي دعاء الاستفتاح؛ للشافعي ﵀ قولان: أحدهما: أنه يسن كسائر الصلوات. والثاني: لا يسن؛ لأن هذه الصلوات مبناها على التخفيف (١)؛ ولهذا لا ركوع ولا سجود ولا قعدة فيها، وقراءة الفاتحة واجبة عنده، وبه قال أحمد (٢)، وداود؛ لما روى جابر ﵁ أنه ﵊ كان يقرأ فيها بأم القرآن (٣)، وقرأ ابن عباس الفاتحة، وجهر، ثم قال: عمدًا فعلت؛ ليعلم أنه سنة (٤)، وقال ﵊: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥)، ولأنها صلاة وجب فيها القيام؛ فتجب فيها القراءة كسائر الصلوات. ولنا: قول ابن مسعود ﵁ أنه ﵊ لم يوقت لنا في الصلاة على الجنازة دعاء ولا قراءة، كبر ما كبر الإمام، واختر من الدعاء أطيبه، وهكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمر؛ فإنهما قالا: ليس فيها قراءة شيء من القرآن. وتأويل حديث جابر: أنه ﵊ كان قرأ على سبيل الثناء لا على وجه القراءة، وعنده لو قرأ الفاتحة على سبيل الثناء والدعاء لا يكفيه. وقال الترمذي: حديث جابر، وابن عباس إسناده ليس بقوي (٦)، ولأن هذه ليست بصلاة حقيقة، وإنما هي دعاء واستغفار للميت؛ ولهذا يسن فيها أركان الصلاة، وسميت بالصلاة؛ لما قلنا: إن الصلاة لغة: الدعاء، واشتراط الطهارة واستقبال القبلة بها لا يدل على كونها صلاة حقيقة كسجدة التلاوة.

стр. 1410

[كَيْفِيَّةُ صَلَاةِ الجَنَازَةِ] (وَالصَّلَاةُ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةً يَحْمَدُ اللَّهَ عَقِيبَهَا، ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُصَلِّي فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يَدْعُو فِيهَا لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ … ... … كذا في المبسوط (١). قوله: (ويصلي على النبي ﵊؛ أي: يقول: اللهم صل على محمد، إلى قوله: إنك حميد مجيد؛ لأن ذكر الله تعالى يليه ذكر النبي ﵊؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أي: لا أذكر إلا وتذكر معي. وفي خلاصتهم، وتتمتهم التكبيرات الأربع أركان، وقراءة الفاتحة ركن بعد التكبيرة الأولى، والصلاة على النبي ﵊ ركن بعد التكبيرة الثانية، ودعاء الميت ركن بعد الثالثة؛ لقوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يصل علي» (٢)، وقياسًا على سائر الصلوات (٣). وروى أبو هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا الدعاء له» (٤)، والأمر للوجوب. وليس عقيب الرابعة ذكر مفروض، ولكن يسلم إن شاء تسليمتين، وإن شاء واحدة، وهو الركن الأخير؛ لأنه روي كلاهما. وعندنا: التكبيرات الأربع قائمة مقام أربع ركعات، وهي فرض، وأما الثناء، والصلاة على النبي، والدعاء، والسلام؛ سنة؛ لاختلاف الآثار فيها، وقياسًا على سائر الصلوات. (يدعو فيها لنفسه)؛ كي يغفر له فيستجاب دعاؤه. (وللميت)؛ لأنه المقصود.

стр. 1411

وَلِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ … ... (وللمسلمين)؛ لأنهم كانوا كالبنيان يشد بعضهم بعضًا. وليس في الدعاء شيء مؤقت، ولو دعا بما روت عائشة ﵂ أنه ﵊ قال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا … » (١) إلى آخره؛ حسن. وفي المبسوط: يذكر هذا المروي إن كان يحسنه، وإلا يذكر ما يدعو في التشهد من قوله: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، إلى آخره (٢). وفي الْمُجْتَبى (٣): وروي أنه ﵊ كان يقول: «اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وأصْلِحْ ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واجعل قلوبنا على قلوب أخيارنا» (٤). وفي شرح المجمع: والمحفوظ من دعائه ﵊؛ ما رواه عوف بن مالك قال: صلينا مع النبي ﵊ على جنازة، فحفظنا من دعائه: «اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعْفُ عَنه، وَأَكرِم نُزُلَه ووسع مدخلَهُ، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّهِ مِنَ الخَطَايَا كَما يُنقَّى الثَّوبُ الأَبيضُ مِنَ الدَّنَس، وأنزله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجًا خَيرًا من زوجه، وأدخله الجَنَّة، وأعذه من عذاب القبرِ وَمِنَ النَّارِ» (٥). قال عوف: تمنيت أن أكون ذلك الميت (٦). ولكن لم يعين أصحابنا دعاء خاصا؛ بل يذكر ما يتهيأ له، ولعل ذلك أقرب إلى رقة القلب وحضوره من المروي، ثم يكبر الرابعة.

стр. 1412

وَيُسَلِّمُ) لِأَنَّهُ ﵊ كَبَّرَ أَرْبَعًا فِي آخِرِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فَنَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا. في المبسوط (١): ليس بعدها دعاء سوى السلام، واختار بعض مشايخنا ما يختم به سائر الصلوات: «ربنا آتنا في الدُّنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وَقِنَا برحمتِكَ عَذاب القبر وعَذَابِ النَّارِ» (٢)، وهو رواية عن بعض أصحاب الشافعي (٣). وقال بعضهم: يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله (٤). وفي الْمُجْتَبى: قيل: مخير بين الدعاء والسكوت. وقيل: يقول: ربنا لا تزغ قلوبنا، إلى آخره (٥). وقيل: يقول: سبحان ربك رب العزة، إلى آخره. (ويسلم)؛ أي: تسليمتين، وهو من المشهور من الشافعي (٦)، وبه قال مالك (٧)؛ لأنه المشهور المتوارث من النبي ﵊. وقال الشافعي ﵀ في الإملاء: يسلم تسليمة، ويبدأ من تلقاء وجهه، ويختمها ملتفتًا إلى يساره فيدير وجهه وهو فيها. وقيل: يأتي بها تلقاء وجهه بغير التفات. وقيل: يزيد على قوله: السلام عليكم ورحمة الله. كذا في شرح الوجيز (٨).

стр. 1413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معراج الدراية في شرح الهداية الجزء الثاني وقال أحمد: يسلم تسليمة واحدة عن يمينه لشرفه (١). وأما الاقتصار على تسليمة واحدة؛ لما أن مبنى هذه الصلاة على التخفيف، خوفًا من التغييرات التي تحدث في الميت بعد غسله. ثم تكبيرات الجنازة أربع عند الأئمة الأربعة (٢)، وداود، وقال ابن سيرين: يكبر ثلاثًا، وقالت الشيعة: يكبر خمسا، وبه قال ابن أبي ليلي، وأبو يوسف في رواية (٣)؛ لما روي أن عليًا ﵁ كبر خمسا على أهل بيته، وعلى سائر الناس أربعًا، وعنه أنه كبر على أبي قتادة سبعًا وكان بدريًا، وعنه أنه كبر على سهل بن حنيف سنا وكان بدريًا. وعن ابن مسعود أنه ﵊ كبر على الجنائز سبعًا، وتسعًا، وخمسا، وأربعا، وقال: فكبروا ما كبر الإمام (٤)، ولا يزيد على تسع. وعن علي ﵁[أنه كان] (٥) يكبر على أصحاب رسول الله غير أهل بدر خمسا، وعلى سائر الناس أربعًا (٦). ولما اختلفت الآثار والروايات في فعله؛ أخذنا بآخر فعله وهو الأربع، فنسخ ما قبله. وعن عمر ﵁ أنه جمع الصحابة حين اختلفوا في عدد التكبيرات، وقال لهم: إنكم اختلفتم، فمن يأتي بعدكم أشد اختلافًا، فانظروا إلى آخر صلاة صلاها النبي ﵊ على جنازة فخذوا بذلك، فنظروا، فوجدوا أنه ﵊ صلى على امرأة وكبر عليها أربعًا.

стр. 1414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: صلى على النجاشي آخرًا وكبَّر أربعًا، فاتفقوا على ذلك، وحل محل الإجماع، وإجماع المتأخرين يرفع الخلاف المتقدم. ولأنه ﵊ كبّر في العيد أربعًا، وقال: «أربع كأربع الجنائز لا يشتبه» (١) (٢) كما روينا. وفي المبسوط: روي أن عليًا كبر على أهل بيته خمسا، وعلى سائر الناس أربعا؛ افتراء عليه، فإنه روي أنه كبر على فاطمة أربعًا (٣). ثم لا يرفع الأيدي فيها سوى تكبيرة الافتتاح الإمام، والقوم فيه سواء، وبه قال مالك ﵀ (٤). وقال الشافعي (٥)، وأحمد (٦)، ومالك في رواية: يرفع عند كل تكبيرة كما في تكبيرة الافتتاح، وبه قال أكثر مشايخ بلخ (٧)؛ لما روي أن عمر وأنسًا ﵄ كانا يرفعان في جميع التكبيرات، ولأن هذه تكبيرات يؤتي بها في قيام مستو فيرفع اليد فيها كتكبيرات العيد وتكبير القنوت، والفقه ما بينا من الحاجة إلى إعلام الأصم خلفه. ولنا: قوله ﵊: «لَا تُرفَعُ الأيدِي … » (٨) الحديث، وصلاة الجنازة ليست من السبع، وعن علي، وابن عمر أنهما قالا: لا ترفع الأيدي فيها إلا عند تكبيرة الافتتاح. والمعنى: أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وكما لا يرفع الأيدي في كل

стр. 1415

(وَلَوْ كَبَّرَ الإِمَامُ خَمْسًا لَمْ يُتَابِعْهُ المُؤْتَمُ) خِلَافًا لِزُفَرَ، لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِمَا رَوَيْنَا، وَيَنْتَظِرُ تَسْلِيمَةَ الإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. ركعة في سائر الصلوات، فكذلك هاهنا. كذا في المبسوط (١). وفي المختلف: روي أنه ﵊ كان يكبر للافتتاح ثم لا يعود (٢). رواه الدارقطني. وفي النوازل: كان محمد بن سلمة، ومحمد بن الأزهر، وعصام بن يوسف يرفعون أيديهم، وقال نصر، ومحمد بن مقاتل: أرفع تارة ولا أرفع أخرى، ولكن الصحيح: ظاهر الرواية أنه لا يرفع. كذا ذكره في المبسوط أيضًا (٣). قوله: (لم يتابعه) وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥) ﵏ خلافًا لزفر (٦)، وبه قال أحمد (٧)، وابن أبي ليلى، والظاهرية (٨)، والشيعة. وفي الْمُجْتَبى: وقال أبو يوسف: يتابعه (٩). وفي النهاية: وهو رواية عن أبي يوسف (١٠). ووجهه: أنه مجتهد فيه كما قلنا، فيتابعه المقتدي كما في تكبيرات العيد. وقلنا: إنه منسوخ؛ لما روينا من قبل، ولا متابعة في المنسوخ؛ بخلاف تكبيرات العيد فإنها مجتهد فيها، ولا يثبت النسخ فيها؛ ولهذا لو تجاوز الإمام فيها حد الاجتهاد لا يتابعه، وإذا لم يتابعه فيها ماذا يصنع؟

стр. 1416

وَالإِتْيَانُ بِالدَّعَوَاتِ اسْتِغْفَارٌ لِلْمَيِّتِ، وَالبُدَاءَةُ بِالثَّنَاءِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ سُنَّةُ الدُّعَاءِ، في رواية عن أبي حنيفة ﵀: يسلم ولا ينتظر تحقيقا للمخالفة. وفي رواية عنه: ينتظر ويسلم مع الإمام؛ ليصير متابعًا فيما وجبت المتابعة فيه (١). وفي الواقعات: وعليه الفتوى (٢)، وبه قال مالك في رواية (٣). وفي الحلية: حكي في الحاوي في الانتظار وجهين (٤). وفي روضة الزندوستي (٥): لا يتابعه إذا كان يسمع من الإمام، أما إذا سمع من المنادي؛ يكبر كما في تكبيرات العيد (٦). قوله: (سنة الدعاء)؛ في المحيط: الدليل عليه: قوله ﵊: «إذا أراد أحدكم أن يدعو فليحمد الله، وليصل على النبي ثمَّ يَدعُو» (٧)، واعتبرها بالتشهد في الصلاة (٨). وفي التجنيس: ولا يجهر بشيء من الحمد والثناء والصلاة على النبي ﵊ والدعاء؛ لأن هذا ذكر كله، والإخفاء في الذكر والدعاء أولى (٩). وقال بعض المشايخ: السنة أن يسمع الصف الثاني ذكر الصف الأول،

стр. 1417

وَلَا يَسْتَغْفِرُ لِلصَّبِيِّ وَلَكِنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا، وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا وَذُخْرًا، وَاجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا مُشَفَّعًا. (وَلَوْ كَبَّرَ الإِمَامُ تَكْبِيرَةً أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ، لَا يُكَبِّرُ الْآتِي حَتَّى يُكَبِّرَ أُخْرَى بَعْدَ حُضُورِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكَبِّرُ حِينَ ويسمع الثالث ذكر الثاني (١). وعن أبي يوسف: أنهم لا يجهرون كل الجهر، ولا يسرون كل السر، وينبغي أن يكون بين ذلك (٢). قوله: (ولا تستغفر للصبي)؛ وذلك أنه مرفوع القلم، ولا ذنب له، فلا حاجة إلى الاستغفار. (ولكن يقول: اللهم اجعله لنا فَرَطًا وذخرا)؛ أي: أجرًا يتقدمنا، وأصل الفارط والفرط فيمن يتقدم الواردة. ومنه قوله ﵊: «أنا فرطكم على الحوض»؛ أي: متقدمكم. كذا في المغرب (٣). ويقال بالفارسية: يسر روو. (ذخرا)، أي: خيرا باقيًا مدخرا. (مشفعًا)؛ أي: مقبول الشفاعة. وفي تتمتهم: ويدعو بهذا الدعاء له بعد ما دعا بما روت عائشة (٤). قوله: (وقال أبو يوسف): تفسير المسألة عنده: أنه كبر هذا الرجل حين حضر ولم يصر مسبوقًا بشيء، وبقوله قال الشافعي (٥)، ومالك في رواية (٦). وعندهما: ينتظر حتى يكبر الإمام الثانية فيكبر معه، وبه قال أحمد (٧)،

стр. 1418

يَحْضُرُ) (*) لِأَنَّ … ... … ومالك في رواية، ويقضي ما فاته بعد سلام الإمام. وكذا الخلاف لو جاء وكبَّر الإمام تكبيرتين أو ثلاثًا؛ فعنده يكبر حين حضر، وعندهما: يقضيها بعد السلام ما لم ترفع الجنازة، ولو رفعت بالأيدي ولم توضع على الأكتاف؛ يكبر في ظاهر الرواية. وعند محمد: إن كانت إلى الأرض أقرب يكبر، وإن كانت إلى الأكتاف أقرب لا يكبر (١)، ويدعو فيها إن لم يخف فوتها، وإن خاف ترك الدعاء ووالى بين التكبيرات، ولو جاء وكبر الإمام أربعًا ولم يسلم؛ لم يدخل معه وفاتته الصلاة. وعند أبي يوسف (٢)، والشافعي (٣): دخل معه ويأتي بها تسعًا إن خاف رفع الجنازة. وفي المحيط: وعليه الفتوى (٤). وعند الشافعي: يقرأ الفاتحة أيضًا، سواء صار مسبوقًا بأربع أو أقل (٥). وظاهر مذهبه: أنه يتم الصلاة بالصفة المشروعة وإن رفعت الجنازة. وجه قول أبي يوسف: قوله ﵊: «اتبع إمامك في أي حال أدركته» (٦)، والقياس على سائر الصلوات؛ فإنه يتابعه فيها؛ أي: في أي حال

стр. 1419

الأُولَى لِلافْتِتَاحِ، وَالمَسْبُوقُ يَأْتِي بِهِ. وَلَهُمَا: أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ، وَالمَسْبُوقُ لَا يَبْتَدِئُ بِمَا فَاتَهُ إِذْ هُوَ مَنْسُوخٌ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا فَلَمْ يُكَبِّرُ مَعَ الإِمَامِ لَا يَنْتَظِرُ الثَّانِيَةَ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ المُدْرِكِ. قَالَ: (وَيَقُومُ الَّذِي يُصَلِّي عَلَى الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ القَلْبِ، وَفِيهِ نُورُ الإِيمَانِ، فَيَكُونُ القِيَامُ عِنْدَهُ إِشَارَةٌ إِلَى الشَّفَاعَةِ لِإِيمَانِهِ. وَعَنْ أدركه، وعلى ما لو كان واقفا خلف الإمام وتأخر التكبير عن تكبيره؛ فإنه لم ينتظر التكبيرة الثانية بالاتفاق فكذا هذا، وقولهما مروي عن ابن عباس. والمعنى فيه: أن هذه التكبيرة من تكبيرات الجنازة لم يدركها مع الإمام، فلا يأتي بها قبله؛ قياسًا على التكبيرة الثانية إذا كان مسبوقا؛ فإنه لا يأتي بها قبل تكبيرات الإمام فكذا هذا؛ وهذا لأن كل تكبيرة قائمة مقام الركعة؛ بدليل أنه لو ترك واحدة منها لا تجوز صلاته كما لو ترك ركعة؛ ولهذا قيل: أربع كأربع الظهر، فلم لم ينتظر كان قاضيًا ما فاته قبل أداء ما أدرك مع الإمام، وذلك منسوخ؛ لأن أبا يوسف يقول: لتكبيرة الافتتاح معنيان؛ معنى الافتتاح، ومعنى القيام مقام ركعة، ومعنى الافتتاح راجح فيها؛ بدليل تخصيصها برفع اليد عندها. والجواب لهما عما كان حاضرًا خلفه؛ أنه لو كان حاضرا مع الإمام فقد أدركها معه، فكان له أن يأتي بها، وليست هذه كسائر الصلوات؛ لأن في سائرها متى كبر تكبيرة الافتتاح لا يكون متقدمًا على الإمام؛ لأنه لا يصير مسبوقا بشيء، بخلاف ما نحن فيه كذا في المبسوطين، والمحيط (١). وفي الإيضاح: سئل محمد هل يطيل تكبيرة الأولى على غيرها؟ فقال: ليس فيها شيء مؤقت؛ لأن الفصل بينهما بالذكر، فيعتبر قدر ما يفرغ من الذكر. (عنده)؛ أي: عند الصدر. (إشارة إلى الشفاعة؛ لإيمانه)؛ يعني: أنه يشفعه لإيمانه فتجاوز عن سيئاته،

стр. 1420

أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَقُومُ مِنْ الرَّجُلِ بِحِذَاءِ رَأْسِهِ، وَمِنْ المَرْأَةِ بِحِذَاءِ وَسَطِهَا (*)، لِأَنَّ أَنَسًا ﵁ فَعَلَ كَذَلِكَ وَقَالَ: هُوَ السُّنَّةُ. قُلْنَا: تَأْوِيلُهُ أَنَّ جِنَازَتَهَا لَمْ تَكُنْ مَنْعُوشَةٌ، فَحَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ. وبه قال الطبري من أصحاب الشافعي (١). وقال الشافعي: يقوم الرجل عند الصدر، وللمرأة عند عجزتها وهي وسطها (٢)، وبه قال أحمد (٣)، وهي رواية عن أبي يوسف، ومحمد. وفي تتمتهم: عند رأس الرجل (٤)، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضًا. وجه قوله: ما روى سمرة بن جندب، وأنس أنه ﷺ صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام في وسطها. وفي جامع الإسبيجابي: يحتمل أنه قام بحذاء الصدر، وهذا قريب من الوسط، فعبر به عنه (٥). وقال مالك: يقوم على وسط الرجل، ومنكبي المرأة؛ لأنه قد روي هكذا (٦). قوله: (منعوشة): يقال: نعش جنازتها؛ أي: اتخذ لها نعش، والنعش: شبه المحفة مشبك مطبق على المرأة إذا وضعت على الجنازة. كذا في المغرب (٧). (وسطها): بسكون السين، هكذا كان معربًا بخط شيخي؛ لأنه بالسكون اسم لداخل الشيء؛ ولهذا كان طرفًا، يقال: جلست وسط الدار، والمحرك اسم للمذكر.

стр. 1421

(فَإِنْ صَلَّوْا عَلَى جِنَازَةِ رُكْبَانًا أَجْزَأَهُمْ فِي القِيَاسِ) لِأَنَّهَا دُعَاءُ. (وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: لَا تُجْزِئُهُمْ) لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ وَجْهِ لِوُجُودِ التَّحْرِيمَةِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ احْتِيَاطًا وَلَا بَأْسَ بِالإِذْنِ فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ لِأَنَّ التَّقَدَّمَ حَقُّ الوَلِيِّ فَيَمْلِكُ والمراد بالوسط في الحديث: الوسط المعنوي لا اللغوي، والوسط المعنوي هو الصدر؛ فإن فوقه الرأس مع اليدين، وتحته البطن والرجلين، وهذه قسمة عادلة كما ترى. إليه أشير في المبسوط (١). (لأنها دعاء)؛ ولهذا يجوز بلا ركوع وسجود وقراءة، والقهقهة فيها ليست بحدث، ولأن ركن القيام معتبر بسائر الأركان، وذلك ساقط فيها للتخفيف، فكذا القيام، وبه قال بعض المالكية (٢). وفي الاستحسان: لا يجوز بلا عذر، وكذا لو قعد بلا عذر، وبه قال الشافعي (٣)، وأشهب (٤)، وأحمد (٥)، وآخرون؛ لأنها صلاة من وجه؛ ولهذا يشترط فيها شرائط الصلاة من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، فصارت كمكتوبة أخرى، وإن لم يكن فيها قراءة كصلاة الأمي. ولأن فيها سنن التكبير والقيام. ولو ترك التكبير لا يعتد بها، فكذا إذا ترك القيام بلا عذر احتياطا كما في سائر الفرائض. كذا ذكره الإمام السرخسي، وقاضي خان (٦). وفي جامع الكردري: ولأنه يحل بمعنى الشفاعة (٧). قوله: (ولا بأس بالإذن)؛ أي: إذن الولي. وقيل: لا بأس بإذن الولي الناس بالانصراف بعد الصلاة؛ إذ لا يسعهم

стр. 1422

إِبْطَالُهُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَا بَأْسَ بِالْأَذَانِ: أَي الإِعْلَامِ، وَهُوَ أَنْ الانصراف عنها قبل الدفن إلا بإذن الولي؛ لقوله ﵊: «أميران وليسا بأميرين، ولي الجنازة والمرأة في الركب» (١)، وإذا ثبت أنه أمير بالنص؛ لا يجوز لغيره أن يرجع بغير إذنه. كذا في جامع المحبوبي (٢). (وفي بعض النسخ)؛ أي: نسخ الجامع الصغير. (أي: الإعلام): ومنه سمي الأذان أذانا. وإنما قلنا: إنه لا بأس به؛ لما روي أنه ﵊ قال: «إذا مات أحدكم فَآذِنُونِي بالصَّلاةِ؛ فإن صلاتي رحمة له» (٣)، ولأن في الأذان إعلام لإخوانه فيحضرون ويقضون حقه؛ لأنه ﵊ قال: «حقَّ المَسلِمِ على المسلم أن يعوده إذا مرض، وأن يتبع جنازته إذا مات» (٤). والمراد بالإعلام: إعلام إخوانه لا النداء في الأسواق؛ لأن ذلك مكروه؛ لمشابهته أفعال أهل الجاهلية. كذا في جامع الإسبيجابي (٥). وفي جامع قاضي خان: واستحسن بعض المتأخرين النداء في الأسواق للجنازة؛ ترغيبا للصلاة عليها، وهو الأصح (٦). وقال الإمام الهندواني: لا يفعل؛ لأنه عادة أهل الجاهلية، إلا أن يكون الميت عالمًا أو زاهدًا (٧). وقال الحلواني: إنما أورد هذه المسألة؛ لأن بعض العلماء كره ذلك

стр. 1423

يُعْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَقْضُوا حَقَّهُ (وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي المَسْجِدِ فَلَا أَجْرَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ بُنِيَ باعتبار أنه إعلام بالمصيبة. كذا ذكره التمرتاشي. قوله: (ولا يصلى على ميت في مسجد جماعة)؛ قيد به؛ لأن المسجد لو كان لا لجماعة، أوعد لصلاة الجنازة؛ لا يكره فيه، وبقولنا قال مالك (١). وقال الشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وأبو يوسف في رواية (٤): لا يكره إذا لم يخف خروج شيء يلوث المسجد؛ لما روي أن عائشة ﵂ أمرت بإدخال جنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد؛ حتى يصلي عليه أزواج النبي ﵊، ثم قالت: هل عاب الناس علينا ما فعلنا؟، فقالوا: نعم، فقالت: ما أسرع ما نسوا صلاة رسول الله ﷺ على جنازة سهل بن بيضاء في المسجد. وقد روي عن أبي بكر، وعمر ﵄ أنهما صلياها فيه. ولأنها دعاء واستغفار؛ فالمسجد أولى به. ولنا: حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: «من صلى على جنازة … » الحديث، رواه أبو داود (٥). وحديث عائشة دليلنا؛ فإن الناس في زمانها المهاجرون والأنصار، وقد عابوا عليه؛ فدل على الكراهة حيث عابوا. وتأويل فعله ﵊: أنه كان معتكفا فلم يمكنه أن يخرج، [فوضعت الجنازة خارج المسجد] (٦) فصلّى عليها، وهذا جائز بلا كراهة. كذا في المبسوط (٧).

стр. 1424

لِأَدَاءِ المَكْتُوبَاتِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَلْوِيثَ المَسْجِدِ، وَفِيمَا إِذَا كَانَ المَيِّتُ خَارِجَ المَسْجِدِ اخْتَلَفَ المَشَايِخُ ﵏. (وَمَنِ اسْتَهَلَّ بَعْدَ الوِلَادَةِ سُمِّيَ وَغُسْلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وكذا تأويل فعل أبي بكر، وعمر ﵄. وفي الْمُجْتَبَى: ما رواه الشافعي منسوخ، فإن الصحابة أجمعت على الإنكار على عائشة حين دعت جنازة سعد في المسجد (١). وأما قوله ﵊: «في المسجدِ»؛ يحتمل أن يكون طرف الصلاة. وكذا يختلف حكم المسألة بين المشايخ، ثم لو كان الميت والصلاة فيه كلاهما يكره بالاتفاق. وإن كان الإمام وصف من القوم خارج المسجد مع الميت؛ لا يكره بالاتفاق، وإن كان الميت خارج المسجد والإمام والقوم فيه؛ فقد اختلف فيه، فقال بعض مشايخنا - منهم سيد الإمام أبو شجاع -: يكره؛ لأن المسجد بني لأداء المكتوبات، وصلاة الجنازة جنس آخر، ولظاهر الحديث. ولهذا كره بعض المشايخ النفل فيه، وبعضهم قالوا: لا يكره؛ لأنه تبع للفروض. وقال بعض المشايخ - منهم السرخسي -: لا يكره؛ لعدم احتمال تلويث المسجد (٢). وفي التجنيس: وعليه عمل الناس اليوم بسمرقند، وهو المروي عن أبي يوسف. وفي الأسرار: لا يصلي على جنازة فيه إلا عن عذر (٣). قوله: (ومن استهل): بفتح التاء على بناء الفاعل؛ لأن المراد هاهنا رفع الصوت لا الإبصار؛ فإنه ذكر في المغرب: أهلوا الهلال واستهلوه؛ رفعوا

стр. 1425

وَالسَّلَامُ: «إِذَا اسْتَهَلَّ المَوْلُودُ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ الاسْتِهْلَالَ دَلَالَةُ الحَيَاةِ فَتَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ سُنَّةُ المَوْتَى (وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ أُدْرِجَ فِي خِرْقَةِ) كَرَامَةٌ لِبَنِي آدَمَ (وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَيُغَسَّلُ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ مِنْ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهِ، أصواتهم عند رؤيته. وأهل واستهل: على بناء المفعول إذا أبصروا، والمراد: رفع صوته بالبكاء عند ولادته (١). وفي الإيضاح: الاستهلال: أن يكون منه ما يدل على حياته من بكاء أو تحريك عضو، أو أن يطرف بعينه (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، وأحمد (٤). وقال مالك: لا يصلّى عليه إلا أن يطول ذلك فيتحقق حياته (٥). وعن مالك (٦)، وأحمد (٧) في رواية الاستهلال: أن يستهل صارخا؛ لظاهر الحديث. قوله: (في غير ظاهر الرواية) وروي عن أبي يوسف، ومحمد في غير رواية الأصل: أنه يغسل ويصلى عليه، وبه أخذ الكرخي، [وعن محمد: لا يغسل ولا يصلى عليه، وهو ظاهر الرواية، وبه قال أحمد] (٨). وعند الشافعي: لو لم يظهر فيه علامة الحياة ولو لم يكن له أربع أشهر؛ لف في خرقة ودفن بلا غسل، وإن كان قد بلغ أشهر؛ ففيه قولان، ففي القديم: يغسل ويصلى عليه؛ لما روي أنه ﵊ أخبر أن الروح ينفخ فيه،

стр. 1426

وَهُوَ المُخْتَارُ. فيكون الظاهر أنه نفخ فيه الروح. وفي الجديد: لا يغسل ولا يصلى عليه؛ لأنه إذا لم يظهر فيه علامة الحياة لا يكون له حكم الأشخاص؛ ولهذا لا يورث فيه بالإجماع (١). (وهو)؛ أي: الغسل في سقط ثم خلقه. (هو المختار): وكذا في فتاوى الظهيرية؛ لأنه في حكم النفس من وجه، وإن كان في حكم الحر من وجه، فلا اعتبار الشبهين، قلنا: بالغسل باعتبار النفوس، وتقدم الصلاة باعتبار الأجزاء (٢). وأما السقط الذي لم يتم خلقه؛ ففى غسله اختلاف المشايخ، فقيل: لا يغسل ويلف في خرقة ويدفن، وبه قال الشافعي (٣)، والمختار: أنه يغسل ولم يورث. كذا في المبسوط، والمحيط (٤). وفي فتاوى الظهيرية: ويحشر هذا السقط، عن أبي حفص الكبير: إذا نفخ فيه الروح يحشر، وإلا فلا (٥). والذي يقتضيه مذهب علمائنا: أنه يحشر إذا استبان بعض خلقه، وهو قول الشعبي، وابن سيرين. وفي الإحياء: وينبغي أن يسمى السقط، قال عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية: بلغني أن السقط وراء أبيه يوم القيامة، يقول: أنت ضيعتني، وأنت تركتني لا اسم لي، فقال عمر بن عبد العزيز: كيف ولا ندري أغلام هو أم جارية؟، فقال عبد الرحمن: من الأسماء ما يجمعهما كحمزة، وعمارة، وطلحة (٦).

стр. 1427

(وَإِذَا سُبِيَ صَبِيٌّ مَعَ أَحَدٍ أَبَوَيْهِ وَمَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا (إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِالإِسْلَامِ وَهُوَ يَعْقِلُ) لِأَنَّهُ صَحَّ إِسْلَامُهُ اسْتِحْسَانًا (أَوْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ) لِأَنَّهُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا قوله: (وهو يعقل)؛ أي: يعني صفة الإسلام، وصفته: ما ذكر في حديث جبريل ﵊: أن تؤمن بالله، الحديث. وكذا لو اشترى جارية واستوصفها صفته فلم تعلم؛ لا تكون مؤمنة. (صح إسلامه استحسانًا): وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وفي القياس: لا يصح إسلامه، وهو ظاهر مذهب الشافعي (١)؛ لما ذكر في الأصول. وفي جامع أبي اليسر: أولاد المسلمين إذا ماتوا حال صغرهم قبل أن يعقلوا؛ يكونوا في الجنة، فإن فيهم أحاديث كثيرة، وقد روي عن أبي حنيفة ﵀ التوقف فيهم، وهو مردود على الراوي؛ بأن محمدًا روى عنه في آثار أبي حنيفة: أن الذين يصلون على جنازة أولاد المسلمين وهم صغار، يقولون بعد التكبيرة الثالثة: اللهم اجعله لنا فَرَطًا، إلى آخره (٢). وأما أولاد الكفار إذا ماتوا في صغرهم قبل أن يعقلوا، اختلف فيه أهل السنة؛ عن محمد أنه قال: أعرف أن الله تعالى لا يعذب بغير ذنب (٣). وبعضهم قالوا: يكونوا خُدَّامًا لأهل الجنة من المسلمين. وبعضهم قالوا: إن كان قال يوم أخذ الميثاق: بَلَى عن اعتقاد؛ يكون في الجنة، وإن كان قال من غير اعتقاد؛ يكون في النار. وعن أبي حنيفة: التوقف فيهم، ووكل أمرهم إلى الله تعالى (٤). (خير الأبوين دينًا)؛ قال ﵊: «كل مولود يولد على

стр. 1428

(وَإِنْ لَمْ يُسْبَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ ظَهَرَتْ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ فَحُكِمَ بِالْإِسْلَامِ كَمَا فِي اللَّقِيط. (وَإِذَا مَاتَ الكَافِرُ وَلَهُ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ يُغَسْلُهُ وَيُكَفِّتُهُ وَيَدْفِنُهُ) بِذَلِكَ أُمِرَ عَلِيٌّ ﵁ فِي حَقِّ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ، لَكِنْ يُغَسَّلُ غُسْلَ الثَّوْبِ النَّجِسِ وَيُلَفُ فِي الفطرة … » (١)، الحديث، وأراد بها: الدين الذي دان يوم الميثاق، فعلم أن الدين ثبت بطريق التبعية. وقال المحبوبي: يعني في حكم الدنيا (٢). قوله: (وَإِنْ لَمْ يُسْبَ … ) إلى آخره وبه قال بعض أصحاب الشافعي تبعًا للسابي، حتى لو مات في دار الحرب بعد ما وقع في يد مسلم؛ يصلى عليه. وقال بعضهم: هو على حكم الكفر، وهو ظاهر مذهب الشافعي (٣)، وبه قال مالك (٤)، وكذا لو دخل دارنا، ولكن بعض مشايخنا جعل تبعية السابي بعد تبعية الدار. وجعل في المحيط تبعية اليد مقدمًا على تبعية الدار، وهكذا في الأصول كما في اللقيط؛ يعني: لو وجد في دار؛ يجعل تبعا لأهل تلك الدار كما يجيء (٥). قوله: (وَلَهُ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ): إنما ذكر لفظ الولي في الجامع؛ ليتناول كل قريب له من ذوي الأرحام، وذكر في الأصل: مات كافر وله ابن مسلم. (بذلك أمر علي) روي أن أبا طالب لما مات، جاء علي ﵁ إلى النبي ﵊، وقال: يا رسول الله، إن عمك الضال قد مات، فقال ﵊: «اغسله وكفنه وواره ولا تُحدِث حدثًا حتَّى تلقاني» (٦)؛ أي: لا تُصل عليه.

стр. 1429

خِرْقَةٍ وَتُحْفَرُ حُفَيْرَةٌ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ سُنَّةِ التَّكْفِينِ وَاللَّحْدِ، وَلَا يُوضَعُ فِيهَا وسأل رجل عن ابن عباس أن أختي ماتت نصرانية؛ فقال: اتبع جنازتها واغسلها، وكفنها ولا تصل عليها وادفنها. ولأن هذه مبرة في حقهم؛ كيلا يتركهم طعمة للسباع، والولد المسلم مندوب إلى بر والديه وإن كانا مشركن؛ قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت: ٨] الآية، والمراد بها: الوالدان المشركان بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨]، وبقولنا قال الشافعي (١). وقال مالك (٢)، وأحمد (٣): ليس له غسله ولا دفنه، ولكن قال مالك: له مواريثه، ولم يبين في الكتاب أن الابن المسلم إذا مات وله أب كافر؛ هل يمكن أبوه من القيام بغسله وتكفينه، وينبغي أن لا يمكن من ذلك؛ بل يفعله المسلمون؛ ألا ترى أن اليهودي لما آمن برسول الله عند موته؛ قال ﵊ لأصحابه: «لُوا أخاكُم» (٤) ولم يخل بينه وبين والده اليهودي. ويكره أن يدخل الكافر في قبر قريبه المسلم ليدفنه؛ لأن موضع الكافر موضع اللعن، والمسلم يحتاج إلى نزول الرحمة، فينزه قبره من ذلك. كذا في المحيط (٥). وذكر التمرتاشي: لو هناك من يقوم بذلك من أقاربه الكفرة؛ فالأولى أن

стр. 1430

بَلْ يُلْقَى. يدع ذلك لهم، ولكن يتبع الجنازة إن شاء، إلا إذا كان معها كفار ينبغي أن يمشي على ناحية منهم أو أمامها؛ ليكون معتزلا عنهم (١). وذكر الكشافي، والمحبوبي، وفي الكافي: إنما يغسل؛ لأنه سنة في عامة بني آدم، ولأنه حال رجوعه إلى الله تعالى يكون ذلك حجة عليه لا تطهيرا، حتى لو وقع في الماء أفسده، بخلاف المسلم إذا غسل ثم وقع في الماء؛ فإنه لا يفسده (٢). وقيل: الغسل يفسده، وكذا لو صلى وهو حامل ميت، إن كان قبل الغسل؛ لا تجوز صلاته، وبعد الغسل تجوز، بخلاف الكافر؛ فإنها مع حمله لا تجوز قبل الغسل وبعده. (بل يلقى)؛ أي: كالكلب. وفي بعض النسخ: لأن دفنه لإماطة الأذى عن طريق المسلمين. وفي النوازل: مرتد قتل على ردته؛ يدفع إلى من يدين بدينهم (٣). قال أبو يوسف: لا يدفع، بل يحفر حفيرة ويلقى فيها كالكافر، وهو المذكور في الأصل، والخلاصة (٤). مسائل تتعلق بالصلاة تكره الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة المكروهة، وبه قال أحمد (٥). وقال مالك: تكره عند الطلوع والغروب (٦). ولو صلوا في هذه الأوقات لا تعاد، وقال الشافعي: لا تكره في شيء من الأوقات (٧).

стр. 1431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو حضرت جنازة بعد غروب الشمس؛ بدئ بالمغرب. وفي جامع شمس الأئمة، والتمرتاشي: لو رأى المتيمم الماء فيها لا تفسد (١)، وبالمحاذاة لا تفسد، والقهقهة فيها لا تنقض الوضوء، والبعد عن الإمام لا يمنع الاقتداء فيها في رواية، وكذا النهر، والظاهر: أنه يمنع. ولو صلى مع صبي محمول على الدابة، أو على أيدي الناس لا تجوز؛ لأن الميت كالإمام. ولو صلى الإمام قاعدا لعذر والقوم قيامًا؛ جاز عندهما، خلافًا لمحمد وقد مر. ولو اجتمعت جنائز؛ يخير الإمام، إن شاء صلى على كل واحد على حده، وإن شاء صلى على الكل دفعة بالنية على الجميع، ثم إن شاء وضعهن صفا واحدًا، وإن شاء وضعهن واحدًا بعد واحد، فأيهما فعل كان حسنًا. ولو كان رجلا وامرأة؛ وضع الرجل مما يلي الإمام [والنساء خلفه؛ لما روي عن عمر ﵁ فعل ذلك] (٢)، ولو كان صبي حر وعبد؛ وضع الحر مما يلي الإمام، ولو كان صبيا وامرأة؛ وضع الغلام مما يلي الإمام، فإن كان عبدًا وامرأة؛ وضع العبد مما يلي الإمام، ولو كانا حرين بالغين؛ يوضع أفضلهما أو أسنهما مما يلي الإمام، ولو كان رجل وخنثى وامرأة؛ يوضع الرجل وخلفه الخنثى وخلفه المرأة؛ كما في صلاتهم، وبهذا كله قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥). وقال الحسن البصري ﵀: يوضع الرجل مما يلي القبلة، والمرأة مما يلي

стр. 1432

فَصْل في حمل الجَنَازَةِ (وَإِذَا حَمَلُوا المَيْتَ عَلَى سَرِيرِهِ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ) بِذَلِكَ وَرَدَتِ السُّنَّةُ، الإمام، ولو انفردت النساء؛ قامت التي تؤم وسطهن. وفي المحيط: إن شاء وضع واحدًا بعد واحد مما يلي القبلة (١). وعن أبي حنيفة: لو وضع رأس الثاني أسفل من الأول؛ فحسن (٢)، ويقدم الأفضل ثم الأسن. وقيل: الحر والعبد سواء. ولو كبر على جنازة ثم أتي بأخرى، فنودي الصلاة عليها وكبر لها؛ يتم على الثانية ويستقبل الصلاة للأولى، وإن لم يكبّر للثانية؛ يتمها للأولى ويستقبل للأخرى، وإن نودي عليهما فهي للأولى. وفي الْمُجْتَبى: لو صلى على كل واحد؛ يقدم أفضلهم، وإن لم يفعل فلا بأس به، ولو صلى جملة؛ يكون الرجال مما يلي الإمام، ثم الصبيان ثم الخناثي، ثم النساء ثم الصبيات (٣). فصل في حمل الجنازة قوله: (بذلك وردت السنة)؛ وهي ما روي عن ابن مسعود أنه قال: من السنة أن تحمل الجنازة من جوانبها الأربعة (٤). ولأن عمل الناس اشتهر بهذه الصفة، وهو أيسر على الحاملين، وأبعد عن تشبيه الأَثْقَالِ، وقد أمرنا بذلك؛ ولهذا كره حملها على الظهر، أو على الدابة. كذا في المبسوط (٥).

стр. 1433

وَفِيهِ تَكْثِيرُ الجَمَاعَةِ وَزِيَادَةُ الإِكْرَامِ وَالصِّيَانَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يَحْمِلَهَا رَجُلَانِ: يَضَعُهَا السَّابِقُ عَلَى أَصْلِ عُنُقِهِ، وَالثَّانِي عَلَى أَعْلَى صَدْرِهِ، لِأَنَّ جِنَازَةَ (والصيانة)؛ أي: عن السقوط. قوله: (وقال الشافعي … ) إلى آخره في الحلية: الحمل بين العمودين أفضل. وقال أحمد: التربيع أفضل (١). وقال النخعي: يكره الحمل بين العمودين، وهو قول أبي حنيفة (٢). وعندنا: الجمع بين التربيع والحمل بين العمودين أفضل؛ وهو أن يحمل في المقدمة واحد، وفي المؤخرة اثنان (٣). وفي شرح الوجيز: نقل في كيفية الحمل طريقان: أحدهما: بين العمودين؛ لحديث سعد بن معاذ؛ وصورته: أن يتقدم الرجل فيضع الخشبتين الشاخصتين وهما العودان على عاتقيه، والخشبة المعترضة بينهما على كتفه، ويحمل مؤخرة الجنازة رجلان: أحدهما من الجانب الأيمن، والثاني من الأيسر، ولا يتوسط الخشبتين المؤخرتين واحد؛ فإنه لا يدري موضع قدميه، فإن لم يستقبل المقدم أعانه رجلان خارج العمودين، يضع كل واحد منهما على عاتقه، فتكون الجنازة محمولة على خمسة. والكيفية الثانية: التربيع أفضل؛ كما روى ابن مسعود (٤)، وهو مذهب أبي حنيفة (٥)، وأحمد ولكل واحد من الكيفيتين جائز؛ لكن المشهور من المذهب أن الحمل بين العمودين أفضل، وبه قال بعض أصحابنا، وعن مالك: أنهما سواء (٦).

стр. 1434

سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ هَكَذَا حُمِلَتْ قُلْنَا: كَانَ ذَلِكَ لِازْدِحَامِ المَلَائِكَةِ. نهي (وَيَمْشُونَ بِهِ مُسْرِعِينَ دُونَ الخَبَبِ) لِأَنَّهُ ﵊ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ (كان ذلك)؛ أي: حمل جنازة سعد بن معاذ. (لازدحام الملائكة)؛ حتى روي أنه ﵊ يمشي على رؤوس أصابعه وصدور قدميه؛ لازدحامهم، أو لضيق الطريق، أو لقلة الحاملين، فحينئذ لا بأس بأن يحملها رجلان، مع أن البيهقي (١) ضعف حديث سعد. قال النواوي: ليس في الحمل بين العمودين نص ثابت عن رسول الله ﷺ (٢). ولأنه ﵊ متى دخل في جنازة بين العمودين؛ فيأمن من سقوط الميت؛ لأن لكل نبي قوة أربعين رجلا، ولنبينا قوة أربعين نبيا. وكراهة الحمل بين العمودين؛ لما فيه من تعريض الميت للسقوط، فكان صون الميت عن السقوط أولى من اكتساب زيادة المشقة لزيادة الثواب، وهو الجواب عما قال الشافعي: إن الحمل عبادة، وما قلنا: أشق على البدن فكان أفضل؛ لأن ما قلنا راجع إلى أصل العبادة، وما قاله راجع إلى وصف العبادة، فكانت الصيانة أولى من اكتساب زيادة المشقة. كذا ذكره شيخ الإسلام، والمحبوبي (٣). قوله: (دُونَ الْخَبَبِ): الخبب: أول عَدْوِ الفرس. وفي المغرب: الخبب: ضَرْبٌ من العَدْو دون العنف، والعنف: خطو فسيح واسع، وبتصغيره سمي خُبيب بن عدي صحابي (٤). ثم الإسراع مستحب عندنا وعند الشافعي (٥). في المغني: لا خلاف بين الأئمة في استحباب الإسراع (٦). وقال بعض

стр. 1435

قَالَ: «مَا دُونَ الخَبَبِ» … ... … ... … ... … ... … ... الحنابلة: يَخُبُّ ويرمل. وعن النخعي: بَطَّئُوا بها ولا تَدِبُّوا دبيب اليهود والنصارى. وللعامة: قوله ﵊: «عَجِّلوا موتاكم فإن كان خيرا … » (١) الحديث، وعن أبي هريرة لما حضره الموت قال: أسرعوا بي إلى قبري؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ أنه قال: «إنَّ العبد الصالح إذا وُضِعَ عَلى السرير يقولُ: قدموني قَدِّمُونِي، وَإِذا وُضِعَ العبدُ السُّوء يقولُ: يَا ويلي أَينَ تَذْهَبُوا بِي» (٢). عن ابن مسعود: سألنا نبينا عن المشي بالجنازة؛ فقال: «ما دون الخبب». رواه الترمذي، وأبو داود (٣)، ولأن فيه ازدراء بالميت وإضرار لمن يتبعه. ثم المشي خلف الجنازة أفضل عندنا، والمشي أمامه أوسع، ويكره تقديم الكل عليها، ولو كان كلهم خلفها فلا بأس به. وقال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد في رواية (٦): المشي أمامها أفضل. وعنه في رواية: إن كان راكبًا مشى خلفها، وإن كان راجلا فقدامها. وقال الثوري: الراكب خلفها والماشي حيث شاء. احتج الشافعي: عن عمر أنه قال: رأيت النبي ﵊ وأبو بكر ﵁ يمشيان أمامها (٧). ولأن الناس شفعاء الميت، والشفيع يتقدم في العادة. ولنا: ما روي أنه ﵊ كان يمشي خلف جنازة سعد بن معاذ ﵁، وأن عليا ﵁ كان يمشي خلفها، فقيل له: إن أبا بكر وعمر يمشيان

стр. 1436

(وَإِذَا بَلَغُوا إِلَى قَبْرِهِ يُكْرَهُ أَنْ يَجْلِسُوا قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ) لِأَنَّهُ قَدْ تَقَعُ قدامها، فقال: يرحم الله أبا بكر وعمر؛ كانا سهلان يسهلان على الناس (١). معناه: أن الناس كانوا يتحرزون عن المشي أمامها، ولو اختار المشي خلفها لضاق الطريق على الناس، وعنه ﵊ أنه قال: «الجنازة متبوعة وليست بتابعة» (٢)، وعن ابن مسعود أنه قال: فضل المشي خلفها على المشي أمامها؛ كفضل المكتوبة على النافلة. وفي كتب الحديث: ذكر هذا عن علي. ولأن المشي خلفها أوعظ؛ لأنه ينظر إليها ويتفكر في حال نفسه فيتعظ، وربما يحتاج إلى التعاون، ويمكن عليه من مشى خلفها. وأما قوله: إن الناس شفعاء فيشكل بحال الصلاة؛ فإن الميت مقدم مع أن الناس شفعاء له، فكذا حالة المشي والشفيع إنما يتقدم من يشفع له للتحرز عن تعجيل من يطلب منه الشفاعة، بعقوبة من يشفع له حتى يمنعه من ذلك إذا عجل به، وذلك لا يتحقق منها. كذا في المبسوطين، والإيضاح (٣). وذكر الثعالبي: المشي أمامها واسع ما لم يتباعد عنها. وفي البرامكة: اتفق أصحابنا أنه يكره أن يتقدمها، ويقعد في مسجد الجنازة وينتظرها، وذكر في موضع آخر من الكتاب: لا يمشي يمينها ولا شمالها، ويطيل الصمت إذا اتبعها، ويكره لمشيعها رفع الصوت بالذكر والقراءة؛ لأنه فعل أهل الكتاب والتشبه بهم فيما لنا من بد مكروه. كذا ذكره التمرتاشي (٤). وفي فتاوى النواوي: لأصحاب الشافعي: هذه القراءة التي يقرأها بعض الجهلة على الجنائز، بالتمطيط الفاحش والتغني الزائد وإدخال حروف زائدة،

стр. 1437

الحَاجَةُ إِلَى التَّعَاوُنِ وَالقِيَامُ أَمْكَنُ مِنهُ. قَالَ: وَكَيْفِيَّةُ الحَمْلِ: أَنْ تَضَعَ مُقَدَّمَ ونحو ذلك مما هو مشاهد؛ منكر ظاهر، حرام بإجماع العلماء، وقد نقل الإجماع الماوردي وغير واحد، وعلى والي الأمر زجرهم وتعزيرهم واستتابتهم، ويجب الإنكار على كل مكلف يمكن إنكاره. وفي الإيضاح: لا بأس بالركوب في الجنازة، والمشي أفضل؛ لأنه أقرب إلى الخضوع وأليق بالشفاعة (١). وفي شرح الإرشاد: ويستحب السكوت في هذه الحالة، وعند قراءة القرآن وعند القتال. وعن خلف بن أيوب: أنه سئل عن مشي في هذه الحالة، ويضع يده على فيه، وأومئ بيده إلى القبور، وأمر بالاعتبار. وعن بعض الصالحين: أنه رجع من الجنازة وقرأ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. وقال أبو حنيفة (٢)، والشافعي (٣) ﵄: يكره النوح والصياح عليها، وفي منزل الميت؛ لأنه ﵊ «نهى عن الصوتين الأحمقين الفاجرين: صوت النائحة وصوت المغنية» (٤). ولا بأس بالبكاء؛ لما روي أنه ﵊ بكى على ابنه إبراهيم وقال: «العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» (٥). والنساء لا يخرجن في الجنازة، وبه قال الشافعي (٦)، وأحمد (٧).

стр. 1438

الجِنَازَةِ عَلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا عَلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ مُقَدَّمَهَا عَلَى يَسَارِكَ، ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا عَلَى يَسَارِك إِيثَارًا لِلتَّيَامُنِ، وَهَذَا فِي حَالَةِ التَّنَاوُبِ. وقال مالك: لا يكره إلا للشابة (١). لنا: حديث أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز. رواه البخاري ومسلم (٢). ولأنه ﵊ نهاهن عن ذلك وقال: «انصَرِفْنَ مأزورات غير مأجورات» (٣)، ولو كان مع الجنازة نائحة أو صائحة زجرت، فإن لم تزجر فلا بأس أن يمشي معها؛ لأن اتباع الجنائز سنة، فلا تترك ببدعة من غير. ولا يتبع الجنازة بنار؛ لما روي أنه ﵊ خرج إلى جنازة، فرأى امرأة في يدها مجمرة، فصاح وطردها حتى توارت (٤). ولأن هذا فعل أهل الكتاب. ولا ينبغي لمشيعها أن يرجع حتى يصلي عليها، ولا يرجع بعد الصلاة قبل الدفن إلا بإذن أهله؛ كيلا يتأذون. والمشي إلى القبر أفضل، ويستحب أن يقوم على القبر حتى يدفن، وإن قعد بعد وضع الجنازة؛ جاز. والقيام لأجل الجنازة بدعة عند أبي حنيفة، ومحمد. كذا في الإيضاح (٥)، وبه قال الشافعي (٦)، ومالك (٧). وقال أحمد: لا بأس به (٨). وفي الْمُجْتَبى: يكره الجلوس قبل وضعها؛ لإمكان الحاجة إلى التعاون (٩)،

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولأنه ﵊ قال لمن اتبعها: «لا تقعد حَتَّى توضع» (١)، وبه قال أحمد (٢)، وعندهما: إن شاء قام وإن شاء قعد. وفي جامع قاضي خان: ولو كان القوم في المصلى فجيء بجنازة اختلف فيه. قيل: يقومون لها إذا رأوها قبل أن توضع. وقيل: لا يقومون، وهو الصحيح، وهو شيء كان في الابتداء ثم نسخ (٣). وفي الخلاصة: لو ذهب إلى المصلى وجلس ينتظرها؛ عن محمد: أنه يكره. قال الحلواني: تأويله عند خلو الجنازة عن الرحمة، أما إذا كان في المشيعين كثرة؛ فلا بأس به. وفي الْمُجْتَبى: لا يجوز الصياح واللطم والنوح وشق الجيوب، وتخريب العمارة وتسويد الأثواب في منزل الميت (٤)؛ قال ﵊: «ليس مِنَّا مَنْ ضرب الخدود وشق الجيوب» (٥)، ولا تتبع بنار في مجمرة (٦) أو شمع، وبالكل قال الشافعي (٧). ولا بأس بِمَرْثِيَّةِ الميت شعرًا أو غيره، والتعزية للمصاب سنة. قال البقالي: لو استمع إلى باكية ليلين قلبه فلا بأس به إذا أمن الوقوع في الفتنة (٨)، والنبي ﵊ مر ببني الأشهل وهم يندبون قتلاهم يوم

стр. 1440

فصل في الدفن (وَيُحْفَرُ القَبْرُ وَيُلْحَدُ) لِقَوْلِهِ ﵊: أحد، فقال ﵊: «لكن حمزة لا بواكي له»، قالت الراوية: فأتينا بيت النبي ﵊ فندبنا حمزة ﵁ حتى سمعنا نشيجه، فأرسل إلينا: «قد أصبتُم وأحسَنتُم» (١). قوله: وكيفية الحمل: أن يضع … إلى آخره هذا لفظ الجامع الصغير، بلفظ الخطاب، خاطب أبو حنيفة به أبا يوسف، قال يعقوب: رأيت أبا حنيفة يفعل هكذا. ثم في حمل الجنازة سنتين نفس السنة، وكمالها. أما نفس السنة: هو أن يأخذها بقوائمها الأربع على طريق التعاقب؛ بأن تحمل من كل جانب عشر خطوات فقد جاء في الحديث: «من حمل جنازة أربعين خطوة كُفّرت له أربعون كبيرة» (٢)، وقد قيل نص الشافعي هكذا (٣). وأما كمال السنة: أن يبدأ الحامل فتحمل بيمين مقدمها؛ لأنه تعالى يحب التيامن في كل شيء، والمقدم أيضًا أول الجنازة، والبداية بالمشي إنما يكون من أوله، ثم يتحول إلى الأيمن المؤخر؛ كيلا يحتاج إلى المشي أمامها، وله رجحان التيامن أيضًا، فبقي جانبان الأيسر المقدم والأيسر المؤخر، فتختار تقديم أيسر المقدم؛ لأن للمقدم فضلًا على المؤخر، أو لأن الختم في الأيسر المؤخر أولى؛ ليبقى الفراغ خلف الجنازة؛ لأن المشي خلفها أفضل. إليه أشير في المبسوط، والجوامع (٤). فصل في الدفن قوله: (ويلحد): يحتمل أن يكون مجهول لحد، وألحد له؛ أي: حفر له
следующие страницы →