← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

(وَإِذَا بَلَغُوا إِلَى قَبْرِهِ يُكْرَهُ أَنْ يَجْلِسُوا قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ) لِأَنَّهُ قَدْ تَقَعُ قدامها، فقال: يرحم الله أبا بكر وعمر؛ كانا سهلان يسهلان على الناس (١). معناه: أن الناس كانوا يتحرزون عن المشي أمامها، ولو اختار المشي خلفها لضاق الطريق على الناس، وعنه ﵊ أنه قال: «الجنازة متبوعة وليست بتابعة» (٢)، وعن ابن مسعود أنه قال: فضل المشي خلفها على المشي أمامها؛ كفضل المكتوبة على النافلة. وفي كتب الحديث: ذكر هذا عن علي. ولأن المشي خلفها أوعظ؛ لأنه ينظر إليها ويتفكر في حال نفسه فيتعظ، وربما يحتاج إلى التعاون، ويمكن عليه من مشى خلفها. وأما قوله: إن الناس شفعاء فيشكل بحال الصلاة؛ فإن الميت مقدم مع أن الناس شفعاء له، فكذا حالة المشي والشفيع إنما يتقدم من يشفع له للتحرز عن تعجيل من يطلب منه الشفاعة، بعقوبة من يشفع له حتى يمنعه من ذلك إذا عجل به، وذلك لا يتحقق منها. كذا في المبسوطين، والإيضاح (٣). وذكر الثعالبي: المشي أمامها واسع ما لم يتباعد عنها. وفي البرامكة: اتفق أصحابنا أنه يكره أن يتقدمها، ويقعد في مسجد الجنازة وينتظرها، وذكر في موضع آخر من الكتاب: لا يمشي يمينها ولا شمالها، ويطيل الصمت إذا اتبعها، ويكره لمشيعها رفع الصوت بالذكر والقراءة؛ لأنه فعل أهل الكتاب والتشبه بهم فيما لنا من بد مكروه. كذا ذكره التمرتاشي (٤). وفي فتاوى النواوي: لأصحاب الشافعي: هذه القراءة التي يقرأها بعض الجهلة على الجنائز، بالتمطيط الفاحش والتغني الزائد وإدخال حروف زائدة،

стр. 1437

الحَاجَةُ إِلَى التَّعَاوُنِ وَالقِيَامُ أَمْكَنُ مِنهُ. قَالَ: وَكَيْفِيَّةُ الحَمْلِ: أَنْ تَضَعَ مُقَدَّمَ ونحو ذلك مما هو مشاهد؛ منكر ظاهر، حرام بإجماع العلماء، وقد نقل الإجماع الماوردي وغير واحد، وعلى والي الأمر زجرهم وتعزيرهم واستتابتهم، ويجب الإنكار على كل مكلف يمكن إنكاره. وفي الإيضاح: لا بأس بالركوب في الجنازة، والمشي أفضل؛ لأنه أقرب إلى الخضوع وأليق بالشفاعة (١). وفي شرح الإرشاد: ويستحب السكوت في هذه الحالة، وعند قراءة القرآن وعند القتال. وعن خلف بن أيوب: أنه سئل عن مشي في هذه الحالة، ويضع يده على فيه، وأومئ بيده إلى القبور، وأمر بالاعتبار. وعن بعض الصالحين: أنه رجع من الجنازة وقرأ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. وقال أبو حنيفة (٢)، والشافعي (٣) ﵄: يكره النوح والصياح عليها، وفي منزل الميت؛ لأنه ﵊ «نهى عن الصوتين الأحمقين الفاجرين: صوت النائحة وصوت المغنية» (٤). ولا بأس بالبكاء؛ لما روي أنه ﵊ بكى على ابنه إبراهيم وقال: «العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» (٥). والنساء لا يخرجن في الجنازة، وبه قال الشافعي (٦)، وأحمد (٧).

стр. 1438

الجِنَازَةِ عَلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا عَلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ مُقَدَّمَهَا عَلَى يَسَارِكَ، ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا عَلَى يَسَارِك إِيثَارًا لِلتَّيَامُنِ، وَهَذَا فِي حَالَةِ التَّنَاوُبِ. وقال مالك: لا يكره إلا للشابة (١). لنا: حديث أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز. رواه البخاري ومسلم (٢). ولأنه ﵊ نهاهن عن ذلك وقال: «انصَرِفْنَ مأزورات غير مأجورات» (٣)، ولو كان مع الجنازة نائحة أو صائحة زجرت، فإن لم تزجر فلا بأس أن يمشي معها؛ لأن اتباع الجنائز سنة، فلا تترك ببدعة من غير. ولا يتبع الجنازة بنار؛ لما روي أنه ﵊ خرج إلى جنازة، فرأى امرأة في يدها مجمرة، فصاح وطردها حتى توارت (٤). ولأن هذا فعل أهل الكتاب. ولا ينبغي لمشيعها أن يرجع حتى يصلي عليها، ولا يرجع بعد الصلاة قبل الدفن إلا بإذن أهله؛ كيلا يتأذون. والمشي إلى القبر أفضل، ويستحب أن يقوم على القبر حتى يدفن، وإن قعد بعد وضع الجنازة؛ جاز. والقيام لأجل الجنازة بدعة عند أبي حنيفة، ومحمد. كذا في الإيضاح (٥)، وبه قال الشافعي (٦)، ومالك (٧). وقال أحمد: لا بأس به (٨). وفي الْمُجْتَبى: يكره الجلوس قبل وضعها؛ لإمكان الحاجة إلى التعاون (٩)،

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولأنه ﵊ قال لمن اتبعها: «لا تقعد حَتَّى توضع» (١)، وبه قال أحمد (٢)، وعندهما: إن شاء قام وإن شاء قعد. وفي جامع قاضي خان: ولو كان القوم في المصلى فجيء بجنازة اختلف فيه. قيل: يقومون لها إذا رأوها قبل أن توضع. وقيل: لا يقومون، وهو الصحيح، وهو شيء كان في الابتداء ثم نسخ (٣). وفي الخلاصة: لو ذهب إلى المصلى وجلس ينتظرها؛ عن محمد: أنه يكره. قال الحلواني: تأويله عند خلو الجنازة عن الرحمة، أما إذا كان في المشيعين كثرة؛ فلا بأس به. وفي الْمُجْتَبى: لا يجوز الصياح واللطم والنوح وشق الجيوب، وتخريب العمارة وتسويد الأثواب في منزل الميت (٤)؛ قال ﵊: «ليس مِنَّا مَنْ ضرب الخدود وشق الجيوب» (٥)، ولا تتبع بنار في مجمرة (٦) أو شمع، وبالكل قال الشافعي (٧). ولا بأس بِمَرْثِيَّةِ الميت شعرًا أو غيره، والتعزية للمصاب سنة. قال البقالي: لو استمع إلى باكية ليلين قلبه فلا بأس به إذا أمن الوقوع في الفتنة (٨)، والنبي ﵊ مر ببني الأشهل وهم يندبون قتلاهم يوم

стр. 1440

فصل في الدفن (وَيُحْفَرُ القَبْرُ وَيُلْحَدُ) لِقَوْلِهِ ﵊: أحد، فقال ﵊: «لكن حمزة لا بواكي له»، قالت الراوية: فأتينا بيت النبي ﵊ فندبنا حمزة ﵁ حتى سمعنا نشيجه، فأرسل إلينا: «قد أصبتُم وأحسَنتُم» (١). قوله: وكيفية الحمل: أن يضع … إلى آخره هذا لفظ الجامع الصغير، بلفظ الخطاب، خاطب أبو حنيفة به أبا يوسف، قال يعقوب: رأيت أبا حنيفة يفعل هكذا. ثم في حمل الجنازة سنتين نفس السنة، وكمالها. أما نفس السنة: هو أن يأخذها بقوائمها الأربع على طريق التعاقب؛ بأن تحمل من كل جانب عشر خطوات فقد جاء في الحديث: «من حمل جنازة أربعين خطوة كُفّرت له أربعون كبيرة» (٢)، وقد قيل نص الشافعي هكذا (٣). وأما كمال السنة: أن يبدأ الحامل فتحمل بيمين مقدمها؛ لأنه تعالى يحب التيامن في كل شيء، والمقدم أيضًا أول الجنازة، والبداية بالمشي إنما يكون من أوله، ثم يتحول إلى الأيمن المؤخر؛ كيلا يحتاج إلى المشي أمامها، وله رجحان التيامن أيضًا، فبقي جانبان الأيسر المقدم والأيسر المؤخر، فتختار تقديم أيسر المقدم؛ لأن للمقدم فضلًا على المؤخر، أو لأن الختم في الأيسر المؤخر أولى؛ ليبقى الفراغ خلف الجنازة؛ لأن المشي خلفها أفضل. إليه أشير في المبسوط، والجوامع (٤). فصل في الدفن قوله: (ويلحد): يحتمل أن يكون مجهول لحد، وألحد له؛ أي: حفر له

стр. 1441

«اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» (وَيُدْخَلُ المَيْتُ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، … ... . لحدا، وألحد الميت؛ جعله في اللحد، واللحد هو: الشق المائل من جانب القبر. كذا في المغرب (١). وقال الشافعي: يشق ويلحد؛ لتوارث أهل المدينة (٢). ولنا: قوله ﵇: «اللّحد لنا والشَّقُّ لغيرنا» (٣)، ولأنه فعل اليهود، والتشبه بهم مكروه، وكان بالمدينة حفاران: أحدهما يلحد، وهو أبو عبيدة الجراح، والآخر يشق، وهو أبو طلحة الأنصاري، فلما قبض النبي ﵇ بعثوا إلى طلب الحفار، فقال العباس: اللهم خير لنبيك، فوجد الذي يلحد. وأما فعل أهل المدينة بالبقيع؛ لضعف أراضيهم، ولهذا اختار المشايخ في بخارى الشق؛ لضعف أراضيهم. وصفة الشق: أن يحفر حفرة كالنهر في وسط القبر، ويبني جانباه باللبن أو غيره، ويوضع الميت فيه ويسقف. كذا في المبسوط، والإيضاح، والمحيط (٤). ولكن ذكر في عامة كتب الشافعي: أن اللحد أولى من الشق (٥). والشق جائز؛ لقوله ﵇: «اللحدُ لَنا والشقُّ لغيرنا» (٦)، ولما روينا من حديث حافر قبر النبي ﵇. ولو كانت الأرض رخوة؛ فالشق، فحينئذ لا يبقي الخلاف إلا في كراهية الشق، واللحد أفضل من الشق عند الأئمة الأربعة (٧). واختلف في عمق القبر:

стр. 1442

فَإِنَّ عِنْدَهُ يُسَلُّ سَلًّا لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ سُلَّ سَلًّا». وَلَنَا: أَنَّ قيل: قدر نصف قامة الرجل وسط القامة. وقيل: إلى صدره. وقال الشافعي: قدر قامته (١). وقال بعض المالكية: قدر الذراع (٢)، وقال مالك: ليس بمحدود ولكن الوسط. وقال أحمد: يحفر إلى الصدر للرجل والمرأة (٣). قوله: (فإن عنده)؛ أي: عند الشافعي (٤)، وبه قال أحمد (٥)، ومالك: خير في ذلك (٦)، وهو قول الظاهرية (٧)، وعن أحمد: لا بأس بذلك كله. وتفسير السل لغة: النزع والحذف، يقال سل سيفه من غمده؛ أي: نزعه، ومنه سل النبي ﵇؛ لأنه ﵇ نزع من الجنازة من عند رأسه. وصورة السلّ: أن توضع الجنازة عند آخر القبر، بحيث تكون رأس الميت عند رجل القبر؛ لما روى أنه ﵇ سُلَّ في قبره، ولأنه في حياته لو دخل بيته يبدأ برجله، فكذا القبر بيته بعد الموت، فيبدأ بالرجل. وهذا التعليل لما ذكر الحلواني من صورة؛ وهي: أن توضع الجنازة في مقدم القبر، حتى يكونا رجلا الميت بإزاء موضع رأسه من القبر، ولكن ما وجدت تفسير السلّ هكذا في كتبهم، فلا يستقيم هذا التعليل على ما فسروه. ولنا: ما روى إبراهيم التيمي، أنه ﵇ أدخل في قبره من جهة القبلة (٨)، وهكذا روى عن ابن عباس أنه ﵇ دخل قبره من قبل القبلة (٩).

стр. 1443

جَانِبَ القِبْلَةِ مُعَظَّمٌ فَيُسْتَحَبُّ الإِدْخَالُ مِنهُ، وَاضْطَرَبَت الرِّوَايَاتُ فِي إِدْخَالِ النَّبِيِّ ﵊ (فَإِذَا وُضِعَ فِي لَحْدِهِ يَقُولُ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رواه الطحاوي، والترمذي (١)، وقال: حديث حسن. فإن صح هذا؛ يصح المذهب، وإن صح ما روى؛ فقيل: إنما كان ذلك لأجل الضرورة؛ لأنه ﵇ مات في حجرة عائشة ﵂ من قبل الحائط، وكانت السنة في دفن الأنبياء ﵈ أن يدفنوا في الموضع الذي قبضوا فيه، فلم يتمكنوا من وضع السرير قبل القبلة لأجل الحائط، فلهذا سُلَّ إلى قبره. ولا يدخل الميت من جانب القبلة؛ لما روى ابن عباس، وابن عمر أن الميت يدخل من قبل القبلة. ولأنه أشرف جهات القبر، ولهذا تختار في الجلوس في الحياة استقبال القبلة، كما ورد في الخبر، فكذا يختار بعد الوفاة من قبلها. كذا في المبسوط (٢). وفي الإيضاح: روي عن علي ﵁ أنه قال: شهد النبي ﵇ على جنازة رجل، وقال: «يا علي، استقبل به القبلة استقبالاً، وقولوا جميعًا: بِسْمِ اللَّهِ وعلى مِلَّةِ رسولِ اللَّهِ، وضَعوه بجنبه، ولا تكبّوه بوجهه، ولا تُلقوه بظهره» (٣). (واضطربت الروايات في إدخال النبي ﵇ كما ذكرنا، فتعارضت الروايات، وقد صح أنه ﵇ قال لعلي: «استقبل به القبلة». فكذا في مبسوط شيخ الإسلام (٤). (ويقول واضعه: بسم الله) وفي المبسوط: أي: بسم الله وضعناك، وعلى

стр. 1444

رَسُولُ اللَّهِ) كَذَا قَالَهُ ﵊ حِينَ وَضَعَ أَبَا دُجَانَةَ ﵁ فِي القَبْرِ (وَيُوَجَّهُ إِلَى القِبْلَةِ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَتُحَلُّ العُقْدَةُ) لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنَ الانْتِشَارِ (وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ) لِأَنَّهُ ﵊ جُعِلَ عَلَى قَبْرِهِ ملة رسول الله سلمناك (١). (وضع أبا دجانة): والصحيح: أنه ﵇ وضع ذا النجادين؛ لأن أبا دجانة مات بعد رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر ﵁. كذا وجد بخط شيخ شيخي، وهكذا ذكر في التواريخ (٢). (بذلك أمر رسول الله ﷺ : روي عن علي أنه قال: مات رجل من ولد عبد المطلب، فقال ﵇: «يا عَلِيُّ اسْتقبله … » الحديث، كما روينا. كذا في المحيط، وشرح الأقطع (٣). ثم لا بأس أن يدخل الميت في قبره وترا ويشفع عندنا. وعند الشافعي: يستحب الوتر، فإن تعذر فواحد، وإلا فثلاثة؛ لما روي أن الذين دخلوا قبر النبي ﵇ ثلاثة: علي، والعباس، واختلف في الثالث؛ قيل: الفضل بن عباس، والصحيح: أسامة بن زيد. كذا في تتمتهم (٤). ولأنه ﵇ قال: «إن الله تعالى وتر يحبُّ الوتر» (٥). ولنا: ما روى أنه ﵇ لما أدخل في قبره أدخله العباس، والفضل ابن العباس، وعلي، وصهيب واختلف في الرابع؛ قيل: المغيرة بن شعبة، وقيل: أبو رافع. وذكر البيهقي: شقران مولى رسول الله ﷺ لقبه صالح، وقيل: قثم. وفي العارضة: دخل قبره علي والفضل أبناء عمه، وعبد الرحمن بن عوف خاله وصاحبه، وأسامة مولاه.

стр. 1445

اللَّبِنُ (وَيُسَجَّى قَبْرُ المَرْأَةِ بِثَوْبِ حَتَّى يُجْعَلَ اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، وَلَا يُسَجِّى قَبْرُ الرَّجُلِ) لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ وَمَبْنَى حَالِ الرِّجَالِ عَلَى الإِنْكِشَافِ ولأن المقصود وضع الميت فيه، وأنه يحصل بالشفع، فلا حاجة إلى الزائد. كذا في المبسوطين، وفي شرح المجمع (١). قيل: الرابع: صالح مولى رسول الله ﷺ . قوله: (وَلَا يُسَجَّى قَبْرُ الرَّجُلِ): وبه قال أحمد (٢)، ومالك (٣)، وأبو الفضل من أصحاب الشافعي. وقال الشافعي: يستر قبر الرجل أيضًا؛ لأنه ﵇ سجى قبر سعد بن معاذ، ولأنه يحتاج إلى حل الأكفان وتسوية اللبن، فربما ينكشف منه شيء، فيستحب أن يستر (٤). ولنا: ما روي عن علي ﵁ أنه مرَّ بقبر رجل سُجِّي، فنزعه وقال: إنه رجل. ولأن مبنى حاله على الانكشاف، والتسجية للستر، وذلك يليق بالنسوان، إلا لضرورة؛ وهي الحر الشديد، أو المطر أو الثلج على الداخلين في القبر. وتأويل حديث سعد: أنه إنما سجي؛ لأن كفنه لا يستر بدنه، فسجي حتى لا يقع الاطلاع لأحد على شيء من أعضائه، بخلاف المرأة؛ لأنها عورة، فربما يبدو شيء من عورتها، ولهذا اختصت بالنعش على جنازتها. وقد صح أن قبر فاطمة ﵂ سجي بثوب، ونعش على جنازتها، وأوصت قبل موتها أن تستر جنازتها، واتخذوا لها نعشًا من جريد النخل، فبقي سُنَّة في حق النساء، ولهذا استحسن مشايخنا اتخاذ التابوت للنساء للتستر، والتحرز عن مسها عند الوضع في القبر. كذا في المحيط (٥).

стр. 1446

(وَيُكْرَهُ الْآجُرُّ وَالخَشَبُ) لِأَنَّهُمَا لِإِحْكَامِ البِنَاءِ وَالقَبْرُ مَوْضِعُ البِلَى، ثُمَّ بِالْآجُرٌ ويكره الآجر والخشب: هذا ظاهر الرواية. وفرق بعض المشايخ بينهما؛ وقال: كراهة الآجر لما فيه من مس النار، فلا يتفائل به، وهذا لم يوجد في حق الخشب فلا يكره. ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن مساس النار لا يصلح علة للكراهة؛ فإن السنة أن يغسل الميت بالماء الحار، وبه مساس النار. وقيل في جوابه: مست الحاجة فيه لزيادة النظافة، ولهذا يستحب الإجمار بالنار عند مساس الحاجة إلى دفع الراوئح الكريهة، أو المكروه إدخال ما مسته النار في القبر؛ إذ القبر محل العذاب بالنار، وأول منزل من منازل الآخرة، ولهذا يكره الإجمار بالنار عند القبر، وإتباع الجنازة بها، ويستحب غسله. وقال السرخسي: التعليل بإحكام البناء أوجه؛ لأنه جمع في كتاب الصلاة بين الآجر ورفوف الخشب؛ أي: ألواحه، ولا يوجد معنى النار فيها (١). قال التمرتاشي: هذا إذا كان حول الميت، فإن كان فوقه لا يكره؛ لأنه يكون عصمة من السبع، وهذا كما اعتادوا التسنيم باللبن صيانة عن النبش، ورأوا ذلك حسنا (٢). وقال مشايخ بخار: لا يكره الآجر في بلدتنا؛ لضعف الأراضي، حتى قال الفضلي: ولو اتخذوا تابوتا من حديد؛ لم أر به بأسًا في هذه الديار، ولكن ينبغي أن يوضع مما يلي الميت من اللبن. كذا في المحيط (٣). وفي الْمُجْتَبى: قال مشايخ خوارزم فعلى هذا لا بأس به أيضًا في ديارنا؛ لأنها أرض رخوة (٤). وفي جامع الكُشَانِي: ولو تعذر اللحد لا بأس بالتابوت؛ لكن السنة أن

стр. 1447

يَكُونُ أَثَرُ النَّارِ فَيُكْرَهُ تَفَاؤُلًا (وَلَا بَأْسَ بِالقَصَبِ) يفترش فيه التراب (١)، وأن يجعل من يمين الميت ويساره لبنا خفيفًا، واللبن الخفيف: أن يطين الطبقة العليا مما يلي، فيصير كاللحد. ورخص إسماعيل الزاهد الآجر خلف اللحد، وأوصى به (٢)، وإن أهيل عليه التراب لا بأس بالآجر والحجر، وكذا على القبر إذا احتيج إلى الكتابة. وفي جامع قاضي خان: ولا بأس بكتابة شيء، أو بوضع الأحجار على القبر ليكون علامة (٣). وفي الإيضاح، والتحفة: ولا يُطين ولا يجصص القبر (٤). وكره أبو حنيفة البناء عليه، وأن يُعلّم بعلامة (٥). وكره أبو يوسف أن يكتب عليه كتابًا (٦)؛ لما روي أنه ﵇ قال: «لا تُجَصَّصوا القبور، ولا تبنوا عليها، ولا تقعدوا عليها، ولا تكتبوا» (٧)، وبه قال الشافعي (٨)، ومالك (٩)، وأحمد (١٠). ويكره أن يزاد على تراب القبر الذي خرج منه؛ لأن الزيادة عليه بمنزلة البناء، وبكل ذلك قال الشافعي (١١)، ولكن يستحب أن يوضع عند رأسه صخرة أو خشبة ونحوها؛ لما روي أنه ﵇ وضع على قبر عثمان بن مظعون.

стр. 1448

وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَيُسْتَحَبُّ اللَّبِنُ وَالقَصَبُ، لِأَنَّهُ ﵊ جُعِلَ عَلَى قَبْرِهِ طُنُّ مِنْ قَصَبٍ وكذا يستحب رش الماء على القبر بالإجماع؛ لأن بلالا رش قبر النبي ﷺ . ولو وضع عليه حجر، أو كتب عليه؛ لا بأس به عند البعض، وكذا التطيين والتابوت الصغير. وفي الفتاوى: اليوم اعتادوا البناء على رأس القبور. كذا في الخلاصة (١). قوله: (وفي الجامع الصغير): وإنما صرح بلفظ الجامع؛ لما أن التفاوت بين الروايتين من وجهين: أحدهما: أن رواية القدوري لا تدل على إباحة الجمع بينهما، ورواية الجامع تدل. والثاني: أن روايته تدل على نفي الشدة، ولا يدل على الاستحباب، ورواية الجامع تصريح به. الطن بالضم؛ الحزمة من القصب، وبالفارسية: سدو هال التراب صبه. وفي المجتبي: اختلف في المنسوج من القصب، وما ينسج من البردي؛ يكره في قولهم؛ لأنه للتزيين (٢). ويكره المضربة وغيرهم في القبر، وبه قال أكثر أهل العلم. وحكي نص الشافعي على ذلك (٣)، وقال في المهذب: لا بأس به؛ لما روي عن ابن عباس أنه جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء (٤)، وهو قول أهل الحجاز. وفي فتاوى الظهيرية: وبما روي عن عائشة ﵂ غير مشهور، فلا يؤخذ به (٥).

стр. 1449

(ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ وَيُسَنَّمُ القَبْرُ وَلَا يُسَطَّحُ) أَيْ: لَا يُرَبَّعُ قال الترمذي: قال شقران: أنا طرحت القطيفة تحته (١)، ولم يكن ذلك عن اتفاق؛ بل إنما جعلت تحته؛ لأن المدينة سبخة. وفي العارضة: روي أن علياً والعباس تنازعا في القطيفة، فبسطها شقران تحته؛ لينقطع التنازع في الميراث، فقال شقران: والله لا يفترشها بعده ﵇ أحد. (ثم يهال التراب): كذا التوارث؛ لكن لا يزاد على القبر أكثر من ترابه؛ لما ذكرنا، وبه قال الشافعي (٢). وكذا لا ينقل تراب قبر إلى قبر آخر، وعن محمد: لا بأس بأن يزاد على تراب القبر (٣). وفي شرح الوجيز (٤): وروي أنه ﵇ حثى على قبر ثلاث حثيات (٥)، وهو المستحب لكل أحد. وفي التتمة: ويستحب أن يقول مع الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، ومع الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (٦). (أي: لا يربع): وبه قال مالك (٧)، وأحمد (٨)، وعلي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي، وأكثر أصحابه، واختاره في الوجيز (٩)، وظاهر مذهب الشافعي: التسطيح لا التسنيم (١٠).

стр. 1450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . روى المزني: أنه ﵇ سطح قبر ابنه إبراهيم (١). وقد روي عن القاسم بن محمد (٢) أنه قال: رأيت قبر النبي ﵇، وقبر أبي بكر وعمر ﵄ مسطحة، إلا أن ابن أبي هريرة اختار التسنيم؛ لأن التسطيح صار شعار الروافض. وفي المصفى: من جانب الشافعي أن القبر مسكنه بعد الوفاة، فيعتبر بمسكنه المشروع في حياته، وذاك مربع، وفيه تأمل. ولنا: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن جبريل صلى بالملائكة على آدم ﵇ وسنم قبره (٣). وعن إبراهيم النخعي أنه قال: أخبرني من رأى قبر النبي، وأبي بكر، وعمر ﵄ عليها فلق من مدر بيض (٤). والفلق: القطعة. وروى البخاري في صحيحه (٥) عن سُفْيَانَ التَّمَّارِ، أنه رأى قبر النبي ﵇ مُسَنَّما. وعن محمد بن الحنفية: أنه جعل قبر ابن عباس مُسَنَّمًا، وقبور شهداء أحد مُسَنَّما. ولأن تربيعه يشبه تصنيع أهل الكتاب، والتشبه فيما لنا منه بديل مكروه. وتأويل حديث إبراهيم أنه ﵇ سطح قبره أولا ثم سنم. كذا في المبسوط، والمحيط (٦).

стр. 1451

لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ القُبُورِ وَمَنْ شَاهَدَ قَبْرَهُ ﵊ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُسَنَّمٌ. قال النواوي من الشافعية: حديث إبراهيم إسناده ضعيف مرسل (١). ولأنه ﵇ نهى عن تربيع القبور. وتسنيم القبر: ارتفاعه من الأرض قدر شبر أو أكثر. كذا في المحيط (٢). مسائل تتعلق بهذا الباب وينبغي أن لا يصلي على ميت بين المقابر؛ لأن عليا وابن عباس ﵄ يكرهان ذلك، ولو صلى جاز؛ لأن أبا هريرة صلى على عائشة وأم سلمة بين مقابر البقيع، وفيهم ابن عمر، وكذا يكره أن يصلي عند القبر لنهيه عن ذلك. المسلم يدفن في مقابر المسلمين والكافر يدفن في مقابر الكفرة، ولو اختلطوا يعتبر الغالب، ولو استووا لا يُغسلون ولا يصلون، وعند الشافعي يتحرى، وقد مر. ولا رواية في الدفن والأصح: أنهم يدفنون في مقابر على حدة. ولو ماتت نصرانية وهي حبلى من مسلم ومات في بطنها؛ تدفن في مقابر المسلمين لأجل الولد. وقيل: في مقابر الكفرة. وعن بعض أصحابه: يجعل ظهرها نحو القبلة. ونبش القبر منهي لحق الله تعالى ونبش لحق آدمي كما إذا سقط فيه متاعه، أو كُفّن بثوب مغصوب أو دفن في أرض الغير، أو دفن معه مال إحياء لحق العبد المحتاج، وقد أباح النبي ﵇ نبش قبر أبي رغال لعصا من ذهب معه، ولو بلغ خطم الجيحون إلى المقابر لا يجوز النبش، والدفن في موضع آخر. ولو ماتت امرأة وفي بطنها ولد حي؛ شق بطنها ويخرج، وبه أفتى أبو

стр. 1452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حنيفة في زمانه فخرج وعاش، وسموه حي أبي حنيفة (١). ولو علم بعد الدفن؛ نبش ويشق بطنها ويخرج، وبه قال ابن سريج من أصحاب الشافعي؛ لأن فيه إحياء النفس. وقال بعض أصحابه: لا تشق (٢)، ولكن القابلة تمس بطنها فربما يخرج الولد؛ لأن وجوده في البطن غير محقق، فلا يجوز هتك حرمتها لأجله، ولأن ذلك الولد لا يعيش غالبًا. وقال أحمد: يعطله القوابل فإن خرج، وإلا ترك حتى يموت ثم يدفن (٣). ولو ابتلع جوهرة لغيره؛ ففي شق البطن وجهان: أحدهما: يشق. والثاني: لا يشق كمذهبنا. كذا في تتمتهم (٤). وفي الحلية: لو ابتلع جوهرة لنفسه ثم مات؛ يشق بطنه في أحد الوجهين (٥)، ولكن يتؤخذ قيمتها من تركته. وفي الإيضاح: لا يدفن في قبر أكثر من واحد؛ لأن العادة جرت بذلك إلا للضرورة، فإن احتاجوا إلى ذلك قدم في اللحد أفضلهما، وجعل بينهما حاجزا من التراب (٦)، وبه قال الشافعي (٧)؛ لأنه ﵇ أمر بدفن قتلى أحد في قبر رجلان أو ثلاثة، وقال: «قَدِّموا أكثرَهُم قُرآنًا» (٨). ولو كان رجل وامرأة؛ قدم الرجل مما يلي القبلة، والصبي خلفه، والخنثى

стр. 1453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خلفه، ثم المرأة. ولو وضع في القبر لغير القبلة أو على يساره، فإن كان قبل أن يهال التراب أزالوا اللبن وسووا، وإن أهيل التراب ترك كذلك. وفي الخلاصة: يدفن المسلم ذا رحم محرم معه كافرا، والكافر لا يدفن ذا رحم المحرم منه مسلما، ويدخل في قبر المرأة ذو رحم محرم منها، فإن لم يكن؛ فأهل الصلاح من جيرانها، فالمشايخ، ثم الشباب الصلحاء، ولا يحضر النساء (١)، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)، والشافعي (٤). وفي السير الكبير: أحب أن يدفن الميت والقتيل في مقابر أولئك القوم (٥)، وبه قال الشافعي (٦). ولا بأس بنقله ميلا أو ميلين أو نحو ذلك؛ لما روي أن جابرا ﵁ قال: حملت أبي وخالي لأدفنهم في المدينة، فسمعت منادي النبي ﷺ : «ادفنوا القتلى في مضاجعهم» (٧) فرددتهما ودفنتهما. وقال محمد: دفنهم في مضاجعهم أحسن، وليس بواجب، وأمر النبي ﷺ لدفع المشقة مع ما أصابهم من القرح (٨). وفي فتاوى قاضي خان: ولو مات في غير بلده يستحب تركه، فإن نقل إلى مصر آخر لا بأس به (٩).

стр. 1454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الشافعي: لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فحينئذ اختار النقل لفضل الدين فيها (١). قال النواوي: والأصح: حرمة نقله (٢). لنا: ما روى أن يعقوب ﵇ مات بمصر، نقل إلى الشام، وموسى ﵇ نقل تابوت يوسف من حبشة إلى الشام بعد زمان، ومات سعد بن أبي وقاص في ضيعته على أربعة فراسخ من المدينة، ونقل على أعناق الرجال إلى المدينة. وبعد ما دفن، لا يسع إخراجه إلا بعذر، والعذر ما قلنا، ولم ير أحمد بأسا بأن يحول من قبره إلى قبر آخر، وخالف الجماعة في ذلك. وقال الإمام السرخسي: قول محمد في الكتاب: لا بأس بقدر ميل أو ميلين؛ دليل أن النقل من بلد إلى بلد آخر مكروه (٣)، ولا يدفن في الدار وإن كان صبيا. وفي الخلاصة: لو مات في غير بلده وصلي عليه، ثم جاء أهله فحملوه إلى منزله؛ إن كانت الصلاة بغير إذن السلطان أو القاضي؛ تعاد، وإلا لا، ولو كان الإمام على غيره طهارة تعاد (٤). والسؤال في القبر، فإن مات وإن لم يدفن أيامًا، بأن جعل في تابوت ليحمل من مصر إلى مصر، فما لم يدفن لا يسأل، والسؤال لكل ذي روح حتى أن الرضيع ليسأل، ويلقنه الملك ويلهمه الله تعالى. وفي فتاوى الظهيرية واعلم بأن السؤال في القبر حق ثبت ذلك بالمشاهير من الأحاديث.

стр. 1455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهل للأنبياء ﵈ سؤال في القبر؟. قال الإمام الزاهد الصفار: ليس في هذا نص ولا خبر (١)، ودليل نفي ذلك عنهم واضح، وما روي في الخبر أنه ﵇ استعاذ من عذاب القبر؛ فذلك للمبالغة في إظهار الافتقار إلى الله تعالى. وأما حكم الأطفال في السؤال: روى الضحاك عن ابن عباس أنهم يسألون عن الميثاق الأول. وأما جواب الأطفال عن ذلك: فعلى قياس قول أبي حنيفة يتوقف في جوابهم؛ لأنه توقف في أمر الأطفال، فكذا توقف في أمر جوابهم. أما على مذهب من قال: إنهم خدم أهل الجنة، فكان جوابهم على الصواب على ما كان في الميثاق الأول. والسؤال في القبر لا يختص بهذه الأمة في قول عامة العلماء، وقال الشيخ الحكيم الترمذي: يختص بهذه الأمة. كذا ذكر في مجموع الشيخ الصفار (٢). وفي فتاوى الظهيرية: وهل يعذب الميت ببكاء أهله؟ قال عامة العلماء: لا يعذب (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وتأويل الحديث: أنهم في ذلك الزمان يوصون بالنوح عليهم، فقال ﵇ ذلك. وقيل: المراد منه أنه يقال للميت إذا ندبوه: أكنت كما يقولونه؟ ولا شك أن الكلام توبيخ وتقريع وتخويف له، وهو ضرب من التعذيب. وقيل: يعذب عند بكاء أهله بذنبه. قال القاضي الحسن: يجوز أن يكون الله تعالى قدر العفو عنه إن لم تبكوا عليه.

стр. 1456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن عائشة: رحم الله ابن عمر ما كذب، ولكن نسي وأخطأ، وإنما مر رسول الله ﷺ على يهودية، وهم يبكون عليها، فقال: «إنهم يبكون وإنَّها لَتُعَذَّبُ في قبرها» (١). كذا في شرح الوجيز (٢). والتعزية لصاحب المصيبة حسن؛ لقوله ﵇: «حق المسلم على المسلم أن يُعَزِّيه إذا أصابته مُصيبةٌ» (٣)، ولا بأس لأهل المصيبة أن يجلسوا في البيت أو في المسجد ثلاثة أيام والناس يأتونهم ويعزونهم، ويكره الجلوس على باب الدار؛ لأنه عمل أهل الجاهلية، ونهى النبي ﵇ عن ذلك. وما يصنع في بلاد العجم من بسط الفرش والقيام على قوارع الطريق من أقبح القبائح. وفي خيرة الفتاوى والجلوس للمصيبة ثلاثة أيام رخصة، وتركه أحسن (٤)؛ لقوله ﵇: «إن من كنوز البِرِّ: كتمان المصائب، والأمراض، والصدقة» (٥). ويكره اتخاذ الضيافة عند ثلاثة أيام وأكلها. وفي القنية أيضًا: يكره اتخاذ الضيافة في اليوم الأول والثاني والثالث، وبعد الأسبوع (٦)، وفي الأعياد ونقل الطعام إلى المقبرة فيها، وإسراج السرج وغيرها، واتخاذ الدعوة لقراءة القرآن ولختمه، أو قراءة سورة الأنعام وسورة الإخلاص ألف مرة، وجمع الصبيان والصلحاء لذلك ليأكلوا ما أعد لهم، وكذا ضيافة أهل الفطر لستة أيام بعد رمضان، وكذا ضيافة أهل التزوير بعد ما جلسوا

стр. 1457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في مكان أربعين يوما؛ لاشتمال هذه الأفعال كلها على السمعة والرياء، فيحترز عنهم؛ لأنهم لا يريدون بها وجه الله تعالى. وفي الْمُجْتَبى: ذكر محمد في الآثار: ولا بأس بزيارة القبور [للدعاء وذكر الآخرة، وهو قول أبي حنيفة، وظاهر قول محمد. وفيه أيضًا: ونقيض هذا جواز زيارة القبور] (١) للرجال والنساء، وأما حديث أبي هريرة، وهو قوله ﵇: «لعن الله زوارات القبور» (٢)، وقال: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتِ غَيْرَ مَأْجُورَاتِ، مُفتناتِ الأحياء، مؤذيات الموتى» (٣)؛ فيجوز أن يكون قبل الرخصة (٤)؛ قال ﵇: «كنت نهيتكم … » (٥) الحديث. وقال أبو الليث: لا يعرف وضع اليد على القبر سنة ولا مستحبا، ولا يرى به بأسا، وهكذا وجدناه من غير نكير من السلف (٦). قال شرف الأئمة: بدعة، وبه قال أكثر العلماء، ويقولون: إنه عادة أهل الكتاب (٧). وتعزية المصاب مندوب؛ قال ﵇: «من عزَّى مصابا فله مثل أجره» (٨)، ولا بأس بالجلوس للعزاء ثلاثة أيام في البيت من غير أن يركبوا تأثما، ويمنعون العزاء، ولا يعطونهم شيئًا.

стр. 1458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي جمع التفاريق: لا يكره في البيت أو المسجد؛ لأنه ﵇ لما قُتِلَ جعفر وابن رواحة وزيد بن حارثة والناس يأتونه ويعزونه (١). والتعزية في اليوم الأول أفضل. وقيل: الجلوس لها في المسجد مكروه، وفي غيره جاءت الرخصة. وقيل: زيارة القبور مندوب إليه. وقيل: محرم على النساء والأصح: أن الرخصة ثابتة في حقهما. والنبي ﵇ عرف السلام على الموتى بقوله: «السّلامُ عليكُم أهل الديار» (٢). ولا بأس بقراءة القرآن عند القبور، ولكن لا يجلس على القبر، ولا يدخل في المقبرة؛ بل يكون أفضل؛ لأنه يجوز أن يخفف الله تعالى عن أهل القبور شيئًا من العذاب أو بقطعه عند دعاء القارئ وتلاوته. وفيه وردت آثار؛ قال ﵇: «مَنْ دخلَ المَقابِرَ فقرأ سورة (يس) خفَّفَ اللهُ عنهم يومئذ، وَكَانَ لهُ بعدد من فيها حسنات» (٣). ولما جاء نعي جعفر بن أبي طالب ﵁ أمر النبي ﵇، أن يصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ لأنه أتاهم ما شغلهم (٤)، فصار ذلك مندوبا إليه. ولو أوصى بأن يتخذ طعاما لمن حضر التعزية؟ قال أبو جعفر: يعتبر من الثلث، ويستوي فيه الغني والفقير الجائي من

стр. 1459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بعيد، وأما القريب المقام منه فلا (١). وينبغي أن يقول المصاب: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ قال ﵇: «إذا مات ولد العبد يقول الله تعالى لملائكته: أقَبضْتُم ولد عبدي وثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم، قال تعالى: فماذا قال؟ قالوا: استرجَعَ وحَمدَك، قال تعالى: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد». وفي الخلاصة: وجد طريقا في المقبرة، وهو يظن أنه طريق أحدثوه؛ لا يمشي في ذلك اليوم، وإن لم يقع ذلك في ضميره لا بأس به (٢). ولا بأس بقطع الحشيش اليابس من المقبرة، ولا يقطع الرطب من غير حاجة. ويكره أن يطأ القبر وينام عليه، ويقضي حاجته من بول وغائط فيها، أو يصلي عليه أو إليه؛ قال ﵇: «لا تُجَصِّصوا القبور، ولا تبنوا عليها، ولا تقعدوا ولا تمشوا عليها ولا تصلُّوا إليها» (٣). [عن عبد الله بن مسعود: لأن أطأ على جمرة أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، وبه قال الشافعي (٤). وعن مالك: لا يكره شيء من ذلك (٥). وفي المجتبى: يكره المشي عليها] (٦) وعلى التابوت يجوز عندهم، كالمشي على السقف (٧). وفي الخلاصة: ولا يكسر عظام اليهود إذا وجدت في قبورهم (٨).

стр. 1460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي جمع العلوم: لا يجوز للرجل أن ينظر إلى عظام النساء في المقابر؛ لأنها عورة كما في حالة الحياة (١). وقال بعض المشايخ: لا ينظر إلى عظم ما؛ لاحتمال أنه للمرأة. وفي فتاوى العتابي: لا يطأ القبر إلا للضرورة (٢). ويزار من بعيد قائمًا مستقبلة القبلة، وإن كان قبر النبي ﵇، وبه قال بعض الشافعية، ولا يقعد. وقال الشافعي: لا يكره دخول المقابر (٣). وقال أحمد: يكره بالنعال، ولا يكره بالخفاف والتمسكات (٤). والتعزية بعد الدفن وقبله. وقال الثوري: لا يعزي بعد الدفن. وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره للنساء زيارة القبور، ويستحب للرجال (٥). وقال صاحب الحلية: وعندي لو فصل القول في ذلك لما كان به بأسًا، فيقال: إن كان زيارتهن لتجديد الحزن والبكاء والنوح والتعديد على ما جرت به عادتهن؛ كره، وعليه يحتمل الخير، وإن كان الاعتبار بلا تعديد ونياحة؛ يكره أيضًا، إلا أن تكون عجوزا لا تشتهى؛ فحينئذ لا تكره لحضور المساجد (٦).

стр. 1461

بَابُ الشَّهِيدُ (الشَّهِيدُ: مَنْ قَتَلَهُ المُشْرِكُونَ، أَوْ وُجِدَ فِي المَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ، أَوْ قَتَلَهُ المُسْلِمُونَ ظُلْمًا وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِه دِيَةٌ باب الشهيد لما كان المقتول ميتًا بأجله؛ أوردنا باب الشهيد عقيب الجنائز. وقدمها؛ لكثرة وقوعها، أو لأن الشهيد ميت مركب؛ لأنه ميت مركب فكيف؟ أو نسبة الشهيد إلى الميت كنسبة صلاة الجنازة إلى سائر الصلوات؛ من حيث إنه حي حكما؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. وفي مبسوط شيخ الإسلام: سمي الشهيد شهيدًا؛ لأن الملائكة يشهدون موته إكراما، فيكون مشهودًا فعيلا بمعنى مفعول كالقتيل (١). وقيل: سمي به؛ لأنه مشهود له بالجنة؛ قال ﵇ يوم أحد: «أنا أشهد على هؤلاء يوم القيامة» (٢) حين جمع رجلين في قبر واحد. وقيل: سمي به لأنه حي حاضر عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣) قال [العلامة] (٤) الكردري: الشهيد حاضرًا [آينده] (٥). ثم الأصل في سقوط الغسل فيه: أن يكون القتل ظلمًا من كل وجه، ولم يرتب ولم يقبض من دمه عوض دنياوي؛ لأنه حينئذ يصير بمعنى شهداء أحد؛ لأنهم بهذه الصفة. وقتيل أهل الحرب شهيد سواء قتل مباشرة، أو مسا بحديدة أو بغيرها بعد أن يكون قتله منسوبًا إليهم، والنسبة قد يكون معاينة، وقد يكون دلالة بطريق التسبيب، وقد جمع في الكتاب النوعين؛ وقال: (من قتله المشركون أو وجد في المعركة وبه أثر). (ولم يجب بقتله دية)؛ أي: عند وجوب القتل، حتى لو سقط القصاص.

стр. 1462

فَيُكَفِّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُغَسَّلُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ. وَقَالَ ﵊ فِيهِمْ: «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَلَا تُغَسِّلُوهُمْ» فَكُلُّ مَنْ قُتِلَ بِالحَدِيدَةِ ظُلْمًا وَهُوَ طَاهِرٌ بَالِغُ وَلَمْ يَجِبْ بِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُمْ فَيُلْحَقُ بِهِمْ، وَالمُرَادُ بِالأَثَرِ الجِرَاحَةُ، لِأَنَّهَا دَلَالَةُ القَتْلِ، وَكَذَا خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ مَوْضِعِ غَيْرِ مُعْتَادٍ كَالعَيْنِ وَنَحْوِهَا، بعارض الأبوة، ووجبت بالدية؛ كان شهيدًا. والقصاص ليس بعوض على المحل؛ بل عقوبة يوحيها الله تعالى جزاء للقتل، ولهذا يجري بين القليل والكثير، والحر والعبد، والذكر والأنثى. والدية: عوض مالي، بدليل العكس، وإذا كانت عوضا عن المحل؛ صار كأن النفس باقية من وجه لبقاء بدله (زمل لف). والكلوم: جمع الكلم بالسكون - وهو الجرح، وأريد هاهنا الحاصل بالمصدر. وكذا في المغرب والصحاح (١). (غير معتاد كالعين) والأذن، ولو خرج من الأنف والدبر والذكر غسل؛ لأنه قد يبتلى بالرعاف، ويبول دما من شدة الفزع، فيكون معتادا. ولو كان الدم يخرج من فمه؛ إن كان نزل من الرأس؛ غسل، سواء خرج من جانب الأنف أو الفم، وإن كان يعلو من جوفه لم يغسل؛ لأن الدم لا يعلو من الجوف، وإلا يخرج من الباطن، وإنما يعرف ذلك بلون الدم. كذا في المبسوط (٢). وعند الشافعي: من مات في قتال أهل الحرب فهو شهيد، سواء به أثر أو لا، ومن قتل ظلمًا في غير قتال الكفار، أو خرج في قتالهم ومات بعد انقضاء القتال، وكان بحيث يقطع بموته؛ ففيه قولان في قول: لم يكن شهيدًا (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥)؛ لما روى أن عمر قتل بالمحدد، فغسلوه وصلوا عليه.

стр. 1463

وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ فَأَغْنَى عَنِ الشَّفَاعَةِ، وعندنا: الشهيد: كل مسلم قتل في قتال ثلاث طوائف: أهل الحرب، والبغي، وقطاع الطريق، بأي آلة كانت، ولم يمض عليه وقت صلاة بعد تضرم القتال، ولا يوم وليلة حالة القتال، ولم ينتفع به وبآلة جارحة ظلما في غيره، ولم يجب بقتله دية سوى وجوبه لأجل الأبوة، وعند أبي حنيفة هذه، وكونه بالغا طاهرا فهذا شهيد كامل لا يغسّل، أما المرتث (١) والمبطون، والمطعون والغريق والحريق وصاحب الهدم والمرأة تموت بجمع، والغريب؛ كلهم شهيد في حق الثواب، ولكن يغسلون ذكره في المحيط، والمبسوط (٢). قوله: (والشافعي يخالفنا): قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥): الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه. وقال الحسن البصري: يغسل ويصلى عليه؛ لأن الشهيد ميت بأجله. والغسل سنة الموتى على ما روي من قصة آدم ﵇، وإنما لم يغسل شهداء أحد؛ لأن الجراحات فشت بينهم، وتعذر حمل الماء من المدينة، فعذرهم النبي ﵇ لذلك. وقال علماؤنا، والثوري، وأحمد في رواية: لا يغسل ولكن يصلّى عليه، واختاره المزني (٦). له: ما روى جابر أنه ﵇ ما صلى على شهداء أحد، ولأنه ﵇ قال: «السيف محاء الذنوب» (٧) والصلاة شفاعة، فاستغني عنها كما استغني عن الغسل.

стр. 1464

وَنَحْنُ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَى المَيِّتِ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ، وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِهَا، وَالطَّاهِرُ عَنِ الذُّنُوبِ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الدُّعَاءِ كَالنَّبِيِّ وَالصَّبِيِّ (وَمَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الحَرْبِ أَوْ أَهْلُ البَغْيِ أَوْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ ولأنه تعالى وصف الشهداء بكونهم أحياء؛ حيث قال: ﴿بَلْ أَحْيَاءُ﴾، والصلاة على الميت لا على الحي. ولأنها ما شرعت إلا بعد الغسل، وسقوط الغسل يدل على سقوطها كالحائض والنفساء. وما روى أنه ﵇ [صلى على شهداء أحد، معناه: دعاء؛ لأن الصلاة في اللغة: دعاء. لنا: ما روي أنه ﵊] (١) قال: «زملوهم … » الحديث (٢). وما قاله الحسن من التأويل غير صحيح؛ لأنه لو كان ترك الغسل لأجل التعذر لأمرهم بالتيمم، كما لو تعذر الغسل في زماننا، ولأنه ﵇ لم يعذرهم في ترك الدفن، مع أنه مشقة في الحفر أظهر فيه. وأيضًا: روى عقبة بن عامر أن شهداء بدر لم تغسل، وكذا شهداء خندق وحني مع عدم الضرورة، وصلى على شهداء أحد. وروى البخاري (٣) أنه ﵇ صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات. وقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فالمراد: صلاة الجنازة. ذكره بعض أئمة التفسير. وحديث جابر ليس بقوي؛ قيل: [على] أنه [كان] (٤) يومئذ مشغولا؛ فقد قتل أبوه وأخوه وخاله، فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم، فلم يكن حاضرًا حين صلى النبي ﵇، فلهذا روى ما روى.

стр. 1465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد روى عبد الله بن ثعلبة أنه ﵇ صلى على شهداء أحد، وقال ﵇: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (١)، فكان الأخذ بقول من شاهد أولى؛ لأنه مثبت وغيره ناف. أو يحتج بما روى ابن عباس أنه ﵇ صلى على شهداء بدر، ولم تتعارض الرواية في حق شهداء بدر؛ لأنه ميت مسلم طاهر، فيصلى عليه قياسًا على المرتث وعلى سائر الأموات. والعبد وإن تطهر من الذنوب لم يبلغ درجة الاستغناء عن الدعاء؛ ألا ترى أنه صلى عليه النبي ﷺ مع أن درجته فوق درجتهم، بخلاف الغسل؛ لأنه يطهر، وقد بلغ الغسل حدًّا يستغنى عن التطهير، ويجوز أن يريد تطهير الشهادة على تطهير الغسل، فلما وجد الأعلى سقط الأدنى، أما لا يجوز حرمان طلب رحمة زائدة بسبب رحمة قائمة. وأما قوله: سقوط الغسل بدل. قلنا: الغسل الذي هو شرط جواز الصلاة إنما يخاطب به المصلي، وهو باق في حق المصلي، فلم يدل ذلك على سقوط الصلاة عنه. كذا في المبسوط، والأسرار. و [ما] قال: إن معنى صلى: دعاء؛ غير قوي؛ لأنه روى أنه ﵇ صلى عليهم كالصلاة على الأموات وبدليل رواية أخرى: أنه ﵇ صلى على شهداء قتلى بدر وحنين. وفي المستصفى: الأصل في الأموات الغسل والصلاة بقصة آدم ﵇، إلا أنه ترك الغسل في حق الشهيد كرامة له، وتبقيه لأثر الظلم عليه، فيحاج خصمه غدا (٢). وعن [العلامة] (٣) مولانا حافظ الدين ﵀: أن لفظ «السيف محاء

стр. 1466

فَبِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلُوهُ لَمْ يُغَسَّلْ) لِأَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ مَا كَانَ كُلُّهُمْ قَتِيلَ السَّيْفِ وَالسِّلَاحِ (وَإِذَا اسْتُشْهِدَ الجُنُبُ غُسْلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) للذنوب» (١) لفظ المشايخ، أما لفظ الحديث: «القتل في سبيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كلَّ شيء» (٢)، ولكن ذكره في المبسوط من لفظ الحديث. وله: (فبأي شيء قتلوه لم يغسل)؛ أي: عندنا، خلافا للشافعي، ومالك، وأحمد، في غير أهل الحرب كما ذكرنا. فإن قيل: أهل البغي وقطاع الطريق إذا كانوا مسلمين؛ ينبغي أن يشترط الحديدة كما إذا كان القاتل مسلما. قلنا: لما كان القتال بأهلهما مأمورًا به؛ ألحق بقتال أهل الحرب، أما في حق أهل البغي؛ قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] الآية، فكان المقتول في هذه الحالة باذلا نفسه ابتغاء مرضات الله تعالى كما في محاربة أهل الحرب. وأما قطاع الطريق: فقد قال ﵇: «قاتل دون مالِكَ» (٣)، وقال أيضًا: «من قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شهيدٌ» (٤)، وروي أن عليا ﵁ لما قاتل أهل النهروان لم يغسل من استشهد من أصحابه، فإذا كان القتل فيهما مأمورًا؛ صار كالمأمور بقتال أهل الحرب، فعمت الآية كما عمت هناك. كذا في المبسوط (٥). قوله: (عند أبي حنيفة): وبه قال مالك (٦)، وأكثر أصحاب الشافعي (٧).

стр. 1467

وَقَالَا: لَا يُغَسَّلُ (*)، لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالجَنَابَةِ سَقَطَ بِالمَوْتِ، وَالثَّانِي لَمْ يَجِبْ لِلشَّهَادَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةٌ غَيْرَ رَافِعَةٍ فَلَا تَرْفَعُ الجَنَابَةَ. وَقَدْ (وقالا)؛ أي: أبي يوسف ومحمد. وقال أحمد (١)، وابن سريج، وابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي: يغسل ولا يصلى عليه. وغسل الملائكة الحنظلة إكراما له؛ بدليل أنه لو كان واجبًا لوجب على بني آدم، ولما اكتفى رسول الله بغسلهم؛ فدل أنه لم يكن واجبًا. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). (لأن ما وجب بالجنابة سقط بالموت)؛ لأن وجوب الغسل لإمكان الصلاة، وقد بطلت الصلاة عنه. (والثاني)؛ أي: الغسل الذي على الأحياء للميت. (لم يجب لأجل الشهادة): كالمحدث إذا استشهد. (وله: أن الشهادة عرفت مانعة لا رافعة): لا مانعة. (فلا ترفع الجنابة)؛ ألا ترى أنه لو كان في ثوب الشهيد نجاسة تغسل، ولا يغسل دمه لما ذكرنا. فإن قيل: ينبغي أن الشهادة لا ترفع الحدث، ويجب غسل أعضاء الوضوء لو كان محدثًا، ولم يجب بالاتفاق. قلنا: سقوط غسل أعضاء الوضوء لمعنى ضروري؛ وهو أن الشرع جعل الشهادة مانعة من نجاسة تثبت بالأعضاء كلها، فحينئذ لا يتصور أن يكون مانعا من ثبوتها في أعضاء الوضوء إذا لم يعتبر رافعا للحدث فيها؛ لأن الموت لا يخلو من حدث قبله؛ لأنه لا يخلو عن زوال عقل في آخر الحياة، وبذلك يصير محدثًا، فلو لم يكن رافعا للحدث الأصغر؛ وجب غسل هذه الأعضاء، فلهذه

стр. 1468

صَحَّ أَنَّ حَنْظَلَةَ لَمَّا اسْتُشْهِدَ جُنَّبًا غَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الحَائِضُ الضرورة اعتبر رافعا للحدث، ولا ضرورة في الجنابة؛ لأن الموت يخلو عنها، فلا يعتبر في الجنابة، وفيه تأمل. ولأن الحدث أدنى من الجنابة؛ فلا تقاس عليه الأعضاء، خصوصا إذا كان المانع موجودًا، ولأن النص مقدم على القياس. وأما قولهما: (أنه شهيد لا يغسل). قلنا: لا يغسل من حيث أنه شهيد، فإنما يغسل من حيث إنه جنب. وأما قولهما: (الغسل لأجل الصلاة). قلنا (١): جاز أن يكون الغسل لها ولدخول المسجد، وقراءة القرآن ومس المصحف، فجاز أن يبقى مشروعًا لإدخاله القبر والعرض على الله تعالى. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والأسرار (٢). وقد صح أن الحنظلة لما استشهد سأل النبي ﵇ أهله عن حاله، فقالت: أصاب مني، فسمع الهيعة: «يا خيلَ اللهِ ارْكبي»، فأعجله ذلك عن الاغتسال، فقال ﵇: «هو ذاك» (٣). والهيعة: صوت يفزع منه، من هاع إذا جبن، وكان ذلك على سبيل التعليم، حتى لو علم ﵇ حالة غسله، وإنما لم يعد النبي ﵇ غسله؛ لأن الواجب تأدى، بدليل قصة آدم ﵇، ولم يعد أولاده غسله. وهو الجواب عن قولهما: (لو كان واجبًا لوجب على بني آدم، ولما اكتفى … )، إذ الواجب نفس الغسل، فأما الغاسل يجوز كائنا من كان كما في قصة آدم ﵇ (٤).

стр. 1469

وَالنُّفَسَاءُ إِذَا طَهُرَنَا، وَكَذَا قَبْلَ الانْقِطَاعِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الصَّبِيُّ. لَهُمَا: أَنَّ الصَّبِيَّ أَحَقُّ بِهَذِهِ الكَرَامَةِ. وَلَهُ: أَنَّ السَّيْفَ كَفَى عَنْ الغُسْلِ فِي حَقِّ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِوَصْفِ كَوْنِهِ طُهْرَةٌ، وأما قولهما: (غسلهم كان إكراما). قلنا: معنى الإكرام في مبادرتهم بغسله؛ لما روي أنه ﵇ تبادر إلى جنازة سعد بن معاذ، وقال: «خشيت إن تسبقنا الملائكة إليه كما سبقتنا بغسل حنظلة» (١)، فعلم أن الملائكة لو لم تغسله لغسله النبي ﵇، ومبادرتهم ما كانت واجبة. كذا في المبسوط (٢)، والأسرار، وجامع المحبوبي. وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة: أنهما لا يغسلان قبل الانقطاع؛ لعدم وجوب الاغتسال قبل الانقطاع، والصحيح أنه يجب عنده؛ لأن الدم السائل يوجب الاغتسال عنده، وقد حصل الانقطاع بالموت فيجب الغسل. كذا في المحيط (٣). وفي الخبازية: هذا الجواب في النفساء يجري على إطلاقه؛ لأن أقل النفاس لا حد له، أما في الحائض مصورة فيما إذا استمر بها الدم ثلاثة أيام، ثم قتلت قبل الانقطاع وبعده، أما لو رأت يوما أو يومين دما وقتلت؛ لا تغسل بالإجماع. ذكره التمرتاشي؛ لعدم كونها حائضًا (٤). (وعلى هذا الخلاف الصبي): وكذا المجنون. أحق بهذه الكرامة؛ وهو إبقاء أثر مظلوميته في القتل، وكان عدم الغسل إكراما للشهيد فيها. والمظلومية في حق الصبي أشد فكان أولى بهذه الكرامة، مع أن قوله ﵇: «زَمِّلُوهُم» (٥)؛ عام. بوصف كونه طهرة؛ لأن السيف محاء للذنوب.

стр. 1470

وَلَا ذَنْبَ عَلَى الصَّبِيِّ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُمْ وَلَا يُغْسَلُ عَنِ الشَّهِيدِ دَمُهُ، وَلَا يُنْزَعُ (ولا ذنب للصبي)؛ لكونه مرفوع القلم، فيكون الموت والقتل حتف أنفه سواء في حقه. (فلم يكن في معنى شهداء أحد) فيغسل، ولأن ترك الغسل لإبقاء أثر الشهادة عليه ليكون حجة على خصمه يوم القيامة، والصبي لا يخاصم بنفسه في حقوق الدنيا، فكذلك في حقوق الآخرة، وإنما الخصم عنه فيها الله تعالى، وهو غني عن الشهود. ولأن عدم الغسل في الشهيد البالغ بخلاف القياس؛ لما أنه يتنجس بالموت، فيقتصر على مورد النص فلا يقاس عليه غيره، والصبي ليس في معنى شهداء أحد - كما بينا - حتى يلحق بالدلالة. وأما تعلقهم بعموم الحديث؛ قلنا: ذاك محمول على البالغين؛ لما أن ظاهر الحال أن الصبيان لم يحضروا حرب أحد، وكان الحديث في شهداء أحد. وما قيل: أن حارثة بن النعمان، وعمير بن أبي وقاص، أخا سعد كانا من شهداء أحد وهما صغيران؛ غلط؛ لأن عمير بن أبي وقاص قتل يوم بدر قبل أحد، ذكره في الطبقات، وهو ابن ست عشر (١). وأما حارثة بن النعمان: فتوفّي في خلافة معاوية. ذكره في الصحيحين (٢). وفي شرح الإرشاد البالغ إنما لم يغسل؛ لأنه باع نفسه من ربها وسلمها بحكم ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١]، فاحتيج إلى بقاء أثر التسليم عليه؛ ليتميز به عن غيره [في الآخرة] (٣)، كما في حق شهداء أحد، وهذا المعنى معدوم في حق الصبي؛ لأنه ليس من أهل البيع والتسليم (٤)؛ لأنه غير مأمور بالجهاد بالنفس والمال؛ لما روينا؛ وهو قوله ﵇: «زَمِّلوهم … » الحديث (٥).

стр. 1471

عَنْهُ ثِيَابُهُ) لِمَا رَوَيْنَا (وَيُنْزَعُ عَنْهُ الفَرْوُ وَالحَشْوُ وَالقَلَنْسُوَةُ وَالسِّلَاحُ وَالخُفُّ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الكَفَنِ (وَيَزِيدُونَ وَيُنْقِصُونَ مَا شَاؤُوا) إِثْمَامًا لِلْكَفَنِ، قَالَ: قوله: (وينزع عنه الحشو … ) إلى آخره وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)؛ فإنه قال: ينزع عنه ما لم يكن عامة الناس من جلود وحديد، ومحشو وفرو. ولأنه ﵇ أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود والفرو، ولأن هذه الأشياء لدفع بأس العدو، وقد استغنى عن ذلك. ولأن هذه عادة أهل الجاهلية؛ فأنهم يدفنون أمواتهم وأبطالهم بما عليهم من الأسلحة، وقد نهينا عن التشبه بهم. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ويزيدون) في المبسوط: استدل المشايخ بهذا اللفظ أن عدد الثلاث في الكفن ليس بلازم (٤). وقيل: يزيدون بذلك إذا كان ناقصا عن العدد المسنون. (وينقصون ما شاؤوا): وإذا زاد عليه، وهذا أوفق لتعليل الكتاب. ويخيطوه إن شاؤوا كما يفعل ذلك بغيره من الموتى. كذا في المبسوط (٥). وقال مالك: لا ينزع عنه شيء أصلا (٦). ثم قال الشافعي: فالولي بالخيار، إن شاء كفنه فيما بقي من ثيابه، وإن شاء كفنه في غيرها، وبه قال أحمد (٧)؛ لما روي أن صفيه أرسلت إلى النبي ﵇ ثوبين لتكفين حمزة ﵁، فكفنه في أحدهما وفي الآخر رجلا آخر (٨). ولأن الثوب الذي ترك عليه من جملة التركة، وقد صار ملكا لهم؛ فلا

стр. 1472

(وَمَنِ ارْتُثَّ غُسِّلَ) وَهُوَ: مَنْ صَارَ خَلِقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِنَيْلِ مَرَافِقِ الحَيَاةِ، لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخُفُّ أَثَرُ الظُّلْمِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ (وَالِارْتِثَاثُ: أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يُدَاوَى أَوْ يُنْقَلَ مِنْ المَعْرَكَةِ حَيَّا) لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ مَرَافِقِ الحَيَاةِ. يجب عليهم تكفينه فيه. كذا في تتمتهم (١). وقال علماؤنا، ومالك: لا ينزع عنه بقية ثيابه لما روينا، ولما روي أن زيد بن صوحان لما استشهد يوم الجمل وقال: لا تنزعوا عني ثوبي، فإني رجل محاج أحاجّ من قتلني يوم القيامة، ولما استشهد عمار بن ياسر بصفين قال: لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثيابًا، فأتى النعي ومعاوية بالحجاز، وهكذا نقل عن حجر بن عدي. كذا في المبسوط (٢)، والقياس لا يعتبر في مقابلة النص، وما روي شاذ. قوله: (وَمَنْ ارْتُثَّ): الرَّثُ: الشيء البالي، وجمعه رثاث، وأرَثَ الثوب؛ أي: خلق، وأُرِثَ فلان على بناء المجهول؛ أي: حمل من المعركة رثيًا، أي: جريحا وبه رمق. كذا في الصحاح (٣). وفي الإيضاح: معنى الارتثاث: هو أن خَلُق شهادته، من قولك: ثوب رث؛ أي: خَلِق (٤). قال الشافعي: من جرح في معترك الكفار ثم بعد ذلك مات، سواء أكل شيئًا أو لا، أو أوصى أو لا، قرب الزمان أو بعد؛ فيه قولان: أحدهما: يغسل ويصلي عليه، وبه قال أحمد، وهو مذهبنا؛ لما روي أن عبيدة بن الحارث حُمِلَ إلى النبي ﷺ ، وتكلم معه النبي ﵇ ثم مات، فغسله النبي ﵇ (٥).

стр. 1473

وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ مَاتُوا عُطاشًا وَالكَأْسُ تُدَارُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا خَوْفًا مِنْ نُقْصَانِ الشَّهَادَةِ، إِلَّا إِذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ كَيْ لَا تَطَأَهُ الخُيُولُ، لِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ الرَّاحَةِ، وَلَوْ آوَاهُ فُسْطَاطٌ أَوْ خَيْمَةٌ كَانَ مُرْتَثًا لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ بَقِيَ حَيَّا حَتَّى مَضَى وفي القول الآخر: لا يغسل؛ لأنه في سبيل الله، كالذي مات في حال القتال. كذا في تتمتهم (١). وقال مالك: لو أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة حيًا يغسل؛ لأن نفاقه بحياة الدنيا (٢). وعندنا: بما ذكر في الكتاب يصير مرتنا. والأصل فيه: ما روي أن عمر لما طُعِن حُمِلَ حيًّا إلى بيته، فعاش يومين، ثم غسل وكان شهيدًا على لسان النبي ﵇، وكذا علي حمل حيًّا إلى بيته ثم غسل، وكان شهيدا. كذا في المبسوط (٣). وفي الإيضاح: الأصل: ما روي أنه ﵇ غسل سعد بن معاذ، وكان ارتَثَّ، ولم يغسل سعد بن الربيع؛ لأنه لم يرتث، وهو معنى قول المشايخ لحديث السعدين والخليفتين (٤). وعن العلامة الكردري ﵀ في قوله: (خوفًا عن نقصان الشهادة): قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، فلو أخذ الشهيد بعض مرافق الحياة لكان هذا تصرفًا في المبيع قبل التسليم؛ فيتحقق النقصان في تسليمه، كما لو تصرف البائع في المبيع قبل التسليم؛ فإنه يسقط بعض الثمن أو ثبت للمشتري الخيار، ولهذا لو استشهد الصبي يُغسل؛ لعدم أهلية البيع منه كما ذكرنا (٥).

стр. 1474

وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ فَهُوَ مُرْتَثٌ لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الأَحْيَاءِ. قَالَ: وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ كَانَ ارْتِثَاثًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَكُونُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الأَمْوَاتِ (*) قوله: (وهو يعقل): قيد به، حتى لو كان مغمى عليه لم يكن مرتنا. (لأنه لا تصير الصلاة دينا في ذمته)؛ يعني: لو بقي حيا في المعركة. وفي الْمُجْتَبى: والمراد بوقت الصلاة قدر ما تجب عليه الصلاة، ويصير دينا في ذمته (١)، وهو رواية عن أبي يوسف، وعنه: يوم وليلة، ولو كان مغما عليه يوم وليلة لم يكن مرتنا. وعن محمد: لو بقي في المعركة حيا يوما وليلة فهو مرتث وإن لم يعقل (٢). وفي النهاية: لو تكلم ثم مات ثم حمل؛ لم يغسل (٣). قيل: هذا كان قليلا وليس من أمور الدنيا، أما إذا كان كثيرا ومن أمور الدنيا كالبيع والشراء؛ غسل. قوله: (ولو أوصى) إلى آخره: اختلف المتأخرون في ذلك؛ قيل: هذا الاختلاف في شيء من أمور الأخرة كما ذكر في الكتاب، فأما في أمور الدنيا يغسل بالاتفاق. وقيل: لا خلاف بينهما في الحقيقة؛ لأن ما قال أبو يوسف محمول على أمر الدنيا، أما في أمر الآخرة يغسل بالاتفاق. (لأنه ارتفاق)؛ فإن الوصية شطر في مصالحة، سواء كان من مصالح الدنيا أو الآخرة، فيكون من مرافق الحياة، كما لو صارت الصلاة دينا عليه. (وعند محمد: لا يكون)؛ أي: لا يكون ارتفاقا. (لأنه)؛ أي: الإيضاح. (من أحكام الأموات): فلا يكون من أحكام الأحياء.

стр. 1475

(وَمَنْ وُجِدَ قَتِيلًا فِي المِصْرِ غُسْلَ) لِأَنَّ الوَاجِبَ فِيهِ القَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، فَخَفَّ أَثَرُ الظُّلْمِ (إِلَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا) لِأَنَّ الوَاجِبَ فِيهِ القِصَاصُ، وقال في الزيادات: لو أوصى بمثل وصية سعد بن الربيع فليس بارتفاق (١). روي أنه ﵇ قال يوم أحد: «من يأتيني بخبر سعد»، فقال رجل: أنا، فجعل يتفحص القتلى حتى وجده وبه رمق، فقال: إن رسول الله ﷺ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، ففتح سعد عينية، وقال: رسول الله في الأحياء، قال: نعم، هو بعثني إليك، فقال: الحمد [لله] (٢) على سلامته، الآن طابت نفسي للموت، ثم قال: أقرئ رسول الله مني السلام، وأقرئ الأنصار مني السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله تعالى إن قتل محمد وفيكم عين تطرف، ثم قال: أخبر النبي ﵇ أن لي كذا وكذا طعنه كلها أصابت مقتلي ثم مات (٣)، وكان من جملة قتلى أحد. كذا في المحيط (٤). قال محمد: وأي وصية أحسن من هذا، وهو من مغنم أمور الآخرة. قوله: (في المصر): قيد به؛ لأنه لو وجد في مفازة ليس بقربها عمران؛ لا يجب فيها قسامة ولا دية، فلا يُغَسّل لو وجد به أثر القتل. قوله: (إلا إذا علم أنه قتل بحديدة)؛ يعني: علم قاتله، وعلم أنه قتله بحديدة. (لأنه حينئذ يجب القصاص) وعند الشافعي يغسل (٥)، وبه قال مالك (٦)، وأحمد (٧)؛ لما ذكرنا أنه قتل في غير صف القتال.
следующие страницы →