← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

فَلَا وُجُوبَ بِالاتِّفَاقِ. قال: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَدُهُمَا بِالخِيَارِ، فَفِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ) مَعْنَاهُ: إِذَا مُرَّ يَوْمُ الفِطْرِ وَالخِيَارُ بَاقٍ، وَقَالَ زُفَرُ ﵀: عَلَى مَنْ لَهُ الخِيَارُ لِأَنَّ الوِلَايَةَ لَهُ. (فلا وجوب بالاتفاق): أما عندنا؛ فظاهر لعدم أهلية المالك لوجوب الأداء، وأما عنده؛ فلأن تحمل المالك عن مملوكه يستدعي أهلية أداء العبادة، والكافر ليس بأهل لأدائها، والوجوب على العبد باعتبار تحمل المولى للأداء عنه، فإذا انعدم الكل في [حق] (١) هذا المملوك؛ لم يجب أصلا. كذا في المبسوط (٢). وفي تتمتهم، وشرح الوجيز، والتعليق: إذا ملك الكافر عبدا مسلما يرثه، أو يسلم العبد في يده، أو له قريب مسلم، ففي إيجاب صدقة الفطر على الكافر عنهما وجهان: أحدهما: لا يجب لعدم أهليته للأداء. والثاني: يجب، وبه قال أحمد (٣)، ثم الإمام يأخذ من ماله كما يأخذ عن المسلم الممتنع؛ لأن الكافر ليس بأهل لأداء العبادة (٤). والأصح عن الشافعي: أن الوجوب على المولى ابتداء، فلا يجب لعدم أهليته، فعلم أن قول صاحب الكتاب: (بالاتفاق) على قوله: (الأصح). وقيل: على قوله ينبغي أن يجب على الكافر؛ لأن الكفار مخاطبون بالشرائع. قيل في جوابه: الكفار مخاطبون بها في حق المؤاخذة، لا في حق الأداء؛ لأنهم ليسوا بأهل لأداء العبادة. كذا سمعته عن شيخي ﵀. قوله: (على من يصير له)؛ يعني: إذا تم البيع فعلى المشتري، وإن انتقص فعلى البائع.

стр. 1752

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عَلَى مَنْ لَهُ المِلْكُ، لِأَنَّهُ مِنْ وَظَائِفِهِ كَالنَّفَقَةِ، وَلَنَا: أَنَّ والخلاف المذكور بين الشافعي وزفر موافق لما في المبسوط (١)، وشرح الطحاوي، ومخالف لما في الأسرار، وفتاوى قاضي خان (٢)؛ فإن المذكور فيهما عكس [ما ذكر] (٣) في الكتاب من الخلاف؛ حيث ذكر فيهما: اعتبر زفر الملك، والشافعي الخيار. وفي المحيط: وقال زفر [والحسن] (٤)، والشافعي (٥)، وأحمد (٦): فطرته على من له الملك، إن كان الخيار للبائع فعليه، وإن كان للمشتري فعليه (٧). وعند مالك: على البائع بكل حال (٨). ولكن ما ذكر في كتبهم من التتمة والتعليق موافق لما ذكر في الكتاب، فقال في تتمتهم (٩): ولو اشترى عبدًا بشرط الخيار، وفي التعليق: لو باع بشرط الخيار فأهل الهلال في زمان الخيار؛ ففطرته تبتني على أقوال: الملك إن قلنا الملك للبائع فالفطرة عليه، وإن قلنا: للمشتري؛ فالفطرة عليه، وإن قلنا: الملك موقوف فالفطرة كذلك، فيصير على من له الملك. (لأنه)؛ أي: صدقة الفطر على تأويل التصدق. (من وظائفه)؛ أي: وظائف الملك؛ لأنها مؤنة؛ لأنها تجب بسبب الملك، فتكون كالنفقة، وهي تجب على من له الملك، فكذا الصدقة. لزفر: إن وجوبها باعتبار الولاية على الرأس، والولاية لمن له الخيار. قلنا: البيع بشرط الخيار إذا تم؛ ثبت الملك للمشتري من وقت البيع؛

стр. 1753

المِلْكُ مَوْقُوفٌ، لِأَنَّهُ لَوْ رُدَّ يعود إلَى قَدِيمِ مِلْكِ البَائِعِ، وَلَوْ أُجِيزَ يَثْبُتُ المِلْكُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ العَقْدِ، فَيَتَوَقَّفُ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ، لِأَنَّهَا لِلْحَاجَةِ النَّاجِزَةِ فَلَا تَقْبَلُ التَّوَقُفَ، ولهذا تستحق الزوائد المتصلة والمنفصلة، وإذا انفسخ عاد إلى قديم ملك البائع، فحكم الولاية والملك المترتبة عليه موقوفة، فكذا ما يبتني عليه، وحكم استحقاق الزوائد يتوقف على الإجازة، فكذا حكم الاستحقاق عليه وهو وجوب الصدقة، إلا أن النفقة لا تحتمل التوقف. (لأنها)؛ أي: النفقة. ([للحاجة] (١) الناجزة)؛ أي: النقدة، فإن المملوك محتاج إليها في الحال، فلو جعلناها موقوفة مات المملوك جوعًا؛ فلأجل الضرورة اعتبرنا فيه الملك للحال، بخلاف الصدقة. كذا في المبسوط (٢). فإن قيل: الإعتاق من حقوق الملك، ثم لو أعتقه المشتري والبائع بالخيار لم يتوقف الإعتاق. قلنا: نفسه ليست من الحقوق؛ بل هي تصرف مبتدأ فيزيل الملك، لكن إذا وقع صار من حقوقه؛ لأنها نهاية للملك، والبيع إذا كان الخيار فيه للبائع معدوما حكما في حق المشتري؛ فلا يعتبر حينئذ إعتاقه قبل الملك من حيث النفاذ بوجه، فلا يصير وصفا له. فأما الصدقة ففي نفسها من حقوق الملك كالنفقة، فلما توقف حال الملك بالبيع، على أن يصير له من أول البيع؛ توقف معه أمر الصدقة. فإن قيل: يبطل هذا بمن تزوج امرأة على عبد بعينه، ولم يسلّم إليها حتى مضى يوم الفطر، ثم طلقها قبل الدخول؛ لم يجب على الزوج الصدقة، وقد عاد إليه من الأصل. قلنا: أما المرأة فلا وجوب عليها؛ لأن السبب وهو المؤنة بسبب الولاية، ولا مؤنة عليها قبل التسليم وإن ثبت نفس الملك، ونفس الملك بدون اليد لم

стр. 1754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يوجب له حق النفقة، وقد انقطع ملكها عن نصفه قبل التمام بالقبض، فصار كأن ذلك القدر لم يكن مملوكا لها. وأما الزوج فكان عليه المؤنة بلا ملك، والمؤنة بلا ملك لا توجب صدقة الفطر. كذا في الأسرار، وفتاوى الولوالجي (١). وفي المبسوط (٢): لو لم يكن في البيع خيار، إلا أن المشتري لم يقبضه حتى مرَّ يوم الفطر، فإن قبضه فعليه الصدقة؛ لأنه كان مالكا وقت الوجوب، وقد تقرر ملكه بالقبض، ولو هلك قبل قبضه فلا صدقة على واحد منهما، أما البائع؛ فلعدم ملكه وقت الوجوب؛ لأن البيع البات يزيل ملكه، وأما المشتري؛ فلأن البيع انفسخ من الأصل بالهلاك قبل القبض، فينعدم ملكه من الأصل، ووجوب الصدقة بحكم الملك، ولم يبق لملكه حكم حين انفسخ البيع من الأصل، ولو لم يهلك ورده قبل القبض بعيب أو خيار رؤية؛ فالصدقة على البائع لا على المشتري؛ لأن البيع انفسخ من الأصل بالرد قبل القبض بهذه الأسباب، فعاد إلى قديم ملكه، فكأنه لم يخرج عنه ملكه، بخلاف الأول؛ لأن الانفساخ بعد الهلاك لفوات القبض المعجل، فلا يظهر حكم ملك البائع في حال قيامه، ولو رده بعده بعيب أو خيار رؤية؛ فالصدقة على المشتري؛ لتمام ملكه وولايته وقت الوجوب بالقبض، ثم لا يسقط عنه بزوال ملكه عن العين، كما لا يسقط بهلاكه في يده. ولو اشتراه شراء فاسدًا فمرَّ يوم الفطر قبل قبضه؛ فصدقته على البائع، سواء قبضه المشتري بعد ذلك فأعتقه، أو لم يقبضه وفسخ البيع؛ لأن البيع الفاسد لا يزيل الملك بنفسه، ولو قبضه المشتري بعد ذلك يزول ملك البائع مقصورًا على الحال؛ لأن السبب إنما تمَّ الآن، وكذا الحكم في الموهوب قبل القبض. ولو قبض المبيع في البيع الفاسد ومرَّ يوم الفطر، فإن أعتقه المشتري؛ فصدقته عليه؛ لأنه كان مالكا وقت الوجوب، ويتقرر ملكه لتعذر الفسخ، ولو لم

стр. 1755

وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ عَلَى هَذَا الخِلَافِ. يعتقه ورده؛ فصدقته على البائع؛ لأنه عاد إلى قديم ملكه؛ لأن قبضه مستحق الدفع شرعا، فإذا رفع صار كأن لم [يكن] (١)، بخلاف الرد بالعيب وخيار الرؤية؛ فإنه غير مستحق الرد عليه، ولكن يدفعه باختياره. الكل من المبسوط (٢)، وجامع قاضي خان، وفتاواه (٣). قوله: (وزكاة التجارة على هذا الخلاف)؛ يعني: لو باع عبدا للتجارة فحال الحول في مدة الخيار؛ فزكاته على من يصير له عندنا، خلافا لهم. وقيل: معناه: يعتبر ابتداء الحول في المشتري لها بشرط الخيار من وقت البيع، في حق من يثبت له الملك. وقيل: صورته: لأحدهما عشرون دينارا، ولآخر عرض يساويه في القيمة، ومبتدأ حولهما على السواء، ففي آخر الحول، باع صاحب العرض عرضه من الآخر، بشرط الخيار له أو للمشتري، فازداد قيمة العرض في مدة الخيار قبيل تمام الحول، ثم تم الحول، فإن تقرر الملك للبائع؛ يجب عليه بحصة الزيادة شيء، وإن تقرر له؛ يجب عليه ذلك أيضا عندنا. وفي الإيضاح، والمبسوط: أتت جارية مشتركة بولد، فادعاه موليان؛ فلا صدقة عليهما في الأم؛ لعدم الملك التام لهما فيها. فأما في الولد، قال: على كل واحد صدقة كاملة؛ لثبوت البنوة في حق كل واحد على التمام؛ ولهذا يرث من كل واحد ميراث الابن تاما. وقال محمد: عليهما صدقة واحدة كاملة؛ لأن الإيجاب على الأب بطريق المؤنة، والمؤنة عليهما، فكذا الصدقة، ولو كان أحدهما معسرا أو ميتا؛ فعلى الآخر صدقة تامة عندهما، ولا نص عن أبي حنيفة في هذه المسألة (٤). [وفي الحلية: وهذا مناقضة منهما (٥)، وليس في هذا مناقضة تعرف بالتأمل] (٦)

стр. 1756

فَصْلٌ فِي مِقْدَارِ الوَاجِبِ وَوَقْتِهِ (الفِطْرَةُ نِصْفُ صَاعِ مِنْ بُرِّ أَوْ دَقِيقِ أَوْ سَوِيقٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعِ مِنْ تَمْرِ أَوْ شَعِيرِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الرَّبِيبُ بِمَنْزِلَةِ الشَّعِيرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (*)، وَالأَوَّلُ رِوَايَةُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ صَاعٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ فصل في مقدار الواجب ووقته (الفطرة)؛ معناه: صدقة الفطر على حذف المضاف، وقد جاءت في عبارات الشافعي وغيره، وهي صحيحة من طريق اللغة، وإن لم أجد نصا فيما عندي من الأصول. وبقولنا: قال الخلفاء الأربعة والعبادلة، وأبو هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وسعيد بن جبير، وطاووس، وابن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، والشعبي، وعلقمة، والأسود، وعروة والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، وأكثر التابعين، ومالك في رواية. قال ابن عبد البر: روينا عن جماعة من الصحابة ومن التابعين (١). (وقال الشافعي … ) إلى آخره وبقوله (٢): قال مالك (٣)، وأحمد (٤)؛ لحديث أبي سعيد، روي عن عياض بن [عبد الله] (٥) أنه ذكر الصدقة عند أبي سعيد، فقال: كنا نخرج صاعًا … .. إلى آخره، فقيل له: أو مدين من القمح؟ فقال: تلك قيمة معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها (٦)، واستدل [عليه] (٧) بحديث ابن عمر؛

стр. 1757

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَنَا: مَا رَوَيْنَا وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَفِيهِم الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الزِّيَادَةِ تَطَوُّعًا. أنه ذكر صاعا من جميع ذلك، والتقدير بنصف صاع شيء أحدثه معاوية. غاية ما في الباب: أن الآثار اختلفت والأخذ بالاحتياط في باب العبادات أولى، والاحتياط في الإتمام، وقاس البر بالشعير والتمر؛ بعلة أنه أحد الأنواع الذي يتأدى به الصدقة. ولنا: ما رُوي من حديث ثعلبة بن الصعير، وفي حديث آخر: أنه ﵇ قال: «وعن كُلِّ اثنين صاعًا مِنْ بُرِّ» (١)، فالذي روى الصاع كأنه سمع آخر الحديث لا أوله، وهو قوله: «وعَن كُلِّ اثنين»، والتقدير: [بنصف] (٢) صاع البر مذهب الخلفاء الراشدين، وجماعة من أصحابه كالعبادلة الثلاثة، وجابر وسمرة كما ذكرنا، حتى قال الكرخي: لم ينقل عن أحدٍ أنه لا يجوز نصف صاع بر (٣). وبهذا يندفع قوله: إنه رأي معاوية؛ بل فيه ما يوجب رده؛ لأن الناس في زمن معاوية أكثرهم أصحاب رسول الله، وما كانوا يتركون السنة برأي معاوية، فدل تركهم على أنه رَوَى نصا عرفوا صحته. وعن مروان بن الحكم أنه كتب إلى أبي سعيد الخدري يسأله عن صدقة الفطر، فقال: كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من الطعام، أو صاعا من التمر، أو صاعا من الشعير (٤)، فيحتمل أن الراوي لم يسمع التفسير، وظن الطعام حنطة، فنقل بالمعنى، وقد نقل [في] (٥) آخر رواية أبي سعيد: كان طعامنا الشعير؛ مع أن هذا خبر عن فعله، لا [عن] (٦) فعل رسول الله ﷺ وأمره،

стр. 1758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فلا يكون فعله حجة ما لم يعلم النبي ﵇ ويقرره على ذلك، ولم يثبت ذلك، أو ما رواه محمول على الزيادة تطوعًا، بدليل أنه قال: كنا أو كنت، ولم يقل: أمر النبي ﵇، وكان الناس في ذلك الزمان حراصًا على الطاعات، فكرهوا أداء الشقص، وليس البر كالتمر والشعير، فإنهما يشتمل على ما ليس بمأكول وهو النواة والنخالة، وعلى ما هو مأكول، فإن [البر كله مأكول، فإن] (١) الفقير يأكل دقيق الحنطة بنخالته، بخلاف الشعير، فلا يمكن قياس البر عليهما. هذا حاصل ما ذكر في الجوامع، والمباسيط (٢). وفي البخاري عن أبي سعيد: كنا نخرج … . الحديث، وقال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والتمر. قال الطحاوي: في حديثه اضطراب كثير، وحديث أسماء روي من طرق، ورواه أحمد، والثقات رووا في التقدير بنصف صاع عشرة أحاديث، وحديث الصاع شاذ غريب مع اضطرابه، ومذهب الزهري الراوي نصف الصاع، فلا يؤخذ به كما لم يأخذ به الراوي (٣). قال ابن عبد البر: روى الثقات عن ابن المسيب أنه قال: صدقة الفطر على عهد النبي ﵇ نصف صاع من بر، ومراسيل ابن المسيب عند الشافعي مقبولة (٤). وروى الترمذي (٥) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أنه ﵇ أمر مناديًا ينادي في البقاع كله: «أدوا صدقة فطرِكُم مُدَانِ من قمح»، وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 1759

وَلَهُمَا فِي الرَّبِيبِ: أَنَّهُ وَالتَّمْرُ يَتَقَارَبَانِ فِي المَقْصُودِ، وَلَهُ: أَنَّهُ وَالبُرُّ يَتَقَارَبَانِ فِي المَعْنَى، لِأَنَّهُ والأقط لا يجوز أصلا بنفسه؛ بل يجوز باعتبار القيمة عندنا. وقال الشافعي في الأصح (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣): يجوز أصلا بنفسه؛ إذ جاء في بعض الأخبار (الأقط) فيكون منصوصًا عليه. وقلنا: الأثر فيه شاذ، وبمثله لا يثبت به التقدير فيما تعم البلوى؛ إذ لو كان صحيحًا لاشتهر عمل الصحابة. (ولهما)؛ أي: لأبي يوسف ومحمد، وهو رواية أسد بن عمر والحسن عن أبي حنيفة. (أنه)؛ أي: الزبيب والتمر. (في المقصود)؛ وهو التفكه؛ إذ كل واحد منهما من الفواكه، ويتساويان في القيمة عندهم. وقال أبو اليسر في جامعه: وهو الصحيح، فإنه روي في بعض الروايات: (أو صاعًا من زبيب)، ولأنه عندهم في معنى التمر (٤). وذكر فخر الإسلام: وأنه مثل التمر، بل أنقص؛ لأنه [ليس] (٥) بغذاء، وله عجم كما في التمر نواة، فكان التقدير بالصاع أولى (٦). (وله)؛ أي: لأبي حنيفة. (أنه)؛ أي: الزبيب والبر. (يتقاربان في المعنى)؛ وهو الأكل. (فإنه)؛ أي: الزبيب.

стр. 1760

يُؤْكَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، بِخِلَافِ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ (يؤكل كله)؛ كالبر. (بخلاف التمر والشعير)؛ فإنه يلقى منهما النواة والنخالة، فيتقدر منه كما يتقدر من البر، والأثر فيه شاذ، وبمثله لا يثبت التقدير فيما يعم به البلوى؛ لأنه لو كان صحيحا لاشتهر عملهم به. وكان أبو بكر الأعمش لا يثبت الاختلاف بينهم في الحقيقة، ويقول: إن أبا حنيفة إنما قال ذلك؛ لما رأى أن للزبيب عسرة في زمانه كما للحنطة، ولم يروا ذلك. كذا في المبسوط، والفوائد الظهيرية. وفي المبسوط: لو أراد الأداء من سائر الحبوبات أعطى باعتبار القيمة (١). وقال الشافعي ﵀: كل حب مقتات يجب فيه العشر، منصوص أو مقيس عليه، صالح لإخراج الفطرة منه (٢). وروى عن صاحب الإيضاح: أنه حكي عن القديم: أنه لا يجوز إخراج العدس والحمص في الفطرة؛ لأنهما إدامان. وفي الأقط: وجهان أظهرهما: أنه على القولين، أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه إما غير مقتات، أو مقتات لا عشر فيه، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه يخرجه بدلا بالقيمة. والثاني: أنه يجوز، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)؛ لحديث أبي سعيد: «أو صاعًا من أقط» (٥). كذا في شرح الوجيز (٦)، ولأنه كان قوتًا لأهل البادية. وقال أصحابنا: لم يرد في غير المنصوص [نص] (٧)، فبقي الاعتبار للقيمة،

стр. 1761

مِنهُمَا يُؤْكَلُ وَيُلْقَى مِنْ التَّمْرِ النَّوَاةُ وَمِنْ الشَّعِيرِ النُّخَالَةُ، وَبِهَذَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ البُرِّ وَالتَّمْرِ، وَمُرَادُهُ مِنْ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ البُرِّ، أَمَّا دَقِيقُ الشَّعِيرِ فَكَالشَّعِيرِ، الْأَوْلَى أَنْ يُرَاعَى وما رواه حديث شاذ فيما تعم به البلوى، وبمثله لا يثبت للتقدير فيه. كذا في المبسوط (١). (ومراده)؛ أي: مراد محمد أو صاحب القدوري من قوله: (أو دقيق أو سويق): [دقق] (٢) الحنطة، فإنه ذكر في المبسوط: دقيق الحنطة كالحنطة، ودقيق الشعير كعينه عندنا (٣)، وبه قال الأنماطي من أصحاب الشافعي. وقال الشافعي: لا يجوز الدقيق والسويق في الفطرة أصلا؛ لما أصله أن يعتبر المنصوص في الصدقة ولا يجوز القيمة (٤). وعن أحمد: لا يجوز إخراج غير الأجناس الخمسة المنصوصة في حديث أبي سعيد (٥). ولنا: ما روي أنه ﵇ قال: «أدوا قبل خروجكُم زكاةَ فِطْرَتِكُم، فإنّ على كل مسلم مُدَّيْنِ من قمح أو دقيق» (٦)، ولأن المقصود سد خُلَّة المحتاج، وإغناؤه عن السؤال كما قال صاحب الشرع، وحصوله بالدقيق أظهر؛ لأنه أعجل لوصول منفعته إليه؛ ولهذا روي عن أبي يوسف أنه قال: أداء الدقيق أفضل من أداء الحنطة، وأداء الدراهم أفضل من أداء الدقيق؛ لأنه أعجل لمنفعته. كذا في المبسوط (٧).

стр. 1762

فِيهِمَا القَدْرُ وَالقِيمَةُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ نُصَّ عَلَى الدَّقِيقِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ. (فيهما)؛ أي: في الدقيق والسويق. (احتياطا)؛ يعني: إن كانا منصوصًا عليهما يتأديان باعتبار القيمة، وتفسيره: أن يؤدي نصف صاع من دقيق تبلغ قيمته قيمة نصف صاع من بر. وفي جامع البرهاني، ومختلفات المقتنى: قال بعض مشايخنا: يجوز باعتبار العين؛ لأنه منصوص عليه، وبعضهم قال: يجوز باعتبار القيمة، وهو الأحوط؛ لأن النص الوارد في الدقيق ليس في الشهرة مثل النص الوارد في الحنطة، فكان منصوصًا عليه من وجه دون وجه فيجب اعتبار القيمة، وإنما جوزوا به؛ لأن قيمة الدقيق تزيد على الحنطة غالبا، حتى لو انتقص لا يجوز (١). (ولم يبين)؛ أي محمد وهو الرعاية بين القدر. (اعتبارا للغالب)؛ أن قيمة نصف صاع من دقيق يساوي نصف صاع من البر. [وقوله:] (٢) وهو الصحيح؛ احتراز عن قول بعض المتأخرين، حيث قالوا: يجوز الخبز باعتبار العين، فإذا أدَّى مِنْوَينِ من خبر الحنطة يجوز؛ لأنه لما جاز من الدقيق والسويق باعتبار العين؛ فمن الخبز أجوز؛ لأنه أنفع للفقراء. وقال [بعض] (٣) المشايخ: لا يجوز إلا باعتبار القيمة، وهو الصحيح؛ لأنه لم يرد الخبز في شيء من النصوص، فكان بمنزلة الذرة والجاورس (٤)، ولأن الخبز نظير الحنطة في معنى القوت، لكن ليسن بمعناه في القدر، فإن [الحنطة] (٥) مكيلة والخبز موزون، وإذا انعدم النص لا يجوز إلا باعتبار القيمة؛ ألا ترى أنه لو أدَّى مِنْوَيْنِ من الدقيق لا يجزيه باعتبار الوزن. كذا في مختلفات المغني، ومبسوط شيخ الإسلام، وجامع المحبوبي (٦).

стр. 1763

وَالخُبْزُ تُعْتَبَرُ فِيهِ القِيمَةُ، هُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرِّ وَزْنًا فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَيْلًا، وَالدَّقِيقُ أَوْلَى مِنْ البُرِّ، وَالدَّرَاهِمُ أَوْلَى مِنْ الدَّقِيقِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ (*)، وَهُوَ اخْتِيَارُ الفَقِيهِ وحاصله: أن فيما هو منصوص لا يعتبر القيمة، حتى لو أدى نصف صاع من تمر أو صاع قيمته قيمة نصف صاع من بر أو أكثر؛ [لا] (١) يجوز؛ لأن فيه إبطال التقدير المنصوص في المؤدي، وذلك لا يجوز، فأما فيما ليس بمنصوص عليه؛ فإنه يلحق بالمنصوص باعتبار القيمة؛ إذ ليس فيه إبطال [التقدير المنصوص] (٢). كذا في المبسوط (٣). قوله: (فيما يروى) روى أبو يوسف عن أبي حنيفة هكذا، والعلماء لما اختلفوا في مقدار الصاع أنه ثمانية أرطال أو خمسة أرطال وثلث، فقد اتفقوا على التقدير منه بما يعدل بالوزن، وإنما يقع [عليه] (٤) كيل الرطل فهو وزنه، فكان المعتبر الوزن. وروى ابن رستم عن محمد كيلا حتى قال: قلت له: لو وزن الرجل منوين من الحنطة وأعطاها لفقير، هل تجوز من صدقته؟ فقال: لا، فقد تكون الحنطة ثقيلة [الوزن] (٥)، وقد تكون خفيفة الوزن، وإنما يعتبر نصف الصاع كيلًا (٦). وجه قوله: أن الآثار جاءت في التقدير بالصاع، وهو اسم للمكيال. كذا في المبسوط (٧). (فيما يروى عن أبي يوسف): أن الدقيق أحب إليَّ من الحنطة؛ لأنه أعجل بالمنفعة، والدرهم أحب إلي منهما.

стр. 1764

أَبِي جَعْفَرٍ ﵀، لِأَنَّهُ أَدْفَعُ لِلْحَاجَةِ وَأَعْجَلُ بِهِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الأَعْمَشِ تَفْضِيلُ الحِنْطَةِ، لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الخِلَافِ، إِذْ فِي الدَّقِيقِ وَالقِيمَةِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ: (وَالصَّاعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالِ بِالعِرَاقِيّ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: خَمْسَةُ وفي جامع المحبوبي: قال محمد بن سلمة: إن كان في زمن الشدة؛ فالأداء بالحنطة أو دقيقه أفضل من الدراهم، وفي زمن السعة الدراهم أفضل (١). (بالعراقي)؛ أي: بالرطل العراقي، وهو عشرون إستارًا، أو صاع العراق أربعة أمداد. كذا ذكره فخر الإسلام (٢). وقيل: ثمانية أرطال بالبغدادي عندهما. وقيل: عند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث رطل. والرطل البغدادي: مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم. وقيل: مائة وثمانية وعشرون درهما. وقيل: مائة وثلاثون درهما. قال النواوي: والأول أصح (٣)، وكان قد فُقد، فأخرجه الحجاج، وكان يمن على أهل العراق، ويقول في خطبته: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، ألم أخرج لكم صاع عمر؟؛ ولذلك سمي حجاجيا أيضا. وهو قول أبي يوسف أولا، وهو قول الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد أيضا (٦)، فعندهم خمسة وثلث رطل بالعراقي؛ لقوله ﵇: «صاعُنا أصغَرُ الصيعان» (٧)؛ لأن [خمسة أرطال وثلث رطل] (٨) أصغر بالنسبة إلى ثمانية أرطال.

стр. 1765

أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ) (*) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀، لِقَوْلِهِ ﵊: «صَاعُنَا أَصْغَرُ الصِّيعَانِ». وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ رِطْلَيْنِ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ وَهَكَذَا كَانَ صَاعُ عُمَرَ ﵁. وروي أن أبا يوسف لما دخل المدينة مع الرشيد، جمع الرشيد بينه وبين مالك، فتكلما في الصاع، فجمع مالك جماعة من أهل المدينة فسألهم عن صيعانهم، فقالوا: خمسة أرطال وثلث، رطل، فطالبهم بالحجة، فقالوا: غدًا، فجاءه من الغد سبعون شيخًا، فأخرج كل واحدٍ من تحت ردائه صاعًا، فقال: هذا صاعي ورثته من أبي، وورثه أبي عن جدي، حتى انتهوا [به] (١) إلى رسول الله ﷺ ، فرجع أبو يوسف عن قوله (٢). ولنا: ما روى أبو جعفر الأَسْتَرَوْشَنِيُّ عن القاضي الخليل بن أحمد بإسناده، عن عائشة أنها قالت: مضت السنة عن رسول الله ﷺ في الاغتسال عن الجنابة صاع من الماء، والصاع ثمانية أرطال وفي الوضوء رطلان (٣)؛ فدل نص تفسيره [الصاع] (٤) على ما قلناه. وروى أنس (٥) وسفينة مولى رسول الله ﷺ (٦) وجابر (٧) أنه ﵇ كان يتوضأ بالمدّ رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال؛ فدل أن الرطلين هو المد، والمد ربع الصاع بالإجماع، فثبت أن الصاع ثمانية أرطال. فأما حديث أبي يوسف فوهم؛ لأن محمد بن الحسن أعلم بمذهبه، وهو لم يحك عنه رجوعًا، على أن الأمر إن كان على ما حكي فهو حجتنا؛ لأن

стр. 1766

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رطلهم ثلاثون إستارا، ورطل العراق عشرون إستارا متساويان. كذا في الأسرار (١). وفي جامع الكردري: وما روي عن أبي يوسف لم يصح؛ لأنه نقل عن مالك وهو فقيه المدينة؛ لأنه قال: صاع المدينة تحري عبد الملك بن مروان، والأخذ بصاع عمر أولى من الأخذ بتحري عبد الملك بن مروان (٢). وفي شرح المجمع: وصاع أهلها في القديم صاع عمر، ثم غير زمان عبد الملك بن مروان، فكان المصير إلى صاع عمر أولى (٣). والمراد بما رواه - والله أعلم -: أن صاع هذه الأمة أصغر من صيعان سائر الأمم. وقيل: لا خلاف بينهم؛ لأن الرطل كان في زمن أبي حنيفة عشرون أستارا، والأستار: ستة دراهم ونصف، فإذا قابلت ثمانية أرطال على هذا الحساب بخمسة أرطال وثلث؛ تجد كل واحد منهما ألفا وأربعين درهما. نبه على ذلك صاحب الينابيع (٤)، وقال فيه: غير سديد. والصحيح: أن الاختلاف بينهم في الحقيقة؛ لأن الكل اعتبر الرطل العراقي؛ فإنه ذكر في المبسوط: فقد نص أبو يوسف في كتاب العشر والخراج خمسة أرطال وثلث رطل بالعراقي (٥). وفي الأسرار: خمسة أرطال، وكل رطل [ثلاثون إستارا أو ثمانية أرطال، وكل رطل] (٦) عشرون إستارا سواء (٧).

стр. 1767

وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ الهَاشِمِيِّ، وَكَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الهَاشِمِيَّ. قَالَ: (وَوُجُوبُ الفِطْرَةِ يَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الفِطْرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي اليَوْمِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ وفي المستصفى: وقيل: الاختلاف بينهم في الرطل لا في الصاع (١). وفي شرح الإرشاد: الاختلاف في المد؛ فإن المد عندنا رطلان، وعندهم رطل وثلث، ولا خلاف أن الصاع أربعة أمداد (٢). (وهو)؛ أي: صاع عمر. (أصغر من الهاشمي)؛ لأنه اثنان وثلاثون رطلا. وقد ذكر في المبسوط: الحجاجي ربع الهاشمي (٣). ثم لابد من معرفة الصاع الذي يقدر الحنطة بنصفه والشعير بكله. قال الطحاوي: الصاع: ثمانية أرطال بما يستوي كيله ووزنه، والذي يستوي كيله ووزنه: العدس والماش، فإذا [كان] (٤) مكيال يسعه ثمانية أرطال منهما؛ فهو الصاع الذي يكال به الحنطة والشعير والتمر. كذا ذكره المحبوبي وغيره (٥). وفي الْمُجْتَبى: عن أبي حنيفة: أن الصاع ثمانية أرطال وزنًا، وعن محمد كيلا (٦). قوله: (يتعلق بطلوع الفجر) وبه قال الشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وأبو ثور. وقال الشافعي في الجديد، وأحمد (٧)، ومالك (٨)؛ في رواية: يتعلق بغروب الشمس.

стр. 1768

أَوْ وُلِدَ لَيْلَةَ الفِطْرِ تَجِبُ فِطْرَتُهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تَجِبُ، وَعَلَى عَكْسِهِ مَنْ مَاتَ فِيهَا مِنْ مَمَالِيكِهِ أَوْ وَلَدِهِ. لَهُ: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالفِطْرِ وَهَذَا وَقْتُهُ. وَلَنَا: أَنَّ الإِضَافَةَ لِلاخْتِصَاصِ، وَاخْتِصَاصُ الفِطْرِ بِاليَوْمِ دُونَ اللَّيْلِ (وَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ النَّاسُ وعن الشافعي قول ثالث: أنه يتعلق بمجموع الوقتين (١). وعلى هذا القول: لو زال الملك [في وسط الليل] (٢) وعاد في الليل؛ ففي الفطرة وجهان. وفي تتمتهم: فائدة الأقوال فيما [إذا] (٣) اشترى عبدا ليلة العيد؛ فعلى الجديد: الفطرة على البائع، وعلى القديم على المشتري (٤). وفي المجموع: لا يجب على واجب [على واحد] (٥) منهما (٦). وجه القول الثالث: أن الفطرة تتعلق بهما، فاعتبروا وجه القول الجديد؛ ما روي في قصة ابن عمر أنه ﵇ فرض زكاة الفطر من رمضان، والفطر عند الغروب؛ لأن الفطر هو الخروج من الصوم، وعند الغروب يخرج من الصوم، وانسلاخ رمضان عند رؤية هلال شوال. ولنا: أن الصدقة مضافة إلى الفطر، وحقيقة الفطر المخصوص وهو ترك الصوم في اليوم؛ لما أن الفطر بغروب الشمس كما يوجد في اليوم الآخر يوجد كذلك قبله، فقد قال ﵊: «أنهاكم عن صوم يومين: يوم تفطرون من صومِكُم» (٧) فعلم أن الفطر في اليوم، والصدقة مضافة إليه لا إلى الفطر المطلق. وقال ﵇: «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» (٨) فدل أن

стр. 1769

الفِطْرَةَ يَوْمَ الفِطْرِ قَبْلَ الخُرُوج إِلَى المُصَلَّى) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُخْرِجُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْمُصَلَّى، وَلِأَنَّ الأَمْرَ بِالإِغْنَاءِ كَيْ لَا يَتَشَاغَلَ الفَقِيرُ بِالمَسْأَلَةِ عَنْ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ بِالتَّقْدِيمِ (فَإِنْ قَدَّمُوهَا عَلَى يَوْمِ الفِطْرِ جَازَ) لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ، فَأَشْبَهَ التَّعْجِيلَ فِي الزَّكَاةِ، وَلَا تَفْصِيلَ بَيْنَ مُدَّةٍ وَمُدَّةٍ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا فِي النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: فِي العَشْرِ الأَخِيرِ الوجوب متعلق [بالصوم] (١)، وفيه تأمل. وفي الخبازية: ليس المراد بصدقة الفطر فطر الصائم، فإنه لو أفطر في غير رمضان لا تلزمه الصدقة، وإنما المراد فطر هو صفة الوقت، والليل لا يتصف بالصوم شرعًا، والفطر بناء عليه، فلا يتصور بدونه، فبقي اليوم وقتا لها (٢). قوله: (ولأن الأمر بالإغناء)؛ وهو قوله ﵇: «أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم» (٣). قوله: (فإن قدَّموها) إلى آخره: قال مالك (٤)، والحسن بن زياد: لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها؛ لأنها متعلقة بالوقت، فلا يجوز قبله كالأضحية. ولنا: أنه أداها بعد تقرر سببها، وهو رأس يمونه ويلي عليه، فيجوز تعجيله، كما في الزكاة بعد تقرر سببها وهو ملك المال. وقيل: وقت الوجوب وهو حولان الحول. (وهو الصحيح)؛ أي: عدم التفصيل بين مدة ومدة، وهو احتراز عن قول خلف بن أيوب، ونوح بن مريم؛ حيث قال خلف: يجوز تعجيلها بعد دخول شهر رمضان لا قبله، وبه قال الشافعي؛ لأنها صدقة الفطر، ولا فطر قبل الشروع في الصوم. (٥) وقال نوح: يجوز تعجيلها في النصف الأخير من رمضان؛ لأن بمضي النصف قارب الفطر الخاص، فأخذ حكمه (٦).

стр. 1770

(وَإِنْ أَخَرُوهَا عَنْ يَوْمِ الفِطْرِ لَمْ تَسْقُطُ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ إِخْرَاجُهَا) لِأَنَّ وَجْهَ القُرْبَةِ فِيهَا مَعْقُولٌ، فَلَا يَتَقَدَّرُ وَقْتُ الأَدَاءِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَضْحِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقال بعض المشايخ: يجوز تعجيلها في العشر الأخير للقرب. وعن الكرخي: بيوم ويومين، وبه قال أحمد (١). والصحيح: عدم التفصيل، حتى [لو] (٢) عجلها قبل سنة أو سنتين أو أكثر يجوز؛ لما ذكرنا أن السبب وهو الرأس قد تقرر. كذا في المبسوط (٣). واتفقت الأئمة الأربعة أن وقت استحبابها بعد فجر يوم الفطر، قبل الذهاب إلى المصلى (٤)؛ لحديث ابن عمر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن نؤديها قبل الخروج إلى الصلاة. رواه البخاري ومسلم والترمذي، والنسائي، وأبو داود (٥). قوله: (وإن أخروها عن يوم الفطر لم تسقط): وهو قول عامة العلماء. وقال مالك (٦)، والحسن بن زياد والحسن البصري: تسقط بتأخيرها عن يوم الفطر؛ لأنها معرفة بهذا الوقت، فلا تبقى بعده، كالأضحية؛ فإنها تسقط بمضي أيام النحر. وللعامة: أن هذه صدقة مالية، والتصدق بالمال قربة مشروعة في كل وقت؛ لأنه مشروع لدفع حاجة الفقير، أو للإغناء عن المسألة، فيتعدى إلى غيره، فلا تسقط بعد الوجوب إلا بالأداء كالزكاة، بخلاف الأضحية؛ فإن القربة فيها إراقة الدم، وكونها قربة بكونها مخصوصا بوقت ومكان بنص لا يُعقل معناه فيقتصر على مورد النص. ولو مات ولده الصغير أو مملوكه يوم الفطر؛ لم تسقط عنه؛ لأن الواجب

стр. 1771

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أداء مال مطلق، بخلاف الزكاة، ولا تسقط بتأخير الأداء وإن افتقر؛ لأنها متعلقة بالذمة دون المال. كذا في الولوالجي (١)، وقاضي خان. ويجوز صرف صدقة الفطر إلى الذمي عند أبي حنيفة ومحمد (٢). وعند أبي يوسف، والشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥): لا يجوز؛ اعتبارًا بالزكاة. وقلنا: الصدقة للفقراء بالنص؛ لكن الزكاة خصت بحديث معاذ [كما ذكرنا] (٦)، فبقي الباقي داخلا تحت النص. وقال محمد: يؤدي صدقة [الفطر] (٧) عن نفسه وعبيده حيث هو، والزكاة حيث المال؛ [لأن سبب وجوب الزكاة المال] (٨)، فيختص أداؤها بمحل سببه، وسبب وجوب صدقة الفطر رأس يمونه ويلي عليه، ورأس الغير [ألحق] (٩) برأسه [بسبب] (١٠) الولاية، فيختص أداؤها بمحل سببه (١١). وقال أبو يوسف: يؤدي عن نفسه حيث هو، وعن مماليكه حيث هم؛ لأنهم سبب الوجوب (١٢). وعنه: لو كان المملوك حيًّا يعتبر مكانه، وإن كان ميتا يعتبر مكان السيد، ومن سقط [عنه] (١٣) الصوم لكِبَرٍ أو عذر يجب عليه صدقة الفطر؛ لأنه لا تعلق لها بالصوم، والله أعلم.

стр. 1772

كِتَابُ الصَّوْمِ قَالَ ﵀: (الصَّوْمُ ضَرْبَانِ: كتاب الصوم أَخَّرَ الصوم عن الزكاة مع أنه عبادة بدنية؛ لأنه كالوسيلة؛ إذ هو عبادة رياضية، لما عرف في الأمد والرياضة وسيلة إلى المقاصد، ولكن لا على وجه يتوقف أمرها عليه وجودًا أو جوازا، بخلاف الطهارة في حق الصلاة، وانحطاط درجة الوسيلة عن المقصود ظاهرًا، ولأنه عبارة عن الامتناع والسكوت على ما يذكر، وذكر ما يمتنع بعد ذكر [ما يثبت لذكر النهي بعد ذكر] (١) الأمر، ولأن كونه قربة بواسطة قهر النفس، وقهر العدو لله جهاد، فكان دون الصلاة والزكاة. وفي الْمُجْتَبَى (٢): اقتدت أئمة الشريعة في البيان بالشارع، وفرعوا الفروع على هذا النظم، فإنه جاء في القرآن على هذا الترتيب في قوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّابِمِينَ وَالصَّامِتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال ﵊: «بني الإسلام على خمس … » الحديث (٣). واقتضت الحكمة أن يبدأ بالتكليف بالأخف وهو الصلاة، ويثني بالوسط وهو الزكاة، ويثلث بالأشق وهو الصيام؛ لأن المنع من المأكل والمشارب والمناكح عامة يومه أشق التكاليف على النفوس المتنعمة للأبد، وأنهضها على الأبدان الضعيفة والقوية، على ما جاء في الأخبار أن النفس ما انقادت بالعبودية؛ إلا بتسليط الجوع [عليها] (٤). ثم للصوم تفسير لغة وشرعًا، وسبب وشرط وركن.

стр. 1773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أما تفسيره لغة: فالإمساك. قال النابغة (١): خيل صيام وخيل غير صائمة … تحت العجاج وأُخرَى تَعلِكُ اللُّجُما (٢) أي: ممسكة عن العدو أو عن العلف، وغير ممسكة، والعجاج: الرهن. وأما شرعًا: فالإمساك عن الشهوتين نهارًا مع النية بإذن صاحب الشرع. وأما سببه: فشهود الشهر؛ لأن الصوم يضاف إليه، يقال: صوم شهر رمضان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وإنما اختص النهار دون الليالي شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومعنى: فإن صوم الوصال غير ممكن؛ لأن الآدمي لا يحيى بدون الأكل خلقة، فلابد من تعيين بعض الزمان [له] (٣)، فتعيين النهار أولى من تعيين الليالي؛ لأنه مخالف للعادة، وبناء العبادة على مخالفة العادة. وأما رمضان في الأصل: من رمض إذا احترق، سمي به؛ لأن الذنوب تحترق فيه، وهو غير منصرف للعلمية، [ووجود] (٤) الألف والنون المضارعتان لا لنفي التأنيث. قال الجوهري: يجمع [على] (٥) أرمضاء ورمضانات (٦). وقال الفراء: يجمع على رماضين، كسلاطين وشياطين (٧). وقال ابن الأنباري: جمعه راض. وعن مجاهد: يكره أن يقال: [جاء] (٨) رمضان، [وذهب رمضان] (٩)،

стр. 1774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولكن يقال: جاء شهر رمضان (١)؛ ولهذا روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «لا تقولوا جاء رمضان [وذهب رمضان] (٢)، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى» (٣). واختار بعض مشايخنا قوله، فقالوا: والصحيح من المذهب: أنه يكره ذلك؛ لأن محمدًا لم يبين مذهب نفسه، ولا روى خبرًا بخلاف قول مجاهد، وإليه ذهب بعض الشافعية (٤)، والمالكية (٥)، وقالوا في بيان المعنى: إن رمضان مشتق من الإرماض وهو الاحتراق، والمحرق للذنوب هو الله تعالى. وعند عامة مشايخنا لا يكره؛ لأنه ﵊ قال: «عُمرَةٌ في رمضان تعدل حجة» (٦)، وقال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذَنبِهِ» (٧)، وقال: «إِنَّ للَّهِ تَعالى تسعة وتسعين اسما … » الحديث (٨)، وليس فيها ذكر رمضان، ولا يكون إثبات الاسم إلا بالتواتر والمشاهير، ولئن كان؛ فهو اسم مشترك كالحكيم والعليم. ولا بأس بأن يقال: جاء العالم والحكيم، والمراد غير الله تعالى. كذا في المبسوطين (٩). وأما حديث أبي هريرة؛ قال أبو الخطاب: إنه موضوع. وأما شرطه: فالوقت، والنية، والطهارة.

стр. 1775

وَاجِبٌ وَنَفْلٌ، وَالوَاجِبُ ضَرْبَانِ: مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ المُعَيَّنِ، فَيَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَتَّى أَصْبَحَ أَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوَالِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِيهِ. اعْلَمْ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وَعَلَى فَرْضِيَّتِهِ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ وَلِهَذَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، وَالمَنْذُورُ وأما ركنه: الكف عن المفطرات. وأما حكمه: فالثواب وسقوط الواجب عن الذمة. ثم الصوم فريضة محكمة، حتى يعذب في الدارين تاركها، ويكفر جاحدها بالكتاب والسنة والإجماع. وأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. وأما السنة: فأكثر من أن يحصى، منها: ما رواه عمر من حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان [الحديث في أول المصابيح] (١) (٢). وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير أحد. قوله: (واجب): وفي البدرية: جرت العادة بين أهل التحقيق الابتداء بالتحديد ليسهل أمر التقسيم. وقد ابتدأ به ليسهل أمر التحديد، فصاحب الكتاب بدأ به لهذا، ثم الأشياء المختلفة بالحقائق تصير شيئا واحدا باعتبار أمر العام، كالجوهر والسواد والبياض باعتبار الوجود، ثم الصوم واحد باعتبار القربة وقهر النفس، لكنه

стр. 1776

وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وَسَبَبُ الأَوَّلِ الشَّهْرُ، وَلِهَذَا يُضَافُ إِلَيْهِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَوُّرِهِ وَكُلٌّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِوُجُوبِ صَوْمِهِ، وَسَبَبُ الثَّانِي: النَّذْرُ تطوع باعتبار أن هذا الصوم له أو عليه، فالذي عليه الواجب، واختار لفظ الواجب؛ ليشمل الواجب بإيجاب الله تعالى، والواجب بإيجاب العبد. كذا في المستصفى (١). قوله: واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. فإن قيل: الأمر في الآية يقتضي الفرضية كصوم رمضان. قلنا: قد خص من الآية بالاتفاق المقدور الذي ليس هو بمقصود في العبادة، كالنذر بالوضوء لكل صلاة، والنذر بالمعصية، فلما خصت هذه [المواضع] (٢) بقي الباقي حجة، لا موجبة قطعًا، كالآية المؤوّلة وخبر الواحد، فيثبت الوجوب به لا الفرض. فإن قيل: قد خص من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] المجانين والصبيان وأصحاب الأعذار، ومع هذا يثبت الفرضية. قلنا: خصوا بالدليل القطعي وهو عدم الأهلية والمخصوص به لا يخرج النص عن القطع، أو لما دل العقل على عدم دخول هؤلاء؛ لم يكونوا داخلين، فلا يكون تخصيصا، ويعرف تمامه في الأصول. قوله: (وكل يوم سبب وجوب صوم ذلك اليوم)؛ لأن صيام رمضان بمنزلة عبادات متفرقة؛ لأنه تخلل بين كل يومين زمان لا يصلح للصوم أداء وقضاء، وهو الليالي، فصار كالصلوات. ثم المعتبر هاهنا الجزء الأول من الوقت وهو أول اليوم؛ لأنه يتأدى بجميع اليوم، فتكون العبرة لبعض الوقت لا لجميعه. فلو قلنا: هاهنا يحل التأخير عن أول الوقت، يكون هذا تفويتا لا تأخيرا، وفي الصلاة يكون تأخيرا لا تفويتا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.

стр. 1777

وَالنِّيَّةُ مِنْ شَرْطِهِ وَسَنُبَيِّنُهُ وَنُفَسِّرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهُ قَوْلِهِ فِي الخِلَافِيَّةِ قَوْلُهُ ﵊: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» (وجه قوله)؛ أي: قول الشافعي، وبقوله: قال مالك (١)، وأحمد (٢). ثم اختلف أصحابه: فقال بعضهم: ينوي في النصف الأخير. وقال بعضهم: إن أكل وشرب أو جامع بعد النية يجدد النية. والأصح عنده: أن لا يشترط التجديد، وأنها تصح في جميع الليل؛ لإطلاق الحديث، ولو نوى مع طلوع الفجر فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لاقتران النية بالعبادة. والثاني: لا يجوز، وهو الأصح؛ لظاهر الحديث. كذا في شرح الوجيز (٣)، وتتمتهم (٤). ثم لفظ الصيام يقع مصدرا، وجمع الصائم يقال: [صام] (٥) صوما وصياما فهو صائم، وهم صيم وصيام. كذا في المغرب (٦). والمراد في الحديث: المصدر، وهو ظاهر، وروى الحديث بروايات مختلفة، في رواية: «لمن [لم يعزم»، وفي رواية: «لمن لم] (٧) يبيت الصيام» (٨)، وفي رواية: «لمن لم ينو» (٩). كذا ذكره شيخ الإسلام. وفي الأسرار: قوله: (من الليل) انتزاع منه، فثبت أن الشرط: أن النية منتزعة منه، ولا يتصور ذلك إلا بأن يوجد من الليل، وهو بعد الغروب لا قبله.

стр. 1778

وَلِأَنَّهُ لَمَّا فَسَدَ الجُزْءُ الأَوَّلُ لِفِقْدِ النِّيَّةِ فَسَدَ الثَّانِي ضَرُورَةً، لأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ بِخِلَافِ النَّفْلِ لِأَنَّهُ مُتَجَنَّى عِنْدَهُ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﷺ «بَعْدَمَا شَهِدَ الْأَعْرَابِيُّ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ»: «أَلَا وعنده، وقاسه بالقضاء والصلاة والحج؛ فإن فيهما يعتبر تقدم النية، فكذا في الصوم، وذلك بالتبييت. (ولأنه لما فسد الجزء الأول لفقد النية)؛ لأن بالنية تمتاز العبادة عن العادة. (لأنه)؛ أي صوم النفل. (مُتَجَنِّى): عند الشافعي. وفي الوجيز وشرحه (١)، والتتمة (٢): يجوز النفل بنية في النهار قبل الزوال، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (٣). وقال مالك: لا يجوز (٤)، وبه قال المزني، وأبو يحيى البلخي؛ لإطلاق الحديث، ولأنه لما أصبح غير ناو للصوم فقد تعين أول اليوم للفطر، والصوم والفطر في يوم واحد لا يحتمل التحري، فصار كما لو تعين الفطر بأكله. وفي النية بعد الزوال له قولان ثم إذا نوى قبل الزوال أو بعده وجوزناه فهو صائم من أول النهار في الأصح. وقيل: من وقت النية، وهو اختيار القفال، ثم على القول غير الأصح، هل يشترط خلو أول النهار عن الأكل والشرب والجماع، فيه وجهان: أحدهما: لا يشترط، وهو قول ابن سريج؛ لأن الصوم محسوب له من وقت النية، فكان ما مضى بمنزلة جزء من الليل. والأصح: أنه يشترط، وإلا لبطل مقصود الصوم (٥). وكذا في اشتراط خلو أول اليوم عن الكفر والجنون والحيض قولان؛ في [قول] (٦): لا يشترط؛ لما ذكرنا. وفي قول: يشترط، وهو الأصح؛ لأن الشرط أن النية غير مسبوقة بما

стр. 1779

مَنْ أَكَلَ فَلَا يَأْكُلَنَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ» وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ يضاد الصوم (١). وفي الأسرار: لما خلا أول اليوم عن النية لم يكن الإمساك عنها صومًا لعدم شرطه، وما بقي لا يكفي للواجب؛ لأن الواجب صوم يوم كامل، بخلاف النفل؛ لأنه ليس بواجب، فيصح بقدر ما بقي (٢)، كالاعتكاف الذي ليس بواجب يتأدى بقدر ما يكون، ولأن القياس في النفل أن لا يجوز، وإنما جوزنا بالنص، وهو قوله ﵇: «إني إذا لَصَائِمٌ» (٣)، بخلاف القياس، فلا يقاس عليه غيره. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي: الشهر، يعني: ليحصل الإمساك لله تعالى، وبالنية في أكثر النهار يصير لله تعالى كما في غير رمضان، فلا تثبت الزيادة بخبر الواحد؛ لأنه نسخ معنى، وفي حديث مشهور: أنه ﵇ مع أصحابه أصبحوا يوم الشك متلومين - أي: غير عازمين على الصوم ولا آكلين -؛ لأنه بعد الأكل يتعين الفطر ولا يبقى التلوم، وإنما يتحقق التلوم مع الإمساك بلا نية، حتى يتبين أنه من شعبان أكل أو من رمضان صام، ولو كان صوم الفرض لا يتأدّى بنية النهار لم يكن للتلوم فائدة. وفي حديث مشهور: أنه ﵇ قال يوم عاشوراء: «أَلَا مَنْ أكل فلا يَأْكُلَنَّ بقية يومِهِ، ومن لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ» (٤) أمرهم بالصوم. فإن قيل: يحتمل أن ذلك في النفل. قلنا: الأمر للوجوب، وأنه قبل رمضان كان واجبًا، وكان ﵇ يأمرهم به.

стр. 1780

الفَضِيلَةِ وَالكَمَالِ، أَوْ مَعْنَاهُ: لَمْ يَنْوِ أَنَّهُ صَوْمٌ … وقوله: «ومن لم يأكل فليصم» (١) نص في الباب، ولا يحتمل التأويل، ولا يجوز حمله على صوم اللغة؛ لأنه لو كان كذلك؛ لكان الأكل وغيره سواء، فلا تبقى الفائدة في قوله: «ومن لم يأكل فليصم». كذا في الأسرار (٢). ولا يلزم من نسخ فرضية صوم يوم عاشوراء نسخ دلالته على شرائطه، كالتوجه إلى بيت المقدس قد نسخ، ولم ينسخ سائر أحكام الصلاة وشرائطها. وفي المبسوط (٣) وغيره: عن عكرمة عن ابن عباس أن الناس أصبحوا يوم الشك، فقدم أعرابي وشهد برؤية الهلال، فقال ﵊: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسولُ اللَّهِ»، فقال: نعم، فقال ﵇: «الله أكبر، يَكفِي المسلمينَ أحدُهُم»، فصام وأمر الناس بالصوم، وأمر مناديًا نادى: «ألا من أكل فلا يَأْكُلَن بقية يومه هذا، ومن لم يأكل فَلْيصُم قبل فوته»، وأمره المنادى … إلى آخره؛ لا يعرف (٤)، وإنما المروي أنه ﵇ أمر بلالا أذن في الناس فليصوموا غداً. رواه أبو داود وابن ماجه، والترمذي والنسائي (٥). أجيب عنه: أن الزيادة تثبت برواية العدل فتقبل؛ لأن ما لم يكن في هذه المرويات لا يلزم أن لا يكون حجة. (ومعناه)؛ أي: معنى الحديث. (أنه صوم)؛ أي صائم. (من الليل)؛ يعني: لم ينو وقت النية أنه صائم من الليل، حتى لو نوى أنه صائم من وقت النية لا من أول اليوم؛ لا يصير صائما عندنا؛ لأنه يجوز أن

стр. 1781

مِنْ اللَّيْلِ، وَلِأَنَّهُ يَوْمُ صَوْمٍ فَيَتَوَقَّفُ الإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِهِ عَلَى النِّيَّةِ المُتَأَخِّرَةِ المُقْتَرِنَةِ بِأَكْثَرِهِ كَالنَّفْلِ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّوْمَ رُكْنٌ وَاحِدٌ مُمْتَدُّ، وَالنِّيَّةُ لِتَعْيِينِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَتَتَرَبَّحُ يكون قوله: (من الليل) متعلقا بقوله: (الصيام) لا بقوله (يجمع)؛ إذ لا يصح صومه إلا من الفجر. وعن العلامة مولانا حافظ الدين أو المراد منه: النهي عن تقديم النية على الليل (١). وفي المبسوط (٢): هذا الحديث متروك بالإجماع، فإنه لو نوى مع أول جزء من النهار يجوز بالإجماع (٣)، ولا نية من الليل، وعام خص منه النفل بالإجماع، فيخص المتنازع بالقياس على النفل؛ لأنه [يوم] (٤) صوم، فيتوقف الإمساك في أوله، على أن يصير صومًا بالنية في أكثره؛ لأنه وقت واحد، فبالنية في الأكثر يترجح جنبة الوجود كالنفل، أو محمول على نفي الفضيلة، أو على القضاء، مع أن مالكًا رواه موقوفا على ابن عمر وحفصة، ووقفه، وهو الصحيح. قال ابن عبد البر: في إسناده اضطراب. قال النسائي: ليس بالقوي، والصواب: أنه موقوف، ولذلك لم يخرجه البخاري. قوله: (وَالنِّيَّةُ لِتَعْيِينِهِ لِلَّهِ تَعَالَى)؛ يعني: الحاجة إلى النية ليصير المؤدى قربة، والصوم الذي لا يتجزأ، واستصحابها في جميع أجزاء اليوم ساقط بالإجماع؛ للعجز، وهذا العجز جوز التقديم مع الفضل عن العبادة حقيقة، وجعلها متصلا تقديرًا، والعجز ثابت في الجملة فيمن أقام أو أفاق بعد الصبح وفي يوم الشك، فلأن يثبت التأخير مع الاتصال بالعبادة حقيقة كان أولى، فجعلت النية مستوعبة تقديرًا؛ لعدم شرعية غير الفرض في اليوم، وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول.

стр. 1782

بِالكَثْرَةِ جَنْبَةُ الوُجُودِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالحَجِّ، لِأَنَّ لَهُمَا أَرْكَانًا فَيُشْتَرَطُ قِرَانُهَا بِالْعَقْدِ عَلَى أَدَائِهِمَا، وَبِخِلَافِ القَضَاءِ، لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى صَوْمِ ذَلِكَ اليَوْمِ وَهُوَ النَّفَلُ وَبِخِلَافِ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَد اقْتِرَانُهَا بِالأَكْثَرِ فَتَرَجَّحَتْ جَنْبَةُ الفَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ فِي المُخْتَصَرِ: مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوَالِ، وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ … . (لأن لهما أركانا)؛ أي: أركان متجزئة. (فيشترط قرانها بالعقد)؛ أي: بالشروع؛ لأنهما لما كانا أركانا متجزئة يشترك قرانها به، وإلا لجاء بعضها عن النية بخلاف الصوم؛ فإنه ركن واحد [حقيقة] (١) لدخوله تحت خطاب واحد، فلا يخلو بعضه عن النية. قوله: (بخلاف القضاء لأنه)؛ أي: اليوم. (يتوقف على صوم ذلك)؛ أي: كل يوم خارج رمضان متوقف على النفل؛ لأنه موجب ذلك اليوم، [فلم يكن ذلك اليوم] (٢) متوقفا على القضاء، فإذا وقع الإمساك عنه لا يمكن أن يجعل من القضاء، ونعني بصوم الوقت: ما تعلقت شرعيته بمجيء اليوم، لا بسبب آخر من تعلق القضاء والكفارة، ولأن وقت رمضان أضيق، بخلاف القضاء وأحواله، فلو شرطنا النية من الليل [في رمضان] (٣) لزم فوت الأداء، على تقدير ترك التسمية بالنسيان والغفلة، ولا كذلك تلك المسائل، فإنه لا يفوته القضاء؛ لإمكانه في زمان آخر، وكذلك الصلاة والحج؛ لتوسع وقتهما، فلا تفوت المصلحة في الأداء، ولا تمس الحاجة في تداركها بينه وبين النهار وهو النفل؛ لأن خارج رمضان مشروع ذلك اليوم النفل؛ لأن مشروعيته تعلقت بمجيء اليوم، لا بسبب آخر من تحقق القضاء والكفارة. (قبل نصف النهار)؛ أي: النهار الشرعي، وهو من طلوع الفجر إلى الغروب، فنصف النهار من ذلك الوقت الضحوة الكبرى، فعلى هذا لو نوى

стр. 1783

وَهُوَ الأَصَحُّ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ النِّيَّةِ فِي أَكْثَرِ النَّهَارِ، وَنِصْفُهُ مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى وَقْتِ الضَّحْوَةِ الكُبْرَى لَا إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، فَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ قَبْلَهَا لِتَتَحَقَّقَ فِي الأَكْثَرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ المُسَافِرِ وَالمُقِيمِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀، لِأَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ. قبيل الزوال لا يجوز؛ لأنه خلا أكثر اليوم عن النية. كذا في مختلفات الغنى (١). قوله: (خلافا لزفر): وفي المبسوط: لو نوى المسافر وقد قدم مصراً أولًا ولم يكن أكل؛ جاز صومه عن الفرض عندنا، خلافًا لزفر، فإن عنده لا يجوز [للمسافر] (٢) إلا بنية من الليل؛ لأن إمساكه في أول النهار لم يكن مستحقاً لصوم الفرض، فلا يتوقف على وجود النية، بخلاف إمساك المقيم (٣)، وفي الصحيح [المقيم] (٤) لا يشترط النية عنده. وقال مالك (٥)، والليث، وابن المبارك، وأحمد في رواية (٦): تكفي نية واحدة في كل رمضان؛ لأنه كله كصلاة واحدة. وقلنا: هذا القياس غير صحيح؛ لأنها لا تحول بين ركعاتها ما ليس منها، وفي رمضان يحول بين كل يومين ليل يبطل فيه الصوم. وقوله: (لا تفصيل … إلى آخره)؛ يعني: المعنى الذي لأجله جوز في حق المقيم، وهو إقامة النية في الأكثر مقامها في الجميع، موجود في حق المسافر أيضًا؛ لأن الوقت في حقه وفي حق المقيم في هذا سواء، وإنما يفارق المقيم في حق الترخص بالفطر، ولم يترخص به، ولأن العبادة في وقتها مع ضرر نقصان أولى تفويتها عن وقتها، والمقيم والمسافر في هذا سواء، وبهذا فارق صوم القضاء؛ فإنه [دين] (٧) في ذمته، والأيام في حقه سواء، فلا

стр. 1784

وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الصَّوْمِ يَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ، وَبِنِيَّةِ وَاجِبِ آخَرَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي نِيَّةِ النَّفْلِ عَابِثٌ، وَفِي مُطْلَقِهَا لَهُ قَوْلَانِ: لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ يفوته شيء إذا لم يجوزه مع النقصان؛ ولهذا اعتبرنا صفة الكمال فيه. كذا في المبسوط (١). وذكر الولوالجي: صيام المسافر بنية قبل الزوال جاز؛ لأنه كالمقيم؛ إذ الاختيار تعجيل الواجب (٢). (وهذا الضرب)؛ أي: ما تعلق بزمان معين. وقوله: (فَبِنِيَّةِ وَاجِبِ آخَرَ)؛ مستقيم في صوم رمضان، فأما في النذر المعين فلا؛ لأنه يقع عما نوى من الواجب إذا كانت النية من الليل. ذكره في أصول شمس الأئمة وغيره (٣)، فحينئذ قول المصنف: (هذا الضرب) لا يبقى على الإطلاق. قال شيخي: يمكن أن يقال: موجب كلام المصنف أن يتأدى المجموع [بالمجموع] (٤)، والبعض بالبعض، والبعض بالكل، إلا أن كل فرد يتأدى به، فيظهر لكلامه وجه الصحة (٥). قوله: (وعابث)؛ يعني: لا يكون صائمًا، لا فرضًا ولا نفلا. (وفي مطلقها)؛ أي: مطلق إليه. (له)؛ أي: للشافعي. (قولان)؛ والأصح: أنه لا يجوز (٦)، وبه قال أحمد (٧)، ومالك (٨)؛ للزوم

стр. 1785

مُعْرِضُ عَنِ الْفَرْضِ فَلَا يَكُونُ لَهُ الفَرْضُ. وَلَنَا: أَنَّ الفَرْضَ مُتَعَيَّنٌ فِيهِ، فَيُصَابُ بِأَصْلِ النِّيَّةِ كَالمُتَوَحِّدِ فِي الدَّارِ يُصَابُ بِاسْمِ جِنْسِهِ، وَإِذَا نَوَى النَّفَلَ أَوْ وَاجِبًا آخَرَ، فَقَدْ نَوَى أَصْلَ الصَّوْمِ وَزِيَادَةَ جِهَةٍ، وَقَدْ لَغَتِ الجِهَةُ فَبَقِيَ الْأَصْلُ وَهُوَ كَافٍ. صفة الفرضية؛ لأنها عبادة كأصل الصوم، فكما لا يتأدى أصله بلا نية، فكذلك وصفه. وجه القول: أن بمطلق النية صار معرضًا [عن الفرض، بخلاف نية النفل؛ لأنه صار معرضًا بنية النفل؛] (١) ولهذا لو اعتقد المشروع في هذا الوقت أنه نفل يكفر. ولنا: حديث علي وعائشة أنهما كانا يصومان يوم الشك بنية النفل، وكانا يقولان: الصوم يومًا من شعبان أحب إلينا من أن نفطر يوما من رمضان، وإنما كانا يصومان بنية النفل؛ لإجماعنا على أنه لا يباح صوم [يوم] (٢) الشك بنية الفرض، فلولا أن عند التبين يجوز عن الفرض، لم يكن لهذا التحرز معنى، ثم معنى [القربة] (٣) يتحقق في أصل الصوم؛ لبقاء الاختيار للعبد فيه، ولا تتحقق الصفة؛ إذ لا اختيار له فيها، فلا يتصور منه إبدال هذا الوصف بوصف آخر في هذا الزمان، فيسقط اعتبار نية الصفة، ونية النفل لغو بالاتفاق؛ لأنه غير مشروع في هذا الوقت، والإعراض عن الفرض يكون بنية النفل، فإذا ألغت صفة النفلية لم يتحقق الإعراض، وهو نظير الحج الفرض على قوله؛ حيث يجوز بنية النفل عنده، وبه يبطل قوله: إنه لو اعتقد أنه نفل يكفر. كذا في المبسوط (٤). ويبطل قول مالك: جواز طواف الزيارة بنية النفل عند المالكية يصاب. وفي المغرب: الإصابة: الإدراك، يعني: تناوله اسم جنسه (٥).

стр. 1786

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ المُسَافِرِ وَالمُقِيمِ وَالصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ كَيْ لَا تَلْزَمَ المَعْذُورَ مَشَقَّةٌ، فَإِذَا تَحَمَّلَهَا التُحِقَ بِغَيْرِ المَعْذُورِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: إِذَا صَامَ المَرِيضُ وَالمُسَافِرُ بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ يَقَعُ عَنْهُ (*) لِأَنَّهُ شَغَلَ الوَقْتَ بِالأَهَمِّ لِتَحَتُّمِهِ لِلْحَالِ وَتَخَيَّرِهِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إِلَى وفي شرح الطحاوي: نظيره: ما لو صلى يوم الجمعة بعد الزوال أربع ركعات؛ فإنها تكون من سنة الجمعة نوى أو لا؛ لأنه حصل في وقتها، وكما لو صلى ركعتين تطوعًا في الليل، ثم تبين أنه صلى بعد طلوع الفجر؛ أجزأه عن ركعتي الفجر (١)، وهذا البحث بتمامه مذكور في: بيان الوصول في شرح الأصول. قوله: (ولا فرق بين المسافر والمقيم والصحيح والسقيم عندهما): وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). (يقع عنه؛ أي: عن واجب آخر، تسوية حكمهما في صحة نية واجب آخر على قول أبي حنيفة موافق لرواية الإيضاح، ومبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى الولوالجي، وقاضي خان، ومخالف لمبسوطي شمس الأئمة وفخر الإسلام وأصولهما؛ فإنه ذكر في مبسوط شمس الأئمة: فأما المريض إذا نوى واجبًا آخر؛ فالصحيح: أنه يقع عن رمضان؛ لأن إباحة الفطر [له] (٥) عند العجز لا عند القدرة، فإذا صام علم أنه غير عاجز، فكان هو والصحيح سواء، بخلاف المسافر (٦). (٥) ثم قال: وذكر أبو الحسن الكرخي أن الجواب في المريض والمسافر سواء

стр. 1787

إِدْرَاكِ العِدَّةِ. وَعَنْهُ فِي نِيَّةِ التَّطَوُّعِ رِوَايَتَانِ، وَالفَرْقُ عَلَى إِحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مَا صَرَفَ الوَقْتَ إِلَى الأَهَمِّ. قَالَ: (وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ كَقَضَاءِ شَهرِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ المُطْلَقِ وَصَوْمِ الكَفَّارَةِ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ مِنْ الابْتِدَاءِ وَالنَّفَلُ كُلُّهُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ) خِلَافًا لِمَالِكِ، فَإِنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ مَا كَانَ يُصْبِحُ غَيْرَ صَائِمِ: «إِنِّي إِذًا لَصَائِمٌ»، على قول أبي حنيفة، وهذا سهواً ومُؤوَّل، ومراده: مريض يطيق الصوم ويخاف منه زيادة المرض. وفي الإيضاح: وكان بعض أصحابنا يفصل بينهما، وأنه ليس بصحيح، والصحيح أنهما يستويان، والتوفيق بين الروايات مذكور في كشف شيخي وتحقيقه، وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة نصًا في المريض؛ أنه إذا نوى التطوع صح ويقع عنه لتحتمه للحال؛ لأن القضاء لازم في الحال، حتى لو مات في الحال يؤاخذ به، والمسافر لو مات قبل إدراك عدة من أيام أخر؛ ليس عليه شيء (١). قوله: (وصوم الكفارة)؛ وهي كفارة اليمين والظهار، والقتل في جزاء الصيد والحلق والمتعة، وكفارة رمضان، وكذلك النذر المطلق. ذكره في الفتاوى (٢). (والنفل كله سواء)؛ أي: سواء كان من الصحيح أو السقيم، أو المسافر أو المقيم؛ لإطلاق ما روينا، وهو قوله ﵇: «لا صيام … » (٣) الحديث، وقد بينا. قوله: (إني إذا لصائم): عن عائشة وابن عباس ﵄، أنه ﵇ كان يدخل على نسائه ويقول: هل عندكن من غداء؟ فإن قلن: لا، قال: إني إذا

стр. 1788

وَلِأَنَّ الْمَشْرُوعَ خَارِجَ رَمَضَانَ هُوَ نَفْلٌ، فَيَتَوَقَّفُ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ عَلَى صَيْرُورَتِهِ صَوْمًا بِالنِّيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ وَيَصِيرُ صَائِمًا مِنْ حِينِ نَوَى إِذْ هُوَ مُتَجَزِّئُُ عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى النَّشَاطِ، وَلَعَلَّهُ يَنْشَطُ بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَّا أَنَّ مِنْ شَرَطِهِ الْإِمْسَاكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَعِنْدَنَا: يَصِيرُ صَائِمًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ قَهْرُ النَّفْسِ، وَهِيَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِإِمْسَاكِ مُقَدَّرٍ، فَيُعْتَبَرُ قُرَانُ النِّيَّةِ بِأَكْثَرِهِ. لصائم، وفي حديث عاشوراء كما ذكرنا، فإن كان صوم عاشوراء نفلا فهو نص في الباب، وإن كان فرضا؛ فيجوز النفل بالطريق الأولى على ما ذكرنا، وهو قوله: إن الصوم ركن واحد، وقوله: (لأنه يوم صوم ويصير صائما من حين نوى)، وهذا اختيار بعض أصحابه وقد بيناه، والأصح فيه، وقوله: (إلا أن من شرطه الإمساك في أول النهار) وهذا على الأصح وقد بيناه. وفي المرغيناني: لو نوى الإفطار بعد شروعه في الصوم؛ لم يفطر حتى يأكل، وكذا لو نوى الرجوع عنه لا يكون رجوعا، وكذا لو نوى الكلام في الصلاة لا تفسد حتى يتكلم (١). وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): لو نوى الإفطار [فقد أفطر] (٥). وفي الليل لو نوى الإفطار من الغد بعد نيته يكون رجوعا. ولو أكل أو شرب أو جامع أو نام؛ لا يكون رجوعا، إلا عند المروذي من الشافعية. قال الإصطخري من أصحابه: هذا خرق الإجماع. وإن نوى أن أصوم غدا إن شاء الله صحت نيته؛ لأنها عمل القلب دون اللسان، فلا يعمل فيه الاستثناء.

стр. 1789

فَصْل فِي رُؤْيَة الهلال قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَلْتَمِسُوا الهِلَالَ فِي اليَوْمِ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنْ رَأَوْهُ صَامُوا، وَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ أَعْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامُوا) لِقَوْلِهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُم الهِلَالُ. قال الحلواني: لا رواية لهذه المسألة. وفي القياس: لا يصير صائمًا؛ كالطلاق والعتاق والبيع. وفي الاستحسان: يصير صائمًا؛ لأنه لا يراد به الإبطال؛ بل هو الاستعانة وطلب التوفيق من الله تعالى (١). قال المرغيناني: هو الصحيح (٢)، وبه قال أحمد (٣)، والشافعي في وجه (٤). [فصل في رؤية الهلال] قوله: (في اليوم التاسع والعشرين من شعبان)؛ لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما، قال ﵊: «الشَّهر هكذا وهكذا وهكذا» (٥)، وأشار بأصابعه وخنس إبهامه في الثالثة. وقال ابن مسعود وعائشة: ما صمنا رمضان على عهد رسول الله ﷺ تسعة وعشرين يوما؛ أكثر ما صمنا [من] (٦) ثلاثين يوما. كذا في المبسوط (٧). وقوله: (فإن غم عليكم الهلال): من تتمة الحديث، وروي أنه قال: «فإن حال بينكم وبين منظره سحابٌ أو قترة فعدُّوا شعبان ثلاثين» (٨)، وروي أنه عليه

стр. 1790

فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَلِأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ الشَّهْرِ فَلَا يُنْقَلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يُوجَدْ. (وَلَا يَصُومُونَ يَوْمَ الشَّكْ إِلَّا تَطَوُّعًا) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يُصَامُ اليَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ الصلاة والسلام كان [يتحفظ] (١) من شعبان ما لا [يتحفظ] (٢) من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام (٣). ولا يعتبر قول المنجمين بالإجماع، ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشرع، وما حكي عن قوم أنهم قالوا: يجوز أن يجتهد في ذلك، ويعمل بقولهم؛ غير صحيح؛ لقوله ﵇: «مَنْ أتَى كاهِنًا أو مُنجما فيما قال فقد كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلَى مُحمدٍ» (٤)، والذي رُوي أنه ﵇ قال: «فإن غُمَّ عليكم فاقْدِرُوا له» (٥)؛ معناه: التقدير بإكمال العدة كما جاء في الحديث. كذا في المبسوط (٦). ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه، وللشافعي فيه وجهان (٧). وفي الإيضاح: لو غم عليكم هلال شوال؛ أكملوا عدة رمضان ثلاثين يوما (٨). قوله: (ولا يصومون يوم الشك إلا تطوعًا): في المبسوط: الشك إنما يقع من وجهين، أما [شعبان] (٩)، فإن غم هلال شعبان، فوقع الشك أنه اليوم الثلاثين [منه، أو الحادي والثلاثون، أو غم هلال رمضان، فوقع الشك في
следующие страницы →