← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

عَنْهُ ثِيَابُهُ) لِمَا رَوَيْنَا (وَيُنْزَعُ عَنْهُ الفَرْوُ وَالحَشْوُ وَالقَلَنْسُوَةُ وَالسِّلَاحُ وَالخُفُّ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الكَفَنِ (وَيَزِيدُونَ وَيُنْقِصُونَ مَا شَاؤُوا) إِثْمَامًا لِلْكَفَنِ، قَالَ: قوله: (وينزع عنه الحشو … ) إلى آخره وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)؛ فإنه قال: ينزع عنه ما لم يكن عامة الناس من جلود وحديد، ومحشو وفرو. ولأنه ﵇ أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود والفرو، ولأن هذه الأشياء لدفع بأس العدو، وقد استغنى عن ذلك. ولأن هذه عادة أهل الجاهلية؛ فأنهم يدفنون أمواتهم وأبطالهم بما عليهم من الأسلحة، وقد نهينا عن التشبه بهم. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ويزيدون) في المبسوط: استدل المشايخ بهذا اللفظ أن عدد الثلاث في الكفن ليس بلازم (٤). وقيل: يزيدون بذلك إذا كان ناقصا عن العدد المسنون. (وينقصون ما شاؤوا): وإذا زاد عليه، وهذا أوفق لتعليل الكتاب. ويخيطوه إن شاؤوا كما يفعل ذلك بغيره من الموتى. كذا في المبسوط (٥). وقال مالك: لا ينزع عنه شيء أصلا (٦). ثم قال الشافعي: فالولي بالخيار، إن شاء كفنه فيما بقي من ثيابه، وإن شاء كفنه في غيرها، وبه قال أحمد (٧)؛ لما روي أن صفيه أرسلت إلى النبي ﵇ ثوبين لتكفين حمزة ﵁، فكفنه في أحدهما وفي الآخر رجلا آخر (٨). ولأن الثوب الذي ترك عليه من جملة التركة، وقد صار ملكا لهم؛ فلا

стр. 1472

(وَمَنِ ارْتُثَّ غُسِّلَ) وَهُوَ: مَنْ صَارَ خَلِقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِنَيْلِ مَرَافِقِ الحَيَاةِ، لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخُفُّ أَثَرُ الظُّلْمِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ (وَالِارْتِثَاثُ: أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يُدَاوَى أَوْ يُنْقَلَ مِنْ المَعْرَكَةِ حَيَّا) لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ مَرَافِقِ الحَيَاةِ. يجب عليهم تكفينه فيه. كذا في تتمتهم (١). وقال علماؤنا، ومالك: لا ينزع عنه بقية ثيابه لما روينا، ولما روي أن زيد بن صوحان لما استشهد يوم الجمل وقال: لا تنزعوا عني ثوبي، فإني رجل محاج أحاجّ من قتلني يوم القيامة، ولما استشهد عمار بن ياسر بصفين قال: لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثيابًا، فأتى النعي ومعاوية بالحجاز، وهكذا نقل عن حجر بن عدي. كذا في المبسوط (٢)، والقياس لا يعتبر في مقابلة النص، وما روي شاذ. قوله: (وَمَنْ ارْتُثَّ): الرَّثُ: الشيء البالي، وجمعه رثاث، وأرَثَ الثوب؛ أي: خلق، وأُرِثَ فلان على بناء المجهول؛ أي: حمل من المعركة رثيًا، أي: جريحا وبه رمق. كذا في الصحاح (٣). وفي الإيضاح: معنى الارتثاث: هو أن خَلُق شهادته، من قولك: ثوب رث؛ أي: خَلِق (٤). قال الشافعي: من جرح في معترك الكفار ثم بعد ذلك مات، سواء أكل شيئًا أو لا، أو أوصى أو لا، قرب الزمان أو بعد؛ فيه قولان: أحدهما: يغسل ويصلي عليه، وبه قال أحمد، وهو مذهبنا؛ لما روي أن عبيدة بن الحارث حُمِلَ إلى النبي ﷺ ، وتكلم معه النبي ﵇ ثم مات، فغسله النبي ﵇ (٥).

стр. 1473

وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ مَاتُوا عُطاشًا وَالكَأْسُ تُدَارُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا خَوْفًا مِنْ نُقْصَانِ الشَّهَادَةِ، إِلَّا إِذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ كَيْ لَا تَطَأَهُ الخُيُولُ، لِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ الرَّاحَةِ، وَلَوْ آوَاهُ فُسْطَاطٌ أَوْ خَيْمَةٌ كَانَ مُرْتَثًا لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ بَقِيَ حَيَّا حَتَّى مَضَى وفي القول الآخر: لا يغسل؛ لأنه في سبيل الله، كالذي مات في حال القتال. كذا في تتمتهم (١). وقال مالك: لو أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة حيًا يغسل؛ لأن نفاقه بحياة الدنيا (٢). وعندنا: بما ذكر في الكتاب يصير مرتنا. والأصل فيه: ما روي أن عمر لما طُعِن حُمِلَ حيًّا إلى بيته، فعاش يومين، ثم غسل وكان شهيدًا على لسان النبي ﵇، وكذا علي حمل حيًّا إلى بيته ثم غسل، وكان شهيدا. كذا في المبسوط (٣). وفي الإيضاح: الأصل: ما روي أنه ﵇ غسل سعد بن معاذ، وكان ارتَثَّ، ولم يغسل سعد بن الربيع؛ لأنه لم يرتث، وهو معنى قول المشايخ لحديث السعدين والخليفتين (٤). وعن العلامة الكردري ﵀ في قوله: (خوفًا عن نقصان الشهادة): قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، فلو أخذ الشهيد بعض مرافق الحياة لكان هذا تصرفًا في المبيع قبل التسليم؛ فيتحقق النقصان في تسليمه، كما لو تصرف البائع في المبيع قبل التسليم؛ فإنه يسقط بعض الثمن أو ثبت للمشتري الخيار، ولهذا لو استشهد الصبي يُغسل؛ لعدم أهلية البيع منه كما ذكرنا (٥).

стр. 1474

وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ فَهُوَ مُرْتَثٌ لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الأَحْيَاءِ. قَالَ: وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ كَانَ ارْتِثَاثًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَكُونُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الأَمْوَاتِ (*) قوله: (وهو يعقل): قيد به، حتى لو كان مغمى عليه لم يكن مرتنا. (لأنه لا تصير الصلاة دينا في ذمته)؛ يعني: لو بقي حيا في المعركة. وفي الْمُجْتَبى: والمراد بوقت الصلاة قدر ما تجب عليه الصلاة، ويصير دينا في ذمته (١)، وهو رواية عن أبي يوسف، وعنه: يوم وليلة، ولو كان مغما عليه يوم وليلة لم يكن مرتنا. وعن محمد: لو بقي في المعركة حيا يوما وليلة فهو مرتث وإن لم يعقل (٢). وفي النهاية: لو تكلم ثم مات ثم حمل؛ لم يغسل (٣). قيل: هذا كان قليلا وليس من أمور الدنيا، أما إذا كان كثيرا ومن أمور الدنيا كالبيع والشراء؛ غسل. قوله: (ولو أوصى) إلى آخره: اختلف المتأخرون في ذلك؛ قيل: هذا الاختلاف في شيء من أمور الأخرة كما ذكر في الكتاب، فأما في أمور الدنيا يغسل بالاتفاق. وقيل: لا خلاف بينهما في الحقيقة؛ لأن ما قال أبو يوسف محمول على أمر الدنيا، أما في أمر الآخرة يغسل بالاتفاق. (لأنه ارتفاق)؛ فإن الوصية شطر في مصالحة، سواء كان من مصالح الدنيا أو الآخرة، فيكون من مرافق الحياة، كما لو صارت الصلاة دينا عليه. (وعند محمد: لا يكون)؛ أي: لا يكون ارتفاقا. (لأنه)؛ أي: الإيضاح. (من أحكام الأموات): فلا يكون من أحكام الأحياء.

стр. 1475

(وَمَنْ وُجِدَ قَتِيلًا فِي المِصْرِ غُسْلَ) لِأَنَّ الوَاجِبَ فِيهِ القَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، فَخَفَّ أَثَرُ الظُّلْمِ (إِلَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا) لِأَنَّ الوَاجِبَ فِيهِ القِصَاصُ، وقال في الزيادات: لو أوصى بمثل وصية سعد بن الربيع فليس بارتفاق (١). روي أنه ﵇ قال يوم أحد: «من يأتيني بخبر سعد»، فقال رجل: أنا، فجعل يتفحص القتلى حتى وجده وبه رمق، فقال: إن رسول الله ﷺ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، ففتح سعد عينية، وقال: رسول الله في الأحياء، قال: نعم، هو بعثني إليك، فقال: الحمد [لله] (٢) على سلامته، الآن طابت نفسي للموت، ثم قال: أقرئ رسول الله مني السلام، وأقرئ الأنصار مني السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله تعالى إن قتل محمد وفيكم عين تطرف، ثم قال: أخبر النبي ﵇ أن لي كذا وكذا طعنه كلها أصابت مقتلي ثم مات (٣)، وكان من جملة قتلى أحد. كذا في المحيط (٤). قال محمد: وأي وصية أحسن من هذا، وهو من مغنم أمور الآخرة. قوله: (في المصر): قيد به؛ لأنه لو وجد في مفازة ليس بقربها عمران؛ لا يجب فيها قسامة ولا دية، فلا يُغَسّل لو وجد به أثر القتل. قوله: (إلا إذا علم أنه قتل بحديدة)؛ يعني: علم قاتله، وعلم أنه قتله بحديدة. (لأنه حينئذ يجب القصاص) وعند الشافعي يغسل (٥)، وبه قال مالك (٦)، وأحمد (٧)؛ لما ذكرنا أنه قتل في غير صف القتال.

стр. 1476

وَهُوَ عُقُوبَةٌ وَالقَاتِلُ لَا يَتَخَلَّصُ عَنْهَا ظَاهِرًا، إِمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ العُقْبَى. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: مَا لَا يَلْبَثُ بِمَنْزِلَةِ السَّيْفِ وَيُعْرَفُ فِي الجِنَايَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصِ غُسْلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بَاذِلٌ نَفْسَهُ وفي المبسوط، والأسرار: وهذا بناء على أن القتل العمد يوجب الدية عنده كالخطا، فحينئذ يجب بدل ما هو مال، فغسل (١). وعندنا: العمد غير موجب للمال؛ بل موجب للقصاص، فلم يجب بدل ما هو مال فلا يغسل. واعتمادنا فيه على حديث عثمان ﵁؛ فقد قتل في المصر، وكان شهيدًا لم يُغسل، ولو قتل بغير سلاح غُسل؛ لأن هذا في معنى الخطأ. أما لو وجد قتيل ولم يعلم قاتله، فإن فيه الدية والقسامة، فيغسل، وإن قتل بحديدة ظلما. كذا في المحيط (٢). (وهو)؛ أي: القصاص. (عقوبة): وليس بعوض حتى يخف أثر الظلم، ولئن كان عوضًا لكن نفعه يعود إلى الورثة لا إليه؛ لأن المقصود منه التشفي ودرك الثأر، وهذا يحصل للورثة لا له، فلم ينتفع الميت به، بخلاف الدية؛ لأن نفعها يعود إليه، حتى يقضي منها ديونه وتنفذ وصاياه. كذا في مبسوط فخر الإسلام (٣). (إما في الدنيا)؛ أي: على تقدير الاستبقاء. (أو في الْعُقْبَى)؛ على تقدير عدمه. قوله: (غُسل وصلي عليه): وهذا بالإجماع، إلا أن مالكا يقول: لم يصل الإمام على المرجوم والمقتول قصاصا، وصلى عليه غيره؛ لأنه ﵇ لم يصل على ماعز، وصلى على غيره (٤).

стр. 1477

لإِيفَاءِ حَقٌّ مُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْحَقُ بِهِمْ (وَمَنْ قُتِلَ مِنْ البُغَاةِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُصَلِّ عَلَى البُغَاةِ. وقال الزهري: لا يصلى على المرجوم أصلا. ولنا: ما روى أن ما عزا لما رجم جاء عمه إلى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله، إن ماعزا قتل كما يقتل الكلاب، فما تأمرني أن أصنع به؟، فقال ﵇: «لا تقل هذا؛ فقد تاب توبة لو قسمت على أهل السموات والأرض لوسعتهم - يعني: لو كانوا عصاة - اذهب فاغسله وكفنه وصل عليه» (١). كذا في المبسوط (٢). وروى البخاري (٣) أنه ﵇ صلى عليه، وفي ذلك لا فرق بين الإمام وغيره. قوله: (لم يصل عليه): وفي المحيط: وفي غسل المقتولين بالبغي وقطع الطريق روايتان، ولا يصلى عليهم باتفاق الروايتين (٤)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وفي النوازل: إن قُتِلا في الحرب لا يصلى عليهما، وبعده: روايتان؛ فقيل: يصلى عليهما إذا قتلهما الإمام، بعد وضع الحرب أوزارها (٥). وقال الشافعي: يصلّى عليه (٦).

стр. 1478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال مالك: لا يصلي عليهم الإمام وأهل الفضل (١)، وروايتان عن أحمد (٢). له: أنه مؤمن؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، ولأنه مقتول بحق؛ فكان كالمقتول برجم أو قصاص. ولنا: أن عليا لم يغسل قتلى نهروان والصفين والجمل من البغاة، ولم يصل عليهم، فقيل له: هم كفار؟، قال: لا؛ ولكنهم إخواننا بغوا علينا؛ أشار إلى ترك الغسل والصلاة عقوبة لهم وزجرًا لغيرهم، وهم نظير المصلوبون يترك على خشبتهم عقوبة لهم وزجرا لغيرهم كذا في المحيط (٣). مسائل تتعلق بهذا الباب من قتل نفسه خطأ؛ يغسل ويصلى عليه بلا خلاف. ولو قتل نفسه بحديدة عمدًا؛ اختلف فيه: قال بعض المشايخ: يغسل ويصلى عليه عند أبي حنيفة، ومحمد (٤)، وبه قال الشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧)، وبه أفتى الحلواني؛ لأنه فاسق، حتى قال: يقبل توبته إن كان تاب في ذلك الوقت؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال ركن الإسلام علي السغدي: الأصح عندي: أن لا يصلى عليه (٨)، وبه قال الأوزاعي، وعمر بن عبد العزيز، لا لأنه لا توبة له؛ لأنه باغ على نفسه، ولا يصلى على الباغي.

стр. 1479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الخلاصة: وبه أفتى ظهير الدين. وقول الحلواني أصح، وكذا في الخزانة وفتاوى قاضي خان (١). وفي الخلاصة: حكم من قتل بالسعي في الأرض بالفساد كالمكابرين، والخناق الذي خنق غير مرة، والمقتولين بالعصبية حكم أهل البغي وقطاع الطريق (٢). وحكم من قتل بشيء لا يوصف بالظلم، كما إذا افترسه السبع، أو سقط عليه البناء، أو سقط من شاهق جبل أو سال عليه الوادي، أو غرق في الماء؛ حكم المقتول برجم أو قصاص. ثم الجملة فيه: أن من صار مقتولا في قتال أهل الحرب، أو قطاع الطريق، أو الخوارج، ذابا عن نفسه أو ماله، أو عن أهله أو عن واحد من المسلمين، أو من أهل الذمة؛ يكون شهيدا، بأي شيء قتل: بعصا، أو حجر، أو مدر، أو بوطئ دوابهم وهم راكبون عليها [أو سائقوها] (٣) أو قائدوها، أو بفعل نسب إليهم كسفر العدو، أو تحبسهم دابة المسلم فألقته فمات، وكالرمي والإحراق بالنار، حتى لو رموا النار في سفينة فيها المسلمون وتعدى إلى سفينة أخرى فيها المسلمون فاحترقوا؛ كلهم صاروا شهداء. أما لو نفرت دابة المسلم من دابة العدو من غير تنفر منهم، أو من رايات العدو فألقت راكبها فمات؛ لا يكون شهيدا؛ لأن هذا الفعل لا ينسب إليهم، وكذا لو انهزموا فألقوا أنفسهم في الخندق، أو ألجأهم العدو إلى باب وألقوا الحسك بينهم فمشوا عليه فماتوا؛ لا يكونون شهداء، إلا إذا ألقاهم العدو بالطعن بالرمح أو اضطرهم؛ فحينئذ يكونون شهداء، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد. وكذا من قتل في المصر ليلا بسلاح أو غيره، [أو بسلاح نهارا أو خارج

стр. 1480

بَابِ الصَّلَاةَ فِي الكَعْبَةِ (الصَّلَاةُ فِي الكَعْبَةِ جَائِزَةٌ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا، المصر بسلاح أو غيره] (١) ولم يجب دية؛ يكون شهيدا عندنا، وإلا لا. باب الصلاة في الكعبة لإيراد هذا الباب هاهنا وجهان: أحدهما: أنه لما بين حكم الصلاة خارج الكعبة؛ شرع في بيان الصلاة داخلها، وقدم الأولى؛ لكثرة وقوعها. أو لأن البيت يأمن من دخله بالنص والقبر مأمن الميت [أيضًا، فتأثير إيراده هاهنا. وفي النهاية: وجه المناسبة: أن الصلاة فيها مخالفة سائر الصلوات] (٢) من حيث الهيئة والتوجه، انفراداً أو جماعة، فإن الصلاة فيها جائزة بالتوجه إلى الجهات الأربع قصدًا، بخلاف غيرها، فصارت كجنس آخر، فأفردها بباب على حدة، إلا أنه قدم تلك الصلوات لمسيس الحاجة إلى معرفتها، وكثرة دورها أزمنة، وكثرة تعدادها أمكنه (٣). قوله: (خلافًا للشافعي فيهما)؛ أي: في الفرض والنفل (٤). قال صاحب النهاية: وقع هذا اللفظ سهوًا من الكاتب؛ فإن الشافعي جوز الصلاة في الكعبة فرضًا ونفلا، كذا أورده أصحابه في كتبهم، ولم يورد أحد من مشايخنا هذا الخلاف فيما عندي من كتبهم المشهورة، سوى أنه يشترط السترة المتصلة بالأرض اتصال قرار؛ إذا كان المصلي في عرصة الكعبة كالحائط والشجر (٥).

стр. 1481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الوجيز: لو انهدمت الكعبة [والعياذ بالله تعالى] (١) تصح صلاته خارج الكعبة متوجها إليها، كمن صلى على أبي قبيس والكعبة تحته، ولو صلى فيها لم تجزه إلا أن تكون بين يديه شجرة أو يقيه حائط. والواقف على سطحها كالواقف في العرصة، فلو وضع شيئًا لا يجزئه، ولو غرز خشبة فيها وجهان (٢). قال برهان الدين السمرقندي: حافد المصنف السهو وقع من الشارح؛ فإن إيراد أصحاب الشافعي في كتبهم أن الصلاة فيها لا تدل على أن عدم الجواز ليس قوله كما في كثير من الفوائد، وعدم إيراد علمائنا لا يدل [على ذلك] (٣) أيضا، ومن له أدنى مسكة من العقل إذا تأمل لاح له بلا ريب بطلان قول هذا القائل (٤). قال شيخي [العلامة ﵀] (٥): الصحيح ما ذكر في النهاية؛ فإن اتفاق أصحابه على إيراد الجواز في كتبهم وتفاريعهم، واتفاق أصحابنا على عدم إيراد الخلاف في كتبنا يدل على عدم الخلاف، مع علو كل فريق في بيان الخلاف وسعيهم فيه، وجهدهم في بيان الأقوال؛ سعيًا لدفع شبهة الخصوم بقدر الإمكان؛ إذ يستحيل عادة أن ينسب منه هذا الخلاف، وغفل الكل عن نقله، وهذا مثل معارضة القرآن؛ فإنها لم تنقل إلينا مع كثرة الدواعي على النقل دل على عدمه، واحتمال أنه عورض ولم ينقل؛ لغلبة أهل الإسلام لا يقدح فيه على ما عرف، فكذا هذا (٦). وقيل: ما نقل عنه المصنف محمول على ما إذا توجه إلى الباب وهو مفتوح، أما لو كان الباب مردودًا، أو له عتبه قدر ثلثي ذراع؛ يجوز عنده، وفيه تأمل.

стр. 1482

وَلِمَالِكِ فِي الفَرْضِ، لِأَنَّهُ ﵊ صَلَّى فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ يَوْمَ (ولمالك في الفرض): قال مالك (١)، وأحمد (٢): لا يجوز الفرض، ويجوز النفل فيها. وعن محمد بن جرير الطبري: لا يجوز النفل فيها أيضًا؛ لأن الاستدبار يفسد كما في خارجها. وجه قول مالك: أن المصلي إذا استقبل جهة فقد استدبر أخرى، فاجتمع ما يوجب الجواز وما يوجب الفساد، فيرجح الفساد احتياطا لأمر العبادة، وهو القياس في النفل، إلا أن القياس ترك فيه بالنص، والوارد فيه لا يكون واردا في الفرض؛ لأنه سوهل فيه ما لم يساهل في الفرض، حتى يجوز أداؤه قاعدًا وراكبا بلا عذر، بخلاف الفرض، مع أنه روى أنه ﵇ دخل البيت ودعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج وصلى عند الباب ركعتين (٣)، ولأنه ﵇ قال: «الطَّواف صَلاة» (٤)، وهو في جوفها لا يجوز، [وكذا الصلاة] (٥). ولنا: ما روى أنه ﵇ صلى الفرض فيها يوم الفتح. رواه بلال (٦)، وصفوان عن عمر. رواه مالك. ولأنه مستقبل شطر المسجد وهو المأمور؛ قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فيجزئه قياسًا على ما لو صلى خارجها؛ فإنه حينئذ لا يتوجه إلى الكل؛ ألا ترى أن التطوع يجوز، وهما يستويان في الشرائط وإن اختلفا في الأركان، فتجوز الصلاة فيها، سواء كان هناك بناء أو لا؛ ألا

стр. 1483

الفَتْحِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ اسْتُجْمِعَتْ شَرَائِطُهَا لِوُجُودِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ، لِأَنَّ اسْتِيعَابَهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ (فَإِنْ صَلَّى الإِمَامُ بِجَمَاعَةٍ فِيهَا فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ ظَهْرَهُ إِلَى ظَهْرِ الإِمَامِ جَازَ) لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهُ إِلَى القِبْلَةِ، وَلَا يَعْتَقِدُ إِمَامَهُ عَلَى الخَطَأِ.٧ ترى أن البناء لو انتقل إلى موضع آخر لا يكون قبله، وقد رفع البناء في عهد ابن الزبير حتى بنى البيت على قواعد الخليل ﵇، وفي عهد الحجاج أعاده إلى ما كان في الجاهلية، وكان يجوز للناس الصلاة وإن لم يكن هناك بناء، وفيه تأمل. وأما قوله: استدبر بعضها، قلنا: استدبار البعض مع استقباله لا يضر؛ لأنه ما أمر بالتوجه إلى الكل في حالة واحدة، فإنه غير ممكن، والأمر ينصرف إلى ما في الوسع، وفي وسعه بوجه البعض، فيكون مأمورا بذلك لا غير. واستدبار ما لم يؤمر بالتوجه إليه لا يفسد الصلاة، وليست الصلاة كالطواف؛ لأن الطواف بالبيت مأمور لا فيه، والطواف بالكل ممكن، فيجب الطواف خارج البيت ليقع على الكل؛ ألا ترى أنه خارج المسجد الحرام لا يجوز بخلاف الصلاة، والاستدبار خارج البيت مفسد؛ لعدم استقبال ما هو مأمور لا الاستدبار، فيقع الفرق من الاستدبارين. كذا في المبسوط، والأسرار (١). إلا أن فيه ذكر خلاف مالك في مطلق الصلاة، من غير فصل بين النفل والفرض، وما ذكر معنى قول المصنف: (أنها صلاة استجمعت شرائطها … . إلى آخره). وما روى أنه ﵇ لم يُصَلِّ؛ ضعفه بعض أهل الحديث، ولأن المثبت أولى من النافي؛ لأنه رأى، والنافي لم ير؛ فإن أسامة بن زيد قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة فرأى صورًا فدعا بماء، فأتيته به، فجعل يَمْحُها ويقول: «قاتل الله قوما يُصوّرون صورًا ولا يخلقون» (٢)، فيجوز أن يكون ﵇ صلى في حال مضى أسامة في طلب الماء، فشاهد بلال ما لم يشاهده أسامة.

стр. 1484

بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التَّحَرِّي (وَمَنْ جَعَلَ مِنهُمْ ظَهْرَهُ إِلَى وَجْهِ الإِمَامِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ) لِتَقَدُّمِهِ عَلَى إِمَامِهِ (وَإِذَا صَلَّى الإِمَامُ فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ فَتَحَلَّقَ النَّاسُ حَوْلَ الكَعْبَةِ وَصَلَّوْا بِصَلَاةِ الإِمَامِ، فَمَنْ كَانَ مِنهُمْ أَقْرَبَ إِلَى الكَعْبَةِ مِنْ الإِمَامِ جَازَتْ صَلَاتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِ الإِمَامِ) لِأَنَّ التَّقَدَّمَ وَالتَّأَخَّرَ إِنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ اتِّحَادِ الجَانِبِ (وَمَنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الكَعْبَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ الكَعْبَةَ هِيَ العَرَصَةُ، قوله: (بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التَّحَرِّي)؛ فإنه يعتقد إمامه على الخطأ فلا يجوز. (لتقدمه على إمامه)؛ أي: في قبلته. وفي مبسوط شيخ الإسلام من صلى في جوفها مقتديا بإمام؛ لا تحل عن أربعة أوجه: أما إن كان وجهه إلى ظهر الإمام؛ فهو جائز سواء كان أو في غيرها، وأما إن كان وجهه إلى وجه الإمام؛ فهو أيضًا جائز فيها، وإن كان ظهره إلى ظهر الإمام؛ فهو أيضًا جائز فيها؛ لكون كل جانب قبله بيقين، أما لو كان ظهره إلى وجهه، ولكن يكره استقباله الصورة (١). قوله: (فَتَحَلَّقَ النَّاسُ): حال، والتقدير: قد تحلق؛ لأن الجملة الفعلية إذا وقعت حالا؛ فإن كانت ماضياً؛ يجوز إثبات الواو وحذفه، ولابد من (قد) ظاهرة أو مقدرة. قوله: (وإذا لم يكن في جانب الإمام): وفي البدرية: التقدم والتأخر من الأسماء الإضافية، فيكون من شرطه اتحاد الجهة (٢)، فإذا لم يتحد لم يقع التقدم والتأخر، وهذا احتراز عمن كان أقرب إلى الكعبة من الإمام؛ حيث لم تجز؛ لوجود التقدم على إمامه. وفي مبسوط شيخ الإسلام وهذا معنى من جعل ظهره إلى وجه الإمام في جوفها، أو وجهه إلى وجهه، ولكن قائمًا بين الإمام والكعبة؛ فإن صلاته لا تجوز؛ لوجود التقدم وإن وجد الاستقبال إليها (٣). قوله: (وخلافا للشافعي): في شرح الوجيز: لو صلى على سطحها ولم يكن

стр. 1485

وَالهَوَاءُ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ عِنْدَنَا دُونَ البِنَاءِ، لِأَنَّهُ يُنْقَلُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى == بين يديه شاخص من نفس الكعبة؛ فيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز، وبه قال أبو حنيفة، وابن سريج، وأصحهما: أنه لا يجوز؛ لنهيه ﵇ عن الصلاة على ظهرها (١)، ولأنه مصلي إلى الكعبة لا إليه، وهو مأمور بالتوجه إليه (٢)، وهو اسم للعرصة والبناء. وفي ذخيرتهم: لو انهدمت الكعبة فصلى في عرصة البيت لا يجوز، ولو صلى خارج العرصة متوجها إليها يجوز (٣)، فعلم أن استقبال البناء والعرصة شرط عنده إذا كان المصلي فيها، أما لو كان خارجها فلا يشترط البناء والسترة. ولو غرز سترة؛ فيها وجهان: أحدهما: أنه يجوز؛ لحصول الاتصال بالمغروز، ولهذا تعد الأوتاد المغروزة من الدار، ويدخل في البيع. وأصحهما: أنه لا يجوز كما لو وضع متاعًا بين يديه؛ لأن مطلق الغرز لا يوجب كون المغروز من الدار، بخلاف الأوتاد؛ لأن العادة جرت بغرزها لما فيها منالمصالح، فيعد من البناء. والوجهان في الغرز للمجرد أما لو كانت مثبتة أو مستمرة كفت الاستقبال. وقلنا: (الكعبة العرصة، والهواء إلى عنان السماء)، ولهذا لو رفع البناء إلى موضع آخر لا يكون قبلة، وقد رفع زمان ابن الزبير والحجاج كما ذكرنا، وكان يجوز للناس الصلاة إليه، ولهذا لو صلى على جبل أبي قبيس؛ تجوز صلاته بالاتفاق، وليس بين يديه شيء من بناء الكعبة. وشنع بعض أئمة بلخ على الشافعي فقالوا: لو صلى على ظهرها ووضع بين يديه إكافا تجوز صلاته، ومن المحال أن يتعلق جواز الصلاة بأمثال الصلاة. كذا في المبسوط (٤).

стр. 1486

جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ جَازَ وَلَا بِنَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ولكن فيه تأمل؛ لأنه صرح في شرح الوجيز ولو وضع متاعا بين يديه لا تجوز (١)، وكذا شرط في التنبيه وغيره كون السترة متصلة، وقد شنع على أبي حنيفة المخالف، وقال: إنه لم يعرف العربية، حيث قال: ولو ضربه يا أبا قبيس فقد غلط؛ لأنه لم يعرف صحة هذه الحكاية، ولم يوجد لها أصل في كتاب، ولو صح ذلك؛ فهي لغة العرب فصيحة؛ لأن بني الحارث تقول بها. وقال سيبويه: هذا هو القياس، وقد جاء في القرآن ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. وأنشد أبو النجم: إن أباها وأبا أباها … قد بلغ المجد غاياتها (٢) (إلا أنه)؛ أي: أداؤها على ظهرها. (وقد ورد النهي عنه)؛ أي: عن أداء الصلاة على ظهرها؛ فإنه ذكر في المبسوط: روى أبو هريرة أنه ﵇ نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: «المجزرة، والمقبرة، والحمام، وقوارع الطريق، وفوق ظهر بيت الله» (٣)، والنهي لغير الصلاة وهو ترك التعظيم، فكان كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة؛ فإنه للغصب لا للصلاة، فيكون مكروها (٤). وفي الْمُجْتَبى عن سالم بن الأفطس (٥): ما من نبي كان يهرب من قومه؛ إلا هرب إلى الكعبة يعبد ربه، وحولها قبور ثلاثمائة نبي، والعبيد والأحرار، والرجال والنساء فيه سواء (٦)، والله أعلم بالصواب.

стр. 1487

كِتَابُ الزَّكَاةِ كِتَابُ الزَّكَاةِ قُرِنَتِ الزَّكَاةُ بِالصَّلَاةِ؛ لَمَّا أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ العِبَادَةِ نِعَمُ اللهِ تَعَالَى، وَالنِّعْمَةُ بَدَنِيَّةٌ وَمَالِيَّةٌ، وَالنِّعْمَةُ البَدَنِيَّةُ أَعْظَمُهَا وَأَتَمُّهَا وَأَسْبَقُهَا فِي التَّكْوِينِ، فَكَانَ شُكْرُهَا بِالعِبَادَةِ البَدَنِيَّةِ أَعَمَّ، وَصَرْفُ عِنَايَةِ المُكَلَّفِ إِلَى تَحَقُّقِهَا أَعَمَّ، غَيْرَ أَنَّهَا فِي الحَالِ، وَالمَالُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِذَرِيعَةِ المَالِ. وَلِهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ ﵇ الصَّلَاةَ عِمَادَ الدِّينِ، وَالزَّكَاةَ قَنْطَرَةَ الإِسْلَامِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ تَعَالَى تَقْدِيمَهَا عَلَى الزَّكَاةِ، وَجَعْلُهَا ثَانِيَةَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ﴾ [النِّسَاء: ٧٧]، فَاقْتَدَى كُلُّ مُصَنَّفٍ مِنْ أَئِمَّةِ المِلَّةِ الزَّهْرَاءِ، وَحَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ البَيْضَاءِ فِي التَّصْنِيفِ وَالتَّأْلِيفِ؛ بِتَرْتِيبِ اللهِ تَعَالَى. وَلِأَنَّهُ ﵊ جَعَلَ الزَّكَاةَ مِنَ الْأَرْكَانِ الخَمْسِ الَّتِي بِهَا بُنْيَانُ الإِسْلَامِ؛ فَقَالَ ﵇: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ … » الحَدِيثَ (١)، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَحْسَنُ لِمَعْنَى فِي عَيْنِهَا، وَالزَّكَاةُ مُلْحَقَةٌ بِهَا. ثُمَّ الزَّكَاةُ لُغَةً: الطَّهَارَةُ وَالنَّمَاءُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَّدُنَا وَزَكَوةً﴾ [مريم: ١٣]؛ أَيْ: طَهَارَةٌ. وَيُقَالُ: زَكِيَ الزَّرْعُ؛ إِذَا نَمَا. وَسُمِّيَتْ بِهَا؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ نَمَاءِ المَاءِ بِالخُلْفِ وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وَفِيهَا مَعْنَى التَّطْهِيرِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. كذا في المبسوط (٢). وَسُمِّيَتْ صَدَقَةً - أَيْضًا -؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ العَبْدِ فِي العُبُودِيَّةِ إِذَا أَدَّاهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى النَّفْسِ أَشَقُّ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْأُصُولِ.

стр. 1488

(الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الحُرِّ العَاقِلِ البَالِغِ المُسْلِمِ إِذَا مَلَكَ نِصَابًا وشرعًا عند المحققين من أصحابنا: إيتاء جزء مقدر من النصاب الحولي إلى الفقير لله تعالى. وعند البعض: اسم للمال المؤدى؛ لأنه تعالى أمر بإيتاء الزكاء، وإيتاء الإيتاء محال، والأصح أنها فعلة الأداء؛ لأنها وصفت بالوجوب [بإيتاء الزكاة] (١) الذي هو من صفات الفعل لا من صفات الأعيان. والمراد [بإيتاء الزكاة] (٢): إخراجها من العدم إلى الوجود كما في قوله ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]. كذا في المنثور (٣). ومن محاسنها: تطهير النفس عن دنس البخل، وخساسة الضنَّة، ودناءة الشح الذي هو مذموم عقلا وشرعًا، وشكر نعمة المال؛ فإنه حسن عقلا وشرعا. قوله: (واجبة): أراد بالوجوب: الفرض. وفي الكافي، والبدرية: وُصِفَت بالوجوب مع أنها فرضية؛ لأنه أريد به الثبوت واللزوم، فيكون واجبًا قطعيًا، أو لأن أصلها ثبت بالدليل القطعي، ولكن مقدارها ثبت بأخبار الآحاد، فإن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] مجمل في حق المقدار (٤). ولعل صاحب الكتاب نظر إلى هذا، وعدل عن لفظ الفرض، والواجب والفرض يلتقيان في حق العمل، فيصح إطلاق أحدهما على الآخر. ثم فرضيتها ثبتت بالكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية.

стр. 1489

مِلْكًا تَامًّا وَحَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ) أَمَّا الوُجُوبُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ جاء في التفسير: أن الآية نزلت في مانعي الزكاة (١). وأما السنة: فهو الحديث المشهور المتفق عليه؛ وهو قوله ﵇: «بني الإسلام على خمس … » الحديث (٢). وحديث معاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن فقال له «إنك تأتي قوما أهل الكتاب، فادْعُهُم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله … » الحديث (٣)، وهو مذكور في المصابيح (٤) وقوله ﵇: «مانعُ الزَّكاةِ في النَّارِ» (٥)، والأحاديث في الباب كثيرة. وأما الإجماع: فمنعقد من الصدر الأول إلى زماننا [على فرضيتها] (٦) حتى كفروا جاحدها، وفسقوا تاركها. كذا في شرح المبسوط (٧). قوله: (مِلْكًا تَامًّا): احتراز عن ملك المكاتب والمديون، وعن صداق المرأة إذا كان إبلا سائمة بأعيانها غير مقبوضة. أما نقصان ملك المكاتب فظاهر، وأما نقصان ملك المديون؛ فإن صاحب الدين يستحق عليه ويأخذه من غير رضا، ولا رضا، وذلك آية عدم الملك، ولا يلزم على هذا الواهب فيما وهب؛ فإن الزكاة على الموهوب له مع أن له حق الرجوع، ولا يمنع تمام الملك الموهوب له؛ لأنه لا يتمكن على الرجوع والتمليك [عليه] (٨) إلا بالقضاء والرضا. وأما الصداق قبل القبض وإن حصل الملك بالعقد؛ لكن تمام ما هو

стр. 1490

[البقرة: ٤٣] وَلِقَوْلِهِ ﵊: «أَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ»، وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الأُمَّةِ. وَالمُرَادُ بِالوَاجِبِ الفَرْضُ، لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَاشْتِرَاطُ الحُرِّيَّةِ لِأَنَّ كَمَالَ المِلْكِ بِهَا، وَالعَقْلُ وَالبُلُوغُ لِمَا نَذْكُرُهُ، وَالإِسْلَامُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ وَلَا تَتَحَقَّقُ من الكَافِرِ، المقصود لا يحصل إلا بالقبض، وصيرورته نصاب الزكاة ينبني على تمام المقصود، لا على حصول أصل الملك، حتى لم تجب الزكاة في مال الضمار وإن وجد أصل الملك. كذا في المبسوط (١)، وشرح القدوري. ونقل عن شيخ شيخي ﵀ أنه قال: يحتمل أن يكون قوله: (ملكا تاما)؛ احترازاً عن المبيع قبل القبض حيث لا زكاة فيه؛ لأن ملكه لم يتم، ولهذا لا يجوز تصرفه فيه، والملك عبارة عن مطلق التصرف؛ فيكون الملك فيه ناقصا. وكذا في الخبازية، ولا يلزم عليه مال ابن السبيل؛ لأن يد نائبه كيده (٢). لأن كمال الملك بها؛ أي: بالحرية؛ إذ العبد قد يملك اليد والتصرف بالكتابة والإذن، [وقد] (٣) قال ﵇: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» (٤)، فلما لم يجب في مال المكاتب مع أنه حر من وجه وقن من وجه؛ ففي غير المكاتب أولى؛ لأنه قن من كل وجه، والزكاة وظيفة مالية ولا مال للعبد، فشرطت الحرية بالإجماع، وكذا الإسلام. (لأنه)؛ أي: إيتاء الزكاة. (عبادة، ولا تتحقق من الكافر)؛ لعدم أهليته للعبادة، ثم الإسلام كما هو شرط الوجوب؛ شرط لبقاء الزكاة عندنا، حتى لو ارتد بعد وجوبها؛ سقط كما في الموت، فلو بقي على ارتداده سنين؛ فبعد إسلامه لا يجب عليه شيء لتلك السنين.

стр. 1491

وَلَا بُدَّ مِنْ مِلْكِ مِقْدَارِ النِّصَابِ، لِأَنَّهُ ﵊ قَدَّرَ السَّبَبَ بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الحَوْلِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا النَّمَاءُ، وَقَدَّرَهَا الشَّرْعُ بِالحَوْلِ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» وَلِأَنَّهُ المُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ الاسْتِنْمَاءِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الفُصُولِ المُخْتَلِفَةِ، وَالغَالِبُ تَفَاوُتُ الأَسْعَارِ فِيهَا، فَأُدِيرَ الحُكْمُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قِيلَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الفَوْرِ، لِأَنَّهُ مُقْتَضَى وعند الشافعي: لا تسقط بالردة، وكذا بالموت كما في سائر الديون (١). وفي تتمتهم: وهذا بناء على أن المرتد يلحق بالكافر الأصلي عند أبي حنيفة، وعندنا لا (٢)، وهي مسألة: أن الكفار هل يخاطبون بالشرائع؟. ولنا: أنها عبادة، فتسقط بهما كالصلاة ولعدم الأهلية. وللشافعي فيما مضى من السنين حال الردة ثلاثة أقوال: في قول يجب، وفي قول موقوف، وفي قول تسقط (٣) كما هو مذهبنا. (تفاوت الأسعار فيها؛ أي: الفصول المختلفة؛ وهي الربيع والصيف، والخريف والشتاء، فإن من التجار من يتمنى الربح في الصيف دون الشتاء، أو في الربيع دون الخريف، وقد يكون بالعكس. (فأدير الحكم عليه)؛ أي: على الحول؛ لاشتماله عليها. (هي)؛ أي: إيتاء الزكاة. واجبة على الفور) والمراد به الوجوب في أول أوقات الإمكان. وقال الكرخي، وبعض أصحاب الشافعي (٤): واجب على الفور، واختاره الماتريدي، حتى يأثم بتأخيرها بعد التمكن من الأداء. هكذا ذكر الحاكم الشهيد (٥).

стр. 1492

مُطْلَقِ الأَمْرِ، وَقِيلَ: عَلَى التَّرَاخِي، لِأَنَّ جَمِيعَ العُمُرِ وَقْتُ الأَدَاءِ، وَلِهَذَا لَا تُضْمَنُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ بَعْدَ التَّفْرِيطِ. (وَلَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ زَكَاةً) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ: هِيَ وعن محمد: لو أخرها من غير عذر لا تقبل شهادته، بخلاف الحج؛ فإن بتأخيره لا يأثم؛ لأن الأمر به مطلق، وفي الزكاة إنما يأثم بالتأخير؛ لأنها شرعت لدفع حاجة الفقير، وفي تأخير حق الفقير ضرورة (١). ولكن ذكر الحاكم في المنتقى: أن الفور قول أبي يوسف ومحمد (٢). وقال أبو بكر الرازي، وأبو بكر الجصاص: أنها تجب على التراخي، وهكذا روى ابن شجاع والبلخي عن أصحابنا، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي، وهكذا روى هشام عن أبي يوسف؛ لأن الزكاة غير مؤقتة، والحج مؤقت كالصلاة، وعسى لا يدرك الوقت في المستقبل. كذا في المحيط (٣)، وفي فتاوى قاضي خان (٤)، والمسألة مذكورة في الأصول بدلائلها. (بعد التفريط)؛ أي: التقصير بعدم الأداء في وقت التمكن. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: تسقط، وتجيء المسألة في فصل الحملان. قوله: (خلافا للشافعي): فقال الشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧)، وابن أبي ليلى: تجب في مالهما الزكاة، ويخرجها الولي، وهو مروي عن ابن عمر وعائشة. وقال ابن مسعود، والأوزاعي، والثوري: لا يخرجها الولي، بل يُخْصّصها

стр. 1493

غَرَامَةٌ مَالِيَّةٌ فَتُعْتَبَرُ بِسَائِرِ المُؤَنِ، كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، وَصَارَ كَالعُشْرِ وَالخَرَاجِ، وَلَنَا: على الصبي والمجنون، فإذا بلغ الصبي وأفاق المجنون فخيره فيخرجها بنفسه. احتج الشافعي بقوله: «ابتغوا في أموال اليتامى خيراً كيلا تأكله الصدقة» (١)، وبقوله ﵇: «أَلا مَنْ وَلِيَ يتيما فليتَّجِر في ماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» (٢)، ولأنها حق مالي ومصرفه متعين فلا يمنعه الصغر والجنون، كالعشر والخراج وصدقة الفطر. كذا في المبسوط (٣). وفي الإيضاح والخلاف بيننا وبينه راجع إلى أصل؛ وهو أن الواجب عنده مُؤنَةٌ تجب حقا للفقير، والصبي أهل لذلك، ولئن جعل عبادة مالية يجري فيها النيابة، وامتناع وجوب العبادة عليهما بمعنى في الأداء، فإذا جرت النيابة فيه؛ أمكن القول بوجوب الأداء هو يؤدي عنهما في الحال (٤). ولنا: قوله ﵇: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعَنِ المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (٥). وفي إيجاب الزكاة عليهما إجراء القلم عليهما؛ لأن الوجوب يختص بالذمة، ولا تجب في ذمة الولي بالإجماع، فتعين ذمتهما، والوجوب مستلزم لإجراء القلم الذي هو معنى الخطاب؛ لأنه أثره، وأنه منتف بالنص. ولأن الزكاة عبادة؛ لأنها تجب حقا لله تعالى؛ بدليل قوله ﵇: «بني الإسلام على خمس … » الحديث (٦)، وعد الزكاة منها؛ ألا ترى أن التطهير يحصل بها، والعبادة لا تتأدى بلا اختيار ونية؛ تحقيقا لمعنى الابتلاء.

стр. 1494

أَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا تَتَأَدَّى إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الابْتِلَاءِ، وَلَا اخْتِيَارَ لَهُمَا لِعَدَمِ (ولا اختيار لهما): ولا نية، وولاية الولي عليهما تثبت من غير اختيار شرعًا، وبمثل هذه النيابة والولاية لا تتأدى معنى العبادة والابتلاء؛ إذ النيابة جبرية، بخلاف ما لو وكل بعد البلوغ بالأداء، فتلك نيابة اختيارية، فقد وجدت النية. أما صدقة الفطر تجب لمعنى المؤنة بإشارة النص، ولهذا تجب على الغير بسبب الغير، وفيه حق الأب، فإنا لو لم توجب في ماله احتجنا إلى الإيجاب على الأب، كما إذا لم يكن للصبي مال، وكذا العشر والخراج؛ فإنهما مؤنتا الأرض النامية، ومدار مرويّه على المُثنّى بن الصلاح بن عمرو بن شعيب؛ وهو ضعيف عند النقلة. كذا ذكر ابن معين، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن حبان. كذا في اللباب (١). قال سبط أبي الفرج: أما حديث عمرو بن شعيب لا يصح عند الحذاق من أهل الصنعة. أو المراد من الصدقة في الحديث: النفقة؛ ألا ترى أنه ﵇ أضاف الأكل إلى جميع المال، والنفقة هي التي تأتي على الجميع دون الزكاة. كذا في المبسوط (٢). وتسمى الصدقة: نفقة، [قال ﵇: «نَفقَةُ المَرءِ على عياله صدقةٌ] (٣) ونفقة المرء على نفسه صدقة» (٤). وأما قوله: تجري (٥) فيه النيابة؛ قلنا: ذاك إذا كانت النيابة عن اختيار؛ لتحصيل معنى الابتلاء، وليس لهما

стр. 1495

العَقْلِ، بِخِلَافِ الخَرَاجِ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الأَرْضِ. وَكَذَا الغَالِبُ فِي العُشْرِ مَعْنَى المُؤْنَةِ، وَمَعْنَى العِبَادَةِ تَابِعٌ، اختيار كامل شرعا؛ فلا تعتبر هذه النيابة. إليه أشير في الأسرار (١). ومذهبنا: قول علي، وابن عباس ﵃. (الغالب في العشر معنى المؤنة)؛ لما أن سبب وجوبه الأرض النامية بالخارج، فباعتبار الأصل وهو الأرض النامية مؤنة، كما بين في الأصول. (ومعنى العبادة تابع)؛ لأنه باعتبار الخارج وهو وصف الأرض، والوصف تابع، أو باعتبار أن مصرفه الفقير. كذا في المبسوط (٢). ولهذا لو ورث المال الذي فيه العشر؛ يرث بالعشر كالعبد الجاني والمديون، بخلاف الزكاة عندنا. قوله: غرامة؛ أي: وجوب مالي. وفي المغرب: الغرامة: إلزام شيء ليس عليه (٣). وفي الكافي: في هذا اللفظ ترك الأدب؛ لأن الزكاة ليس بغرامة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨]؛ ذم الله تعالى قول الأعراب. وقيل: معنى العبادة: أن تفعل ما يرضي الرب، ومعنى العبودية: أن يرضى بما يفعل الرب، سواء كان بلاء أو نعمة، فتكون العبودية راجحة على العبادة. وقيل: العبادة: إخلاص العمل لله تعالى باختياره؛ تعظيما له على خلاف هوى النفس. وفي المبسوط: معناها في الزكاة: أنها أحد أركان الدين، والمقصود من أصل الدين معنى العبادة، فكذا من أركانه؛ وهذا لأن المزكي يجعل ماله لله تعالى خالصًا، ثم يصرفه إلى الفقير؛ ليكون كفاية له منه تعالى، وهو الذي يقبل

стр. 1496

وَلَوْ أَفَاقَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إِفَاقَتِهِ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ فِي الصَّوْمِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الحَوْلِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الأَصْلِيِّ وَالعَارِضِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ مَجْنُونًا يُعْتَبَرُ الحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الْإِفَاقَةِ (*)، التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، وجعل المال له بالاختيار يكون عبادة خالصة (١). قوله: (ولو أفاق)؛ أي: المجنون. (في بعض السنة)؛ أي: في جزء منها، قليلا كان أو كثيرا بعد ملك النصاب؛ تلزمه الزكاة، كما لو أفاق في جزء من رمضان؛ يلزمه صوم الشهر كله، وهذا قول محمد، ورواية عن أبي يوسف. كذا في المبسوط (٢). والجامع بينهما: كون الزكاة والصوم عبادة لا تتكرر في الحول. (ولا فرق)؛ أي: في ظاهر الرواية. (بين الأصلي)؛ أي: الجنون الأصلي؛ وهو الجنون في حال الصبا ثم بلغ ذلك. (والعارضي)؛ وهو الجنون العارض بعد البلوغ. وفي غير [ظاهر الرواية] (٣): روى الحسن عن أبي حنيفة في الأصل: أنه يعتبر الحول من حين الإفاقة؛ لأن التكليف لم يسبق هذه الحالة، فصارت الإفاقة بمنزلة بلوغ الصبي، أما لو طرأ، فإن استمر سنة سقطت الزكاة؛ لأنه استوعب مدة التكاليف؛ وهي الصلاة والصوم والحج، وإن كان أقل من ذلك؛ لم يعتبر، وصار لجنون ساعة. وعن أبي يوسف: أنه اعتبر أكثر الحول (٤).

стр. 1497

بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ (وَلَيْسَ عَلَى المُكَاتَبِ زَكَاةً) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، لِوُجُودِ المُنَافِي وَهُوَ الرِّقُ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ. (وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ لِتَحَقُّقِ ومن يجن ويفيق بمنزلة الصحيح، كالنائم والمغمى عليه. كذا في الإيضاح (١). (وليس بمالك من وجه)؛ فإنه لا يملك الرقبة وإن كان يملك يداً وتصرفا، ولأنه مصرف الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ يعني: رقاب المكاتبين، هو المنقول كما يجيء، ولا ملك له حقيقة، ولا زكاة بلا ملك، وعليه إجماع الأئمة الأربعة. وأما العبد المأذون: إن كان عليه دين يحيط بكسبه؛ فلا زكاة فيه على أحد بالاتفاق، أما عند أبي حنيفة؛ فلأن المولى لا يملك كسبه، وأما عندهما: وإن كان يملك لكنه مشغول بالدين، وإن لم يكن عليه دين؛ فتكسبه لمولاه، وعلى المولى زكاته إذا تم الحول. كذا في المبسوط (٢)، وبه قال الشافعي (٣). وقال مالك (٤)، وأحمد (٥): لا تجب الزكاة في مال العبد، لا عليه ولا على سيده، وهو قول ابن عمر، وجابر، والزهري، وقتادة، وأبي عبيد. قوله: (ومن كان عليه دين): قال الشافعي في القديم: الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة، ووجوب العشر في أرضه، سواء كان دين الله تعالى أو دين الآدمي (٦)، وهو رواية عن أحمد فيها، وفي الأموال الباطنة يمنع عنده رواية واحدة (٧)، وهو قول عطاء، وطاووس، وعلماؤنا؛ لكن

стр. 1498

السَّبَبِ، وَهُوَ مِلْكُ نِصَابٍ تَامٌ. وَلَنَا: عندنا لا يمنع وجوب العشر. وقال مالك: يمنع وجوب الزكاة في الذهب والفضة لا في الماشية (١). ومن أصحاب الشافعي من قال: هذا أحد أقوال الشافعي. ووجهه: أن الأموال الظاهرة وهي المواشي والزروع، والثمار والمعادن تنمو بنفسها، أو هي بما في نفسها، بخلاف الباطنة وهي الذهب والفضة وعروض التجارة؛ لأنها ليست كذلك، بل تنمو بالتصرف. وقال الشافعي في الجديد: الدين لا يمنع الزكاة أصلا. (وهو)؛ أي: السبب. (على نصاب تام)؛ لأن المديون مالك لماله؛ فإن دين الحر الصحيح يجب في ذمته، ولا تعلق له بماله، ولهذا يملك التصرف فيه كيف شاء، وصفة النماء بالإسامة والتجارة لم تنعدم بسبب الدين، والدين مع الزكاة حقان مختلفان محلا ومستحقا وسببا، فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر، كالدين مع العشر. ولنا: حديث عثمان ﵁ أنه قال في خطبته في رمضان: ألا إن شهر صيامكم شهر زكاتكم قد حضر، فمن كان له مال وعليه دين فليحسب ماله بما عليه، ثم ليترك بقية ماله. وفي رواية الموطأ: فليؤد دينه ثم ليُزَكِّ (٢) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وكان إجماعاً منهم على أنه لا زكاة في القدر المشغول بالدين. ثم المديون فقير؛ بدليل إباحة الصدقة له مع تمكنه، والصدقة لا تحل لِغَنِيّ، ولا تجب إلا على الغني، ومن كان مستحقا للمواساة شرعًا مع تمكنه من ماله؛ لا يلزمه أن يواسي غيره، فالشرع لا يرد بما لا يفيد؛ إذ لا فائدة من أن يأخذ شاة من سائمة الغير صدقة، ويعطي من سائمته شاة. وفي شرح الإرشاد: قال ﵇ لمعاذ: «خُذْ مِنْ أغنيائِهِم ورُدَّها عَلَى

стр. 1499

أَنَّهُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ فُقَرَائِهِم» (١)، فقد جعل الناس قسمين، وللمديون يجوز أخذ الزكاة، فلو أخذت لبطلت القسمة (٢)، ولأن ملكه في النصاب ناقص؛ فإن لصاحب الدين أن يأخذه بغير قضاء ولا رضاء على ما بيننا. وقال محمد في الزيادات: إيجاب الزكاة في المال المديون؛ يؤدي إلى تزكية مال واحد مرارًا في حول واحد. صورته: من له عبد للتجارة يساوي ألف درهم، باعه بألف نسيئة، ثم باعه المشتري من آخر حتى تداولته الأيدي، فعنده يجب على كل واحد منهم زكاة ألف، ثم إذا تم الحول؛ فالمال في الحقيقة ليس إلا العبد، حتى لو أقيلت البيوع رجع العبد إلى الأول، ولم يبق لأحد سواه شيء (٣). وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أن الدين يمنع وجوب العشر، ويعد التسليم العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج، ولهذا لا يعتبر فيه غنى المالك، فإن أصل المالك فيه غير معتبر عندنا، حتى يجب العشر في أرض الوقف، وأرض المكاتب، بخلاف الزكاة؛ فإن وجوبها بواسطة غنى المالك، وذلك ينعدم بالدين. كذا في المبسوط (٤). وهذا الحرف الأخير؛ جواب عن قوله: (حقان اختلفا … ) إلى آخره؛ يعني: وجوبها لما كان في المال الثاني ينعدم [محل] (٥) الزكاة، واستحقاقها وسببها بسبب الدين أيضًا، فلا تجب الزكاة. (أنه)؛ أي: الدين. (بحاجته الأصلية)؛ لأن صاحبه محتاج إليه لأجل قضاء الدين، وقضاؤه لا يكون إلا من المالك المعين، والحاجة وإن كانت صفة شخص؛ غير أنها

стр. 1500

فَاعْتُبِرَ مَعْدُومًا كَالمَاءِ المُسْتَحَقِّ بِالعَطَشِ وَثِيَابِ البِذْلَةِ وَالمِهْنَةِ (وَإِنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ تستدعي محتاجًا إليه وهو المال، فاستقام وصف المال به. كذا في تعليقات الزَّوْزَنية (١). وفي المنافع مال المديون مستحق بحاجته؛ وهي حاجة دفع المطالبة والملازمة، والحبس في الدنيا والعذاب في الآخرة، وقد تعين هذا المال لقضاء هذه الحاجة؛ فأشبه ثياب البذلة والمهنة، وعبيد الخدمة ودور السكنى (٢). قوله: (وإن كان ماله أكثر … ). إلى آخره؛ يعني: إذا كان للمديون أموال مختلفة، والدين يستغرق بعضها؛ فيصرف الدين أولا إلى الدراهم والدنانير؛ لأنها تعينت للتقلب والتصرف والنماء، بخلاف أموال أخر، فإن فضل شيء من الدين عنهما؛ تصرف إلى أموال التجارة، ثم إلى السوائم، ثم إلى مال القنية، يختار الأسهل فالأسهل قضاء. وإن كان له نصيب من السوائم من الإبل والبقر والغنم؛ يصرف الدين إلى أقلها زكاة، حتى يصرف إلى الإبل أو الغنم، ولا يصرف إلى البقر. ولو كان إبل وغنم؛ فالمالك بالخيار، إن شاء صرف إلى الإبل، وإن شاء إلى الغنم؛ لاتحاد الواجب فيهما، والأصل في جنس هذه المسائل: أن الدين يصرف إلى ما كان أنفع للفقير. كذا في المحيط (٣). ولو كان له ثياب البذلة وعبيد الخدمة، ومال الزكاة من السائمة أو عروض التجارة؛ لا يصرف الدين إليهما. كذا في الجامع الكبير (٤). وفي مختصر المحيط: فالدين يصرف أولا إلى النقدين، ثم إلى عروض التجارة، ثم إلى مال القنية دون العقارات، فإن كان في مال القنية ثياب البذلة وعبيد الخدمة؛ يصرف إلى الثياب (٥).

стр. 1501

من دينه زكى الفاضل إذا بلغ نصابا) لفراغه عن الحاجة الأصلية، والمراد به دين له مطالب من جهة العباد، حتى لا يمنع وقيل: إلى العبيد ثم إلى السوائم. قوله: (مطالب من جهة العباد)؛ أي: من جهة العباد، سواء كان الدين للعباد أو لله تعالى كدين الزكاة. كذا في المحيط (١). وفي فتاوى قاضي خان: الدين المانع كالثمن وضمان المتلف ومهر المرأة (٢). وفي جامع فخر الإسلام: دين المهر لا يمنع إذا لم يكن الزوج على غرم الأداء؛ لأنه لا يعده دينا، وبه أفتى بعض المشايخ. وفي المحيط: وقيل: دين المهر يمنع كسائر الديون (٣). وقيل: إن كان من نية الزوج أنه متى طالبته؛ تلقها بلطف، ويعدها بأنه متى وجد مالا لا يمهل حقها؛ يمنع الزكاة، وإن كان من نيته أنه متى طالبته يضربها ويلقها بالإنكار؛ لا يمنع وجوب الزكاة. وفي أمالي قاضي خان: تزوجها على ألف مؤجلة، فلو كان الأجل معلوما صح، وإلا لم يصح، ويؤمر بتعجيل ما تعارفه أهل البلد تعجيله، والباقي بعد الطلاق أو الموت، ولا يجبره القاضي على التسليم (٤)، فإذا لم يجبر عليه بمثابة الديون التي لا تجبر على قضائها فلا يمنع. وعن أبي حنيفة: أن الدين المؤجل سنة لا يمنع زكاة هذه السنة (٥). وفي طريقة الصدر الشهيد: الدين المؤجل، هل يمنع؟، لا رواية فيه، فإن قلنا: نعم؛ فله وجه، وإن قلنا: لا؛ فله وجه. وفي شرح الطحاوي: الدين المطالب من جهة العباد؛ [يمنع، سواء كان

стр. 1502

دَيْنُ النَّذْرِ وَالكَفَّارَةِ، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ مَانِعُ حَالَ بَقَاءِ النِّصَابِ، للعباد (١) كالمهر معجلا ومؤجلا، ونفقة المرأة إذا صارت دينا على الزوج إما بالصلح أو بالقضاء، ونفقة الأقارب إذا صارت دينا عليه [إما] (٢) بالصلح أو بالقضاء (٣)، أو لله تعالى كدين العشر أو الخراج، وزكاة السائمة وزكاة التجارة؛ فإن لها مطالبًا من جهة العباد، حتى لو امتنع من أداء الزكاة يأخذها السلطان كرها وعزره، ولا يأخذ الزيادة، ويضعها في مصرفها، وبه قال مالك (٤)، وأحمد في رواية (٥)، وأكثر أهل العلم، والشافعي، إلا أنه مال في القديم: إذا امتنع عن أدائها بخلا عزر وأخذ شطر ماله (٦)، وبه قال أحمد في رواية. وقال زفر: دين الزكاة لا يمنع؛ لأنها عبادة كدين الحج (٧). وقلنا: هو دين مطالب من جهة العباد، والمطالب الإمام في السوائم، ونوابه وهم الملاك في العروض والذهب والفضة؛ لأن عثمان ﵁ لما رأى هيجان الفتنة وعسر المطالبة؛ فوض أدائها إلى الملاك، فكانوا نوابا للأئمة. وعن أبي يوسف: دين الزكاة عن مال قائم يمنع وجوبها، وعن مال مستهلك لا يمنع؛ لأنه يجوز أن يمر بالقائم على العاشر، فيثبت له ولاية المطالبة، ولا كذلك المطالبة فيه (٨). وفي المحيط: قيل: نفقة المحارم لا يصير دينا بالفرض فلا يمنع (٩). وقيل: نفقة شهر وما دونه يمنع؛ لأنها تجب دينًا في الذمة، حتى يجبره القاضي ويحبسه لها دون الزيادة. قوله: (دين النذر): قال التمرتاشي في جامعه وكذلك دين صدقة الفطر

стр. 1503

لِأَنَّهُ يُنْتَقَصُ بِهِ النِّصَابُ، وَكَذَا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ خِلَافًا لِزُفَرَ فِيهِمَا. وَلِأَبِي يُوسُفَ فِي الثَّانِي عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ (*)، لِأَنَّ لَهُ مُطَالِبًا لِأَنَّهَا وَهُوَ ووجوب الحج، وهدي المتعة والأضحية؛ لا تمنع؛ لأنه لا مطالب له من جهة العباد (١). وفي الجامع: دين النذر لا يمنع ومتى استحق بجهة الزكاة؛ بطل النذر فيه. بيانه له مائتا درهم، نذر أن يتصدق بمائة منها، وحال الحول؛ سقط النذر بعدد درهمين ونصف؛ لأن في كل مائة استحق بجهة الزكاة (٢) للنذر، يقع درهمان ونصف، ويتصدق المنذر بسبعة وتسعين ونصف، ولو تصدق بمائة منها للنذر؛ يقع درهمان ونصف عن الزكاة؛ لأنه متعين بتعين الله، فلا يبطل بتعينه لغيره، ولو نذر بمائة مطلقة لزمته؛ لأن محل المنذور به الذمة، فلو تصدق بمائة منها للنذر؛ يقع درهمان ونصف للزكاة، ويتصدق بمثلها عن النذر (٣). (لأنه ينتقص به النصاب)؛ بيانه مضى على مائتي درهم حولان، ليس عليه زكاة السنة الثانية؛ لأن وجوب زكاة السنة الأول، مانع، فينتقص النصاب في السنة الثانية، ولو حال الحول على المائتين فاستهلك النصاب قبل أداء الزكاة، ثم استفاد مائتي درهم وحال الحول عليه؛ لا تجب عليه زكاة المستفاد؛ لأن وجوب زكاة نصاب الأولى دين في ذمته بسبب الاستهلاك، فمنع وجوب الزكاة فيه. (خلافًا لزفر فيهما)؛ أي: في المستفاد، والباقي لما بينا. (في الثاني)؛ أي: في ذمة الاستهلاك لما ذكرنا من الفرق.

стр. 1504

الإِمَامُ فِي السَّوَائِمِ، وَنَائِبُهُ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ المُلَّاكَ نُوَّابُهُ. (وَلَيْسَ فِي دُورِ السُّكْنَى وَثِيَابِ البَدَنِ وَأَثَاتِ المَنَازِلِ وَدَوَابِّ الرُّكُوبِ وَعَبِيدِ الخِدْمَةِ وَسِلَاحِ الاِسْتِعْمَالِ زَكَاةً) لِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِالحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَلَيْسَتْ بِنَامِيَةٍ قوله: (أن الملاك نوابه)؛ أصله قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله ﵇ لمعاذ: «خُذْها من أغنيائهم … » الحديث (١)، فثبت أن حق الأخذ للنبي ﵇ ونائبه، ولأنه ﵇ والخلفاء بعده يأخذونها؛ إلى أن فوض عثمان في خلافته كما روينا - في الأموال الباطنة إلى أربابها؛ لقطع طمع كل طامع، وكراهة تفتيش السعاة على التجار، وحق الأخذ للساعي بغرض الثبوت أيضًا، فإنه إذا مر على العاشر؛ له المطالبة والأخذ والحبس، فكان الأرباب نواب الإمام، فكذلك منع وجوب الزكاة. كذا في الجامع الكبير لشمس الأئمة (٢). (وليست نامية)؛ لأن النماء على نوعين: خلقي؛ كالذهب والفضة، وفعلي؛ بإعداده للتجارة، وكلاهما معدوم في هذه الأشياء، وبقولنا قال الشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وأبي ثور. وقال مالك (٥)، ومكحول: تجب الزكاة في الحوامل والعلوفة. ولا تجب في دور السكنى وعبيد الخدمة ما لم تكن معدة للتجارة بالإجماع، ومال القنية ما يدخره لنفسه لا للبيع واستدل مالك بعمومات النصوص. ولنا: قوله ﵇: «في خَمْسِ مِنَ الإِبل السائمة شاة» (٦)، وقوله عليه

стр. 1505

أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا كُتُبُ العِلْمِ لِأَهْلِهَا وَآلَاتُ المُحْتَرَفِينَ لِمَا قُلْنَا. السلام: «ليس في العوامل والحوامل … » الحديث (١)، وتجيء هذه المسألة في فصل الحملان. (لأهلها): قيد الأهل غير مفيد؛ لأنه لم يكن من أهلها، وليست هي للتجارة؛ لا تجب فيها الزكاة أيضًا وإن كثرت؛ لعدم النماء. وإنما يفيد ذكر الأهل في حق مصرف الزكاة؛ فإنه إذا كانت له كتب تبلغ النصاب وهو محتاج إليها للتدريس وغيره؛ يجوز له أخذ الزكاة، أما إذا بلغت النصاب ولم يكن محتاجا إليها؛ لا يجوز صرف الزكاة. كذا في النهاية (٢). قوله: (وآلات المحترفين): هذا في آلات ينتفع بعينها ولا يبقى أثرها في المعمول، أما إذا كان يبقى أثرها فيه، كما لو اشترى الصباغ عصفرًا أو زعفرانا للصبغ بالأجر، وحالت عليها الحول؛ عليه زكاته؛ لأن ما أخذ من الأجر بمقابلة العين، وكذا كل من يبتاع عينا [ليبقى] (٣) ليعمل به، ويبقى أثره في المعمول كالعفص، والدهن لدبغ الجلد، فحال عليه الحول؛ عليه الزكاة؛ وإن لم يبق لذلك العين أثر في المعمول كالصابون. والحرض لا زكاة فيه؛ لأنه لا يبقى بعد العمل، فكان الأجر مقابلا بالمنفعة؛ فلا يعد من مال التجارة. كذا في فتاوى قاضي خان (٤)، والظهيرية. وفي الإيضاح: وكذلك قالوا في النحاتين اشترى المقاود والجلال، فإن كان يبيعها مع الدواب؛ تجب زكاتها، وإن كان يحفظ للدواب؛ فلا زكاة فيها كآلة الصباغين، كالقدور وغيرها لما قلنا؛ وهو أنها مشغولة بالحاجة الأصلية (٥).

стр. 1506

(وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَجَحَدَهُ سِنِينَ ثُمَّ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُزَكِّهِ لِمَا مَضَى) مَعْنَاهُ: صَارَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، بِأَنْ أَقَرَّ عِنْدَ النَّاسِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ مَالِ النِّمَارِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ: المَالُ المَفْقُودُ، وَالآبِقُ، وَالضَّالُّ، قوله: (معناه: صارت له بينة): قيد بها احتراز عن مسألة بعده؛ وهي قوله: وكذا لو كان على جاحد وعليه بينة. وفي مبسوط شيخ الإسلام: لو كانت له بينة عادلة؛ تجب الزكاة فيما مضى؛ لأنه لا يعد ناويًا، لما أن حجته البينة فوق حجته للإقرار، وهذا رواية هشام عن محمد (١). وفي رواية أخرى عنه: لا يلزم الزكاة لما مضى وإن كان يعلم أن له بينة؛ إذ ليس كل بينة شاهد بعدل، ولا كل قاض يعدل، وفي المحاباة بين يدي القاضي ذل، والبينة بدون القضاء لا يكون موجبه شيئًا، بخلاف الإقرار؛ لأنه موجب للحق بنفسه، وبخلاف ما إذا كان الدين معلومًا للقاضي؛ لأن صاحب الدين هناك لا يحتاج إلى الخصومة؛ لأنه يلزمه بعمله. كذا ذكره الإمام المحبوبي (٢). قوله: (المال الضِّمَارِ … ) إلى آخره: الضمار الغائب الذي لا يرجى، فإذا رُجِيَ، فليس بضمار. عن أبي عبيدة: أصله من الإضمار، وهو الإخفاء والتغيب، ومنه أضمر في قلبه [شيئًا] (٣)، واشتقاقه من البعير الضامر بعيد. كذا في المغرب (٤). وفي الفوائد الظهيرية: قيل: الضمار: ما يكون عينه قائما، ولكن لا يكون منتفعا به، مشتق من قوائم البعير الضامر الذي له أصل الحياة، ولكن لا ينتفع به لشدة هزله (٥). ثم لا زكاة فيه حتى يوجد ويحول عليه الحول عندنا، وبه قال الشافعي في

стр. 1507

وَالمَغْصُوبُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَالمَالُ السَّاقِطُ فِي البَحْرِ، وَالمَدْفُونُ فِي المَفَازَةِ إِذَا نَسِيَ مَكَانَهُ، وَالَّذِي أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مُصَادَرَةٌ. وَوُجُوبُ صَدَقَةِ الفِطْرِ بِسَبَبِ الآبِقِ وَالضَّالِّ وَالمَغْصُوبِ عَلَى هَذَا الخِلَافِ لَهُمَا: أَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَحَقَّقَ وَفَوَاتُ اليَدِ غَيْرُ مُخِلٌ بِالوُجُوبِ كَمَالِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَلَنَا: قَوْلُ عَلِيٌّ ﵁: «لَا القديم، وأحمد في رواية. وقال زفر، والشافعي في الجديد (١)، وأحمد في رواية (٢): يجب عليه إخراج ما مضى من السنين. وقال مالك: إذا عاد؛ عليه زكاة لحول واحد؛ لأن الزيادة قد تستغرق النصاب، ويتضرر به المالك (٣). واحترز بقوله: (والمدفون في المفازة)؛ عن مدفون في أرض له، أو كرم، أو بيت؛ فإن فيه اختلاف، كما يجيء. وفي جامع قاضي خان: وكذلك الوديعة إذا نسي المودع، والمودع من الأجانب لا من معارفه، [ولو كان من معارفه] (٤) فيذكر بعد سنين؛ كان عليه زكاة ما مضى (٥). (لهما)؛ أي: لزفر والشافعي. (أن السبب)؛ وهو ملك النصاب. (قد تحقق): وتعذر الانتفاع من جهة العباد. (وفوات يده عنه غير مخل بالوجوب)؛ كالمدفون بالبيت، ومال ابن السبيل، والدين على المفلس المقر؛ فإن الحكم يدار على مظنة النماء وإن لم توجد حقيقته. ولنا: قول علي … إلى آخره: هو المال، فإن النماء شرط بالاتفاق، وفي

стр. 1508

زَكَاةَ فِي المَالِ الضَّمَارِ) وَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ المَالُ النَّامِي وَلَا نَمَاءَ إِلَّا بِالقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ وَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ. وَابْنُ السَّبِيلِ يَقْدِرُ بِنَائِبِهِ، وَالمَدْفُونُ فِي البَيْتِ نِصَابٌ المال الذي لا يرجى عوده؛ لا يتصور النماء إلا تقديرا ولا تحقيقا. كذا في المبسوط (١). وفي الأسرار: الشارع أَلْحَقَ اليد بأصل الملك، فإن الغاصب يضمن كالمتلف، مع أنه ما زال إلا اليد (٢)، ولأن غير النقدين من الأموال إنما يكون نصابًا؛ بجعل المالك إياه للتجارة وولاية التجارة لليد، حتى أن بيع الأبق والساقط في البحر وغيرهما لا يجوز؛ لتعذر التسليم، فصار هذا فوق ما جعله للبذلة، فصارت في الحقيقة ذهاب ولاية التجارة عن ذلك المال، ولما لم يكن المال في يده، ولم يمكنه التجارة؛ صار كالهالك تقديرًا؛ لتعذر الانتفاع به تجارة، وصار كمال المكاتب إذا رجع إلى المولى بعد العجز. قال التمرتاشي: المال الضمار غير منتفع به؛ فيكون كالهالك، بخلاف الدين المؤجل؛ لأنه أخر الانتفاع وصار في الغائب (٣). وفي جامع الكردري: يجب الزكاة في الدين المؤجل؛ لأنه منتفع في حقه؛ لأن ما أجله الزيادة في الثمن، أو قدره الاستنماء فائتة بصنعه وهو التأجيل، فيجعل قائمة في حقه (٤). فإن قيل: لو أعتق الآبق عن كفارة يجوز، ولو كان مالكا لما جاز كالأعمى والزمن. قلنا: لما جاز إعتاق المكاتب مع فوات اليد والفوات من وجه؛ لما أن التحرير يحل الرق دون اليد، يجوز إعتاق العبد الآبق أيضًا؛ لأن الرق لا ينتقض بالإباق كما لا ينتقض بالكتابة.

стр. 1509

لتيسر الوصول إليه، وفي المدفون في أرض أو كرم اختلاف المشايخ. ولو كان الدين على مقر مليء أو معسر تجب الزكاة لإمكان الوصول إليه ابتداء أو بواسطة التحصيل، وكذا لو كان على جاحد وعليه بينة أو علم به القاضي لما قلنا. ولو كان على مقر مفلس فهو نصاب عند أبي حنيفة ﵀ لأن تفليس القاضي لا يصح عنده. وعند محمد: لا تجب لتحقق الإفلاس عنده بالتفليس. (اختلاف المشايخ): فقيل: يجب لإمكان الوصول. وقيل: لا يجب؛ لأنها غير حرز، ويعتبر الوصول إليه بالسير (١). (لإمكان الوصول ابتداء)؛ أي: في المقر المليء. (أو بواسطة التحصيل)؛ أي: في حق المعسر؛ لأنه يمكن أن يرث مالا في الحال، أو يهبه آخر ويكتسب؛ لما قلنا وهو إمكان الوصول. قوله: (مقر مفلس): من التفليس، وفي بعض النسخ: مفلس من الإفلاس. والمعنى والحكم يختلفان باختلاف اللفظ؛ أما المعنى فيقال: أفلس الرجل؛ صار مفلسا؛ أي: صارت دراهمه فلوسا، كما يقال: أخبث الرجال؛ إذا صار أصحابه خبثا، وأما فلسه القاضي تفليسا؛ أي: نادى عليه أنه أفلس. كذا في الصحاح (٢). وأما الحكم: فقال بعض المشايخ: الخلاف في التفليس لا في الإفلاس؛ فإن فيه الدين عليه نصاب بالاتفاق، فيزكيها إذا قبض لما مضى، وأما بعد التفليس؛ فليس بنصاب عند محمد كما هو أصله، وتعليل الكتاب بقوله: (لأن تفليس القاضي)؛ يدل على أن اللفظ بالتشديد (٣)، وبدليل ما ذكر التمرتاشي. أن الدين على مقر مفلس نصاب: خلافا لمحمد. وقيل: الخلاف فيمن فلسه القاضي، ولم يشترط الطحاوي التفليس على قول محمد، وقيل: أن يفلسه.

стр. 1510

وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي تَحَقُّقِ الإِفْلَاسِ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ نَظَرَهُ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ رِعَايَةٌ لِجَانِبِ الفُقَرَاءِ (*). (فأبو يوسف مع محمد): وإلا فمع أبي حنيفة، فإنه ذكر المحبوبي: لو كان المديون مفلسًا؛ تجب زكاة ما مضى على صاحب الدين إذا قبضه عندهما، وعند محمد: إذا أفلسه القاضي فلا زكاة عليه، بناء على مذهبه؛ أن التفليس يتحقق ويصير الدين به تاويًا، وعند أبي حنيفة: التفليس لا يتحقق؛ لأن المال غاد ورائح، وقول أبي يوسف مبني على قوله الأول (١). وقيل: في وجه قول أبي يوسف: أنه وإن كان يتحقق عليه عنده؛ لكن محل الدين الذمة، والذمة باقية والمطالبة كذلك، حتى يكون لصاحب الحق الملازمة، فلا يكون تاويًا، فإذا قبضه زكاة لما مضى. وذكر أبو اليسر: قول أبي يوسف مع قول محمد في عدم الوجوب مطلقا، من غير اختلاف الرواية بناء على اختلافهم في تحقق الإفلاس (٢). وفي جامع الكردري: وهذا في المفلس الذي فلسه القاضي؛ لأن عند أبي حنيفة لا يتحقق الإفلاس، خلافًا لهما، وأبو يوسف ترك أصله؛ احتياطا لأمر الزكاة ورعاية لجانب الفقراء (٣). وعلى هذا الخلاف وجوب صدقة الفطر بسبب العبد الآبق، والضال والمفقود والمغصوب؛ إذا لم يكن للمالك بينة وحلف فحلف. وذكر التمرتاشي: ولم يذكر وجوب الأضحية على قول أبي حنيفة، وينبغي أن لا تجب؛ لأن نفس الملك بلا يد مع إمكان الوصول لا يكفي لوجوبها، كما في ابن السبيل، بخلاف الزكاة؛ فإن الملك مع إمكان الوصول يكفي لوجوبها (٤).
следующие страницы →