← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قَالَ: (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي المَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ، كَالبَقُّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ … ... … ... حوض له مشارع، والماء متصل بالواجهة لا يضطرب فتوضأ رجل في مشرعه لا يجوز، وإن كان الماء أسفل من الألواح قليلا جاز، هذا كله مذهبنا، والشافعي اعتبر القلتين، ومالك التغير. وفي المبسوط: يتوضأ الرجل من حوض وخاف أن يكون فيه قذر ولا يستيقنه، قيل: إن سأل عنه جاز؛ لأن الأصل في الماء الطهارة، والتمسك به وخوفه بناء على الظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا، ولا يسأل لأن السؤال للحاجة عند عدم الدليل والأصل دليل، ألا ترى أن عمر أنكر على عمرو بن العاص سؤاله بقوله: يا صاحب الحوض لا تخبرنا (١). قوله: (نَفْسٌ سَائِلَةٌ): دم سائلة، وفي المستصفى: النفس بسكون الفاء الدم (٢). وفي النهاية: إما دم، أو الدم محل النفس على حسب اختلاف الحكماء، فكان إطلاق الاسم الحال على المحل (٣). وذكر (الزنابير) بلفظ الجمع دون غيره لأن فيها أنواعًا شتى. وقال الشافعي: يفسده - في قول - لأنه ميتة، وهو حرام بالنص، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، والتحريم آية النجاسة إلا السمك لقوله ﵇: «أُحِلَّتْ لَنا مِيتَتَانَ» (٤)، الحديث.

стр. 177

لَا بِطَريقِ الكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ دُودِ الخَلِّ وَسُوسِ الثِّمَارِ، لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ فِيهِ: «هَذَا هُوَ الحَلَالُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ مِنهُ»، وَلِأَنَّ المُنَجَّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ المَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، حَتَّى حَلَّ المُذَكَّى. وفي قول: لا يفسده، وهو الأصح، كذا في شرح الوجيز (١). وقوله: (لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ): احتراز عن الآدمي فإنه حرام لكرامته، قال القاضي أبو زيد: حرمة الشيء مع صلاحيته للغذاء دليل النجاسة كالكلب والخنزير. (وَلَنَا قَوْلُهُ ﵇ فِيهِ): أي في مثل هذه الحالة، روى سلمان: أنه ﵇ سئل عن إناء فيه طعام أو شراب يموت فيه ما ليس له دم سائل؟ قال ﵇: «هُوَ الحلال أكلُهُ وشُربُهُ» (٢)، الحديث، وكذا في مختصر السهيلي. روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «إذا وقع الذباب في طَعامِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، ثُمَّ انْقُلُوهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمَّا وَفِي الآخَرِ شِفاءً، وإنه لَيُقَدِّمُ السُّمَّ على الشفاء» (٣)، كذا في صحيح البخاري، والمبسوط. وفي النافع: «فإنّ في أحد جناحيه داءً، وفِي الآخر دواءً»، ومعلوم أنه بالمقل في طعام حار يموت من ساعته، ولو كان موته به يوجب تنجيسًا لكان هذا أمرًا بالتضييع وقد نهينا عنه، والحديث وإن ورد في الذباب لكن يثبت الحكم في أخواتها بدلالة النص، أو بحديث آخر، أو بالإجماع. (وَلِأَنَّ الْمُنَجَّسَ هو اخْتِلَاطُ الدَّمِ)، إلى آخره، ولهذا لو صلى مع فأرة أو عصفورة حية لم تفسد صلاته. وفي المبسوط: الحيوان إنما يتنجس بالموت لما فيه من الدم المسفوح بدليل أن المذكى طاهر، والدم حرام بالنص قال تعالى: ﴿أَوْ دَمَا مَّسْفُوحًا﴾.

стр. 178

لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ، … ... … ... … ... … [الأنعام: ١٤٥]، فما ليس له دم لا يتنجس بالموت؛ كالزروع، والأشجار بالقطع، فلا يتنجس ما مات فيه قياسًا على ما خلق منه (١). قوله: (لإنعدام الدَّمِ فِيهِ)، فإن قيل: يلزم على هذا التعليل مذبوح المجوسي والوثني ومتروك التسمية عامدًا فإن الدم زال عنه ولم يحل، ومذبوح المسلم بالتسمية الذي لا يعلم حياته يقينا، ولم يسل الدم بعارض بأن أكل ورق العناب فإنه يحل، مع أن الدم لم يسل. قلنا: أما ذبيحة المجوسي والوثني، وتارك التسمية عمدًا طاهر على الأصح، وإن لم يؤكل لعدم أهلية الذابح شرعًا، ذكره في الْمُجْتَبى (٢). ولأن الشرع جعل مذبوحه كالمنخنقة لعدم الأهلية، وتعلق الحكم بالسبب المُرِيق وهو الزكاة الشرعية لا نفس الإراقة فسقطت الإرادة، ودار الحكم مع سببه. وأما فيما ذبحه مسلم ولم يسل الدم بعارض فجعل الدم كأنه سال شرعًا لقيام سببه، وربما لا يريق لعارض والعوارض لا تدخل في القواعد، كذا في النهاية (٣). فإن قيل: لو كان المنجس هو الدم يلزم أن يكون الدموي من الحيوان نجسا سواء كان قبل الحياة أو بعدها؛ لأنه يشمل على الدم في كلتا الحالتين. قلنا: الدم حال الحياة في معدنه لا يكون نجسا، بخلاف الذي بعد الموت؛ لأن الدماء بعده تنصب على مجاريها فلا تبقى في معدنها فيتنجس اللحم بتنشره إياها، ولهذا لو قطعت العروق بعد الموت لا يسيل الدم منها، كذا في الفوائد الظهيرية (٤).

стр. 179

وَلَا دَمَ فِيهَا، وَالحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ كَالدِّينِ. قَالَ: (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي المَاءِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ، كَالسَّمَكِ وَالضِفْدِعِ وَالسَّرَطَانِ) (وَلَا دَمَ فِيهَا)، أي: في هذه الأشياء، وهو البقُّ والذباب ونحوهما، وفي صلاة البقالي: لو مص البق الدم لم ينجس عند أبي يوسف لأنه مستعار، وعند محمد ينجسه، وفي جميع التفاريق: الخلاف على العكس، والأصح في العلق إذا مص الدم أنه يفسد الماء، قال صاحب الْمُجْتَبَى: ومن هذا يعرف حكم القراد والحلم (١). وقوله: (وَالحُرْمَةُ لَيْسَتْ)، إلى آخره جواب عما قال الخصم إن التحريم لا بطريق الكرامة آية النجاسة كالطين، وفي جامع الكردري: وخص من الآية السمك والجراد باعتبار عدم الدم والمتنازع فيه بمعناهما فيلحق بها، والأتان طاهر ولا تؤكل، وكذا لحوم السباع إذا ذبحت طاهرة ولا تؤكل. وفي الحاوي: جازت الصلاة مع لحم البازي المذبوح وكذا كل شيء، لم يؤمر بإعادة الصلاة في سؤر مثل الحية والفأرة، وجميع الطيور تجوز الصلاة مع لحمها إذا كانت مذبوحة، وقال نصير: إذا ذبح شيء من السباع فجلده طاهر، ولحمه، نجس، بخلاف الطيور، والحية، والفأرة. قوله: (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ) أي في الماء. وقوله: (فِي الْمَاءِ)، ظرف لـ (يَعِيش)، وقوله: (فيه) ظرف للموت، وفي بعض النسخ لم يذكر كلمة (فيه)، وشمس الأئمة الكردري أثبتها لتكون المسألة مجمعًا عليها؛ لأنه إذا مات في غير الماء قيل: يفسده، وقيل: لا يفسده (٢). وفي البدرية: قدم السمك لأنه مجمع عليه، وهذا إذا مات حتف أنفه، أما إذا قتل في الماء جرحًا فعند أبي يوسف يفسده على ما روى المعلا عنه. وفي المُجْتَبَى: عن أبي يوسف إن ماتت حية عظيمة مائية، أو سمك في الماء يفسده (٣).

стр. 180

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ إِلَّا السَّمَكُ، لِمَا مَرَّ. وَلَنَا: أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ، فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُكَّهَا دَمًا، وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا، إِذِ الدَّمَوِيُّ لَا وفي الحاوي: مات الضفدع في العصير، قال نصير: لا يُصَبُّ، وقال أبو الليث: هذا على قياس قول أبي يوسف فإنه اعتبر الدم السائل حتى إن صبَّهُ الماء لو ماتت في الماء عنده لو كانت بحال لو خرجت يسيل منها الدم فسد الماء، والضفدع لا دم له فلا يُصَبُّ، على قياس أبي حنيفة لا يفسد (١). وقوله: (لِمَا مَرَّ) إشارة إلى قوله: (لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ) فحينئذ كل ما حرم أكله ينجس الماء عنده، كذا في الحلية. قال الكاثي: قوله: (لا يفسده) أقوى من قوله (لا ينجسه)؛ لأن قوله (لا يفسده) يؤذن بأنه يبقى طاهرًا وطهورًا، وقوله (لا ينجسه) يفيد طهارته لا طهوريته؛ كالتراب طاهر وليس بطهور إلا عند الضرورة حكما لا حقيقة. (كَبَيْضَةٍ حَالَ) أي تغير مُحُها أي صفرتها دمًا، يعني لو صلى وفي كمه تلك البيضة تجوز صلاته؛ لأن النجاسة في معدنها لا تعطى له حكم النجاسة، بخلاف ما لو صلى وفي كمه قارورة دم حيث لا يجوز؛ لأنها في غير معدنها (٢). وعند الشافعي البيضة إذا استحالت دما فهي نجسة في أصح الوجهين، ولو صارت مذرة وهي التي اختلط بياضها بصفرتها فهي طاهرة بلا خلاف (٣). وعموم قوله: (مَاتَ فِي مَعْدِنِهَا) يقتضي أن لا يعطي للوحوش والطيور حكم النجاسة إذا مات في معدنها؛ لأن معدنها البر، ولهذا جعل شمس الأئمة تعليل قوله: (لا) دم فيها أصح، قال: ليس لهذه الحيوانات دم سائل فإن ما فيها يبيض بالشمس، والدم إذا شُمِّس يَسْوَدُّ، ولهذا قال في الكتاب: وهو الأصح (٤). وفي الخبازية: سئل محمد عن ضفدع مات في الخل؟ قال: لا ينجسه. قيل له: من أين تقول؟ قال: أرأيت لو مات في الماء ثم صب في الخل

стр. 181

يَسْكُنُ المَاءَ، وَالدَّمُ هُوَ المُنَجِّسُ، وَفِي غَيْرِ المَاءِ، قِيلَ: غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ المَعْدِنِ. وَقِيلَ: لَا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ، وَهُوَ الأَصَحُ. لم يتنجس الخل (١)، وهذا يدل على أن المانع من التنجس عدم الدم لا وجود المعدن، إذ لو كان المانع وجود المعدن وجب أن يتنجس الخل بصب ما مات فيه الضفدع لاختلاط أجزائه بالماء فتحصل أجزاؤه في الخل، وهو غير معدن فوجب أن يتنجس لانعدام المانع عن التنجس بعد وجود الموجب، وحيث لم يتنجس دل على أن المانع عدم الدم. وعن أبي يوسف: إذا تقطر لهذه الحيوانات دم في الماء يفسده، بناء على قوله (إن دمه نجس)، وهو ضعيف؛ لأنه لا دم لها لما بينا، وقال الطحاوي: الطافي من السمك يفسد الماء، وهو غلط في الطافي أكثر فسادا من أنه غير مأكول فهو كالضفدع والسرطان. وعن محمد: الضفدع إذا تفتت في الماء كرهت شربه لا لنجاسته، بل لأن أجزاءه فيه فهو غير مأكول، كذا في المبسوط (٢). وفي الفتاوى الظهيرية: البحري ما يكون بين أصابعه سترة دون البري. قوله: (ثُمَّ السَّمَكَ يُفْسِدُه)، وهو [قول] (٣) نصير بن يحيي، ومحمد بن سلمة، وأبي معاذ البلخي، وأبي مطيع. وقيل: لا يفسده، وهو قول أبي عبد الله البلخي، ومحمد بن مقاتل، كذا في المحيط (٤)، وهو الأصح. وذكر التمرتاشي: لو ماتت هذه الحيوانات في الخل، والعصير، والمرق فمن اعتبر الدم لم يفسده، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهشام عن محمد، ومن اعتبر المعدن نجسه، وهو رواية عن أبي يوسف، وفي الباقلي إشارة إلى أن أبا حنيفة اعتبر المعدن، وهما اعتبرا الدم السائل، والصحيح عنه في موت طير الماء فيه لا ينجسه.

стр. 182

والضفدع البَحْرِيُّ وَالبَرِّيُّ فِيهِ سَوَاءٌ. وَقِيلَ: البَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الدَّمِ وَعَدَمِ المَعْدِنِ، وَمَا يَعِيشُ فِي المَاءِ مَا يَكُونُ تَوَلَّدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي المَاءِ، وَمَائِيُّ المَعَاشِ دُونَ مَائِيِّ المَوْلِدِ مُفْسِدٌ. قَالَ: (وَالمَاءُ المُسْتَعْمَلُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ)، خِلَافًا وقيل: إن كان يفرخ في الماء لا يفسده وإلا فيفسده ويفسد غير الماء باتفاق الروايات. وفي كلب الماء اختلاف المشايخ، كذا في الْمُجْتَبى (١). قوله: (والماء المستعمل لا يُطهَّر الأحداث) قيد به لما أنه يطهر الأنجاس فيما روى محمد عن أبي حنيفة، وفي جامع الاسبيجابي: الماء المستعمل ثلاثة أنواع، نوع طاهر بالإجماع؛ كالمستعمل في غسل الأعيان الطاهرة، ونوع نجس بالاتفاق؛ كالمستعمل في الأعيان النجسة، وفي الاستنجاء قبل أن يحكم بطهارة ذلك الموضع، ونوع مختلف فيه، وهو الذي توضأ به محدث أو اغتسل جنب بعد أن لم يكن على أعضائه نجاسة حقيقية. ثم الكلام فيه في ثلاثة مواضع: أحدها: في حكمه، والثاني: في سببه، والثالث: في وقته، أي في وقت يصير مستعملا، للشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه طاهر وطهور، وهو قول مالك (٢)، وداود (٣). والثاني: قول زفر، وفي الجديد: طاهر غير مطهر، وهو قول محمد (٤)، وأحمد (٥)، وهو المشهور عن أبي حنيفة ﵀، وهذه الرواية هي الصحيحة، نص عليه القدوري في كتاب تفريد المسائل، وفي المحيط، والزاد، وفتاوى الولوالجي، والمجتبى والكبرى، وعليه الفتوى لعموم البلوى. وقال محمد: يكره شربه ولا يحرم ويعجن به (٦)، وروى الحسن عن أبي

стр. 183

لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ، هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ الطَّهُورَ مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالقَطُوع. وَقَالَ زُفَرُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ ﵀: إِنْ كَانَ المُسْتَعْمِلُ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ حنيفة أنه نجس نجاسة غليظة. وروى عنه أنه نجس نجاسة خفيفة وبه أخذ أبو يوسف. الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى كالقطوع، وفي الكافي: هذا غير مثبت في القوانين. وقال صاحب الكشاف، وصاحب المغرب: الطهور مبالغة في الطاهر (١). وما حكى عن ثعلب أنه ما كان طاهرًا في نفسه مطهرا لغيره، إن كان هذا زيادة بيان لنهايته في الطهارة كان شديدًا، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ﴾ [الأنفال: ١١]، وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء، وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية كقطوع غير سديد. وسمعت عن شيخي ﵀ إذا كان الطهور مبالغة في الطاهر ينبغي أن يكون مطهرًا لغيره، وإلا لا يبقى الفرق بين الطاهر والطهور، فحينئذ يصير متعديا على هذا التقدير فيكون للتكثير كالقطوع، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال في موضع آخر: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، ولم يتضح لي سر هذا الكلام. وجه قول مالك أنه ماء طاهر لاقى محلًّا طاهرًا فكان طهورا كما كان، كماء غسل به ثوب طاهر، وجه قول محمد ما روى عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض فتوضأ النبي ﷺ وصب عليه الغسالة فأفاق، وكذا فعل في حق جابر، ولو كان نجسا لما استشفى ﵇ به مع قوله: " إِنَّ اللهَ تَعَالَى لم يَجْعَلْ شفاءكم فيما حُرِّمَ عَلَيْكُم " (٢)، وروى البخاري: كان ﵇ إذا توضأ

стр. 184

طَهُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، لِأَنَّ العُضْوَ طَاهِرُ حَقِيقَةٌ، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ المَاءُ طَاهِرًا، لَكِنَّهُ نَجِسٌ حُكْمًا، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ المَاءُ نَجِسًا فَقُلْنَا بِانْتِفَاءِ الطَّهُورِيَّةِ وَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ (*)، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، لِأَنَّ مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ لِلطَّاهِرِ لَا تُوجِبُ التَّنَبُّسَ، إِلَّا كَادُوا يقتتلون على وضوئه (١)، وفي حديث آخر: يتمسحون بوضوء النبي ﷺ (٢)، فدل على طهارته، ولأن الصحابة كانوا يتوضؤون ويتقاطر على ثيابهم ولا يغسلونها، ولأنه طاهر لاقى طاهرا؛ فإن الأعضاء طاهرة حقيقية وشرعًا كما بينا، فلا ينجس الماء كما لو غُسل به ثوب طاهر، إلا أنه أقيم به قربة فزال عنه صفة الطهورية كمال الصدقة لما أقيم به القربة تغيّر صفته فزال عنه الطيب، لكن بقي طاهرا حلالا في نفسه. وجه رواية أبي يوسف قوله ﵇: «لَا يَبولَنَّ» الحديث، [وراويه] (٣) أبو هريرة، فالنبي ﷺ سوى بين النجاسة الحكمية والحقيقية حيث نهى عن الاغتسال في الماء القليل كما نهى عن البول فيه، ولهذا لو اغتسل الجنب يؤخر غسل رجليه كيلا يتنجسا ثانيًا بالماء المستعمل. فإن قيل: القِران في النظم لا يوجب القران في الحكم فلا يلزم تنجس الماء به لجواز أن يكون النهي عنه باعتبار صفة طهوريته لا باعتبار نجاسته. قلنا: قد بينا أن مطلق النهي للتحريم خصوصا إذا كان مؤكدًا بنون التأكيد لا باعتبار القران ولأنهم أجمعوا على أن المسافر إذا خاف العطش حل له التيمم مع وجود الماء ولا يؤمر له بالتوضي وجمع الغسالة للشرب مع عزته في ذلك الموضع والمعنى أن الحديث في منع الصلاة فوق النجاسة الحقيقية فإن القليل من الحدث مانع ومن الحقيقية لا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. ولأنه ماء أزيلت به النجاسة الحكمية؛ لأن عضو المحدث والجنب له حكم

стр. 185

أَنَّهُ أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ صِفَتُهُ كَمَالِ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: هُوَ نَجِسٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ» الحَدِيث، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الحُكْمِيَّةُ فَيُعْتَبَرُ بِمَاءٍ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الحَقِيقِيَّةُ، ثُمَّ فِي رِوَايَةِ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةٌ اعْتِبَارًا بِالمَاءِ المُسْتَعْمَلِ فِي النَّجَاسَةِ الحَقِيقَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ ﵀، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةٌ خَفِيفَةٌ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ. النجاسة شرعًا، وقد أزيلت تلك النجاسة بالماء فيتنجس كما في الحقيقية بحقيقة أنه تعالى أخبر عن الحقيقي والحكمي بكلمة واحدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. فإن قيل: هذا يتحقق في المحدث والجنب، أما في المتوضئ ثابتا بنية القربة فلا؛ لأنه لم يكن في أعضائه من النجاسة الحكمية. قلنا: لما نوى القربة فقد ازداد طهارة على طهارة، ولن تكون طهارة جديدة إلا بإزالتها حكمًا، فصارت الطهارة على الطهارة وعلى الحدث سواء، كذا في الأسرار (١). وأما الجواب عما تمسك محمد من الحديث أن صب النبي ﷺ وتماسحهم به لا يدل على أن المصبوب والذي تمسحوا به هو المتساقط من أعضائه ﵇، بل يجوز أن يكون الماء الذي فضل عنه ﵇ من وضوئه، ولهذا جاء في بعض رواياته الصحيحة: فجعلَ الناسُ يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون (٢)، وفي لفظ النسائي: «فأخرج بلال فضل وضوئه فابتدر الناسُ» (٣)، وليس المراد به المتساقط من وضوئه، وكذا في حديث الصب فلا يدل على طهارة الماء المستعمل. وأما الجواب عن عدم غسل الصحابة ثيابهم أن حكم الاستعمال يثبت له

стр. 186

قال: (وَالمَاءُ المُسْتَعْمَلُ: هُوَ مَاءٌ أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ أَوْ اسْتُعْمِلَ فِي البَدَنِ عَلَى وَجْهِ القُرْبَةِ)، قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. بالاستقرار على الأرض عند البعض وعند آخرين، إن ثبت بالمزايلة لكن في الثياب ضرورة فعفي عن ذلك. ثم في رواية الحسن عن أبي حنيفة نجاسة غليظة كما في العينية، ولكنه بعيد لأن للبلوى تأثيرًا في تخفيف النجاسة، وهذا في الماء المستعمل ظاهر لأن صون الثياب عنه غير ممكن وهو مختلف في نجاسته فلذلك خف حكمه، كذا في المبسوط (١). قوله: (الماء المستعمل)، هو كذا، وفي البدرية: هذا من حيث الشريعة، أما لغة: هو ما استعمل في أي شيء كان، ومن حق الكلام أن يقدم تعريفه على حكمه، إلا أن هذا الكتاب لبيان الأحكام قدم الحكم، هذا بيان صيرورته مستعملا. قال أبو بكر الرازي: سببه أحد الأمرين عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو إما إزالة الحدث، أو قصد القربة، وعند محمد قصد القربة فقط. وعند زفر والشافعي إزالة الحدث، حتى لو توضأ المحدث أو الجنب بنية القربة يصير الماء مستعملا بالإجماع، ولو توضأ المتوضئ للتبرد لا يصير مستعملا بالإجماع (٢). ولو توضأ المحدث المتبرد يصير مستعملا عندهما وزفر، وعند محمد لا؛ لعدم قصد القربة، وكذلك عند الشافعي لعدم إزالة الحدث عنده بلا نية (٣). ولو توضأ المتوضئ لقصد القربة يصير مستعملا عند الثلاثة، خلافًا لزفر والشافعي.

стр. 187

وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إِلَّا بِإِقَامَةِ القُرْبَةِ (*) لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إِلَيْهِ، وَإِنَّهَا تُزَالُ بِالقُرَبِ، وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: إِسْقَاطُ الفَرْضِ مُؤَثُرٌ واستدل المشايخ على هذا بمسألة الجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو، فعند محمد الرجل طاهر، والماء طاهر؛ لأن زوال الجنابة لا تتوقف على النية فيطهر منها نوى أو لم ينو، والماء لا يصير مستعملا لعدم القربة، وعند أبي يوسف الماء بحاله والرجل بحاله؛ لأنا لو قلنا بطهارة الرجل يصير الماء مستعملا، ومتى قلنا بنجاسة الماء يتعذر طهارة الرجل؛ لأنه لا يتصور أن يخرج طاهرا من ماء نجس، ومتى قلنا بنجاسة الرجل لا يصير الماء مستعملا فيدور هكذا إلى ما لا يتناهى، وسهم الدور ساقط. فقلنا: الرجل بحاله والماء بحاله، وعند أبي حنيفة ﵀ الماء والرجل نجسان كما ذكر في المتن وبعض أصحابنا أنكروا هذا الخلاف وقالوا: لا خلاف بين الثلاثة أن الماء يصير مستعملا بإزالة الحدث، وإنما لم يقل محمد في الجنب المنغمس أنه يصير مستعملا للضرورة، كما لم يقل في الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف أو المحدث للضرورة، حتى لو أدخل رأسه أو رجله يصير مستعملا لعدم الضرورة (١). قوله: (بانتقال نجاسة الآثام)، والإثم نجس لقوله ﵇: «من أصابَ من هذه القاذورات فَلْيَستَتِرْ بسَترِ اللهِ تَعالى» (٢)، ولأنه شعبة من الكفر وهو أقوى من النجاسات والآثام يزال بالقرب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال ﵇: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» (٣)، وجاء في الخبر: «من غسل وجهه تناثرت خطاياه مع آخر قطر الماء» (٤)، إسقاط

стр. 188

أَيْضًا فَيَثْبُتُ الفَسَادُ بِالأَمْرَيْنِ، وَمَتَى يَصِيرُ المَاءُ مُسْتَعْمَلًا؟ الصَّحِيحُ. أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ العُضْوَ صَارَ مُسْتَعْمَلا، لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ الاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا الفرض مؤثر أيضًا؛ لأن تغير الماء عندهما لزوال نجاسة حكمية إلى الماء، وقد زالت في الحين. قوله: (ومتى يصير الماء مستعملا)، هذا بيان وقت أخذه حكم الاستعمال، والكاف في كما زايل العضو للمفاجآت لا للتشبيه، كما تقول: كما خرجت رأيت زيدًا، أي فاجأت ساعة خروجي ساعة رؤية زيد، يعني يصير الماء مستعملا مفاجئًا وقت زواله عن العضو وقت الاستعمال من غير توقف إلى وقت الاستقرار كما زعم بعض مشايخنا. وفي المحيط: كما زايل العضو يصير مستعملا، والاجتماع والاستقرار في مكان ليس بشرط بصيرورته مستعملا وهو مذهب أصحابنا (١). وسمعت عن شيخي هذا في حق ما لا ضرورة فيه كثياب غير المتوضئ. وقيل: في حق المغتسل لأنه قليل الوقوع لا في حق المتوضئ، وما ذكر في بعض الشروح في اشتراط الاجتماع في موضع فذاك مذهب سفيان الثوري، وإبراهيم النخعي، وبعض مشايخ بلخ، وأبي حفص الكبير، وظهير الدين المرغيناني وفي فتاويه: اتفق علماؤنا أن الماء المستعمل على وجه القربة ما دام مترددا في العضو لا يعطي له حكم الاستعمال، فإذا زال ولم يصل إلى موضع يستقر فيه سواء كان أرضًا أو كف مستعمل، أو إناء وجرى على عضو إنسان لم يصر متوضئًا، وقال أصحاب العشرة ببخارى: الاستقرار شرط، وهو اختيار الصدر الشهيد (٢). وقال أبو الليث في فتاواه: [شرطية الاستقرار] (٣) مذهب سفيان الثوري لا مذهب أصحابنا بدليل ما ذكر في كتاب الصلاة، مسائل، منها: أن المتوضئ لو

стр. 189

ضَرُورَةَ بَعْدَهُ، وَالجُنُبُ إِذَا انْغَمَسَ فِي البِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ: فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: الرَّجُلُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الصَّبٌ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ لِإِسْقَاطِ الفَرْضِ، وَالمَاءُ نسي مسح رأسه فمسح ببلل أخذه من لحيته لا يجوز. ومنها: لو نسي مسح رأسه ثم مسح خفيه ثم تذكره، ثم مسح رأسه ببلل في كفه قبل الاستقرار لا يجوز. ومنها: أن المتوضئ لو بقي لمعة على يده فبلها ببلة نقلها من وجهه لا يجوز إن لم يوجد الاستقرار، واستدل الثوري ومن تابعه بما ذكرنا من عدم غسيل الصحابة ثيابهم وبمسائل، منها: إذا توضأ واغتسل وبقي في يده لمعة فأخذ البلة منها في الوضوء أو من أي عضو كان في الغسل وغسل اللمعة. ومنها: لو بقي في كفه بلة فمسح بها رأسه جاز. ومنها: لو مسح أعضاءه بالمنديل فابتل جاز الصلاة عليه. وأجابوا عن المسألة الأولى في العضو الواحد منع النقل يفضي إلى الحرج، وجميع البدن في الجنابة كعضو واحد. وعن الثانية: فقد ذكر الحاكم إنما يجزيه إذا لم يكن استعمله في شيء من أعضائه وإلا لا يجوز، والصحيح أنه يجوز وإن استعمله في المغسولات؛ لأن الفرض تأدى بما جرى على العضو لا بالبلة الثانية في الكف، وحكم الاستعمال سقط في المنديل والثياب للحرج والضرورة. قوله: (لطلب الدلو)، قيد به إذ لو انغمس للاغتسال يفسد الماء عند الكل، والمراد من الجنب الذي ليس في بدنه نجاسة من المني وغيره، وهذه مسألة خرجها أبو بكر الرازي لبيان الاختلاف كما بينا وجه التخريج. (وهو شرط)، أي: الصب، (عنده)، أي: في الماء الذي ليس بجار، ولا هو في حكم الجاري إذ الصب فيهما لا يشترط عنده أيضًا، وروي عنه أن الصب شرط في طهارة الثوب أيضًا (١)، وهو قول الشافعي (٢)، فوجهه أن

стр. 190

بحاله لعدم الأمرين، وعند محمد ﷺ كلاهما طاهران: الرجل لعدم اشتراط الصب، والماء لعدم نية القربة. وعند أبي حنيفة ﷺ كلاهما نجسان: الماء القياس يأبى التطهير؛ لأن الماء يتنجس بأول الملاقاة فلا يحصل به التطهير، وإنما حكمنا بالطهارة ضرورة أن الشرع كلفنا بالتطهير والتكليف يعتمد القدرة وسمى الماء طهورا، وذلك يقتضي حصولها به والضرورة تندفع بطريق الصب فلا يصار إلى وجه آخر، مع أن الماء حالة الصب بمنزلة الماء الجاري، وفي غير حالة الصب الماء الراكد، والراكد أضعف منه. ووجه رواية الفرق لأبي يوسف بين الثوب والبدن أن غسل الثوب بطريق الصب لا يحصل إلا بكلفة، وغسل البدن يتحقق بالصب بلا كلفة فيشترط فيه دونه، فعندهما وعند أبي يوسف في رواية: يطهر الثوب بالماء الثالث لأجل البلوى والضرورة؛ فإن الماء الجاري لا يوجد في كل موضع ثم الماء للطافية يتداخل في أجزاء الثوب فتخرج النجاسة أولا، ثم يخرج الماء على أثره بالعصر فيظهر الثوب لعدم الأمرين وهما إسقاط الفرض، ونية القربة. وقدم قول أبي يوسف ولم يوسطه كما هو حقه لزيادة احتياجه إلى البيان، قال القدوري: كان شيخنا أبو عبد الله الجرجاني يقول: الصحيح عندي من مذهب أصحابنا أن إزالة الحدث يوجب استعمال الماء، ولا معنى لهذا الخلاف إذ لا نص لهم على هذا الوجه، وتسمى هذه مسألة جحط، الجيم: عبارة عن نجاسة الرجل والماء، والحاء: عبارة عن حالهما، يعني يبقى كل واحد منهما على ما كان، والطاء: عبارة عن طهارة كل منهما، فعند أبي يوسف الرجل بحاله لعدم الصب فإنه شرط لإسقاط الفرض عنده، والماء بحاله لأنه لا نجاسة عليه حقيقة، وإنما يتغير بإسقاط الفرض، أو إقامة القربة ولم يوجد. وعند محمد: هما طاهران لعدم اشتراط الصب، وقد وصل إلى الماء وهو مطهر بلا نية، والماء بحاله لأن المغير وجه القربة ولم يوجد، كذا في الكافي، ثم قال فيه: وصاحب الهداية علل بالعدم، والصحيح قد اندرج فيما ذكرنا (١).

стр. 191

لِإِسْقَاطِ الفَرْضِ عَنِ البَعْضِ بِأَوَّلِ المُلَاقَاةِ، وَالرَّجُلُ لِبَقَاءِ الحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الأَعْضَاءِ (*). وَقِيلَ: عِنْدَهُ نَجَاسَةُ الرَّجُلِ بِنَجَاسَةِ المَاءِ المُسْتَعْمَلِ. وَعَنْهُ: أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرُ، لِأَنَّ المَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ. قال شيخي العلامة ﵀: التعليل بالعدم صحيح في العلة المخصوصة كما قال محمد في ولد المغصوبة لم يضمن لأنه لم يغصب على ما عرف في الأصول، والماء بعد انتفاء النجاسة الحقيقية عنه لا يتغير إلا بأحد الأمرين عنده. وقد بين المصنف وجه الانحصار قبيل هذا بخطوط، ثم استدل بعدهما على انتفاء التغيّر فكان صحيحًا، وكذا الاستدلال بعدم الشرط على عدم المشروط صحيح لأنه هو الأصل وثبوته قبل الشرط يعارض على ما عرف. ومعنى قوله: (الرجل طاهر) لعدم اشتراط الصب، أي الرجل طاهر لعدم المانع عن الطهارة بعد تحقق ما يوجبها وهو إصابة المطهر بدنه بالانغماس، لكن لما لم يكن فيه اشتباه ووقع الاشتباه في وجود المانع بين عدمه، ولم يبين الموجب للطهارة لوضوحه، ثم هذا لو كان تعليلا بالعدم لكان ما علل به صاحب الكافي كذلك أيضًا؛ فإنه بين المغيّر أولا بقوله: (إنما يتغير بكذا وكذا)، ثم استدل على عدم التغير بعدم المغيّر بقوله (ولم يوجد)، وهذا تعليل بالعدم، لكنه لما بناه على الانحصار المذكور صح، فكذا تعليل المصنف. (وهو أوفق الروايات)، أي للقياس، وقال الكاثي: أي أسهل. وفي شرح المجمع: وهذه الرواية صحيحة؛ لأن الماء ما دام مترددا على الأعضاء فالضرورة داعية إلى الحكم بطهارته، وبعض الانفصال لا ضرورة. مسألة: وقع الماء المستعمل في البئر لا يفسده عند محمد، ويجوز التوضؤ منه إذا لم يغلب على الماء، وهو الصحيح كالماء المقيد.

стр. 192

قَالَ: (وَكُلُّ إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَجَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَالْوُضُوءُ مِنهُ، … ... … .. وقيل: لا يجوز الوضوء وإن لم يغلب، بخلاف بول الشاة، مع أن كلا منهما طاهر عنده لأنه من جنس ماء البئر فلا يستهلك فيه، بخلاف البول فيعتبر فيه الغالب. وفي فتاوى قاضي خان: لو صب الماء المستعمل فيها ينزح عشرون دلوا عند محمد لأنه طاهر عنده فكان دون الفأرة، وعندهما ينزح أربعون دلوا، وقيل جميع الماء (١). ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يكره الوضوء في المسجد إلا أن يكون فيه موضع أعد للوضوء وعند محمد لا بأس به إذا لم يكن عليه قذر (٢). قوله: (وكل إهاب دبغ)، تتعلق هذه المسألة بثلاثة مواضع، بمسألة الصيد لمناسبة طهارة جلد الصيد بالدباغ، وبمسألة الصلاة لمناسبة جواز الصلاة فيه، وبمسألة الوضوء المناسبة جواز الوضوء عنه فلذا ذكرها في هذه المواضع، وفي المستصفى ليس موضعه هاهنا، لكنه ذكرها هاهنا بطريق الاستطراد؛ لأن في بعض الأحكام عنه (٣). وفي البدرية: قال جازت الصلاة فيه بأن جعله ثوبًا، ولم يقل عليه بأن جعله مُصلَّى وإن كان الحكم فيهما واحدًا؛ لأن البيان في الثوب يصير بيانًا في المصلى لأن الاستعمال في الأول أكثر، ولأن الأول منصوص عليه، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. والثاني ملحق به بدلالة النص، والوضوء منه بأن جعل قربة. روي أنه ﵇ توضأ من ماء شَنَّ (٤)، هو من جلد الحمار المدبوغ، وفائدة ذكرهما بعد قوله: (طَهُرَ) مع أن حصول الطهارة توجب جواز الصلاة فيه

стр. 193

إِلَّا جِلْدَ الخِنْزِيرِ وَالآدَمِيّ)، لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، والوضوء منه الاحتراز عن قول مالك فإنه يقول: يطهر ظاهره دون باطنه، فيصلي عليه لا فيه، ويستعمل في اليابس دون الرطب (١)، أو التأكيد بطهارته والرد على من لا يقول بطهارة الجلد المدبوغ. قوله: (إلا جلد الخنزير)، قدَّمه على الآدمي وإن كان حقه التأخر لشرف الآدمي لما أن هذا الموضع موضع إهانة؛ لأنه في بيان النجاسة، كما قدمت الصوامع في قوله تعالى: ﴿هُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠] الآية. قوله: (" أَيُّمَا إِهَاب ") الحديث رواه الخمسة غير البخاري، أي يكره يراد به جزء ما يضاف إليه، وقد وصفت بصفة عامة فيتعمم. فإن قيل: قد خص منه جلد الخنزير والآدمي بالإجماع، فيجوز أن يخص منه جلد الميتة بالقياس عليه، أو بقوله ﵇: «لا تنتفعوا بإهاب ولا عَصَب». قلنا: هذا لا يعارض عموم الحديث؛ لأن الإهاب اسم لغير المدبوغ، ذكره في المغرب (٢)، وكذا قال الأصمعي. وفي الفائق: سمّي إهابًا لأنه أهبة للحي، وبناء للحماية له على جسدها، كما يقال المسك لإمساكه ما وراءه (٣)، فإذا دبغ يسمى أديما، وجربا أو جرابا، وحينئذ لا تعارض بين الحديثين، ولا يجوز القياس لأن الخنزير عينه نجس بالنص كما يجيء، وغلى الشافعي في جلد الكلب (٤).

стр. 194

وَهُوَ بِعُمُومِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ ﵀ فِي جِلْدِ المَيْتَةِ، وَلَا يُعَارَضُ بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنِ الانْتِفَاعِ مِنْ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وهو قوله ﵊: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب»، لِأَنَّهُ اسْمٌ لِغَيْرِ المَدْبُوعِ، وَحُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي جِلْدِ الكَلْبِ، وَلَيْسَ الكَلْبُ بِنَجِسِ العَيْنِ، وفي المبسوط: ظهر لباس الناس كجلد الثعلب، والفنك، والسمور ونحوها من غير نكير منكر فدل أنه يطهر بالدباغ. (١) وفي النهاية: وليس في تخصيص الكلب زيادة فائدة لما أن عند الشافعي كل ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده بالدباغ. ولكن ذكر في الحلية: كل بهيمة نجست بالموت يطهر جلدها بالدباغ ما عدا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وعن أبي يوسف وداود: يطهر جلد الكلب والخنزير أيضًا به، وقال أبو حنيفة ﵁: يطهر جلد الكلب بالدباغ لا الخنزير، وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر به جلد ما يؤكل دون ما لا يؤكل، وقال الزهري: لا أعرف الدباغ، ويستمتع بجلود الميتات من غير دباغ، وقال أحمد: لا يطهر شيء من جلود الميتات بالدباغ، وروى ذلك عن مالك. وهل يجب غسله بعده؟ عند الشافعي فيه وجهان، عند بعض أصحابه يجب، وعند البعض لا (٢). أما لو دبغ بشيء نجس فلابد من الغسل وجهًا واحدًا، ويطهر. قوله: (وليس الكلب إلى آخره)، اختلفت الروايات في هذه المسألة، في المبسوط: أنه يطهر جلده بالدباغ عندنا ومالك، وقال الحسن: لا يطهر، وهو قول الشافعي، وأحمد (٣). ثم الصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس، إليه أشار محمد في الكتاب ثم قال وبعض مشايخنا يقولون عنه ليس بنجس ويستدلون بطهارة جلده

стр. 195

أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةٌ وَاصْطِيَادًا، بِخِلَافِ الخِنْزِيرِ، لِأَنَّهُ نَجِسُ العَيْنِ، إذ الهَاءُ بالدباغ (١). وفي الإيضاح ذكر الاختلاف فيه، وفي مبسوط شيخ الإسلام: عن بعض أصحابنا في جلده روايتان في رواية يطهر به وفي رواية لا يطهر. وفي فتاوى قاضي خان: عينه نجس (٢). وفي المحيط: لو وقع الكلب في الماء فأخرج حيًّا إن أصاب فمه الماء نزح جميع الماء وإن لم يصب فعلى قولهما كذلك، وعن أبي حنيفة لا بأس به، وهذا يشير إلى أن عينه ليس بنجس عنده (٣). وفي التجريد: الكلب نجس العين عندهما خلافًا لأبي حنيفة، وذكر الصدر الشهيد أنه يطهر بالزكاة ويجوز بيعه، وفي شرح أحمد: حي الكلب ليس بنجس العين، وعند الشافعي نجس العين كالخنزير؛ لاجتماعهما في النجاسة (٤)، كذا في السهيلي. قوله: (ألا يرى أنه ينتفع به)، فإن قيل: أشكل هذا بالسرقين فإنه نجس مع أنه نجس ينتفع به إيقادًا، وتقوية للزراعة. قلنا: هذا انتفاع بالاستهلاك وهو جائز في نجس العين كالاقتراب من الخمر للإراقة، كذا نقل عن شمس الأئمة الكردري. قوله: (بخلاف الخنزير)، وفي مبسوط شيخ الإسلام: من مشايخنا من قال: إنما لم يطهر جلد الخنزير بالدباغ لأنه لا يندبغ؛ لأن شعره نبت من لحمه، ولو تصور دبغه لطهر، وقال بعضهم: لا يطهر وإن اندبغ؛ لأنه محرم العين (٥). وفي شرح الطحاوي: يجوز الانتفاع بشعره للضرورة ولا يجوز بيعه، ولو

стр. 196

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] مُنْصَرِفُ إِلَيْهِ لِقُرْبِهِ، وَحُرْمَةُ الانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ، فَخَرَجَا عَمَّا رَوَيْنَا، ثُمَّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالفَسَادَ فَهُوَ دِبَاغٌ، وَإِنْ كَانَ تَشْمِيسًا أَوْ تَتْرِيبًا، لِأَنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ، فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ، ثُمَّ وقع في الماء لا يفسده، وهذا قول محمد، وعند أبي يوسف شعره نجس حتى لا ينتفع به الخرازون أيضًا، وفي رواية عنه طاهر. قوله: (منصرف إليه)، أي إلى الخنزير، فإن قيل: المضاف والمضاف إليه إذا كان كل واحد منهما صالحًا لعود الضمير يعود إلى المضاف، كما يقول: رأيت ابن زيد وكلمته، وما نحن بصدده من هذا القبيل. قلنا: يجوز عود الضمير إلى المضاف إليه كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥]، وفي الكشاف: يجوز عود الضمير إلى العهد وإلى الله، وهذا نص على ذلك ولما جاز رجع الضمير إلى الخنزير هنا حمل عليه لكونه شاملاً للمضاف وأقرب المكني والاحتياط في العمل بخلاف ما ذكرت من النظير فلأنه لا يكون شاملاً للمضاف فلو حمل على الأقرب لا يكون محمولاً على المقصود بالذكر. وفي قوله: (فلا معنى لاشتراط غيره) نفي قول الشافعي، فإن عنده لا يكون دباغا إلا بما يزول به الدسومات النجسة عنه وذلك باستعمال [القرظ] (١) وهو شجر كالجوز عظما إذا قَدُمَ اسوَدَّ، ويدبغ بثمره وورقه، والعفص ونحوهما لأنه طهارة شرعية فيقتصر على مورد الشرع، والشرع ورد بالدباغ بالمتقوم كالقرظ (٢) والعفص دون غيرهما من التراب والشمس. وقلنا: المقصود وهو إزالة الرطوبات النجسة وإخراجه عن كونه صالحًا لمنفعة الأكل تحصل بالتشميس والتتريب، كذا في المبسوط. وفي الحلية: قال أبو نصر سمعت بعض أصحاب أبي حنيفة يقول: إنما يطهر بالتشميس إذا عملت الشمس به عمل الدباغ (٣)، وهذا يرفع الخلاف.

стр. 197

مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدَّبَّاغِ يَطْهُرُ بِالزَّكَاةِ، لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الدَّبَّاغِ فِي إِزَالَةِ الرُّطُوبَةِ النَّحِسَةِ، وَكَذَلِكَ يَطْهُرُ لَحْمُهُ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا. وفي جواز بيع الجلد بعده قولان أصحهما وهو الجديد أنه يجوز، وهو قول أبي حنيفة، وفي قوله القديم: لا يجوز (١)، وبه قال مالك (٢). قوله: (وما يطهر جلده بالدباغ) إلى آخره، وهذا اختيار بعض المشايخ، وعند بعضهم إنما يطهر جلد الحيوان بالدباغ إذا لم يكن سؤره نجسا، ذكره في فتاوى قاضي خان (٣). (لأنه) أي الذكاة على تأويل الذبح، وكذلك يطهر لحمه وهو قول مالك. وفي الأسرار: من مشايخنا من قال: لا يطهر لحمه بالذكاة، وهو الصحيح عندنا، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأن الحرمة لا للكرامة فيما يعتاد أكله تدل على النجاسة، لكن بين اللحم والجلد جلدة رقيقة تمنع مماسة اللحم الجلد فلا ينجس، وبه أخذ المحققون من أصحابنا، وأبو جعفر، والناطفي، وشيخ الإسلام خواهر زاده، وقاضي خان (٤). وفي الخلاصة: وهو المختار. وقال بعضهم: يطهر لحمه وإن لم يحل للأكل بدليل أن جلده يطهر بالذكاة، والجلد متصل باللحم، وبه أخذ المصنف، وبه قال مالك. وفي القنية: قال الكرابيسي والقاضي عبد الجبار: مجوسي ذبح حمارًا، قيل: لا يطهر، والصحيح أنه يطهر، وقال الساعي: ولو ذبحه مسلم ولم يسم طهر، وقال حسام الشهيد (٥): لا يطهر (٦).

стр. 198

قَالَ: (وَشَعْرُ المَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: نَجِسٌ، لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ المَيْتَةِ، وَلَنَا: أَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِمَا، وَلِهَذَا لَا يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِمَا فَلَا يَحُلُّهُمَا المَوْتُ، … .. قوله: (وقال الشافعي نجس)، وفي بعض النسخ: (نجسان). وفي الحلية: فأما الشعر والصوف والوبر فمحل الحياة، ويتنجس بالموت على المنصوص للشافعي في عامة كتبه، فعلى هذا إذا دبغ جلد ميتة وعليه شعر فيه قولان: أحدهما: أنه لا يطهر (١). وفي شرح الوجيز: الشعور هل تنجس بالموت والإبانة؟ فيه قولان: أحدهما: أنه لا تنجس لأنه لا تحلها الحياة، ولهذا لا يتألم لقطعها، وهو قول أبي حنيفة (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤)، واختاره المزني (٥). وأما العظام: ففي الحلية: في الظفر، والظلف، والقرن، والعصب، والريش، والنقا فيه طريقان أحدهما: أن فيه حياة وينجس بالموت، وبه قال مالك، وأحمد، واختاره المزني. والثاني: أن حكمه حكم الشعر، وهو قول أبي حنيفة، والثوري (٦). والقول الثاني: أنها نجسة لأنها أجزاء الميتة فتحلها الحياة كسائر الأجزاء ولأنها حادثة في الجملة فتكون تابعة لها في الطهارة والنجاسة، وفي السهيلي وجه القول الأول حديث أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا بأسَ بمَسْكِ الميتة إذا دُبغ، ولا بأس بشعرها وصوفها وقرنها إذا غُسل بالماء» (٧)، وقيده ﵇ بالغسل للنجاسة بالمجاورة بالميتة غالبًا.

стр. 199

إذ المَوْتُ زَوَالُ الحَيَاةِ. وفي شرح الأقطع: روى أنس أن عامل أيلة أهدى إلى النبي ﵇ مشطاً من عاج فكان يمتشط به (١)، ويروى أنه ﵇ اشترى لفاطمة سوارين من عاج (٢)، وظهر استعمال الناس من غير نكير. وجه القول الثاني قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ [يس: ٧٨]، ولأنه ينمو بنماء ذي الروح، وقال مالك: ويتألم بقطع العظم كما في السن دون الشعر (٣). قلنا: أنه بيان من الحي فلم يتألم العظم بالقطع، بل يتألم ما هو متصل به من اللحم، وللناس كلام في السن أنه عظم أو طرف عصب؛ فإن العظم لا يحدث في البدن بعد الولادة، وتأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ [يس: ٧٨] أي النفوس، وهي أصحاب العظام، كذا قاله شيخ الإسلام (٤)، مع أن هذا لا يدل على سبق الحياة في العظم كقوله تعالى: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ١٩] ولا حياة فيها، ولأن ذلك في الآخرة ولعله يجعل الحياة في نفس العظم وأحوال الآخرة لا تضاهي أحوال الدنيا. وفي العصب روايتان: أحدهما: أنه يتنجس بالموت لما فيه من الحياة، ألا ترى أنه يتألم بقطعه بخلاف العظم فإن قطع قرن البقرة لا يؤلمها. قوله: (إذ الموت زوال الحياة)، هذا التعريف يصح على قول الفلاسفة، قال الكردري: الموت صفة وجودية عندنا، قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ﴾ [الملك: ٢]، ولأنه ضد الحياة، والضدان صفتان وجوديتان يتعاقبان على موضوع واحد، ويستحيل اجتماعهما، ويجوز ارتفاعهما، وزوال الحياة ليس بضد

стр. 200

(وَشَعْرُ الإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: نَجِسٌ، لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا الحياة، كما أن زوال السكون ليس بضده، فكأن هذا تعريفا يلازمه (١)، واستدل في المنافع بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ [النحل: ٨٠]، وفي شرح التأويلات: الصوف للغنم، والوبر للإبل، والشعر للمعز، والأثاث ما يتخذ من الثياب والأمتعة، فقد ذكرها مطلقا سواء كان للحي أو لغيره. والآية خرجت مخرج الامتنان، وهو إنما يكون بالظاهر؛ لأن استعمال النجس مكروه شرعًا وطبعًا، وكذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). قوله: (وشعر الإنسان)، ثم شعره وعظمه طاهران عندنا، أما الشعر فلأنه ﵇ حلق شعره وقسمه بين أصحابه (٣)، فلو كان نجسا لما جاز التبرك لهم، والذي قيل إذا طحن من الآدمي مع الحنطة لم يؤكل فذلك لحرمة الآدمي لا لنجاسته. والجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ما قاله العلامة: الميتة ما فارقه الروح بلا زكاة، ولا روح لهذه الأشياء فلم تدخل تحت التحريم. وفي مبسوط شيخ الإسلام: قولهم ينمو بنماء ذي الروح غير مسلم، كيف والحال أنه ينمو مع نقصان الأصل، فإنه إذا مرض الأصل وأخذ في النقصان فالشعر يزداد وينمو، وذلك لا يدل على أن فيه حياة كالنباتات، ولأن فيه ضرورة وبلوى فإن الآدمي إذا حلق رأسه أو مشط لحيته لابد أن يتناثر بعض شعره، فلو منع ذلك جواز الصلاة لضاق الأمر على الناس (٤). وفي الحلية: شعر الإنسان طاهر إذا قلنا أنه لا يتنجس بالموت في أصح القولين، فإن قلنا أنه ينجس به، وروى المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجس

стр. 201

يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَنَا: أَنَّ عَدَمَ الاِنْتِفَاعِ وَالبَيْعِ لِكَرَامَتِهِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. شعر الآدمي فمن أصحابه من جعل ذلك خاصا في حقه كرامة له ومنهم من جعله رجوعًا عن تنجس كل الشعور. وفي شعر النبي ﷺ إن قلنا أن شعر غيره نجس ففي شعره ﵇ وجهان، قال أبو جعفر الترمذي: طاهر، وقال غيره: نجس. وعن عطاء والحسن: أنه ينجس بالموت، ويطهر بالغسل بعده، وعند أبي حنيفة، ومالك (١)، وأحمد (٢): لا ينجس لما ذكرنا (٣). واللبن في ضرع الشاه الميتة نجس، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥)، وقال أبو حنيفة: طاهر ذائبًا كان أو جامدًا، وهو قول داود (٦). وعند أبي يوسف ومحمد: إن كان جامدًا يغسل ويؤكل، وإن كان ذائبًا لا يؤكل (٧). والجامد أن يكون بحال لو قور موضع لا يستوي من ساعته، كذا في المبسوط (٨). والأصل فيه عندنا أن الموت ليس بِمُنَجِّس بل المنجس الدماء والرطوبات السائلة وهو لا يقبل ذلك. وفي المحيط: عن محمد إذا أصلح مصارين الميتة أو دبغ المثانة وأصلحها طهرتا، وفي الكرش إن كان يقدر على إصلاحه يطهر كالمثانة، وقال أبو يوسف: لا يطهر الكرش كاللحم (٩).

стр. 202

فَصْلٌ فِي البِئْرِ (وَإِذَا وَقَعَتْ فِي البِئْرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَتْ، … .. وأما الفيل كالخنزير عند محمد، وعندهما يطهر بالذكاة، وعند محمد شعره طاهر يجوز الانتفاع به حتى لو صلى معه وهو أكثر من قدر الدرهم تجوز صلاته، وفي ظاهر الرواية نجس لا تجوز الصلاة معه (١). وعظم الفيل نجس عند محمد، وعن أبي يوسف أنه طاهر وهو الأصح (٢). وقال مالك: إن ذكى الفيل فعظمه طاهر (٣). أعاد سنه أو أذنه بعد الإبانة جازت صلاته في ظاهر المذهب، وعن محمد لا تجوز؛ لأن عظم الإنسان نجس على رواية الظاهر لقوله ﵇: «مَا أُبِينَ مِنْ الحَيِّ فهو مَيِّتُ» (٤)، وعند محمد لو: أعاد من نفسه يجوز، ولو أعاد سن غيره لا يجوز بالاتفاق، والرواية الصحيحة ظاهر المذهب لعدم حلول الموت فيه كذا في الكافي، والله أعلم. (فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ) لما ذكر حكم الماء القليل بتنجسه بوقوع النجاسة ورد عليه ماء البئر نقضًا في أنه لا ينزح كله في بعض الصور استدعى ذكره بفصل على حده؛ لأن كونه من الماء القليل يقتضي الاتصال وكونه مخالفا له في بعض الصور يقتضي الانفصال ذكره بفصل على حدة مرتبا عليه رعاية للمعنيين. (نزحت) أي البئر، يعني ماؤها، أطلقوا اسم المحل على الحال، والثأنيث باعتبار الإسناد الظاهري، ولا يجوز إسناد (نزحت) إلى النجاسة لأن بنزحها لا تطهر البئر فلا يتم جواب المسألة، وقوله: (نزحت) لبيان حكم المسألة، كذا

стр. 203

وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ المَاءِ طَهَارَةً لَهَا) بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَمَسَائِلُ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتبَاعِ الآثَارِ دُونَ القِيَاسِ، (فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ مِنْ بَعْرِ الإِبِلِ أَوْ الغَنَمِ: في البدرية (١). وفي قوله: (كان نزح ما فيها طهارة لها) إشارة إلى أنه لا يجب غسل الأحجار ونزح الطين مبنية على اتباع الآثار؛ إذ القياس فيها أحد الشيئين: إما أن تطم البئر طما كما قاله بشر المريسي؛ لأنه وإن نزح ما فيها يبقى الطين والحجارة نجسا، وإما أن لا تنجس كما نقل عن محمد: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري لأنه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فلا يتنجس كحوض الحمام إذا كان يصب من جانب ويؤخذ من جانب حيث لم ينجس بإدخال اليد النجسة إلا أنا تركنا القياس، وأمرنا بنزح بعض الدلاء اتباعًا للسلف، وهو الصحابة ومن بعدهم (٢). وقيد بقوله: (وقعت فيها) لأنها لو وقعت في جب أهريق الماء كله، كذا في المبسوط. وعند الشافعي: إذا بلغ ماؤها قلتين لم ينجس، وتستخرج الفأرة، ويبقى الماء طاهرا (٣). وعند مالك لا ينجسه ما لم يتغير أحد أوصافه كما مر (٤)، وبعض من لا خبرة له من أصحابه (٥) يطعنون في هذا ويقولون: ما أكيس دلو أبي حنيفة حيث ميز الماء النجس من الطاهر (٦)، وهذا في الحقيقة طعن [في] (٧) السلف من

стр. 204

لَمْ تُفْسِدُ المَاءَ) اسْتِحْسَانًا، وَالقِيَاسُ: أَنْ تُفْسِدَهُ لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي المَاءِ القَلِيلِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ آبَارَ الفَلَوَاتِ لَيْسَتْ لَهَا رُؤُوسٌ حَاجِزَةٌ، الصحابة والتابعين. فيقال لهم: ما أكيس قرعة الشافعي حيث ميزت بين الحر والرقيق، وكذا قال الشافعي في البينات: إذا تعارضت يميز الحق من الباطل بالقرعة، وقرعته تلك أكيس من دلونا، كذا في الفوائد الظهيرية. وفي المبسوط: ثم هم قالوا بالرأي ما هو أشد من هذا، فقالوا: في بئر فيها قلتان ماتت فيها فأرة ينزح منها دلو فإن حصلت الفأرة في الدلو فالماء الذي في الدلو نجس والذي بقي في البئر طاهر، وإن بقيت الفأرة في البئر فماء الدلو طاهر والذي بقي في البئر نجس، ودلوهم هذا أكيس من دلونا (١). وفي قوله: (ليس لها رؤوس حاجزة)، إشارة إلى أن حكم آبار الأمصار خلاف هذا، وهذا أحد وجهي الاستحسان الذي ذكره الإمام المحبوبي حيث قال: إن للاستحسان وجهين: أحدهما: الضرورة لأن آبار الفلوات ليس لها رؤوس حاجزة، والإبل والغنم تبرك حولها وتبعر والرياح تلقيها في البئر فلا يمكن الاحتراز عنها، فلو حكمنا بنجاسة الماء لأدى إلى الحرج، فعلى هذا لا فرق بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر، والبعرة والروث، ولكن نفرق بين آبار الفلوات والأمصار (٢). وفي مبسوط شيخ الإسلام: فلو كانت في الأمصار اختلف المشايخ فيه. قيل: تنجس بوقوع بعرة أو بعرتين لعدم الضرورة؛ لأنها لا تخلو عن حائل من تابوت أو حائط. وقيل: لا تنجس، اعتبار الوجه آخر من الاستحسان وهو أن البعرة شيء صلب على ظاهرها، رطوبة الأمعاء لا تتداخل في إخراجها، فعلى هذا إن وقع

стр. 205

وَالمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا، فَتُلْقِيهَا الرِّيحُ فِيهَا، فَجَعَلَ القَلِيلَ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الكَثِيرِ، وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ إِلَيْهِ، فِي المُرَوِّي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَاليَابِسِ، … .. نصف البعرة يفسده لأن النصف منه غير مستمسك، وهذا كالفأرة والحية والهرة إذا وقعن في البئر وأخرجت حية لا ينجسها، وذنب الفأرة ينجسها. قال شيخ الإسلام والصحيح أن الكل والنصف سواء للضرورة والبلوى (١). وذكر الحاكم الشهيد: إن كان رطبا ينجس وإلا فلا؛ لأن الرطب لا ينبعث بالريح لثقله ولصوقه بالأرض فلا ضرورة بخلاف اليابس. وعن الفضلي، وشمس الأئمة السَّرَخْسِي، والصدر الشهيد التسوية بينهما لتحقق الضرورة (٢). وفي الْمُجْتَبى: قيل وهو الأصح (٣)، وذكر التمرتاشي. واختلف في آبار البيوت والأصح التسوية بينها وبين آبار الفلوات. واختلف المشايخ في الروث والخثي، وفي المبسوط: الروث أو الخثي قليله وكثيره سواء لعدم صلابتهما، وكذا المتفتت من البعر في ظاهر الرواية يفسده إلا في رواية عن أبي يوسف أنه قال: القليل من الروث معفو وهو الأوجه، ووافق المحبوبي. ويعلم بهذه الروايات فائدة قوله: (ولا فرق بين الرطب واليابس). ثم البعر للبعير أو الشاة، والروث للفرس والحمار والبغل، والخثي بكسر الخاء واحد الأخثاء للبقر، كذا في الصحاح وغيره (٤). وذكر التمرتاشي: وبعر الإبل والغنم لا يفسد الماء ما لم يكثر، استحسانًا. واختلف في حد الكثير.

стр. 206

وَالصَّحِيحِ وَالمُنْكَسِرِ، وَالرَّوْثِ وَالخِثْيِ وَالبَعْرِ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الكُلَّ، وَفِي الشَّاةِ تَبْعَرُ فِي المِحْلَبِ بَعْرَةً أَوْ بَعْرَتَيْنِ، قَالُوا: تُرْمَى البَعْرَةُ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، وَلَا يُعْفَى القَلِيلُ فِي الإِنَاءِ عَلَى مَا قِيلَ. قيل: ما يأخذ ربع الماء وقيل أكثره. وقيل: كله وقيل: ما لم يسلم كل دلو من بعرة أو بعرتين، وقال في المبسوط: وهو الصحيح. وقيل: ما يغير به طعم الماء، أو لونه، أو ريحه، وقيل: ما يستقبحه الناظر. وقيل: مفوض إلى رأي المبتلى به، لكن ذكر البعرتين في الكتاب يشير إلى أن الثلاث كثير. (وعليه) (١): أي على المروي عنه؛ لأن من رأي أبي حنيفة أن لا يقدر بشيء بالرأي، في مثل هذه المسائل التي تحتاج إلى التقدير كما في البئر المعين كذا في الكافي وقيل الضمير في (عليه) يرجع إلى المروي عنه وهو الذي رواه البعض أنه مفوض إلى رأي المبتلى به. وقد ذكر في جامع الكردري: المختار قول أبي حنيفة وهو أنه مفوض إلى رأي المبتلى به. قوله: (يرمي البعرة ويشرب)، يعني إذا رميت من ساعته ولم يبق لها لون لعموم البلوى، إذ من عادتها أنها تتبعر عند الحلب كما في الأرواث والأخثاء في الكرش فإنها عفو، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وفي الْمُجْتَبى: وقع عظم الميت في البئر وعليه لحم أو دسم ينجس، وإلا لا، ولو تلطخ العظم بنجاسة وتعذر إخراجه يطهر بالنزح وكان غسلا للعظم، ولو سال النجس على الآجر ثم وصل إلى الماء فنزحها طهارة للكل، وفي البعد المانع بين البالوعة والبئر من وصول النجاسة خمسة أذرع في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص: سبعة أذرع، قال الحلواني: المعتبر الطعم والريح، فإن لم يوجد فيه طعم ماء البالوعة ولا ريحه فهو طاهر وإن كان بينهما ذراع، وإلا ينجس وإن كان بينهما عشرة أذرع، وكذا في فتاوى العصامي، وإن حفروا منها مقدار ما وصلت إليه النجاسة فنبع الماء فهو طاهر وإلا فلا (٢). (على ما قيل): أي لاختلاف المشايخ، فالقليل عفو عند البعض.

стр. 207

لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ كَالْبِئْرِ فِي حَقِّ الْبَعْرَةِ وَالبَعْرَتَيْنِ. (فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا خُرْءُ الحَمَامِ أَوْ العُصْفُورِ لَا يُفْسِدُهُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ: أَنَّهُ اسْتَحَالَ إِلَى نَتَنِ وَفَسَادٍ، فَأَشْبَهَ خَرْءَ الدَّجَاجِ. وَلَنَا: إِجْمَاعُ المُسْلِمِينَ عَلَى وقيل: المواشي تبعر فالقليل عفو للضرورة. (إنه): أي للإناء كالبئر. قوله: (خُرْءُ الْحَمَامِ)، إلى آخره، ولنا إجماع المسلمين، روى أبو أمامة الباهلي: أن النبي ﵇ شكر الحمامة فقال: «إنها أوكَرَتْ على باب الغارِ فجزاها الله تعالى بأن جعل المساجد مأواها»، فهذا دليل طهارة خرئها. وعن ابن مسعود أنه خريت حمامة عليه فمسحه بإصبعه، وكذلك عمر ذرق عليه طائر فمسحه بحصاة ثم صلى. وخرؤ ما لا يؤكل من الطيور، ذكر محمد في الجامع الصغير أنه لا تجوز الصلاة به وإن كان أكثر من قدر الدرهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا تجوز لأنه بمنزلة خرء ما لا يؤكل من السباع (١). ثم اختلف المشايخ في قولهما، منهم من قال: ينجس عندهما، لكن التقدير بالكثير الفاحش لمعنى البلوى، والأصح أنه طاهر عندهما إذ لا فرق بين ما يؤكل وما لا يؤكل في الخرء، وخرء ما يؤكل طاهر، فكذا خرء ما لا يؤكل، كذا في المبسوط (٢). ولأنها تذرق من الهوى، ولا يمكن الاحتراز عنه، ولا كذلك الدجاج، والبط، والأوز. وفي مبسوط شيخ الإسلام: اختلف العلماء في خرء الحمام والعصفور في طهارته ونجاسته، مع اتفاقهم على سقوط حكم النجاسة، لكن عند البعض السقوط من الأصل، وعند الآخرين للضرورة. وعلى قوله: استحال إلى نتن وفساد يشكل المني فإنه يستحيل إلى فساد

стр. 208

اقْتِنَاءُ الحَمَامَاتِ فِي المَسَاجِدِ مَعَ وُرُودِ الأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا وَاسْتِحَالَتِهِ لَا إِلَى نَتْنِ رَائِحَةٍ فَأَشْبَهَ الحَمْأَةَ. فَإِنْ بَالَتْ فِيهَا شَاةٌ نُزِحَ المَاءُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مع أنه طاهر عنده، وكذلك سائر الأطعمة إذا فسدت لا ينجس. وفي حلية المؤمن: وذرق الحمام طاهر في الاختيار (١). (بتطهيرها): أي بتطهير المساجد، قال الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال ﵇: " جَنِّبُوا مساجِدَكم صبيانَكُم " (٢)، فأشبه الحمأة فإن لها رائحة وليس لها نتن وهي المعزة، وبالفارسية: (كل سياه). قوله: (فإن بالت فيها شاة)، وفي السهيلي: وكذا لو وقعت فيها قطرة دم أو غيره من النجاسات، وينزح ماء البئر فيطهر الحبل والدلو؛ لأن نجاستهما بنجاسة البئر فيطهران بطهارتها كحب الخمر إذا صار خلا، كذا في فتاوى الولوالجي (٣). ثم عند محمد بول ما يؤكل طاهر، وبه قال زفر، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، والزهري، والثوري، وعطاء (٦)، إلا أن يكون البول غالبا فحينئذ لا يجوز التوضؤ بمائها، كما في اللبن ولو أصاب الثوب لا يمنع الصلاة وإن كان الثوب مملوءًا به، ويجوز شربه للتداوي وغيره. وعندهما نجس لا يجوز التوضؤ به، وبه قال الشافعي (٧)، وإن غلبه الماء ويمنع الصلاة إذا فحش وعند أبي حنيفة لا يجوز شربه للتداوي ولغيره، وعند

стр. 209

مُحَمَّدٌ: لَا يُنْزَحُ إِلَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى المَاءِ، فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا (*)، وَأَصْلُهُ: أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، نَجِسٌ عِنْدَهُمَا. لَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ العُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» وَلَهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: «اسْتَنْزِهُوا مِنْ البَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنهُ» مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ … أبي يوسف يجوز شربه [للتداوي لا] (١) لغيره. واحتج محمد بحديث العرنيين وهو مشهور، وعرنة واد بحذاء عرفات، وبتصغيرها سميت عرينة وهي قبيلة ينسب إليها العرنيون، وإنما سقطت ياء التصغير عند النسبة لما أن يائي فعلية وفعيلة يسقطان عند النسبة قياسًا مطردًا، فيقال حنفي، ومدني، وجهني. وروي أنه ﵇ قال: «في أبوال الإبل شفاء للدرب (٢) (٣)، وهُوَ فساد المعدة». ولهما قوله ﷺ : "استنزهوا من البول" من غير فصل فيعم الجميع لأنه محلى باللام. في بعض نسخ الأحاديث (عن) مكان (من)، وفي المغرب: وأما قولهم استنزهوا البول لحن (٤). وفي المبسوط: لما ابتلي سعد بن معاذ بضغطة القبر سئل رسول الله ﷺ عنه، فقال: «إنه كان لا يستنزهُ مِنَ البول» (٥)، ثم قال: «استنزهوا» الحديث.

стр. 210

إلَى نَتَنِ وَفَسَادٍ فَصَارَ كَبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيَا، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس: أنه ﵇ مر بقبرين فقال: «إنهما لا يُعذِّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول - وفي رواية: لا يستنزه من البول - وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (١). فأما حديث العرنيين رواه أنس، فقد ذكر قتادة عن أنس أنه ﵇ رخص لهم في شرب الألبان، ولم يذكر الأبوال، فإذا دار بين أن يكون حجة، وبين أن لا يكون سقط. ثم نقول: خصهم النبي ﵇ بطريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، أو أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام ثم نسخ كما نسخت المثلة. وقيل: حدثهم قبل أن تنزل الحدود ثم نسخ، وفي بعض الروايات: «إنما فعل النبي ﵇ بهم ذلك لأنهم مثلوا بدعاته فجزاهم بمثل فعلهم». ثم وجه مناسبة عذاب القبر مع استنزاه البول هو أن القبر أول منزل من منازل الآخرة، والطهارة أول منزل من منازل الصلاة، والاستنزاه أول منزل من منازلها، والصلاة أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة، وكانت الطهارة أول ما يعذب بتركها في أول منزل من منازل الآخرة. (إلى نتن وفساد): قيد بهما احترازًا عما لا نتن فيه؛ فإن ما يحيله الطبع على نوعين: نوع يحيله إلى الفساد، وهو نجس كالدم والغائط، ونوع لا يحيله إليه كالبيضة وهو ليس بنجس، هذا هو القياس الصحيح، كذا ذكره في الأسرار (٢). وذكر المحبوبي في جواب محمد أن كون اللحم طاهرًا لا يدل على طهارة البول؛ فإن لحم الآدمي طاهر، وحرمته لكرامته، وبوله نجس.

стр. 211

حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ بِالشِّفَاءِ فِيهِ، فَلَا يُعْرَضُ عَنْ الحُرْمَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي لِلْقِصَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ (*). قَالَ: (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأَرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ أَوْ صَعْوَةٌ أَوْ سُودَانِيَّةٌ أَوْ سَامٌ أَبْرَصُ: نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ عِشْرِينَ دَلْوًا إِلَى ثَلَاثِينَ، بِحَسَبِ كِبَرِ الدَّلْوِ وَصِغَرِهَا) يَعْنِي: بَعْدَ (للتداوي): لقول ابن مسعود إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم (١). وقوله: (لطهارته عنده)، منقوض بلبن الأتن السودانية. طويرة: طويلة الذنب تأكل الجراد وتقتله وتأكل العنب أيضا. (وسام أبرص) كبار الوزغ. (وصغرها) أي: صغر الدلو. وفي المجتبى: بحسب كبر الفأرة وصغرها (٢). وقيل: بحسب كبر البئر، وصغرها، وفي البدرية: ما زاد على الصاع فهو كثير وما دونه صغير. وفي مبسوط شيخ الإسلام: قدر هذا الدلو بالصاع بعد إخراج الفأرة؛ لأنها سبب النجاسة، ومع بقائها لا يمكن الحكم بالطهارة، ولو كان الدلو يقطر فيها لا يضرها لأن الاحتراز عنه متعذر، ولو صب الدلو الأخير في بئر آخر فينزح منها دلو مثلها كما لو صب في البئر الأولى لأن حالهما واحدة، ولو صبت الدلو الأولى منها في بئر طاهر ينزح عشرون دلوا لما ذكرنا، كذا في المبسوط (٣).

стр. 212

إِخْرَاجِ الفَارَةِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي الفَارَةِ: «إِذَا مَاتَتْ فِي البِثْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا نُزِحَ مِنهَا عِشْرُونَ دَلْوا» وَالعُصْفُورَةُ وَنَحْوُهَا … ... … ثم اعلم أن الحيوان الواقع في البئر نوعان، نوع أخرج حيا، فإن كان آدميا طاهرا قد استنجى لم يجب نزح شيء، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يُنزَح عشرون دلوا، وإن كان محدثا فأربعون، وإن كان جنباً فالجميع، وإن كان لم يستنج ينزح الجميع، ثم غير الآدمي إن كان طاهر السؤر وما ينفصل منه كالحمام لا ينزح شيء، وإن كان المنفصل نجسًا كالشاة يلطخ فخذها ببولها ينزح عشرون دلوا عند أبي حنيفة لخفة نجاستها، وعند أبي يوسف جميعها كما لو وقع فيها قطرة من بولها. وإن كان مكروه السؤر كسكان البيوت، والسنّور، والدجاجة المخلاة ينزح منها دلا عند أبي حنيفة وإن لم ينزح فلا بأس به، وكذا الفرس عنده، وإن كان نجسا كالكلب والحمار والسباع ينزح كله (١). وفي الخزانة: ثمانية أشياء لو انغمست وأخرجت حيا ينزح الماء كله: البغل، والحمار، والكلب والخنزير، والفهد والنمر، والأسد، والذئب، وكذا كل ذي ناب من السباع، وقال الولوالجي: لو كان الحيوان حيا لا ينجس إلا الكلب والخنزير. والنوع الثاني: ما أخرج ميتًا، وهو نوعان متغير، وغير متغير، فإن كان قبل التغيير ففي الفأرة ونحوها ينزع عشرون دلوا أو ثلاثون، كذا أمر النبي ﵇ بذلك في رواية أنس، وعن علي ﵁ مثله. وفي الفاختة: والحمام والسنور أربعون أو خمسون، وفي رواية الحسن: ستون. وأمر أبو سعيد فيها بنزح أربعين دلوا، وفي الجدي فصاعدا ينزح كله لأنه ثقيل يصل إلى جميع الماء باضطرابه، ولحديث ابن عباس، وابن الزبير. وذكر التمرتاشي: يُنزَحُ في ولد الفأرة والحلمة عشرون، وفي الفأرة الهاربة

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من الهرة والهرة الهاربة من الكلب أخرجت حية تنزح كلها لأنها تبول غالبا. وقيل: بخلافه وعن أبي يوسف في الفأرة عشرون إلى أربع فأرات وفي الخمس أربعون إلى التسع وفي العشر كله كذا في فتاوى الظهيرية. وعن محمد في الثلاث: أربعون، وقيل: ثلاثون، وعنه إن كانت الفأرتان كالدجاجة فأربعون، وعن أبي حنيفة ﵁ في الصغير من الفأرة عشرون، وفي الكبير: أربعون، وبه قال زفر والحسن. وفي أجرابها كلها ثلاثون، وعن أبي حنيفة: السنوران كالواحدة، والثلاث كالشاة، وعن أبي يوسف في السنور الكل، وعن أبي حنيفة الإوز والسخلة أو الجدي كالدجاج وعنه كالشاة، وفي فتاوى الولوالجي: الفأرة الثلاث كالدجاجة، وحكم ما أخرج حيا حكم سؤره إن أصاب فمه الماء وإلا فطاهر (١). وفي المكروه عن أبي حنيفة ينزح ست أو خمس، وقيل: عشرون. وعن محمد: لا يكون النزح في شيء أقل من عشرين، وفي المشكوك ينزح الكل، وفي الطاهر الذي لم يستنج والحائض والكافر والذمي كله، هذا من تتمة ما ذكره التمرتاشي، وفي بحر المحيط: وجب نزح ماء البئر ثم ازداد. قيل: ينزح كله وقيل بقدر ما فيها وقت الوقوع. واختلفوا في التوالي فمن لم يشترطه إذا نزح بعضها ثم جاء في الغد وقد ازداد. قيل: ينزح كله وقيل مقدار البقية. وإن كان الدلو منخرقا يطهر إذا بقي فيه أكثر مائه ولو وجب نزح مائها فغار الماء ثم عاد نجسه، [في] (٢) الجامع الأصغر قال شداد هو طاهر وفي الملتقط وهو الصحيح لأنه بمنزلة النزح. وفيه ولو وجب نزح البئر فنزحوا كل يوم عشر دلاء أو أقل أو أكثر، حتى نزحوا مقدار الواجب. أجزأهم وقال نصر وكذا لو غار من الماء بقدر عشرين طهر الباقي. وعن محمد غار ثم عاد ينزح عشرون ولو نحي الدلو الأخير عن وجه الماء دون رأس البئر

стр. 214

تُعَادِلُ الفَأرَةَ فِي الجُنَّةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا، وَالعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الإِيجَابِ، وَالثَّلَاثُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ. يجوز التوضؤ من البئر عند محمد خلافا لأبي يوسف عشر آبار وقعت في الكل فأرة فصب من الأولى دلواً في الثانية ثم في الثالثة فكذا إلى العاشرة. روى بشر عن أبي يوسف نصب من الأربع الأولى عشرون ثم التاسعة تسعة وثلاثون ونزح كل العاشرة. وفي المحيط، وفتاوى قاضي خان: وقع سبع ولم يُصِبْ فَمُهُ الماء ينزح الماء كله كما في الكلب والخنزير (١). وفي المحيط: ألحق الكافر بالكلب (٢)، وفي شرح الطحاوي: وقع الكلب فيها ثم خرج منها فانتفض فأصاب ثوب إنسان من ذلك الماء أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة به. قوله: (تُعادل الفأرة)، فإن قيل: قد مر أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار والنص ورد في الفأرة والدجاجة والآدمي وقد قيس ما عادلها بها. قلنا: بعد ما استحكم هذا الأصل صار كالذي ثبت على وفاق القياس في حق التفريع عليه كما في الإجارة وسائر العقود التي يأبى القياس جوازها إذا ورد الشرع بما صار بمنزلة العقود التي على وفاق القياس في حق التفريع، كذا في المستصفى والخبازية (٣). والأولى أن نقول: هذا إلحاق بطريق الدلالة لا بالقياس. قوله: (والعشرون بطريق الإيجاب، والثلاثون بطريق الاستحباب)، وهذا الوضع لمعنيين ذكرهما في مبسوط شيخ الإسلام، أحدهما: أن السنة جاءت في رواية أنس عنه ﵇ أنه قال في الفأرة ينزح منها عشرون دلواً أو ثلاثون، و (أو) لأحد الشيئين فكان الأقل ثابتًا بيقين، وهو معنى الوجوب، والأكثر يؤتى

стр. 215

قَالَ: (فَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا حَمَامَةٌ أَوْ نَحْوُهَا كَالدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ، نُزِحَ مِنهَا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا إِلَى سِتِّينَ، وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ) وَهُوَ الأَظْهَرُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَاجَةِ: إِذَا مَاتَتْ فِي البِئْرِ نُزِحَ لئلا يترك اللفظ المروي وإن كان مستغنى عنه في العمل، وهو معنى الاستحباب. والثاني: أن الرواية اختلفت فيه فروى ميسرة عن علي في الفأرة: ينزح منها دلا، وفي رواية: سبع دلاء، وفي رواية: عشرون، وفي رواية: ثلاثون. وعن ابن عباس أنه قال: فيها أربعون فأوجب بعضهم عشرين، وبعضهم أقل وبعضهم أكثر منه فأخذ علماؤنا بعشرين لأنه هو الوسط بين القليل والكثير وكان هو واجباً لتعيينه وفيما رواه استحبابا. قوله: (وهو الأظهر)، أي ما ذكر في الجامع الصغير أظهر؛ لأنه آخر التصنيفات فيكون القول المرجوع إليه، يعني كما ثبت التفاوت في الفأرة بين المحتوم والمستحب في حكم النزح بعد العشرة فكذا هاهنا. وقوله: (لما روي عن أبي سعيد الخدري) إن كان موقوفا عليه فهو كالمروي لأنه من المقادير ولا تعرف بالرأي كما في مقادير الصلاة والزكاة، مع أنه ذكر في مبسوط فخر الإسلام: روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ سئل عن فأرة تموت في البئر، فيجوز أن يكون في الدجاجة كذلك (١). دلوها الذي يستقي بها، وفي القدوري: وعَددُ الدّلاء يُعْتَبَرُ بالدلو الوسط المُسْتَعمَل في الآبار في البلدان لأنه أعدن.
следующие страницы →