← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يضم (١). وفي رواية: إذا اتحد وقت إدراكها يضم، وهو أحد قولي الشافعي. وقال مالك: يضم الحنطة إلى الشعير في إكمال النصاب، وكذا في القطنية يضم بعضها إلى بعض (٢). وعن مالك في رواية أخرى: أنها أجناس مختلفة كالربا فلا تضم، وبه قال الشافعي (٣)، واختلفت الرواية عن أحمد (٤). والقطنية: هي الباقلاء والعدس والحمص واللوبيا، سميت قطنية؛ لأنها تقطن في البيت؛ أي: تمكث فيه. كذا في الحلية (٥)، وتتمتهم. وفي شرح الطحاوي: أرض عشرية مشتركة بين جماعة، خارجها خمسة أوسق، ونصيب كل واحد دون خمسة أوسق؛ ففيها العشر عند أبي يوسف؛ لاعتباره الكل، ولا يجب عند محمد؛ لاعتباره نصيب كل واحد (٦)، وهو قول مالك. قوله: (وليس في الخضروات) (٧): والخضروات - بفتح الخاء -: لا غير الفواكه والبقول، وقد تقام مقامها الخضر، جمع خضرة، وهي لون الأخضر في الأصل، فسمي به، وعن علي: ليس في الخضر زكاة البقل والقثاء والخيار وما أشبهها. كذا في المغرب (٨). وإنما ذكر قوله: (وليس في الخضروات)، وإن كان يفهم من قوله: (لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية)؛ تأكيدًا.

стр. 1647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (ولأنه)؛ أي: العشر. (صدقة)؛ بدليل أنه يتعلق بنماء الأرض، كالزكاة تتعلق بنماء المال، وأنه لا يجب على الكافر ابتداء، وأنه يصرف مصارف الصدقات. (ما أخرجته الأرض)؛ أي: العشر بالإجماع، من غير فصل بين القليل والكثير، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] لا يفصل، فإنه جاء في التفصيل: أن المراد به العشر، وكذا قوله ﵇: «ما سَقَتْهُ السماء ففيه العشر» (١) لا يفصل. رواه النسائي، والترمذي بلفظ: «وما سَقَتْهُ العيون» (٢). وفي صحيح مسلم (٣) بلفظ: «فيما سقته الأنهار والغيم». فإن قيل: قد خص من عموم الكتاب أو الحديث القصب والحشيش بالإجماع، فيخصه بقوله ﵇: «ليس فيما دون … » الحديث (٤)، وبالقياس. قلنا: هو تخصيص الكتاب والخبر المشهور بالحديث، وما رواه غريب. كذا في الإيضاح. وفي أحكام القرآن للرازي: حديث الخضروات منكر، ذكره يحيى بن معين (٥)، وضعفه الترمذي أيضًا، وحديث: «ما سقته السماء … » الحديث (٦)، في حيز التواتر؛ فيوجب الحق في الجميع، فلا يجوز تخصيصه بما هو ضعيف. وقال الترمذي، وابن عبد البر: لا يصح في هذا الباب حديث (٧)، فلا يصح ترك عموم الحديث الصحيح.

стр. 1648

مَا أَخْرَجَت الأَرْضُ فَفِيهِ العُشْرُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَتَأْوِيلُ مَا رَوَيَاهُ: زَكَاةُ وفي الفوائد: لا يجوز التخصيص به؛ لأنه المراد منه: زكاة التجارة لما يذكر، وفيه تأمل. والقصب والحشيش خُصَّا لمعنى معلوم؛ وهو عدم الاستنماء عادة فيهما، حتى لو اتخذ مقصبة تجب الزكاة، فلا يجوز القياس. قوله: (وتأويل ما روياه) في الفوائد الظهيرية: ذكر الإمام الصفار: إذا ورد حديثان: أحدهما عام، والآخر خاص، وعلم التاريخ، فإن كان الخاص مقدمًا؛ كان العام ناسخًا له عند ابن أبان، وهو المأخوذ، وإن علم أن العام مقدم؛ كان الخاص مخصصًا له، وإذا لم يعلم التاريخ؛ قال محمد بن شجاع البلخي: يجعل العام كالخاص آخرًا لما فيه من الإحباط، هذا إذا لم يمكن الجمع بينهما، مع أن هاهنا لا تعارض (١)؛ لأن ما روينا مفسر بالعشر، وما روياه يحتمل العشر؛ بل الظاهر أن المراد منه الزكاة؛ إذ الصدقة المطلقة ينصرف إليه. وفي النهاية: العام المتفق أولى من الخاص المختلف (٢)، وما رواه أبو حنيفة عام متفق؛ لأنهما يسلمان أنه معمول في مقدار خمسة أوسق، وما ذكره غير معمول في حق العشر عنده؛ لأنه قال: هذا ورد في حق الزكاة. وفي مبسوط أحمد الطواويسي: أخذ أبو حنيفة هذا الأصل من عمر ﵁؛ فإنه عمل بالعام المتفق حين أراد جلاء بني النضير، فاعترضوا عليه بقوله ﵇: «اتركوهم وما يدينون» (٣)، وعمر تمسك بقوله ﵇: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» (٤)، وأجلاهم. نقله شيخ شيخي (٥).

стр. 1649

التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالأَوْسَاقِ، وَقِيمَةُ الوَسْقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالمَالِكِ فِيهِ فَكَيْفَ بِصِفَتِهِ وَهُوَ الغِنَى، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ الحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِنْمَاءِ وَهُوَ كُلُّهُ نَمَاءٌ. وَلَهُمَا فِي الثَّانِي: قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ فِي الخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَالزَّكَاةُ غَيْرُ مَنْفِيَّةٍ فَتَعَيَّنَ العُشْرُ، وَلَهُ: مَا رَوَيْنَا، وَمَرْوِيُّهُمَا (ولا معتبر بِالْمَالِكِ)؛ أي: لا اعتبار له، حتى يجب في أرض الوقف والمكاتب عندنا، ولا يسقط بموت من عليه. ذكره في المحيط (١)، والأسرار. (فكيف بِصِفَتِهِ)؛ أي: كيف يعتبر صفة المالك، وهو الغناء، وهذا جواب عن قولهما: (فاشتراط النصاب ليتحقق الغناء). وعند الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): لا يجب العشر في أرض المكاتب كالزكاة؛ لعدم ملك الرقبة، وكذا في الخارج من أرض الوقف على الرباط والمسجد، وعندهم: يجب في أرض موقوفة على أقوام بأعيانهم، فإنهم كالملاك عنده. (ولهما في الثاني)؛ وهو اشتراط البقاء، وراوي حديثهما معاذ والزكاة غير منفيه؛ لأن في الخضروات زكاة بالإجماع فتعين العشر، ولا يتعطل المصنف. بيانه: من كان له نصاب، فاشترى قبل الحول الخضروات فتم الحول؛ تجب الزكاة بالإجماع. (وله)؛ أي: لأبي حنيفة. (ما روينا)؛ وهو قوله: «ما أخرجته الأرض … » الحديث (٥)، وكذا عموم الآية والأحاديث المشهورة لا تترك بالحديث الغريب. قال الترمذي: حديث معاذ ليس بصحيح (٦)، ولئن ثبت فهو محمول على صدقة يأخذها العاشر؛ بدليل ما روى في بعض الروايات: «لا تأخذ من الخضروات صدقة».

стр. 1650

مَحْمُولٌ عَلَى صَدَقَةٍ يَأْخُذُهَا العَاشِرُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تُسْتَنْمَى بِمَا لَا يَبْقَى، وفي التحفة: والصحيح: ما قاله أبو حنيفة (١). قوله: (وبه أخذ)؛ أي: بمَرْوِيهُمَا يأخذ أبو حنيفة في هذا المحل: لا يأخذ منها العاشر. وفي مبسوط شيخ الإسلام: لا يأخذ منها العاشر، وعندهما: يأخذ قياسا على سائر الأموال (٢). وله: أن الأخذ ثبت نظرًا للفقراء، ولا نظر هاهنا؛ لأن العاشر في الأغلب يكون بعيدا عن البلد، ولا يجد فقيرًا ثمة ليصرفها إليه، فيحتاج إلى بعثها إلى البلد، فيؤدي إلى الضرر، فلا يأخذ بل يؤدي المال بنفسه. فإن قيل: ينبغي أن نأخذ القيمة بدلا عنها، كما في الخمر. قلنا: لا كلام إذا أعطي القيمة، أما لو أتى ويقول: أعطي من النصاب، فيقول أبو حنيفة: لا نأخذ بخلاف قيمة الخمر؛ لأنها تعين للأخذ؛ لكون الخمر غير متقوم في حق العاشر، وكذلك هاهنا؛ لأن الخضروات مال متقوم في حق الكل. فإن قيل: ينبغي أن يؤخذ ويصرف إلى عمالته. قلنا: عنده: لو أخذ ليصرف إلى عمالته له الأخذ، وإنما لا يأخذ لو أراد الصرف إلى الفقراء. (قد تُسْتَنْمَى بما لا يبقى)؛ بل الاستنماء بالخضر فوق الاستنماء بالحنطة والشعير؛ لأن نفع الخضر أعظم؛ ألا ترى أن عمر ﵁ وضع الخراج على الكرم أكثر مما وضع على المزارع؛ لما قلنا أن نفعه أبلغ. كذا ذكره شيخ الإسلام (٣).

стр. 1651

وَالسَّبَبُ هِيَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَلِهَذَا يَجِبُ فِيهَا الخَرَاجُ، أَمَّا الحَطَبُ وَالقَصَبُ وَالحَشِيشُ فَلَا تُسْتَنْبَتُ فِي الجِنَانِ عَادَةً، بَلْ تُنَقَّى عَنْهَا حَتَّى لَوِ اتَّخَذَهَا مُقَصَّبَةٌ أَوْ مُشَجَّرَةٌ أَوْ مَنْبَتًا لِلْحَشِيشِ، يَجِبُ فِيهَا العُشْرُ، وَالمُرَادُ بِالمَذْكُورِ القَصَبُ الفَارِسِيُّ، والواو في قوله: (والسبب)؛ واو الحال، والعامل فيه: (يستنمي)؛ يعني: يستنمي بما لا يبقى في حال كون الأرض سببًا، والسبب وهو الأرض النامية موجودة، فلو لم يجب شيء؛ يلزم إخلاء السبب عن الحكم بلا مانع. (ولهذا يجب فيه)؛ أي: فيما لا يبقى في الأرض، على تأويل المكان أو السبب. وفي بعض النسخ: (فيها)، وهو ظاهر، فلهذا يجب العشر؛ لأن كل واحد مؤنة الأرض النامية، فكما إنما لا يبقى بعد من نماء الأرض في الخراج، فكذا في وجوبه. قوله: (مقصبة أو مشجرة)؛ كالأرض المعدة للرطبة، أو للقصب للبيع، أو للأرض لقوائم الخلاف، أو لورق التوت كما في خوارزم وخراسان؛ فإنه يجب العشر فيهما، وورق التوت وأغصان الخلاف التي تقطع في كل أوان. كذا في درر الفقه (١). (والمراد بالمذكور)؛ أي: القصب المستثناة في الرواية. (القصب الفارسي)؛ وهو ما يتخذ منه للأقلام. كذا في المغرب (٢). قال شيخ الإسلام: القصب نوعان: ما يخرج منه العسل؛ يجب العشر في عسله دون خشبه، وما لا يخرج منه العسل كالقصب الفارسي؛ لا يجب فيه العشر (٣).

стр. 1652

أَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ وَقَصَبُ الذَّرِيرَةِ فَفِيهِمَا العُشْرُ؛ لِأَنَّهُ يُقصَدُ بِهِمَا اسْتِغْلَالُ الأَرْضِ، بِخِلَافِ السَّعَفِ وَالتَّبْنِ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ الحَبُّ وَالتَّمْرِ دُونَهُمَا، … ... الذَّرِيرَة: نَوْعٌ مِنَ الْقَصَبِ فِي مَضْغِهِ حَرَافَةٌ وَمَسْحُوقُهُ عَطِرٌ يؤتى به من الهند، ويسمى بها؛ لأنها تجعل ذرة ذرة وتلقى في الدواء، كذا نقل عن شيخ شيخي. وكذا في الخبازية؛ وفيها: وقيل: يدفع بها الهوام. وقيل: ما يذر على الميت؛ أي: ينثر (١). وفي المغرب: الذَّرِيرَة: نوع من قصب السكر متقارب العقد، وأنبوبه مملوء مثل نسج العنكبوت، ومسحوقه عطر يضرب إلى الصفرة والبياض، وفي مضغه حرافة، بخلاف السعف وهو ورق النخل (٢). وعن أبي الليث: أكثر ما يقال له السعف إذا يبس، فإذا كان رطبة فهي الشطبة (٣). فإن قيل: ينبغي أن يجب العشر في التبن؛ لأنه [كان] واجبًا وقت كون الزرع قصيلا، والتبن هو القصيل ذاتا، إلا أنه زادت فيه الْيُبُوسَةُ، وبها لا يتغير الواجب. قلنا: إنما لا يجب العشر في التبن؛ لأنه كان واجبًا في الساق قبل إدراك الزرع، حتى لو قصله يجب العشر في القصيل، فإذا أدرك تحول العشر منه إلى الحب، كما تحول الخراج من المكنة عند التعطيل إلى الخارج عند الخروج. تفريعات على مذهبهما: ولا يجب في الخضراوات شيء كالبقول والرطاب؛ لأنه لا يبقى. وعن أبي يوسف: أنه يجب في البصل؛ لأن الغالب فيه البقاء سنة (٤). ولا شيء في الرياحين كلها كالآس والحناء والوَسْمَةِ والورد، وعنه: أنه

стр. 1653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يجب في الحناء؛ لأنه يبقى وينتفع به لا على وجه الرياحين (١). وأما البذور التي لا تصلح للزراعة كبذر البطيخ ونحوه؛ فلا عشر فيه؛ لأنه غير مقصود في نفسه، وعن محمد: لا عشر في التين والأجاص (٢)، والكمثرى والتفاح والنبق والمشمش، والتوت والخوخ (٣). وعنه: أنه يجب في التين والفستق؛ لأن هذا يبقى ومنفعته عامة. قال الكرخي: وهو الصحيح (٤). أما العصفر والكتان، فإذا بلغ القرطم والحب خمسة أوسق وجب العشر؛ لأن الحب مقصود، ويجب فيهما على سبيل التبع. ولا شيء في القنب، ويجب فيه حَبُّهِ؛ لأنه لحاء الخشب. ويجب في حب الصنوبر؛ لأنه يبقى وينتفع، ولا شيء في خشبه، والعشر يتعلق بالثمر لا الخشب. وأما قصب السكر، إذا بلغ ما يخرج منه النصاب يجب العشر؛ لأنه يبقى وينتفع، ولا يجب في خشبه. ولا تجب في الكراويا والكزبرة والكمون والخردل، ولا يجب في السَّعْتَرِ والشونيز والحلبة؛ لأنه من جملة الأدوية. وفي الأصل: يجب في القصب الذريرة؛ لأنه يزرع للنماء الكل من الإيضاح، وبقولهما: قال الشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧). وفي شرح الطحاوي والتمر والعنب، والأجاص والرمان، والعناب

стр. 1654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والتين، يبقون بعد التجفيف فيخرص جافًّا، وكذا لو بيع رطبًا أو عنبًا أو بسرًا خرص ذلك جافًا، فإن بلغ العنب مقدار ما يجيء منه الزبيب خمسة أوسق؛ يجب في عنبه، إلا إذا كان يصلح للماء دون الزبيب فلا شيء فيه، وكذا سائر الثمار والخوخ، والكمثرى والمشمش، والثوم والبصل، لا يبقون غالبًا بعده (١). وفي شرح مبسوطه: ما يجفف منها لا يعتبر، وفيهما عن محمد روايتان، وفي الجوز واللوز يجب، وكذا في الفستق عند أبي يوسف، خلافًا لمحمد (٢). وفي جامع الكردري (٣): وقت وجوبه وقت طلوع الثمر عند أبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وعنده وقت إدراكه، ونقل هذا عن الشافعي (٤)، ومالك (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وعند محمد: وقت التنقية والحصول في البيادر والحظائر؛ لأنه وقف تناميه، وقد نقل هذا عنه أيضًا (٦). والصحيح عنده وقت وجوب العشر في الثمار وقت بدو الصلاح. والمراد منه: أن يظهر السواد فيما كان أسود، والحمرة في الأحمر، وأن يتموه الأبيض، ويلين لا أن يتكامل، وفي الزرع وقت اشتداد الحب؛ لأن هذا وقت يميل إليها الرغائب ويقصد تناولها، ولا يخشى ضياع حق المساكين، فلو أخرنا الوجوب عنهما ربما يتسلط عليهما الملاك بتضييع حق المساكين فيراعي حقهم. كذا في تتمتهم (٧). وتظهر ثمرة الخلاف عند أبي حنيفة في الاستهلاك، فلو استهلك قبل

стр. 1655

قَالَ: (وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) … ... … . وجوبه لا يضمن عشره، وبعده يضمن، وبه قال الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣). وعند أبي يوسف ومحمد في هذا الحكم، وفي تكميل النصاب، فإن عندهما لو استهلكه قبل وقت وجوبه لا يضمن عشره؛ لكن يكمل به النصاب. وما طعم أو أطعم غيره يضمن عشره عنده، خلافًا لهما. وقال أحمد: لا يضمن ما طعمه بالمعروف، ولو تلف بعضه أو سرق فلا عشر في التالف. ويعتبر في تمام النصاب عندهما، ولو أخذ من المتلف ضمان ما أتلفه أخرج عشره، وعشر ما بقي كذا ذكره في التقريب (٤). وفي النوازل: قال نصير: سألت الحسن عن رجل كرمة نما بمائة صاع، فجعل يأكل قليلًا قليلًا حتى أكل كله، قال: ليس عليه شيء، وكذا البر أكله في الصحراء، وعن أبي حنيفة كقول الحسن: وبه نأخذ. قوله: (وَمَا سُقِيَ بِغَرْبِ)؛ وهو الدلو العظيم، والدالية: جزع طويل يركب تركيب مداق الأرز، وفي رأسه مغرفة كبيرة يسقي بها. كذا في المغرب (٥). وفي الصحاح: هي المنجنونة تديرها البقرة، والسانية: الناقة التي يسقى عليها. كذا في الغربيين (٦). (على القولين): فيما يستنمى من عدم اشتراط النصاب والبقاء واشتراطهما، وعليه إجماع الأئمة الأربعة (٧)؛ لما روى ابن عمر أنه ﵇ قال: «فيما

стр. 1656

لِأَنَّ المُؤْنَةَ تَكْثُرُ فِيهِ سقته السماء أو الأنهار أو كان بعلا؛ العشر، وما سقي بالسواقي والتواضح؛ ربع العشر». كذا أورده البخاري في صحيحه (١). والبعل: الذي يشرب بعروقه لقربه من الماء. (ولأن المؤنة تكثر فيه … ) إلى آخره: وفي المبسوط: علل بعض مشايخنا بقلة المؤنة فيما سقته السماء، وبكثرتها فيما سقي بغرب أو دالية، وهذا ليس بقوي؛ فإن الشرع أوجب الخمس في المعادن والمؤنة فيها أكثر منها في الزراعة، ولكن هذا تقدير شرعي، فنتبعه ونعتقد فيه المصلحة وإن لم نقف عليها (٢). وفي المجتبى: والقنى كالأبار، إذا كثرت مؤنها لا تزال تتداعى وتحفر، وإلا فكالأنهار (٣)، وبه قال الشافعي. ذكر في التهذيب: إن كانت القناة أو العين كثيرة المؤنة، فالسقي بها كالسقي بالسواقي، وإلا كالمستقى بالأنهار (٤). وقال أصحابه العراقيون: كالمستقى بماء السماء؛ لأن مؤنتها لإصلاح الضيعة، فإذا تهيأت وصل الماء إلى الزرع بطبعه مرة بعد أخرى، كما لو شق نهرا لإحياء الأرض، وهو المشهور من مذهبه، فالمعتبر أكثر السنة؛ يعني: لو تبقى في بعض السنة سحا، في بعضها بآلة؛ يعتبر الأغلب كما في السوائم، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد (٥). وفي قول له: يعتبر عدد السقيات فيسقط العشر عليها، فإن جهل جعل بينهما نصفين؛ ففيه ثلاثة أرباع العشر، ولو وجب نصفه بهذا ونصفه بذلك؛ ففيه ثلاثة أرباع العشر قولا واحدا. كذا في الحلية (٦)، وفي تتمتهم (٧).

стр. 1657

وَتَقِلُّ فِيمَا يُسْقَى بِالسَّمَاءِ أَوْ سَيْحًا، وَإِنْ سُقِيَ سَيْحًا وَبِدَالِيَةٍ فالمُعْتَبَرُ أَكْثَرُ السَّنَةِ كَمَا مَرَّ فِي السَّائِمَةِ. (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فِيمَا لَا يُوسَقُ كَالزَّعْفَرَانِ، وَالقُطْنِ يَجِبُ فِيهِ العُشْرُ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا يُوسَقُ) كَالذَّرَةِ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّقْدِيرُ الشَّرْعِيُّ فِيهِ فَاعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ كَمَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجِبُ العُشْرُ إِذَا بَلَغَ الخَارِجُ خَمْسَةَ أَعْدَادٍ مِنْ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ، فَاعْتُبِرَ فِي القُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالِ، كُلُّ حِمْلٍ ثَلَاثُمِائَةِ مَنْ، وَفِي الزَّعْفَرَانِ خَمْسَةُ قوله: (كالزعفران والقطن): وعند الشافعي: لا شيء في القطن كما ذكرنا، وفيه له قولان كما في الورس في القديم: يجب فيه العشر، وفي الجديد: لا يجب (١). وعند مالك: يجب فيما تعظم منفعته ويدخر (٢). وعند أحمد: يجب كما ذكرنا (٣). وإنما اعتبر أبو يوسف؛ رعاية لجانب الفقراء، واحتياطا لجانب العبادة. ثم الوسق شرط بالنص، فعدى حكمه إلى ما لا يوسق بالقيمة؛ لأن المعاني أحق بالاعتبار من الصورة عند تعذرها؛ إذ المقصود المالية كما في عروض التجارة. ومحمد يقول: وجوب العشر في غير الخارج لا في ماليته، فعند التعذر يصار إلى اعتبار المعنى فاعتبرت الصورة كما في جناية الصيد، واعتبر الأعلى استدلالا بالوسق؛ لأنه ﵇ اعتبر الوسق، وهو أعلا ما يقدر في زمانه في المكيلات، فإنها تعتبر بالصاع أولا، ثم بالكيل ثم بالوسق، فوجب أن يقدر في كل نوع أعلا ما يقدر به وأقصى ما يعتبر في السكر والزعفران المن؛ لأنه يقدّر أولا بالسنجات - أي: بالمثقال - ثم بالأساتير ثم بالمن، وفي القطن بالأحجار أولا ثم بالأساتير، ثم بالأحمال كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٤).

стр. 1658

أَمْنَاءِ)؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالوَسْقِ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ. (وَفِي العَسَلِ العُشْرُ إِذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ العُشْرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحمةُ اللَّهِ: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الحَيَوَانِ فَأَشْبَهَ الإِبْرَسَمَ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «فِي العَسَلِ العُشْرُ» والأحمال: جمع حمل - بكسر الحاء - كل حمل ثلاثمائة مَنَّ. كذا في المغرب (١) والهادي. وفي الْمُجْتَبى: عن أبي يوسف، ومحمد أنهما قالا: فيما لا يوسق؛ قيمة أدنى ما يدخل تحت الوسق من الأشياء الخمسة المنصوصة، وهي الحنطة والشعير، والتمر والزبيب والملح (٢). قوله: (إذا أخذ من أرض العشر): قيد به؛ لأنه لو أخذ من أرض الخراج لا عشر فيه ومال ابن وهب من المالكية (٣)، والشافعي في القديم، إلا أن الشافعي اعتبر الأرطال فيه. وقال في الجديد: لا يجب العشر فيه (٤) (٥)؛ لما روي عن علي ﵁ أنه قال: ليس في العسل زكاة (٦). (لأنه متولد من الحيوان)؛ فيكون بدل طائر يسكن الأرض، كالفراخ والبيضة واللبن، وليس منزل خارج من الأرض، والعشر فيما يخرجه الأرض بالحديث، وبه قال مالك (٧). ولنا: قوله ﵇: «العُشر في كل عشرة أَزِقٌ زِقٌ» (٨)، وفي رواية

стр. 1659

وَلِأَنَّ النَّحْلَ يَتَنَاوَلُ مِنْ الأَنْوَارِ وَالثَّمَارِ وَفِيهِمَا العُشْرُ فَكَذَا فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنهُمَا بِخِلَافِ دُودِ القَزِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مِنْ الأَوْرَاقِ وَلَا عُشْرَ فِيهَا. ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ [غير (١)] الترمذي: «في كُلِّ عَشْرِ قُرَبِ قُربةٌ» (٢). وروى عمرو بن العاص أن بني شيبة قوماً من جُرهم كانت لهم عسالة، يؤدون إلى النبي ﷺ من كل عشر قرب قربة، وكان يحمي لهم واديهم، وفيه إشارة أن الإمام إنما يستحق العشر بعلة الحماية، فلما كان في زمن عمر ﵁ استعمل عليهم سفيان بن عبد الله الثقفي، فأبوا أن يعطوا شيئاً، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه: أن النحل ذباب عيب، يسوقه الله تعالى إلى من شاء، فإذا أدوا لك ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ؛ فاحمي لهم قاديهم، وإلا فخَلَّ بينهم وبين الناس، فدفعوا إليه. وعن أبي هريرة أنه ﵇ قال: - أي: أهل اليمن - أن في العسل العشر. وما قيل: أن أهل الحديث لم يثبت الأخبار فيه، غير قوي؛ لأنه جاء في الكتب المعتبرة، وما جاء رده في كتب الحديث، مع أن رد بعض أهل الحديث لا يطعن في الحديث إذا قبله البعض. وما روى عن علي ﵁ أنه ليس فيه زكاة؛ أي: زكاة التجارة؛ بل فيه العشر، مع أنه معارض بحديث آخر كما روينا، يعني: لو بقي في يده سنين لا تجب الزكاة. وأما المعنى: فلأن النحل يأكل من أنوار الشجر وثمارها، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٩]، وفي الثمار إذا كانت في أرض العشر؛ العشر، فكذا فيما يتولد منها، ولهذا لو كانت في أرض خراجية لا شيء فيها؛ لأنه ليس في ثمار أشجار أرض الخراج شيء، بخلاف دود القز؛ فإنه يأكل الورق، وليس في الأوراق شيء، فكذا فيما يتولد منها.

стр. 1660

يَجِبُ فِيهِ العُشْرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ النِّصَابَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ قِيمَةُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ (*). وَعَنْهُ: أَنَّهُ لَا شَيْءٍ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ عَشْرَ قِرَبٍ لِحَدِيثِ بَنِي شَبَابَةَ «أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ» وَعَنْهُ: خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ كُلُّ فَرَقٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا؛ … ... … ولأن الأراضي تُستنمى في بلاد العسل باتخاذ الخلايا، فالتحق النماء بالعسل بالنماء الخارج من الأرض بالعرف والعادة، بخلاف برج الحمام؛ فإنه يبني برجه لا لاستنماء الأرض. كذا في المبسوط (١)، وفي الأسرار، وفي الفوائد الظهيرية. فإن قيل: لو كان العسل من إنزال الأرض، فينبغي أن يجب فيه الخراج إذا كان في أرض الخراج. قلنا: إنما يجب إذا كان الإنزال محلا للخراج، وليس كذلك؛ لأنه إنما يجب في الذمة، ولا كلام فيه، وإنما الكلام في الوجوب فيه، وقول محمد في الكتاب: (وإن كان من أرض الخراج فلا شيء فيه)؛ أي: في العسل، ولكن الخراج يجب باعتبار التمكن من الاستنزال. وهكذا ذكره شيخ الإسلام (٢). قال صاحب النهاية: فحصل اختلاف الرواية، ولاختلاف الرواية؛ أبهم المصنف في الكتاب ذكر ما إذا كان العسل في أرض الخراج، وفيه تأمل. وفي الْمُجْتَبى: مرَّ أصحابنا فيها على أصولهم، فأبو حنيفة لا يعتبر النصاب، وأبو يوسف يعتبر القيمة، في رواية: عشر قرب؛ كما جاء في الحديث، وفي رواية: «عشرة أرطَال» (٣)؛ لأنه جاء في رواية عنه ﵇ كذلك (٤).

стр. 1661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في جامع الإسبيجابي: لحديث أبي سيارة (١). وفي الخبازية: أبو سيارة رجل، كان ﵇ يقول له: «أَدِّ العُشْرَ مِنَ العَسَلِ» (٢)، وفي بعض النسخ: بني شبابة (٣). ومنه لفظ النوابغ: كان [عشر شبابي] (٤) أحلى من العسل الشبابي، وبنو شبابة قوم بالطائف من خثعم كانوا يتخذون النحل حتى نسب إليهم العسل، فقيل: عسل شبابي، وشيابة (٥) تصحيف. كذا في المغرب (٦). وفيه الفرق - بفتحتين -: إنا نأخذ ستة عشر رطلا، وذلك ثلاثة أصوع، وهكذا في التهذيب (٧). وقال الأزهري: والمحدثون يسكنون الراء، وكلام العرب على التحريك (٨). وفي الصحاح: الفرق: مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلا، وقد يحرك (٩). وفي نوادر هشام عن محمد: الفرق: ستة وثلاثون رطلا (١٠). قال المطرزي: ولم أجد هذا فيما عندي من أصول اللغة (١١).

стр. 1662

لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ. وَكَذَا فِي قَصَبِ السُّكَّرِ، وَمَا يُوجَدُ فِي الجِبَالِ … ... … . وفي شرح الطحاوي: الفرق: ستة وثلاثون رطلا (١)، وهي ثمانية عشر منا، فيكون جملته تسعين منا. وفي القطن: يجب في خمسة أحمال كل حمل ثلاثمائة من، فتكون جملته ألفًا وخمس مائة من. (لأنه)؛ أي: الفرق. (أقصى ما يقدر به): العسل؛ إذ هو يقدر أولا بالأرطال، ثم بالأمناء، ثم بالفرق أو للأفراق، فكان أقصى ما يقدر به الفرق. قوله: (ما يوجد في الجبال): وفي الْمُجْتَبَى: ما يوجد من العسل والفواكه في الفيافي والبرية والجبال لا شيء فيها عند أبي يوسف، وهو رواية عن الحسن بن زياد، وبه قال الشافعي؛ لأنها باقية على الإباحة كالكلا والصيود، ولا شيء في المباح (٢). وعن محمد عن أبي حنيفة: فيها العشر؛ لأن المقصود حاصل وهو المال الخارج، فاستوى فيه الملك وغيره كالكنز (٣)، ولا معتبر بكون الأرض مملوكة، كما لو استعار أرضًا وزرع يجب العشر، وإن فقد الملك؛ لأن الخارج مسلم له بلا عوض، فكذا هذا، فإنه ملك الخارج بالأخذ. وروى ابن المبارك عنه: أنه أوجبه على المعير، وهو قول زفر؛ لأنه وهب المنفعة فصلا، كما لو وهب الزرع نفسه. كذا في الإيضاح (٤). وفيه: لو استأجر وزرع أو غرس كرما؛ فالعشر على المؤجر عند أبي حنيفة، وعندهما، والشافعي (٥)، ومالك (٦): على المستأجر؛ لأنه في الخارج

стр. 1663

مِنْ العَسَلِ وَالثِّمَارِ فَفِيهِ العُشْرُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِانْعِدَامِ السَّبَبِ وَهُوَ الأَرْضُ النَّامِيَةُ، وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ المَقْصُودَ حَاصِلٌ وَهُوَ الخَارِجُ. == وَإِنْ لم يكن سببًا، وهو سلم للمستأجر بلا عوض؛ لأن الأجرة يقابل المنفعة لا الخارج، فيجب عليه العشر، وإن فقد الملك في الأرض كما قال أبو حنيفة فيما يوجد من الجبال. وله: أن الأراضي كما تُستنمى بالزراعة تُستنمى بالإجارة، فصارت الأجرة مقصودة كالتمرة فعليه العشر؛ لأنه جعل النماء له معنى، وكذا الغاصب إذا زرع الأرض وانتقص وغرم النقصان، فالعشر على المالك عنده؛ لسلامة عوض المنفعة له، ولو لم ينتقص لا يجب عليه. وفي جامع الإسبيجابي: دفعها، فالعشر على رب الأرض والمزارع عندهما؛ لأن الخارج بينهما، وعند أبي حنيفة: لا تصح المزارعة، فالعشر على رب الأرض. ولا يجتمع العشر والخراج في أرض واحدة عندنا، وعند الشافعي (١)، ومالك (٢) يجتمعان؛ لأنهما حقان مختلفان، فإن الخراج دراهم، والعشر بعض الخارج، وسببهما مختلف أيضًا، فإن سببه على الأرض النامية، ولهذا يجب بدون الخارج، وسبب العشر الخارج، ولهذا لا تجب بدونه، وإذا اختلفا حقيقة وسببًا لم يتنافيا. ولنا: ما روى ابن مسعود؛ لأنه ﵇ قال: «لا يجتمع على مسلم في أرضه عشر وخراج» (٣)، ولأنهما يجبان بسبب واحد، وهو الأرض، بدليل إضافتها إليها، يقال: عشر الأرض وخراج الأرض، وتوصف الأرض بهما، يقال: أرض عشرية وخراجية، فلو تمكن من الزراعة ولم يزرع؛ كان التقصير من جهته فيجب الخراج، أما العشر فقدّر ببعض الخارج، فلا يمكن إيجابه بدونه، فلهذا افترقا؛ لأن سبي العشر والخراج لا يجتمعان في أرض، فلا يجتمع

стр. 1664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حكماهما، فإن سبب كون الأرض خراجية فتحتها عنوة، وثبوت حق الغانمين فيها، وسبب كونها عشرية؛ إسلام أهلها طوعًا وانتفاء حق الغانمين عنها، وهما متضادان. وقال أصحابنا: لو اشترى أرض عشر أو خراج للتجارة؛ ففيها العشر أو الخراج، لا زكاة التجارة، وهو المشهور؛ لأن الواجب حق الله تعالى متعلق بالأرض، وكذا الزكاة، فالعشر أولى بالإيجاب؛ لأنه أكد على معنى أنه لا يسقط بعذر، والزكاة تسقط بعذر الصبا والجنون (١). وعن محمد: تجمع بين العشر والزكاة، كأنه اعتبر العشر واجبًا في الخارج، الكل من الإيضاح، ومرَّ قول الشافعي، ومالك. وفي شرح الطحاوي: باع المعشور، للمصدق أن يأخذ العشر من المشتري وإن تفرقا (٢)، وفي بيع السائمة لا يأخذ منه بعد التفرق؛ لأن تعلق العشر بالعين أكد من تعلق الزكاة بها؛ لوجوب العشر في أرض الصبي والمجنون والمكاتب، وأرض لا مالك لها. وعن محمد: يبيع الوالي عشر الطعام قبل القبض؛ لأنه شريك، بخلاف الزكاة؛ لعدم الشركة (٣). وللشافعي في البيع في قدر الفرض قولان؛ أحدهما: أنه لا يجوز، وفيما زاد عليه قولان أيضًا. وعند مالك (٤)، وأحمد (٥): يجوز البيع والزكاة على البائع، فلو باع الإمام العشر من رب المال؛ جاز ويكره، وهو قول الأئمة الأربعة. وفي المجتبى (٦): باع أرضًا عشرية وفيها زرع مدرك؛ فالعشر على البائع،

стр. 1665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبه قال مالك، وأحمد، والشافعي في قول. وإن كان الزرع بقلا؛ فعلى المشتري إذا حصده بعد الإدراك، وإن قطعه قصيلا؛ فعلى البائع، وكذا كل شيء من الثمار يبيعه صاحبه في أول ما يطلع، فإن قطعه المشتري؛ فعشره على البائع، وإن تركه بإذن البائع حتى أدرك؛ فعشره على المشتري، وبه قال الشافعي (١). وعند أبي يوسف: عشر مقدار الطلع والبقل على البائع والزيادة عليه (٢). وما تلف من الخارج أو سُرِق أو ذهب بغير فعله؛ فلا عشر في الذاهب، ويعشر ما بقي، وقد مر. ويستوي في أراضي العشرية الكبير والصغير، والغني والفقير، والعاقل والمجنون، والحر والمأذون. وفي شرح الطحاوي: لا يسعه أكل شيء من الغلة حتى يؤدي عشرها؛ لأن فيه حق الفقراء (٣). وقيل: لا يسعه إذا عزم أن لا يؤدي، فإذا عزم الأداء؛ لا بأس بأكل تسعة أعشارها، والكف أحوط. ولو ترك الإمام العشر له، أو وهبه له، أو لم يأخذه سهوا أو لغيبته أو نحوها؛ يتصدق بها، ولا يصرفه إلى نفسه بالفقر؛ لأن الواجب الإيتاء. وعن أبي يوسف: يحل له ولا يتصدق به (٤). ولو رفع السلطان الخراج من أرض؛ وسعه ذلك عنده، والفتوى على قوله، وكذا عنه في العشر والزكاة إن كان محتاجًا. وعن محمد يؤديه بنفسه يجهز غازيًا أو يتصدق به (٥).

стр. 1666

قَالَ: (وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الأَرْضُ مِمَّا فِيهِ العُشْرُ لَا يُحْتَسَبُ فِيهِ أَجْرُ العُمَّالِ وَنَفَقَةُ البَقَرِ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الوَاجِبِ لِتَفَاوُتِ المُؤْنَةِ فَلَا مَعْنَى لِرَفْعِهَا. وعن أبي حفص وشدّاد: إذا لم يأخذ الإمام الخراج؛ يتصدق به لحق الفقير (١). ولو وهب الخراج له أو تركه، إن كان مصرفًا بأن كان فقيها أو فقيرًا أو علويا؛ طاب له، وإلا يتصدق به، ولا يحل تناوله في قول محمد، خلافًا لأبي يوسف (٢). وللسلطان أن يحبس الغلة حتى يأخذ الخراج، ولو مات يأخذ العشر والخراج من تركته. وعن أبي حنيفة: أنه يسقط، وليس لصاحب الغلة أن يأخذ الغلة ويأكلها حتى يؤدي الخراج (٣). قوله: (مما فيه العشر): وكان حقه أن يقول: مما فيه العشر أو نصف؛ الواجب أحد هذين على ما جاء في الحديث: «ما سَقَتهُ السماء ففيه العشر … » الحديث (٤). وقال أبو جعفر في كشف الغوامض: إنما ذكر أبو حنيفة هذا؛ تسمية للشيء بأغلب الاسمين؛ لأن وجود العشر أكثر في أعم بلاد الإسلام؛ لكثرة الأراضي التي تسقى بالماء والسّيح، وما يُسقى بالدولاب قليل، ونظيره العمران، فإن ولاية عمر كانت أكثر من ولاية الصديق. كذا في الفوائد الظهيرية (٥). قوله: (فلا معنى لرفعها)؛ أي: لا ترفع المؤنة من العشر، مثل: أجر العمال والبقر وكري الأنهار، حتى لا يجب العشر في قدر الواجب الخارج

стр. 1667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بمقابلته المؤنة من حيث القيمة؛ بل يجب العشر في كله. ومن الناس من قال: يجب النظر إلى قدر قيم المؤن من الخارج، فيسلم ذلك القدر له بلا عشر، ثم يعشر الباقي؛ لأن قدّر المؤن بمنزلة السالم له بعوض، كأنه اشتراه، ولهذا لو زرع أرض الغصب وسلم له الخارج بقدر ما عزم من نقصان الأرض؛ طاب له كأنه اشتراه. ولنا: قوله ﵇: «ما سقتهُ السَّماءُ ففيهِ العُشر … » الحديث (١)؛ حكم الشارع بالتفاوت بتفاوت المؤن، فلو جاز رفع المؤن لما حكم بتفاوت الواجب عند تفاوت المؤن؛ لأن عند الرفع يصير الغاصب متفقًا مع اختلاف المؤنة، فهذا نص في الباب، ولا قياس مع النص. ولأن هذا حق لم يشرع متكررا باعتبار خارج واحد، فلم يعتبر ففيه يسير زائد برفع المؤن؛ ألا ترى أن المؤنة لا ترفع في نصاب الزكاة، مثل أجرة حفظ السائمة وغيرها، ففي هذا أولى؛ لعدم اعتبار يسير زائد فيه من اشتراط الغناء بالنصاب، والفراغ من الدين، وهذا من الخواص. كذا في الجامع الصغير لفخر الإسلام (٢). وفي المحيط، والمرغيناني: لا يأكل شيئًا من طعام العشر حتى يؤدي عشره، ولو أكل ضمن عشره (٣). وعند أبي يوسف: لا يضمن، ولكن يكمل النصاب به، وعنه: يترك ما يكفيه وعياله (٤)، ولا يحتسب ما أكل عياله وجيرانه وما يهدي، وما بقى ففيه العشر، وعند أبي حنيفة: لا يحتسب أيضًا. وعن محمد: يعتبر ذلك من تسعة أعشاره.

стр. 1668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعند الشافعي: لا يجوز أن يتصرف في الثمار قبل الخرص، فلو أكل قبله عُزِّر مع العلم وغَرَّمه، وإِلّا غُرِّم فقط (١). وقال أحمد (٢): يجوز له الأكل بقدر الثلث؛ لأنه ﵇ قال: «إذَا خَرَصْتُم فَدَعُوا الثلث» (٣). وقال المالكية: المأكل من الثمرة لا تحتسب فيه (٤). ولا خرص في الثمر أو الزرع عندنا. وقال الشافعي: الخرص سنة في الرطب والعنب (٥)، وبه قال أحمد (٦)، ومالك (٧). وعنده: لا بد في الخرص من العدلين كالحكمين. وعند مالك (٨)، وأحمد (٩): يكتفي بخارص واحد، وتعلقوا بحديث عتاب بن أسيد، أنه ﵇ قال في الكرم: «أنَّها تخرص كما يخرصُ النَّحْلُ، فيؤدى رطابها زبيبا كما تُؤدَّى زكاة النخل رطبا». رواه أبو داود، والترمذي (١٠) ولم يصححه، وهو مرسل. وتعلقوا أيضًا بحديث سهل في ترك الثلث والربع، وتعلقوا بحديث

стр. 1669

قَالَ: (تَغْلِبِيٌّ لَهُ أَرْضُ عُشْرٍ فَعَلَيْهِ العُشْرُ مُضَاعَفًا) عُرِفَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّ فِيمَا اشْتَرَاهُ التَّغْلِبِيُّ مِنَ المُسْلِمِ عُشْرًا وَاحِدًا (*)؛ لِأَنَّ الوَظِيفَةَ عِنْدَهُ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيَّرِ الْمَالِكِ (فَإِنْ اشْتَرَاهَا عائشة ﵂، أنه ﵇ بعث ابن رواحة إلى يهود خيبر ليخرص النخل. قال الطحاوي: ليس فيما ذكروا أن الثمرة كانت رطبا حينئذ فيجعل لصاحبها، وحق الله تعالى تمليكه ثمرًا لهم، ويكون عليهم نسيئة، وقد نهى ﵇ عن بيع التمر على رؤوس النخيل كيلا، ونهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة، ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة؛ بل أراد يخرص خرص ابن رواحة ليعلم ما في أيدي كل قوم من الثمار، فيؤخذ بقدره وقت الصرام؛ لأنهم يملكون شيئًا منه، فما يجب لله ببدل لا يزول ذلك عنهم، وليس يجوز ذلك، وقد يجوز أن يصيب بعد ذلك آفة، فيؤخذ من صاحبها بدلًا من حق الله تعالى مأخوذ مما يسلم له. وقيل: إنه منسوخ بآية الربا، وبحديث المزابنة؛ إذ العمل بالمحرم أولى، فكيف إذا لم يكن المبيح ثابتا، والمحرم صحيح ثابت. وفي المرغيناني: مؤنة حمل العشر على السلطان دون صاحب الأرض (١). قوله: (تَغْلِبِيٌّ): بكسر اللام منسوب إلى بني تغلب؛ هم قوم بقرب الروم، فأرسلوا إلى عمر ﵁ والقصة معروفة. وعن محمد: ذكر في نوادر المبسوط، روى ابن سماعة عن محمد: أن التضعيف في الأراضي التي كانت لهم في الأصل، أما لو اشتراه من مسلم فعليه عشر واحد (٢). (لأن الوظيفة)؛ يعني: هذه الوظيفة في معنى المؤنة، ومعنى العباد تابع، حتى وجب في أرض صبي ومجنون، والمؤنة لا تعلق لها بالمالك، والأرض لا تتغير، فلم تتغير مؤنتها.

стр. 1670

مِنهُ ذِمِّيٌّ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا عِنْدَهُمْ) لِجَوَازِ التَّضْعِيفِ عَلَيْهِ فِي الجُمْلَةِ كَمَا إِذَا مَرَّ عَلَى العَاشِرِ (وَكَذَا إِذَا اشْتَرَاهَا مِنهُ مُسْلِمٌ أَوْ أَسْلَمَ التَّغْلِبِيُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) سَوَاءٌ ولأنه بالنظر إلى المؤنة يبقى، وبالنظر إليها تبطل، فلا تبطل بالشك، أو بالنظر إليها لا يجب على الذمي ابتداء، وبالنظر إلى المؤنة لا يبطل عنها انتهاء عملا بالشبهين. (كما إذا مرَّ)؛ يعني: لو مر الذمي على العاشر بمال الزكاة؛ يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم. (اشتراها منه)؛ أي: التغلبي الذي لم يشترها من المسلم؛ بل كان له إرثا؛ يضاعف عشرها. وذكر فخر الإسلام: الجملة فيه أن الواجب ثلاث: عشر وإخراج وتضعيف. والملاك ثلاثة: مسلم وذمي وتغلبي (١). أما الأرض الخراجية إذا اشتراها مسلم؛ ففيه الخراج بالإجماع؛ لأنه مؤنة فيها شبهة العقوبة، فالإسلام لا ينافي العقوبة، فوجب القول بالبقاء، ولو كانت الأرض عشرية فاشتراها كافر تغلبي؛ ضوعف عليه بالإجماع أيضًا؛ لقصة عمر ﵁. وفي نوادر المبسوط: لو اشتراها من مسلم؛ ضوعف على قولهما للصلح عند أبي حنيفة، ولتضاعف العشر (٢). لو اشترى أرضًا عشرية فالتغلبي أولى، وأما عند محمد عليه عشر واحد؛ لأن أصله أن الوظيفة لا تتبدل؛ ألا ترى أنه لو اشترى أرضًا خراجية، عليه الخراج، ولو اشترى أرضًا من أهل نجران؛ كان عليه الخلل على حاله. وقلنا: وقع الصلح على التضعيف فيما يبتدئ به المسلم، والخراج والخلل لا يبتدئ به المسلم، فلا يضعف عليهم، أما العشر فما يبتدئ به المسلم فيضعف عليهم؛ باعتبار الصلح، كما لو اشترى سائمة عن مسلم يضعف عليه الصدقة، فكذا هذا.

стр. 1671

كَانَ التَّضْعِيفُ أَصْلِيًّا أَوْ حَادِثًا؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ صَارَ وَظِيفَةٌ لَهَا. فَتَنْتَقِلُ إِلَى المُسْلِمِ بِمَا فِيهَا كَالخَرَاجِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَعُودُ إِلَى عُشْرٍ وَاحِدٍ) لِزَوَالِ الدَّاعِي إلَى التَّضْعِيف، قَالَ فِي الكِتَابِ: (التضعيف أصليًا)؛ بأن كانت الأراضي موروثة للتغلبي من أبيه. (أو حادثا)؛ بأن اشتراها التغلبي من مسلم؛ لزوال الداعي وهو الكفر، وكونه تغليبًا، فعاد إلى الوظيفة الأصلية في الأرض من العشر أو نصف العشر؛ ألا ترى أن التغلبي له خمسة إبل يجب فيها شاتان، فلو باعه من مسلم أو أسلم يؤخذ منه شاة واحدة لما ذكرنا. ولأبي حنيفة: أن الخراج يبقى بعد الإسلام بالإجماع (١)، فكذا التضعيف بالبيع من المسلم؛ وهذا لأن بقاء الحكم يستغني عن بقاء السبب؛ بل يبقى باستصحاب الحال، كما أن الملك يبقى بعد ارتفاع النكاح، وكذلك الرمل والاضطباع بقيا بعد زوال الحاجة إلى إظهار التجلد. والفرق بين هذا وبين مسألة السوائم: هو أن مال الزكاة أقبل للتحول من وصف إلى وصف؛ ألا ترى أنه يبطل عنه وصف الزكاة بنية القنية، وكذلك في السوائم يجعلها علوفة، ولا كذلك الأراضي؛ ألا ترى أنه لو عطلها أعوامًا يؤخذ منه الخراج. ومحمد يقول: إن الوظيفة إذا استقرت فيها لا تتغير من وصف إلى وصف. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). وفي المبسوط: وهذا بخلاف السوائم؛ فإنه لا وظيفة فيها باعتبار الأصل، [حتى] إذا كانت لغير التغلبي من الكفار؛ حيث لا يجب فيها شيء، فعرفنا أن التضعيف باعتبار المالك، فيسقط بتبدل المالك أو بتبدل حالة الإسلام (٣). (في الكتاب)؛ أي: في المبسوط.

стр. 1672

وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ، قَالَ ﵀: اخْتَلَفَتِ النُّسَخُ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ، وَالأَصَحُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي بَقَاءِ التَّضْعِيفِ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي الأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ الحَادِثَ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ لِعَدَمِ تَغَيُّرِ الوَظِيفَةِ (وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِمُسْلِم بَاعَهَا مِنْ نَصْرَانِي) يُرِيدُ بِهِ ذِمِّيًّا غَيْرَ تَغْلِبِيٍّ (وَقَبَضَهَا فَعَلَيْهِ الخَرَاجُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِ الكَافِرِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: عَلَيْهِ العُشْرُ مُضَاعَفًا) (وهو)؛ أي: العشر الواحد. (قول محمد)؛ لأن التضعيف الحادث لا يتصور عنده، فإن التغلبي إذا اشترى من مسلم يجب عشر واحد. (واختلفت النسخ)؛ أي نسخ المبسوط أو الجامع، ففي مبسوط الأئمة: ذكر قول أبي حنيفة مع محمد، قال: وذكر في رواية أبي سليمان المسألة بعد هذا، وذكر قول محمد، وهو اختيار الكرخي، وهو الأصح؛ لأن الصحيح من مذهب محمد: أن التغلبي لو اشترى عشرية من مسلم؛ لا يضاعف عليه العشر، فإذا لم يثبت التضعيف لا يتأتى سقوط (١). وقال بعض المشايخ: فإن كانت أصلية في حكم التضعيف بقيت كذلك كما قال أبو حنيفة، وإن كانت حادثة؛ بأن اشتراها من مسلم، يعود إلى عشر واحد كما قال أبو يوسف؛ بدليل أن التغلبي إذا اشترى عشرية يضعف عليه العشر. وكذا في الخبازية (٢). قوله: (لأنه أليق بحال الكافر) والفقه فيه: أن العشر اسم لواجب مشتمل لمعنيين: معنى المؤنة، ومعنى العبادة؛ لكن الشرع ضمن معنى العبادة نظرًا للمسلم؛ كيلا يخلو ذلك عن نفع، وقد تعذر اعتبار معنى العبادة في حق الكافر، فإذا خلى عنه لم يكن عشرًا، وإخلاء الأرض عن الواجب لا يجوز، فوجب الخراج؛ لأنه مؤنة مع معنى العقوبة، فكان أليق بحال الكافر. وأبو يوسف يقول: بأنه لما وجب باسم العشر، فإذا وجب على الكافر

стр. 1673

وَيُصْرَفُ مَصَارِفَ الخَرَاجِ اعْتِبَارًا بِالتَّغْلِبِيِّ، وَهَذَا أَهْوَنُ مِنْ التَّبْدِيلِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ عُشْرِيَّةٌ عَلَى حَالِهَا) (*)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُؤْنَةٌ لَهَا فَلَا يَتَبَدَّلُ كَالخَرَاجِ، ثُمَّ فِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الصَّدَقَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الخَرَاجِ (فَإِنْ أَخَذَهَا مِنهُ مُسْلِمٌ بِالشَّفْعَةِ، أَوْ رُدَّتْ عَلَى البَائِعِ لِفَسَادِ البَيْعِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ كَمَا كَانَتْ) يضاعف لصدقات بني تغلب، ومحمد مر على أصله. كذا في الإيضاح (١). (وهذا)؛ أي: التضعيف. (أهون من التبديل)؛ لأنه في الوصف والخراج واجب آخر. وعند الشافعي: لا خراج عليه؛ لأنه لم يكن وظيفة الأرض، ولا عشر أيضًا لعدم أهليته (٢). وعند مالك: لا يصح البيع (٣). وهذه الأبحاث بتمامها يجيء في باب العشر والخراج. (ثم في رواية)؛ أي: على قول محمد: يوضع موضع الصدقات، وهو رواية السير الكبير؛ لتعلق حق الفقراء به، كتعلق المقابلة بالأراضي الخراجية. (وفي رواية)؛ وهي رواية ابن سماعة عن محمد: يوضع موضع الخراج؛ لأنه إنما يصرف إلى الفقراء ما كان لله تعالى بطريق العبادة، ومال الكافر لا يصلح لذلك، فيوضع موضع الخراج كمال أخذه العاشر من أهل الذمة. كذا في المبسوط (٤)، والإيضاح. قوله: (فإن أخذها)؛ أي: الأرض العشرية التي اشتراها النصراني من مسلم. وفي جامع الإسبيجابي: لم يذكر المسألة في الجامع الصغير، وإنما

стр. 1674

أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِتَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ إِلَى الشَّفِيعِ، كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ المُسْلِمِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ بِالرَّدِّ وَالفَسْخِ بِحُكْمِ الفَسَادِ جَعَلَ البَيْعَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ حَقَّ المُسْلِمِ لَمْ يَنْقَطِعْ بِهَذَا الشَّرَاءِ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقَّ الرَّدِّ، قال: (وَإِذَا كَانَتْ لِمُسْلِمٍ دَارُ خِطَّةٍ فَجَعَلَهَا بُسْتَانًا فَعَلَيْهِ العُشْرُ) مَعْنَاهُ: إِذَا سَقَاهُ بِمَاءِ العُشْرِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ تُسْقَى بِمَاءِ المقصود من المسألة شيء آخر؛ وهو أن النصراني لما اشتراها وشفيعها مسلم فأخذها؛ فهي أرض عشرية بالإجماع (١). (كأنه)؛ أي: الشفيع. (اشتراها من المسلم)؛ لأنه أخذها بحق مقارب للبيع، فصار المشتري هو النصراني بمنزلة وكيله. (وأما الثاني)؛ وهو الرد على البائع بفساد البيع. وذكر التمرتاشي: كذا لو رد على البائع بخيار، وهذا إذا كان الرد بالعيب نقصانا فإنها تعود كما كانت؛ لزوال المانع قبل تقرره، فلو كان الرد برضا بلا قضاء، أو باعها من مسلم، أو أسلم؛ بقيت خراجية؛ لأن الإسلام لا يدفع (٢). (ولأن حق المسلم)؛ وهو البائع. (لكونه)؛ أي: لكون البيع. (مستحق الرد)؛ أي: واجب الرد لفساده. قوله: (وإذا كانت لمسلم دار خطة): أضاف الدار للبيان. ويجوز نصب خطة بالتمييز عن اسم تام. قيد بقوله: (لمسلم)؛ ليستقيم ترتيب جواب العشر، فإنها لو كانت لكافر وجعلها بستانا؛ عليه الخراج كما يجيء. وقيد بقوله: (جعلها بستانا)؛ لتبين أن الحكم الأصلي للشيء يتغير بتغير صفته، حيث لو بقيت دار كما كانت؛ لم يكن فيها شيء، سواء كانت لمسلم أو

стр. 1675

الخَرَاجِ فَفِيهَا الخَرَاجُ؛ لِأَنَّ المُؤْنَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تَدُورُ مَعَ المَاءِ … ... … ... … ... . ذمي؛ لما روي أن عمر لما وصف الخراج والجزية سئل عن المساكن، فقال: المساكن عفو. كذا ذكره المحبوبي (١). وإنما قيد (بالخطة)؛ ليبين بها ابتداء الوضع في حق المسلم، أنه ماذا قال المحبوبي: لما جعل المسلم بستانا صارت بحال يستزل ويستنمى، وصارت أيضا نامية في دار الإسلام، فلا يخلو عن مؤنة، ودخلت تحت قوله ﵇: «ما أخرجته الأرضُ … .» (٢)، وقوله: «ما سَقَته السماء … » الحديث (٣)، وفي ابتداء وضع الخراج معنى الصَّغار والذل، فيصان المسلم عنه، فأوجبنا عليه العشر؛ لأنه صدقة. فإن قيل: قد ذكر في الكتاب: ومعناه: إذا أسقاه بماء العشر، وفيه دليل على أنه باعتبار الماء لا باعتبار ابتداء التوظيف على المسلم. قلنا: نعم لاعتبار الماء في وصفه؛ لكن مع رعاية جانب ابتداء التوظيف على المسلم، ولهذا لو جعل المجوسي داره بستانا وسقاها بماء العشر؛ كان عليه الخراج في ظاهر الرواية بالإجماع. (لأن المؤنة في مثل هذا)؛ أي: فيما إذا لم تكن في الأرض وظيفة قبل ذلك. (تدور مع الماء)؛ لأن السبب للأرض النامية، ونماؤها بمائها، فيعتبر السقي بالماء، وصار كما لو أحيا أرضًا ميتة، فتدور مؤنتها على الماء. فإن قيل: وضع الخراج ابتداء لا يجوز على المسلم. قلنا: لما سقاها بماء الخراج فقد التزم الخراج بنفسه، فيلزمه كما في الحدود، وإذا باشر أسبابها نلزمه العقوبة باختياره، لا بالموضع جبرا؛ ألا ترى أن الأرض لو كانت خراجية وانقطع ماؤها وسقي بماء العشر؛ تصير عشرية،

стр. 1676

(وَلَيْسَ عَلَى المَجُوسِيِّ فِي دَارِهِ شَيْءٌ)؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ المَسَاكِنَ عَفْوًا (وَإِنْ والخراج وإن كان وظيفة الأرض لا الماء؛ إلا أنها تصير سببًا باعتبار وصف النماء كما بينا، والنماء بالماء، فيتبدل للأرض حكمًا بتبدل الوصف الذي يبتني الوجوب عليه وهو النماء. كذا في المبسوط (١). قوله: (وليس على المجوسي): وإنما خص المجوسي، وإن كان الحكم في اليهودي والنصراني كذلك، إلا أنه أبعد عن الإسلام منهما؛ لحرمة نكاح نسائهم وذبائحهم، فإذا لم يجب في داره والحالة هذه، فأولى أن لا يجب في دارهما. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). وفي قاضي خان: وعليه إجماع الصحابة (٣). وذكر شيخ الإسلام: وإنما خص المجوسي؛ لأنه قيل لعمر ﵁ أن المجوس كثر بالسواد، فقال عمر: أعياني أمر المجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» (٤)، فلما سمع عمر ذلك؛ أمر عماله أن يمسحوا أراضيهم، ووظفوا عليها الخراج بقدر الطاقة، وعفى عن رقاب دورهم، وعن رقاب الأشجار فيها، فلما ثبت العفو في حقهم مع كونهم أبعد عن الإسلام؛ ثبت في حقهما بالطريق الأولى (٥). وقيد بقوله (جعل داره بستانًا)، فإنه إذا لم يجعلها بستانا، ولكن فيها أشجار تخرج أكرارا من تمر، فهن في حكم الدار وليس فيها شيء؛ لما روينا

стр. 1677

جَعَلَهَا بُسْتَانًا فَعَلَيْهِ الخَرَاجُ) وَإِنْ سَقَاهَا بِمَاءِ العُشْرِ لِتَعَذَّرِ إِيجَابِ العُشْرِ، إِذْ فِيهِ مَعْنَى القُرْبَةِ فَيَتَعَيَّنُ الخَرَاجُ وَهُوَ عُقُوبَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا يَجِبُ العُشْرُ فِي المَاءِ العُشْرِيِّ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ عُشْرًا وَاحِدًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ عُشْرَانِ وَقَدْ مَرَّ الوَجْهُ فِيهِ، ثُمَّ المَاءُ العُشْرِيُّ مَاءُ السَّمَاءِ وَالْآبَارِ وَالعُيُونِ وَالبِحَارِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ تَحْتَ وِلَايَةِ أَحَدٍ، وَالمَاءُ الخَرَاجِيُّ مَاءُ الْأَنْهَارِ من عمر. كذا في المبسوط (١)، ولهذا لا يجب العشر في شجرة في دار مسلم. ذكره في المحيط (٢). وأما البستان: فهو كل أرض يحوط عليها حائط وفيها أشجار متفرقة. كذا ذكره في كتاب العشر والخراج من كتاب السير (٣). وفي الفوائد الظهيرية: قال بعض مشايخنا: هذا إذا كانت الأرض في الأصل عشرية؛ بأن أسلم أهلها طوعًا، إلا أنه أسقط عشرها بالاختلاط بالدار، فإذا جعلها بستانا؛ عادت كما كانت، [فأما لو كانت] (٤) خراجية في الأصل؛ عادت خراجية كما كانت، وبعضهم قالوا: العبرة للماء كما هو المذكور في الكتاب (٥). (وعلى قياس قولهما: يجب العشر في الماء العشري)؛ لأنهما يُجوّزان العشر على الذمي، كما قلنا في مسلم باع أرضًا عشرية من نصراني، لكن عند أبي يوسف يضاعف ويوضع موضع الخراج، وعند محمد: لا يضاعف ويوضع موضع الصدقات في رواية. قوله: (والآبار والعيون)؛ أي: ما بهما. وفي المحيط: بئر حُفرت في أرض العشر، وعين تظهر في أرض العشر؛ لأنه يخرج من الأرض، فإذا كانت الأرض عشرية؛ كان الماء الخارج منها

стр. 1678

الَّتِي شَقَّهَا الأَعَاجِمُ، وَمَاءُ جَيْحُونَ وَسَيْحُونَ وَدِجْلَةَ وَالفُرَاتِ عُشْرِيٌّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِيهَا أَحَدٌ كَالبِحَارِ، وَخَرَاجِيٌّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّهُ يَتَّخِذُ عَلَيْهَا القَنَاطِرَ مِنْ السُّفْنِ (*)، وَهَذَا يَدٌ عَلَيْهَا (وَفِي أَرْضِ الصَّبِيِّ وَالمَرْأَةِ التَّغْلِبِيَّيْنِ مَا فِي أَرْضِ الرَّجُلِ التَّغْلِبِيِّ) يَعْنِي: العُشْرَ المُضَاعَفَ فِي العُشْرِيَّةِ، وَالخَرَاجَ الوَاحِدَ فِي الخَرَاجِيَّةِ، لِأَنَّ الصُّلْحَ قَدْ جَرَى عَلَى تَضْعِيفِ الصَّدَقَةِ. عشريا تبعا للأرض (١). ماء بئر حفرت في أرض الخراج، أو عين يظهر منها ماء الخراج شقها الأعاجم، مثل: نهر الملك، ونهر يَزْدَجْرِدَ وَمَرْوَرُونَ؛ لأن أصل هذه الأنهار بماء الخراج، فصار ماؤها خراجًا تبعًا للخراج للماء. كذا في مبسوط فخر الإسلام (٢). (وَمَاءُ جَيْحُونَ وَسَيْحُونَ): جيحون هو نهر ترمذ، وسيحون: هو نهر الترك، وهو نهر ججيد، ودجلة: نهر بغداد، والفرات: نهر الكوفة. كذا في المغرب (٣). وفي شرح الطحاوي وكذا النيل خراجي عند أبي يوسف؛ لدخولها تحت الحماية باتحاد قنطرة السفن (٤). (كالبحار)؛ يعني: ماء البحار عشري بالاتفاق كذا هذا. (يد عليها)؛ أي: ولاية عليها، ولو أن هذا المسلم أو الذي سقاه مرة بماء العشر ومرة بماء الخراج؛ فالمسلم أحق بالعشر، والذمي بالخراج. قوله: (يعني العشر المضاعف) وفي جامع الكشاني: الواجب هنا مؤنة ليست بزكاة ولا عقوبة، ولكنه مركب من خراج وعشر، والصبي أهل لهما (٥).

стр. 1679

دُونَ المُؤْنَةِ المَحْضَةِ، ثُمَّ عَلَى الصَّبِيِّ وَالمَرْأَةِ إِذَا كَانَا مِنْ المُسْلِمِينَ العُشْرُ فَيُضَعَّفُ ذَلِكَ إِذَا كَانَا مِنْهُمْ. قَالَ: (وَلَيْسَ فِي عَيْنِ القِيرِ وَالنَّفْطِ فِي أَرْضِ العُشْرِ شَيْءٌ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ إِنْزَالِ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَيْنٌ فَوَّارَةٌ كَعَيْنِ المَاءِ (وَعَلَيْهِ فِي أَرْضِ الخَرَاجِ خَرَاجٌ) وَهَذَا (إِذَا كَانَ حَرِيمُهُ صَالِحًا لِلزِّرَاعَةِ)؛ لِأَنَّ الخَرَاجَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ. (دون المؤنة المحضة)؛ وهي الخراج، فلا يضعف. قوله: (لَيْسَ مِنْ إِنْزَالِ الْأَرْضِ): الإنزال: جمع النزل بسكون الزاي وضم النون- وهو الربع. وفي المباسيط: ولا شيء في عين القير والنفط والملح؛ لأنها فوارة كالماء، ولا يمكن تحصيلها بحيلة، ولو كانت هذه العيون في أرض الخراج؛ لا شيء فيها من الخراج عند بعض مشايخنا، وعلى ما حولها من الأراضي؛ لأنها غير صالحة للزراعة، كالأرض السبخة، وأرض لا يبلغها الماء (١). قال أبو بكر الرازي من مشايخنا: لا شيء في القير، وأما حريمه مما أعده صاحبه لإلقاء ما يحصل له فيه، فيمسح ويوجب فيه الخراج؛ لأنه في الأصل صالح للزراعة، وإنما عطله صاحبه لحاجته، فلا يسقط عنه الخراج، ولا يمسح موضع القير في رواية ابن سماعة عن محمد؛ لأن موضع القير لا يصلح لها (٢). وقال بعض مشايخنا: يمسح؛ لأن موضع العين تبع للأرض، فتمسح معه تبعا، وإن كان لا يصلح لها؛ كأرض إذا في بعض جوانبها سبخة؛ فإنها تمسح مع الأرض، ويوضع الخراج فيها؛ لكونها تابعة لما تصلح للزراعة مثله. ذكره المحبوبي (٣). القير: الزفت، والقار لغة فيه، والنفط - بالفتح، والكسر وهو أفصح -: دهن يكون على وجه الماء في العين، والله أعلم.

стр. 1680

بَابُ مَنْ يَجُوزُ دَفْعُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِ وَمَنْ لَا يَجُوزُ قَالَ ﵀: (الأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ باب من يجوز دفع الصدقة إليه [ومن لا يجوز] (١) لما ذكر الزكاة مع أنواعها، وما يلحقها من الخمس وغيره؛ شرع في بيان مصرفها، وذكر لفظ الصدقة؛ لتشملها. وقيل: ذكرها اتباعًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ قصر الله تعالى جنس الصدقات على الأصناف الثمانية بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]، فدل أنها مختصة بها لا يتجاوزها إلى غيرها، كأنه قيل: إنما [هو] (٢) لهم لا لغيرهم، كقولك: إنما الخلافة لقريش؛ تريد: لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم؛ لأن كلمة (إنما) للحصر. وفي الكشاف: عدل في الأربعة الأخيرة عن اللام إلى (في)؛ ليؤذن أنهم أرسخ في استحقاق التصدق [ممن سبق] (٣)؛ لأن (في) للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات؛ لما أن في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفي فك الغارمين من الغرم من التخليص والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع بين الفقر والعبادة، وكذا ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال، وتكرير (في) في قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ يؤذن بفضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين، لما ذكرنا من الجمع (٤). ثم اعلم: أنه يجوز لرب المال تفرقة الزكاة بنفسه في الأموال الباطنة؛ كالذهب والفضة، وعروض التجارة والزكاة، وله أن يدفع إلى الإمام، وبه قال الشافعي في القديم. وقال في الجديد: يفرقها بنفسه (٥).

стр. 1681

[التوبة: ٦٠] (الآيَةَ. فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافِ، وَقَدْ سَقَطَ مِنْهَا المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ وفي حاويهم: لو كان الإمام جائرا لم يجز الدفع إليه (١)، وعندنا يجوز. وقال مالك: لو أخذها جبرا، أجزأه، ولو دفعها باختياره لا يجوز (٢). ولو امتنع رب المال من أدائها لا يأخذ منه السلطان كرها، بل يحبسه حتى يؤديها باختياره؛ لأنها عبادة، فلا تتأدى بلا اختيار. وعند الشافعي: يأخذها منه كرها وعزر. وقال في القديم: يأخذ مع الزكاة شطر ماله؛ لقوله ﵇: «في كل أربعين من الإبل السائمة بنت لبون، من أعطاها مؤتجرا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا نأخذها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد منها شيء» (٣). وفي الجديد: لا يأخذ؛ لقوله ﵇: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (٤)، فيحمل الأول على السياسة أو التهديد، أو على أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام إن ثبت. كذا في شرح الوجيز (٥). قوله: (وقد سقط منها المؤلفة قلوبهم) إلى آخره: المؤلفة قسمان: مسلمون وكفار، والمسلمون [قسمان] (٦): قسما أسلموا ونيتهم ضعيفة؛ كعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس، وعلقمة بن علامة؛ فللإمام أن يعطيهم منها تألفا، أو نيتهم قوية لكنهم شرفاء قومهم، فجاز إعطاؤهم ترغيبا لأمثالهم، كإعطائه ﵇ عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر، ولكنه يعطيهم من خمس الخمس دون الصدقات، وقسم بإزاء الكفار لكن أبعدهم عن

стр. 1682

تَعَالَى أَعَزَّ الإِسْلَامَ وَأَغْنَى عَنْهُمْ) وَعَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ. الجهاد الضعف، فيعطيهم الإمام من سهم الغزاة. وقيل: من سهم المؤلّفة، أو بإزاء منعة الزكاة، ويأخذون منهم الزكاة ويحملونها إلى الإمام، فيعطيهم الإمام منها. وقيل: من سهم الغنيمة؛ روي أن عدي بن حاتم جاء إلى أبي بكر الصديق ﵁ بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه، فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرًا. وأما الكفار، فمن يُخشَى شره أو [يرجى إسلامه؛ فيعطى حذارًا من شره أو] (١) طمعا في إسلامه؛ كصفوان بن أمية وغيره، ثم سقط سهم هؤلاء أجمع منها ومن الغنيمة؛ لأنه تعالى أعزّ الإسلام وأغنى عنهم، فلا يعطى مشرك بحال من الأحوال، وهو قول عمر وعثمان وعلي والحسن، وقول علمائنا، والشافعي في قول. وقال في قول: يُعطى كفارهم من غير الزكاة [من الصفي، فكان نصيب كفارهم ساقطا عنده من الزكاة] (٢) قولا واحدا (٣). وأما مسلموهم أربعة أصناف: قوم شرفاء قومهم، وقوم نيتهم ضعيفة، ففيهما له قولان: أحدهما: أنه لا يُعطَوْن، والثاني: أنهم يُعطَوْنَ، ومن أي شيء يعطون؟ فيه له قولان: أحدهما: من الصدقات. والثاني: من خمس الغنيمة. وقوم بإزاء الكفار ولهم قوة وشوكة، إن أعطوا قاتلوهم، وقوم في طرف دار الإسلام، ويقرب منهم قوم من المسلمين لا يؤدون الزكاة إلا خوفًا من جيرانهم، كما ذكرنا من قصة عدي مع أبي بكر، فيهم [له] (٤) أربعة أقوال:

стр. 1683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أحدها: أنهم يُعطَوْنَ من سهم المصالح. والثاني: أنهم يُعطَوْنَ من سهم المؤلفة من الزكاة. والثالث: من سهم الغزاة. والرابع: من سهم الغزاة ومن سهم المؤلفة. كذا في تتمتهم (١). والصحيح مذهبنا؛ لما روي أن المؤلفة استبدلوا في خلافة أبي بكر منه الخط باسمهم، فبدّل لهم، فجاءوا إلى عمر واستبدلوا خطه، فأبى ومزّق خط الصديق، وقال: هذا شيء كان يعطيكم رسول الله ﷺ تأليفا لكم، فأما اليوم؛ فقد أعزّ الله الإسلام، فإن ثبتم على الإسلام، وإلا فبيننا وبينكم السيف، فعادوا إلى أبي بكر ﵁ وقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟، بدّلت الخط ومزّقه عمر؟، فقال: إن شاء عمر فعمر، ولم يخالفه، وعلى ذلك انعقد الإجماع، كأنه أراد به اتفاق الأكثر، ولأنه خلاف كما ذكرنا. فإن قيل: لا يجوز النسخ بالإجماع بل لا يتصور؛ لأن حجته الإجماع بعد وفاته ﵇؟ قلنا: قد ذكر شمس الأئمة وفخر الإسلام: أن بعض المشايخ جوز النسخ بالإجماع؛ [لأنه موجب] (٢) علم اليقين كالنص، فيجوز النسخ به، وهو أقوى من الخبر المشهور، فإذا جاز النسخ بالمشهور، فبه أولى، وما شرطوا حياة النبي ﵇ لجواز النسخ، فإن النسخ بالمتواتر والمشهور يجوز، ولا تصور لهما إلا بعد وفاة النبي ﵇ (٣). وأما على قول العامة، قال [الإمام] (٤) بدر الدين خواهر زاده: فيه ثلاثة أوجه:

стр. 1684

(وَالفَقِيرُ: مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ، وَالمِسْكِينُ: مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ) وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي أحدها: يجوز أن يكون في ذلك نص، وكان عمر يذكره دون غيره، فانعقد الإجماع على ذلك النص. والثاني: أن يكون هذا انتهاء الشيء بانتهاء علته، كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته، وانتهاء وجوب الكفارة بالفطر بانتهاء رمضان. والثالث: أن كل شيء يعود على موضوعه بالنقص باطل، وفي إعطائهم ذلك؛ لأن إعطائهم كان لدفع شرهم وإعزاز الدين؛ لئلا يلحق الدين ذل وصغار، وفي الإعطاء بعد عزة الإسلام وقوته صغار وذل له، فلا يعطون (١). قال شيخي والأحسن أن يقال: ليس هذا من قبيل النسخ بوجه؛ بل هو تقرير لما كان في زمن النبي ﵊ من حيث المعنى، وذلك أن المقصود بالدفع إليهم؛ إعزاز الإسلام لضعفه في ذلك الوقت لغلبة أهل الكفر، فكان الإعزاز في الدفع، ولما تبدل الحال بغلبة أهل الإسلام؛ صار الإعزاز في المنع، فكان الإعطاء في ذلك الزمان، والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين، والإعزاز هو المقصود، وهو باق على حاله، فلم يكن نسخا، كالمتيمم وجب عليه استعمال التراب للتطهير؛ لأنه آلة معينة لحصول التطهير عند عدم الماء، فإذا تبدل حاله بوجدان الماء؛ سقط الأول ووجب استعمال الماء؛ لأنه صار متعينا لحصول المقصود، ولا يكون هذا نسخا للأول، فكذا هذا، وهو نظير إيجاب الدية على العاقلة، فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبي ﷺ ، وبعده على أهل الديوان؛ لأن الإيجاب عليها بسبب النصرة، والانتصار في زمنه ﵇ بالعشيرة، وبعده بأهل الديوان، فإيجابها على أهل الديوان بعده ﵇ لم يكن نسخا؛ بل كان تقريرًا للمعنى الذي وجبت الدية لأجله، وهو الانتصار، فكذا هذا (٢). قوله: (والفقير: من له أدنى شيء)؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]. (والمسكين: من لا شيء له)؛ قال تعالى: ﴿أَوْ

стр. 1685

حَنِيفَةُ ﵀ (*)، وَقَدْ قِيلَ عَلَى العَكْسِ … ... مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]؛ أي: لاصقًا بالتراب من الجوع والعطش. وفي التفسير: أي: حفر الأرض إلى غايته فاستتر بالتراب؛ لأنه عار لا يواريه شيء، قال الشاعر (١): أَمَا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ العِيَالِ، فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ سماه فقيرًا وله حلوبة [وهي ما] (٢) تحلب، وهو مذهب أبي حنيفة (٣). ولأبي إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي (٤)، ومالك (٥)، والأخفش، وثعلب، والفراء من أئمة اللغة (٦). (قيل: على العكس): وبه قال الشافعي (٧)، والطحاوي، والأصمعي من أهل اللغة (٨)؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩]، فسمى قوما لهم سفينة مساكين، ولأنه ﵇ استعاذ من الفقر، وسأل المسكنة بقوله: «اللهم أحيني مسكينًا» الحديث، فعلم أن الفقر أشد، حتى استعاذ منه وسأل المسكنة. ولأن الفقر مشتق من فقار الظهر، فكأنه بلغ به الجهد وسكن، فما به حراك؛ يعني: انكسر فقارة من الجوع.
следующие страницы →