← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ المُسَافِرِ وَالمُقِيمِ وَالصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ كَيْ لَا تَلْزَمَ المَعْذُورَ مَشَقَّةٌ، فَإِذَا تَحَمَّلَهَا التُحِقَ بِغَيْرِ المَعْذُورِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: إِذَا صَامَ المَرِيضُ وَالمُسَافِرُ بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ يَقَعُ عَنْهُ (*) لِأَنَّهُ شَغَلَ الوَقْتَ بِالأَهَمِّ لِتَحَتُّمِهِ لِلْحَالِ وَتَخَيَّرِهِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إِلَى وفي شرح الطحاوي: نظيره: ما لو صلى يوم الجمعة بعد الزوال أربع ركعات؛ فإنها تكون من سنة الجمعة نوى أو لا؛ لأنه حصل في وقتها، وكما لو صلى ركعتين تطوعًا في الليل، ثم تبين أنه صلى بعد طلوع الفجر؛ أجزأه عن ركعتي الفجر (١)، وهذا البحث بتمامه مذكور في: بيان الوصول في شرح الأصول. قوله: (ولا فرق بين المسافر والمقيم والصحيح والسقيم عندهما): وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). (يقع عنه؛ أي: عن واجب آخر، تسوية حكمهما في صحة نية واجب آخر على قول أبي حنيفة موافق لرواية الإيضاح، ومبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى الولوالجي، وقاضي خان، ومخالف لمبسوطي شمس الأئمة وفخر الإسلام وأصولهما؛ فإنه ذكر في مبسوط شمس الأئمة: فأما المريض إذا نوى واجبًا آخر؛ فالصحيح: أنه يقع عن رمضان؛ لأن إباحة الفطر [له] (٥) عند العجز لا عند القدرة، فإذا صام علم أنه غير عاجز، فكان هو والصحيح سواء، بخلاف المسافر (٦). (٥) ثم قال: وذكر أبو الحسن الكرخي أن الجواب في المريض والمسافر سواء

стр. 1787

إِدْرَاكِ العِدَّةِ. وَعَنْهُ فِي نِيَّةِ التَّطَوُّعِ رِوَايَتَانِ، وَالفَرْقُ عَلَى إِحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مَا صَرَفَ الوَقْتَ إِلَى الأَهَمِّ. قَالَ: (وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ كَقَضَاءِ شَهرِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ المُطْلَقِ وَصَوْمِ الكَفَّارَةِ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ مِنْ الابْتِدَاءِ وَالنَّفَلُ كُلُّهُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ) خِلَافًا لِمَالِكِ، فَإِنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ مَا كَانَ يُصْبِحُ غَيْرَ صَائِمِ: «إِنِّي إِذًا لَصَائِمٌ»، على قول أبي حنيفة، وهذا سهواً ومُؤوَّل، ومراده: مريض يطيق الصوم ويخاف منه زيادة المرض. وفي الإيضاح: وكان بعض أصحابنا يفصل بينهما، وأنه ليس بصحيح، والصحيح أنهما يستويان، والتوفيق بين الروايات مذكور في كشف شيخي وتحقيقه، وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة نصًا في المريض؛ أنه إذا نوى التطوع صح ويقع عنه لتحتمه للحال؛ لأن القضاء لازم في الحال، حتى لو مات في الحال يؤاخذ به، والمسافر لو مات قبل إدراك عدة من أيام أخر؛ ليس عليه شيء (١). قوله: (وصوم الكفارة)؛ وهي كفارة اليمين والظهار، والقتل في جزاء الصيد والحلق والمتعة، وكفارة رمضان، وكذلك النذر المطلق. ذكره في الفتاوى (٢). (والنفل كله سواء)؛ أي: سواء كان من الصحيح أو السقيم، أو المسافر أو المقيم؛ لإطلاق ما روينا، وهو قوله ﵇: «لا صيام … » (٣) الحديث، وقد بينا. قوله: (إني إذا لصائم): عن عائشة وابن عباس ﵄، أنه ﵇ كان يدخل على نسائه ويقول: هل عندكن من غداء؟ فإن قلن: لا، قال: إني إذا

стр. 1788

وَلِأَنَّ الْمَشْرُوعَ خَارِجَ رَمَضَانَ هُوَ نَفْلٌ، فَيَتَوَقَّفُ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ عَلَى صَيْرُورَتِهِ صَوْمًا بِالنِّيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ وَيَصِيرُ صَائِمًا مِنْ حِينِ نَوَى إِذْ هُوَ مُتَجَزِّئُُ عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى النَّشَاطِ، وَلَعَلَّهُ يَنْشَطُ بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَّا أَنَّ مِنْ شَرَطِهِ الْإِمْسَاكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَعِنْدَنَا: يَصِيرُ صَائِمًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ قَهْرُ النَّفْسِ، وَهِيَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِإِمْسَاكِ مُقَدَّرٍ، فَيُعْتَبَرُ قُرَانُ النِّيَّةِ بِأَكْثَرِهِ. لصائم، وفي حديث عاشوراء كما ذكرنا، فإن كان صوم عاشوراء نفلا فهو نص في الباب، وإن كان فرضا؛ فيجوز النفل بالطريق الأولى على ما ذكرنا، وهو قوله: إن الصوم ركن واحد، وقوله: (لأنه يوم صوم ويصير صائما من حين نوى)، وهذا اختيار بعض أصحابه وقد بيناه، والأصح فيه، وقوله: (إلا أن من شرطه الإمساك في أول النهار) وهذا على الأصح وقد بيناه. وفي المرغيناني: لو نوى الإفطار بعد شروعه في الصوم؛ لم يفطر حتى يأكل، وكذا لو نوى الرجوع عنه لا يكون رجوعا، وكذا لو نوى الكلام في الصلاة لا تفسد حتى يتكلم (١). وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): لو نوى الإفطار [فقد أفطر] (٥). وفي الليل لو نوى الإفطار من الغد بعد نيته يكون رجوعا. ولو أكل أو شرب أو جامع أو نام؛ لا يكون رجوعا، إلا عند المروذي من الشافعية. قال الإصطخري من أصحابه: هذا خرق الإجماع. وإن نوى أن أصوم غدا إن شاء الله صحت نيته؛ لأنها عمل القلب دون اللسان، فلا يعمل فيه الاستثناء.

стр. 1789

فَصْل فِي رُؤْيَة الهلال قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَلْتَمِسُوا الهِلَالَ فِي اليَوْمِ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنْ رَأَوْهُ صَامُوا، وَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ أَعْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامُوا) لِقَوْلِهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُم الهِلَالُ. قال الحلواني: لا رواية لهذه المسألة. وفي القياس: لا يصير صائمًا؛ كالطلاق والعتاق والبيع. وفي الاستحسان: يصير صائمًا؛ لأنه لا يراد به الإبطال؛ بل هو الاستعانة وطلب التوفيق من الله تعالى (١). قال المرغيناني: هو الصحيح (٢)، وبه قال أحمد (٣)، والشافعي في وجه (٤). [فصل في رؤية الهلال] قوله: (في اليوم التاسع والعشرين من شعبان)؛ لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما، قال ﵊: «الشَّهر هكذا وهكذا وهكذا» (٥)، وأشار بأصابعه وخنس إبهامه في الثالثة. وقال ابن مسعود وعائشة: ما صمنا رمضان على عهد رسول الله ﷺ تسعة وعشرين يوما؛ أكثر ما صمنا [من] (٦) ثلاثين يوما. كذا في المبسوط (٧). وقوله: (فإن غم عليكم الهلال): من تتمة الحديث، وروي أنه قال: «فإن حال بينكم وبين منظره سحابٌ أو قترة فعدُّوا شعبان ثلاثين» (٨)، وروي أنه عليه

стр. 1790

فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَلِأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ الشَّهْرِ فَلَا يُنْقَلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يُوجَدْ. (وَلَا يَصُومُونَ يَوْمَ الشَّكْ إِلَّا تَطَوُّعًا) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يُصَامُ اليَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ الصلاة والسلام كان [يتحفظ] (١) من شعبان ما لا [يتحفظ] (٢) من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام (٣). ولا يعتبر قول المنجمين بالإجماع، ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشرع، وما حكي عن قوم أنهم قالوا: يجوز أن يجتهد في ذلك، ويعمل بقولهم؛ غير صحيح؛ لقوله ﵇: «مَنْ أتَى كاهِنًا أو مُنجما فيما قال فقد كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلَى مُحمدٍ» (٤)، والذي رُوي أنه ﵇ قال: «فإن غُمَّ عليكم فاقْدِرُوا له» (٥)؛ معناه: التقدير بإكمال العدة كما جاء في الحديث. كذا في المبسوط (٦). ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه، وللشافعي فيه وجهان (٧). وفي الإيضاح: لو غم عليكم هلال شوال؛ أكملوا عدة رمضان ثلاثين يوما (٨). قوله: (ولا يصومون يوم الشك إلا تطوعًا): في المبسوط: الشك إنما يقع من وجهين، أما [شعبان] (٩)، فإن غم هلال شعبان، فوقع الشك أنه اليوم الثلاثين [منه، أو الحادي والثلاثون، أو غم هلال رمضان، فوقع الشك في

стр. 1791

فِيهِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ إِلَّا تَطَوُّعاً»، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهِ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ رَمَضَانَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِمَا رَوَيْنَا، اليوم الثَّلَاثِينَ] (١)، وأنه من شعبان أم من رمضان (٢). وفي الْمُجْتَبى: إذا لم تر علامة ليلة الثلاثين والسماء متغيمة، وشهد واحد فردت شهادته أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما فيقع الشك، [أما لو كانت السماء مصحية فلم ير الهلال؛ فليس بيوم الشك] (٣) ولا يجوز صومه ابتداءً لا فرضاً ولا نفلاً (٤). وفي بحر المحيط (٥): لو تيقن أنه من شعبان يفطر، ولو لم ير علامة؛ فالإفطار أفضل، وإنما الخلاف فيما إذا شهد واحد أو اثنان فردت شهادتهما، وعلى هذا هلال الفطر ليلة الثلاثين، ولم يشهد أحد، والإفطار [أفضل] (٦) بلا خلاف والسماء متغيمة. وفي تتمتهم: صورة الشك: أن يشهد برؤية الهلال من لا تقبل شهادته، كالعبد والمرأة، والصبي وأهل الذمة، أو يقع في لسان القوم أن الهلال قد رؤي، ولم يشهد أحد برؤية الهلال، ولم يقع في لسان أحد؛ فهو من شعبان (٧). وعن أبي طاهر: لو شهد برؤيته من لا تقبل شهادته؛ خرج اليوم عن الشك؛ لرجحان أحد الجانبين، والمشهور منهم الأول. (وهو مكروه لما روينا): وبه قال الشافعي (٨)، ومالك (٩)، والأوزاعي، وأحمد في رواية (١٠).

стр. 1792

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن أحمد: إن كانت السماء مصحية يكره صومه من رمضان، وإن كانت متغيمة وجب صومه من رمضان. وعنه: إن أفطر الإمام أفطر الناس، وإن صام صام الناس، وبه قال مالك، والحسن البصري. وقال الشيعة: لا يكره مطلقا، وهو حسن واجب؛ لما روينا عن علي أنه صامه وقال: لأن أتعجل على صيام رمضان أحب إليَّ من أن أفطر يوما من رمضان (١)، والتعجيل إنما يتحقق بصوم رمضان؛ لأن النفل يؤدى في وقته، فلا يكون معجلا، ولأنه لو وقع الشك في آخره يجب الصوم، فكذا في أوله. ولنا: قوله ﵇: «لا تقدموا … » الحديث (٢). وما روي عن عليّ غير صحيح روايته، والصحيح ما رويناه، وأما وجوب صوم آخره؛ فلأن وجود رمضان يقين، ووقع الشك في خروجه، فلا يثبت بالشك. وحاصل الاختلاف بيننا وبينهم: [أنهم] (٣) لا يعتقدون الرؤية، بل يعترفون اجتماع الشمس مع القمر، وذلك يكون قبل الرؤية بيوم، فعلى هذا يجب الصوم في يوم الشك عندهم، وعندنا العبرة للرؤية لما روينا، ولأنها أمر ظاهر، يقف عليها الخاص والعام دون الإجماع فإنه لا يقف عليه إلا فرد خاص، مع أن فيه يجري الخطأ. كذا في مختلفات الغنى. فإن قيل: كيف وقع الشك وهو استواء الدليلين، وقد وجد الدليل على أنه من شعبان؛ لقوله ﵇: «أكمِلُوا عدّة شعبانَ» (٤). قلنا: يحمل على أنه شاهد مستور الحال أو صبي فيقع الشك. كذا قيل.

стр. 1793

وَلِأَنَّهُ تَشَبُّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّهُمْ زَادُوا فِي مُدَّةِ صَوْمِهِمْ، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ أَنَّ اليَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ يُجْزِيهِ، لِأَنَّهُ شَهِدَ الشَّهْرَ وَصَامَهُ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ تَطَوُّعًا، وَإِنْ أَفْطَرَ لَمْ يَقْضِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى المَظْنُونِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ عَنْ وَاجِبِ آخَرَ وَهُوَ مَكْرُوهُ أَيْضًا لِمَا رَوَيْنَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا دُونَ الأَوَّلِ فِي الكَرَاهَةِ، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ يُجْزِيهِ لِوُجُودِ أَصْلِ النِّيَّةِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَقَدْ قِيلَ: يَكُونُ تَطَوُّعًا، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الوَاجِبُ، وَقِيلَ: … ... … ... . بل الأولى أن يقول: قوله ﵇: «أكْمِلُوا عِدَّةَ شعبان» لا يدل على أنه من شعبان، فبقي الشك لما روينا، وهو قوله ﵇: «لا يُصامُ اليوم الذي يُشَكُ فيه إلا تطوعا» (١)؛ لأنه في معنى المظنون، ولم يقل لأنه مظنون؛ لأن حقيقة المظنون أن يثبت به الظن بعد وجوبه بيقين، والحال أنه أداه، [فشرع فيه على ظن أنه لم يؤده، ثم علم أنه أداه] (٢)، أما هاهنا فلم يثبت وجوبه بيقين، فلم يكن مظنونا حقيقة، إلا أن كل واحد منهما شرع مسقطا للواجب لا ملزما، وكان كل واحد منهما في معنى الآخر. (وهو مكروه أيضًا): وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٣). (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «لا يُصامُ اليوم الذي … » الحديث. (دون الأول في الكراهة)؛ لأنه يستلزم التشبه دون الثاني. (فقد قيل: يكون تطوعًا): لكن لو أفسده لا قضاء عليه. ذكره في المحيط (٤). (فلا يتأدى به الواجب)؛ اعتبارًا بيوم العيد، وهو أصح قولي الشافعي أيضا (٥)؛ لأنه يوم يجوز فيه التطوع.

стр. 1794

يُجْزِيهِ عَنِ الَّذِي نَوَاهُ وَهُوَ الأَصَحُ لِأَنَّ المَنْهِيَّ عَنْهُ. وَهُوَ التَّقَدُّمُ عَلَى رَمَضَانَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ. لَا يَقُومُ بِكُلِّ صَوْمِ، بِخِلَافِ يَوْمِ العِيدِ، لِأَنَّ المَنْهِيَّ عَنْهُ. وَهُوَ تَرْكُ الإِجَابَةِ. بَلَازِمِ كُلِّ صَوْمٍ، وَالكَرَاهِيَةُ هَهُنَا لِصُورَةِ النَّهْيِ وَالثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ التَّطَوُّعَ وَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهِ لِمَا رَوَيْنَا وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي قَوْلِهِ يُكْرَهُ عَلَى سَبِيلِ الابْتِدَاءِ، (بخلاف يوم العيد): والنهي باعتبار التقديم على رمضان لصوم رمضان، وهذا لا يوجد بكل صوم. وفي جامع البرهاني (١): عين الصوم ليس بمنهي عنه؛ لأن الوقت وقت الصوم، والإنسان لا ينهى عن الصوم في وقته، فالمنهي أحد الشيئين، إما أداء صوم رمضان قبل رمضان، أو الزيادة على ما شرع، وهذا لا يوجد بكل صوم، وإنما يوجد بصوم رمضان، فكان ينبغي أن لا يكره واجب آخر، إلا إنا أثبتنا نوع كراهة؛ لأنه مثل رمضان في الفرضية، أو لعموم قوله ﵇: «لا يُصام اليوم الذي … » الحديث (٢)، فلا يؤثر في نفس الصوم بالنقصان، فيصلح لإسقاط ما وجب عليه، كالصلاة في الأرض المغصوبة؛ فإنه لا يؤثر كراهتها في إسقاط القضاء، بخلاف صوم يوم الشك، فإن ذلك مكروه؛ أي: صوم كان كوجود ترك الإجابة بالكل، وإلى هذا المعنى أشار المصنف بقوله: (والكراهية هنا لصورة النهي)، وهو قوله ﵇: «لا يُصام اليوم الذي» الحديث. (وهو غير مكروه): وبه قال مالك (٣). (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «إلّا تطوعًا» (٤). (على سبيل الابتداء)؛ يعني: لا يكون له عادة [صوم] (٥) يوم الخميس مثلا، فاتفق يوم الخميس كونه يوم الشك؛ يكره صومه، أما لو وافق عادته لا

стр. 1795

وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَتَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ» الحَدِيثَ، نَهْيُ التَّقَدُّمِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّيهِ قَبْلَ أَوَانِهِ، ثُمَّ إِنْ وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ، فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ بِالإِجْمَاعِ، وَكَذَا إِذَا صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ فَصَاعِدًا، وَإِنْ يكره، إلا أن يوافق صومًا. والموافقة: أن يعتاد مثلا صوم الاثنين أو الخميس أو الجمعة، أو كل الشهر، أو من آخره ثلاثًا فصاعدًا، فاتفق يوم الشك من ذلك الأيام. كذا ذكره شيخ الإسلام (١). وفي تتمتهم (٢): لنا: قوله ﵇: «لا تتقدّموا … » الحديث (٣)، وقوله ﵇: «من صام يومَ الشك فقد عصى أبا القاسم» (٤). وقوله: (والمراد بقوله ﵇: مبتدأ خبره: (التقدم بصوم رمضان). (لأنه يؤديه قبل أوانه): فإن قيل: الشهر وقت التطوع، فلا يكون وقت الفرض، فلا يصير متقدمًا بالتطوع، فخرج الجواب عن قوله: «لا تتقدموا بصوم يوم أو يومين إلا أن يوافق صوم أحدكم كان يصومه»، فالنبي ﵇ أباح بشرط أن يكون بناء لا ابتداء؛ لأنا نقول: وليس فيه نفي الإباحة إذا كان ابتداء، بل هو مسكوت عنه، فيكون موقوفا إلى قيام الدليل، وقد قام الدليل وهو النص المطلق، وهو قوله ﵇: «لا يصامُ اليوم الذي … » الحديث (٥)، وعندنا لا يحمل المطلق على المقيد. وأما قوله ﵇: «من صام [يوم] (٦) الشَّكِّ فقد عصى أبا القاسم» (٧)؛

стр. 1796

أَفْرَدَهُ فَقَدْ قِيلَ: الفِطْرُ أَفْضَلُ احْتِرَازًا عَنْ ظَاهِرِ النَّهْيِ. وَقَدْ قِيلَ: الصَّوْمُ أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِعَلِيٌّ وَعَائِشَةَ ﵂ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَصُومَانِهِ، وَالمُخْتَارُ أَنْ يَصُومَ المُفْتِي بِنَفْسِهِ يحتمل النفي عن الفرض وعن التطوع، وما روينا مفسر في إباحة التطوع، فيحمل ذلك على الصوم بنية فرض رمضان؛ لأن فيه تشبها باليهود في الزيادة، للجمع بين الحديثين. كذا في مختلفات الغنى (١). وفي الخبازية: المراد منه الصوم بنية الفرض؛ لأنه معارض بقوله ﵇: «لا يُصام اليوم الذي … » الحديث (٢)، فيحمل عليه، وكذا المراد من قوله ﵇: «لا تتقدّموا … » الحديث (٣)؛ الصوم بنية الفرض؛ لأن التقدم على الشيء بالشيء إنما يتحقق في جنس ذلك الشيء، فيكون التقدم على صوم بصوم رمضان، كما أن تقدم الظهر على الظهر بنية الظهر لا بنية صلاة أخرى (٤). فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرت، فما الفائدة بتخصيصه بيوم أو يومين؟. قلنا - والله أعلم -: يوم ويومان قليل، فيتوهم أن القليل عفو، كما عفي في كثير من الأحكام، وقوله في الحديث: «إلا أن يوافق» (٥) يجوز أن يكون استثناء منقطع، لكن يعني المراد: إذا وافق صوما كان يصوم أحدكم، فيصوم عن التطوع، أما لو أطلق النية في يوم الشك فيكره؛ لأن المطلق شامل للمقادير. وفي الإيضاح: لا بأس بصوم يوم أو يومين أو ثلاثة قبل رمضان؛ لما روي أنه ﵇ كان يصل شعبان برمضان والمراد بقوله: «لا تتقدموا … » الحديث (٦)؛ استقبال الشهر بصوم منه؛ لأنه يصير زيادة على الفرض (٧). قوله: (أَنْ يَصُومَ الْمُفْتِي بِنَفْسِهِ): وفي جامع قاضي خان وخاصته (٨). وفي جامع الكردري والمختار: أن يفتي الخواص بالصيام، والعوام

стр. 1797

أَخْذًا بِالاحْتِيَاطِ، وَيُفْتِي العَامَّةَ بِالتَّلَوُّمِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ ثُمَّ بِالإِفْطَارِ نَفْيًا لِلتَّهْمَةِ. بالتلوم - أي: الانتظار -، والفاصل بين الخاصة والعامة: هو أن كل من يعلم نية [صوم] (١) يوم الشك فهو من الخواص، وإلا فهو من العوام (٢). والنية: أن ينوي التطوع من لا يعتاد بصوم ذلك اليوم، ولا يخطر بباله أنه إن كان من رمضان فعن رمضان. قوله: (نفيا للتهمة)؛ أي: تهمة الروافض. وفي الفوائد الظهيرية: لا خلاف بين أهل السنة أنه لا يصام يوم الشك بنية رمضان، وقالت الروافض: يجب صومه أو يستحب كما ذكرنا (٣). أو نفيا لتهمة الزيادة في رمضان وغيره. وذكر الكثائي: أنه لو أفتى للعوام بأداء النفل فيه، عسى يقع عندهم أنه خالف رسول الله، حيث نهى ﵇ عن صومه وهو أطلقه، أو يقع عندهم لما جاز النفل يجوز الفرض بل أولى؛ لأنه أهم، فلا ينبغي أن يفتي لهم بذلك نفيا للاتهام (٤). وذكر فخر الإسلام فيه حكاية أبي يوسف؛ وهي: ما روي عن أسد بن عمر أنه قال: أتيت باب الرشيد، فأقبل أبو يوسف وعليه عمامة سوداء، ومدرعة سوداء، وركب فرسا أسود، وعليه سرج أسود، وما شيء عليه من البياض إلا لحيته في يوم الشك، فأفتى الناس بالفطر، فقلت له: أمفطر أنت؟، قال: ادن إليَّ، فدنوت، فقال في أذني: أنا صائم، وإنما نفتي بالفطر بعد التلوم زمانا؛ لما روي أنه ﵇ قال: «أصبحوا يوم الشك مفطرين [متلومين]» (٥) (٦) [أي

стр. 1798

وَالرَّابِعُ: أَنْ يَضْجَعَ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ، بِأَنْ يَنْوِي أَنْ يَصُومَ غَدًا إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَا يَصُومُهُ إِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ، وَفِي هَذَا الوَجْهِ لَا يَصِيرُ صَائِمًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ عَزِيمَتَهُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا نَوَى أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ غَدًا غَدَاءٌ يُفْطِرُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يَصُومُ. وَالخَامِسُ: أَنْ يَضْجَعَ فِي وَصْفِ النِّيَّةِ، بِأَنْ يَنْوِيَ إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ يَصُومُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَعَنْ وَاجِبِ آخَرَ، وَهَذَا مَكْرُوهُ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَكْرُوهَيْنِ. ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ لِعَدَمِ التَّرَدُّدِ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ لَا يُجْزِيهِ عَنْ وَاجِبِ آخَرَ، لِأَنَّ الجِهَةَ لَمْ تَثْبُتْ لِلتَّرَدُّدِ فِيهَا، وَأَصْلُ النِّيَّةِ لَا يَكْفِيهِ، لَكِنَّهُ يَكُونُ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالقَضَاءِ، لِشُرُوعِهِ فِيهِ مُسْقِطًا، لا غير عازمين] (١) للصوم ولا آكلين والحديث في الأسرار، وفيه: أنه مشهور (٢). (أن يضجع)؛ أي: يردد، والتضجيع: الترديد. (فصار كما إذا نوى … ) إلى آخره: فإن الصوم لم يجز بحال؛ لأن العزيمة لم توجد؛ ولهذا قلنا فيمن ترك صلاة واحدة، وقد نسي أنه صلى أربع ركعات، يقعد في الثانية والثالثة، وينوي ما عليه، لم يجزه؛ لأن الصلوات مختلفة، ولم يعزم على شيء منها. كذا ذكره فخر الإسلام. (أمرين مكروهين)؛ وهما صوم رمضان وصوم واجب آخر. (لعدم التردد في أصل النية): وأصل النية كاف للجواز من رمضان. (لشروعه فيه مسقطا)؛ أي: أحد الواجبين، وفيه خلاف زفر وقد مر، وهو قوله: (لعدم الترديد في أصل النية). ومن المشايخ من قال: إذا ظهر أنه من رمضان لا يكون صائما عن رمضان، وروي ذلك عن محمد، قالوا: هذا بناء على ما ذكر في الجامع الكبير: إذا كبر ينوي الظهر والتطوع عند أبي يوسف؛ [يصير] (٣) شارعًا في

стр. 1799

مُلتزمًا، وَإِنْ نَوَى عَنْ رَمَضَانَ إِنْ كَانَ غَدًا مِنهُ، وَعَنِ التَّطَوُّعِ إِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ الظهر، وعلى قول محمد: لا يصير شارعًا في الصلاة. كذا ذكره قاضي خان (١). أسير أو محبوس، تحرَّى فصام رمضان؛ جاز بشرط إكمال العدة، وتثبت النية في البدائع (٢). تحرى وصام شهرًا، فإن وافق رمضان جاز، وإن خالف وتقدم لا يجوز؛ لأنه أداء قبل السبب، وإن تأخر بأن صام شوالا، وكان رمضان كاملا وشوال ناقصا؛ قضى [يومين:] (٣) يوم الفطر، ويوم نقص شوال، وإن وافق ذي الحجة قضى خمسة أيام إن نقص، يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، ويوم النقص، ولا تشترط نية القضاء في الصحيح. ولو صام بالتحري سنين كثيرة، ثم تبين أنه صام قبل رمضان في كل سنة؛ قيل: يجوز، وجعل في السنة الثانية قضاء عن الأولى، وفي الثالثة عن الثانية، وهكذا. وقيل: لا يجوز الكل. وقال الهندواني: إن صام في الثانية عن [الواجب الذي عليه، إلا أنه ظن أنه من رمضان؛ جاز، وكذا في الثالثة والرابعة، وإن صام في الثانية عن] (٤) الثالثة، وفي الثالثة عنها؛ لم يجز، وعليه قضاء الرمضانات كلها (٥). وقال النواوي: له أحوال أربعة: أحدها: يجزئه بلا خلاف تقدم أو تأخر، إن استمر الإشكال، خلافًا لمالك (٦)، وأبي حنيفة (٧).

стр. 1800

يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ نَاوِ لِلْفَرْضِ مِنْ وَجْهِ، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَاهُ عَنْهُ لِمَا مَرَّ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ جَازَ عَنْ نَفْلِهِ، لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِأَصْلِ النِّيَّةِ، وَلَوْ أَفْسَدَهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَقْضِيَهُ لِدُخُولِ الإِسْقَاطِ فِي عَزِيمَتِهِ مِنْ وَجْهِ. قَالَ: (وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ صَامَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُ الإِمَامُ شَهَادَتَهُ) والثانية: إن وافق رمضان يجزئه بلا خلاف. والثالثة: أن يقع بعده فيجزئه، وهل يكون أداء أو قضاء؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه قضاء، وإن وافق صومه الليل دون النهار، بأن يكون في مطمورة؛ لزمه القضاء بلا خلاف، ولو لم يجزئه إلى شيء، ولو لم يعرف الليل من النهار؛ فيه ثلاثة أوجه: يصوم ويقضي، وفي وجه: لا يصوم ويقضي، وفي وجه: يصوم ولا يقضي، وهو الأصح (١). وقال مالك: لو لم يترجح عنده شيء؛ يصوم السنة كلها، كمن نذر يوما ونسيه (٢). قوله: (رأى هلال رمضان وحده)؛ أي: رأى والسماء مصحية؛ لا يقبل الإمام شهادته. وعن أبي حنيفة: تقبل؛ لأنه اجتمع في شهادته ما يوجب القبول وهو العدالة والإسلام، وما يوجب الرد وهو مخالفة الظاهر، فيرجح ما يوجب القبول احتياطًا؛ لأنه إذا صام يوما من شعبان؛ كان خيرًا من أن يفطر يوما من رمضان. وجه ظاهر الرواية: يترجح جانب الرد؛ لأن الفطر في رمضان من كل وجه ظاهر؛ جائز بالإجماع بالعذر، كما في المريض والمسافر، وصوم رمضان قبله لا يجوز بعذر، فكان المصير إلى ما يجوز بعذر أولى. ذكره الولوالجي (٣). وفي المبسوط: وإنما يرد الإمام شهادته إذا كانت السماء مصحية، وهو من

стр. 1801

لِقَوْلِهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَقَدْ رَأَى ظَاهِرًا وَإِنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ دُونَ الكَفَّارَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ إِنْ أَفْطَرَ بِالوِقَاعِ، لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ حَقِيقَةٌ لِتَيَقْنِهِ بِهِ، وَحُكْمًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ، وَلَنَا: أَنَّ القَاضِيَ رَدَّ شَهَادَتَهُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٌّ وَهُوَ تُهْمَةُ الغَلَطِ، … أهل المصر، فأما إذا كانت متغيمة، أو جاء من خارج المصر من مكان مرتفع؛ [تقبل] (١) شهادته (٢). فإن قيل: جمع محمد [في] (٣) هذه المسألة بين الشبهة واليقين، فقال: لا كفارة عليه؛ لأنه أفطر عن شبهة، ويلزمه الصوم؛ [لأنه استيقن أنه من رمضان، والشبهة ضد اليقين، فكيف يجمع؟] (٤). قلنا: نعم جمع بينهما في حق حكمين مختلفين، والممتنع الجمع في حق حكم واحد، ونظيره: ما قالوا فيمن اشترى أخته من الرضاع، فالوطء حرام بيقين، ولكن ملك الرقبة أورث شبهة الإباحة في حق الجد، فجمع بينهما في حق حكمين، كذا هاهنا. وقال الشافعي: عليه الكفارة قبل القضاء وبعده (٥)، وبه قال مالك (٦)، وأحمد (٧)؛ لتيقنه؛ إذ لا طريق لليقين أقوى من الرؤية، وشك غيره لا يعتبر؛ ولهذا لزمه صومه عن الفرض، ويوم الشك منهي فيه عنه، وكما أن وجوب الصوم بينه وبين ربه، فكذلك وجوب الكفارة؛ لأنها عبادة. كذا في المبسوط (٨). (وهو)؛ أي: الدليل الشرعي. (تهمة الغلط): في رؤيته، فلو كان حكم القاضي نافذا ظاهرا وباطنا يباح له

стр. 1802

فَأَوْرَثَ شُبْهَةً وَهَذِهِ الكَفَّارَةُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَوْ أَفْطَرَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ الإِمَامُ الفطر، فإذا كان نافذا ظاهرا يورث شبهة. (وهذه الكفارة)؛ أي: كفارة الفطر، احترز به عن كفارة اليمين والظهار، وإنما يندرئ بالشبهات؛ بدليل عدم وجوبها على المعذور والمخطئ. كذا في المبسوط (١). وفي مختلفات الغنى: لا إشكال؛ لأن كفارة رمضان لا تجب مع الشبهة (٢)، فقال بعض مشايخنا: سلك بها مسلك العقوبات، حتى لا تجب على المعذور، وتصلح أن تكون عقوبة؛ لأن أداءها مشقة. قال بعضهم: ليس فيها معنى العقوبة؛ فإنها تتأدى بالصوم، وهو عبادة خالصة، ولا يقام عليه جزاء، بخلاف الحدود، لكنها قربة شرعت بخلاف القياس، فإن الشارع قال: «التائبُ مِنَ الذَّنبِ كَمَنْ لا ذنب له» (٣)، و «الندم توبةٌ» (٤)، فينبغي أن يكتفي بالندم والتوبة؛ لكن هذه قربة منصوصة شرعت بخلاف القياس نصا، فيقتصر على مورد النص، والنص ورد في غير المعذور، وفي غير محل الشبهة، فمع اختلافهم في كونها عقوبة اتفقوا على أنها لا تجب معها. وفي المبسوط: الكفارة إنما تجب بالفطر في رمضان مطلقا، وهذا اليوم منه من وجه، حتى [يلزمه الصوم، ومن شعبان من وجه، حتى] (٥) لا يلزم الصوم سائر الناس، ويوم رمضان لا ينفك عن الصوم أداء وقضاء، فلم يكن هذا اليوم في معنى المنصوص من كل وجه، فلو أوجبنا الكفارة كان بطريق القياس، ولا مدخل له في إثبات الكفارة، فأما وجوب الصوم يؤخذ

стр. 1803

شَهَادَتُهُ اخْتَلَفَ المَشَايِخُ فِيهِ، وَلَوْ أَكْمَلَ هَذَا الرَّجُلُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَمْ يُفْطِرُ إِلَّا مَعَ بالاحتياط؛ لأن الصوم (١) عبادة، فكونه من رمضان من وجه يكفي في حقه (٢). وفي الأسرار، ومبسوط شيخ الإسلام: الشبهة في هذه المسألة من وجهين: أحدهما: شبهة الغلط كما بينا، فالقضاء أوجب [شبهة] (٣) الكذب، وإن كان عند الشاهد دليل فساد القضاء؛ ألا ترى أن الشهود لو شهدوا بالقصاص على رجل، فقضى به القاضي، فقتله الولي وهو يعلم أنهم كذبة، ثم جاء الشهود بقتله حيًّا؛ لا قصاص على الولي عندنا؛ للشبهة الثانية بالقضاء؛ لأنه قضى بذلك ظاهر، فأوجب الشبهة في حق الولي، وإن تيقن الولي أنه مخطئ. والثاني: أن هذا اليوم فيه شبهة يوم، شعبان، وشبهة إباحة الفطر؛ لأن الناس فيه سواء، ولا يلزمهم صوم هذا اليوم، ويوم رمضان لا يخلو عن الأداء أو القضاء؛ لقوله ﵇: «صومُكُم يوم تصومون، وفِطْرُكُم يومَ تُفْطِرون». رواه أبو داود، والترمذي (٤). ومعناه: وقت صومكم المفروض يوم صومهم؛ لأن نفس الصوم فعلنا، وهو أمر حسي لا يحتاج إلى البيان، وإنما الاحتياج إلى الحكمي وهو شهر الصوم، فإنه ثبت شرعًا لا بفعل الناس، فبين ﵇ أن شهر الصوم يوم صومهم؛ يعني: أنه لا يتحرى ثبوته في حق البعض دون البعض، فهذا دليل على أن هذا اليوم لا يكون يوم صوم الشاهد، لما لم يكن يوم صوم الناس، حيث لا يلزمهم الصوم أداء وقضاء، ولا على الشاهد عند أبي ثور وعطاء، وابن راهويه والنبي، والحسن بن ماجه وابن سيرين؛ لظاهر هذا الحديث، فلا يجوز صومه، حتى لا يجب القضاء عندهم، فلما كان يوم الفطر في حقهم؛

стр. 1804

الإِمَام، لِأَنَّ الوُجُوبَ عَلَيْهِ لِلِاحْتِيَاطِ، وَالاحْتِيَاطُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَأْخِيرِ الإِفْطَارِ، وَلَوْ أَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي عِنْدَهُ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ وجب أن يكون يوم الفطر في حق الشاهد أيضًا؛ عملا بظاهر هذا النص، وإن لم يكن [يوم] (١) الفطر حقيقة في حقه لمعارضة نص آخر، وهو قوله ﵇: «صوموا لرؤيته» (٢)، فلا أقل من أن يورث شبهة الإباحة فيما يدرأ بالشبهات، فمن سلك هذه الطريقة؛ قال بسقوط الكفارة قبل القضاء وبعده، والطريقة الأولى تخص بثبوت الشبهة بعد القضاء، وعن هذا اختلف المشايخ فيه. قوله: (والاحتياط بعد ذلك)؛ أي: بعد وجوب الصوم عليه. في تأخير الإفطار)؛ إذ لعلَّ الغلط وقع [له] (٣)، كما روي في حديث عمر أنه أمر الذي قال: رأيت الهلال، أن يمسح حاجبيه بالماء، ثم قال: أين الهلال؟. فقال: فقدته، فقال: شعرة قامت من حاجبيك فحسبتها هلالًا. وإنما أمرناه بالصوم في الابتداء؛ للاحتياط، من غير أن نحكم أن اليوم من رمضان، فالاحتياط هاهنا ألا يفطر إلا مع الجماعة؛ عملا بظاهر قوله ﵇: «فطركم يوم تفطرون» (٤). وبقولنا: قال مالك (٥)، وأحمد (٦)، والليث. وقال الشافعي: يفطر سرا (٧)، وهو شاذ عن مالك، وحاصله: عنده لو أفطر لا كفارة عليه، خلافًا لمالك. قوله: (غير مقبول): وإنما لم يقل مردود؛ لأن الحكم فيه بالتوقف، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦].

стр. 1805

قَبِلَ الإِمَامُ شَهَادَةَ الوَاحِدِ العَدْلِ فِي رُؤْيَةِ الهِلَالِ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا لِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِي، فَأَشْبَهَ رِوَايَةَ الإِخْبَارِ، وَلِهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَتُشْتَرَطُ العَدَالَةُ، لِأَنَّ قَوْلَ الفَاسِقِ فِي الدِّيَانَاتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ: «عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ» أَنْ يَكُونَ مَسْتُورًا. وَالعِلَّةُ غَيْمٌ أَوْ غُبَارٌ أَوْ نَحْوُهُ، وَفِي إِطْلَاقِ جَوَابِ الكِتَابِ يَدْخُلُ المَحْدُودُ فِي القَذْفِ بَعْدَ مَا تَابَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مِنْ وَجْهِ، قوله: (وتأويل قول الطحاوي): وفي الْمُجْتَبَى: قال بعض المشايخ: ما ذكره الطحاوي: عدلا أو غير عدل؛ لا يصح، ويجوز أن يريد به: غير معروف العدالة في الباطن (١). (وإطلاق جواب الكتاب)؛ أي: القدوري، أو المبسوط، وهو قوله: (قَبلَ الإمام شهادة الواحد العدل) (٢). (لأنه خبر ديني)؛ وهو وجوب الصوم على الناس حقيقة، وليس بشهادة؛ ولهذا لم يختص بلفظ الشهادة، وتقبل شهادة العبد وإن لم يكن له شهادة، حتى لا ينعقد النكاح بها، فلأن يقبل شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، مع [انعقاد] (٣) النكاح بشهادته كان أولى. والمعنى: أن رد شهادته؛ لدفع العار عن المقذوف وإهدار قوله، وهذا حق العبد لا حق الله تعالى، ولأن الصحابة يقبلون شهادة أبي بكرة فيه بعد ما حد في القذف. كذا في المبسوط (٤). (لأنها شهادة من وجه)؛ من حيث إنه يجب العمل به بعد القضاء، ومن حيث أنه يختص بمجلس القاضي، أو من حيث إنه تسقط العدالة، فلا يقبل قوله وإن تاب، كسائر الحقوق.

стр. 1806

وَكَانَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يَشْتَرِطُ المُثَنَّى، (وَكَانَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يَشْتَرِطُ المُثَنَّى): وهو قول مالك (١)، والأوزاعي، وأحمد في رواية شاذة. وأصح قوليه (٢)، وقول أحمد (٣) مثل قولنا، إلا أن [عند] (٤) الشافعية: لا يقبل قول العبد والمرأة في الأصح، ويقبل قول الميسور في الأصح. لنا: (٥) ما روي أنه ﵇ قال: «صوموا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم الهلال فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما إلا أن يشهد شاهدان» (٦)، ولأنه يشترط المثنى في هلال شوال، فكذا في هلال رمضان. ولنا: ما روي عن ابن عباس ﵁، أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: رأيت الهلال، قال: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟» قال: نعم، قال ﵇: «يا بلال، أذن في النَّاسِ فَلْيَصوموا غدًا» (٧). وقال [ابن] (٨) عمر ﵁: ترآى الناس الهلال، فرأيته وحدي، فأخبرت رسول الله ﷺ ، فصام وأمر الناس بالصيام (٩). وشهد عند علي، فصام وأمر الناس به. وقال: لأن أصوم يوما من شعبان؛ أحب إليَّ من أن أفطر يوما من رمضان (١٠).

стр. 1807

وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَ شَهَادَةَ الوَاحِدِ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ» ثُمَّ إِذَا قَبِلَ الإِمَامُ شَهَادَةَ الوَاحِدِ ولأنه يقبل قوله في الأخبار، فكذا في الهلال؛ لأنه [أمر] (١) ديني، والأخذ بالاحتياط في أمر العبادة، بخلاف هلال شوال؛ لأن فيه خروجا عن العبادة وفطر الناس، وفيه منفعة للعباد، فأشبه حقوق العباد. وفي المبسوط: أنه أمر ديني؛ وهو وجوب أداء الصوم على الناس، فوجب قبوله إذا لم يكذبه الظاهر؛ لرواية الحديث، وهاهنا الظاهر لا يكذبه، فلعله تَقَشَّعَ الغيم عن موضع القمر، فاتفق له الرؤية دون غيره؛ بخلاف ما إذا كانت مصحية (٢). (والحجة عليه)؛ أي: على الشافعي. (ما ذكرنا)؛ وهو أنه خبر ديني. وفي الْمُجْتَبى (٣): وتقبل شهادة واحد على شهادة واحد في هلال رمضان؛ لما روي في حديث عمر في رواية: أنه رآه واحد، فأخبر عمر رؤيته رسول الله ﷺ . وتقبل شهادة العبد على [شهادة] (٤) العبد فيه، والظاهر: أنه لا تقبل فيه شهادة المستور، والصحيح [في] (٥) رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنه تقبل (٦). وعن الفضلي: إنما تقبل شهادة الواحد في يوم غيم، إذا فسره برؤيته في الصحراء، أو بين خلال السحاب، وإلا فلا (٧). وقيل: يعتبر لفظة الشهادة في هلال رمضان، [وهل يلزم من رأى هلال

стр. 1808

وَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا يُفْطِرُونَ (*) فِيمَا رَوَى الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِلِاحْتِيَاطِ، وَلِأَنَّ الفِطْرَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الوَاحِدِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُمْ يُفْطِرُونَ، وَيَثْبُتُ الفِطْرُ == رمضان] (١) أن يشهد عند الحاكم؟، ولا ذكر له في الأصل. وقال الحلواني: يلزم العدل أن يشهد حرا كان أو عبدًا أو أمة، حتى المحررة، وهي من فروض العين، ويجب أن يشهد في ليلته كيلا يصبحوا مفطرين، ولها أن تشهد بغير إذن وليها، وأما الفاسق، [إن علم] (٢) أن الحاكم يميل إلى قول الطحاوي ويقبل قوله؛ يجب عليه أن يشهد، وأما المستور دخل فيه شبهة الروايتين، هذا في المصر، أما في السواد؛ فيجب أن [يشهد] (٣) العدل في مسجد قريته، وعليهم أن يصوموا إذا لم يكن فيه حاكم، وكذا في هلال شوال؛ إذا شهد رجلان والسماء متغيمة، وليس فيه وال؛ فلا بأس للناس فيه بالإفطار (٤). قوله: (ثلاثين يوما [لا] (٥) يفطرون)؛ يعني: إذا لم يروا الهلال، وبه قال الشافعي في الأم (٦). (وعن محمد: أنهم يفطرون) (٧): وبه قال بعض أصحاب الشافعي؛ لأنه لما ثبتت الرمضانية بقول الواحد وحكم القاضي، والشهر لا يكون أكثر من ثلاثين؛ يلزمهم الإفطار، وألزمه ابن سماعة وقال: هذا فطر بقول الواحد، وأنت لا تدري ذلك. والجواب عنه: أن الإفطار بحكم الحاكم لا بشهادة الواحد، إلا أن الحكم يقتضي الشهادة، ويثبت بمثله ما لا يثبت بنفس الشهادة، كالميراث عند شهادة

стр. 1809

بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الرَّمَضَانِيَّةِ بِشَهَادَةِ الوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ بِهَا ابْتِدَاءً كَاسْتِحْقَاقِ الإِرْثِ بِنَاءً عَلَى النَّسَبِ الثَّابِتِ بِشَهَادَةِ القَابِلَةِ. القابلة على الولادة؛ فإن شهادتها مقبولة في حق النسب، ثم يفضي إلى استحقاق الميراث، والميراث لا يثبت بشهادة القابلة ابتداء. كذا في المبسوط (١). وهذا الإشهاد إنما يصح على قولهما، لا على قول أبي حنيفة. كذا في الإيضاح (٢). وفي المنظومة: لو شهدت قابلة بالولد؛ لم يعتبر [ذلك] (٣) بلا مؤيد. وفي المجتبى: الخلاف فيما إذا لم يروا هلال شوال والسماء مصحية، فإن كانت متغيمة يفطرون بالاتفاق (٤). وفي الإيضاح: لو صاموا بشهادة رجلين أفطروا بتمام العدة بالاتفاق، (٥) وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (٦)، وأحمد (٧)؛ لثبوت هلال شوال بقولهما، وبه أفتى الشيخ الإمام أبي الحسن. وعن السعدي: لا يفطرون، والصحيح هو الأول (٨). وقال أبو الحداد من أصحابه، ومالك: لا يفطرون إذا كانت [السماء] (٩) مصحية؛ لأن اتباع قولهما بناء على الظن، وقد تيقنا خلافه. ثم يتصل بهذه المسألة: ما لو ثبت الرمضان في مصر بالرؤية، ويثبت في جميع البلاد أم لا؟

стр. 1810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ففي ظاهر الرواية: أنه يثبت، وبه أفتى [أبي] (١) الليث، والحلواني، وهو مذهب بعض أصحاب الشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وابن قاسم من المالكية (٤)؛ لأن الرمضانية عبادة تعم الناس، وكان وجوبها على العموم أحوط. وفي التجريد: يعتبر اختلاف المطالع (٥). وقال أكثرهم: لو تباعد البلدان، وتختلف مطالعها كالعراق والشام؛ لأن شهود الشهر السبب بالرؤية في أهل مصر اختص بهم؛ لأن الحكم حيث يثبت سببه، وهذا كما لو زالت الشمس على قوم؛ وجب عليهم الظهر، ولم تزل على آخرين؛ لم يجب عليهم؛ لعدم انعقاد السبب في حقهم، فعلى هذا: لو شهدوا في التاسع والعشرين من شعبان، أن أهل بلد كذا رأوا هلال رمضان، في ليلة كذا قبلكم بيوم، وهذا اليوم يوم الثلاثين، ولم يروا الهلال في تلك الليلة والسماء مصحية؛ لا يباح لهم الفطر غدًا، ولا يتركوا التراويح في هذه الليلة. قال النسفي: هذا جوابي. قال شيخ الإسلام: الصحيح من المذهب: أنه إذا استفاض الخبر بين أهل البلدة الأخرى يلزمهم، والتفريع على الأول بما لو صام أهل مصر ثلاثين [يوما] (٦)، وأهل مصر آخر تسعة وعشرين [يوما] (٧)، فطر، فإن كان صوم أولئك برؤية الهلال، أو ببينة تثبت عند الحاكم، أو عدوا شعبان ثلاثين ثم صاموا؛ يجب على الآخرين صوم ذلك اليوم، وإن لم يكن كذلك فقد أساؤوا وأخطأوا، فلا قضاء عليهم.

стр. 1811

قَالَ: (وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ لَمْ تُقْبَل الشَّهَادَةُ حَتَّى يَرَاهُ جَمْعُ كَثِيرٌ يَقَعُ قوله: ([حتى] (١) يراه جمع كثير … ) إلى آخره؛ يعني: في هلال رمضان، وكذا الحكم في هلال الفطر عند العلة بالسماء. أراد بالعلم: العلم الشرعي، وهو غلبة الظن، لا القطعي الذي ينقطع عنده الشبهات. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يقبل قول اثنين (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد، والأوزاعي، إلا أنه يشترط عندهم رجلين [حرين] (٥) عدلين. وفي قول عنه: يقبل قول واحد عدل (٦)، وإن كانت [السماء] (٧) مصحية، وهو الصحيح عن أحمد، وابن الماجشون من المالكية، وأبو ثور؛ لما روينا من حديث ابن عباس من غير فصل بين أن تكون [السماء] (٨) مصحية أو لا. وجه قول الحسن: أن سائر الحقوق تثبت بشهادتهما، فكذا الهلال. وقلنا: المطالع متفاوتة، والأبصار مستوية، وأعراض الطلبة متفقة، فإذا اجتمعوا ولا مانع هناك، فلو تفرد واحد به ولا أراهم؛ فالظاهر: أنه غلط أو كاذب وشهادتهما، والدليل عليه ما روينا من حديث عمر. ثم اختلف في جمع يقع العلم بخبرهم؛ فقيل: أهل محلة. وعن أبي يوسف: خمسون رجلا (٩). وعن خلف بن أيوب: خمسمائة بِبَلْخ قليل (١٠)، وفي [الحرابة] (١١):

стр. 1812

العِلْمُ بِخَبَرِهِمْ) لِأَنَّ التَّفَرُّدَ بِالرُّؤْيَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالَةِ يُوهِمُ الغَلَطَ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ جَمْعًا كَثِيرًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يَنْشَقُّ الغَيْمُ عَنْ مَوْضِعِ القَمَرِ فَيَتَّفِقُ لِلْبَعْضِ النَّظَرُ، ثُمَّ قِيلَ فِي حَدِّ الكَثِيرِ: أَهْلُ المَحَلَّةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: خَمْسُونَ رَجُلًا اعْتِبَارًا بِالقَسَامَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ المِصْرِ وَمَنْ وَرَدَ مِنْ خَارِجِ المِصْرِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الوَاحِدِ إِذَا جَاءَ مِنْ خَارِجِ المِصْرِ لِقِلَّةِ المَوَانِعِ، وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ، بخارى لا يكون أدنى من بلخ. وفي فتاوى البقالي: الألف ببخارى قليل (١). وعن محمد بتواتر الخبر من كل جانب يحصل العلم، وهكذا روي عن أبي يوسف (٢). وعنه: جماعة لا يتصور اجتماعهم على الكذب. وعن أبي حفص: أنه يعتبر الوفاء. وعن محمد: مقدار القلة والكثرة مفوض إلى رأي الإمام. كذا في الخلاصة، وفي الْمُجْتَبى (٣)، وشرح الإرشاد. وفي البدائع: قيل: ينبغي أن يكون من كل مسجد واحد أو اثنان (٤). وقيل: من كل جماعة رجل أو رجلان. قوله: (واعتبارًا بالقسامة) والجامع كون كل واحد أمرا عظيما، ولأن القسامة حق العبد، فلما جعل خمسون معرفًا لحقه مع احتياجه؛ فلأن يجعل في حقه تعالى مع استغنائه وهو الصوم أولى. (وإليه الإشارة)؛ أي: إلى قول الطحاوي، وعلى قوله اعتمد المرغيناني، وصاحب الأقضية، وفتاوى الصغرى، لكن في ظاهر الرواية: لا فرق بين خارج

стр. 1813

وَكَذَا إِذَا كَانَ عَلَى مَكَانَ مُرْتَفِعٍ فِي المِصْرِ. قَالَ: (وَمَنْ رَأَى هِلَالَ الفِطْرِ وَحْدَهُ لَمْ يُفْطِرُ) احْتِيَاطًا، وَفِي الصَّوْمِ الاحْتِيَاطُ فِي الإِيجَابِ. المصر والمصر. كذا في الخلاصة. وفي كتاب الاستحسان: ذكر فيه: فإن كان الذي يشهد فيه ولا علة في السماء؛ لم يقبل؛ لأنه يقع في القلب من ذلك أنه باطل (١). فقيل: تخصيصه بالمصر ونفي العلة وعدم القبول دليل على القبول؛ إذا كان الشاهد خارج المصر، أو كان في السماء علة، وذكر في الاستحسان بعد هذا وهكذا. قال الطحاوي في كتابه: لأن الهواء في الصحراء أصفى، فيجوز أن يراه دون أهل المصر، وكذا يتفق من الرؤية لمن كان على مكان مرتفع، ما لا يتفق لمن دونه في الموقف (٢). وجه ظاهر الرواية: ما قلنا من تسوية الأبصار، واعتراض الطلبة، والموانع مرتفعة، والتهمة قائمة. (لم يفطر احتياطا)؛ لقيام التهمة في رؤيته، ولو أفطر عليه القضاء لا الكفارة. كذا في التجنيس، وشرح الطحاوي (٣). وكذا من رأى هلال رمضان وحده، وصام ثلاثين كما ذكرنا، ولو رأى الإمام لم يخرج ولم يأمر الناس به، وكذا لو رأى هلال رمضان وحده لم يأمر الناس بالصوم، لكن يصوم هو بنفسه، ثم ماذا يصنع بالفطر؟. قيل: يفطر سرا. وقيل: [جهرًا. وقيل:] (٤) يصح ولا ينوي ولا يأكل. وفي المحيط: ذكر شمس الأئمة: مَنْ رأى هلال الفطر وحده، ولم يقبل

стр. 1814

قَالَ: (وَإِذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ لَمْ تُقْبَلْ فِي هِلَالِ الفِطْرِ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ القاضي شهادته، ماذا يفعل؟ قال محمد بن سلمة: يمسك يومه ولا ينوي صومه (١). وقال أحمد: لا يحل أكله (٢)، وقيل: إن أيقن أفطر ويأكل سرا، وبه قال الشافعي (٣). ولو أفطر [لا خلاف] (٤) أن لا كفارة عليه، وفي القضاء خلاف كما ذكرنا. كذا في الخلاصة. وقوله: (إلا شهادة رجلين): ويشترط فيه الحرية. وينبغي أن يشترط [لفظ] (٥) الشهادة ليقع العبد كسائر حقوقه، وأما الدعوى فينبغي أن لا يشترط كما في عتق الأمة وطلاق الحرة عند الكل، وعتق العبد عند أبي يوسف ومحمد، وأما على قياس [قول] (٦) أبي حنيفة: ينبغي أن يشترط الدعوى كما في عتق العبد عنده. ولا تقبل شهادة المحدود في القذف وإن تاب، وكذا العبد والأمة، وهو قول أبي حنيفة (٧). وللشافعي في اعتبار لفظ الشهادة وجهان (٨). وعنده (٩)، ومالك (١٠)، وأحمد (١١): يقبل قول الاثنين، سواء كانت السماء

стр. 1815

رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ نَفْعُ العَبْدِ، وَهُوَ الفِطْرُ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ حُقُوقِهِ، وَالأَضْحَى كَالْفِطْرِ فِي هَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الأَصَحُ، خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ كَهِلَالِ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ نَفْعُ العِبَادِ، وَهُوَ التَّوَسُّعُ بِلُحُومِ الأَضَاحِيِّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ لَمْ تُقْبَل إِلَّا شَهَادَةُ جَمَاعَةٍ يَقَعُ العِلْمُ بِخَبَرِهِمْ) كَمَا ذَكَرْنَا. مصحية أو متغيمة في الفطر؛ لأنه حجة شرعية تثبت بها الحقوق، خلافًا لما يروى عن أبي حنيفة، روي عنه في النوادر: أن الشهادة على هلال الأضحى، كالشهادة على هلال رمضان؛ لتعلق أمر ديني به، وهو ظهور وقت الحج (١). وقوله: (لأنه تعلق)؛ دليل الأصح. وقوله: (كما ذكرنا)؛ إشارة إلى قوله: (لأن التفرد بالرؤية) إلى آخره. وعن أبي حنيفة: أنه تقبل شهادته - أي: الواحد - كذا في الْمُجْتَبى (٢). ويتعلق بهذا رؤية الهلال نهارًا في الصوم والفطر. وصورته: إذا رأى الهلال قبل الزوال أول شهر رمضان، أو في آخر يوم من الشهر؛ فعند محمد: لا عبرة لرؤيته نهارًا. وفي الإيضاح وأبو حنيفة مع محمد، فلا يصومون [به] (٣) ولا يفطرون، سواء كان قبله أو بعده، ويكون لليلة المستقبلة (٤)، وبه قال الشافعي (٥)، ومالك (٦). وقال أبو يوسف: إن كان قبل الزوال فهو لليلة الماضية، فيصومون ويفطرون، وإن كان بعده فهو لليلة المستقبلة، وبه قال الشافعي، وابن أبي ليلى،

стр. 1816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثوري، وبعض أصحاب مالك. وروي عن عثمان، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر: كقولهما. وعن [علي] (١) وعائشة: كقول أبي يوسف. له: أنه لا يرى قبل الزوال إلا وهو لليلتين ظاهرًا، فيحكم بوجوب الصوم والفطر. ولهما: [قوله:] (٢) «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (٣)، فوجب سبق الرؤية عليهما، والمفهوم منه لرؤيته عشية آخر كل شهر عند الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المجتهدين، ولأن الهلال قد تقدم لكبره وبعد الشمس. كذا في [شرح] (٤) الإرشاد (٥). وقال أحمد: إن كان في أول رمضان فهو للماضية كما قال أبو يوسف، وإن كان في آخره؛ ففيه روايتان عنه، أحدهما: أنه للماضية (٦). وفي الْمُجْتَبى: [روى الحسن] (٧) عن أبي حنيفة أنه قال: إن غاب قبل الشفق فهو للمستقبلة، وإن غاب بعده فهو للماضية. [وعن أبي يوسف] (٨): وإن رآه خلفها فللمستقبلية. قال أستاذنا: تفسير القدام: أن يكون إلى المشرق في أفلاكها، وإن كان يحركها أفلاكها إلى المغرب كما يعاين، وسير الشمس كل يوم وليلة درجة بالتقريب، وسير القمر في فلكه ثلاث عشر درجة بالتقريب، فمتى جاوز القمر

стр. 1817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشمس فالهلال إنما يرى في جهة المشرق من الشمس، فما لم يسر الهلال سيره في يوم وليلة بعد ذلك لا يرى، وهذا مما يجب حفظه (١). أفطر رمضان وهو ثلاثون يومًا، فقضي شهر بالأهلة تسعة وعشرين، تقضي يوما آخر لتمام الثلاثين، ولا اعتبار بالهلال في القضاء. ذكره في البدائع (٢). وفي خزانة الأكمل: أفطر رمضان وهو تسعة وعشرون يوما، فصام شهرًا هو ثلاثون؛ أفطر اليوم المكمل الثلاثين (٣). عدوا شعبان ثلاثين على الرؤية، وصاموا ثمانية وعشرين، فرأوا هلال شوال؛ عليهم قضاء يوم، ولو عدوه ثلاثين من غير رؤية؛ فعليهم قضاء يومين. ولو شهدوا على هلال رمضان في اليوم التاسع والعشرين؛ أنهم رأوه قبل صومهم بيوم في هذا البلد؛ لا تقبل شهادتهم؛ لمكان التهمة، ولو جاؤوا من مكان بعيد؛ قبلت. ولو رأى هلال الفطر وحده وردت شهادته، ثم رأوا هلال الفطر يوم الثلاثين نهارًا؛ لا يفطرون عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: إن رأوه قبل الزوال أفطروا، وإلا فلا. وقيل عنه: قبل العصر. قال شمس الأئمة الحليمي: لو أفطروا لا كفارة عليهم؛ لأنهم أفطروا بتأويل الرؤية (٤). والفتوى على أنهم لو أفطروا حتى رأوه وقت العصر كفروا. وفي غياث المفتي: صارت هذه المسألة واقعة لخاقان إبراهيم بن رسلان خان ببخارى على السطح بسكة دهقان في داره، فلما رأى الهلال وكان في

стр. 1818

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقت العصر هو ومن كان معه، فلما دخل عليه صبح العيد، جاءت الأئمة للتهنئة، فسألهم عن هذه المسألة؛ فأجابوه بوجوب الكفارة. قال العبد الضعيف: سألت أستاذي عن هذه المسألة، فقال: لا يلزم الكفارة؛ لظاهر قوله ﵇: «أفطروا لرؤيته» (١). قال القاضي جلال الدين: وقع هذا التأويل غير صحيح؛ لأن هذا الحديث يتناول الإفطار في وقته، كما أن قوله ﵇: «صوموا لرؤيته» (٢) يوجب الصوم في وقته، لا حين رأى، قال: ووقته بعد الغروب. ولو شهدوا برؤية الهلال وقضى به، ووجد شرائط الدعوى؛ قضى [القاضي] (٣) بشهادتهما. شهد جماعة عند قاضي القضاة بسمرقند في اليوم التاسع والعشرين؛ أن أهل كش رأوا هلال رمضان ليوم هذا اليوم، هو [يوم] (٤) الثلاثين [منه] (٥) قضى بها، وعيد غدًا، فلما أمسوا لم يروا الهلال والسماء مصحية. قال نجم الدين: لا يجوز الإفطار ولا صلاة العيد (٦). وقال صاحب بحر المحيط: لم يتضح لي وجه صحة جواب نجم الدين (٧)؛ لأن القاضي قضى بكونه يوم عيد في [محل] (٨) مجتهد فيه وصار متفقا عليه. شهد اثنين أو ثلاثة في اليوم التاسع والعشرين أنه الثلاثين؛ لرؤيتهم الهلال، فاتفقت أجوبة الأئمة ببخارى، أن السماء إن كانت متغيمة حال ما رأوا

стр. 1819

قَالَ: (وَوَقْتُ الصَّوْمِ مِنْ حِينِ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) لِقَوْلِهِ هلال رمضان؛ تقبل شهادتهم، ويُعَيّدون بها وإن لم يروا الهلال عشية الثلاثين. وفي فتاوى البديعية، والخلاصة: إن كان الشهود من أهل [هذا] (١) المصر؛ ينبغي أن لا تقبل شهادتهم؛ لأنهم تركوا الحسبة، وإن كانوا جاءوا من مكان بعيد؛ قبلت (٢). وقال الإسبيجابي: الواحد إذا رأى هلال شوال وحده وردت شهادته؛ قال محمد بن سلمة: يمسك يومه ولا ينوي صومه (٣). وقيل: إن أيقن بالرؤية أفطر سرا. وقال أبو جعفر: معنى قول أبي حنيفة: (لا يفطر)؛ أي: لا يأكل، ولكن ينبغي أن يمسك، ولو أفطر؛ لا كفارة عليه بلا خلاف (٤). ولو شهد عند صديقه سرا فصدقه وأفطر؛ لا كفارة عليه. وعن الحسن بن زاد رأى هلال شوال، فدخل مصرا في يومه وأهله صيام؛ لا يفطر، ولو أفطر؛ أساء ولا شيء عليه. كذا في الْمُجْتَبى. قوله: (الفجر الثاني): هو المستطير في الأفق؛ أي: المنتشر الذي مر في الصلاة. وقوله: (من حين): بكسر النون؛ لأنه مضاف إلى طلوع [الثاني] (٥)، وقد كان وقت الصوم في الابتداء من حين يصلي العشاء أو ينام، وهكذا كان في شريعة [من] (٦) قبلنا، فخفف الله تعالى عن هذه الأمة، وجعل أول وقته من وقت طلوع الفجر [الثاني؛] (٧) لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾ [البقرة: ١٨٧]،

стр. 1820

تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَالخَيْطَانِ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ (وَالصَّوْمُ: والسبب فيه: ما ابتلي عمر وما ابتلي به حرمة بن أنس، حين رآه النبي ﵇ مجهودًا - أي: هزالًا، فقال مالك: أصبحت طليحا، الحديث. والخيطان: بياض النهار وسواد الليل. وقال أبو عبيد: الخيط الأبيض: الصبح الصادق، والخيط الأسود: [هو] (١) الليل. كذا في المبسوط (٢). وقال ابن عباس ﵁: الفجر فجران فجر يطلع بالليل، [يحل] (٣) فيه الطعام والشراب، ولا تحل فيه الصلاة، وفجر تحل فيه الصلاة، ويحرم الطعام والشراب (٤)، وهو [الذي] (٥) على رؤوس الجبال. كذا في تتمتهم (٦). وعن عدي بن حاتم: أنه [لما] (٧) سمع هذه الآية علّق خيطين: أحدهما أبيض، والآخر أسود، وكان يأكل حتى يتبين له الخيط الأبيض من الأسود، ففعل ذلك يوما، فطلعت الشمس، فجاء إلى النبي ﵇ فأخبره بذلك، فتبسم النبي ﵇ وقال: «إنك لعريض القفا» (٨)، وفي رواية: «إن وسادك لعريض» (٩)؛ أي: منامك لطويل، فقال: «إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل» (١٠).

стр. 1821

هُوَ الإِمْسَاكُ عَنْ الأَكْلِ وَالشَّرْبِ وَالجِمَاعِ نَهَارًا مَعَ النِّيَّةِ إلى غروبِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ: وكان الأعمش يقول: أول وقت الصوم إذا طلع الشمس، ويبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، واعتبر الابتداء بالانتهاء، فانتهاء اليوم بغروبها، فكذا الابتداء بطلوعها، وهذا غلط فاحش، ولا يعتد بخلافه ذلك؛ لأنه مخالف لنص القرآن. ورويت حكاية أن أبا حنيفة دخل عليه في مرضه يعوده، فقال له الأعمش: أنت ثقيل على قلبي في بيتك، فكيف إذا زرتني! فسكت أبو حنيفة ﵀، فلما خرج من عنده، قيل له: لِمَ سِكَتَ عنه؟ فقال: ماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره، وعنى [به] (١) أنه كان يأكل بعد الفجر قبل طلوع الشمس، فلا صوم، وكان لا يغتسل إلا من الإنزال، فلا صلاة له. كذا في شرح الإرشاد (٢). وفي الكشاف: الخيط: ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط المحدود، والخيط الأسود: ما يمتد من عكس الليل، وهو ظلمة آخر الليل تشبيها بالخيطين الأبيض والأسود (٣). وقوله: (من الفجر)؛ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به [عن] (٤) بيان الخيط الأسود؛ لأن بيان أحدهما بيان للثاني. وفي الْمُجْتَبى (٥): في مبسوط بكر: اختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوع الفجر الثاني، [أم] (٦) لاستطارته وانتشاره. قيل: لا، وله حتى بدت لمعة منه فقد دخل وقت الصوم والصلاة. وقيل: لاستطارته.

стр. 1822

هُوَ الإِمْسَاكُ عَنْ الأَكْلِ وَالشَّرْبِ وَالجِمَاعِ لِوُرُودِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِ النِّيَّةُ فِي الشَّرْعِ لِتَتَمَيَّزَ بِهَا العِبَادَةُ مِنْ العَادَةِ، وَاخْتُصَّ بِالنَّهَارِ لِمَا تَلَوْنَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الوِصَالُ كَانَ تَعْيِينُ النَّهَارِ أَوْلَى لِيَكُونَ عَلَى خِلَافِ العَادَةِ، وَعَلَيْهِ مَبْنَى العِبَادَةِ، وَالطَّهَارَةُ عَنْ الحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطٌ لِتَحَقَّقِ الأَدَاءِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ. قال الحلواني: الأول أحوط (١). قوله: (هو الإمساك عن كذا): قال بدر الدين جواهر زاده (٢): ينتقض طرد ما ذكر في الكشاف بالأكل ناسيًا، فإن الصوم باق والإمساك فائت، وبالأكل قبل طلوع الشمس بعد طلوع الفجر؛ لأن النهار من حين طلوع [الشمس] (٣)، أما اليوم عام، وينتقض عليه بالحائض والنفساء، فإن هذا المجموع موجود، والصوم فائت. وأجيب عنه: بأن الإمساك الشرعي موجود في الناسي؛ ولهذا جعل الشرع أكله كلا أكل، على أنا نمنعه على قول مالك؛ فلأن المأمور به الإمساك القصدي، فمنعنا فيه الأكل القصدي، وبأن المراد بالنهار: النهار الشرعي، وهو [اليوم] (٤)، وبالحيض خرجت عن أهلية الأداء. والمنقول عن الإمام بدر الدين الورسكي: الصوم هو الإمساك عن المفطرات لله تعالى بإذنه في وقته، ثم الطهارة عن الحيض والنفاس شرط الأداء في حق النساء بالإجماع. والمراد [بالطهارة] (٥) عنهما: عدمهما لا الاغتسال منهما. (وعليه)؛ أي: على خلاف العادة مبنى العبادة، والله أعلم.

стр. 1823

بَاب مَا يُوجِب القضاء والكَفَّارة قَالَ: (وَإِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَهَارًا نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ) وَالقِيَاسُ أَنْ يُفْطِرَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِوُجُودِ مَا يُضَادُّ الصَّوْمَ فَصَارَ كَالكَلَامِ نَاسِيًا فِي الصَّلَاةِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: قَوْلُهُ ﵊ لِلَّذِي أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا: … ... باب ما يوجب القضاء والكفارة لما فرغ الشيخ من بيان أنواع الصوم في حق النية والتفسير؛ شرع في بيان ما يجب عند الإتيان بما يضاده. قوله: (ناسيًا)؛ أي: لصومه؛ لأنه ذاكر للأكل والشرب أو الجماع. وقوله: (لم يفطر): بالتشديد والتخفيف، فعلى الأول يكون مسندًا إلى الأكل وما يضاهيه، وهو قول مالك وربيعة. وقال الشافعي: لو استكثر الأكل يفطر في قول؛ لأن ذلك لا يقع غالبًا، فيكون نادرًا ولا حكم له. كذا في تتمتهم (١). وقال الأوزاعي، وعطاء - وفي المبسوط: مكان عطاء سفيان الثوري (٢) -: يبطل بالجماع ناسيًا دون الأكل والشرب، وبه قال أحمد (٣)، والشافعي في قول (٤)؛ لأن النص ورد فيهما على خلاف القياس، فلا يقاس عليهما، ولا يلحق بهما دلالة؛ لأن زمان الصوم وقت الأكل والشرب عادة، فيبتلى فيه بالنسيان، وليس بوقت للجماع عادة، فلا تكثر فيه البلوى، إلا أن أحمد قال: يجب به الكفارة، وبه قال الشافعي في قول (٥)، ومالك (٦). قوله: (وجه الاستحسان) - وهو قولنا والشافعي -: الحديث المذكور في الكتاب.

стр. 1824

تِمَّ عَلَى صَوْمِكَ فَإِنَّمَا أَطْعَمَكَ اللَّهُ وَسَقَاكَ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشَّرْبِ ثَبَتَ فِي الوِقَاعِ لِلاسْتِوَاءِ فِي الرُّكْنِيَّةِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ مُذَكِّرَةٌ (تم على صومك)؛ أي: أتممه وامض عليه واستمر عليه. رواه الجماعة إلا النسائي. ولما عدى على تكلمه صار معناه: أتم حكم النبي ﵇ ببقاء صومه، حيث أمره بإتمامه. وروي أنه ﵊ قال: «من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاءعله» (١)، والحديث مشهور تلقاه الصحابة والتابعون بالقبول. كذا في المبسوط (٢). (الاستواء في الركنية)؛ يعني: ثبت فيه بالدلالة لا بالقياس؛ لأنه نظيرهما من كل وجه، فإن الكف عن الكل ثبت بنص واحد، فيكون الكف عنه ركنا كالكف عنهما. إليه أشير في مبسوط شيخ الإسلام (٣). وفي مبسوط شمس الأئمة: قال أبو حنيفة: لولا قول الناس لقلت: يقضي؛ أي: لولا روايتهم للأثر، ولولا قول الناس: إن أبا حنيفة خالف الأثر لقلت كذا (٤). فإن قيل: الجماع ليس في معنى المنصوص؛ لأن زمان الصوم وقت للأكل وليس بوقت الجماع عادة، فلا تكون فيه البلوى. قلنا: لما ثبت بالنص المساواة بين الأكل والشرب والجماع في وجوب الكفارة، فكان النص الوارد في أحدهما وارد في الآخر، كمن يقول لغيره: اجعل زيدًا وعمرًا في العطية سواء، ثم يقول: أعط زيدًا درهما، كان تنصيصا على أنه يعطي عمر درهما أيضًا. كذا في المبسوط (٥).

стр. 1825

فَلَا يَغْلِبُ النِّسْيَانُ وَلَا مُذَكِّرَ فِي الصَّوْمِ فَيَغْلِبُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الفَرْضِ وَالنَّفْلِ لِأَنَّ فإن قيل: هذا الحديث مخالف للكتاب، فإنه يقتضي فساد صومه؛ لفوات المأمور به وهو الإمساك؛ لوجود الأكل حقيقة، ولا معنى للمخالف إلا هذا. قلنا: في كتاب الله تعالى إشارة إلى أن النسيان معفو؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فكان [الحديث] (١) موافقا للكتاب، فيعمل به، ويحمل الكتاب على حالة العمد؛ للجمع بين الدلائل. كذا نقل عن العلامة مولانا حميد الدين ﵀ (٢). وعن [الإمام] (٣) شمس الأئمة الكردري: إنا لا نسلم فوات ركنه؛ لأنه مأمور بالإمساك عن اختياره، فكان ضده للأكل عن اختيار ولم يوجد؛ لأنه كالمجنون عليه من قبل من له الحق؛ لأنه خلق كذلك، ولا يقدر على أن لا ينسى (٤). وعن [الإمام] (٥) الكساني: أن فيه عملا بالكتاب؛ لأن الاعتبار للأكل بالنسيان يوجب الحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. قوله: (ولا فرق بين الفرض والنفل) وقال مالك، ومحمد بن مقاتل الرازي، وابن أبي ليلى: يقضي في الفرض، وهو القياس. كذا ذكره [الإمام] (٦) المحبوبي (٧). وفي الْمُجْتَبى: وفي مبسوط بكر: ولو رأى صائمًا يأكل، إن كان شابًا يخبره، والشيخ لا (٨).
следующие страницы →