← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

[التوبة: ٦٠] (الآيَةَ. فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافِ، وَقَدْ سَقَطَ مِنْهَا المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ وفي حاويهم: لو كان الإمام جائرا لم يجز الدفع إليه (١)، وعندنا يجوز. وقال مالك: لو أخذها جبرا، أجزأه، ولو دفعها باختياره لا يجوز (٢). ولو امتنع رب المال من أدائها لا يأخذ منه السلطان كرها، بل يحبسه حتى يؤديها باختياره؛ لأنها عبادة، فلا تتأدى بلا اختيار. وعند الشافعي: يأخذها منه كرها وعزر. وقال في القديم: يأخذ مع الزكاة شطر ماله؛ لقوله ﵇: «في كل أربعين من الإبل السائمة بنت لبون، من أعطاها مؤتجرا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا نأخذها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد منها شيء» (٣). وفي الجديد: لا يأخذ؛ لقوله ﵇: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (٤)، فيحمل الأول على السياسة أو التهديد، أو على أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام إن ثبت. كذا في شرح الوجيز (٥). قوله: (وقد سقط منها المؤلفة قلوبهم) إلى آخره: المؤلفة قسمان: مسلمون وكفار، والمسلمون [قسمان] (٦): قسما أسلموا ونيتهم ضعيفة؛ كعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس، وعلقمة بن علامة؛ فللإمام أن يعطيهم منها تألفا، أو نيتهم قوية لكنهم شرفاء قومهم، فجاز إعطاؤهم ترغيبا لأمثالهم، كإعطائه ﵇ عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر، ولكنه يعطيهم من خمس الخمس دون الصدقات، وقسم بإزاء الكفار لكن أبعدهم عن

стр. 1682

تَعَالَى أَعَزَّ الإِسْلَامَ وَأَغْنَى عَنْهُمْ) وَعَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ. الجهاد الضعف، فيعطيهم الإمام من سهم الغزاة. وقيل: من سهم المؤلّفة، أو بإزاء منعة الزكاة، ويأخذون منهم الزكاة ويحملونها إلى الإمام، فيعطيهم الإمام منها. وقيل: من سهم الغنيمة؛ روي أن عدي بن حاتم جاء إلى أبي بكر الصديق ﵁ بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه، فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرًا. وأما الكفار، فمن يُخشَى شره أو [يرجى إسلامه؛ فيعطى حذارًا من شره أو] (١) طمعا في إسلامه؛ كصفوان بن أمية وغيره، ثم سقط سهم هؤلاء أجمع منها ومن الغنيمة؛ لأنه تعالى أعزّ الإسلام وأغنى عنهم، فلا يعطى مشرك بحال من الأحوال، وهو قول عمر وعثمان وعلي والحسن، وقول علمائنا، والشافعي في قول. وقال في قول: يُعطى كفارهم من غير الزكاة [من الصفي، فكان نصيب كفارهم ساقطا عنده من الزكاة] (٢) قولا واحدا (٣). وأما مسلموهم أربعة أصناف: قوم شرفاء قومهم، وقوم نيتهم ضعيفة، ففيهما له قولان: أحدهما: أنه لا يُعطَوْن، والثاني: أنهم يُعطَوْنَ، ومن أي شيء يعطون؟ فيه له قولان: أحدهما: من الصدقات. والثاني: من خمس الغنيمة. وقوم بإزاء الكفار ولهم قوة وشوكة، إن أعطوا قاتلوهم، وقوم في طرف دار الإسلام، ويقرب منهم قوم من المسلمين لا يؤدون الزكاة إلا خوفًا من جيرانهم، كما ذكرنا من قصة عدي مع أبي بكر، فيهم [له] (٤) أربعة أقوال:

стр. 1683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أحدها: أنهم يُعطَوْنَ من سهم المصالح. والثاني: أنهم يُعطَوْنَ من سهم المؤلفة من الزكاة. والثالث: من سهم الغزاة. والرابع: من سهم الغزاة ومن سهم المؤلفة. كذا في تتمتهم (١). والصحيح مذهبنا؛ لما روي أن المؤلفة استبدلوا في خلافة أبي بكر منه الخط باسمهم، فبدّل لهم، فجاءوا إلى عمر واستبدلوا خطه، فأبى ومزّق خط الصديق، وقال: هذا شيء كان يعطيكم رسول الله ﷺ تأليفا لكم، فأما اليوم؛ فقد أعزّ الله الإسلام، فإن ثبتم على الإسلام، وإلا فبيننا وبينكم السيف، فعادوا إلى أبي بكر ﵁ وقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟، بدّلت الخط ومزّقه عمر؟، فقال: إن شاء عمر فعمر، ولم يخالفه، وعلى ذلك انعقد الإجماع، كأنه أراد به اتفاق الأكثر، ولأنه خلاف كما ذكرنا. فإن قيل: لا يجوز النسخ بالإجماع بل لا يتصور؛ لأن حجته الإجماع بعد وفاته ﵇؟ قلنا: قد ذكر شمس الأئمة وفخر الإسلام: أن بعض المشايخ جوز النسخ بالإجماع؛ [لأنه موجب] (٢) علم اليقين كالنص، فيجوز النسخ به، وهو أقوى من الخبر المشهور، فإذا جاز النسخ بالمشهور، فبه أولى، وما شرطوا حياة النبي ﵇ لجواز النسخ، فإن النسخ بالمتواتر والمشهور يجوز، ولا تصور لهما إلا بعد وفاة النبي ﵇ (٣). وأما على قول العامة، قال [الإمام] (٤) بدر الدين خواهر زاده: فيه ثلاثة أوجه:

стр. 1684

(وَالفَقِيرُ: مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ، وَالمِسْكِينُ: مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ) وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي أحدها: يجوز أن يكون في ذلك نص، وكان عمر يذكره دون غيره، فانعقد الإجماع على ذلك النص. والثاني: أن يكون هذا انتهاء الشيء بانتهاء علته، كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته، وانتهاء وجوب الكفارة بالفطر بانتهاء رمضان. والثالث: أن كل شيء يعود على موضوعه بالنقص باطل، وفي إعطائهم ذلك؛ لأن إعطائهم كان لدفع شرهم وإعزاز الدين؛ لئلا يلحق الدين ذل وصغار، وفي الإعطاء بعد عزة الإسلام وقوته صغار وذل له، فلا يعطون (١). قال شيخي والأحسن أن يقال: ليس هذا من قبيل النسخ بوجه؛ بل هو تقرير لما كان في زمن النبي ﵊ من حيث المعنى، وذلك أن المقصود بالدفع إليهم؛ إعزاز الإسلام لضعفه في ذلك الوقت لغلبة أهل الكفر، فكان الإعزاز في الدفع، ولما تبدل الحال بغلبة أهل الإسلام؛ صار الإعزاز في المنع، فكان الإعطاء في ذلك الزمان، والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين، والإعزاز هو المقصود، وهو باق على حاله، فلم يكن نسخا، كالمتيمم وجب عليه استعمال التراب للتطهير؛ لأنه آلة معينة لحصول التطهير عند عدم الماء، فإذا تبدل حاله بوجدان الماء؛ سقط الأول ووجب استعمال الماء؛ لأنه صار متعينا لحصول المقصود، ولا يكون هذا نسخا للأول، فكذا هذا، وهو نظير إيجاب الدية على العاقلة، فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبي ﷺ ، وبعده على أهل الديوان؛ لأن الإيجاب عليها بسبب النصرة، والانتصار في زمنه ﵇ بالعشيرة، وبعده بأهل الديوان، فإيجابها على أهل الديوان بعده ﵇ لم يكن نسخا؛ بل كان تقريرًا للمعنى الذي وجبت الدية لأجله، وهو الانتصار، فكذا هذا (٢). قوله: (والفقير: من له أدنى شيء)؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]. (والمسكين: من لا شيء له)؛ قال تعالى: ﴿أَوْ

стр. 1685

حَنِيفَةُ ﵀ (*)، وَقَدْ قِيلَ عَلَى العَكْسِ … ... مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]؛ أي: لاصقًا بالتراب من الجوع والعطش. وفي التفسير: أي: حفر الأرض إلى غايته فاستتر بالتراب؛ لأنه عار لا يواريه شيء، قال الشاعر (١): أَمَا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ العِيَالِ، فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ سماه فقيرًا وله حلوبة [وهي ما] (٢) تحلب، وهو مذهب أبي حنيفة (٣). ولأبي إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي (٤)، ومالك (٥)، والأخفش، وثعلب، والفراء من أئمة اللغة (٦). (قيل: على العكس): وبه قال الشافعي (٧)، والطحاوي، والأصمعي من أهل اللغة (٨)؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩]، فسمى قوما لهم سفينة مساكين، ولأنه ﵇ استعاذ من الفقر، وسأل المسكنة بقوله: «اللهم أحيني مسكينًا» الحديث، فعلم أن الفقر أشد، حتى استعاذ منه وسأل المسكنة. ولأن الفقر مشتق من فقار الظهر، فكأنه بلغ به الجهد وسكن، فما به حراك؛ يعني: انكسر فقارة من الجوع.

стр. 1686

وَلِكُلِّ وَجْهُ. ثُمَّ هُمَا صِنْفَانِ أَوْ صِنْفٌ وَاحِدٌ سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الوَصَايَا إِنْ شَاءَ (ولكل وجه): وفائدة الاختلاف لا تظهر في الزكاة، بل تظهر في الوصايا والأوقاف والنذور. (ثم هما)؛ أي: الفقير والمسكين. (صنفان أو صنف واحد): فجلعهما أبو يوسف صنفًا واحدًا، حتى لو أوصى بثلث ماله لفلان، وللفقراء والمساكين، فعنده نصف الثلث لفلان، ونصفه لهما. وعند أبي حنيفة: ثلث الثلث لفلان، والثلثان لهما، فجعلهما صنفين، وهو الصحيح. كذا ذكره فخر الإسلام (١)، وسيجيء في الوصايا إن شاء الله تعالى. وفي الْمُجْتَبى (٢): وأما إضافة السفينة إلى المساكين، فقد ورد في الآثار أنها كانت لهم بأجرة أو عارية في أيديهم، وكذا في جامع قاضي خان، والمبسوط (٣). وفي الكامل (٤): عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل. وقيل: الفقير: الزَّمِن المحتاج، والمسكين: الصحيح المحتاج. وللشافعي فيهما قولان؛ في قول: يشترط في الفقير الزمانة وعدم السؤال. وفي قول: لا يشترط عليهما؛ بل من له حاجة قوية. وفيه قولان [في المسكين] (٥)؛ قال في القديم: المسكين: هو السائل، أو

стр. 1687

اللَّهُ تَعَالَى. (وَالعَامِلُ يَدْفَعُ الإِمَامُ إِلَيْهِ إِنْ عَمِلَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ فَيُعْطِيهِ مَا يَسَعُهُ وَأَعْوَانُهُ غَيْرَ مُقَدَّرِ بِالثُّمُنِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِطَرِيقِ الكِفَايَةِ، وَلِهَذَا يَأْخُذُ من له حرفة. وفي الجديد: السؤال ليس بشرط، بل المعتبر فيه وجود شيء من المال والقدرة على تحصيله. كذا في تتمتهم (١). قوله: وهو الذي يبعثه الإمام لجباية الصدقات يعطيه ما يكفيه وعياله وأعوانه؛ لأنه فرّغ نفسه لهذا. كذا في جامع الكردري (٢)، وبه قال مالك (٣). وقوله: (إن عمل)؛ لنفي المجاز عن العامل، فإنه يسمى عاملا باعتبار ما كان ما يسعه ثمنًا أو أقل أو أكثر. (خلافا للشافعي)؛ فإنه مقدر بالثمن عنده؛ لأن القسمة تقتضي المساواة في الأصل، فيكون بيانا لحصته، ولكن ذكر في كتبهم: إن كان فضل من أجر عمله رد الفضل على بقية الأصناف، وإن كان أقل يتمم من بيت المال في قول، وفي قول (٤): من الزكاة (٥). قلت في قول اعتبار لقدر عمله لا للثمن، فحينئذ لا خلاف بيننا إلا في صورة؛ وهو أن يكون أجر عمله أكثر من الثمن عنده، لا يعطي الزيادة على الثمن، وعندنا يعطي. فإن قيل: كيف يستقيم قوله: (غير مقدر بالثمن) على قول الشافعي، فإن المؤلفة سقطت بالإجماع، فينبغي أن يقول: غير مقدر [بالثمن] (٦) بالتبع. قلنا: المؤلفة صنفان كفار ومسلمون كما ذكرنا، فإن عنده سقط صنف الكفار فقط، فبقي مقدر بالثمن، ومعنى ما ذكر في الكتاب: (انعقد الإجماع)؛

стр. 1688

وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، إِلَّا أَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الصَّدَقَةِ فَلَا يَأْخُذُهَا العَامِلُ الهَاشِمِيُّ تَنْزِيهَا لِقَرَابَةِ الرَّسُولِ ﵊ عَنْ شُبْهَةِ الوَسَخِ، وَالغَنِيُّ لَا يُوَازِيهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الكَرَامَةِ، فَلَمْ تُعْتَبَر الشُّبْهَةُ فِي حَقِّهِ. أي: على سقوط بعضهم لا على سقوط الكل. كذا قرره شيخ الإسلام (١). وفيه قولنا: إن العالم يستحقه وعماله؛ ألا ترى أن صاحب المال لو حمل مال الزكاة إلى الإمام؛ لا يستحق العامل شيئًا، فيقدر بقدر عمله، ولو هلك المال في يده سقط حقه، وأجزأت عن الزكاة عن المؤدين؛ لأنه بمنزلة الإمام في القبض، أو نائب عن الفقير فيه، فإذا تم القبض سقطت الزكاة، وكذا حقه؛ لأن عماله في معنى الأجرة، وأنه يتعلق بالمحل الذي عمل فيه، فإذا هلك سقط حقه؛ كالمضارب إذا ملك مال المضاربة في يده بعد التصرف. كذا في المبسوط (٢)، والإيضاح. (عن شبهة الوسخ)؛ ولهذا لو هلك في يد العامل تسقط الزكاة عن المزكين. وفي المنتقى: لو استعمل بنو هاشم وعمل فيها، ورزق من غير الزكاة؛ لا بأس به، ولو رزق منها لا ينبغي أن يأخذه. كذا في المحيط (٣)، وكذا مواليهم، وبه قال مالك (٤). وقيل: لا يحرم على مواليهم؛ إذ لا حظ لهم في سهم ذوي القربى الذين عوضوا به عن الصدقة. وجه المنع: ما روي أنه ﵇ بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع مولى رسول الله ﷺ : [اصحبني كيما تصيب منها، قال: لا حتى يسأل رسول الله ﷺ ] (٥) فسأله فقال: «لا؛ إن الصدقة لا تَحِلُّ لنا، وإن مولى القوم منهم». رواه الخمسة (٦) إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي، وجوز

стр. 1689

قَالَ: (وَفِي الرِّقَابِ يُعَانُ المُكَاتَبُونَ مِنهَا فِي فَكْ رِقَابِهِمْ) وَهُوَ المَنْقُولُ الطحاوي أن يكون الهاشمي عاملا. وعند الشافعي: لو رزق من غير مال الزكاة يجوز بلا خلاف، ولو عمل ليأخذ الأجر من الزكاة فيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز؛ لأنه لا يحرم عليه أجرة الأعمال والثاني: لا يجوز؛ لما روي أن الفضل بن عباس طلب من النبي ﵇، فقال ﵇: «أليس في خُمْسِ الخُمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس» (١) ولم يُوَلِّهِ. كذا في تتمتهم (٢). قوله: (وفي الرقاب يُعَانُ المكاتبون)؛ أي: المراد منه: إعانة المكاتبون على أداء بدل الكتابة، وبه قال الشافعي (٣)، وأحمد (٤)، ومالك في رواية (٥)، وأكثر العلماء، وهو المروي عن علي ﵁، والمنقول عن رسول الله ﷺ ، روي أن رجلا سأل النبي ﵇ فقال: علمني عملا يدخلني الجنة، فقال ﵇: «فك الرقبة وأعتقِ النّسمة»، فقال: أليسا سواء؟ فقال: «لا، فكُ الرقبة أن تُعين في فكها» (٦) كذا في الإيضاح (٧). والمكاتب والمراد مكاتب غير رب المال، ومكاتب غير الهاشمي. وقال مالك (٨)، وأحمد في رواية (٩): والمراد به: أن يشتري بجزء مال

стр. 1690

(وَالغَارِمُ: مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ وَلَا يَمْلِكُ نِصَابًا فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: مَنْ تَحَمَّلَ غَرَامَةٌ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ وَإِطْفَاءِ الثَّائِرَةِ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ الصدقة عبدًا فيعتقه، وهو المروي عن ابن عباس والحسن البصري. ولنا: أن قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] يقتضي أن يكون المال مصروفًا إليهم، والتمليك والإيتاء مأمور به فيها، ولابد منه، وما يأخذه البائع عوض عن ملكه، والعتق يقع على ملك [المولى] (١)، فلا يملك التمليك، أما المكاتب حرًّا جديدًا، ولا سبيل للمولى على ما في يده. [قوله:] (٢) (إِطْفَاءِ الثَّائِرَةِ): هو عبارة عن إطفاء الفتنة، والثَّائِرَة: العداوة. (وذات البين)؛ يعني: الأموال التي بينهم، وإصلاحها بالإحسان والإرقاق ليحصل الائتلاف. وفي تتمتهم (٣)، والحلية (٤): الغارم: ضرب غرم لإصلاح ذات البين؛ بأن يحمل مالا أتلف في حرب لتسكين فتنة، فيه وجهان: أحدهما: أنه يعطي مع الغناء، خلافًا لأبي حنيفة؛ لقوله ﵇: «لا تحل صدقة لغني إلا لخمسة» (٥) وذكر من جملتها الغارم، والغارم: الذي يعطى مع الغناء الذي يحمل الحمالة. وضرب غرم لمصلحة نفسه في غير معصية، فهل يُعطى مع الغناء؟ فيه قولان: قال في الأم: يعطى مع الغناء؛ لعموم الآية (٦).

стр. 1691

مُنْقَطِعُ الغُزَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّهُ هُوَ المُتَفَاهَمُ عِنْدَ الإِطْلَاقِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: مُنْقَطِعُ الحَاجِّ) (*) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الحَاجَّ». وَلَا يَصْرِفُ إِلَى أَغْنِيَاءِ الغُزَاةِ عِنْدَنَا، … .. والثاني: لا يعطى مع الغناء، وهو الصحيح؛ لأنه لا حاجة له فيه؛ لتمكنه من قضاء الدين بماله. ولو غرم لمعصية ثم تاب عنها، فهل يعطى مع الفقر؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يُعطى؛ لأنه فقير. والثاني: لا يُعطى؛ لأنا لو قضينا دينه بعد التوبة، لا يؤمن أن يظهر التوبة حتى يأخذ المال ثم يعود إلى الفسق. وفي الْمُجْتَبى: وقيل: كل من أدان لإصلاح ذات البين؛ يعطى من الزكاة وإن كان غنيًا (١). وفي شرح الإرشاد (٢): والحملة في المديون أنه إذا لم يملك فاضلا عن دينه مقدار النصاب؛ فالزكاة تحل له، ومن ملك مقداره فاضلا عن دينه لا يحل له؛ لقوله ﵇: «لا تَحِلُّ الصدقةُ لِغَني» (٣). قوله: (منقطع الغزاة): وهو المراد من قوله: (في سبيل الله) عند أبي حنيفة، وأبي يوسف (٤)، والشافعي (٥)، ومالك (٦). وعند محمد، وأحمد (٧): منقطع الحاج. وفي المرغيناني: قيل: في سبيل الله؛ طلبة العلم (٨). (لأنه المتفاهم عند الإطلاق)؛ أي: في عرف الشرع، والمراد بآي القرآن،

стр. 1692

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فكان الصرف إليه أولى. وقوله: (عند)؛ يشير إلى خلاف الشافعي؛ فإن عنده يجوز أن يدفع إلى الغازي مع الغناء (١)، وبه قال مالك (٢)؛ لقوله ﵇: «لا تَحِلُّ الصدقة لغني إلا لخمسة» (٣) وذكر من جملتها الغزاة في سبيل الله. وذكر في التجنيس: الخمسة: الغازي في سبيل الله، والعامل عليها، ورجل اشترى الصدقة بماله، ورجل تصدق بها على المسكين، فأهداها المسكين إليه (٤). وفي رواية المصابيح: ابن السبيل (٥). وقلنا: المراد: الغنى بقوة البدن، والقدرة على الكسب إنما تكون بقدرة البدن لا بملك المال، فإن الغازي إذا اشتغل بالكسب يقعده عن الجهاد، فجاز له الأخذ. والدليل عليه: ما روي في حديث آخر: «وردّها في فقرائهم» (٦). كذا في المبسوط (٧). وفيه نوع تأمل؛ لأن القادر على الكسب غير مالك النصاب يحل له أخذ الزكاة عندنا، خلافا له، إلا أن يعلل على جهة الإيجاب. قال الرازي في أحكام القرآن (٨): قد يكون الرجل غنيا في أهل بلده بالدار والأثاث والخادم والفرس، وله فضل مال تجب الزكاة فيه، ولا تحل له

стр. 1693

لِأَنَّ المَصْرِفَ هُوَ الفُقَرَاءُ (وَابْنُ السَّبِيلِ: مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي وَطَنِهِ) وَهُوَ فِي مَكَان الصدقة، فإذا عزم على الغزو احتاج إلى العدة؛ فيجوز له أخذ الصدقة؛ لأنه أنفق الفضل فيها، ولولا سفره للغزو لبقي غنيا، فحينئذ جاز له أخذ الصدقة، فهذا معنى قوله ﵇: «الصدقةُ تَحلُّ للغازي الغني» (١)، وهكذا رواه النسائي (٢). ولأن حديثهم متروك الظاهر، فإن الغزاة الذين لهم في الديوان والفيء خارج عنهم؛ لأن حديثهم يوجب الحصر على الخمسة، وقد جوزوا الدفع إلى أغنياء المؤلفة وليسوا من الخمسة، فوجب تأويله على ما ذكرنا. ولأن العلة هي الحاجة كما عرف في الأصول، وإليه أشار المصنف بقوله: (لأن المصرف هو الفقراء). وأما للعامل يجوز الأخذ دون الغازي؛ لأن هذه الأصناف صاروا مصارف بعلة الحاجة، والعامل الغني يأخذ؛ لأنه يعمل لأجل الفقير، فكأنه يأخذ الفقير في الحقيقة؛ لأن العمل عليها من حوائج الفقير. كذا سمعت عن شيخي ﵀ (٣). فإن قيل: قوله: (وفي سبيل الله) مكرر؛ لأنه إن لم يكن لمنقطع الغزاة مال، فهو والفقير سواء، فيدخل في قوله: (للفقراء)، وإن كان له مال في وطنه فهو وابن السبيل سواء، فيدخل في قوله: (وابن السبيل)، وكذا في منقطع الحاج، فكيف تصير الأصناف سبعة أو ثمانية؟ قلنا: هو فقير، إلا أنه ازداد فيه شيء آخر سوى الفقر؛ وهو الانقطاع في عبادة الله من حج أو جهاد، كما في الغارم، وكانوا فقراء مقيدة، ولا شك أن المقيد غير مطلق، فظهر أثر هذا التغاير في حكم آخر؛ وهو زيادة تحريض وترغيب في رعاية جانبهم، كما ذكر في الكشاف في جهة العدول من اللام إلى كلمة (في)، وتكرارها أيضًا، فلما غاير لفظا وحكمًا لم ينتقص المضاف عن

стр. 1694

لَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ. قَالَ: (فَهَذِهِ جِهَاتُ الزَّكَاةِ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى صِنْفِ وَاحِدٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَصْرِفَ إِلَى ثَلَاثَةٍ عدد السبعة أو الثمانية. قوله: (وابن السبيل): السبيل: الطريق، فكل من كان مسافرًا على الطريق يسمى ابن السبيل، كما يسمى ابن الفقير للفقير. كذا في المبسوط (١). وكان ابن السبيل هو المسافر الذي له مال في وطنه عندنا، ومالك (٢)، ولا شيء له في يده؛ أي: مقدار ما يبلغه إلى مأمنه، أو كان تاجر وله دين على الناس لا يقدر على أخذه، ولا يجد شيئًا يحل له الصدقة، لا من ينشئ السفر. وعند الشافعي: من أراد سفرًا غير معصية ولا مال له (٣). (قال الشافعي … ) إلى آخره: وفي الحلية (٤)، وتتمتهم (٥)، وغيرهما: يجب صرف الزكاة إلى الثمانية الأصناف المذكورين بالتسوية، وصرف كل سهم إلى الثلاثة فصاعدا؛ لظاهر للآية، إلا العامل. ولو فقد صنف؛ وزع سهمه على الباقين، ولو وزع المالك بنفسه أو حمل الزكاة إلى الإمام؛ لم يكن للعامل شيء فيها نصيب، فيقسمه على الأصناف السبعة بالتسوية؛ لأنه تعالى أضاف الصدقة إليهم بلام التمليك، وذلك يقتضي الاشتراك، كما يقال: المال لزيد وعمرو وبكر، كان شركة بينهم، وكما لو أوصى بثلث ماله للفقراء والمساكين والغارمين؛ كان الثلث بينهم بالسوية، فكذا هذا. وقال ﵇ لرجل سأله من الصدقة: «إنَّ الله تعالى لم يَرْضَ في الصدقات بقسمةِ مَلَكِ مقرّب ولا نبي مرسل، حتى تولى قسمتها من فوق سبعة

стр. 1695

مِنْ كُلِّ صِنْفِ، لِأَنَّ الإِضَافَةَ بِحَرْفِ اللَّامِ لِلاسْتِحْقَاقِ. وَلَنَا: أَنَّ الإِضَافَةَ لِبَيَانِ أَنَّهُمْ مَصَارِفُ لَا لِإِثْبَاتِ الاسْتِحْقَاقِ، أرقعة، وأجزاؤها ثمانية أجزاء، فإن كنت من أحد هذه الأجزاء أعطيتك». رواه ابن الصدائي (١). والأرقعة هي: السموات والأرض؛ لأن كل طبق رقيع للآخر؛ يعني: هذه القسمة مكتوب في اللوح المحفوظ. ذكره في المغرب (٢). (أن: الإضافة)؛ أي: إضافة الصدقة إليهم. (لبيان أنهم مصارف): وتصير العاقبة لهم. (لا لإثبات الاستحقاق)؛ لأن المجهول لا يصلح مستحقا، واللام للاختصاص لا للملك، كما يقال: الجل للفرس ولا ملك له، فكان المراد اختصاصهم بالصرف إليهم؛ لما ذكرنا أن المستحق مجهول، ولما عرف في الأصول أن الزكاة حق الله تعالى، وتصير صدقة وزكاة بالإخراج لله تعالى إلى الفقير، [ويصير للفقير ملكا بعد ما صار لله تعالى بالوقوع في يد الفقير] (٣) إليه أشار النبي ﵇ بقوله: «الصدقة تقع في كف الرحمن» (٤)، والفقير نائب عنه، ويصير في العاقبة للفقراء، فيكون المراد في الآية: بيان المصارف. قاله ابن عباس، فإلى أيهم صرفت جاز؛ ألا ترى أن الله تعالى ذكر الأصناف بأوصاف تبني عن الحاجة، فعرف أن المقصود منها سد خلة المحتاج. ولهذا قال مالك: إذا كان حاجة بعضهم أشد من حاجة الباقين؛ يجوز صرف جميع الزكاة إليه (٥)، فصاروا مصارف بعلة الحاجة، وهي شيء واحد، لكن أسبابها مختلفة، فكأنه قال: إنما الصدقات للمحتاجين، ولو قال هكذا

стр. 1696

وَهَذَا لِمَا عُرِفَ أَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِعِلَّةِ الفَقْرِ صَارُوا مَصَارِفَ، فَلَا يُبَالِي بِاخْتِلَافِ جِهَاتِهِ، وَالَّذِي ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى ذِمِّي) لِقَوْلِهِ ﵊ لِمُعَاذٍ ﵁: «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا يجوز الصرف إلى صنف واحد؛ لأنه يصير جنسًا، وسقط اعتبار معنى الجمعية، فكذا هاهنا؛ لأن اسم الجمع مستعار عن الجنس إذا دخله اللام؛ لما عرف في الأصول. والدليل على أن المراد بيان المصارف: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقوله ﵇ لمعاذ: «رُدُّوها في فقرائهم» (١)، وما روي أنه ﵇ أتاه مال الزكاة من اليمن [بعثه على] (٢) وضعه في صنف واحد وهم المؤلفة، ثم أتاه مال آخر فجعله [في] (٣) صنف آخر، وما روي أن عمر بعثه بصدقة إلى أهل بيت واحد (٤)، وهكذا نقل عن ابن عباس، وأبي بكر، وحذيفة، بخلاف الوصية، وإليه ذهب معاذ، وابن جبير، والنخعي، والثوري وعمر بن عبد العزيز، وأبو العالية، وعطاء بن أبي رباح، والحسن بن الحسن، ومالك، وأحمد في ظاهر الرواية، وأبو ثور، وأبو عبيد بخلاف الوصية، فإنه لما التزم بلفظ الصدقة، حتى لو نذر أن يتصدق بماله على الأصناف السبعة؛ جاز له أن يؤديها إلى فقير واحد، فأما الوصي لما ثبت له ولاية التصرف بحكم أنها صدقة؛ بل يأمر الموصى بالصرف إلى حيث سماه، وإنما سماه سبعة أسماء، فيجب الصرف على ذلك. كذا في المبسوط (٥)، والأسرار، وجامع التمرتاشي.

стр. 1697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قيل: الله تعالى ذكر الأصناف بحرف الجمع وهو الواو، فصار كما لو نص على الثمانية، وكأنه قال: إنما الصدقات للأصناف الثمانية، ولو نص عليها لا يجوز صرفها إلى صنف واحد منها، كما في كفارة اليمين؛ حيث نص على عشرة مساكين، ولا يجوز الصرف إلى مسكين في يوم واحد عندنا، وفي عشرة أيام عند الخصم؛ لأنه نص على العشرة، فكذا هذا. قلنا: إنه تعالى قال: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ فقد أمر بصرفها إلى الفقراء لا غير، فيعمل بكليهما، وبالمطلق والمقيد كما هو مذهبنا، فثبت أنا ما ألغينا الاسم بالتعليل، وإنما ألغيناه بالآية. كذا ذكره شيخ الإسلام. قال أبو بكر الرازي: قول الشافعي مخالف للآثار والسنن، وظاهر الكتاب وأقوال الصحابة، ولم يرو عن أحد منهم خلاف فيما ذكرنا. وقولهم: أضاف إليهم بلام التمليك، وأشرك بواو الشركة غير قوي؛ لأن اللام كما تجيء للتمليك تجيء للتخصيص، كما في قولهم: الجَلُّ للفرس، أو للعاقبة كما في قولهم: وللموت، فهذا يقتضي اختصاصهم به، أو لبيان العاقبة. ولأن الفقراء والمساكين غير معدودين، فلا يجوز التمليك للمجهولين، ولأن قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] لا (لام) فيها، فلو حمل على الاختصاص استقام الجميع. ولأنه تعالى ذكر العاملين بلفظ الجمع، وقد اقتصرتم على الواحد، وعلى إبطاله بالكلية فيما إذا حمله المالك بنفسه إلى الإمام، فلو كان للتمليك لما استقام ذلك، ولأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الأحاد على الأحاد لما عرف، فيعطى واحد الفقراء وأجر العاملين وأجر المساكين؛ لأنه لم يقل: إنما صدقة كل إنسان لهذه الأصناف. ولأن في إيجاب جزء من أربعين جزءًا من شاة، فإن تلف النصاب إلا شاة بعد الحول قبل التمكن إلى أحد وعشرين نفسًا من الأصناف السبعة في غاية الحرج، والحرج منفي شرعًا، ولم يبلغنا تحري مثل هذا في زمن الصحابة، ولو

стр. 1698

فِي فُقَرَائِهِمْ». ..................... كان واجبا لما أهملوه، ولأن (لام) المعرفة إذا دخلت على الجمع وتعذر فيه الاستغراق؛ يحمل على الجنس، كما في قوله: لا أتزوج النساء، ولا أشتري العبيد، ولا أكلم الناس. وقد نص في الشامل للشافعية: أن مذهب الشافعي في هذه المسائل كمذهبنا. ولأنهم قالوا: يجوز للإمام أن يدفع صدقة واحدًا واثنتين أو أكثر إلى فقير واحد، والإمام يقوم مقام رب المال في التفريق، فأبطلوا (لام) التمليك. وقيل: وهاتان الصورتان تهدمان مذهبه، ولأن العاملين جمع، وفي سبيل الله وابن السبيل مفرد فجعلوا المفرد جمعًا، والجمع المحقق مفردًا، وهذه مناقضة ظاهرة، ولو قالوا الجمع المحلى باللام يجيء للمفرد كما بينا، فالمفرد لا يجيء بمعنى الجمع، ولو جاء بالتأويل فلا يدل على عدد الثلاثة، فما لهم فيه من نص ولا قياس فيه، ولأن الخلاف في الصدقة الواحدة، والآية لا تدل على الصدقة تقسم على الأصناف الثمانية؛ بل لو دفع صدقة عام واحد إلى صنف، وصدقة عام آخر إلى صنف آخر، وصدقة واحد إلى صنف آخر، بحيث لا تحرم الأصناف؛ كان وفاء بالآية، وجمعا بين الكتاب والسنة وقول السلف، ولأنه لو أوصى لأقاربه؛ يكتفي بواحدٍ في أظهر القولين. ذكره الرافعي، فلم يعتبر الجمع، فتناقض مذهبه. وحديث الصدائي لنا لا لهم؛ فإنه ﵇ قال: «إن كنت من أحد هذه الأصناف الثمانية أعطيتك» (١)، وذكر الأصناف الثمانية يمنع الخارج عنهم. قوله: (في فقرائهم)؛ أي: فقراء المسلمين. وقال زفر: الإسلام ليس بشرط في صرف الزكاة وغيرها (٢). وقال الزهري، وابن شبرمة: يجوز دفعها إلى الذمي.

стр. 1699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لِزُفَر: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء﴾ [التوبة: ٦٠] ولم يقيده بالإسلام، فإثبات القيد يجري مجرى النسخ؛ ألا ترى أنه يصرف الكفارات إلى أهل الذمة وهي واجبة، لما أنه تعالى لم يقيد المسكين بالإسلام. كذا في الأسرار (١). ولنا: حديث معاذ، وبالإجماع ضمير أغنيائهم يصرف إلى أغنياء المسلمين، فكذا ضمير فقرائهم ينصرف إليه، ولا يختل الكلام. فإن قيل: هذه زيادة على النص بخبر الواحد، وذلك لا يجوز كما قال زفر. قلنا: هذا النص عام، خص منه البعض بالنص والإجماع، فإن الفقير الحربي مخصوص منه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] إلى قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨]، وكذلك والده أو ولده ومنكوحته مخصوصة بالإجماع، فيخص الباقي بخبر الواحد؛ لأن تخصيص مثل هذا العام يجوز بخبر الواحد، مع أن هذا الحديث مشهور. ذكره في الأسرار (٢)، فقال فيه: إنه مشهور مقبول بالإجماع، فزدنا هذا الوصف به كما زدنا صفة التتابع على صوم الكفارة بقراءة ابن مسعود. فإن قيل: جاز أن يكون المراد من الحديث صدقة الفطر والكفارات، ويجوز صرفهما إلى الذمي عندنا. قلنا: لا يجوز؛ لأن أحدهما لا يتصور من أغنياء الكفار، ولأنه ليس للساعي ولاية الأخذ فيهما. إليه أشار شمس الأئمة (٣). فإن قيل: ليس في الحديث عدم جواز الرد إلى الكفار. قلنا: لما أمر بالرد إلى فقراء المسلمين [واجباً. فإن قيل: يجوز الرد إلى الكفار] (٤) الفاضل من فقراء المسلمين.

стр. 1700

قَالَ: (وَيَدْفَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الصَّدَقَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَدْفَعُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ اعْتِبَارًا بِالزَّكَاةِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «تَصَدَّقُوا عَلَى أَهْلِ الأَدْيَانِ كُلِّهَا» وَلَوْلَا حَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ لَقُلْنَا بِالجَوَازِ فِي الزَّكَاةِ. قلنا: هو قول لم يقل به أحد. قوله: (ما سوى ذلك)؛ أي: الزكاة من صدقة الفطر والنذور والكفارات؛ يجوز صرفه إلى الذمي، لا الحربي والمستأمن. وفي المحيط: إلا في رواية عن أبي يوسف (١)، إلا التطوع فإنه يجوز إليه بالاتفاق، وفي الحربي لا يجوز صرف الكل بالإجماع. وفي المبسوط: وفقراء المسلمين أحب؛ لأنه أبعد عن الخلاف، ولأن المسلم يتقوى [به] (٢) على الطاعة وعبادة الرحمن، والذمي يتقوى به في طاعة الشيطان (٣). (اعتبارًا بالزكاة): والمستأمن حيث لا يجوز بالإجماع. ولنا: قوله ﵇: «تصدَّقوا … » الحديث (٤)، والمستأمن والحربي خرجا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنهَنكُمُ اللهُ﴾ [الممتحنة: ٩] وبالإجماع، فبقي أهل الذمة داخلا فيه. فإن قيل: هذا الحديث لا يقبل التخصيص لقطع الاحتمال بلفظ الكل. قلنا: لفظ الكل تأكيدا للأديان لا للأهل، فبقي فيه احتمال، فيجوز تخصيصه. (لقلنا بالجواز في الزكاة)؛ أي: بإطلاق قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء﴾ [التوبة: ٦٠] كما قال زفر.

стр. 1701

(وَلَا يُبْنَى بِهَا مَسْجِدٌ وَلَا يُكَفَّنُ بِهَا مَيِّتٌ) لِانْعِدَامِ التَّمْلِيكِ وَهُوَ الرُّكْنُ (وَلَا يُقْضَى بِهَا دَيْنُ مَيِّتٍ) لِأَنَّ قَضَاءَ دَيْنِ الغَيْرِ لَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ مِنهُ، لَا سِيَّمَا مِنْ قوله: (وهو)؛ أي: التمليك. (الركن)؛ لأنه مأمور بالإيتاء والإخراج إلى الله تعالى بواسطة كف الفقير، فيكون مأمورًا بالتمليك إلى الفقير، وقيد به احترازًا عن إطعام الطعام بطريق الإباحة؛ فإنه لا ينوب عن الزكاة. والدليل على أن التمليك لم يتحقق في تكفين الميت: أن الذئب إذا أكل الميت يكون الكفن للمُكَفِّن لا لورثة الميت. والحيلة في بناء المسجد أو القنطرة وما أشبه ذلك بمال الزكاة، والتكفين به وإعتاق العبد لمن أراد ذلك؛ أن يتصدق بمقدار ذلك على فقير، ثم يأمره بعد ذلك بالصرف إلى هذه الوجوه، فيكون لصاحب المال ثواب الزكاة، وللفقير ثواب هذه القرب. كذا في المحيط (١). قوله: (لا يقتضي التمليك منه)؛ أي من الغير، بدليل أن الدائن والمديون لو تصادقا على أن لا دين بينهما؛ فللمؤدي أن يسترد المقبوض من القابض، فلم يصر هو ملكا له. وإنما قيد بقوله: لا يقضي به دين [مسلم] (٢) ميت، فإنه لو قضى بها دين [حي] (٣) بأمره؛ يجوز، ووقع عن الزكاة، كأنه تصدق على المديون، والقابض وكيله في قبض الصدقة. كذا في شرح الطحاوي (٤). وذكر الولوالجي: لو أمر فقيرًا بقبض دين له من زكاة ماله جاز له؛ لأنه قبض عينا، والعين يجوز عن العين والدين جميعًا، أما لو تصدق بماله على الذي هو له عليه دين وهو فقير؛ جاز عن ذلك ولم يجز عن العين؛ لأن في

стр. 1702

المَيِّتِ (وَلَا تُشْتَرَى بِهَا رَقَبَةٌ تُعْتَقُ) خِلَافًا لِمَالِكِ، حيثُ ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَلَنَا: أَنَّ الإِعْتَاقَ إِسْقَاطُ المِلْكِ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكِ. (وَلَا تُدْفَعُ إِلَى غَنِيٌّ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٌّ» وَهُوَ بِإِطْلَاقٍ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي غَنِيٌّ الغُزَاةِ. وَكَذَا حَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ عَلَى مَا رَوَيْنَا. الوجه الأول أدى الناقص عن الناقص فيجوز، وفي الوجه الثاني أدى الناقص عن الكامل فلا يجوز (١). وقال أبو ثور، وابن حبيب: المالكية يُقضَى بها دين الميت، وجعلاه من الغارمين، والصحيح ما ذكرناه، وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، أحمد (٤). قوله: (وَلَا تُدْفَعُ إِلَى غَنِيّ)؛ لما تلونا [من الآية] (٥)، ولحديث معاذ، ولقوله ﵇: «لا تحلُّ الصدقةُ لِغَنِي»، ولأنه يؤدي إلى أن يكون المأخوذ منه مردودا وهو نوع عبث. (وهو)؛ أي: هذا الحديث. فإنه قيل: قد خص منه العامل الغني، حيث يحل له أخذ الصدقة، وابن السبيل الذي له مال كثير في بيته. قلنا: يحل للعامل؛ باعتبار أنه أجر عمله، لا باعتبار أنه صدقة، وابن السبيل فقير محتاج بالنظر إلى اليد وعدم التصرف فلم يكونا مخصوصين. ثم الغني المحرم للزكاة؛ ما تحصل به الكفاية في قول الشافعي (٦)، ورواية عن مالك (٧).

стр. 1703

قَالَ: (وَلَا يَدْفَعُ المُزَكِّي زَكَاتَهُ إِلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَإِنْ عَلَا، وَلَا إِلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ). وعند أحمد: ملك خمسين درهما أو قيمتها (١). وعندنا: ملك نصاب يجب به صدقة الفطر والأضحية. وعن مالك: ملك نصاب من غير العين، وستجيء هذه المسألة. قوله: (وَلَا يَدْفَعُ الْمُزَكِّي زَكَاتَهُ … ) إلى آخره وكذا لا يدفع عشره وسائر واجباته إلى هؤلاء، ولا إلى مماليكه وزوجته، بخلاف الركاز إذا وجده؛ له أن يعطي خمسة من أهل الحاجة منهم؛ لأن [له أن] (٢) يمسكه لحاجة نفسه، فكذا الدفع إليهم، ولو نفى نَسَبَ أمّ ولده لم يعطه، وكذا إلى المخلوق من مائه بالزنا. ولو تزوجت امرأة الغائب فولدت أولادًا؛ قال أبو حنيفة: الأولاد من الغائب، ومع هذا يجوز دفع الزكاة إليهم، وتجوز شهادة الأولاد له. ذكره التمرتاشي (٣). والأصل أن كل من ينسب إلى المؤدي بالولاد، أو ينسب المؤدي إليه [بالولادة؛ لا يجوز الصرف إليه] (٤)، وأما من سواهم من القرابة، فيتم الإيتاء إليه، فيجوز الصرف إليه؛ بل هو أفضل لما فيه من صلة الرحم. كذا في المبسوط (٥). وقال شيخ الإسلام ولا يعطي المباينة في العدة بواحدة أو ثلاث، ولا يعطي الولد المنفي، ولا المخلوق من مائه بالزنا (٦). وقيل: في الولد الرقيق والزوجة الرقيقة كذلك. وفي الكامل: قرابة الأولاد محرمة للصدقة، وإن علا وسفل من أي جهة

стр. 1704

لِأَنَّ مَنَافِعَ الأَمْلَاكِ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّمْلِيكُ عَلَى الكَمَالِ وَلَا إِلَى امْرَأَتِهِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي المَنَافِعِ عَادَةً (وَلَا تَدْفَعُ المَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِمَا ذَكَرْنَا، كانت، فلا يتحقق التمليك؛ لعلة التمليك على الكمال؛ لأنا مأمورن بالإيتاء مطلقا، وهو التمليك، فيقع على الكمال؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، والتمليك (١) على الكمال إخراج مال الزكاة عن ملك رقبة ومنفعة، وفي التمليك إلى هؤلاء لم يوجد الإخراج عن ملكه منفعة، وإن كان الإخراج عن ملكه رقبة (٢). (لأن منافع الأملاك متصلة بينهم)؛ حتى ينتفع أحدهما بمال الآخر؛ ولهذا لم تقبل شهادة البعض [للبعض] (٣)، وكان الصرف إليهم صرفًا إلى نفسه من وجه، فلم يتم شرط التمليك الكامل، فلا يجوز. (إلى امرأته): سواء كانت في عدة بائن أو رجعي، بثلاث أو واحدة. (للاشتراك في المنافع عادة): قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]، قيل: بمال خديجة. وعند الشافعي: يجزئه؛ لأنه لا حرمة بينهما كالأخوة، ويجوز شهادته لها عنده كالأخوة. كذا في المبسوط (٤)، والمجتبى (٥). وهذا قول منه، والمشهور منه: أنه لا يجوز؛ لما بينا، ولأنها مستحقة للنفقة (٦). أما لو كانت مكاتبة؛ يجوز الدفع إليها من سهم المكاتبين، وكذا لو كانت مديونة؛ يجوز أن يعطيها من سهم الغارمين عنده. (لما ذكرنا)؛ وهو أن المنافع مشتركة عادة.

стр. 1705

وَقَالَا: تَدْفَعُ إِلَيْهِ (*) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَكِ أَجْرَانِ: أَجْرُ الصَّدَقَةِ، وَأَجْرُ الصَّلَةِ» قَالَهُ لِامْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَقَدْ سَأَلَتْهُ عَنِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ قُلْنَا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّافِلَةِ. (وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد، وهو قول الشافعي (١)، وأشهب من المالكية. وبقول أبي حنيفة: قال مالك (٢)، وأحمد (٣). (عن التصدق عليه)؛ أي: على ابن مسعود، والصدقة المطلقة هي الزكاة، ولأنه لا حق للزوجة في مال زوجها، فيتم الإيتاء كالصرف إلى الأخوة. ولأبي حنيفة: أن الزوجية أصل الولادة، ثم ما يتفرع من هذه يمتنع الصرف إليه، فكذلك إلى الأجل؛ ألا ترى أن كل واحد منهما متهم في حق صاحبه، حتى لا تجوز شهادة أحدهما للآخر، ويرث كل واحد منهما من الآخر من غير حجب. وحديث زينب - امرأة ابن مسعود - محمول على التطوع؛ لأنها كانت امرأة صنعة حرفة اليدين، تعمل للناس وتتصدق بذلك، وبه نقول أنه يجوز صرف صدقة التطوع لكل واحد منهما إلى صاحبه. كذا في المبسوط (٤). وفي شرح الآثار: «أنه ﵇ أمرها بالتصدق عليه وعلى ولدها»، والصدقة على الولد لا تكون إلا نافلة بالإجماع (٥). وفي مبسوط شيخ الإسلام (٦): روي أنه ﵇ خطب وحث النساء على الصدقة، وقال: «تصدَّقْنَ فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ»، فقامت زينب وقالت:

стр. 1706

قَالَ: (وَلَا يَدْفَعُ إِلَى مُدَبَّرِهِ ومُكَاتَبِهِ وَأَمِّ وَلَدِهِ) لِفُقْدَانِ التَّمْلِيكِ، إِذْ كَسْبُ المَمْلُوكِ لِسَيِّدِهِ، وَلَهُ حَقٌّ فِي كَسْبِ مُكَاتَبِهِ فَلَمْ يَتِمَّ التَّمْلِيكُ (وَلَا إِلَى عَبْدِ قَدْ أَعْتَقَ بَعْضَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ المُكَاتَبِ عِنْدَهُ، (وَقَالَا: يَدْفَعُ إِلَيْهِ) (*) لِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ. أيجزئني أن أتصدق على عبد الله؟، فقال ﵇: «نعم» (١). وفي الأسرار: قوله ﵇: «فإنَّكن أكثر أهلِ النَّارِ»؛ يدل على صدقة التطوع، حيث رغبهن في زيادة الصدقة على صدقة الرجال؛ ليكون سببًا للنجاة من النار، [فأما الفرار من النار] (٢) بأداء الفرائض يستوي فيه الرجال والنساء (٣). وفي الْمُجْتَبى: والفرق لهما بين الزوجين: أن الزوجة كالمملوكة، ولا يدفع إلى مملوكه، بخلاف الزوج؛ لأنها غير مالكة له، فنزل منها منزلة الأجانب فيجوز، لكن أبو حنيفة يقول: لما لم يجز دفعها إلى المملوك؛ لعدم تمام الإيتاء، فأولى أن لا يجوز إلى المالك (٤). قوله: (وله حق في كسب مكاتبه)، فإنه لو تزوَّج جارية مكاتبة لا يجوز، كما لو تزوج جارية نفسه، بخلاف مكاتب غيره؛ لأن ذلك منصوص عليه. كذا في المبسوط (٥). وبما قلنا: قال الشافعي (٦)، ومالك (٧)، وجمهور العلماء، وعن أحمد روايتان في الدفع إلى مكاتب نفسه، والأشهر: الجواز (٨)، وهو قول أبي ثور. قوله: (لأنه حر مديون) وفي الكافي: لا يستقيم هذا على قولهما؛ لأنه لو

стр. 1707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أعتق نصف عبده يعتق كله بلا سعاية، وإنما يستقيم ذلك على قولهما؛ إذا أعتق أحد الشريكين نصفه وهو معسر، فحينئذ عندهما حر مديون (١). قيل في جوابه: هذا العبد على عرضية كونه مديوناً؛ لأنه خرج عن الرق، وليس له شيء، ولا يتهيأ له الكسب في الحال، فلابد من لحوق الدين غالبًا، وهو غير قوي. ونقل [جواب] (٢) عن ابن صاحب الهداية للإمام جلال الدين ﵀ أنه قال: إن كان لا يمكن اجتماع التعليلين في صورة بعينها، لكن الخلاف متحقق في المسمى، واجتماعهما فيه ممكن؛ لكن مذهب أبي حنيفة يظهر في عبد لرجل، ومذهبهما في عبد بين رجلين وإليه أشير في النهاية الشاهية. وقيل: صورتها: جارية أعتقها مولاها على أن يزوجها، فأعتقها ثم أبت عن التزوج، فيكون عليها السعاية، فتكون حرة مديونة. ذكره في حاشية هداية الإمام ركن الدين الأفشيخي (٣). وقيل: صورته: أن يعتق نصف عبده على مائتي درهم، فقيل: فعندهما: يعتق وهو حر مديون، وهو منقول عن قاضي خان (٤). وقيل: صورته: أعتق عبده المديون [وهو معسر، ينبغي وهو حر بالاتفاق. وقيل: صورته: أن يعتق الراهن عبده المرهون وهو معسر؛ فإنه يجب عليه السعاية. ذكره في المبسوط (٥). فإن قيل: لو كان الراهن معسرًا، فكيف يتصور دفع الزكاة منه؟ قلنا: يتصور بأن يكون زكاة مال مستهلك قبل الإعتاق، ويكون عند الإعتاق فقيرًا، فعندهما: هذا العبد حر مديون. كذا في الخبازية (٦).

стр. 1708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال صاحب النهاية: والذي يختلج في صدري أن صورته: عبد بين رجل وابنه] (١)، فأعتق الرجل نصيبه، فيصير العبد معتقا، ويجب السعاية في النصف الذي هو نصيب الابن؛ فإنه بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة، فلا يجوز صرف زكاته [إليه] (٢)؛ لأنه مكاتب ابنه، وعندهما: المستسعى حر مديون، فيجوز الصرف إليه (٣). قال شيخي: المسألة [على] (٤) وجوه: أحدها: أن يكون العبد له فأعتق بعضه، فأدى الزكاة إليه؛ لا يجوز عنده؛ لأنه مكاتبه، ويجوز عندهما؛ لأنه حر فقير. والثاني: أن يؤدي إلى غير المعتق الزكاة إليه؛ فيجوز بالاتفاق؛ لأنه مكاتب الغير أو حر فقير. والثالث: أن يكون العبد مشتركًا بين رجلين، فأعتق أحدهما نصيبه وهو موسر أو معسر فأدى ثلث زكاته إليه؛ يجوز بالاتفاق؛ لأنه مكاتب أو حر مديون، أو غير مديون. والرابع: مشتركا بينه وبين غيره، فأعتق هو نصيبه وهو موسر أو معسر ثم أدى زكاته إليه؛ يجوز بالاتفاق أيضًا؛ لأنه مكاتب الشريك، أو هو حر مديون. والخامس: أن يعتق هو نصيبه وهو موسر فأدى زكاته إليه؛ لا تجوز عنده؛ لأنه مكاتب، ويجوز عندهما؛ لأنه حر مطلق. والسادس: أن يكون الشريك معسرًا، فأدى هو زكاته إليه؛ لا يجوز عنده؛ لأنه مكاتبه، ويجوز عندهما؛ لأنه حر مديون. فتبين بما ذكرنا أن المراد من قوله: (إلى عبد قد أُعتق بعضه) (٥) - بضم

стр. 1709

عِنْدَهُمَا (وَلَا يَدْفَعُ إِلَى مَمْلُوكِ غَنِي) لِأَنَّ المِلْكَ وَاقِعٌ لِمَوْلَاهُ (وَلَا إِلَى وَلَدِ غَنِيٌّ إِذَا كَانَ صَغِيرًا) لِأَنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِيَسَارِ أَبِيهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ كَبِيرًا فَقِيرًا، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ غَنِيًّا بِيَسَارِ أَبِيهِ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، الهمزة ورفع الضاد - الوجه الأخير؛ إذ لا يستقيم قوله: لأنه [حر] (١) مديون في الخلاف المذكور، إلا في هذا الوجه. معناه: وإن أعتق بعضه بإعتاق شريكه وهو معسر، إلا أن تخصيص هذه الصورة بهذا الجواب غير مفيد؛ لأن [الخلاف المذكور] (٢) ثابت في الوجه الأول والخامس أيضا، ولو لم يكن لفظ مديون مذكورا لكان أحسن؛ إذ يمكن حمله حينئذ على الأوجه الثلاثة التي فيها الخلاف، وسواء قرأ بضم الهمزة ورفع الضاد [إذ يمكن] (٣)، أو بفتح الهمزة ونصب الضاد؛ ولهذا ذكره البزدوي في جامعه بقوله: (لأنه حر كله) بلا لفظ مديون. وعن رشيد الدين الصرام السمرقندي [في جامعه بقوله:] (٤) وبفتح الألف وضمها وجه؛ لكن المحفوظ الفتح. قوله: (إلى مملوك غني)؛ أي: غير مكاتبه. وفي التحفة: لا يجوز إلى مملوكه إذا لم يكن عليه دين؛ كدين الاستهلاك ودين التجارة، فإن كان مستغرقًا به؛ ينبغي أن يجوز عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يملك كسبه عنده في المستغرق (٥)، وإلى عبده لا يجوز وإن كان عليه دين. وفي الذخيرة: لو كان العبد زَمِنًا وليس في عيال مولاه، أو كان مولاه غائبًا؛ يجوز وإن كان مولاه غنيًّا. مروي عن أبي يوسف (٦). قوله: (وإن كانت نفقته)؛ أي: نفقة الولد الكبير على الأب؛ بأن كان زمنًا أو أعمى أو أنثى.

стр. 1710

وَبِخِلَافِ امْرَأَةِ الغَنِيِّ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً لَا تُعَدُّ غَنِيَّةٌ بِيَسَارِ زَوْجِهَا، وَبِقَدْرِ النَّفَقَةِ لَا تَصِيرُ مُوسِرَةً. (بخلاف امرأة الغني): [حيث لا] (١) يجوز دفع الزكاة إليها. وروى في الأمالي عن أبي يوسف: لأنها تكفيه المؤنة من النفقة على الغنى حالتي اليسار والإعسار، فالصرف إليها بمنزلة الصرف إلى ولد صغير للغني. كذا في جامع شمس الأئمة (٢). وفي الينابيع: يجوز دفع الزكاة إلى امرأة الغني عند أبي حنيفة. وقالا: إن فرض القاضي لها النفقة جاز بالإجماع (٣). قوله: (وَبِقَدْرِ النَّفَقَةِ لَا تَصِيرُ مُوسِرَةٌ)؛ لأن مقدار النفقة لا يغنيها، وإنما شرط القضاء بالنفقة على قول أبي يوسف؛ لأن الاستغناء به متأكد؛ لأن قبل القضاء لا يصير دينا. كذا في الإيضاح (٤). وفي الْمُجْتَبى: يجوز صرف صدقة التطوع عنده، ورواه هشام عن محمد (٥). وسئل أبو حفص: أيعطى الولد الغني؟ قال: يعطى الكبير دون الصغير، ولو أعطي الصغير جاز ولكن لا يعجبني. وعن أبي حنيفة: أنه يجوز، وبه أخذ أبو جعفر، خلافًا لهما (٦). ولو دفع إلى صبي غير عاقل، فدفعه هو إلى وصيه أو أبيه؛ لا يجزئه من الزكاة، ويجوز قبض الصغير لنفسه إذا عقل ذلك، ولو دفع إلى المعتوه جاز، بخلاف المجنون. وفي شرح بكر: لا يجوز وضع العشر فيمن لا يجوز إعطاء الزكاة إليه (٧).

стр. 1711

(وَلَا تُدْفَعُ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يَا بَنِي هَاشِمٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ غُسَالَةَ النَّاسِ وَأَوْسَاخَهُمْ وَعَوَّضَكُمْ مِنهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ» بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ، لِأَنَّ المَالَ هَاهُنَا كَالمَاءِ يَتَدَنَّسُ بِإِسْقَاطِ الفَرْضِ. أَمَّا التَّطَوُّعُ فَبِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّدِ بِالمَاءِ. قوله: (ولا تدفع إلى بني هاشم): وفي الإيضاح (١): الصدقات الواجبات كلها عليهم لا يجوز؛ أي: بإجماع الأئمة الأربعة (٢). روى أبو عصمة عن أبي حنيفة: أنه يجوز دفع الزكاة إلى الهاشمي، وإنما كان لا يجوز في ذلك الوقت لسقوط خمس الخمس، ويجوز النفل بالإجماع، وكذا [يجوز] (٣) النفل للغني. كذا في فتاوى العتابي (٤). وفي المحيط - بعد ذكر هذه الرواية -: وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه قال: لا بأس بصدقة بني هاشم بعضهم على بعض، ولا أرى الصدقة عليهم ولا على مواليهم من غيرهم (٥). وفي شرح الآثار: عن أبي حنيفة: لا بأس بالصدقات كلها على بني هاشم، والحرمة للعوض وهو خمس الخمس، فلما سقط ذلك [بموته] (٦) ﵇ حلَّت لهم الصدقة (٧). قال الطحاوي: وبه نأخذ (٨). وفي النتف: يجوز الصرف إلى بني هاشم في قوله، خلافًا لهما (٩). قوله: (أَمَّا التَّطَوُّعُ فَبِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّدِ): وفي الفتاوى الكبرى: يحرم التطوع

стр. 1712

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أيضًا (١). فإن قيل: لِمَ لَمْ يجعل صدقة التطوع بمنزلة الوضوء على الوضوء، حيث يصير الماء مستعملا وإن كان تطوعًا، فكذا يصير المال وسخا بانتقال نجاسة الآثام إليه، فكان إلحاق صدقة التطوع بالوضوء أقرب من إلحاقه بالتبرد؛ بجامع التطوع بينهما، فلا يجوز إليهم. قلنا: المال ليس بنجس حقيقة ولا حكمًا، إلا أنه لما أدى الفرض يتنجس ضرورة أنه صار مطهرًا بالنص؛ لسقوط الفرض لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فبقي ما وراءه على قضية القياس، أما الوضوء على الوضوء فإزالة الظلمة بالنص اقتضاء؛ إذ ازدياد النور يقتضي زوال الظلمة بقدره لا محالة، ولم يرد النص بمثله، ولم يسقط الفرض في صدقة التطوع، فبقي المال على صفته طاهرًا من كل وجه، فكذلك الحق بالتبرد. كذا قيل. وفيه نوع تأمل؛ لأن الحسنة تذهب السيئة بالنص، فهذا الاعتبار يزيل ظلمة السيئة، وتنتقل نجاسة السيئة إليها، كما في الوضوء على الوضوء؛ ولهذا اختار صاحب فتاوى الكبرى حرمة التطوع أيضًا. وذكر في شرح الآثار: أن المفروضة والتطوع محرمة عليهم في قولهما (٢). وعن أبي حنيفة روايتان فيهما. وقال الشافعي (٣)، وأحمد (٤): لا يجوز صرف الزكاة إلى هاشمي ومطلبي؛ لأنه [تعالى] (٥) جعل لهم خمس الخمس مكان الصدقة، وحكي عنه وجه آخر؛ أنه يجوز. وقال الإصطخري من أصحابه: إن منعوا حقهم من الخمس؛ جاز دفع

стр. 1713

قَالَ: (وَهُمْ آلُ عَلِيٌّ وَآلُ عَبَّاسٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَمَوَالِيهِمْ) أَمَّا هَؤُلَاءِ فَلِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إِلَى بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَنِسْبَةُ الزكاة إليهم؛ [لأن] (١) الحرمان باعتبار خمس الخمس، وذلك عدم (٢)، ولكن لا تحرم صدقة التطوع، وبه قال بعض المالكية (٣)، وأحمد في رواية في التطوع. وعندنا: لا يحرم على آل عبد المطلب، [بل يحرم على آل عباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل حارث بن عبد المطلب؛] (٤) للحديث المذكور في المتن، وكأنه احترز بتفسير بني هاشم بقوله: (وهم آل علي) إلى آخره، عن آل عبد المطلب، وبقولنا: قال مالك (٥)، وأحمد في رواية (٦). ويجوز صرف صدقة الوقف إليهم؛ إذا سمَّى الواقف على الوقف للأغنياء أو بني هاشم، أما إذا أطلق؛ فهي صدقة واجبة، فيمنعون عنها. وقال علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي: ما كان وقفًا على العيان؛ يحرم عليهم، وما كان مسبلًا على الكافة؛ لا يحرم، كالصلاة في المساجد. قوله: (ينسبون إلى بني هاشم بن عبد مناف): قال النسفي: كان لعبد مناف جد جد رسول الله ﷺ خمسة بنين: هاشم وعبد شمس، والمطلب، ونوفل، وأبو عمر، ومات ولا عقب له (٧). وكان للنبي ﵇ اثنا عشر عما، أكبرهم: الحارث بن عبد المطلب، ومنهم أبو طالب، واسمه عبد مناف، ومنهم أبو لهب، واسمه عبد العُزَّى، ولم يسلم منهم إلا حمزة، والعباس.

стр. 1714

القَبِيلَةِ إِلَيْهِ. وَأَمَّا مَوَالِيهِمْ فَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ أَتَحِلُّ لِي الصَّدَقَةُ؟ فَقَالَ: لَا أَنْتَ مَوْلَانَا» بِخِلَافِ مَا إِذَا أَعْتَقَ القُرَشِيُّ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا، حَيْثُ تُؤْخَذُ مِنْهُ الجِزْيَةُ، وَيُعْتَبَرُ حَالُ المُعْتَقِ، لِأَنَّهُ القِيَاسُ وَالْإِلْحَاقُ بِالمَوْلَى بِالنَّص، والشافعي من ولد هاشم بن عبد المطلب، والمطلب وعبد شمس جد جد عثمان، ونوفل جد أبي جبير بن مطعم، وليسوا من أهل بيت رسول الله ﷺ . فليذكر نسب رسول الله ﷺ : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد ابن عدنان. قال ابن عبد البر: هذا لم يختلف فيه أحد. وروي أنه ﵇ نسب نفسه هكذا إلى عدنان. قوله: (وَأَمَّا مَوَالِيهِمْ)؛ فلما روى الترمذي والنسائي، وأبو داود (١)، عن أبي رافع قال: بعث رسول الله ﷺ رجلًا على الصدقة من بني مخزوم، قال أبو رافع: فقال لي: اصحبني فإنك تصيب منها معي، فقلت: حتى اسأل رسول الله ﷺ ، فانطلقت وسألته ﵇، فقال ﵇: «مولى القومِ من أنفسهم، وإنا لا تَحِلُّ الصدقة لنا»، وفي رواية النسائي: «مَولى القوم منهم». وللشافعي في الموالي وجهان: أحدهما مثل مذهبنا، وفي وجه: يدفع إليهم؛ لأنهم أصل بنفسه، كما يؤخذ منهم الجزية، ولأنهم لم يعوضوا عن الزكاة بخمس الخمس، فلا يحرمون بخلاف بني هاشم (٢)، وبه قال مالك (٣). قوله: (وحال المعتق) - بفتح التاء على بناء المفعول -؛ يعني: القياس أن لا يلحق المعتق [بالمعتق] (٤) في جميع الصور؛ لأن كل [واحد] (٥) أصل بنفسه؛ من حيث البلوغ والعقل وخطاب الشرع، فلا يكون اتصاله بالإعتاق أقوى من

стр. 1715

وَقَدْ خَصَّ الصَّدَقَةَ. (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى رَجُلٍ يَظُنُّهُ … اتصاله بالنسب؛ فإنه [لا] (١) يجوز دفع الزكاة [إليه؛ أي:] (٢) إلى ولد الغني الكبير، إلا أن النص الخاص وهو ما روينا في حرمة الصدقة على مولى بني هاشم، فيبقى في حق آخذ الجزية على القياس؛ إذا كان المعتق نصرانيًّا. وفي شرح [الإرشاد و] (٣) الطحاوي: مولى القوم منهم في حل الصدقة وحرمتها، لا في جميع الوجوه؛ ألا ترى أنه ليس بكفؤ لهم، وإن مولى المسلم إذا كان كافرًا تؤخذ منه الجزية، ومولى التغلبي تؤخذ منه الجزية لا الصدقة للمضاعفة، وإنما قال ﵇: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ» (٤) من حيث النسب، لا جناية به، كما أن الأب سبب إحياء الولد؛ إذ الرق أثر للكفر، والكفر موت؛ قال تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: كافرًا فهديناه، وإليه أشار قوله ﵇: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ»، ولا إحياء في إعتاق النصراني؛ لما أن الكفر باقٍ، فلا يكون هذا الولاء في معنى النسب. إليه أشار شمس الأئمة. كذا في الكافي (٥). وفي المستصفى (٦): قال ﵇: «لا قَرَابَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي لَهَبٍ». وفي المصابيح (٧) «أَلَا إِنَّ آلَ بَنِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبُلَالِهَا» (٨) أي: أصلها. قوله: (يَظُنُّهُ)؛ أي: تحرَّى وعمل بظنه أنه فقير، حتى [لو] (٩) دفع من غير

стр. 1716

فَقِيرًا، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ، أَوْ دَفَعَ فِي ظُلْمَةٍ فَبَانَ أَنَّهُ أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ الإِعَادَةُ) (*) لِظُهُورِ خَطَئِهِ بِيَقِينِ وَإِمْكَانِ الوُقُوفِ عَلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ وَصَارَ كَالأَوَانِي وَالثَّيَابِ. وَلَهُمَا: حَدِيثُ مَعْنِ بْنِ تَحَرَّ أو شَكٍّ فيجيء؛ فلا إعادة عليه، وبه قال الشافعي في قول، ومالك (١)، وأحمد (٢). وقال في قول مثل [قول] (٣) أبي يوسف هذا في الغني، أما في الكافر: عنده في الأظهر على القولين: فعليه الإعادة، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥)، وكذا لو بان هاشميًا أو أحد أبويه أو ابنه؛ فإنه يعيده عندهم. وفي طريق آخر: إن كان الدفع من جهة الإمام؛ [فيه قولان، وإن كان من جهة رب المال؛] (٦) فعليه الإعادة قولًا واحدًا، وله أن يسترجع على قول عليه الإعادة. كذا في الحلية (٧). وعندنا: لا يسترد ما دفعه بالاتفاق، وأما هل يطيب للقابض ما قبضه والحالة هذه؟ ذكر الحلواني: لا رواية فيه، واختلف المشايخ فيه، وعلى قول من لا يطيب، ماذا يصنع بها؟ قيل: يتصدق؛ لأنه مال خبيث. وقيل: يرد على المعطي على وجه التمليك؛ ليعيد الإيتاء فيجوز بالاتفاق. كذا في شرح الطحاوي (٨). قوله: (وصار كالأواني والثياب)؛ أي: الأواني والثياب المختلطة الطاهرة

стр. 1717

يَزِيدَ، فَإِنَّهُ ﵊ قَالَ فِيهِ: «يَا يَزِيدُ لَك مَا نَوَيْتِ، وَيَا مَعْنُ لَكَ مَا أَخَذْتَ» وَقَدْ دَفَعَ إِلَيْهِ وَكِيلُ أَبِيهِ صَدَقَتَهُ؛ وَلِأَنَّ الوُقُوفَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالاجْتِهَادِ دُونَ القَطْعِ فَيُبْتَنَى الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى مَا يَقَعُ عِنْدَهُ، كَمَا إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بالنجسة، لو تحرى فيها ثم تبين خطؤه؛ يعيد الصلاة، ولا يجوز أن يترك التحري، وصار [كما (١)] لو قضى القاضي باجتهاده ثم ظهر نص بخلافه، إذا كانت الغلبة للنجسة أو كانتا سواء؛ فإنه لا يتحرى بل يتيمم. ولنا: حديث معن بن يزيد، روي أن يزيد دفع صدقته إلى رجل ليدفعها إلى الفقير، فدفعها إلى ابنه معن، فلما أصبح رآها معه، فقال: يا بني، لم أردك بها، فاختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﵇: «يا مَعْنُ، لك ما أخذْتَ … » الحديث (٢)، وجوز ذلك ولم يستفسر أن الصدقة كانت تطوعًا أو فريضة، فثبت أن الحال لا يختلف، أو لأن مطلق الصدقة هي الفريضة. كذا في الأسرار، والإيضاح (٣). ولأن العلم بحقيقة الفقر والغنى غير ممكن، فإن الإنسان قد لا يعرف أحوال نفسه فيهما، فكيف يعرف أحوال غيره فيهما، والتكليف بحسب الوسع، ووسعه الاجتهاد دون القطع، فيبتني الأمر فيها على ما يقع عنده، كما في اشتباه القبلة، بخلاف الثياب والأواني؛ فإنه يعلم الطاهر فيهما، وبخلاف ما ظهر اجتهاده بخلاف النص؛ لأنه توقف على حقيقة النص. كذا في الإيضاح، والمبسوط (٤). وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز في الوالدين والولد والزوجة؛ لأن النسب وإن كان مجتهدًا فيه فهو كالمقطوع به؛ ألا ترى أنه يجب الحد على قاطع النسب، وإذا كان مقطوعًا به لم يتغير الاجتهاد (٥).

стр. 1718

القِبْلَةُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي غَيْرِ الغَنِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئِهِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ. وَهَذَا إِذَا تَحَرَّى فَدَفَعَ وَفِي أَكْبَرِ رَأيِهِ أَنَّهُ مَصْرِفٌ، أَمَّا إِذَا شَكٍّ وَلَمْ يَتَحَرَّ، أَوْ (والظاهر هو الأول)؛ لما روينا من حديث معن. وفي الأسرار (١): أن الحاصل بالتصدق على الابن [تمليك] (٢) على سبيل البر؛ لأن الأملاك من الآباء والأبناء منفصلة، والصلات بينهما أعظم برا، والصدقة الواجبة تمليك على سبيل البر لكن للفقير، فلما جوز رسول الله ﷺ بالأكبر من معنى الصدقة؛ علم أن الأمر أكبر من هذا حالة الاشتباه تيسيرًا، وإن أمكن الاحتراز عن قدر الخلل الحاصل بسببه بالنص الذي جعل علمًا على النسب، وإذا بقي الخطاب بهذا القدر حتى خرج عن الأمر به، وإن تبين له الأمر في الباب على وجه غير وجهه، ثبت الجواز بتمليك الهاشمي والزوجة والغني والذمي استدلالا به؛ لأن التمليك من هؤلاء يصح، ويقع على سبيل البر بصلة الهاشمي بر، وكذلك صدقة الغني والمرأة والبعل والذمي، كذلك قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ﴾ [الممتحنة: ٨]. ولأن صرف التطوع إليهم جائز بالإجماع، فيحصل بالدفع إليهم معنى القربة التي هي معنى الزكاة، ولم تجز إلى الحربي؛ لأن صلته لا تكون برا شرعًا بالنص، حتى لا يجوز صرف صدقة الفطر إليه، فلم تقع قربة. (وهذا)؛ أي: المذكور. (إذا تحرى فدفع)؛ وفق أكثر رأيه. وفي الْمُجْتَبى: التحري تبع دليل الفقر، بأن يقول: (إني فقير)، ورأى عليه زي الفقراء، ورآه في صف الفقراء، أو أخبره عالم بأنه فقير. إليه أشار في شرح صدر القضاة (٣). وفي جامع شمس الأئمة: أوصى بثلث ماله للفقراء، فأعطاهم الوصي، ثم تبين أنهم الأغنياء؛ لم يجز وهو ضامن بالاتفاق؛ لأن الزكاة حق الله تعالى،

стр. 1719

تَحَرَّى فَدَفَعَ، وَفِي أَكْبَرِ رَأيِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ لَا يُجْزِئِهِ إِلَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ فَقِيرٌ، هُوَ الصَّحِيحُ، (وَلَوْ دَفَعَ إِلَى شَخْصِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ لَا يُجْزِئِهِ) لِانْعِدَامِ فاعتبر فيها التوسع والوصية حق العباد، فاعتبر فيها الحقيقة؛ ألا ترى أن النائم إذا أتلف شيئًا يضمن ولا يأثم (١). وفي جمع النوازل: دفع زكاته ولم يخطر بباله أنه غني أو فقير؛ يجزئه (٢). وقوله: (وهو الصحيح)؛ احترازًا عما زعم مشايخنا أنه لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، كما لو اشتبهت عليه القبلة فتحرَّى إلى جهة، ثم أعرض عن الجهة التي أدّى إليها اجتهاده، وصلّى إلى جهة أخرى، ثم تبين أنه أصاب القبلة؛ تلزمه إعادة الصلاة عندهما، حتى روي عن أبي حنيفة أنه قال هناك: أخشى عليه الكفر؛ لإعراضه عن القبلة عنده، والأصح الفرق؛ لأن الصلاة لغيرها مع العلم لا يكون طاعة، فإن كان عنده أن فعله معصية؛ لا يمكن إسقاط الواجب عنه. وأما التصدق على الغني صحيح وليس فيه من معنى المعصية شيء، ويمكن إسقاط المقصود، وقد حصل بغيره، أو تحرى بعد الشك ووقع في قلبه أنه فقير يدفع إليه، وهو الوجه الرابع من المسألة، لما أن هذه المسألة على أربعة أوجه: إما أن يعطيها رجلا من غير شك، ولا تحرّ ولا سؤال؛ فإنه يجزئه ما لم يتبين أنه غني؛ لأن الفقر أصل في القابض. أو شك في أمره؛ فإنه لا يجوز حتى يعلم أنه فقير؛ لأن عند الشك يلزمه التحري، كما في التحري للصلاة، فلما ترك ما لزمه؛ لم يقع المؤدي موقعه، إلا أن يعلم أنه فقير فحينئذ؛ لأن التحري كان للمقصود، وقد حصل بدونه كالسعي إلى الجمعة. أو دفع مع أكبر رأيه أنه غني؛ لا يجزئه ما لم [يعلم] (٣) أنه فقير.

стр. 1720

التَّمْلِيكِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ المِلْكِ وَهُوَ الرُّكْنُ عَلَى مَا مَرَّ. (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا مِنْ أَيِّ مَالِ كَانَ) لِأَنَّ الغِنَى الشَّرْعِيَّ مُقَدَّرُ بِهِ، وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنِ الحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ … ... … ... … .. قال شمس الأئمة: الصحيح: أنه يجوز، وقد زعم بعض مشايخنا أنه لا يجوز عندهما، إلى آخر ما ذكرنا. كذا ذكره المحبوبي (١). قوله: (وهو الركن)؛ أي: التمليك. (على ما مرّ)؛ أن الإيتاء لا يتحقق إلا بالتمليك، فعلم من هذا قوة مرتبة الركن على الشرط، مع أن وجود الأداء يتوقف عليهما، فإن في مسألة الغني وغيره فات شرط الأداء، وهو الفقر في المدفوع إليه، وفي عبده ومكاتبه فات التمليك وهو الركن؛ فلذلك جاز الأداء في الأول مع ظهور الغنى عندهما، ولم يجز هاهنا بالاتفاق. كذا قيل. وأما صورة الوالدين والولد؛ فإن التمليك يصح، ولكنه ناقص، والأملاك منفصلة حقيقة، ومعنى الصدقة حاصل كما بينا؛ فيجوز. قوله: (والشرط)؛ أي: شرط عدم جواز دفع الزكاة إليه. وإنما قيد بذلك؛ لأنه إذا ملك نصابًا، سواء كان من النقدين أو غيرهما، ولكن ليست بفاضلة عن الحاجة الأصلية؛ يجوز الدفع إليه، وهي في [حق] (٢) الدراهم والدنانير أن يكون الدين مشغولاً بها، وفي غيرهما احتياجه [إليهما] (٣) في الاستعمال وأمر المعاش، وعن هذا ذكر في المبسوط: لو كان له ألف درهم [وعليه ألف درهم، وله دار وخادم لغير التجارة، قيمتهما عشرة آلاف درهم؛] (٤) فلا زكاة عليه؛ لأن الدين مشغول بها إلى المال الذي في يده؛ لأنه فاضل عن حاجته، معد للتقلب والتصرف، وكان الدين مصروفًا إليه، فإما هما مشغولان
следующие страницы →